هذه الصيغة وإن كانت قابلة للتطبيق، إلا أنها مكلفة وبخاصة في الحالات التي تتطلب عملية تحويل ملكية الأصول إلى حملة الصكوك إجراءات معقدة، أو لا يتوفر على الشركة أصول حقيقة صالحة مثل هذه الصيغة.
إن البديل المناسب ل سندات القرض الربوية هو صكوك المشاركة التي جرى تطويرها من قبل بعض الجهات الفنية، وقد وقع العمل بها فعلا. وتقوم فكرتها الأساسية على إصدار الشركة عند حاجتها إلى المال لصكوك لا تختلف في طبيعتها عن الأسهم بما فيها التداول في أسواق المال، ويتمتع حملتها بكل حقوق المساهم، ويأخذ من الأرباح نصيبا لا يختلف عن أنصباء من يملك من حملة الأسهم مثل حصته من الشركة. ما عدا أن حامل الصك يتنازل عن حقه في التصويت في الجمعية العمومية وتلتزم الشركة بإعادة شراء هذه الصكوك بعد فترة محددة.
والسؤال: ما الجديد في هذه الفكرة؟ ولماذا اختلفت هذه الصيغة عن تجارب سابقة لم تكلل بالنجاح؟ الجواب عن ذلك أن القائمين على هذا المشروع تداركوا أن سبب فشل التطبيقات السابقة هو الإخفاق في تحقيق العدالة بين حملة الأسهم القدامى ومن يشترى هذه الصكوك وهي صكوك ملكية لا مداينة. فالإشكال فيما مضى كان في تحديد معنى الربح، ومتى يتحمل أصحاب هذه الصكوك هذه الصكوك الخسار. ولذلك فقد تضمنت الصيغة تطويرا جديدا هو تعريف الخسار بأنه ما تقع فيه الشركة بعد استنزاف الاحتياطات المتراكمة لديها، بمعنى آخر أن الشركة ستستمر في توزيع الأرباح حتى تستنفذ ما لديها من احتياطات. ينبني على هذا نتيجتان:
الأولى: أن مشتري الصك يمكنه الاطلاع على حسابات الشركة، فيعرف قبل إقدامه على الشراء قوتها المالية وحجم احتياطياتها.
والثانية: أن لا مصلحة للشركة في إخفاء أرباحها عن حملة الصكوك أو زيادة تكاليف نشاطها لحرمانهم من العائد إذ هم سيقتسمون مع حملة الأسهم القدامى تلك الاحتياطات.
هذه فكرة جديرة بالنظر، لأنها قادرة على أن تقدم بديلا عمليا بالغ الكفاءة ل سندات القرض الربوية، وصيغة تنسجم مع روح النظام الإسلامي الذي يشجع المشاركات كما أنها قابلة للتطبيق وتمثل تطويرا متميزا حتى بموازين ومقاييس الماليين.
محمد على القري بن عيد
стр. 17642
المراجع
_ القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم.
ـ إسحاق بن هاني، مسائل الإمام أحمد، تحقيق زهير الشاويش، بيروت، المكتب الإسلامي.
ـ مالك بن أنس، والموطأ مع شرح الزرقاني.
ـ الباجي، المنتقى شرح الموطأ.
ـ نزيه حماد، بيع الكالئ بالكالئ، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز – جدة.
ـ ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين.
ـ ابن قيم الجوزية، شفاء الغليل.
ـ ابن تيميه الحراني، مجموع الفتاوى.
ـ الشوكاني، السيل الجرار.
ـ الشوكاني، نيل الأوطار.
ـ ابن منظور، لسان العرب.
ـ مجلة الأحكام العدلية العثمانية.
ـ أبو الأعلى المودودي، الربا – بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٣٩٩ هـ.
ـ التهانوي، إعلاء السنن.
ـ ابن عبد البر، الكافي.
ـ ابن عبد البر، التمهيد.
ـ القاضي عبد الوهاب، التلقين.
ـ المواق، حاشية على مواهب الجليل.
ـ المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
ـ ابن عابدين، الدر المختار.
ـ إبراهيم فاضل الدبو، ضمان المنافع دراسة مقارنة – عمان، دار عمار، ١٩٩٧ م.
ـ ابن رشد الجد، البيان والتحصيل.
ـ زهير عباس كريم، النظام القانوني للشيك –عمان، مكتبة الثقافة، ١٩٩٧ م.
ـ السبكي، الإبهاج على شرح المنهاج.
ـ الصديق محمد الأمين، الغرر وأثره في العقود، طبعة البركة.
ـ صلاح سلطان، سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية، دار هجر.
ـ محمد على القري، مشكلة العجز المالي الحكومي في الاقتصاد الإسلامي، بحوث الاقتصاد الإسلامي، مجلد ٢، عدد ١، ١٤١٢ هـ.
ـ محمد علي القري، الأسواق المالية ـ جدة دار حافظ للنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ.
***
стр. 17643
بيع الدين وسندات القرض
وبدائلها الشرعية في مجال القطاع العام والخاص
إعداد
الدكتور سامي حسن حمود
نائب رئيس شعبة البنوك والتمويل الإسلامي
المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب
البنك الإسلامي للتنمية ـ جدة
ملاحظة: يعبر هذا البحث عن رأي كاتبه ولا يمثل بالضرورة رأي المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بحكم انتسابه إليه بالعمل فيه.
قبس من نور الكتاب المبين
يقول الله تعالى: ﴿ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .﴾ صدق الله العظيم [النساء: ١٣ – ١٤] .
نفحة من نسمات الحديث النبوي
عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب))
[متفق عليه] (١)
стр. 17644
الفصل التمهيدي
في الديون والسندات والأدوات المستحدثة
أولا ـ تعريف الدين وبيان أسباب ثبوته:
الدين في اللغة ـ كما في المعجم الوسيط – القرض ذو الأجل (١) . أما في الاصطلاح فقد اختارت الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالكويت ما قاله ابن نجيم بأن الدين: " لزوم حق في الذمة (٢) . وهذا تعريف واسع يشمل الحقوق غير المالية مما يثبت بذمة المكلف. لذلك يهمنا تحديد المراد من الديون نطاق هذا البحث بأنه ما يكون مرتبطا بالحقوق المالية مثل الدين الناشئ عن قرض أو ثمن مبيع أو بدل إجازة أو إتلاف (٣)
وقد أمر الله بكتابة الدين في آية هي الأطول في القرآن الكريم حيث ابتدأها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوه ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
ويذكر المفسر الشيخ عبد الرحمن السعدي أن هذه الآية تدل على جواز المعاملات في الديون سواء كانت دين سلم أو شراء ما كان مؤجلا ثمنه (٤) .
ويقتضي تحديد اصطلاح الفقه في تعريف الدين بأنه: " ما وجب من مال في ذمة المدين " أن يتعلق الدين بذمة المدين ولا يتعلق بشيء من أمواله، وذلك سواء كانت هذه الأموال مملوكة للمدين حتى ثبوت الدين أم كانت مما ملكه من أموال بعد ذلك ولا يكون وجود الدين مانعا له من التصرف فيما يملك (٥) .
أسباب ثبوت الدين في الذمة:
الأصل في الإنسان أنه بريء الذمة، ولكن قد تشغل ذمته بأحد الأسباب الموجبة لاعتباره مدينا. وقد أرجعت الموسوعة الفقهية أسباب وجوب الدين في ذمة الإنسان إلى تسعة أسباب (٦) وهى تقبل التقسيم عند التحقيق إلى ثلاث زمر:
أـ ديون تنشأ عن تعاقد، وذلك مثل الديون الناتجة عن ثمن الشراء ودين السلم والقرض والإجارة، والزواج والطلاق على مال والكفالة بالمال. وهذه هي ديون الالتزامات التعاقدية.
ب- ديون تنشأ عن الاستحقاق أو التصرف المنفرد؛ كالديون التي تستحق على العباد مثل الزكاة حيث يصبح المستحق من الزكاة دينًا في ذمة المكلف وكذلك الوقف والوصية في حدودهما الشرعية، وهذه هي ديون التصرفات.
ج ـ ديون تنشأ عن ضمان، مثل إتلاف ملك الغير والتفريط في حفظ الأمانة والوديعة والعارية، وهذه هي ديون الضمانات.
стр. 17645
وبذلك تنحصر أسباب ثبوت الديون في ذمة من يتحملها في أحد ثلاثة أسباب هى: التعاقد، الإرادة المنفردة، الضمان.
يتبين مما سبق أن ما يقبل الثبوت في الذمة من أموال إنما يرتبط بالسبب الموجب لذلك الثبوت. ففي حالة الشراء مثلا، فإن ما يثبت في الذمة هو ثمن الشيء المشترى، وهو غالبا من الأثمان كذا دينار أو كذا ريال، أما الدين الناشئ عن السلم فإن ما يثبت الذمة هو الشيء المسلم فيه مثل مائة طن من القمح أو ألف إردب من الأرز. أما القروض فقد تكون نقودًا، وقد تكون سلعا مثلية مما يقبل الإقراض كالقمح والشعير والأرز.
أما ديون ضمان المتلفات فإن الأصل أن يرد الشيء بمثله، فإذا تعذر رد الأصل فإنه يصار إلى البدل، والبدل هو في العادة قيمة الشيء.
وأما ديون المستحقات، فإنها تكون تابعة لموجب الاستحقاق، فالزكاة عن النقود مثلا تستحق نقودا.
ثانيًا – التمييز بين الديون والأعيان المالية:
أوضح الشيخ مصطفى الزرقاء عند تناوله مسألة التمييز بين الديون والأعيان المالية أنه يترتب على هذا التمييز نتائج هامة في الأحكام الفقهية العملية أهمها ما يلي:
١ – الديون أمور اعتبارية محلها الذمم وليس لها وجود خارجي، أما الأعيان المالية فهي أموال ذات وجود خارجي.
٢ – الديون لا يكون محلها إلا مالا مثليًّا وذلك لأن المال المثلي هو الذي يقبل الثبوت في الذمة، وهناك أموال قيمية تنضبط بالوصف كالأقلام المصنعة آليًّا، فإنها تأخذ حكم المال المثلي. كما استثنى الفقهاء المهر في عقود النكاح حيث أجازوا أن يكون الدين فيه من الأموال القيمية.
٣ – الديون الثابتة في الذمم لا تقبل القسمة إلا بعد أن تقبض، فلا يحق لأحد الشركاء في الدين المشترك أن يستأثر بما قبضه من الدين في مقابل حصته بل يكون لشركائه في الدين أن يقاسموه في المقبوض بحسب حصصهم.
٤ – الديون في الذمم لا تعتبر محلا صالحا لعقود التمليك والمعاوضة.
٥ – عقد الحوالة لا يجري إلا في الديون دون الأعيان لأن الأعيان إنما تستوفى بذواتها لا بأمثالها.
٦ – الديون يجري فيها التقاص، وبذلك فإنها تقضى بأمثالها، أما الأعيان فلا تجري فيها المقاصة فإذا ثبت للمدين عند الدائن مثل ما للدائن عليه جنسا وصفة واستحقاقا تقع المقاصة حكما، وذلك بخلاف ما لو كان لشخصين عين مغصوبة لكل منهما عند الآخر وهما متماثلتان، فإن لكل منهما أن يطالب الآخر بالعين التي تخصه حيث لا تقع المقاصة بينهما.
٧ – الإبراء إنما يتعلق بالديون ولا يتعلق بالأعيان وذلك لأن الإبراء إسقاط وملكية الأعيان لا تقبل ذلك.
٨ – إن الدعوى بالعين لا تقام إلا على ذي اليد، أما الدعوى بالدين فإنها يمكن أن ترفع على غير المدين.
стр. 17646
هذه هي مجمل خصائص الدين بالمنظور الفقهي الشامل حيث تتبين طبيعة هذا الالتزام، وأنه يمثل حقًّا شخصيًّا مرتبطا بذمة المدين، وأن هذا الحق محله الذمة.
ويعبر الفقه الإسلامي عن الدين غالبا بالتزام الملتزم بالنقود، أو ما في حكمها من الأشياء المثلية التي تثبت في الذمة من المكيلات أو الموزونات أو المزروعات أو العدديات المتقاربة (المادة ١٥٨ من مجلة الأحكام العدلية) .
ثالثا – سندات القرض وموقعها من الدين:
يعتبر سند القرض من الديون سواء كان قرضا حكوميًّا أو قرضا لشركة مساهمة من القطاع الخاص، ويتم إصدار السندات الحكومية المعاصرة بقيمة نقدية أي أنها اقتراض بالنقود.
وعندما تقترض الحكومة فإنها تفعل ذلك بموجب قانون ـ غالبًا ـ وهو يسمى قانون الدين العام، وتتخذ إصدارات الدين الحكومي صورة السندات المسجلة أو السندات لحاملها أو أذونات الخزينة (١) . ويكون لهذه السندات فوائد محددة النسبة وجوائزأحيانًا وتعتبرقيمة السندات وفوائدهاوجوائزها المستحقة دينًا ممتازًا على موجودات الحكومة وتسدد من إيراداتها العامة (٢) .
وتسير معظم الحكومات في البلاد الإسلامية – مع الأسف العميق – على هذا المنهج في الاقتراض بسندات الفوائد حيث تعتبر هذه السندات أسرع وسيلة لتغطية عجز الموازنة الحكومية.
وقد استحدثت إحدى دول جنوب شرق آسيا وسيلة جديدة أسمتها (السندات الإسلامية الحكومية) وفقًا لقانون برلماني صادر تحت مسمى قانون الاستثمار الحكومي لسنة ١٩٨٣ (٣) ورغم صدور السندات بموجب قانون الاستثمار المشار إليه أعلاه، إلا أن الواقع الذي صرح به أحد المسؤولين بالبنك المركزي لتلك الدولة يشير صراحة أن هذه السندات هي اقتراض لصالح الحكومة على أساس القرض الحسن ظاهرًا، وذلك باعتبار أن أصحاب هذه الأموال لا ينتظرون أي عائد على قروضهم، ولكن تكفل الحكومة لهم إعادة رؤوس أموالهم عند الاستحقاق (٤)
ويقول هذا المسؤول بأنه تم تشكيل لجنة تتضمن ممثلين من وحدة التخطيط الاقتصادي، وشعبة الشؤون الدينية برئاسة الوزراء، ومن وزارة المالية والبنك المركزي لتقديم المشورة للحكومة حول معدل العائد الذي يتم إعلانه فقط عند استحقاق السندات ومدتها سنة واحدة.
وكانت هذه الأرباح المعلنة قد تدرجت نسبتها من عام ١٩٨٩ – ١٩٩٥ م) من (٥,٥ % - ٨,٥ %) (٥) .
أما سندات القطاع الخاص فإن أشهر ما هو معروف منها هو سند القرض الذي تخول معظم قوانين الشركات إصداره بقيود نظامية مفروضة على الشركات المساهمة وهى سندات قرض بفائدة غالبا.
فقد عرف قانون الشركات الأردني رقم (١) لسنة ١٩٨٩ م إسناد القرض بأنها: " أوراق مالية ذات قيمة اسمية واحدة قابلة للتداول تصدرها الشركة المساهمة العامة، وتطرحها للاكتتاب العام أو الخاص وفقا لأحكام هذا القانون للحصول على قرض لا تقل مدته عن خمس سنوات، وتتعهد الشركة بموجب هذه الأسناد بسداد القرض وفوائد وفقا لشروط الإصدار ". (المادة ١٤١) .
стр. 17647
أما قانون الشركات التجارية الكويتي رقم (١٥) لسنة ١٩٦٠ م فإنه لم يورد تعريفًا ل سندات القرض بل أخذ ضمنا بما هو معروف عموما عن تلك السندات من حيث اعتبارها قرضا، وأنها تعطي الحق لمالكها في استيفاء فائدة محددة تدفع في آجال معينة (المادة ١١٧) .
وكان القانون الكويتي أدق في التعبير من القانون الأردني عندما اعتبر أن الشركة المساهمة تقترض في مقابل إصدارات سندات (المادة ١١٦) ، بينما قلب القانون الأردني الوضع المنطقي عندما نص على أن تصدر الشركة المساهمة إسنادًا تعرضها بطريق الاكتتاب للحصول على قرض (المادة ١٤١) .
أما نظام الشركات السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / ٦) تاريخ ٢٢/٣/١٣٨٥ هـ وتعديلاته، فقد نص على سندات القرض للشركات المساهمة، ولكنه تميز عن غيره من القوانين بإسقاط ذكر الفائدة، أو حتى الالتزام بأداء أي عائد في مقابل هذا الإقراض.
رابعًا – الأدوات التجارية المستحدثة للديون:
تنص غالب القوانين التجارية على أدوات مختلفة للديون منها السند لأمر Promissory note وسند السحب أو الكمبيالة Bill of Exchange. والفرق بين هاتين الأداتين أن الأداة الأولى تعهد يصدره الشخص على نفسه بأن يدفع إلى شخص معين أو لأمره مبلغًا من النقود في تاريخ معين ومكان محدد، بينما تكون الأداة الثانية أمرا من دفع يوجهه الساحب إلى المسحوب عليه ليدفع للساحب نفسه أو إلى طرف آخر أو لأمره مبلغا معينا من النقود في تاريخ معين ومكان محدد، ويحتاج هذا الأمر إلى العرض على المسحوب عليه ليكتب عليه عبارة مقبولة الدفع بتاريخ كذا حتى يصبح ملزمًا له.
وتحدد القوانين التجارية أحكام التعامل بهذه الأدوات سواء من حيث إنشائها وما يتطلبه ذلك من بيانات، وكذلك أحكام تداولها، وضمانتها وأحكام انقضاء الالتزام الثابت فيها (١) .
أما الشيك وهو الصك المحرر المسحوب على بنك بطلب دفع مبلغ معين من النقود لحامله أو لشخص مسمى أو لأمره، فإنه لا يعتبر من أدوات الديون بل هو أداة وفاء. والفرق بين الشيك والسند لأمر وسند السحب أن الشيك يحرر بتاريخ معين ليدفع فور الاطلاع عليه، وهذا ما نص عليه على سبيل المثال قانون التجارة الكويتي في المادة ٥٣٢:
١ – أن يكون الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه وكل بيان مخالف للشيك يعتبر كأن لم يكن.
٢ – وإذا قدم الشيك للوفاء اليوم البين فيه كتاريخ لإصداره وجب وفاؤه في يوم تقديمه.
لذلك فقد نصت المادة (٥١٨) من قانون التجارة المشار إليه على أن اشتراط فائدة في الشيك يعتبر كأن لم يكن. والسبب في ذلك هو أنه يفترض عدم وجود مدة ائتمان في الشيك حيث أنه يحرر ليدفع وتقبض قيمته، وذلك على خلاف السند لأمر أو سند السحب.
ذلك أن السند لأمر وسند السحب كلاهما يجرى تحريرهما بتاريخ معين هو تاريخ الإنشاء لتدفع القيمة في تاريخ آجل هو تاريخ الاستحقاق، أي أن هناك فارقًا زمنيًّا بين تاريخ الإنشاء وتاريخ الاستحقاق. ورغم ذلك فقد يخلو السند لأمر وسند السحب من تاريخ الاستحقاق، فيعتبر كل منهما في هذه الحالة مستحقا بالاطلاع (م ٤٠٦) تجارى كويتي لسند السحب (الكمبيالة) و (م ٥٠٧) تجارى كويتي للسند لأمر.
وقد استحدث البنك الإسلامي الماليزي ما أطلق عليه اسم الكمبيالات الإسلامية المقبولة (٢)
Accepted Bills) ، وكذلك سندات السحب للصادرات (٣) .
стр. 17648
أما الشكل الأول فتطبيقها مبني على أن البنك الإسلامي الماليزي عندما يكون له دين على العميل، ويكون هذا الدين ناشئا عن مراجعة سابقة مع ذلك العميل، فإن البنك يحرر سند سحب (كمبيالة) بالقيمة ويتم قبولها من قبل المسحوب عليه بمبلغ يشمل أصل الدين، ويسمح البنك المركزي الماليزي لهذه الكمبيالة المسماة (الكمبيالة الإسلامية المقبولة) أن تتم المتاجرة فيها بالبيع والشراء في السوق الثانوية. والمتاجرة بالكمبيالة المذكورة في واقع الأمر هي بيع الكمبيالة وشراؤها بنقود حاضرة تقل عن القيمة الاسمية المحررة بها تبعا لزمن استحقاقها.
أما كمبيالة الصادرات فإنها عبارة عن سند السحب الذي يصدره العميل المصدر في ماليزيا على المستورد في الخارج لدفع قيمة البضائع المصدرة حيث يكون الدفع محددا بتاريخ آجل في المستقبل، فإذا صدر هذا السند وتم قبوله من المستورد، فإنه يصبح ورقة تجارية قابلة للتداول. فإذا كانت البضائع المصدرة واقعة ضمن نطاق ما هو مطلوب تشجيعه، فإن البنك الإسلامي الماليزي يبيع هذه الكمبيالة للبنك المركزي الماليزي بشروط تفضيلية (١) ، أي بسعر يتضمن هامش ربح مخصوم حسب الاصطلاح الماليزي لبيع الديون.
كما ظهرت في ماليزيا أيضا ولأول مرة منذ عام ١٩٩٠ م أدوات الدين الخاصة الإسلامية Islamic Private Debt Instruments لتكون مصدرًا بديلًا وأداة إضافية للتمويل كما يقول السيد عون إسماعيل من البنك المركزي الماليزي في محاضرته بالكويت عن التجربة الماليزية (٢) .
وقد تم تصوير إصدار هذه السندات في المحاضرة المشار إليها بشكل مبهم، ولكن مؤلف كتاب التمويل الإسلامي كان واضحا في الإفصاح عن طبيعة هذه الأدوات التي صدرت لصالح شركة (شل) الماليزية في يونيو عام ١٩٩٠ م تحت الاسم المبين أعلاه باستحقاق لخمس وثماني سنوات، وبعائد (٧,٥ %) للاستحقاق الأول (٧,٧٥ %) للاستحقاق الثاني، ثم تبع ذلك في نفس العام في شهر ديسمبر إصدار أدوات من ذات النوع لصالح شركة شل في ساراواك (ماليزيا الشرقية) باستحقاقين أيضًا؛ أولهما بمقدار (٢٤٠) مليون دولار ماليزي، والثاني بمقدار (٣٢٠) مليون دولار ماليزي (٣) .
كما قام المجلس الوطني للرهونات Cagmas Berhard بإصدار مشروع أسهم ديون الإسكان الماليزية أو سندات (كاجماس) للمضاربة وذلك – كما يقول المحاضر عون إسماعيل من البنك المركزي الماليزي – لتمويل ديون الإسكان الإسلامية والتي تبلغ (٣٠ مليون رنجيث ماليزي) عن طريق المؤسسات التي زودت عملاءها وموظفيها بالتمويل الإسلامي (٤) .
وفي ظل هذا المشروع يقوم (كاجماس) بشراء ديون الإسكان الموجودة والمتعاقد عليها في ظل مشروع العمل المصرفي الإسلامي حيث يصدر بدوره سندات (كاجماس) للمضاربة لتمويل هذا الشراء، ويتم التفاوض على شراء الديون حيث يتشارك كل من حملة السندات و (كاجماس) في الأرباح بناء على نسبة معين من المشاركة في الربح (٥) .
ورغم هذا الوصف المعقد فإن العملية إذا كانت شراء موجودات مشاريع الإسكان بهدف المشاركة في الربح عند البيع، فإن العمل لا يعتبر من بيع الديون. أما إذا كانت القضية شراء الديون التي تمثل الثمن الآجل للمساكن ليتم هذا الشرط بنقد حاضر، فإن هذا هو ما يدخل ضمن نطاق البحث عن حكم بيع الديون في الفقه الإسلامي.
* * *
هذه هي المقدمة الاستعراضية في تعريف الدين وبيان أسباب ثبوته، وما يقبل الثبوت في الذمة من أموال مع التمييز بين الديون والأعيان، وبيان موقع سندات القرض من الدين، وأخيرًا بيان أدوات الدين التجارية المعاصرة والمستحدثات الورقية الجديدة تحت المسميات الإسلامية.
* * *
وبذلك فقد تضمن هذا الفصل التمهيدي بيان مختلف أشكال الديون سواء كانت ناشئة عن التزامات بما في ذلك الاقتراض أو مرتبة على مبايعات سابقة.
فهل يجوز مثل بيع هذه الديون، وما هي ضوابط هذا البيع وشروطه في الفقه الإسلام؟
جواب ذلك سيأتي إن شاء الله في القسم الأول من هذا البحث.
ثم إن هذه السندات ذات الفوائد والتي يظن البعض أن للقطاع العام كالحكومة ومؤسساتها وللقطاع الخاص كالشركات المساهمة حاجة بإصدارها، أليس هناك عنها غنى أو بديل يحل محلها بالحلال؟
وهل أصبح الفكر الإنساني عقيمًا فلا يقدم الأدوات التي تخضع للشرع وتحقق المقصود دون مواربة أو التواء؟
والجواب على ذلك هو أن البديل موجود، ولكن ما ينقصنا هو إرادة الخلاص من الحرام، والتوجه إلى ما هو أقوم وأطهر وأسلم.
стр. 17649
القسم الأول
أحكام بيع الديون في الفقه الإسلامي
تمهيد:
تتعلق أحكام بيع الديون في الفقه الإسلامي بتحديد مفهوم البيع، وبيان أقاسمه من حيث: المحل والشروط الخاصة بالمبيع؛ للوصول بالنتيجة إلى حكم المبيع إذا كان من الديون. وبيان ما يجوز بيعه من الديون وما لا يجوز.
الفصل الأول – تحديد مفهوم البيع وتقسيمه من حيث المحل
الفرع الأول – تحديد مفهوم البيع:
يطلق البيع على المبادلة بين شيئين، فمن يبيع يعطي شيئًا ليأخذ بدله شيئًا آخر، وهو من أسماء الأضداد، ولكن إذا أطلق لفظ البائع فالمتبادر للذهن أنه يراد بذلك باذل السلعة (١) .
أما في الاصطلاح الفقهي فقد اختارت مجلة الأحكام العدلية أن تعرف البيع بأنه: "مبادلة مال بمال ".
وقد أوضح شارح المجلة المرحوم علي حيدر بأن المراد من ذلك: " أن البيع هو تمليك مال مقابل مال على وجه مخصوص"، وأن هذا القيد يقصد به إخراج التبرع والهبة بشرط العوض (٢) .
ويعرف المالكية البيع بأنه: " دفع عوض في معوض" (٣) ، وجاء في المقدمات لابن رشد (الجد) إن البيع: " نقل الملك عن عوض " (٤) .
كما عرَّف الشافعية البيع بأنه: " مقابلة مال بمال على وجه مخصوص" (٥) ، وأورد القليوبي تعريفًا للبيع بقوله: " عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربة" (٦) .
أما الحنابلة فقد عرفوا البيع بأنه: "مبادلة مال – ولو في الذمة – أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد يغر ربا وقرض " (٧) .
فالبيع مبني إذن على المبادلة وذلك على أساس المعاوضة حيث يقدم البائع شيئًا ليأخذ بدلاً عنه ما يماثله في نظره قيمة، وذلك على سبيل التراضي وبهدف التمليك والامتلاك القاطع. فالبائع يعطي السلعة والمشتري يقدم الثمن وهما يقصدان تمليك بعضهما البعض ما يقدمه كل منهما عن رضا وعن اختيار.
وبديهي أن المبادلة تعني المغايرة حيث لا يعطي الإنسان العاقل شيئًا ليأخذ مثل ما أعطى، وذلك لأنه لا يفيد من ذلك شيئًا إلا إذا كان هناك فارق نوع وجودة بين البدلين، وهنا يتدخل الشرع في حالة مبادلة الجنس بجنسه كالتمر بالتمر مثلًا، فيمنع زيادة أحد البدلين عن الآخر أو تأجيل تسليم أحدهما حيث يشترط في مثل هذا البيع أن يكون يدًا بيد ومثلاً بمثل.
стр. 17650
ومن هنا يمكن للناظر فهم كلام الإمام الشافعي بأن الله – – قد ذكر البيع في غير موضع من كتابه الكريم بما يدل على إباحته فاحتمل أن يكون هناك معنيان:
أحدهما: أن يكون الله – – أحل كل بيع تبايعه المتبايعان جائزي الأمر فيما تبايعاه عن تراض منهما، وهذا أظهر معانيه.
والثاني: أن يكون الله – – أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله ﷺ المبين عن الله – – معنى ما أراد، فيكون هذا من الجمل التي أحكم الله فرضها بكتابه، وبين كيف هي على لسان نبيه أو من العام الذي أراد به الخاص. . . أو من العام الذي أباحه إلا ما حرم على لسان نبيه ﷺ ومنه وما في معناه. (١)
فأصل البيوع – كما يقول الإمام الشافعي – كلها مباح إذا كانت برضى المتبايعين الجائزي التصرف في الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وما كان في معنى ما نهى عنه. (٢) .
فالبيع إذن هو مطلق المبادلة تمليكًا وامتلاكًا، ومحله هو ما يقع عليه التعاقد.
فما هي أقسام هذا المحل؟
الفرع الثاني – تقسيم البيع من حيث المحل:
ينقسم البيع من حيث محله أي الشيء المعقود عليه إلى أربعة أقسام، وذلك وفق ما بينته مجلة الأحكام العدلية في المواد ١٢١ – ١٢٣، وهذه الأقسام هي:
أ- بيع المال بالثمن أي مبادلة المثمنات بالأثمان، وذلك مثل بيع السيارة بعشرة آلاف دولار، وهذا القسم هو أشهر أنواع البيوع وهو الذي يسمى بيعًا عند إطلاق الوصف (م ١٢٠) .
ب- بيع النقد بالنقد وهو المسمى بالصرف كما عرفته المادة ١٢١) من مجلة الأحكام العدلية، ويخضع هذا البيع لأحكام الصرف من حيث اشتراط المماثلة عند اتحاد الجنس مع الفورية في تقابض البدلين (كالذهب بالذهب مثلاً) ، وكذلك اشتراط الفورية لتقابض البدلين فقط عند اختلاف الجنس (كالذهب بالفضة والدولار بالريال) .
ج – بيع العين بالعين وهذه هي المقايضة أي مبادلة المال بالمال من غير النقدين حسب تعريف المادة (١٢٢) .
د – بيع السلم وهو مبادلة آجل بعاجل أي بيع مؤجل بمعجل حسب تعريف المادة (١٢٣) .
ويدل هذا التقسيم أن البيع رغم أنه مباح في الجملة إلا ما يندرج تحته من أقسام إنما يخضع للشروط التي تخص كل عقد بحسب طبيعته.
فالتبادل في البيع المطلق يجيز مثلاً تعجيل الثمن أو تأجيله أو تقسيطه، أما في بيع السلم فإنه لا بد من تعجيل أداء رأس المال.
فإذا كانت الحالة بيع صرف؛ أي بيع نقد بنقد، فإنه يشترط هنا الفورية في تقابض البدلين إذا اختلفا جنسًا؛ كالذهب بالفضة، والدولار بالدينار. أما إذا اتحد الجنس كالدينار بالدينار والدولار بالدولار، فإنه يشترط قيام المماثلة مع فورية التقايض فلا تباع المائة دولار بتسعين ولا بمائة وعشرة.
فالقول بحل البيع إذن يعني جواز المعاملة، ولكن في حدود ما أحل الله ورسوله حيث يختلف حكم البيع باختلاف محله حسب التفصيل الذي سنبينه عند الكلام عن شروط المحل، وما يتفرع عن ذلك من تفريق بين بيع الدين للمدين، وبيعه لغير من هو عليه الدين.
стр. 17651
الفرع الثالث – الشروط الخاصة بالمبيع:
اشترط الفقهاء في المبيع، وهو محل التعاقد في عقد البيع؛ شروطًا متفاوتة، وقد أوجزت هذه الشروط الموسوعة الفقهية الكويتية في خمسة شروط عامة وأضافت لها شرطين خاصين (١) .
أما الشروط العامة فهي:
١- أن يكون المبيع موجودًا حين العقد، فلا يصح بيع المعدوم باتفاق الفقهاء، ويستثنى من ذلك بيع السلم للنص عليه بالحديث النبوي المروي أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم.
٢- أن يكون المبيع مالاً، فلا يباع ما ليس بمال.
٣- أن يكون المبيع مملوكًا فلا يجوز بيع ما ليس بمملوك للبائع سواء كان من الأموال العامة أو من أملاك الغير.
٤- أن يكون المبيع مقدور التسليم، فلا يجوز بيع ما ليس مقدورًا على تسليمه، ويدخل في هذا الاعتبار كون المبيع من الديون، فهل يستطيع المشتري انتزاع المبيع الذي هو دين من ذمة المدين انتزاعًا؟
٥- أن يكون المبيع معلومًا لكل من العاقدين، فلا يصح بيع المجهول جهالة تفضي إلى المنازعة.
أما الشرطان الخاصان فهما:
٦- شرط أضافه المالكية والشافعية تتعلق بطهارة المبيع، فلا يجوز بيع ما كان نجسًا.
٧- شرطان ذكرهما المالكية ويمكن إدراجهما في شرط واحد وهو أن لا يكون المبيع مما هو منهي عن بيعه كالكلب مثلاً، أو كون المبيع طعامًا لم يقبضه مالكه حتى يستطيع أن يبيعه.
стр. 17652
الفصل الثاني – الأحكام الفقهية في بيع الدين
تمهيد:
يختلف النظر الفقهي في بيع الدين بين حالة بيع الدين لمن هو عليه أو بيعه لغير من هو عليه. ويقرر الفقه الحنفي – كما يصور ذلك الشيخ مصطفى أحمد الزرقا – أن الدين هو وصف في الذمة. واختلف النظر الفقهي الحنفي من حيث اعتبار الدين ملكًا لصاحبه وهو في الذمة، حيث رجح الشيخ الزرقا النظر الأول باعتبار الدين ملكًا لصاحبه بدليل جواز هبة الدين للمدين وهي تمليك، وكذلك اعتبار الدين المشترك من قبيل شركة الملك (١) .
أما بالنسبة لاعتبار الدين مالاً، فيقول الشيخ الزرقا بأن الدين بالمعنى الاصطلاحي في نظر الفقه الحنفي لا يعتبر كذلك، إلا أن فقهاء الحنفية قد يصفون الدين بأنه مال حكمي – كما في الأشباه والنظائر لابن نجيم – حيث يقال: إن الدين عندهم هو مال من حيث المآل (٢) .
أما بالنسبة للمفهوم الفقهي الأعم، فإن تعريف المال هو ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به انتفاعًا معتادًا (٣) . ويقرر الشيخ بدران أبو العينين بدران ثبوت المالية للأشياء بتمول الناس لها أو بتمول بعضهم، كما أن الشيء نفسه قد يكون مالاً في حق البعض وهو ليس بمال في حق الآخرين، وذلك كالخمر والخنزير فإنها تعتبر أموالاً بالنسبة لغير المسلمين، وهي ليست أموالاً بالنسبة للمسلمين (٤) .
стр. 17653
ويرى الشيخ علي الخفيف – ﵀ – أن شرط الحيازة لا يحول دون اعتبار المنافع أموالاً حيث يعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة المنافع أموالاً، وذلك لأن الإحراز ليس بلازم، بل يكفي أن يحاز الأصل الذي تتولد عنه المنفعة المقصودة (١) .
وقد أخذ القانون المدني الأردني المستمد من أحكام الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه بهذا المفهوم الواسع للمال حيث عرف المال بأنه: كل عين أو حق له قيمة مالية في التعامل (المادة رقم ٥٣) وبذلك يعتبر مالاً كل ما كانت له قيمة مادية في تعامل الناس سواء كان من الأعيان أم من الحقوق المالية كالديون. وفصلت المادة (٥٤) من القانون المدني الأردني لك الأمر بالقول: إن كل شيء يمكن حيازته ماديًّا أو معنويًّا والانتفاع به انتفاعًا مشروعًا ولا يخرج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلاً للحقوق المالية.
وبناءً على ذلك فإن الديون بأنواعها – سواء كانت ديونًا تتضمن تعهدًا بأداء مبلغ معين من النقود في تاريخ محدد أو تسليم كمية من الحبوب معينة الوصف والقدر – فإن هذه الديون جميعًا تصلح أن تكون محلاً للتصرف فيها.
وقد مرَّ آنفًا ما نقلناه عن الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا من ناحية ما يقرره الفقه الحنفي في جواز هبة الدين للمدين رغم أن الهبة تمليك، وكذلك اعتبار الدين المشترك من قبيل شركة الملك.
وبذلك فإنه تكاد تتلاشى الأهمية النسبية للتفريق بين الرأي الحنفي وغيره من المذاهب الفقهية حيث تصبح الديون في النتيجة كأنها أموال وهي تعامل على هذا الأساس.
فهل يصح بيع هذه الأموال وهي ديون في الذمة؟
للجواب على ذلك فإنه يحسن التفريق بين حالتين هما:
١- بيع الدين لمن هو عليه الدين أي للمدين.
٢- بيع الدين لغير من هو عليه.
الفرع الأول – بيع الدين لمن هو عليه:
يتفق الفقه الإسلامي عمومًا على جواز بيع الدين ممن هو عليه وهبته والمصالحة عليه بالأقل.
يقول الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي بأن جمهور الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة أجازوا بيع الدين لمن هوعليه الدين وكذلك هبته له؛ لأن المانع من صحة بيع الدين هو العجز عن التسليم، وليست هنا حاجة إليه حيث إن ما في ذمة المدين مسلم إليه من الأساس (٢) . ولم يخرج عن هذا المنهج المنطقي عدا ابن حزم حيث منع ذلك لأنه بيع مجهول، وأنه بيع ما لا يدري عينه وأنه من باب أكل المال بالباطل (٣) .
стр. 17654
فعندما يكون الدين مبلغًا من النقود فإن البيع بالأقل هنا هو إبراء. فإذا قال الدائن لمدينه: أبيعك المائة ريال التي لي عليك بثمانين ريالاً، فإنما هو في الحقيقة يبرئ ذمة المدين من عشرين ريالاً، وإذا كان الدائن يملك المسامحة في كل ما له من الديون، فإن المسامحة بجزء من الدين تجوز من باب أولى.
وكذلك لو كان لزيد على عمرو دينًا من السمسم مثلاً من غير السلم كمائة أردب مثلاً، فإنه يمكن أن يبيع السمسم إلى عمرو بسعر السوق دون الحاجة للاستلام والتسليم باعتبار أن السمسم متعلق أصلاً بذمة عمرو.
ومن قبيل ذلك المصارفة في الذمة كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ حينما سأل رسول الله ﷺ عن بيعه الإبل بالدراهم واقتضائه الثمن بالدنانير، وكذلك العكس حيث قال له رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تبيعها بسعر يومها ما لم تفرقا وبينكما شيء)) (١) .
فهذه المصارفة هي بيع لجنسين مختلفين، والثمن نقد حاضر والمبيع دين في الذمة، وقد أدى المدين الثمن للدائن بسعر الصرف في ذلك اليوم.
ويفيد تقييد البيع بين الدائن والمدين بالأقل إبعاد عنصر الربا وإدخال مفهوم الإبراء والإسقاط، إذ لو سمح ببيع الدين بالأكثر لكان ذلك هو الربا.
فالدين يمكن أن يباع لمن هو عليه (أي للمدين) إذا كان بالمثل، أو بالأقل على سبيل المصالحة في كل حال.
الفرع الثاني – بيع الدين لغير من هو عليه:
اختلفت الآراء الفقهية في موضوع بيع الدين لغير من هو عليه اختلافًا واسعًا، وهو ما يتطلب تفحص المسألة بشكل دقيق.
فقد عرضت الموسوعة الفقهية الكويتية موضوع اختلاف الفقهاء في حكم تمليك الدين لغير من هو عليه، حيث أوردت في ذلك أربعة أقوال هي (٢) :
أولها – رواية عن أحمد ووجه عند الشافعية، وهو أنه يجوز تمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض وبغير عوض.
стр. 17655
الثاني – قول الحنفية والحنابلة ورأي للشافعية في الأظهر، أنه لا يصح تمليك الدين لغير من هو عليه سواء كان بعوض أم بغير عوض (١) كأن يقول شخص لآخر: وهبتك الدين الذي لي على فلان فيقبل، ويقول له: اشتريت منك كذا بمالي من دين على فلان فيقبل أو يقول له: أستأجرت منك كذا بالدين الثابت لي في ذمة فلان فيقبل، "فهذا كله غير جائز لأن الواهب أو المشتري أو المستأجر يهب أو يبيع ما ليس فيه يده، ولا له من السلطة شرعًا ما يمكنه من قبضه منه، فكان بيعًا لشيء لا يقدر على تسليمه إذ ربما ضيعه المدين أو جحده، وذلك غرر فلا يجوز " (٢) .
الثالث – "قول للشافعية – صححه كثير من أئمتهم كالشيرازي في المهذب والنووي في زوائد الروضة، واختاره السبكي وأفتى به زكريا الأنصاري وغيره، وهو أنه يجوز بيع سائر الديون – عدا دين السلم لغير من عليه الدين، كما يجوز بيعها للمدين ولا فرق، وذلك إذا كان الدين حالاً والمدين مقرًّا مليئًا، أو عليه بينة لا كلفة في إقامتها، وذلك لانتفاء الغرر الناشيء عن عدم قدرة الدائن على تسليم الدين إليه " (٣) .
ثم أضافت الموسوعة قيدًا هامًا وإن كان يحتاج إلى توضيح وهو قولها: " وكما اشترط التقابض في المجلس في بيع الدين للمدين إذا كان مما لا يباع به نسيئة – كالربويات ببضعها -، فإنه يشترط كذلك في بيع الدين لغير من هو عليه " (٤) .
الرابع – رأي الماليكة: وهو أنه يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط تباعد بينه وبين الغرر، وتنفي عنه سائر المحظورات الأخرى، حيث أوردت الموسوعة ثمانية شروط أهمها بالنسبة لموضوع البحث منع بيع الدين بجنسه مع اشتراط التساوي إذا كان بجنسه.
وقد أوضح الشيخ السيد سابق أن بيع الدين لغير من هو عليه لا يصح عند الأحناف والحنابلة والظاهرية؛ بسبب أن البائع لا يقدر على تسليم المبيع. فإذا شرط على المدين التسليم فإن البيع لا يصح كذلك لأن فيه شرطًا بالتسليم على غير البائع فيكون شرطًا فاسدًا يفسد به البيع (٥) .
стр. 17656
أما الظاهرية: فقولهم معروف حيث إنهم لم يجيزوا بيع الدين للمدين من الأساس لأنه بيع مجهول، وأنه بيع ما لا يدري عينه، وأنه من باب أكل المال بالباطل – كما سبق بيان ذلك.
وأما الحنفية: فإنهم يرون هذا البيع أنه بيع لا قدرة فيه على التسليم إذ المال عندهم وهو دين إنما هو مال حكمي في الذمة، وأنه ليس في مقدور البائع أن يسلم ما لا يملكه. فإذا شرط التسليم على المدين فإن البيع يفسد من جهة الشرط، وذلك لأن البائع يشترط على غيره (١) .
كما فصل الأستاذ العلامة الصديق محمد الأمين الضرير الرأي المالكي في جواز بيع الدين لغير من هو عليه بشكل جلي وواضح. فقد بيَّن فضيلته أن المالكية قد وضعوا لهذا البيع شروطًا تباعد بينه وبين الغرر وأي محظور آخر ممنوع في الشرع، وقد ذكر من هذه الشروط ما يلي:
١- أن يكون المدين حاضرًا في البلد، ليعلم حاله من فقر أو غنى؛ لأن عوض الدين يختلف باختلاف حال المدين.
٢- أن يكون المدين مقرًّا بالدين، فإن كان المدين ميتًا أو غائبًا عن البلد أو حاضرًا في البلد ولكنه لم يقر بالدين، فلا يجوز بيع دينه ولو ثبت ذلك الدين بالبينة حسمًا للنزاعات.
٣- أن يكون المدين ممن تأخذه الأحكام، وذلك حتى يمكن تخليص الدين منه إذا امتنع.
ثم أورد فضيلة العلامة الشيخ الصديق في حاشية نفس الصفحة باقي الشروط في بيع الدين لغير من هو عليه وهي الشروط الأهم والأدق، ولاسيما الأول منها حيث أضاف ما يلي: (٢)
٤- أن يباع الدين بغير جنسه، أو بجنسه بشرط المماثلة (إذا كان من جنسه) .
٥- ألا يكون ذهبًا بفضة، أو فضة بذهب.
٦- ألا يكون بين المشتري والمدين عداوة.
٧- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل القبض.
وينتهي العلامة الشيخ من ذلك كله إلى جواز بيع الدين مطلقًا سواء كان البيع للمدين أم لغير من هو عليه بنقد أو بدين ما دام البيع خاليًا من الربا (٣) . وهو يعلل لذلك أنه لم يرد نص يعتمد عليه في منع أية صورة من هذه الصور، وأن دعوى عدم القدرة على التسليم (التي يقول بها الفقه الحنفي) – غير مسلمة بسبب أن الكلام هو في دين معترف به.
стр. 17657
ويستطرد فضيلته بالقول: " إن بيع الدين قد تدعو الحاجة إليه وفيه مصلحة ظاهرة للمتعاقدين فلا يصح التضييق عليهم بمنعه"، وينتهي من ذلك إلى القول بأن دعوى الإجماع على منع الدين بالدين ليست مسلمة، بدليل ما جوزه بعض المالكية في بعض صوره إلى أن يقول فضيلته: " ولعل الصورة المجمع على منعها في بيع الدين بالدين هي ما كان فيه الدين من الأموال الربوية " (١) .
وأما بالنسبة للمذهب الشافعي فقد عرض الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي للمسألة في كتابه الجامع عن الفقه الإسلامي وأدلته حيث بين أن الشافعية يجوزون في الأظهر عندهم بيع الدين المستقر للمدين ولغير المدين قبل القبض (٢) . وكان المأمول أن يفصل فضيلة الأستاذ وهبة هذا النقل الموجز بمثل ما فعلت الموسوعة الفقهية الكويتية على الأقل.
فقد بينت الموسوعة أنه كما يشترط التقابض في المجلس في بيع الدين للمدين إذا كان بما لا يباع به نسيئة – كالربويات ببعضها – فإنه يشترط كذلك في بيع الدين لغير من هو عليه (٣) أي أن الموسوعة ترى أن الشافعية يطبقون على بيع الدين لغير من هو عليه أحكام التعامل بالأصناف الربوية، فالنقود ببعضها يشترط فيها التماثل عند اتحاد الجنس مع التقابض الفوري، أو التقابض الفوري دون مماثلة عند اختلاف الجنسين.
وإن هذا الرأي الذي تنقله الموسوعة الفقهية عن الشافعية هو ما يؤيده واقع القول في أمهات كتب الفقه الشافعي، وهو الأمر الذي كان يحتاج إلى التوضيح والبيان منعًا للالتباس ودفعًا للإيهام.
فقد أورد أبو إسحاق الفيروزآبادي الشيرازي في كتابه المهذب في فقه الإمام الشافعي هذه المسائل المتعلقة ببيع الديون وفصلها بقوله – رحمه الله تعالى كما يلي:
" ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجارة والصداق وما أشبهها من المعوضات قبل القبض. . . وأما الديون فينظر فيها، فإن كان الملك عليها مستقرًا كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض؛ لأن ملكه مستقر عليه فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض، وهل يجوز من غيره فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن ما جاز بيعه ممن هو عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة.
الثاني: لا يجوز لأنه لا يقدر على تسلميه، لأنه ربما منعه أو جحده وذلك غرر لا حاجة به إليه فلم يجز.
والأول أظهر؛ لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود (٤) . أما إذا كان الدين غير مستقر كالسلم مثلاً؛ فإنه لا يجوز بيعه " (٥) .
стр. 17658
واستطرد صاحب المهذب في تفصيل المسألة عندما يكون المبيع ثمنًا حيث طبق عليه قواعد الصرف مستدلاً في ذلك بحديث عبد الله بن عمر – ﵄ – حيث نقله بلفظ: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) ، وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز لأن الملك غير مستقر (١) .
وقد بين الإمام محيي الدين بين شرف النووي موضوع بيع الدين لغير من هو عليه نقلاً عن الإمام الرافعي، فأوضح أن بيع الدين لغير من هو عليه مقصود به المغايرة في البدل، مثل من له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة، حيث قال: إن في صحة ذلك قولين (٢) .
ويستدل من هذه النقول بكل وضوح أن الشافعية في مسألة بيع الدين لغير من هو عليه الدين لا يختلفون عن المالكية من ناحية الحرص على عدم الوقوع في الربا، وذلك بدليل التصريح بالمغايرة في البيع إما صرفًا كالذهب بالفضة أو الفضة بالذهب – كما في حديث عبد الله بن عمر السابق بيانه – أو بيعًا في مبادلة العبد بالمائة كما في كتاب المجموع. وإن هذا الاستدلال مؤيد بالشروح الوافية في أكثر من مؤلف من مؤلفات الفقه الشافعي.
يقول الإمام النووي في كتاب روضة الطالبين وعمدة المفتين: إنه إذا باع الرجل مالاً بمال فله حالان:
أحدهما: أن لا يكونا ربويين.
والثاني: أن يكونا.
" فالحال الأول: يشمل ما إذا لم يكن فيهما ربوي وما إذا كان أحدهما ربويًّا، وعلى التقديرين في هذا الحال لا تجب رعاية التماثل ولا الحلول ولا التقابض في المجلس سواء اتفق الجنس أو اختلف حتى لو باع حيوانًا بحيوانين من جنسه أو أسلم ثوبًا في ثوبين من جنسه جاز.
وأما الحال الثاني: فتارة يكونان ربويين بعلتين (الثمنية والطعم) ، وتارة بعلة (الثمنية مثلاً أو الطعم) فإن كانا بعلتين مثل أن يسلم أحد النقدين في الحنطة أو يبيع الحنطة بالذهب أو بالفضة، نقدًا أو نسيئة، فإن ذلك يجوز حيث لا تشترط المماثلة ولا التقابض ولا الحلول.
وإن كانا بعلة واحدة، فإن اتحد الجنس بأن باع الذهب بالذهب والحنطة بالحنطة، ثبتت أحكام الربا الثلاثة فتجب رعاية التماثل والحلول والتقابض في المجلس.
وإن اختلف الجنس، كالحنطة بالشعير والذهب بالفضة لم تعتبر المماثلة، ويعتبر الحلول والتقابض في المجلس" (٣) .
وإن هذا الكلام الذي يورده الإمام النووي واضح تمامًا في تطبيق أحكام الصرف حيثما توافرت علة الربا.
كما يفصل الإمام الماوردي المسألة بنفس المفهوم عن الصرف حيث يقول بأن الصرف إنما يختص ببيع الذهب بالفضة أو الفضة بالفضة والذهب بالذهب، وشروط الصرف التي لا يتم إلا بها ثلاثة لازمة ورابع يختلف باختلاف الصرف.
стр. 17659
" أما الثلاثة اللازمة:
فأحدها: إطلاق العقد من غير أجل مشروط فيه.
والشرط الثاني: أن يعقد ناجزًا من غير خيار مشروط فيه.
والشرط الثالث: التقابض قبل الافتراق، فإن تفرقا قبل القبض كان باطلاً.
فهذه الشروط اللازمة.
وأما الشرط الرابع: وهو المماثلة، فإن كان الجنس واحدًا كانت المماثلة شرطًا معتبرًا، وإن اختلف الجنسان لم يكن شرطًا معتبرًا (١) .
ويمضي الإمام الماوردي – ﵀ – في تفصيل المسألة بقوله: ثم الصرف ينقسم أقسامًا أربعة:
القسم الأول: جنس بمثله كالفضة بالفضة والذهب بالذهب، وجنس بغيره كالفضة بالذهب فهذا يصح بشروطه المعتبرة فيه.
والقسم الثاني: بيع دين بدين وهذا باطل للنهي عنه؛ كرجل باع دارهم له على زيد دينًا بدنانير أو بدراهم للمشتري على عمرو دينًا.
والقسم الثالث: بيع عين بدين وهذا باطل، وهو الصرف الآجل.
والقسم الرابع: (وهذا هو موضع الاعتبار) بيع دين بعين، كرجل له على رجل ألف درهم يبيعها عليه بمائة دينار يأخذها منه عينًا، فإن كان الدين حالاً صح لحديث عبد الله بن عمر، وإن كان مؤجلاً لم يصح؛ لأن المؤجل لا يملك المطالبة به فلم تجز المعاوضة عليه" (٢) .
стр. 17660
وبما أن بيع الديون في الأوراق التجارية التي مرت معنا في الأدوات المستحدثة بالاسم الإسلامي تحت مسمى الكمبيالات الإسلامية المقبولة (Islamic Accepted Bills) هي دين محرر بالنقد الوطني (للكمبيالات المحلية) ، أو دين محرر بالنقد الأجنبي كالدولار (للكمبيالات الخارجية في حالة الصادرات) ، فإن بيع هذه الكمبيالات داخل في الربا الحرام؛ لأنه نقد بنقد مع التفاضل وغياب التقابض بين البدلين. ولا تصح المعاملة إلا بتطبيق قواعد الصرف مثلاً بمثل مع التقابض الفوري (عند اتحاد الجنس) ، أو التقابض الفوري عند اختلاف الجنس.
وإن هذا البيع للكمبيالة المقبولة – وإن أطلق عليها الوصف الإسلامي – هو في الواقع نوع من أنواع خصم الأوراق التجارية حيث يتعجل البنك (البائع) قبض قيمة الكمبيالة بما هو أقل منها، وذلك بطريق البيع إلى جهة أخرى غير المدين.
وفي هذه الحالة فإن المشتري للكمبيالة المقبولة بدفع القيمة الأقل (٩٥٠ – دولار مثلاً) ليأخذ الكمبيالة بقيمتها الاسمية (١٠٠٠ دولار) ، ويحصلها من المدين عند الاستحقاق بهذه القيمة.
وبذلك، فإن المعاملة بهذه الصورة لا تخرج عن نطاق خصم الكمبيالات، وهي الصورة التي تتعامل بها البنوك الربوية في كل مكان في العالم. وإن خصم الأوراق التجارية بمعنى الخصم غير جائز شرعًا حسبما قرره مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع المنعقد في جدة بالمملكة العربية السعودية بتاريخ ٤ – ٩ مايو ١٩٩٣م، ولا عبرة لما يقال في الكمبيالة الإسلامية المقبولة بأن أصل الدين هو بيع حلال حيث المنظور في ذلك هو واقع الحال من حيث محل البيع، فالدولار إذا بيع بالدولار زيادة ونقصانًا فهذا هو الربا الحرام.
وعلى ذلك يمكن قياس سائر الأدوات الأخرى والتي يطلق عليها في جنوب شرق آسيا الأدوات الإسلامية للديون، حيث إن الديون هناك هي ديون بالنقود وليست بالأعيان أو السلع، وإن مذهب الإمام الشافعي – ﵀ – براء مما يقال عنه بإجازة بيع الدين لغير من هو عليه إذا كان هذا الدين المباع نقودًا بنقود. ذلك أن مذهب الإمام الشافعي لا يختلف عن سائر المذاهب الفقهية من ناحية تطبيق قواعد الصرف على مبادلة النقود بالنقود مهما كان السبب المنشئ للدين من الأساس.
* * *
وإننا إذ نقفل هذا الباب وما به من شر مستطير، فإننا نتجه في القسم الثاني نحو البدائل الشرعية ل سندات القرض في مجالي القطاع العام والخاص، لنرى اتساع أبواب الحلال في مقابل هذا الضيق والتضييق عند المداخل الحرام.
стр. 17661
القسم الثاني
سندات القرض وبدائها الشرعية
في مجالي القطاع العام والخاص
تمهيد:
يتبين لنا مما سبق بيانه أن سندات القرض في العصر الحديث تصدر بالقيمة النقدية، وأن ما يباع منها في أسواق رأس المال إنما يباع على أساس الخصم الزمني أي إنقاص القيمة الحاضرة بالنسبة والتناسب مع مدة الاستحقاق تبعا لسعر الفائدة السائدة في التعامل.
وليس هذا البيع بالمعايير الشرعية إلا بيع نقد بنقد مع الزيادة والنقصان، وهو بذلك يقع في نطاق دائرة الربا الحرام.
فهل هناك بديل يخلص الحكومات والشركات والمستثمرين من هذه المخالفة الواضحة للشرع الخالد العظيم؟
إن من يستقرئ منهج الشرع الإسلامي يستطيع أن يتبين بكل وضوح أنه منهج ميسر لمن أراد أن يستقيم، وأنه لا حرج فيه، وأنه الأصلح في كل حال. ذلك أن الله – – ما حرم أمرًا إلا وكان للناس عنه غنى من ناحية، كما أنه يوجد عنه دائمًا بديل فيما هو أزكى وأطهر وأقوم.
وإن أبواب التمويل الحلال تقدم الدليل للاستغناء عن كل ما زين للناس من شبهات التمويل الحرام سواء كان ذلك لسد احتياجات القطاع العام أم لسد متطلبات القطاع الخاص. ذلك أن باب الأدوات التمويلية الإسلامية فيه الثراء والغناء إذا أتاه الراغبون في الاهتداء بشرع من بسط الأرض ورفع السماء.
فالأدوات التمويلية الإسلامية تفتح الباب على مصراعيه للمشاركة الشعبية الشاملة في سد احتياجات الدولة والمؤسسات الحكومية، وإعمار الأوقاف وتمويل الشركات المساهمة بصورة يشعر معها المواطن بالانتماء المتكامل في وطنه الذي أعطاه.
ومعنى الأدوات لغويًّا هو الآلات حيث أن كلمة (أداة) – كما في القاموس المحيط – تعني الآلة (١) . وجاء في المعجم الوسيط عن الأداة بأنها الآلة الصغيرة وجمعها أدوات (٢) .
وقد دخل الوصف المالي للكلمة في مجال البحوث بطريق ترجمة العبارة الإنجليزية الخاصة بذلك وهي: (Financial Instruments) وهي عبارة عامة المدلول حيث أنها تشمل الأسهم وسندات القرض والشيكات والكمبيالات، وسائر الأوراق التجارية ذات الصفة المالية.
стр. 17662
ويتبين عند التدقيق أن وصف هذه الأدوات بكلمة (المالية) لا ينطبق تمامًا على التصور الإسلامي لما يقابلها، فإذا كانت أدوات القروض بالفوائد قد اكتسبت هذا الوصف باعتبارها تمثل حقًّا ماليًّا، فإن ما توصف به حصة المشاركة بالمفهوم الإسلامي لا يوصف لذاته وإنما يوصف بحسب ما يمثله، فتكون الحصة بذلك أقرب إلى كونها أداة تمويل في غرض معين، وهي تمثل حصة مشاركة في امتلاك جزء من الأعيان أو المنافع أو الديون (١) .
وأما الأدوات المالية التي تمثل ديونًا من بداية التعامل، كما في سندات القرض، فإنها تبدأ بتقديم المال ليكون قرضًا متعلقًا بذمة المقترض، وهو يبقى كذلك إلى حين الوفاء بأصل الدين وفوائده المترتبة عليه.
فالفرق بين سندات القروض كأدوات مالية وبين ما يقابلها من أشكالها هو فارق دقيق. فالتمويل هو تقديم مال ليكون حصة مشاركة برأس المال أو أنه شراء مباشر لسلعة على أساس بيع المرابحة للآمر بالشراء.
لذلك اتجه البحث للتعامل مع هذه الأدوات بوصف التمويلية (Financing Instruments) وليس المالية (Financial Instruments) لتكون المعالجة البحثية أقرب إلى التصور الإسلامي في نظرته لدور المال المقدم في هذا الإطار.
ويمكن لهذه الأدوات التمويلية أن تكون صادرة لصالح القطاع العام والمؤسسات العامة والأوقاف، كما يمكن أن تصدر لصالح القطاع الخاص بشركاته المساهمة كبديل أفضل من سندات القروض ذات الفوائد، والتي ينص عليها قانون الشركات عادة كمصدر وحيد للتمويل المساند.
* * *
стр. 17663
الفصل الأول – سندات القرض في واقعها ومحظوراتها
تحتاج الدولة إلى التمويل كما يحتاج الأفراد ولاسيما الدولة المعاصرة حيث تعتبر إدارة الخدمات والمرافق العامة وتسيير المؤسسات العامة والمؤسسات الأهلية كالأوقاف جزءًا من المسؤولية التي تضطلع بها الحكومات تجاه مواطنيها. فالدولة الحديثة لم تعد حارسًا للأمن وقاضيًّا للخصومات بين الناس فحسب، بل هي راعية للخدمات العامة والرفاه والتنمية.
وقد جرى العرف المخالف للشرع في معظم دول العالم أن يكون تمويل الدولة الحديثة لمختلف الاحتياجات تمويلاً ربويًّا بسندات تصدر على الدولة كقرض مقابل فائدة ثابتة أو متغيرة. وتختلف صور هذا الاقتراض وتسمياته من السندات إلى شهادات الاستثمار ذات العائد الجاري أو القيمة المتزايدة أو ذات الجوائز مع اجتماع بعض المزايا أو انفرادها.
والضابط الذي يفترق فيه الاقتراض الربوي عن سندات الاستثمار الفعلي هو الوصل أو الفصل، فإذا كانت السندات الصادرة دينًا على الدولة وكان العائد يعطي لها كجزء من خدمات الدين العام أي بصورة تكلفة من باب النفقات في الموازنة العامة، فإنها تعتبر سندات ذات فائدة ربوية حرام. أما إذا كانت هذه السندات ممثلة في موجودات معينة لإنشاء مشروع يعطي عائدًا أو لامتلاك مرفق له دخل أو إيجار أو لتمويل صفقة لها ربح، فإن هذا العائد أو الدخل أو الإيجار أو الربح لا يعتبر من الربا ولكنه مورد كسب حلال. فالربا ينبت في أحضان القرض عندما تكون العلاقة هي الدائنية والمديونية وزيادة مشروطة شرطًا أو معروفة عرفًا يدفعها المدين للدائن.
وتصدر الحكومة في الغالب سندات قصيرة الأجل تسمى أذونات الخزينة، أما السندات فهي أطول أجلا حيث تصل المدة أحيانا إلى خمسة عشر عاما.
ومما يلاحظ بأسف أن غالبية الدول الإسلامية واقعة في أسر الدين العام سواء كان ذلك الدين داخليا أم خارجيا.
وتحرص الحكومات الحصيفة بالمقاييس المالية المجردة على تقييد إصدارات الدين العام من أذونات الخزينة والسندات بقيود قانونية، وذلك لأن الإغراق في إصدارات الدين العام بما يزيد عن معدل الإيرادات العامة يهز الكيان الاقتصادي، ويضعف القوة التبادلية للعملة الوطنية، فتخفض قيمتها وترتفع أسعار الحاجيات، ويعاني المجتمع ولا سيما الفقراء ومحدودي الدخل من تلك الآثار السلبية.
ونأخذ على سبيل المثال نموذجا من القيود التي نص عليها قانون الدين العام الأردني لعام ١٩٧١ م كمنهج حريص في الاقتراض العام حسب المفهوم التقليدي.
стр. 17664
تبدأ المادة الثالثة بالنص على أنه للحكومة أن تقترض من الجمهور بمقتضى أحكام هذا القانون، وذلك عن طريق إصدارات الدين العام بين الحين والآخر والإعلان عنها واكتتاب الجمهور فيها المادة ٣ من قانون الدين العام لسنة ١٩٧١) .
ثم فصلت المادة الرابعة أشكال إصدارات الدين العام كما يلي:
أ – السندات المسجلة.
ب – السندات لحاملها.
ج – السندات المسجلة و / أو السندات لحاملها.
د – أذونات الخزينة.
وبينت المادة الخامسة القيود التي تخضع لها إصدارات الدين العام كما يلى:
أ – لا يجوز في أية سنة أن يزيد مجموع القيمة الاسمية الإجمالية للسندات الصادرة و / أو لحاملها على مقدار النفقات الرأسمالية المقدرة في قانون الموازنة العامة لتلك السنة، كما لا يجوز أن يزيد مجموع القيمة الاسمية الإجمالية للسندات الصادرة في أية سنة على ما نسبته (٢٠ %) من النفقات الرأسمالية الفعلية للسنة السابقة.
ب – لا يجوز أن يزيد إجمالى القيمة الاسمية لأذونات الخزينة الصادرة في أي وقت من الأوقات على (٢٥ % خمسة وعشرين في المائة) من معدل الواردات المحلية المحصلة في السنوات المالية الثلاث الأخيرة التي تم إقفال حساباتها أو من مجموع النقد المتداول أيهما أكثر.
وتعتبر هذه القيود بالمقاييس الوضعية ترتيبات واعية وحصيفة وذلك حتى لاتندفع الحكومة وراء الاقتراض الذي يوقع البلاد في المشكلات الاقتصادية الكبيرة. ولا حبذا لو اجتمعت هذه الحصافة مع منهج العمل الحلال، وذلك عن طريق إحلال إصدارات التمويل الإسلامي مكان إصدارات الدين العام بالفوائد الربوية الحرام.
ذلك أن الفوائد الربوية تمثل – بالإضافة إلى حرمتها عبئا على كاهل الدولة، حيث يتحمل المواطنون بالنتيجة أعباء الدين العام سواء عن طريق نقص الخدمات المقدمة، أو زيادة الضرائب والجبايات الأخرى.
إن كل دافع للضريبة يشارك سواء كان يدري أو لا يدري – في أداء فوائد الربا إذا كان وطنه يتعامل بالديون الحكومية سواء كانت الاستدانة محلية أو خارجية.
ويمثل الاتجاه الإسلامي لعلاج المشكلة تنويعا في الحلول المقدمة وتوزيعا للأعباء بحيث لا تتحمل الدولة وحدها كامل المسؤولية لتنقلها عند ذلك إلى رعاياها، وإنما تكون هناك وسائل متعددة.
فالأدوات التمويلية الإسلامية منها ما هو منعكس الأثر من التكلفة بصورة مباشرة ومنها ما هو ليس كذلك، ولكن الذي يجمع بينها جميعا هو أنها أدوات ترتبط بموجودات أو بمشروعات، وأنها قادرة على الاستقطاب الواقعي لقطاع عريض من المواطنين الصامتين وهم يتمنون أن تفتح لهم أبواب الاستثمار الحلال ليدعموا مشاريع الدولة ومؤسسات القطاع العام بما لا يخالف شريعة الإسلام.
стр. 17665
أما بالنسبة للقطاع الخاص، فإن الباب الوحيد المفتوح أمامه لإصدار السندات المالية محصور في سندات القرض للشركات المساهمة. وهي التي يسمح بها قانون الشركات على أساس الفائدة غالبا.
فإذا أخذنا من النموذج الأول – مثلا – قانون الشركات الأردني رقم (١) لسنة ١٩٨٩ م، فإننا نرى أنه يذكر فوائد سندات القرض بشكل صريح (المادة ١٤١) وكذلك قانون الشركات الكويتي رقم (١٥) لسنة ١٩٦٠ م (المادة ١١٧) .
وأما نظام الشركات السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / ٦) تاريخ ٢٢ / ٣ /١٣٨٥ هـ فقد حرص عل اجتناب ذكر كلمة الفائدة في سندات القرض، أو حتى الالتزام بأداء أي عائد مهما كان شكله في سندات القرض. ولكن كانت النتيجة أنه لم تصدر أية شركة مساهمة سندات القرض وفق هذا النظام.
وكان من المتوقع أن تدخل الأدوات التمويلية الإسلامية البديلة عن سندات القرض لتملأ الفراغ الواقعي الناتج عن عدم شيوع استعمال سندات القرض للشركات المساهمة في معظم دول العالم الإسلامي، ولكن الواقع جاء مغايرا، وظلت الأدوات البديلة محجوبة عن التعامل بانتظار استيقاظ الهمم والعودة إلى الجذور وبناء الذات من جديد.
وتشتمل سندات القرض بأنواعها – سواء كانت على مستوى القطاع العام أم على مستوى القطاع الخاص – على محظور مشترك هو أنها ذات فوائد ربوية، وأن وجود هذا العنصر الحرام منع وسوف يظل يمنع الجماهيرالعريضة من المشاركة في التنمية الوطنية في وقت يشعر فيه العالم الإسلامي أنه بحاجة لكل درهم من أجل العمل والبناء.
فهل يوجد الحل البديل؟ هذا ما نقدمه في الفصل الثاني بعون الله.
* * * *
стр. 17666
الفصل الثاني
البدائل الشرعية في تمويل مشروعات
القطاع العام والخاص
لم تعد قضية السندات ذات الفوائد الربوية مشكلة أمام الفكر الإسلامي المعاصر، فقد تقدمت الدراسات وقدمت الحلول، وكل ما يحتاجه الأمر هو الانتقال من النظرية إلى التطبيق. ويجد الناظر عند البحث أنه في مقابل ضيق المخالفة توجد سعة الطاعة، وبدلا من سند القرض الربوي الوحيد هناك أدوات التمويل المتعددة بصورة سندات المقارضة، والمشاركة والإجارة والبيوع بأنواعها، وذلك حسبما هو مفصل في الفروع التالية:
الفرع الأول – سندات القراض (المضاربة) :
يعتبر لفظا القراض أو المضاربة أنهما كلمتان لنفس المسمى والمدلول من حيث المعنى المراد، ذلك أن معنى القراض والمضاربة هو المشاركة بين مال من طرف، وعمل من طرف آخر، وربح مقسوم بينهما بالنسبة الشائعة إذا حصل ربح وخسارة موزعة بنسبة رأس المال إذا وقعت مثل هذه الخسارة دون تعد من المضارب ولا تقصير ولا مخالفة.
وقد درج الاصطلاح الفقهي لدى المالكية والشافعية على استعمال لفظ القراض، بينما شاع استعمال كلمة المضاربة عند الحنفية والحنابلة والإمامية والزيدية (١) .
ويرجع أصل مشروعية هذا التعامل – فيما يظهر للناظر في المؤلفات الفقهية – أنه كان مما يتعامل به الناس في الجاهلية، وأن النبي ﷺ ، قد أقره كما أقر الشروط التي دفعت إليه مما كان يشترطه أرباب الأموال مثل شروط العباس بن عبد المطلب (٢) .
وبذلك يكون دليل صحة هذا العقد مستندا إلى السنة التقريرية والإجماع. فقد نقل ابن قدامة الإجماع في كتابه (المغني) بقوله: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة – ذكره ابن المنذر (٣) .
أما حقيقة عقد المضاربة (القراض) وما يمكن أن يشمله هذا العقد من أعمال، فإن ذلك يدخل في نطاق دائرة الاختلاف الفقهي الجميل.
فقد اتجه الفقه الحنفي ومعه الأكثرون من فقهاء المذاهب الأخرى إلى اعتبار المضاربة أنها من جنس المعاوضة كالإجارة، وبناء على ذلك فقد قرروا أن جهالة الأجر تجعل من هذا العقد أنه وارد على خلاف القياس.
وترتب على ذلك القول تضييق نطاق المضاربة وحصرها في المتاجرة برأسمال يبدأ نقودا ليتحول بضاعة جاهزة لتباع ثم تعود نقودا كما بدأ العقد من الأساس.
وكان هذا المفهوم هو السائد غالبا في الفقه الحنفي والإمامي والشافعي والزيدي، وإن كان هناك من الأحناف من توسع قليلا مثل صاحب (المبسوط) في المجال الزراعي باعتبار أن الزراعة تجارة مع الله فيما يرزق به، فهو يصف الحال بعبارة لطيفة بقوله: إن المضارب يبذر الحب وينتظر الرزق من الرب (٤) .
وفي مقابل الحصر الذي ذهب إليه الفقه الحنفي ومن تماثل معه في القول، نجد مداخل اليسر والتوسعة عند فقهاء مذهب الإمام أحمد بن حنبل لتفسح الطريق أمام المضاربة على أساس اعتبارها من جنس المشاركات. وقد جلى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية هذا المعنى باعتبار أن المشاركات جنس غير جنس المعاوضات وإن كان فيها شوب المعاوضة (٥) .
стр. 17667
وبناءً على نظرة اليسر التي تميز بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل في العقود والشروط بوجه عام، أمكن للفقه الحنبلي أن يصحح كثيرًا من المعاملات التي لا تصححها المذاهب الأخرى من الحنفية والشافعية على وجه الخصوص.
ويتفق الفقه المالكي المستظل بأفياء دار الهجرة النبوية مع الفقه الحنبلي – من حيث الأساس – وذلك من ناحية عدم حصر المضاربة في نطاق الاتجاه بمعناه الضيق لشراء السلع الجاهزة وبيعها كما هي دون تصنيع ولا تجميع.
وبناءً على كون القراض أو المضاربة من أعمال الاتجار والاستثمار في أي اتجاه يعطي ربحًا ناتجًا عن التصرف في المال بالبيع والشراء والتصنيع والزرع وغير ذلك، فإن الحكومة تستطيع أن تطرح سندات القراض لتجميع رأس المال اللازم لأي مشروع ينطبق عليه هذا الوصف.
صحيح أن الدولة ليست تاجرة وهي لا ينبغي أن تكون كذلك بسبب ضعف الأداء الاقتصادي للقطاع العام على أقل تقدير، إلا أن ذلك التوجه لا يمنع من بلورة مشروعات محددة وتصلح لعمل المضاربة.
فالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية المخصصة لبيع المواد الاستهلاكية للعسكريين بربح معتدل نسبيًّا تحتاج في بعض بلاد العالم الإسلامي إلى تمويل كبير ليس بشراء المنتجات فحسب بل وتصنيعها وتجميعها كذلك، فإذا كان معدل الربح الجاري المعتدل هو (١٠ %) مثلاً وكان معدل دوران السلع المباعة ثلاث مرات في العام، فإن معنى ذلك أن حصيلة الربح المعتدل هي (٣٠ %) ، فإذا قسم الربح بين رأس المال وجهة العمل، فإن معدل الربح الاستثماري قد يتراوح بالنتيجة بين (١٠ % - ١٥ %) وذلك تبعًا لنسبة توزيع حصص الأرباح.
أما رأس المال فإنه يمكن أن يكون بشكل سندات تطرح للبيع في اكتتاب عام. عندما يكتمل الاكتتاب فإنه يتم عقد اجتماع لينتخب المكتتبون لجنة تمثلهم في دفع رأس المال، والمحاسبة على الربح وإجراء التوزيع، ومتابعة انتقال ملكية السندات من مالك لآخر، وذلك بعدما تصبح قابلة للتداول، ويطلق على هذه اللجنة عادة اسم (هيئة مالكي السندات) .
وطالما أن سندات القراض تكون ممثلة في موجودات تغلب عليها الأعيان فإن تداول هذه السندات بالبيع والشراء يكون جائزًا شرعًا، وهذا هو ما قرره مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة بتاريخ ١٨ – ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ ٦ –١١ فبراير ١٩٨٨م (١) .
стр. 17668
أما بالنسبة للقطاع الخاص فإنه محروم في الغالب ولا سيما الشركات المساهمة من مزايا التمويل الإسلامي بالمضاربة وذلك رغم أن هذه الشركات تستطيع أن تضرب أحسن المثل في العمل بالمال على أساس المشاركة بالأرباح والخسائر. فالشركات المساهمة لها سجلات منتظمة وتسير على نظام معلن وتخضع حساباتها للتدقيق الداخلي والخارجي.
وقد آن الأوان ليدخل في قانون الشركات فصل جديد بعنوان (أدوات التمويل الإسلامي) وفي مقدمتها سندات القرض. ومن البديهي أن يتنوع إصدار هذه السندات بحسب طبيعة عمل الشركة المساهمة ومجال نشاطها التجاري أو الصناعي أو الزراعي. . . إلخ.
والمهم في ذلك كله أن تكون هذه الأدوات – سواء للقطاع العام أو الخاص – خاضعة للتنظيم القانوني المناسب، وذلك حتى تحفظ حقوق الناس. وذلك أن عدم وجود الضوابط الكافية يفتح الباب لسوء الاستغلال، وتضيع حقوق المستثمرين والمواطنين.
الفرع الثاني – سندات المشاركة:
الشركة في الفقه الإسلامي – كما عرفتها مجلة الأحكام العدلية – هي " اختصاص ما فوق الواحد من الناس بشيء وامتيازهم بذلك الشيء" (١) .
وتختلف المشاركة عن المضاربة رغم اتحاد جنس المشاركات بوجه عام. فالمشاركة تبقي اليد في التصرف في مال الشركة لكل الشركاء، بينما ترفع المضاربة يد رب المال عن التصرف في ماله، وتضع عبء العمل كله في يد العامل ليكون صاحب حق في الربح بفضل ما يقدمه من الجهد.
وتكون السندات الصادرة هي رأس المال المستخدم في إنشاء المشروع أو امتلاكه إذا كان موجودًا، ويكون لكل إصدار هيئة منتخبة من المكتتبين، حيث تتولى الإشراف على إنشاء المشروع، وقبض نصيب الممولين، وتوزيع حصص الإيراد، ومتابعة انتقال ملكية السند من شخص إلى آخر.
والمشاركة هنا قد تكون مشاركة مستمرة مثل: سندات إنشاء المرافق الدائمة الاستعمال كالطرق الرئيسية والموانئ البحرية والمطارات الدولية والمباني الحكومية بما فيها المدارس والمستشفيات والجامعات، وكذلك مشاريع القطاع الخاص، كما قد تكون المشاركة مرتبة على أساس التناقص المتدرج. ولعل أبرز مثال لذلك هو مثال الأرض الوقفية، حيث يمتنع تمليك أراضي الأوقاف للغير مع وجود الحاجة لإعمارها.
وهنا يمكن أن يؤدي نظام المشاركة المتناقصة دورًا حيويًّا حيث يتم الإعلان المسبق عن طبيعة الإيراد السنوي الموزع وأنه يمثل عنصرين:
العنصر الأول – بمثابة إيراد لصاحب السند.
والعنصر الثاني – بمثابة تسديد لجزء من رأس المال المدفوع.
فإذا تحقق من المبنى الوقفي دخل صاف بقيمة (٢٠٠.٠٠) دينار بحريني مثلاً، وكان الاتفاق المعلن عند الاكتتاب الجاري هو أن (٣٥ %) من الداخل يعتبر إيرادًا والباقي هو تسديد لأصل رأس المال، فإن صاحب السند بمائة دينار من أصل الاكتتاب الكلي بمليون دينار يأخذ عشرين دينارًا يكون منها (٧) دنانير كإيراد و (١٤) دينار كتسديد من رأس المال. وبذلك تصبح قيمة السند الاسمية للسنة التالية (٨٦) دينارًا. . . وهكذا إلى أن تنتهي السندات جميعًا بالإطفاء التدريجي حيث يعود المبنى الوقفي بكامله ملكًا للوقف بأرضه وبنائه.
стр. 17669
وهذه الشركة هي شركة عقد وليست شركة ملك، حيث أن رأس المال قد استعمل في البناء ليسترد مع ربحه كما يستعمل رأس المال في مثال الزرع ليسترد أصله مع الربح كذلك.
وتستطيع الدولة بمثل هذا الأسلوب أن تطرح السندات لإقامة المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية؛ لكي تكون دخولها موردًا للأجيال في المستقبل عندما تقل الإيرادات وتزداد النفقات، كما تستطيع الشركات المساهمة أن تطرح سندات المشاركة أيضًا للتوسع والتكامل التدريجي في أنشطتها.
وهذه السندات بأنواعها تتمثل في موجودات من الأعيان غالبًا وهي تقبل التداول بعد أن تصبح أعيانًا بالبيع والشراء.
الفرع الثالث – سندات المنافع (الإجارة) :
المنافع في اللغة العربية جمع منفعة، وتعني حق الاستفادة من الشيء مع بقاء عينه، مثل منفعة سكنى الدار واستئجار السيارة.
والمنفعة المقصودة بالبحث هنا هي المنفعة المنفصلة عن الامتلاك وذلك لأن مالك العين يستلزم أن يكون مالكًا للمنفعة ولا عكس. فالمنفعة يمكن امتلاكها دون أن يتتبع ذلك امتلاك العين.
وقد اختلف النظر الفقهي في اعتبار المنافع وكونها أموالاً أم أنها ليست كذلك. فقد ذهب الفقه الحنفي إلى أن الأصل في المنافع أنها لا تدخل في حيز الأموال، وإنما هي ملك حيث يرى الحنفية أن المنافع ليست شيئًا ماديًّا موجودًا (١) .
أما في الفقه الشافعي والحنبلي فإن المنافع تعتبر أموالاً متقومة في ذاتها لأنها هي المقصودة من الأعيان بدليل أن الله قد سوغ اعتبار المنفعة مهرًا في النكاح وأنه لا مهر إلا بمال (٢) .
стр. 17670
وقد أثبتت الوقائع والنوازل دقة النظرة في الفقه الشافعي والحنبلي وتفوق هذا الرأي على ما ذهب إليه الفقه الحنفي في هذه المسألة ولا سيما عند تطبيق مسألة ضمان منافع المغصوب. فقد ذهب المتقدمون من الحنفية إلى القول بعدم ضمان منافع المغصوب لأن المنافع ليست أموالاً مما شجع الإقدام على الغصب، فكان أن عدل المتأخرون وقالوا بالاستثناء على سبيل الاستحسان – في منافع الغصب لمال اليتيم ومال الوقف والأموال التي تكون معدة للاستغلال.
وبناءً على ذلك فإن المؤسسات الحكومية وكذلك الشركات المساهمة يمكنها أن تطرح سندات إيجارية بهدف استئجار طائرات مثلاً أو معدات ثقيلة لمدة زمنية متوسطة (٧ سنوات مثلاً) ، وذلك على أساس الوعد باستئجار هذه الأشياء بأقساط ربع سنوية، وبقيمة أعلى بحيث يتحقق لمالك السند ربح مناسب.
وهذه السندات الإيجارية هي أيضًا من السندات التي تقبل التداول باعتبار أن المنافع كالأعيان من حيث اعتبارها أموالاً.
الفرع الرابع – سندات التمويل:
تقوم هذه السندات على فكرة تمويل البيوع في المرابحة للآمر بالشراء، ويمكن أن تتوسع لتشمل بيوع السلم أو الاستصناع والتوريد. ونبدأ بتفصيل سندات المرابحة للآمر بالشراء؛ فلو كان الطالب هو الدولة أو المؤسسة الحكومية، فإنها تعلن عن رغبتها في شراء شيء بسعر كذا مع استعدادها لشراء ذلك الشيء بثمن الكلفة، وزيادة هامش ربح معين مع بيان مدة السداد.
وعندما تطرح السندات للبيع ويتم الاكتتاب فيها، فإن هيئة مالكي السندات تستطيع أن تقوم بشراء ما هو مطلوب ثم بيعه لجهة الطلب، كما تتولى قبض الأقساط وتوزيع الحصص على المالكين.
فإذا كان الشيء المطلوب شراؤه مما يتم استصناعه فإن الدفع يتم حسبما يتضمنه دفتر الشروط وبموافقة جهة الطلب، ويكون الاستصناع هنا مركبًا. وكما أن المضارب يضارب كذلك فإن المستصنَع (بفتح النون) يستصنِع (بكسر النون) .
ومشكلة هذا النوع من السندات سواء كان ناتجًا عن بيع مرابحة أم استصناع أنه مبني في المآل على الديون. وإن سند الدين كما هو معلوم وكما بينا في هذا البحث لا يجوز بيعه إلا بالمثل وبالتقابض.
ويتمثل الحل هنا – بالنسبة لغايات التداول – أن تكون سندات الديون جزءًا من محفظة شاملة لسندات المقارضة والمشاركة والمنافع بحيث تكون نسبة الديون في هذه المحفظة هي الأقل، وتكون الغلبة للأعيان والمنافع.
وبذلك يمكن أن تجد الدولة ومؤسسات القطاع العام والشركات المساهمة من القطاع الخاص البدائل الشرعية للتمويل في مختلف الاحتياجات.
стр. 17671
الفصل الثالث
صور معاصرة من تقنين بعض أدوات التمويل الإسلامي
تمهيد:
شهدت الساحة الإسلامية منذ بدء تأسيس وانتشار المؤسسات المصرفية الإسلامية مولد عدد من الأدوات التمويلية الإسلامية لتحقيق هدفين:
أولهما: إيجاد البديل الإسلامي لسندات القروض ذات الفوائد.
والثاني: محاولة تمهيد الباب لقيام السوق الإسلامية لرأس المال بأدواته المتداولة (١) .
ورغم أن الأداء لم يكن متكافئًا مع الآمال، إلا أن هذه المحاولات تدل على إمكان الحركة والانطلاق نحو بناء قانوني عصري متكامل لتقديم الأدوات التمويلية الإسلامية الملائمة لتلبية احتياجات القطاع العام والقطاع الخاص على حد سواء.
وتتمثل هذه المحاولات في التجارب التالية:
أولاً – التجربة الأردنية:
قدم واضعو مشروع قانون البنك الإسلامي الأردني فكرة سندات المقارضة وذلك على أساس أن تكون بمثابة رأس المال المتجمع من عدد غير محدد من المكتتبين بهدف المشاركة في أرباح المشروع الذي يجري تمويله في حصيلتها، وقد صدر القانون المشار إليه أعلاه تحت رقم (١٣) لسنة ١٩٧٨م متضمنًا تعريف سندات المقارضة بأنها تعني: "الوثائق الموحدة القيمة والصادرة عن البنك بأسماء من يكتتبون فيها مقابل دفع القيمة المحررة بها على أساس المشاركة في نتائج الأرباح المتحققة سنويًّا حسب الشروط الخاصة بكل إصدار على حدة، ويجوز أن تكون هذه السندات صادرة لأغراض المقارضة المخصصة وفقًا لأحكام المقررة لها في هذا القانون " (٢) .
ثم صدر بعد ذلك في الأردن أيضًا القانون المؤقت رقم (١٠) لسنة ١٩٨١م باسم قانون سندات المقارضة وكانت الغاية من ذلك القانون هي إيجاد الوسيلة الملائمة لإعمار الممتلكات الوقفية، وتمويل إنشاء مشاريع المؤسسات العامة ذات الاستغلال المالي بما في ذلك البلديات.
وقد استدعى الحديث المتواصل عن سندات المقارضة وتأصيلها الفقهي اهتمام أهل العلم حيث استكتب مجمع الفقه الإسلامي عددًا من الكاتبين للكتابة بالموضوع، وتمت مناقشة جوانبه الشرعية، وصدر القرار بشأنه وما تتطلبه من شروط وذلك في اجتماع دورة المؤتمر الرابع المنعقد في جدة بالمملكة العربية السعودية من ١٨ – ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ الموافق ٦- ١١ فبراير ١٩٨٨م، وقد تضمن القرار المشار إليه كذلك الروابط الشرعية لتداول سندات المقارضة (٣) .
стр. 17672
ثانيًا – التجربة الباكستانية:
صدر في باكستان قانون خاص بالمضاربة تحت رقم (م – ٣٠٢/ل – ٧٦٤٦) بتاريخ ٢٦/٦/١٩٨٠م لتنظيم أحكام تسجيل شركات المضاربة وطرح سنداتها وإداراتها (١) .
وقد تأسست بعد صدور القانون المذكور العديد من شركات المضاربة كان أولها في عام ١٩٨٤م حيث طرحت إصدارها لأول في السنة التالية ١٩٨٥م. وتتميز هذه الشركات بأنها مسجلة في سوق الأوراق المالية بكراتشي (٢) .
ثالثًا – التجربة التركية:
صدر في تركيا عام ١٩٨٤م نوع من سندات المشاركة المخصصة لتمويل بناء جسر البوسفور الثاني (جسر محمد الفاتح) بمبلغ (٢٠٠) مليون دولار أمريكي. وقد لاقى الإصدار قبولاً جماهيريًّا واسعًا ولا سيما من المواطنين الأتراك المغتربين خارج البلاد (٣) .
وقد استعملت حصيلة الإصدار في تمويل بناء الجسر الذي أفاد في تسهيل حركة المرور عبر شطري إستانبول ويعطي دخلاً جيدًا.
وتعتبر هذه السندات من أنجح ما شهدته بورصة إستانبول، ولذلك فقد اتجه المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب لتكليف باحث متخصص لدراسة التجربة وتقديم التفاصيل المتعلقة بها ضمن سلسة بحوث المعهد الخارجية لعام ١٩٩٨م. (٤)
رابعًا - تجربة البحرين:
أصدرت دولة البحرين في عام ١٩٨٦م القرار الوزاري رقم (١٧) لسنة ١٩٨٦م بشأن قواعد الترخيص في تأسيس الشركات المساهمة المعفاة من أحكام قانون الشركات التجارية رقم ٠٢٥) لسنة ١٩٧٧م، بناءً على مقترح قدمه الباحث لبدء توسيع نطاق أدوات التمويل الإسلامي (٥) .
وقد أجاز القرار الوزاري المشار إليه أعلاه تأسيس شركات مساهمة بحرينية ذات رأسمال متغير وتعمل وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية (٦) .
وبناءً على صدور هذا القرار فقد تأسست عدة شركات على أساس أنها تملك نوعين من الأسهم هما: أسهم الإدارة المصونة وأسهم المشاركة غير المصونة. وهذا النوع الأخير من الأسهم هو في الواقع يشبه أسهم المضاربة حيث لا يملك رب المال أن يتدخل في إدارة الشركة وإنما يتحصل على حصة شائعة من الربح.
стр. 17673
وقد بدأت بعض الشركات المسجلة في البحرين وفق أحكام القرار الوزاري المذكور بطرح أسهم المشاركة للبيع، وذلك على أساس أنها تمثل مجموعة مختلفة من الموجودات المؤلفة من الأعيان والمنافع والديون مع مراعاة جانب الغلبة للأعيان والمنافع في كل الأحوال (١) .
خامسًا – التجربة المصرية:
صدر في جمهورية مصر العربية قانون سوق رأس المال وهو القانون رقم (٩٥) لسنة ١٩٩٢م، حيث سمح هذا القانون بإصدار أسهم لحاملها ولا يكون لأصحابها الحائزين لها الحق في التصويت في الجمعيات العامة للشركة التي يساهمون فيها. (المادة ١) .
كما تضمنت المادة الثانية شروط إصدار الأوراق المالية في اكتتاب عام، في حين أشارت المادة الثانية عشرة إلى حالة إصدار السندات وصكوك التمويل والأوراق المالية الأخرى سواء كانت اسمية أو لحاملها بموافقة الجمعية العامة للشركة وفقًا للقواعد والإجراءات التي تبينها لائحة التنفيذية. كما نصت المادة الثانية عشرة المشار إليها وجوب أن تتضمن موافقة الجمعية العامة العائد الذي يغله السند أو الصك أو الورقة وأساس حسابه دون التقيد بالحدود المنصوص عليها في أي قانون آخر (٢) .
ويمكن النظر في ظل هذا القانون الفضفاض إلى إصدار صكوك تمويلية تشارك بحصة شائعة من الربح أو الإيراد الخاص بالمشروع الذي تستثمر فيه وذلك على أساس المضاربة أو المشاركة أو الإيجار، وبذلك تكون جمهورية مصر العربية قد فتحت الباب واسعًا أمام الشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم لدخول عالم سوق رأس المال الشامل.
وخلاصة القول هي أن البدائل الإسلامية لسندات القروض ذات الفوائد متاحة نظريًّا وهي ميسرة عمليًّا وما على المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية إلا الإعداد لدخول الساحة الحلال.
стр. 17674
وإن أولى الجهات بفتح باب الأدوات التمويلية الإسلامية هي ولا شك الحكومات في مختلف دول العالم الإسلامي حيث توجد الحاجة لسد احتياجات المرافق العامة وتوسيعها وتطويرها، كما أنه بالمقابل هناك باب للتوفير في أعباء خدمة الديون المتمثلة في هذه الفوائد الربوية التي تتحملها خزينة الدولة وهي تحملها بالتالي للمكلفين من دافعي الضرائب.
ففي الأردن – على سبيل المثال – وصل الدين العام الداخلي حسب التقرير السنوي الثالث والثلاثين المنشور من البنك المركزي الأردني الصادر في أبريل ١٩٩٧م مقدار (٩٩٤.٦) مليون دينار أردني مع نهاية عام ١٩٩٦م. بينما وصل الدين العام الداخلي في مصر حسب تقرير المجلة الاقتصادية الصادرة عن البنك المركزي المصري عام ١٩٩٧م مقدار (١٧٠.١٨) مليار جنيه مصري حتى نهاية يونيو ١٩٩٧م.
ويمثل إصدار السندات التمويلية الإسلامية بحكم تكييفها الفقهي بابًا من أبواب الترشيد والتخصيص، حيث يصبح المشروع الممول واقعًا تحت المحاسبة لتقدم إدارته البيانات المالية السنوية لمالكي السندات، ولا تعوم المشروعات تحت غطاء التسيب الإداري. كما أن وجود المشاركة الجماهيرية وتفاعلها مع واجب التمويل والتعاون مع الحكومة للبناء وتطوير المشروعات يعمق مفهوم المواطنة والتعاون الإيجابي بين الحاكم والمحكوم.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فإن قيام أسواق رأس المال الإسلامي ووجود الأدوات الإسلامية للتمويل سواء على الصعيد الوطني أم على مستوى العالم الإسلامي؛ إنما يمثل الوسيلة التي لا يستغني عنها لحفظ الأموال الإسلامية من التسرب إلى خارج الديار.
ومن ذلك يتبين أن إيجاد البديل الإسلامي ل سندات القرض يساعد على تعميق التفاعل الإيجابي بين الشعوب الإسلامية وحكوماتها كما يحفظ الأموال الإسلامية من الضياع واستمرار حرمان البلاد من ثمرات كدح أبنائها.
فهل يستجيب المخلصون من أبناء الأمة الإسلامية لإيجاد نظام شامل ومتكامل للأدوات الإسلامية في التمويل الحلال؟
هذا ما ندعو الله أن يوفق المسلمين إليه ليكونوا جديرين بحمل الرسالة ويصبحوا كما قال الله – – فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ صدق الله العظيم.
стр. 17675
خاتمة البحث
ونقف الآن مع نهاية هذا المسار العلمي لكي نلخص أهم النتائج التي توصل إليها البحث في هذه الجولة الثرية مع أقوال العلماء في كل مجال لتقرير ما يلي:
أولاً: إن الديون تعتبر في نظر الفقه الإسلامي أموالاً وهي تثبت في الذمة بوصفها وفقًا للمال الذي تمثله.
ثانيًا: إن القرض صورة من صور الدين وهو يأخذ حكمه بحسب نوعه، فالقرض النقدي تجري معاملته كالنقود والقرض من الطعام كالقمح مثلاً يتم التعامل به كالقمح في الأحكام.
ثالثًا: إن البيع الذي هو مبادلة مال بمال يقتضي المغايرة بين البدلين، ليكون هناك ثمن ومثمن، أما إذا لم تكن هناك مغايرة بين البدلين فإن البيع يأخذ حكم الواقع. فإذا كانت المبايعة نقودًا بنقود فإنها تأخذ حكم الصرف بحسب شروطه، أما إذا كانت سلعًا فإنها تعامل حسب توافر علة الربا – في البدلين.
رابعًا: إن الديون تقبل البيع للمدين وغير المدين بحسب حكم محلها، فالديون من النقود إذا كانت حالة تباع بمثلها وفق شروط الصرف مثلاً بمثل ويدًا بيد كما تباع بغيرها من النقود بشروط الصرف كذلك بحسب سعر السوق يوم التعامل بشرط فورية التبادل يدًا بيد. أما إذا لم تكن الديون حالة الأجل، فإنها لا تصلح للمصارفة حيث تشترط الفورية في التقابض ما لم تكن مصالحة بين الدائن والمدين لا غير.
خامسًا: إن المسميات الإسلامية الدارجة حديثا في بعض بلاد جنوب مشرق آسيا، مثل الكمبيالات المقبولة الإسلامية لا تقدم جديدا يختلف عن كمبيالات القبول التجارية المعروفة وطالما أن لها قيمة محددة بالنقود، فإن بيعها بالنقود من جنسها يكون ربا إلا إذا تساوى البدلان وجرى التقابض الفوري بين الثمن المدفوع والدين الحال. وبناء على ذلك فإن هذه البيوع الجارية للديون التي تمثلها هذه الكمبيالات بنقود أقل وأكثر هي بيوع مخالفة للشريعة الإسلامية.
سادسًا: إن أدوات الديون الإسلامية والتي لا تحمل فائدة ولكنها تقدم فائدة عند الاستحقاق بشكل متعارف عليه تعتبر من الأدوات الربوية؛ لأن القاعدة الفقهية تقرر أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
سابعًا: إن سندات الدين العام وما يماثلها من أدوات مما يعطي عائدًا دون أن تمثل موجودات قائمة في استثمار مخصص يحدد مجالات استعمال هذا الأموال تعتبر ديونًا، ويكون كل ما يدفع في مقابل هذه السندات من فوائد وجوائز وعوائد هو من الربا الحرام.
ثامنًا: إن البدائل الشرعية المتمثلة في سندات المقارضة وسندات المشاركة والإيجار والسندات التمويلية كلها وسائل مناسبة لتعميم أساليب التمويل الإسلامي، سواء على مستوى القطاع العام أم على مستوى القطاع الخاص. وإن المطلوب من جهات التقنيين أن تضع الأنظمة الملائمة لإصدار ما يلزم من قوانين وأنظمة.
تاسعًا: وأخيرًا. . . فإن المأمول أن يسعى العالم الإسلامي لتكون لديه أسواقه المالية التي تتفق أدواتها مع الشرع لكي يتم تجميع الطاقات واستنهاض الهمم لمواجهة تحديات العولمة والدخول إلى عالم الأقوياء، وقد أعد المسلمون ما يستطيعون من قوة في كل مجال وميدان. فالأدوات التمويلية الإسلامية هي وسيلة التفاعل بين الشعوب والمؤسسات والحكومات للتعاون والبناء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور سامي حسن حمود
стр. 17676
المراجع
أولاً – تفسير القرآن الكريم والحديث النبوي.
سعدي – عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الطبعة الخامسة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٧م.
نووي – رياض الصالحين، الطبعة الأولى، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٩٩٢م.
بيهقي – أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى، حيدر آباد – الهند، دائرة المعارف النظامية.
ثانيًا – فقه التراث للمذاهب الإسلامية.
أ – الفقه الحنفي:
ميرغيناني – برهان الدين علي بن أبي بكر الميرغيناني، كتاب الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأولى، مصر، المطبعة الخيرية، ١٣٢٦هـ.
سرخسي – شمس الدين السرخسي كتاب المبسوط، الطبعة الثانية، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر.
حيدر – علي حيدر درر الحكام شرح مجلة الأحكام (الكتاب الأول) ، بيروت، دار النهضة، تعريب فهمي الحسيني.
ب- الفقه المالكي:
ابن رشد (الجد) – محمد بن أحمد بن رشد، المقدمات الممهدات، القاهرة، مطبعة السعادة.
حطاب – محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب، مواهب الجليل مختصر خليل، الطبعة الثانية، مصر، مطبعة السعادة، ١٩٧٨م.
مالك – الإمام مالك بن أنس الأصبحي، المدونة الكبرى –رواية سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك، طبعة أوفست عن أول طبعة، بيروت، دار صادر.
ج – الفقه الشافعي:
شافعي – محمد بن إدريس الشافعي، كتاب الأم، الطبعة الأولى، دمشق، دار قتيبة، ١٩٦٢م.
شيرازي – محمد بن علي الفيروزآبادي الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، جاكرتا، شركة نور الثقافة الإسلامية.
نووي – محيي الدين بن شرف النووي، كتاب المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، جدة مكتبة الإرشاد.
نووي - محيي الدين بن شرف النووي، روضة الطالبين، الطبعة الثالثة، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٩٩١م.
ماوردي – علي بن محمد حبيب الماوردي، الحاوي الكبير، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤م.
ابن تيمية – أحمد بن تيمية (شيخ الإسلام) ، القواعد الفقهية النورانية، الطبعة الأولى تحقيق محمد حامد الفقي، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٩٥١م.
القاري – مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد، الطبعة الأولى، جدة، دار تهامة، ١٤٠١هـ.
ابن قدامة –عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ.
هـ – الفقه الزيدي:
سياغي – شهاب الدين الحسين بن أحمد السياغي، الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، الطبعة الثانية، الطائف، مطبعة المؤيد، ١٩٦٨م.
و– الفقه الجعفري:
شقرائي – محمد الجواد بن محمد الحسين العاملي الشقرائي، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، مصر، مطبعة الفجالة، ١٣٦٦هـ.
ز – الفقه الإباضي:
إطفيش – محمد بن يوسف إطفيش، شرح النيل، طبعة الباروني.
ح – الفقه الظاهري:
ابن حزم – علي بن محمد بن سعيد بن حزم، المحلى، بيروت، دار الفكر.
ثالثًا – المصادر الفقهية الحديثة:
الموسوعة الفقهية الكويتية، الطبعة الثانية، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، الكويت.
زرقاء – الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، دمشق، مطابع آلف باء الأديب، ١٩٦٨م.
بدران – الدكتور بدران أبو العينين بدران، الشريعة الإسلامية القاهرة، مؤسسة شباب الجامعة.
خفيف – الشيخ علي الخفيف، أحكام المعاملات الشرعية، البحرين، بنك البركة الإسلامية.
زحيلي – الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق، دار الفكر.
سابق – الشيخ سيد سابق، فقه السنة، جدة، ١٣٤٤ هـ.
ضرير – الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، الغرر وأثره في العقود، البحرين، بنك البركة الإسلامي، ١٩٨٤م.
حمود – الدكتور سامي حسن حمود:
أ- الأدوات التمويلية الإسلامية للشركات المساهمة، الطبعة الأولى، جدة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ١٩٩٦م.
ب- مستقبل النجاح لإقامة سوق رأس المال الإسلامي، مقال منشور في كتاب أسواق المال الخليجية، صادر عن بنك الخليج الدولي، البحرين عام ١٩٨٧م.
مجمع الفقه الإسلامي دورة مؤتمره السنوي الرابع جدة، ١٩٨٨ م.
رابعًا - مصادر متنوعة
أ- ملتقى التجربة الماليزية في العمل المصرفي الإسلامي، منشور من قبل اللجنة الاستشارية العليا لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، عام ١٩٩٦م، الكويت.
ب – القوانين:
الكويت – قانون التجارة الكويتي، رقم (٨٦) ، لسنة ١٩٦٠م.
الأردن – قانون الدين العام لسنة ١٩٧١م.
- قانون البنك الإسلامي الأردني، رقم (١٣) ، لسنة ١٩٧٨م.
الباكستان – قانون شركات المضاربة لسنة ١٩٨٠م.
البحرين – القرار الوزاري رقم (١٧) ، لسنة ١٩٨٦م.
مصر – القانون رقم ٩٥ لسنة ١٩٩٢م.
ج – مراجع باللغة الإنجليزية:
- Islamic Bank Malaysia – Islamic Banking Practice – Kuala – Lampur – Malaysia.
- Moore (Philip) – Islamic Finance.
- Khan – Tariqullah Khan Practices and Performance of Mudaraba Companies in Pakistan (IRTI Research Paper No. ٣٧ , ١٩٩٦) .
* * *
стр. 17677
بيع الدين وسندات القرض وبدائها الشرعية
العرض – التعقيب والمناقشة
العرض
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه الجلسة الصباحية المباركة لدينا موضوع (بيع الدين) وما يلحقه من القضايا المعاصرة ذات العلاقة ببيع الدين بالدين والبدائل. في الموضوع ستة أبحاث، والعارض هو فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني، والمقرر هو فضيلة الشيخ عبد اللطيف آل محمود.
الشيخ محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الموضوع المطروح هو: (بيع الدين والسندات المالية وبدائلها الشرعية) وقد كتبت فيه ستة أبحاث: بحث لفضيلة الدكتور عبد اللطيف آل محمود، وبحث لفضيلة الدكتور نزيه حماد، وبحث للدكتور سامي حسن حمود، وآخر لسعادة الدكتور محمد علي القري بن عيد، وأخيرًا بحثي المتواضع. وليس من مهمة العارض أن يؤدي خلاصة بحثه فحسب بل يجب عليه أن يأتي بخلاصة ما أتى إليه الآخرون في بحوثهم. وليس من الممكن في هذا الوقت المحدد أن أستقصي كل ما جاء في هذه البحوث الستة، ولكنني أحاول بقدر ما أستطيع أن آتي بخلاصة آرائهم فيما تعرضوا له في هذه البحوث.
فبدأت معظم هذه البحوث بتعريف الدين وبيان حقيقته، واستفاض فيها خاصة الدكتور سامي حسن حمود، وفضيلة الدكتور نزيه حماد من الناحية الفقهية والقانونية. واتفق الباحثون كلهم أن المقصود بالبحث هنا هو ما وجب في الذمة من المال بعقد أو. . .
ثم تعرض الباحثون لأهمية الموضوع والحاجة لدراسته في ظروفنا المعاصرة، وذلك أن بيع الدين أصبح اليوم ظاهرة فاشية في الأسواق المالية، وقد نبَّه إلى ذلك خاصة الأستاذان الكريمان الدكتور سامي حسن حمود، والدكتور محمد علي القري. فالدكتور سامي حمود تعرض ل سندات القرض والأدوات التجارية والقوانين المتعلقة بها في البلاد المختلفة. كما ذكر سيادته أن البنك الإسلامي استحدث أداة سماها (الكمبيالات الإسلامية المنقولة وسندات السحب) .
وقد استفاض الدكتور القري في بيان الواقع العملي في تغلغل الأسواق المتعثرة في المداينات والتفرد بالديون سواء أكان على مستوى الأسعار أم على مستوى الشركات والحكومات، وأيد ذلك بإحصاءات وبيان الأسباب الباعثة على هذه المداينة.
ثم فصل صور بيع الدين. . . من حسم الكمبيالات. .. التي تسمى باللغة الإنكليزية. . .
كما تعرض سيادته لقضايا اقتصادية التي تنتج عن هذه العمليات. وبعد هذا التمهيد دخل الباحثون في صلب الموضوع من الناحية الفقهية فذكروا الصور المختلفة التي ذكرها الفقهاء في بيع الدين.
وقد بين فضيلة الشيخ عبد اللطيف آل محمود أحكام التصرف في الدين، وتطرق إلى تصرف المدين في الدين بالحوالة والسفتجة، ثم تكلم عن تصرف الدائن في الدين من تمليكه بعوض أو بغير عوض.
وقد توسع في بيان صور بيع الدين فضيلة الدكتور نزيه حماد بترتيب هذه الصور وبيان أحكامها بالمباحث الفقهية المذكورة. فمن هذه الصور (بيع الدين بالدين) سواء عقد مع المديون نفسه أو مع طرف ثالث وهو الذي يعبر عنه بـ (بيع الكالئ بالكالئ) ، واستند جمهور الفقهاء في منع هذا البيع على ما روي في حديث معروف أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.
стр. 17678
وقد ذكر كثير من المحدثين أن هذا الحديث ضعيف من جهة الإسناد! لأن مداره على موسى بن عبيدة الربدي، الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل، ﵀: إنه لا تحل الرواية عنه. ولكن قبل الفقهاء مضمون هذا الحديث إما لأنه تعلل بطريق آخر، أخرجه عبد الرازق في مصنفه من طريق إبراهيم بن أبي يحي الأسلمي الذي ضعفه أكثر المحدثين، ولكن أكثر عنه الإمام الشافعي ووثقه في الرواية وكذلك وثقه ابن عقدة الأصبهاني وآخرون. وإما لأن هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول بما يفيد ضعفه. وقد تكلمت في بحثي عن إسناد هذا الحديث في أقوال المحدثين.
وعلى أساس هذا الحديث منع جمهور الفقهاء جميع صور بيع الدين بالدين، وأجاز المالكية وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله تعالى -. . . وقد فصل ذلك الدكتور نزيه حماد في بحثه.
وقد ذكر فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري، الذي اطلعت على بحثه متأخرًا جدًّا فلم أستطع أن أمعن النظر فيه ولكن لمست منه، أن الراجح عندهم في بيع الدين بالدين عدم الجواز. ومع أن الغرض من هذه الدراسة لا يتعلق كثيرًا بهذه الصور لبيع الدين بالدين فأكتفي في هذا الموضوع بهذا الشرح.
والصورة الثانية لبيع الدين أن يبيع الدائن دينه للمديون نفسه، فهو الذي يعبر عنه الفقهاء بـ (بيع الدين ممن هو عليه) . وهذا ما أجازه جمهور الفقهاء.
ولا يخفى أن جواز هذا البيع يخضع لجميع الشروط العامة التي تشترط لجواز البيع، فعليه يشترط لجوازه أن يكون المبيع مقبوضًا للبائع، فإنه يشترط في بيع الدين أيضًا فلا يجوز بيع المسلم فيه لأنه مبيع ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض. وهو عند الشافعية والحنفية والحنابلة. وقد أجاز المالكية وبعض الحنابلة بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل أو دونه لا بأكثر منه للابتعاد عن الربا.
وكذلك إن كان الدين وعوضه ربويين يشترط في جواز بيعه التماثل، ولذلك منع أكثر الفقهاء (ضع وتعجل) إذ كانت مشروطة أما إذا تنازل المدين عن بعض دينه بدون اشتراط سابق فهذا لا مانع منه.
وكذلك إذا أراد البائع أن يبيع دينه بثمن أكثر مؤجل، فهذا عين الربا، وهو في معنى (أتقضي أم تربي) وقد نزل بحرمته القرآن الكريم. ولكن معنى جواز بيع الدين ممن عليه الدين مثل أن يقول المديون: اشترِ مني هذا الثوب بدينك عليَّ، فهذا جائز.
وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة، فذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أن بيع الدين من غير المديون لا يجوز أصلاً.
أما المالكية فقد أجازوا ذلك بشروط وهي:
١- أن يكون المديون حاضرًا لا غائبًا.
٢- أن يكون المديون مقرًّا بالدين.
٣- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، فلا يجوز بيعه إذا كان طعامًا، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه.
٤- أن يباع الدين بغير جنسه، أما إذا بيع: بجنسه فلا بد من التساوي، كما صرح به الدسوقي، ﵀.
٥- أن لا يباع دين الذهب بالفضة أو بالعكس، لكونه صرفًا وانعدام التقابض.
٦- أن لا يكون بين المدين ومشتري الدين عداوة، حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين عدوه منه.
٧- أن يكون المدين ممن تأخذه الأحكام ليمكن تخليص الحق منه عند القاضي إذا امتنع عن الأداء.
والقول بهذه الشروط السبع الذي صرح بها فقهاء المالكية إنما أرادوا بها أن تخرج العملية عن الغرر وشبهة الربا وإثارة الفتن.
стр. 17679
أما الشافعية فقد اختلفت رواياتهم في قضية بيع الدين من غير المدين. فمنهم من لم يذكر إلا عدم الجواز كالنووي – ﵀ – في منهاج الطالبين، ومنهم منذ كر وجهين: الجواز وعدمه، ورجح الجواز. ومنهم من قيد الجواز بما إذا قبض المشتري الدين من المدين في مجلس العقد وهذا الشرط في الحقيقة يؤول إلى عدم الجواز، لأن الدين متى قبض في المجلس لم يبقَ دينًا. ومنهم من اقتصر على ما إذا كان دين غير المديون من الأموال الربوية.
وقد ذكر فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري أن هناك اختلافًا فيما بين علماء الإمامية في مخرج بيع الدين من غير من عليه الدين، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم، ولعله رجح الجواز ولم يتعرض فضيلته في هذا الكتاب لشروط الجواز عند من يجوزه، وذكر أنه يشترط عنده ألا يكون هذا البيع بأكثر، بمعنى التساوي.
فبالرغم من هذه الاختلافات الجزئية التي ذكرها الباحثون فإن جميع المذاهب الفقهية المذكورة متفقة على رأي واحد، وهو أنه إذا كان الدين نقدًا فلا يجوز بيعه بثمن أقل أو أكثر، إما لأن بيع الدين من غير المدين لا يجوز أصلاً وإما لأن من شروط جوازه التساوي إذا كان جنسهما واحدًا كما هو قول المالكية وبعض الشافعية.
وبهذا يتحصل أن عمليات توريد الديون والمتاجرة بها كما يقع في أرباح الرأسمالية اليوم لا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهية المذكورة. واتفق على هذه النقطة الأبحاث الستة.
نأتي الآن إلى بيان شيء من التفصيل لهذه الأوراق المالية، فالنوع الأول منها هو (السندات) (Bonds) ، وربما تصدرها الشركات المساهمة لزيادة قدرتها المالية. فهذا السند مورد لهذه الشركات وهي بديلة لهم على أساس الفائدة. وقد تصدرها الحكومات للشعب ليستردوا منهم، وأخرى تصدرها البنوك والمؤسسات المالية وتسمى سندات الخزينة، وإن البنوك والمؤسسات المالية يشترونها على أساس المزايدة. ومعنى بيع هذه السندات أن مشتريها أقرض مبلغ الثمن إلى الحكومة واستحق من خلال هذا الإقراض أن يحصل على قيمة السند الاسمية عند حلول أجله.
إن هذه السندات كلها ربوية من أصلها، حيث إن المقرض يلتزم فيها بأداء مبلغ القرض وزيادة، فلا يخفى حرمة تداولها لأنها تؤدي إلى تعامل ربوي حرام. ولكن لو فرضنا أن هذه السندات أصدرت من قبل الحكومة على أساس القرض الشرعي بدون فائدة، فهل يجوز بيعها؟ يتأتى فيه الخلاف المذكور في بيع الدين، فلا يجوز بيعها عند الحنفية والحنابلة والظاهرية مطلقًا، وكذلك لا يجوز في الظاهر عند الشافعية. نعم يجوز ذلك عند من لا يشترط لجواز بيع الدين أن يقبض الدين في المجلس، فإن اشتريت هذه السندات بعين من الأعيان، مثل الثوب، أو الحبوب الغذائية، أو الأشياء الأخرى غير النقود فهذا البيع جائز على هذا القول مطلقًا. أما إذا اشتريت بالنقود فلم أجد من فقهاء الشافعية تصريحًا في هذا الباب، ولكن قياس قولهم في الصرف أن لا يجوز، لأن بيع النقود بالنقود صرف، ويشترط فيه التقايض في المجلس.
أما المالكية فيجوز عندهم بيع الدين لغير المدين بالشروط التي ذكرناها في تحقيق مذهبهم، ومن جملة هذه الشروط أنه إذا بيع الدين بجنسه فإنه يشترط فيه التساوي. فإن كان السند قيمته مائة فلا يباع إلا بمائة لا يزاد ولا ينقص، ومن الظاهر أن هذا الشرط لا يحصل به غرض السوق الثانوية التي تباع فيها السندات، فالحاصل أن التعامل الذي يجري في سوق الأوراق المالية من بيع السندات وشرائها محرم شرعًا. وعلى هذا اتفقت جميع البحوث.
стр. 17680
النوع الثاني من هذه الأوراق هي التي تسمى: (الكمبيالات) ، وهي عبارة عن الوثيقة التي يكتبها المشتري للبائع في بيع مؤجل، ويعترف فيها بأنه وجب في ذمته ثمن المبيع، وأنه يلتزم بأدائه في تاريخ آجل. وإن البائع حامل الكمبيالة ربما يريد استعجال الحصول على مبلغها، فلا ينتظر إلى تاريخ نضج الكمبيالة، بل يبيعها إلى طرف ثالث بأقل من قيمتها الاسمية ويسمى (حسم الكمبيالة) .
والعادة في سوق الأوراق أن مقدار هذا الحسم نسبة من مبلغ الكمبيالة تحدد على أساس مدة نضجها، فكلما كانت مدة نضجها أكثر كانت نسبة الحسم أكثر، وكلما كانت المدة أقل كانت نسبة الخصم أقل.
وإن معظم العلماء المعاصرين خرجوا حكم الكمبيالة على أساس أنه بيع دين بنقد أقل منه، وحرموه من هذه الجهة.
وقد ذكر الفقهاء ورقتين يشبهان الكمبيالة اسمهما: الجامكية والصك.
وقد تعرض الدكتور القري في بحثه لبيع الصك وانتهى إلى أن الفقهاء لم يجيزوا بيع الصكوك، مع أنها كانت تمثل طعامًا، فكيف يجوز حسم الكمبيالة التي تمثل نقودًا.
وأما (الجامكية) فهي عبارة عن ورقة تصدر من بيت المال أو من ناظر الوقف لصالح رجل له حق مالي على بيت المال أو الوقف.
وقد صرح علماء الحنفية والحنابلة بعدم جواز بيع الجوامك. وهذا متفرع عن أصلهم أن بيع الدين من غير المدين لا يجوز إطلاقًا.
أما المالكية فقد ذكر الحطاب جواز بيع الجامكية، ولكن هذا الجواز مشروط بأن يكون بيعه بخلاف جنسه، كما حققنا من قبل عند المالكية.
أما الشافعية فقد ذكر محشي نهاية المحتاج جواز التنازل عن الجوامك بعوض، ولكن ليس مقصوده إجازة بيع الجامكية أو النزول عن راتب شهر معين، وإنما مقصوده أنه لو كان لرجل عطاء في بيت المال يحصل عليه كل شهر جاز له أن ينزل عنه في حق غيره للأبد ويأخذ عوضًا عن ذلك، ولكن المنزول له لا يستحق العطاء بمجرد نزول الأول، بل مفاد نزوله أنه تزول مزاحمته له في ذلك العطاء، ثم يصير الأمر موكولاً إلى من له ولاية التقرير، فإن رأى المصلحة جعل المنزول له في محل النازل، وإن شاء عين غيره. وعلى كل حال فقياس قول الشافعية في مسألة بيع الدين أن لا يجوز بيع الجامكية أو الكمبيالة إلا بقبض العوضين في المجلس وبشرط التساوي. فالحاصل أن حسم الكمبيالة بالطريقة المتبعة اليوم لا يجوز عند أحد، وقد اتفق عليه جميع الباحثين.
فقد أفتى بعض إخوتنا في ماليزيا بجواز بيع الدين، وتوصلوا بذلك إلى القول بجواز حسم الكمبيالة، وقد عقدت مؤسسة الأوراق في ماليزيا حوارًا لي معهم، فاجتمعت معهم في (كوالالمبور) حتى أعرف مستندهم في ذلك، فتبين لي أنهم اعتمدوا في ذلك على الأدلة الآتية:
١- إنهم فرقوا بين القرض وبين الدين الذي ينتج عن بيع بضاعة، فقالوا: إن القرض لا يجوز بيعه أو شراؤه، فإنه لا يستند إلى بضاعة. أما الدين الذي ينشأ عن طريق البيع المؤجل فإنه يستند إلى بضاعة تم بيعها، فوثيقة هذا الدين لا يمثل النقود البحتة، وإنما يمثل النقود التي حلت محل البضاعة المبيعة، فبيع هذه الوثيقة عندهم بيع للدين الذي قام مقام البضاعة، فكأنه بيع للبضاعة.