← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17676–17715 · переход к 17681.

стр. 17676

المراجع أولاً – تفسير القرآن الكريم والحديث النبوي. سعدي – عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الطبعة الخامسة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٧م. نووي – رياض الصالحين، الطبعة الأولى، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٩٩٢م. بيهقي – أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى، حيدر آباد – الهند، دائرة المعارف النظامية. ثانيًا – فقه التراث للمذاهب الإسلامية. أ – الفقه الحنفي: ميرغيناني – برهان الدين علي بن أبي بكر الميرغيناني، كتاب الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأولى، مصر، المطبعة الخيرية، ١٣٢٦هـ. سرخسي – شمس الدين السرخسي كتاب المبسوط، الطبعة الثانية، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر. حيدر – علي حيدر درر الحكام شرح مجلة الأحكام (الكتاب الأول) ، بيروت، دار النهضة، تعريب فهمي الحسيني. ب- الفقه المالكي: ابن رشد (الجد) – محمد بن أحمد بن رشد، المقدمات الممهدات، القاهرة، مطبعة السعادة. حطاب – محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب، مواهب الجليل مختصر خليل، الطبعة الثانية، مصر، مطبعة السعادة، ١٩٧٨م. مالك – الإمام مالك بن أنس الأصبحي، المدونة الكبرى –رواية سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك، طبعة أوفست عن أول طبعة، بيروت، دار صادر. ج – الفقه الشافعي: شافعي – محمد بن إدريس الشافعي، كتاب الأم، الطبعة الأولى، دمشق، دار قتيبة، ١٩٦٢م. شيرازي – محمد بن علي الفيروزآبادي الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، جاكرتا، شركة نور الثقافة الإسلامية. نووي – محيي الدين بن شرف النووي، كتاب المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، جدة مكتبة الإرشاد. نووي - محيي الدين بن شرف النووي، روضة الطالبين، الطبعة الثالثة، دمشق، المكتب الإسلامي، ١٩٩١م. ماوردي – علي بن محمد حبيب الماوردي، الحاوي الكبير، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤م. ابن تيمية – أحمد بن تيمية (شيخ الإسلام) ، القواعد الفقهية النورانية، الطبعة الأولى تحقيق محمد حامد الفقي، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٩٥١م. القاري – مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد، الطبعة الأولى، جدة، دار تهامة، ١٤٠١هـ. ابن قدامة –عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ. هـ – الفقه الزيدي: سياغي – شهاب الدين الحسين بن أحمد السياغي، الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، الطبعة الثانية، الطائف، مطبعة المؤيد، ١٩٦٨م. و– الفقه الجعفري: شقرائي – محمد الجواد بن محمد الحسين العاملي الشقرائي، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، مصر، مطبعة الفجالة، ١٣٦٦هـ. ز – الفقه الإباضي: إطفيش – محمد بن يوسف إطفيش، شرح النيل، طبعة الباروني. ح – الفقه الظاهري: ابن حزم – علي بن محمد بن سعيد بن حزم، المحلى، بيروت، دار الفكر. ثالثًا – المصادر الفقهية الحديثة: الموسوعة الفقهية الكويتية، الطبعة الثانية، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، الكويت. زرقاء – الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، دمشق، مطابع آلف باء الأديب، ١٩٦٨م. بدران – الدكتور بدران أبو العينين بدران، الشريعة الإسلامية القاهرة، مؤسسة شباب الجامعة. خفيف – الشيخ علي الخفيف، أحكام المعاملات الشرعية، البحرين، بنك البركة الإسلامية. زحيلي – الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق، دار الفكر. سابق – الشيخ سيد سابق، فقه السنة، جدة، ١٣٤٤ هـ. ضرير – الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، الغرر وأثره في العقود، البحرين، بنك البركة الإسلامي، ١٩٨٤م. حمود – الدكتور سامي حسن حمود: أ- الأدوات التمويلية الإسلامية للشركات المساهمة، الطبعة الأولى، جدة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ١٩٩٦م. ب- مستقبل النجاح لإقامة سوق رأس المال الإسلامي، مقال منشور في كتاب أسواق المال الخليجية، صادر عن بنك الخليج الدولي، البحرين عام ١٩٨٧م. مجمع الفقه الإسلامي دورة مؤتمره السنوي الرابع جدة، ١٩٨٨ م. رابعًا - مصادر متنوعة أ- ملتقى التجربة الماليزية في العمل المصرفي الإسلامي، منشور من قبل اللجنة الاستشارية العليا لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، عام ١٩٩٦م، الكويت. ب – القوانين: الكويت – قانون التجارة الكويتي، رقم (٨٦) ، لسنة ١٩٦٠م. الأردن – قانون الدين العام لسنة ١٩٧١م. - قانون البنك الإسلامي الأردني، رقم (١٣) ، لسنة ١٩٧٨م. الباكستان – قانون شركات المضاربة لسنة ١٩٨٠م. البحرين – القرار الوزاري رقم (١٧) ، لسنة ١٩٨٦م. مصر – القانون رقم ٩٥ لسنة ١٩٩٢م. ج – مراجع باللغة الإنجليزية: - Islamic Bank Malaysia – Islamic Banking Practice – Kuala – Lampur – Malaysia. - Moore (Philip) – Islamic Finance. - Khan – Tariqullah Khan Practices and Performance of Mudaraba Companies in Pakistan (IRTI Research Paper No. ٣٧ , ١٩٩٦) . * * *

стр. 17677

بيع الدين وسندات القرض وبدائها الشرعية العرض – التعقيب والمناقشة العرض الرئيس: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. في هذه الجلسة الصباحية المباركة لدينا موضوع (بيع الدين) وما يلحقه من القضايا المعاصرة ذات العلاقة ببيع الدين بالدين والبدائل. في الموضوع ستة أبحاث، والعارض هو فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني، والمقرر هو فضيلة الشيخ عبد اللطيف آل محمود. الشيخ محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الموضوع المطروح هو: (بيع الدين والسندات المالية وبدائلها الشرعية) وقد كتبت فيه ستة أبحاث: بحث لفضيلة الدكتور عبد اللطيف آل محمود، وبحث لفضيلة الدكتور نزيه حماد، وبحث للدكتور سامي حسن حمود، وآخر لسعادة الدكتور محمد علي القري بن عيد، وأخيرًا بحثي المتواضع. وليس من مهمة العارض أن يؤدي خلاصة بحثه فحسب بل يجب عليه أن يأتي بخلاصة ما أتى إليه الآخرون في بحوثهم. وليس من الممكن في هذا الوقت المحدد أن أستقصي كل ما جاء في هذه البحوث الستة، ولكنني أحاول بقدر ما أستطيع أن آتي بخلاصة آرائهم فيما تعرضوا له في هذه البحوث. فبدأت معظم هذه البحوث بتعريف الدين وبيان حقيقته، واستفاض فيها خاصة الدكتور سامي حسن حمود، وفضيلة الدكتور نزيه حماد من الناحية الفقهية والقانونية. واتفق الباحثون كلهم أن المقصود بالبحث هنا هو ما وجب في الذمة من المال بعقد أو. . . ثم تعرض الباحثون لأهمية الموضوع والحاجة لدراسته في ظروفنا المعاصرة، وذلك أن بيع الدين أصبح اليوم ظاهرة فاشية في الأسواق المالية، وقد نبَّه إلى ذلك خاصة الأستاذان الكريمان الدكتور سامي حسن حمود، والدكتور محمد علي القري. فالدكتور سامي حمود تعرض ل سندات القرض والأدوات التجارية والقوانين المتعلقة بها في البلاد المختلفة. كما ذكر سيادته أن البنك الإسلامي استحدث أداة سماها (الكمبيالات الإسلامية المنقولة وسندات السحب) . وقد استفاض الدكتور القري في بيان الواقع العملي في تغلغل الأسواق المتعثرة في المداينات والتفرد بالديون سواء أكان على مستوى الأسعار أم على مستوى الشركات والحكومات، وأيد ذلك بإحصاءات وبيان الأسباب الباعثة على هذه المداينة. ثم فصل صور بيع الدين. . . من حسم الكمبيالات. .. التي تسمى باللغة الإنكليزية. . . كما تعرض سيادته لقضايا اقتصادية التي تنتج عن هذه العمليات. وبعد هذا التمهيد دخل الباحثون في صلب الموضوع من الناحية الفقهية فذكروا الصور المختلفة التي ذكرها الفقهاء في بيع الدين. وقد بين فضيلة الشيخ عبد اللطيف آل محمود أحكام التصرف في الدين، وتطرق إلى تصرف المدين في الدين بالحوالة والسفتجة، ثم تكلم عن تصرف الدائن في الدين من تمليكه بعوض أو بغير عوض. وقد توسع في بيان صور بيع الدين فضيلة الدكتور نزيه حماد بترتيب هذه الصور وبيان أحكامها بالمباحث الفقهية المذكورة. فمن هذه الصور (بيع الدين بالدين) سواء عقد مع المديون نفسه أو مع طرف ثالث وهو الذي يعبر عنه بـ (بيع الكالئ بالكالئ) ، واستند جمهور الفقهاء في منع هذا البيع على ما روي في حديث معروف أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.

стр. 17678

وقد ذكر كثير من المحدثين أن هذا الحديث ضعيف من جهة الإسناد! لأن مداره على موسى بن عبيدة الربدي، الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل، ﵀: إنه لا تحل الرواية عنه. ولكن قبل الفقهاء مضمون هذا الحديث إما لأنه تعلل بطريق آخر، أخرجه عبد الرازق في مصنفه من طريق إبراهيم بن أبي يحي الأسلمي الذي ضعفه أكثر المحدثين، ولكن أكثر عنه الإمام الشافعي ووثقه في الرواية وكذلك وثقه ابن عقدة الأصبهاني وآخرون. وإما لأن هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول بما يفيد ضعفه. وقد تكلمت في بحثي عن إسناد هذا الحديث في أقوال المحدثين. وعلى أساس هذا الحديث منع جمهور الفقهاء جميع صور بيع الدين بالدين، وأجاز المالكية وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله تعالى -. . . وقد فصل ذلك الدكتور نزيه حماد في بحثه. وقد ذكر فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري، الذي اطلعت على بحثه متأخرًا جدًّا فلم أستطع أن أمعن النظر فيه ولكن لمست منه، أن الراجح عندهم في بيع الدين بالدين عدم الجواز. ومع أن الغرض من هذه الدراسة لا يتعلق كثيرًا بهذه الصور لبيع الدين بالدين فأكتفي في هذا الموضوع بهذا الشرح. والصورة الثانية لبيع الدين أن يبيع الدائن دينه للمديون نفسه، فهو الذي يعبر عنه الفقهاء بـ (بيع الدين ممن هو عليه) . وهذا ما أجازه جمهور الفقهاء. ولا يخفى أن جواز هذا البيع يخضع لجميع الشروط العامة التي تشترط لجواز البيع، فعليه يشترط لجوازه أن يكون المبيع مقبوضًا للبائع، فإنه يشترط في بيع الدين أيضًا فلا يجوز بيع المسلم فيه لأنه مبيع ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض. وهو عند الشافعية والحنفية والحنابلة. وقد أجاز المالكية وبعض الحنابلة بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل أو دونه لا بأكثر منه للابتعاد عن الربا. وكذلك إن كان الدين وعوضه ربويين يشترط في جواز بيعه التماثل، ولذلك منع أكثر الفقهاء (ضع وتعجل) إذ كانت مشروطة أما إذا تنازل المدين عن بعض دينه بدون اشتراط سابق فهذا لا مانع منه. وكذلك إذا أراد البائع أن يبيع دينه بثمن أكثر مؤجل، فهذا عين الربا، وهو في معنى (أتقضي أم تربي) وقد نزل بحرمته القرآن الكريم. ولكن معنى جواز بيع الدين ممن عليه الدين مثل أن يقول المديون: اشترِ مني هذا الثوب بدينك عليَّ، فهذا جائز. وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة، فذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أن بيع الدين من غير المديون لا يجوز أصلاً. أما المالكية فقد أجازوا ذلك بشروط وهي: ١- أن يكون المديون حاضرًا لا غائبًا. ٢- أن يكون المديون مقرًّا بالدين. ٣- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، فلا يجوز بيعه إذا كان طعامًا، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه. ٤- أن يباع الدين بغير جنسه، أما إذا بيع: بجنسه فلا بد من التساوي، كما صرح به الدسوقي، ﵀. ٥- أن لا يباع دين الذهب بالفضة أو بالعكس، لكونه صرفًا وانعدام التقابض. ٦- أن لا يكون بين المدين ومشتري الدين عداوة، حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين عدوه منه. ٧- أن يكون المدين ممن تأخذه الأحكام ليمكن تخليص الحق منه عند القاضي إذا امتنع عن الأداء. والقول بهذه الشروط السبع الذي صرح بها فقهاء المالكية إنما أرادوا بها أن تخرج العملية عن الغرر وشبهة الربا وإثارة الفتن.

стр. 17679

أما الشافعية فقد اختلفت رواياتهم في قضية بيع الدين من غير المدين. فمنهم من لم يذكر إلا عدم الجواز كالنووي – ﵀ – في منهاج الطالبين، ومنهم منذ كر وجهين: الجواز وعدمه، ورجح الجواز. ومنهم من قيد الجواز بما إذا قبض المشتري الدين من المدين في مجلس العقد وهذا الشرط في الحقيقة يؤول إلى عدم الجواز، لأن الدين متى قبض في المجلس لم يبقَ دينًا. ومنهم من اقتصر على ما إذا كان دين غير المديون من الأموال الربوية. وقد ذكر فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري أن هناك اختلافًا فيما بين علماء الإمامية في مخرج بيع الدين من غير من عليه الدين، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم، ولعله رجح الجواز ولم يتعرض فضيلته في هذا الكتاب لشروط الجواز عند من يجوزه، وذكر أنه يشترط عنده ألا يكون هذا البيع بأكثر، بمعنى التساوي. فبالرغم من هذه الاختلافات الجزئية التي ذكرها الباحثون فإن جميع المذاهب الفقهية المذكورة متفقة على رأي واحد، وهو أنه إذا كان الدين نقدًا فلا يجوز بيعه بثمن أقل أو أكثر، إما لأن بيع الدين من غير المدين لا يجوز أصلاً وإما لأن من شروط جوازه التساوي إذا كان جنسهما واحدًا كما هو قول المالكية وبعض الشافعية. وبهذا يتحصل أن عمليات توريد الديون والمتاجرة بها كما يقع في أرباح الرأسمالية اليوم لا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهية المذكورة. واتفق على هذه النقطة الأبحاث الستة. نأتي الآن إلى بيان شيء من التفصيل لهذه الأوراق المالية، فالنوع الأول منها هو (السندات) (Bonds) ، وربما تصدرها الشركات المساهمة لزيادة قدرتها المالية. فهذا السند مورد لهذه الشركات وهي بديلة لهم على أساس الفائدة. وقد تصدرها الحكومات للشعب ليستردوا منهم، وأخرى تصدرها البنوك والمؤسسات المالية وتسمى سندات الخزينة، وإن البنوك والمؤسسات المالية يشترونها على أساس المزايدة. ومعنى بيع هذه السندات أن مشتريها أقرض مبلغ الثمن إلى الحكومة واستحق من خلال هذا الإقراض أن يحصل على قيمة السند الاسمية عند حلول أجله. إن هذه السندات كلها ربوية من أصلها، حيث إن المقرض يلتزم فيها بأداء مبلغ القرض وزيادة، فلا يخفى حرمة تداولها لأنها تؤدي إلى تعامل ربوي حرام. ولكن لو فرضنا أن هذه السندات أصدرت من قبل الحكومة على أساس القرض الشرعي بدون فائدة، فهل يجوز بيعها؟ يتأتى فيه الخلاف المذكور في بيع الدين، فلا يجوز بيعها عند الحنفية والحنابلة والظاهرية مطلقًا، وكذلك لا يجوز في الظاهر عند الشافعية. نعم يجوز ذلك عند من لا يشترط لجواز بيع الدين أن يقبض الدين في المجلس، فإن اشتريت هذه السندات بعين من الأعيان، مثل الثوب، أو الحبوب الغذائية، أو الأشياء الأخرى غير النقود فهذا البيع جائز على هذا القول مطلقًا. أما إذا اشتريت بالنقود فلم أجد من فقهاء الشافعية تصريحًا في هذا الباب، ولكن قياس قولهم في الصرف أن لا يجوز، لأن بيع النقود بالنقود صرف، ويشترط فيه التقايض في المجلس. أما المالكية فيجوز عندهم بيع الدين لغير المدين بالشروط التي ذكرناها في تحقيق مذهبهم، ومن جملة هذه الشروط أنه إذا بيع الدين بجنسه فإنه يشترط فيه التساوي. فإن كان السند قيمته مائة فلا يباع إلا بمائة لا يزاد ولا ينقص، ومن الظاهر أن هذا الشرط لا يحصل به غرض السوق الثانوية التي تباع فيها السندات، فالحاصل أن التعامل الذي يجري في سوق الأوراق المالية من بيع السندات وشرائها محرم شرعًا. وعلى هذا اتفقت جميع البحوث.

стр. 17680

النوع الثاني من هذه الأوراق هي التي تسمى: (الكمبيالات) ، وهي عبارة عن الوثيقة التي يكتبها المشتري للبائع في بيع مؤجل، ويعترف فيها بأنه وجب في ذمته ثمن المبيع، وأنه يلتزم بأدائه في تاريخ آجل. وإن البائع حامل الكمبيالة ربما يريد استعجال الحصول على مبلغها، فلا ينتظر إلى تاريخ نضج الكمبيالة، بل يبيعها إلى طرف ثالث بأقل من قيمتها الاسمية ويسمى (حسم الكمبيالة) . والعادة في سوق الأوراق أن مقدار هذا الحسم نسبة من مبلغ الكمبيالة تحدد على أساس مدة نضجها، فكلما كانت مدة نضجها أكثر كانت نسبة الحسم أكثر، وكلما كانت المدة أقل كانت نسبة الخصم أقل. وإن معظم العلماء المعاصرين خرجوا حكم الكمبيالة على أساس أنه بيع دين بنقد أقل منه، وحرموه من هذه الجهة. وقد ذكر الفقهاء ورقتين يشبهان الكمبيالة اسمهما: الجامكية والصك. وقد تعرض الدكتور القري في بحثه لبيع الصك وانتهى إلى أن الفقهاء لم يجيزوا بيع الصكوك، مع أنها كانت تمثل طعامًا، فكيف يجوز حسم الكمبيالة التي تمثل نقودًا. وأما (الجامكية) فهي عبارة عن ورقة تصدر من بيت المال أو من ناظر الوقف لصالح رجل له حق مالي على بيت المال أو الوقف. وقد صرح علماء الحنفية والحنابلة بعدم جواز بيع الجوامك. وهذا متفرع عن أصلهم أن بيع الدين من غير المدين لا يجوز إطلاقًا. أما المالكية فقد ذكر الحطاب جواز بيع الجامكية، ولكن هذا الجواز مشروط بأن يكون بيعه بخلاف جنسه، كما حققنا من قبل عند المالكية. أما الشافعية فقد ذكر محشي نهاية المحتاج جواز التنازل عن الجوامك بعوض، ولكن ليس مقصوده إجازة بيع الجامكية أو النزول عن راتب شهر معين، وإنما مقصوده أنه لو كان لرجل عطاء في بيت المال يحصل عليه كل شهر جاز له أن ينزل عنه في حق غيره للأبد ويأخذ عوضًا عن ذلك، ولكن المنزول له لا يستحق العطاء بمجرد نزول الأول، بل مفاد نزوله أنه تزول مزاحمته له في ذلك العطاء، ثم يصير الأمر موكولاً إلى من له ولاية التقرير، فإن رأى المصلحة جعل المنزول له في محل النازل، وإن شاء عين غيره. وعلى كل حال فقياس قول الشافعية في مسألة بيع الدين أن لا يجوز بيع الجامكية أو الكمبيالة إلا بقبض العوضين في المجلس وبشرط التساوي. فالحاصل أن حسم الكمبيالة بالطريقة المتبعة اليوم لا يجوز عند أحد، وقد اتفق عليه جميع الباحثين. فقد أفتى بعض إخوتنا في ماليزيا بجواز بيع الدين، وتوصلوا بذلك إلى القول بجواز حسم الكمبيالة، وقد عقدت مؤسسة الأوراق في ماليزيا حوارًا لي معهم، فاجتمعت معهم في (كوالالمبور) حتى أعرف مستندهم في ذلك، فتبين لي أنهم اعتمدوا في ذلك على الأدلة الآتية: ١- إنهم فرقوا بين القرض وبين الدين الذي ينتج عن بيع بضاعة، فقالوا: إن القرض لا يجوز بيعه أو شراؤه، فإنه لا يستند إلى بضاعة. أما الدين الذي ينشأ عن طريق البيع المؤجل فإنه يستند إلى بضاعة تم بيعها، فوثيقة هذا الدين لا يمثل النقود البحتة، وإنما يمثل النقود التي حلت محل البضاعة المبيعة، فبيع هذه الوثيقة عندهم بيع للدين الذي قام مقام البضاعة، فكأنه بيع للبضاعة.

стр. 17681

وإن هذا الدليل – مع احترامي لهؤلاء الإخوة – لا يخفى وهنه: أما أولاً: فلأن من النتائج اللازمة لعقد البيع انتقال ملك المبيع إلى المشتري، فلما تم البيع بين الفريقين انتقلت البضاعة إلى ملك المشتري، ولم يبق للبائع إلا مطالبة الثمن الذي ثبت في ذمة المشتري. وهو الدين الذي تمثله الكمبيالة، وبعد ثبوت هذه النقود في ذمة المشتري، لم يبق هناك أي فرق بين النقود المقترضة، وبين النقود التي ثبتت في ذمته بسبب الشراء. وإن هذه النقود ليست قائمة مقام البضاعة بحيث يمكن عود البضاعة إلى محلها، وإنما هي عوض عن البضاعة المبيعة التي تم بيعها بيعًا باتًّا لا رجعة فيه، فلا يمكن أن تجري عليها أحكام البضاعة. وإلا لصارت جميع النقود التي حصل عليها الإنسان ثمنًا للبضاعة قائمة مقام البضاعة في جواز تداوله بالتفاضل وهو محظور بالبداهة. وثانيًا: القول بأن الكمبيالة بيع للبضاعة التي يقوم الدين مقامها يستلزم أن يقع على البضاعة الواحدة بيعان لجهتين مختلفين، فإن البضاعة تم بيعها إلى مصدر الكمبيالة وانتقل ملكها إليه، فكيف يبيع حامل الكمبيالة نفس هذه البضاعة إلى جهة أخرى؟ مع أن حامل الكمبيالة ليس مالكًا لها، ولا الجهة الأخرى تحصل على هذه البضاعة في مرحلة في مراحل العملية. وثالثًا: إن هذا الدليل معارض للنص، وهو حديث عبد الله بن عمر، ﵄، قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله! رويدك أسألك. إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) ". دل هذا الحديث على أنه إذا وقع البيع على نقد من النقود، ثم أراد المتبايعان أن يحولاه إلى نقد آخر، فإن ذلك إنما يجوز بشرطين: الأول أن يكون على سعر يوم الأداء، والثاني: أن يتم الأداء في المجلس ولا يبقى في ذمة المشتري شيء. ولا يخفى أن المبيع في هذه العملية إبل، وثبت ثمنها بالدراهم مثلاً في ذمة المشتري، فكأنها أصبحت دينًا في ذمته، وأنه يريد أن يستبدلها بالدنانير، فاشترط رسول الله ﷺ لذلك أن يقع الاستبدال بسعر يوم الأداء، وبأن لا يبقى شيء من الثمن في ذمة المشتري. ولينظر أن هذه العملية وقعت بين البائع والمشتري، ولم يتخللها ثالث، وكان من السهل أن يقال إنهما فسخا البيع السابق، وعقدا من جديد على أساس الدنانير، ولذلك لا يشترط فيه سعر يوم الأداء، ولا التقابض، ولكن رسول الله ﷺ جعله صرفًا ليحترز من كل شبهة للربا، وكذلك كان هذا بيعًا للدين ممن هو عليه، ومع ذلك اشترط رسول الله ﷺ تساوي البدلين في السعر، فيشترط هذا الشرط من باب أولى في بيع الدين من غير من هو عليه، لأن تخلل الثالث أبعد كل احتمال للاستبدال أو فسخ البيع السابق وعقده من جديد. ٢- إن بعض هؤلاء الإخوة استدلوا بما روي عن المالكية وعن بعض الشافعية أنهم أجازوا بيع الدين من غير من هو عليه، وتمسكوا بلفظ (بيع الدين) ، وقالوا: متى جاز بيع الدين، فإن البيع يقتضي أن يجوز بكل ما اتفق عليه العاقدان من ثمن، فيجوز بيع الدين بأقل من مبلغ الدين إذا تراضى عليه الطرفان.

стр. 17682

وهذا الدليل أضعف من الأول، لأنه حينما يقال بجواز بيع شيء، فإن الجواز يخضع لجميع الشروط اللازمة في مثل ذلك البيع، فمثلاً: إذا قلنا يجوز بيع الذهب، فليس معناه أنه يجوز بذهب أقل منه أو أكثر، وإنما المراد أنه يجوز هذا البيع بجميع شروطه المعتبرة، وهكذا في مسألة بيع الدين. ٣- وربما استدل بعضهم بما ذهب إليه العلماء من جواز (ضع وتعجل) استدلالاً بقصة بني النضير حينما أجلوا من المدينة المنورة، وإن هذه المسألة سبق وأن بحث فيها في المجمع، وفيها خلاف للفقهاء، ولكن الذين ذهبوا إلى جوازه إنما جوزوه إذا كان ذلك فيما بين الدائن والمدين، ولم يجوزه أحد منهم إذا تخلل ثالث في العملية. وهذه المسألة قد صدر فيها قرار من مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، ونصه: "الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أم المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية ". ثم تعرض الباحثون للبدائل الشرعية لبيع الدين وقد ذكرها بصفة خاصة سيادة الدكتور سامي حسن حمود، وسيادة الدكتور محمد علي القري، وفي بحثيهما القيمين، كما أنني ذكرت في بحث البدائل التي يمكن على أساسها تطوير الأوراق التي يمكن المتاجرة فيها. والبدائل أتى بها الباحثون في هذا الصدد متقاربة متشابهة. بديل حسم الكمبيالات: أما حسم الكمبيالات، فيمكن تحصيل غرضه بطرق ثلاثة: ١- إن حسم الكمبيالات يحتاج إليه تاجر يبيع بضاعته بيعًا مؤجلاً، فيريد أن يحصل على مبلغ الثمن (أو ما يقاربه) معجلاً قبل حلول الأجل ليمكن له الوفاء بالتزاماته تجاه التجار الذين اشترى منهم البضاعة المصدرة، أو الصناع الذين صنعوها له، وأكثر ما يحتاج إليه التجار في تصدير بضاعاتهم إلى خارج البلد عن طريق اعتماد مستندي فيذهبون بالكمبيالات إلى بنك ليحسمه ويؤدي إليهم مبلغ الكمبيالة ناقصًا منه نسبة الحسم.

стр. 17683

والطريق المشروع للحصول على هذا الغرض بالوجه الذي لا غبار عليه من الناحية الشرعية أن يعقد التجار المشاركة مع البنك قبل تصديرهم للبضاعة، وبما أن عندهم طلبًا معينًا من خارج البلاد، والسعر معلوم متفق عليه بين الفريقين والتكلفة معلومة، فلا يصعب على البنك الدخول في المشاركة في هذه العملية بخصوصها. لأن الربح المتوقع من العملية شبه المتيقن، فيمكن للبنك أن يعطي العميل المبلغ المطلوب على أساس المشاركة، ويتقاضى نسبة من الربح الحاصل من العملية، فيحصل العميل على السيولة ويتمكن بها الوفاء بالتزاماته التي يتحملها لإعداد البضاعة المصدرة، ويحصل للبنك الربح بنسبة معلومة. ٢- الطريق الثاني: أن يبيع البنك إلى حامل الكمبيالة بضاعة حقيقية مقابل الكمبيالة على مذهب المالكية وبعض الشافعية، أو مقابل ثمن يساوي مبلغ الكمبيالة، ثم يقبل حوالته على مصدر الكمبيالة. وبما أن مقابل الكمبيالة بضاعة، فلا بأس أن يبيعه البنك بسعر أعلى من سعر السوق، وبهذا يحصل على ربح. ٣- الطريق الثالث: أن تكون هناك معاملتان مستقلتان بين البنك وبين حامل الكمبيالة. المعاملة الأولى: أن يوكل حامل الكمبيالة البنك بتحصيل مبلغه من مصدر الكمبيالة عند نضجها، ويعطيه أجرًا معلومًا مقابل هذه الخدمة. والمعاملة الثانية: أن البنك يقرض العميل مبلغ الكمبيالة ناقصًا منه أجرة الوكالة قرضًا بدون فائدة. وإن هذا الطريق يشترط لجوازه أمور: الأول: أن يكون كل واحد من العقدين منفصلاً عن الآخر، فلا تشترط الوكالة في القرض، ولا القرض في الوكالة. الثاني: أن لا تكون أجرة الوكالة مرتبطة بمدة نضج الكمبيالة. بحيث تكون الأجرة زائدة إن كانت المدة طويلة وتكون أقل إن كانت قصيرة. الثالث: أن لا يزاد في أجرة الوكالة بسبب القرض الذي أقرضه البنك، فإنه يكون حينئذ قرضًا جر منفعة. والإخلال بهذه الشروط يفسد هذه العملية ولا تجوز شرعًا. أما بديل السندات التي تصدرها الشركات فإن جميع الباحثين أتوا لها ببديل سندات المقارضة، ولا أطيل في هذا لأن المجمع قد سبق وأن أصدر قرارًا في هذا الموضوع وجواز سندات المقارضة والشروط التي تجيز هذه السندات.

стр. 17684

أما القضية المهمة التي تعرض لها عدة باحثين هي: بديل السندات التي تصدرها الحكومة لتمويل عجز ميزانيتها، فقد أتى لها ببدائل في عدة بحوث منها: صكوك المشاركة أو المضاربة، يمكن استخدامها في مشاريع تجارية تدر ربحًا، فيمكن أن تصدر الحكومة صكوك المشاركة أو المضاربة بالقراض لهذه المشاريع التجارية ويساهم حملة الصكوك في الأرباح التي تنتج من هذه المشاريع. وكذلك ذكرت صكوك التأجير، ويمكن استخدامها في بناء مشاريع يمكن تأجيرها ويمكن تمويل هذه المشاريع عن طريق إصدار صكوك التأجير، مثلاً: تريد الحكومة أن تبني جسرًا فإنه يمكن أن تتقاضى رسومًا ممن يستخدم هذا الجسر، ويمكن أن يؤجر هذا الجسر إلى جهة تجارية وتتقاضى الرسوم ممن يستخدمه. وهناك عدة قطاعات حكومية لا تدر ربحًا فكيف يمكن تمويل تلك القطاعات لأنه لا يمكن على أساس المضاربة أو المشاركة أو التأجير؟ واقترحت لذلك في بحثي تكوين صندوق تمويل للحكومة، فقلت: قد تكون لدى الحكومة مشاريع لا تدر ربحًا، أو تدر ربحًا بسيطًا لا يكفي لتشويق الناس إلى المساهمة فيه. مثل دعم القوات المسلحة، وإنشاء المعاهد الدراسية، أو المستشفيات العامة، أو إنشاء المباني التي لا تدر ربحًا. إن تمويل هذه المشاريع لا يمكن على أساس المشاركة أو المضاربة. ويمكن تمويل هذه المشاريع بإنشاء صندوق خاص لتمويل الحكومة. وإن هذا الصندوق يتكون بمساهمات عامة الناس، ويصدر لهم صكوك تشهد بمساهمتهم فيه. ثم إن الصندوق يمول مثل هذه المشاريع الحكومية على أساس المرابحة، أو التأجير، أو الاستصناع، حسب طبيعة المشروع فمثلاً: إذا احتجت الحكومة إلى شراء أسلحة؛ فإن هذا الصندوق يشتريها من المصدرين، ويبيعها إلى الحكومة مرابحة مؤجلة، وإن احتاجت الحكومة إلى ماكينة أو معدات أخرى، فإن هذا الصندوق يشتريها ثم يؤجرها إلى الحكومة إما إجارة عادية، أو إجارة منتهية بالتمليك. وإن احتاجت الحكومة إلى بناء عمارة، فإن الحكومة تعقد الاستصناع مع هذا الصندوق، وإن الصندوق يبني العمارة عن طريق مقاول من الباطن، ويسلمها إلى الحكومة، وتدفع الحكومة الثمن إلى الصندوق في أقساط معلومة. ومما ينبغي أن يراعى في عمليات هذا الصندوق أن لا تزيد نسبة عمليات المرابحة على (٤٩ %) من مجموع العمليات، حتى يكون معظم ممتلكات الصندوق أعيانًا. وحينئذ تكون صكوك هذا الصندوق تمثل حصة شائعة في وعاء معظم موجوداته أعيان، فيجوز تداولها في السوق الثانوية. وأخيرًا ذكرت بديلاً آخر وهو أن تصدر الحكومة سندات القروض بدون فائدة. وهذه يمكن إصدارها ويمكن أن تنجح إذا كان الناس في ثقة أن الأموال الحاصلة من وراء هذه السندات لا تنفق في سرف وترف وتنعم، فإذا اعتمد الناس على حكوماتهم بأنهم لا ينفقون الأموال لمجرد تنعمهم فإنه لا يستغرب أن يعطوا الحكومة قروضًا بدون فائدة. ثم ذكرت في الأخير أنه يمكن للحكومة أن تعفي حملة هذا السندات عن بعض الضرائب أو تخفض نسبتها لهم، والظاهر أن ذلك لا يكون من قبيل القرض الذي جر نفعا، وذلك لأن القرض إنما يدخل في القرض الربوي إذا تضمن إعطاء زيادة على رأس المال أو إعفاء المقرض عن دين كان يجب عليه. أما الضرائب فإنها ليست من قبيل الديون الواجبة على المواطنين، وإنما يجوز للحكومة فرض الضرائب عليهم للوفاء بحاجات الحكومة بقدر الحاجة، ولذلك للحكومة معايير مختلفة في فرضها على بعض المواطنين دون بعض، وتعيين نسب مختلفة لأصناف مختلفة منهم. ولما تقدم هؤلاء المقرضون بقروض وفَّت بعض حاجات الحكومة، فللحكومة أن تعفيهم عن بعض الضرائب أو تخفض عنهم بعضها، لأنهم أدوا بعض دورهم في سد حاجات الحكومة فلا يطالب من الآخرين الذين لم يؤدوا هذا الدور إطلاقا. هذه خلاصة ما جاء في هذه البحوث، واعترف في الأخير بأنه قد وقع منى بعض التفريط أو التقصير في بيان ما جاء في البحوث الأخرى لأنه ما كان لي وقت كاف فأرجو من الرئاسة أن تعطي كتبة هذه البحوث الأولية عند النقاش. وبهذا القدر أكتفى، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17685

التعقيب والمناقشة التعقيب والمناقشة. الأستاذ عبد اللطيف الجناحي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نحن في هذا اليوم أمام موضوع هام لأن أهميته تهم كل مسلم وكل دولة إسلامية. تعرض الباحثون لصور متعددة من أنواع بيع الدين، وعرض فضيلة العارض للتجربة التي في ماليزيا. والموضوع أيها الإخوة موضوع خطر، وأنا عندما ناقشت إخواني في ماليزيا هناك قلت لهم: إنكم أغلقتم الباب الأمامي للربا وفتحتكم بابًا خلفيًّا له. نحن نريد أن نغلب أبواب الربا جميعًا. في الحقيقية المؤسسات والمصارف الإسلامية، جزى الله القائمين عليها خيرًا، انشغلوا كثيرًا برفع بلوى الربا على المواطنين والقطاع الخاص. بقي قطاع هام جدًا ويجب أن نتوجه إليه في هذه المرحلة وهو القطاع العام. استعرض الباحث الكريم أنواعًا من الصكوك (التأجير، والمشاركة، وسندات القروض بدون فائدة) ، ولا أدري كيف يستطيع مواطن، أو أن يقبل مواطن بأن يشتري سند قرض بدون أن يحصل في نهاية المطاف على أي نوع من المصلحة. وأود أن أطرح شكلا آخر وهو (سندات السلم) . فالسلم من البيوع الجائزة شرعا، وأنا أريد أن أحل سندات السلم مع أذونات الخزينة. مثلا دولنا في الخليج أو أي دولة أخرى لها ثروات طبيعية، مثل البترول، والنحاس، وغيرها من الثروات، فلماذا لا تبيع هذه الدول كميات محدودة معلومة من النحاس أو البترول أو أي نوع من الثروات الطبيعية على مواطنيها؟ وشاهدنا في ذلك هو جواز بيع المسلم فيه قبل القبض كما لدى المالكية ويروى ذلك بشيء من التفصيل في الموطأ، وأيضا جاء في المدونة الكبرى حيث لم يجيزوا بيع الطعام لكنهم أجازوا دون ذلك من السلع. إذن ما دام هناك إمكانية ببيع السلم قبل قبضه فإذن نصدر صكوكا للسلم لبضاعة محددة تستوفى في مكان محدد وبمبلغ محدد ومعلوم. هذه السلعة مثلا تشكل ألف برميل من النفط أو ألف طن من النحاس ونوكل الحكومة نيابة عنا في استلام هذه البضاعة وبيعها على الأطراف الأخرى. المزايا التي يمكن أن نحصل عليها من وراء طرح مثل هذه السندات هى: ١ – أن الدولة يمكنها أن تستخدم هذه السندات لسد العجز المؤقت في ميزان المدفوعات بدل أن تطرح سندات خزينة بفائدة. ٢ – تمكن الدولة من السيطرة على حجم النقد بطرح كميات من السلعات يمكنها من تنظيم حركة النقد. ٣ – إيجاد سوق ثانوية بأن هذه السندات قابلة للتداول بالسعر الذي تتفق عليه الأطراف المتبادلة، لأنها تقع على بضاعة حقيقية ومعروفة. ٤ – المشاركة الجماهيرية في جني ثمار الثروة الوطنية، والحرص للمحافظة عليها وزيادة إنتاجها. ٥ – إحساس المواطنين فعلا بقيمة ثرواتهم الوطنية، وتقدير جهود الدولة، والتعاون معها في مخططاتها المالية عند تقلب أسعار الثروة الوطنية. ٦ – يعطي تبادلًا أكثر لميزانية الدولة حيث يمكن التخطيط لبيع النفط مؤجلا لمدة سنة أو أكثر تمشيًّا مع مخططات احتياجات الميزانية. هذه الفكرة مطروحة ولدينا واقع، ويمكننا في الواقع الاطلاع عليها وبلورتها بشكل أكبر مع بعض الإخوان. وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17686

الشيخ صالح المرزوقى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فأشكر للإخوة الباحثين جهودهم على هذه البحوث القيمة، وإذا كان لنا من مداخلة فهى كالتالي: يرى فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني وكذلك الدكتور محمد على القري أنه يجوز على مذهب المالكية بيع الكمبيالة والسلم إذا بيع كل منهما بقيمة مساوية. والذى يظهر لي أنه لا يصح تخريجه على مذهب المالكية. وما ذكره فضيلة الشيخ تقي العثماني عن المالكية هو من بيع المطلق أي في الصرف، بدليل تجويزهم بيع الدين لغير المدين، لأن الصرف لا ينجم عنه الدين وما نقله عن الدسوقي حاشيته هو في الصرف لا في الدين، مثل أن يقول الإنسان: عليَّ ألف دولار فأشتريها منه بثلاثة وسبعمائة ريال أسلمها له في مجلس العقد. لا أنه بيع الدين لغير من هو عليه. ... ورتب على الجواز بيع الكمبيالة والسند إذا كانا بثمن مساو. وهذا كلام الزرقاني الذي نقله فضيلته في الشرط الخامس: (أن لا يباع دين الذهب بالفضة أو بالعكس لكونه صرفا وانعدم فيه التقابض) ، وخلص فضيلته إلى جواز بيع السند والكمبيالة بالنقد المساوي للقيمة الاسمية. والذي يظهر لي أن بيع الكمبيالة بالنقود لا يجوز، لا حسمًا ولا مساويًّا لأنها ليست نقودًا فهو عقد صرف تم فيه التساوي والتقابض في المجلس، وإنما هي وثيقة لدين غائب متضمنة استحقاق مقدار من النقود وهذا لا يجوز، لأن المبيع الذي تمثله هذه الورقة نقود غائبة بيعت بنقود حالة، وبشرط بيع النقود التساوي والتقابض، وإن تحقق التساوي، وهو بعيد؛ فلن يتحقق التقابض. ولا يعتبر قبض الكمبيالة قبضًا لما فيها، وتختلف عن الشيك هو يمثل المبلغ المدون به ويمكن قبضه في الحال بخلافها. أما أن يشترى بها عروضًا فهذا جائز، وأما السند فإن كان يمثل نقودًا فحكمه مثل ما ذكرنا في الكمبيالة، وأما إن كان يمثل عروضًا أو الغالب فيه العروض فلا مانع من بيعه بعروض أو نقود مع التساوي أو التفاضل مع شرط قبض أحد العوضين للخروج من بيع الدين بالدين. وذكر فضيلة الشيخ العثماني في النوع الرابع وهو أسلوب القبض الذي ألقاه في بحثه فهو أسلوب لا غبار عليه. وما ذكره بخصوص صندوق تمويل الحكومة يظهر لي أن أسلوبه يؤدي إلى الربا وهو بيع النقد بالنقد متفاضلاً. وما ذكره في خلاصة حكم الكمبيالة وقال: إنه بيع لنقد حال بنقد مؤجل أقل منه وهو في معنى الربا. وأقول: هو بذاته عينه وليس هو بمعنى الربا.

стр. 17687

وما ذكره الدكتور محمد علي القري من أن النهي عن بيع الصفات واقع على البيع ثان. لا أرى فيما نقله عن غيره ما يغير من الحقيقة بل فيه منع الجميع من بيع الصفات، وحمله حديث أبي هريرة على هذا لا وجه له، لأنه كيف يكون ربا وغررًا إذا باع البائع الثاني – كما قرر سعادته – ولا يكون ربًا ولا غررًا إذا باعها من وهبت له؟ قال الدكتور القري: قال جمهور الفقهاء بجواز بيع صاحبنا الأول لها. نقول له: من هم هؤلاء الجمهور؟ وأين المراجع عنهم؟! وهذا كلام ابن رجب في القاعدة الثانية والخمسين: إن كان الدين نقدًا وبيع بنقد لم يجز بلا خلاف لأنه صرف بنسيئة فلم يستفِ البائع الأول ابن رجب لم يستفِ البائع الأول من البائع الثاني، وقال: وإن بيع بيعهم وقبض في المجلس ففيه روايتان، قال أحد في بيع الصفات هو غرر، ونقله. . . أنه كرهه، وقال. . وهذا يدل على. . . أقول: الكمبيالة التي يراد أن تقاس على الصفات ليست نقودًا ولا عروضًا وإنما هي وثيقة بدين. ويقول الشيخ العثماني: إن حسم الكمبيالة ليس بيعًا في الحقيقة وإنما هو إقرار حوالة. الذي يظهر لي أنه بيع في أقل من الثمن وهو على كل سواء كان بيعًا أو قرضًا ربا ولا خلاف. يقول أيضًا: البديل لحسم الكمبيالة أن يدفع المبلغ على أساس المشاركة. أقول: هذا لا يتأتى، لأن الكمبيالة توثيق دين على شخص حقيقي ولا تمثل أسهمًا حتى يحل المشتري محل صاحب الأسهم، ولأنه في الشركات يحتاج أن يدفع كل من الشريكين نصيبه في رأس المال وطالب الكمبيالة يريد أن يقبض لا أن يدفع. وقال: الطريق الثاني أن يبيع البنك لحامل الكمبيالة بضاعة حقيقية. أقول: هذه الطريقة جائزة إذا توفرت لدى البنك بضائع، لكن أرى أن يضاف إليها (بشرط ألا يحدث بيعها على البنك إلا بتوفر الشروط الشرعية. وقال الشيخ العثماني في الطريق الثالث وقسمه إلى حالتين: الأولى: أن يوكل حامل الكمبيالة البنك بتحصيلها عند نضجها ويعطيه أجرًا مقابل هذه الخدمة. أقول: هذه الطريقة إن كان تسلم مالكها لها بعد قبض المؤجل لها فهذا لا بأس به، إن شاء الله، لكنه لا يحقق المراد لحامل الكمبيالة الذي هو مستعجل على قبض الدين، وإذا اتضح نضج الكمبيالة فلا حاجة له في البنك ولا حاجة له، كأن يدفع أجرة على تحصيلها لأنه يمكن تحصيلها بنفسه عند حلول أجلها. أما المعاملة الثانية: وهي أن البنك يقرض العميل ناقصًا من أجرة وكالة قرضًا بدون فائدة، فهذا تحايل على الربا باسم التجارة وما هو إلا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: دراهم بدراهم بينهما سلعة، يقول الدكتور سامي حمود: ويتفق الفقه المالكي من ناحية عدم حصر المضاربة في النطاق التجاري بمعناه الضيق. لكن الذي نعرفه عن الفقه المالكي أنه بين مذهب الحنابلة من طرف وبين مذهبي الحنفية والشافعية من طرف آخر، فالمذهبان الأخيران لا يجيزان المضاربة إلا في التجارة، أما المذهب المالكي فيجيزها في التجارة والزراعة، ولا يجيزها في غير ذلك؛ كالصناعة. أما المذهب الحنبلي – فكما ذكر سعادته – يجيزها في جميع المجالات، وكنا نتمنى من سعادته أن يدلنا على مرجع للمالكية فيما ذكره.

стр. 17688

تكلم سعادته أيضًا عن سندات القراض ولم يبين المضارب، أهو حكومة أم هو هيئة مالكة للسندات؟ فإن كان المضارب هو هيئة مالكة للسندات فهي شركة ومضاربة في آنٍ واحد ولا مانع منه. ويرتئي سعادته أن تدخل سندات القراض في شركة مساهمة، لكنه لم يشرح هذه الطريقة المقترحة، فالشركاء في الشركات المساهمة هم أصحاب رأس المال، وإذا طرحت الشركة المساهمة هم أصحاب رأس المال، وإذا طرحت الشركة المساهمة سندات قراض، فهل تجعلها مستقلة عن رأس مال الشركة وتستثمرها في وقتها، وحينئذ تكون الشركة المساهمة ضامنة للمضارب؟ إذا كان كذلك فلا بأس، أما أن تخلطها بأموال الشركة فلا، لأنه حينئذ يصعب فرزها ولأنه ليس للمضارب أن يخلط أموال المضاربة بماله إلا أن ينص عليه رب المال في شركة ثنائية، فكيف يكون ذلك في شركة مساهمة عامة أصحابها لا يعرف بعضهم بعضًا؟ وتكلم سعادته عن سندات المشاركة وجعلها قسمين، القسم الأول مشاركة مستمرة، وهذا النوع لا أرى فارقًا بينه وبين الشركات المساهمة المعروفة، فالسندات المقترحة وتداولها مثل الأسهم وتداولها. والقسم الثاني المشاركة على أساس التناقص المتدرج، وضرب لنا مثالاً بالمساهمة في بناء الوقف. فإذا حقق الوقف دخلاً صافيًّا بنسبة (٣٥ %) من الدخل مثلاً يكتب ربحًا والباقي وقدره (٦٥ %) يعتبر تسديدًا لرأس المال، وإذا فرضنا أن ما يحصل عليه صاحب السند فيأخذ واحدًا وعشرين دينارًا، منها سبعة دنانير كإيراد وأربعة عشر دينارًا كتسديد من رأس المال، وهكذا إلى أن تنتهي السندات جميعًا حيث يعود المبنى الوقفي بكامله ملكًا للوقف. الواقع أن هذه الطريقة التي طرحها سعادة الدكتور سامي هي ما يسميه أهل القانون (استهلاك الأسهم) ، والذي أراه بالنسبة لما ذكره أنه لا يجوز شرعًا لأن استهلاك السندات بجزء من الربح هو في الواقع استهلاك صوري لها، وذلك لأن الذي يأخذه المشاركون في مقابل سنداتهم أو في مقابل أجزاء منها هو حقهم في الربح وليس شيئًا آخر، لأنه يجب أن يكون السند أو السهم أو الصحة باقيًّا على ملك صاحبه وليس هناك طريقة شرعية لاعتباره مبيعًا أو مسقطًا، فيجب أن تبقى لأصحابها إلى أن تصفى الشركة، وكل ما يأخذه الشركاء من الربح فهو حقهم سواء أخذوه في صور ربح أو في صور ثمن للأجزاء التي جرى استهلاكها. وفي معرض تعليق الدكتور سامي حمود على تنضيض الحكم الذي جاء في فتاوى ندوة البركة، والذي مفاده أن لتنضيض الحكم حكم التنضيض الفعلي، وتضمن تعليق سعادة الدكتور القري، وتضمنت أن المعايير المحاسبية لا تقتصر على تقويم العروض والأصول الحقيقية بل يتوصل من خلالها لتقويم الديون بناءً على سعر الرسم المحتمل في المعاملة الربوية، ثم خلص إلى أنه أصبح التنضيض الحكمي وسيلة تؤدي إلى بيع الدين بطريقة لا تختلف عن رسم الكمبيالات، أي بيع الدين النقدي إلى غير من هو عليه قبل أجله بقيمة نقدية تقل عن قيمة دين هذا النوع. هذه هي النتيجة التي توصل إليها سعادة الدكتور القري، وهو استنتاج طيب، جزاه الله خيرًا. في بحث الدكتور القري عند ذكر البدائل الشرعية لبيع الدين وقياسه على بيع الدين ومنه، الكمبيالات والسندات على غير المدين كما استشهد لكلامه بما نقله عن فضيلة الشيخ الصديق الضرير وهو قوله: إذا بيع الدين قبل أجله بسلعة أو منافع معينة كان ذلك جائزًا. . ثم أتم كلام الضرير وهو قوله: كما لو كان لرجل على آخر دين فباعه لثالث بسيارة يسلمها له بعد شهر مثلاً فإن هذا البيع جائز.

стр. 17689

أقول: يظهر لي عدم جواز هذا البيع الذي صوره في هذا المثال، لأن بيع الدين بالدين مجمع على تحريمه، ومن ناحية أخرى فإن هذا المثال يخالف ما أرسل له، فالكلام الذي قبله (إذا بيع بسلعة أو منافع معينة) هو قول يفهم منه أنها مقبوضة حتى يتحقق القبض في أحد العوضين. يقول الدكتور القري: ومن المعلوم أن الأسهم تعد في ظل الفتاوى المعاصرة من الأصول الحقيقية كالعروض. والذي يظهر لي أن هذا القول يحتاج إلى تقييد فليست كل الأسهم مشتملة على عروض. فالأسهم المصرفية التي يتحول غالبها إلى نقود، والأسهم النقدية قبل أن تمارس الشركة أعمالها وقبل أن تتحول موجوداتها إلى عروض، كل هذا لا يجوز بيعه بنقود إلا بشرط التساوي والتقابض. وقال الدكتور القري: بإمكان الحكومة إلزام فئات من الناس كالأغنياء وبعض الشركات للاكتتاب بها واقتنائها لفترة محددة. والواقع أن من شروط عقدي البيع والشركة الرضا، فبإجبار الناس لا يصلح العقد، وكذلك من أين جاء للحكومة إلزام الناس أن يقروضها؟ ! وتقول: (تقترض الحكومة ثم تسدد بفرض الضرائب) ، فوقعنا في أمرين أحلاهما مر: إلزام بقرض وضرائب. وقال الدكتور عبد اللطيف محمود آل محمود: " وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بيعًا بين غير الربويات بثمن مؤجل كأن يكون لشخص على آخر مائة صاع من قمح مثلاً، فيبيعها على ثالث بمائتي ريال مؤجلة إلى شهر فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين: الأول: ذهب جمهور العلماء إلى فساد هذا البيع، لأنه من بيع الدين بالدين. الثاني: يجوز هذا البيع، وهو رأي بعض العلماء المعاصرين قياسًا على الحوالة، وفيه تحقيق مصلحة للطرفين وليس هناك ضرر يلحق بالمدين. أقول: نقل فضيلة الدكتور يحتاج إلى نظر؛ أولاً: أنه لم يذكر لنا هؤلاء الجمهور، ولم يذكر أصحاب القول الثاني والذين وصفهم بالعلماء المعاصرين، وقد أحال على بعضهم لا نعرفهم، هكذا فقط. والذي أود التنبيه عليه أن الصورة المذكورة هي محل اهتمام بعدم جوازها، وليس قولاً للفرد ولا للجمهور لأن هذه صورة بيع الكالئ بالكالئ. ثانيًا: رأي معاصر أو متقدم يقال بالإجماع وما دامت المسألة بهذه الصورة بالإجماع لا عبرة بالقياس ولا للمصلحة الموهومة. وقد اطلعت على البحث القيم لفضيلة الدكتور علي محيي الدين القره داغي وما تضمنه، لبيان الأسلوب الذي يسير عليه البنك الإسلامي في ماليزيا واحتجاجه على حسم الكمبيالة دين المرابحة بتخريجها على مذهب الشافعية، فقد سررت بالإجابة السديدة التي عرضها سعادة الدكتور علي والرد الشافي على هذا الزعم. وفق الله الجميع لما فيه الخير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 17690

الدكتور محمد علي القري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة على رسول الله. أما بعد، فإني أقدم شكري الجزيل لفضيلة القاضي الشيخ تقي العثماني على تلخيصه الممتاز لهذه البحوث فقد أنصف نفسه وأنصف إخوانه الباحثين. وعندي بعض الملاحظات التي أبدؤها بالرد على أخي الدكتور صالح المرزوقي فيما أشار إليه من الملاحظات على بحثي، فشكرالله له على قراءته ولو أنه يظهر أنه قرأه قراءة مستعجلة. بالنسبة لما ذكرناه من صكوك فقد بينت أن الصكوك هي (التواقيع السلطانية بالأرزاق) وليست ديونًا نقدية، كما فهم من كلامي. ثم أشرت إلى أن النهي عن بيع الصكاك الذي ورد في الآثار المذكورة إنما هو واقع على البيع الثاني، لأن الذي خرج له الصك مالك ملكًا مستقرًا وليس هو بمشتغل بل موهوب، فلا يمتنع عليه البيع قبل القبض، لأن النهي إنما جاء في منع بيع الطعام قبل القبض إذا كان ملكه بشراء. وقال: أين المراجع؟ وفي الحقيقة المراجع موجودة أسفل الصفحة. وأيضًا أشار – حفظه الله – إلى مسألة الأسهم، والذي اعتمدت عليه في هذا هو قرار المجمع الفقهي الذي ينص على: (أن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة) ، هذا هو نص القرار، والجملة التي تلي ذلك هي إذا كانت هذه الموجودات من المعدات والغفار وما شابه ذلك جاز أن تكون مما يباع بالأجل) . فقول الأخ الشيخ المرزوقي بأني لم أبين هذا غير دقيق لو أنه قرأ ما جاء بعد هذا الكلام لتبين له ذلك، وأما ما ذكره عن كلام الشيخ الضرير فهو منقول من كتابه (الغرر) ، وقد أخبرني الشيخ الضرير – حفظه الله – بأنه قد قرأ بحثي وأنه يوافق على كل ما جاء فيه. إن السؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: ما الباعث على النظر في هذه المسألة؟ وهل نحن بحاجة إلى صيغة لبيع الدين؟ أما الباعث على النظر في هذه المسألة فهو كثرة المداينات في حياتنا المعاصرة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشركات، حيث إن الناس يشترون منازلهم وسياراتهم وأثاث بيوتهم وغير ذلك بالتقسيط الذي يولد هذه الديون، والشركات تقترض لتمويل عملياتها التشغيلية وعملياتها الاستثمارية وتفضل القروض على المشاركات لأغراض ضريبية، والحكومات تستدين لأغراض التنمية ولسد الحاجات الطارئة، وأضحت حاجة المسلمين اليوم إلى صيغة مقبولة من الناحية الشرعية للتصرف بالديون من قبل الدائنين حالة طارئة مدروسة من جهتين: الأولى: لكي تكون عندنا صيغة بديلة عن أنواع بيوع الدين القائمة على الربا والتي انتشرت في عالم الاقتصاد اليوم، وقد بلينا بهذه الديون. الثانية: لأن وجود صلة مشروعة للتصرف بالدين من قبل الدائن تزيد من كفاءة الاستثمارات المالية الإسلامية، لأنها تمكن من الاستغلال الأمثل للسيولة الفائضة عن الحاجة لدى المؤسسات المالية الإسلامية ولدى صناديق الاستثمار. كما أنها تيسر سبل تمويل الاستثمارات طويلة الأجل. وإن البنوك الإسلامية كثيرًا ما تضطر إلى التركيز على الاستثمارات قصيرة الأجل كتمويل التجارة ونحو ذلك، ولا تدخل في الاستثمارات طويلة الأجل، مثل بناء المساكن والمشاريع الكبرى؛ لأنَّ هذا التمويل يمتد إلى أجل طويل قد يبلغ عشرين سنة أو أكثر من ذلك، ولا يمكن لمؤسسة مالية أن تدخل في مثل هذا وهي تعدم طريقة للتصرف بالدين. والسؤال الثاني هو: هل يوجد لدينا صيغة مشروعة لبيع الدين تكون خالية من الربا والغرر، وفي الوقت نفسه تكون قابلة للتنفيذ وللتطبيق العملي وقادرة على النهوض بحاجات الناس إلى التصرف بالدين بطرق مباحة؟ والجواب نعم، وقد فصلت الأوراق التي بين أيديكم هذا البديل من أوجهه المختلفة بما لا مزيد عليه، وهي تقوم بصفة أساسية على بيع الدين النقدي للعروض الحاضرة، وبيع الدين السلعي من غير الطعام بالنقود، فيمكن عندئذ لمؤسسة مالية أو تجارية أن تبيع الديون المستحقة لها في ذمم الناس إلى طرف ثالث بالسلع والبضائع، كما يمكن للحكومة مثلاً أن تصدر سندات دين سلعي فتبيع على أساس السلم سلعة موصوفة في الذمة، وتحصل على النقود مع اطمئنان حامل السند من أفراد وبنوك إلى إمكانيات السيولة ببيعة قبل الأجل على رأي المالكية.

стр. 17691

أما إصدار السندات بدون فائدة – وقد أشار إليه من سبقني بالحديث – فقد يبدو غريبًا، ورب قائل من يساهم في هذه القروض وهي بلا فائدة ولا عائد مالي؟! الواقع أن بعض البلدان تصدر سندات ذات فائدة متدنية يسمونها (سندات التنمية) أو ما إلى ذلك، وهي تخاطب في الناس وطنيتهم للمشاركة فيها، فيشاركون مع قدرتهم على شراء سندات دين عادية تصدرها الحكومة بنفس القدر من المخاطبة. وكذلك فقد أصدرت بعض الدول سندات سلفية، كان هذا موجودًا فيما مضى في الولايات المتحدة وهو اليوم موجود في روسيا وغيرها من البلدان حيث تصدر سندات الدين بالسلع لا بالنقود. ورب قائل ما الفرق بين هذه الصيغة وبين الصيغة المعهودة لبيع الدين وهي حسم الكمبيالات وتداول سندات الدين، وفيها يباع الدين النقدي قبل أجله بأقل من قيمته الاسمية لغير من هو عليه بالنقود؟ والجواب عن ذلك: أن من كان له دراية في أمور الاقتصاد أدرك أن الطريقة الأولى القائمة على حسم الكمبيالات مرات عديدة وتداول سندات الديون تولد اقتصادًا ينشعر إلى قطاعين: قطاع مالي، وقطاع حقيقي، أما الأول فإن الفعاليات والمعاملات فيه تقتصر على الديون التي يجري تداولها بمعزل واستقلال عن السلع الحقيقية. أما القطاع الثاني فهو قطاع الإنتاج الحقيقي، قطاع إنتاج السلع والخدمات، حيث تتولد الأرباح الحقيقية. هذا الانقسام الذي هو سمة الاقتصاديات الرأسمالية المعاصرة هو أساس البلاء في يومنا هذا. لأنه يؤدي إلى عدم الاستقرار، ويؤدي إلى نزوع الاقتصاديات إلى الدورات الاقتصادية الحادة كما نشاهده في دول العالم اليوم، ذلك لأن القطاع المالي يمتص الأرباح التي يولدها القطاع الحقيقي، ولن يخالفنا في ذلك خبراء الاقتصاد الغربيين، فطالما ذكروا أن هذا هو أساس بلاء الاقتصادات المعاصرة. فإذا كانت الديون لا تتداول بالبيع إلا بمقابل سلع حقيقية لم يعد هذا التسامح موجودًا في النظام الاقتصادي، فظهر تميز نظام اقتصادي إسلامي عن الأنظمة الأخرى. ولا يترتب على بيع الدين بالسلع الفساد الذي نشاهده في الأنظمة الاقتصادية المعاصرة والذي يولده بيع الدين بالفائدة الربوية. سيادة الرئيس، حريٌّ بهذا المجمع الموقَّر أن يظهر للعالم جانبًا من محاسن هذه الشريعة، ودليلاً وشاهدًا على أنها ما أغلقت بابًا للحرام إلا وفتحت أبوابًا للمباح، والحلال بتبني هذه الصيغة المحكمة لبيع الدين الذي تتحقق منها المصلحة الاقتصادية ولا تؤول إلى أي من المفاسد التي تولدها صيغ البيع القائمة على الربا، وفي الوقت نفسه النص على حرمة ما يجري في أسواق المال المعاصرة من بيوع الدين بالربا، سواء كانت تجري بالفائدة الصريحة أو تحت ستار استخدام أسماء توحي بالحل مثل قولهم: الكمبيالة الإسلامية وما إلى ذلك. شكرًا لكم، والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.

стр. 17692

الشيخ محمد المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمَّ صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛ فإني أريد أن أقسم تدخلي إلى قسمين: القسم الأول: أتوجه به إلى الأمانة العامة في ناحية تنظيمية ذلك أن العارض له مهمتان، المهمة الأولى هي أن يستوعب البحوث فهمًا وتدقيقًا وتتبعًا. والمهمة الثانية: أن يبلغ ما وصل إليه إلى السادة المشاركين في المؤتمر. وهذا يقتضي أن يكون له من الوقت ما يكفيه لهذا التأمل وللتتبع وللتثبت من النصوص الواردة، ولذا أقترح على الأمانة العامة أن يكون أجل تقديم البحوث هو كأجل طيران الطائرة، فمن جاء بعد الوقت بحقائبه انتظر الدورة القادمة. هذا أولاً. ثانيًا: أرجو أن تكون الطريقة في المستقبل هو أن العارض بعد أن يستوعب البحوث المقدمة أن يلخصها تلخيصًا محكمًا كما استمعنا إليه، وان يقدم للأمانة العامة هذا العرض مكتوبًا ليوزع علينا، لأن طاقة الاستيعاب مع السرعة قد يختلف بعضنا عن بعض، وقد أكون أبطأ من غيري ولكني في الحقيقة ما استطعت أن أستوعب كل ما استمعت إليه حتى نتمكن بعد ذلك من المناقشة في نظري على أساس فهم واضح وجلي. القسم الثاني: هو ناحية موضوعية فيما قدم إلينا. الأمر الأول: وقع التعرض إلى الفقه المالكي وأريد أن أذكر نفسي أن مصطلح المالكية ولا بد من معرفته للولوج إلى الفقه المالكي هو أنه هناك مصطلحان، مصطلح بيع الدين، فإذا قيل بيع الدين فهو لغير من هو عليه، وإذا كان بيع الدين للمدين فهو اختلاط. ولذلك إذا لم يفصل بين النوعين ووقع تعميم أحد البابين على الآخر وقع الخطأ في الفهم وهذا ما وقع فعلاً. الأمر الثاني: هو أن ضابط بيع الدين لغير من هو عليه، هذا الضابط في بيتين ذكرهما ابن عاصم مع الدقة فقال: " بما يجوز بيع الدين " أي أن الشرط الأول أن بيع الدين هو بيع فلا بد من مراعاة شروط البيع فيه، ثم بعد ذلك هناك خصوصيات لبيع الدين زائد على مطلق البيع في بيع الدين. فهنا بما يجوز بيع الدين مسوغ من عرض أو من عينه وإنما يجوز مع حضور من أقر الدين وتعجيل الثمن وكونه ليس طعام بيع وبيعه بغير جنس المرعي. فإذا وصلنا إلى كلمة (بيعه بغير جنسه) ذهب كثير من التداخلات التي بنيت على عدم النظر إلى هذا الشرط الأساس في بيع الدين لغير من هو عليه. الأمر الثالث: هو أنني تتبعت الحلول الذكية من فضيلة العلامة القاضي تقي الدين العثماني، الذي أكرمه الله ببصيرة نافذة يستطيع أن يتجاوز بها ما هو مكتوب في عصور خاصة إلى تطبيقه على عصورنا الحاضرة لتكون حلولاً لها. ومع تقديري لما قدم فإني أتساءل حول بعض هذه الحلول. يقول: " والطريق المشروع للحصول على هذا الغرض بالوجه الذي لا غبار عليه كالمشاركة". وكلمة المشاركة كلمة فضفاضة فأريد تدقيقها، أيعني بذلك أن تكون مضاربة أو تكون مشاركة وأي نوع من أنواع المشاركة؟ وما هو إسهام المشارك هنا في رأس المال؟ فالتوضيح هنا لا بد منه حتى يكون الوضوح في الحل الذي بيننا. أما الطريق الثاني الذي اقترحه فهو إن كان فقهيًا لا غبار عليه إلا أن حسب ما أعلم في قوانين البنوك: البنوك لا تدخل في المتاجرة. فهذا الحل حسب علمي في منع البنوك من المتاجرة لا أدري أيعطينا حلاً أم لا؟ الطريق الثالث: هو هل الوكالة على التحصيل الفعلي، أو على المجهود المبذول سواء أكان منتجًا أم غير منتج؟ وإذا تبين أن منتج الكمبيالة عديم فالبنك قد قام بعملية قد أقرض وقام بعملية لا تحقق له ربحًا بل خسارة. فهذه المخاطرة بهذا النوع مع ما نعلمه من أن البنوك إنما تأخذ كل الاحتياطات، هل هذا حل عملي؟ سيادته قطعًا هو على اتصال بالبنوك ويستطيع أن يعطينا زيادة بيانات. في الصفحة الأخيرة من بحثه مقترح جيد، وهو أن الدولة تدعو الناس وتثير فيهم وطنيتهم وأريحتهم ليقرضوا الدولة للقيام بمشاريعها، أو لشراء التجهيزات الضرورية لنمائها. ههنا يقول: ثم إنها ترد لهم ما اقترضته منهم وتعفيهم من الضرائب وبرر ونظر في الدولة كيف يجوز لها أن تعفي من الضرائب الذين أقرضوها للقيام بالمشاريع العامة؟ هذا بالنسبة للدولة حل المشكل في نظره في التمييز بين المواطنين الذين يقرضون الدولة وغيرهم، لكن يبقى القسم الثاني وهو الذي يعطي المال ويقرض الدولة وينال جزاءً عن ذلك من طرح الضرائب التي حسب علمي أنها تصل إلى (٥٠ %) في بعض الدول و (٣٠ %) و (٢٠ %) إذا كان مستوى الدخل مستوى رفيعًا، ومن شأن المقرضين عادة أن يكونوا هم ذوو الدخل الرفيع. فلا شك أن ما يتحصلون عليه بواسطة هذا الإقراض هو أضعاف ما تتحصل عليه البنوك. فهذا الأمر باعتبار أنه للدولة للإسهام في النماء يبيح هذه المزية؟ هذا تساؤل أطرحه على فضيلته. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17693

الشيخ علي محيي الدين القره داغي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أود أن أبين أن الموضوع (بيع الدين) من أهم الموضوعات التي تطرح على هذا المجمع الموقر. والموضوع أيضًا حسب حثي لا يقتصر على البيع، بل لا بد من الحديث عن جميع التصرفات الواردة من تناول البحوث وغير ذلك حتى تكون الصورة كاملة وبعد أن أبني عليه في البحث. ثم بعد ذلك أنتقل إلى أننا إذا أردنا أن نحكم على هذه الصور وأن نحكم على بيع الدين لا بد أن نذكر شيئًا عن الصور التي ذكرها الفقهاء السابقين، ثم بعد ذلك ننتقل إلى الصور المعاصرة. فحينما نظرنا إلى صورة بيع الدين على سبيل المثال نرى أنها حوالي ثماني صور باعتبار أنه في حالة بيع الدين لمن عليه الدين، وبيع الدين لغير من عليه الدين لكل حالة أربع صور فتكون الصور المتوقعة التي ذكرها الفقهاء ثماني صور. إذن لا بد – كما أشار فضيلة المفتي الشيخ المختار – من التركيز، وهذا التركيز ضروري حتى نكون على بينة ونقول هذه الصورة الأولى. من الفرع الأول (بيع الدين على من عليه الدين) جائزة والثانية غير جائزة، إلى غير ذلك من الصور، ثم بعد ذلك ننتقل إلى تنزيل هذه الصور على صورنا المعاصرة أو بناء – كما يقولون – اجتهاد إنشائي دون أن نحتاج لنراجع هذه الصور الكثيرة. وتبين لنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ ذكر أربع صور وهي: - بيع الساقط بالساقط. - بيع الواجب بالواجب. - بيع الواجب بالساقط. - بيع الساقط بالواجب. وذكر أن ما وقع الإجماع على حرمته هو بيع الساقط بالساقط أي بيع ما في الذمة بما في الذمة. أما الصور الثلاث الأخرى ففيها خلاف وذكرها ورجح الإجازة في بعضها، وذلك مع ملاحظة قواعد الصرف في جميع هذه الأحوال كما أشار إلى ذلك فضيلة الشيخ العثماني. ولا أريد أن أذكر هذه الصور الثماني لأنها موجودة في البحث وقد أذكر التلخيص في الأخير. كذلك بالنسبة للصور المعاصرة إذا استوعبنا تمامًا الصور الثماني وحكمها على ضوء ما ذكره الفقهاء حينئذ ننتقل إلى الصور المعاصرة: الصور المعاصرة يمكن أن تنحصر في أمرين وهما: - في جانب السندات. - وفي خصم الكمبيالات. أي ببيع السندات بجميع أنواعها السائدة في وقتنا الحاضر، ثم بعد ذلك ما يجري به العمل مع الأسف الشديد ما يسمى بخصم الكمبيالة. بالنسبة للسندات، المجمع الموقر أصدر فيها قرارًا بحرمة هذه السندات بجميع أنواعها باعتبارها قرضًا بفائدة، وذكر المجمع بعض البدائل منها: صكوك المقارضة، ولا مانع من بحث بعض أنواع الصكوك الأخرى كصكوك التأجير وصكوك المشاركة وربما صكوك السلم إن صح ذلك على مذهب المالكية. فقصدي أنه لو أننا نركز جهودنا على الأمور التي بحثناها ننتهي منها لنصل إلى البدائل العملية كما أشار إلى ذلك الدكتور القري وقال: الآن المعاملات الحالية محتاجة إلى هذه المسألة فلا بد من إيجاد البديل، وهذا البديل لا بد أن نبحث عنه كما بحثنا عن صكوك المقارضة وغير ذلك.

стр. 17694

أما بقية التصرفات مثل الصلح عن دين بدين، وكذلك المقاصة، والعقود الأخرى التي تجري على الدين أيضًا في اعتقادي من الضروري أن ننظر فيها لأنها تكمل هذه الحلقات بعضها بعضًا. والتصرف في المسلم فيه أيضًا ولو أن المسلم فيه يعتبر دينًا، لكنه في الواقع يعتبر المسلم فيه وإن كان دينًا لكن فيه خلافًا بين الفقهاء، فالمالكية أجازوا بيع المسلم فيه ولكن بضوابطه التي أشار إليها فضيلة الشيخ السلامي. إذن هذه المواصفات والضوابط – أنا في اعتقادي – لا بد أن نستعرضها أو اللجنة التي تتكون تستعرضها صورة صورة، ثم بعد ذلك البدائل حتى نكون جميعًا على حقيقة من أمرنا. وإذا سمح لي الرئيس أن أذكر الخلاصة التي خلصتها وهي أحكام التصرف في الدين حيث قلت: ينقسم التصرف في الدين إلى تصرف من الدائن، وتصرف من المدين، ثم إن التصرف من الدائن قد يكون مع المدين نفسه أو مع غيره. تصرف الدائن في دينه، للمدين نفسه أو لغيره: التصرف في الدين إذا كان بتمليكه للمدين نفسه فإما أن يكون الدين مملوكًا للدائن بصورة مستقرة، كبدل القرض وثمن المبيع والمهر بعد الدخول وإما أن يكون ملكه له غير مستقر كالأجرة قبل استيفاء المنفعة والمهر قبل الدخول، وهذا التقسيم خاص بالشافعية. تصرف المدين في الدين للمدين نفسه فيما ملكه مستقر عليه: لا خلاف بين الفقهاء في جواز تمليك الدائن للمدين نفسه دينًا استقرت ملكيته، لأن ذلك التصرف يقع من المالك فيما استقر ملكه عليه وهو من قبيل الاستبدال (البيع) أو الهبة (الإسقاط) والدليل على ذلك من السنة قول ابن عمر، ﵁: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع الدراهم وآخذ مكانها الدنانير، فأتيت النبي ﷺ فسألته عن ذلك فقال: ((لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)) . ويستثنى من جواز تمليك الدين بعوض (عند جمهور الفقهاء ما عدا المالكية) بدل الصرف ورأس مال السلم، فلا يجوز التصرف فيهما قبل القبض، لأن ذلك يخل بشرط صحتهما وهو القبض قبل الافتراق، وإذا باع الذهب الذي في الذمة بفضة اشترط قبضها في المجلس. وفي تمليك الدين للمدين يجوز عند بعض الفقهاء أن يكون العوض نفسه دينًا ويسمى ذلك (تطارح الدينين) وهو أن يبيع دينًا له بدين عليه للمدين ولكن شريطة حلول أجل الدينين وبراءة الذمتين، إذ يعتبر حلول الأجلين بمثابة التقابض، ولذا يسمي هؤلاء الفقهاء هذه المعاملة (الصرف في الذمة) . وأما حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ – أي الدين بالدين – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم – الدين الواجب بالدين الواجب أي السلف المؤجل من الطرفين. وما هنا دينان ساقطان وليسا واجبين، وليس في تحريم ذلك نص ولا تترتب في هذا مفسدة بيع الدين بالدين (حيث تبقى الذمة مشغولة مع وجود العقد، والمقصود من العقود القبض فلم يحصل) ، أما هنا – فقد حصلت بالبيع براءة كل منهما من دين صاحبه. كما يجوز أيضًا عند بعض الفقهاء تمليك الدين بجعله رأس مال للسلم، لأنه قبض حكمي، فلم يتحقق فيه انتفاء قبض رأس مال السلم، لأنه بالتمليك للمدين صار مقبوضًا فارتفع المانع ويسمى هذا (بيع الساقط بالواجب) . في حالة بيع الدائن دينه إلى المدين نفسه بشيء موصوف في الذمة يشترط قبض العوض قبل التفرق كي لا يكون بيع دين بدين، أما إذا كان العوض شيئًا معينًا فلا يشترط قبضه اكتفاء بتعينه.

стр. 17695

تصرف المدين في الدين للمدين نفسه فيما لم يستقر ملكه عليه: التصرف من الدائن مع المدين في دين غير مستقر الملك، كالأجرة قبل استيفاء المنفعة، والمسلم فيه، والمهر قبل الدخول إذا كان بغير عوض فهو جائز، لأنه إسقاط. أما بعوض فيختلف الحكم في السلم عن غيره. بيع السلم: يجوز عند بعض الفقهاء الاعتياض عن الدين المسلم فيه إذا كان ثمن المثل أو دونه لا أكثر منه. لأنه لا يندرج بهذا القيد في جر منفعة بالسلف. أما إذا كان بأكثر ففيه ذلك المحظور وبعض الفقهاء منع ذلك مطلقًا، لأن دين السلم غير مستقر لاحتمال فسخه بانقطاع المسلم فيه فلا يصح البيع أصلاً. غير دين السلم من الديون التي يستقر ملك الدائن لها: يجوز الاستبدال عن تلك الديون. تمليك الدائن دينه لغير مدينه: يجوز عند بعض الفقهاء تمليك الدائن دينه لغير مدينه بعوض وبغير عوض إذا انتفى غرر العجز عن تسليمه، ولم يقترن به شيء من المحظورات كربا النسيئة، وبيع الدين بالدين. تصرف المدين في دينه: يتم هذا عن طريق الحوالة، وأحكامها معروفة. وفي جميع الأحوال لا يجوز بيع الدين لغير من هو عليه بأقل من قدره نظير الأجل الذي ينتظر إليه مشتري الدين، (خصم الكمبيالات والسندات) لأن هذا من الربا المحرم. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. وبعد؛ فإن هذا الموضوع متشعب وصعب في نفس الوقت، وسأقصر حديثي على بيان رأيي في بيع الدين، أو جل حديثي على الأصح، لأن بيان رأيي يتطلب مقدمة مختصرة تبين الضابط الذي سرت عليه في الوصول إلى رأي، هذا الضابط وضعته لأستخلص به آراء الفقهاء، الأئمة الأربعة على الأخص ورأي ابن تيمية وابن القيم وابن حزم أيضًا. الضابط هذا ذكره كثير من الذين قدموا بحوثًا فأوصله بعضهم إلى ثمانية أقسام، وأوصله بعضهم إلى عشرين قسمًا، وفي هذا تشويش في رأيي في وضع الحكم أو آراء الفقهاء في بيع الدين. الضابط الذي بنيت عليه هو ينقسم إلى أربعة أقسام فقط، وهي الأقسام الرئيسية التي تحدث عنها جميع الفقهاء، وما عداها فهي أقسام فرعية قد تتفرع عن هذه الأربعة وبعضها أحكام خاصة لبعض أنواع الديون. فهذا التقسيم هو: أن الدائن الذي يريد أن يبيع دينه إما أن يبيعه لمن عليه الدين أو لغير من عليه الدين، ولكل من الحالتين إما أن يبيعه بنقد أي بثمن حال سواء كان نقودًا أو غيره، أو بدين. هذه هي الأقسام الرئيسية.

стр. 17696

فأما القسم الأول وهو بيع الدين بالنقد لمن عليه الدين فقد جوزه أكثر الفقهاء، والبحوث متفقة على هذا، وأما بيع الدين بالنقد لغير من عليه الدين – وهذا هو القسم الثاني – منعه أكثر الفقهاء، وهذا ما جاء أيضًا في كل البحوث. لكن البحوث لم تتعرض للعلة التي اختلف الفقهاء من أجلها في هذا. العلة هي الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم. ففي بيع الدين بالنقد – أي بالحال – لمن عليه الدين لا حاجة إلى التسليم لأن الدين في ذمة المدين فهو مسلم إليه، ولهذا اتفق جمهور الفقهاء على الجواز. الصورة الثانية: بيع الدين بالنقد لغير المدين، هذه التي اعتبر الفقهاء فيها موضوع الغرر، وقال أكثرهم: إن في هذا غررًا يرجع إلى عدم القدرة على التسليم، وكل الذين منعوا هذه الصورة متفقون على هذه العلة بتعبيرات مختلفة وأوردتها في كتاب (الغرر) . الصورة الثالثة، وهي: بيع الدين بالدين لمن عليه الدين. والصورة الرابعة، وهي: بيع الدين بالدين لغير من عليه الدين. هاتان الصورتان (الثالثة والرابعة) يجمعها أمر واحد هو بيع الدين بالدين، وهذا منعه جمهور الفقهاء إن لم نقل جميع الفقهاء حسب تعبيرات بعضهم ومنهم الإمام أحمد فحكى الإجماع على منع بيع الدين بالدين، وسبب المنع هذا ليس هو عدم القدرة على التسليم وإنما هو حديث (الكالئ بالكالئ) الذي تحدّث عنه الشيخ العثماني، ولكن الفقهاء مع تضعيف المحدِّثين بهذا الحديث، فإن الفقهاء أخذوا به واعتبروا التقبّل لهذا الحديث بالقبول تصحيح له كما حدث في بعض الأحاديث التي لم تصح ولكن تقبّلها الأئمة بالقبول. هذه هي خلاصة آراء الفقهاء في هذه الأقسام الأربعة، وهذه الأقسام الأربعة هي التي تدخل فيما يجري عليه العمل وما نريد أن نطبّقه من سندات وكمبيالات. لا تخرج عن هذه الأقسام الأربعة. الذين منعوا بيع الدين مطلقًا: ابن حزم لا يجيز بيع الدين في أي صورة من صوره. ابن تيمية وابن القيم أجازا بيع الدين بالدين الذي منعه كل الفقهاء تقريبًا وحاصل الإجماع عليه، إلا في صورة واحدة هي: ابتداء الدين بالدين منعا هذه الصورة وعللاها بأن فيها شرط ذمتين من غير فائدة. وسأقول رأيي في هذا. بعد ذلك أنتقل إلى بيان رأيي بناءً على هذه المقدمة. رأيي هو جواز بيع الدين مطلقًا. أعني سواء بيع للمدين أو لغير المدين بنقد أو بدين، وهذه هي الصور الأربعة، ما دام خاليًا من الربا ومن الغرر المفسد للعقد، لأنه لم يرد نص يعتد عليه في منع بيع الدين، وقد رأينا كلام المحدثين في بيع الكالئ بالكالئ. ودعوى عدم القدرة على التسليم في بيع الدين بالنقد لغير المدين دعوى غير مسلمة، لأن كلامنا في دين معترف به ممكن تسلّمه من المدين. وواضح أن الشروط التي وضعها المالكية الغرض منها أن تخرجنا من هذا.

стр. 17697

وكثير من الديون وخصوصًا ديون الدولة لا نستطيع أن نقول إنها غير مقدورة التسليم، السندات التي تصدرها الدولة من غير فائدة لا نستطيع أن نمنعها بحجة أنها غير مقدورة التسليم، لكن هي مقدورة التسليم. ثم إن بيع الدين قد تدعو إليه الحاجة، وقد بينها الدكتور القري في بحثه، وفيه مصلحة ظاهرة للمتعاقدين فلا يصح التضييق عليهم بمنعه، وليس فيما ذهبت إليه خروج على آراء الفقهاء، فقد رأينا اختلافهم في بيع الدين النقد، والأكثر على الجواز. أما دعوى الإجماع على منع بيع الدين بالدين فغير مسلمة على إطلاقها، ولعل الصور المجمع على منعها في بيع الدين بالدين هي ما يترتب عليها ربا كأن تكون له عشرة ملايين من الجنيهات السودانية على آخر فيبيعها له بخمسة آلاف من الدولارات يدفعها له بعد شهر، وهذا هو الذي يسميه المالكية فسخ الدين في الدين. المالكية لهم تقسيم لبيع الدين بالدين، التقسيم الأول فسخ الدين في الدين، هذه الصورة التي ذكرتها لكم وهي أشدها منعًا، وقد تكون بصورة معروفة لدينا الآن ومعمول بها (يحل الدين فيؤجله بزيادة) ، هذا فسخ الدين في الدين لا خلاف في منعه. الصورة الثانية يطلق عليها المالكية: بيع الدين بالدين، ويصلون بها بيعه لغير من عليه الدين. خاصة ببيع لغير من عليه الدين وهي أخف من الصورة الأولى والتي هي فسخ الدين في الدين. ويجوزون في هذه الصورة الثانية – وهذا رد على الشيخ صالح – بيع الدين بالدين والذي هو لغير المدين، المالكية يمنعونها لكن يجوزون بيع الدين بالدين بمعيّن يتأخر ضبطه، كأن يكون له كذا ألف دين فيبيعه لآخر بسيارة معينة يتأخر قبضها شهرًا أو شهرين، هذا جوزوه المالكية في هذه الصورة لكن لم يجوزوه في فسخ الدين في الدين، الذي هو بيع المدين نفسه، جوز في بيع الدين لغير المدين. وبناءً عليها إذا كانت تجوز بمعين يتأخر قبضه فمن باب أولى تجوز بمعين يتقدم قبضه ويقبض في الحال، وهذا هو ما نقله عني الشيخ القري واعترض عليه الشيخ صالح، وهو مذهب المالكية لا خلاف في هذا. له دين يبيعه بسلعة (سيارة) ، لا مانع من هذا. الصورة المجمع على منعها في بيع الدين بالدين هي ما ترتب عليها ربا – الصورة التي ذكرتها – أو ما ترتب عليها بيع الإنسان ما لا يملك، وهذه هي ابتداء الدين بالدين، وهذا هو النوع الثالث عند المالكية. النوع الأول: في بيع الدين بالدين هو فسخ الدين في الدين. النوع الثاني: بيع الدين بالدين أي لغير من عليه الدين. النوع الثالث: ابتداء الدين بالدين هذا في بيع الدين بالدين وإن كان هي في الواقع ليست بيع دين بدين في حال ابتداء الدين بالدين، وهذا واضح في السلم، ولذلك يجوز فيه تقسيم رأس المال لئلا يكون من بيع الدين بالدين، يعني نصدر فيه مؤجل، فإذا تأجل الثمن تأجل البدلان، وهذا هو ابتداء الدين بالدين وهذه الصورة وغيرها لا تصح إلا على وجه السلم، العلة في المنع هنا هو أن البائع يبيع ما لا يملك لأن رب السلم يبيع السلعة وهو لا يملكها، وربما تكون معدومة، وهذا لا يجوز إلا على وجه السلم. هذه هي العلة التي من أجلها منع ابتداء الدين بالدين، وليست العلة ما ذكره ابن القيم في تقسيمه لبيع الدين بالدين: أنه ليس فيه مصلحة وأنه شغل ذمته، لا. هذا هو رأيي في بيع الدين. نأتي إلى التطبيقات الموجودة التي ذكرها الباحثون وهي بيع السندات وبيع الكمبيالات. السندات معروف أنه إذا كانت بفائدة هذا لا كلام فيه، لكن كلامنا في السندات بغير فائدة، وقد استبعد بعضهم أن تصدر هذه السندات لمن؟ يمكن أن تصدر في بلد إسلامي يبتغي من يشتري هذا السند ثواب الآخرة، وهذا هو البديل لسندات الحكومة القرض، والذي يجب أن تبدأ به الدولة المسلمة، تبدأ بالقرض من غير فائدة، فلا مانع من أن تصدر سندات وهذه السندات تكون من غير فائدة ويقبل عليها الجمهور فتدخل في موضوعنا هي بيع الدين، صاحب السند يحتاج إلى نقود تسدد خلال سنة، فيحتاج بعد ستة أشهر إلى نقود ماذا يصنع؟ لا يوجد أحد يشتري منه بثمن الذي يشتري به. هنا أنا طبقت مذهب المالكية وقلت: يجوز بيعه بمعين. لا يوجد مانع من أن أبيع هذا السند الذي قيمته كذا ألف بمعين، لا يمكن أن أبيعه بنقود ولا حتى بالمثل كما قال بعض الإخوة لأنه سوف يكون مؤجلا، قبض الدين مؤجلاً فلا يصح، لكن من الممكن أن أبيعه بسيارة أو منزل أو حسب ثمن السند، مهما كان ثمن السيارة أوالمنزل، لا حرج في هذا. وهذا هو رأيي في بيع جميع الأوراق المالية. الكمبيالات أيضًا يمكن أن يطبق عليها هذا. صاحب الكمبيالة إذا استعجل من الممكن أن يبيع بمعين. نقطة بسيطة بعد أن بينت رأيي وإن كان هو كلام كثير لكن لا أريد أن آخذ أكثر مما أخذت. الشيخ القاضي العثماني ذكر في بحثه ونسبه للمجمع موضوع ما إذا كان الموجودات فيها أعيان ونقد وحدد نسبة (٥١ %) إذا كانت الأعيان ونسبها إلى المجمع. لا أظن أن هذا وارد. المجمع قال: إذا كانت الأعيان هي الأغلبية، وترك التحديد، هذا، والمفروض أن تجتمع لجنة وتحدد بمَ تكون هذه الأغلبية؟ هل هي بـ (٥١ %) أو (٧٥ %) أو (٩٠ %) ؟ وأذكر أن البنك الإسلامي للتنمية عقد ندوة في هذا ولم يصل إلى رأي، فلا يصح أن نقول إذا كان في الشركة (٥١ %) منها أعيان والباقي كله نقود وديون يصح أن نبيع بأي ثمن؟ لا أرى هذا جائزا ً، لأن المجمع عندما قرر هذا كان في ذهنه أنه إذا كانت الغلبة للأعيان بحيث تكون النقود والديون تابعة يجوز بيعها بأي ثمن. فهل إذا كانت النقود والديون (٤٩ %) نعتبرها للأعيان؟ لا أظن هذا مقبولًا فقهًا. أكتفي بهذا. وشكرًا لكم.

стр. 17698

الدكتور سامي حمود: بسم الله الرحمن الرحيم. في الواقع مسألة بيع الديون من المسائل التي بحثها المجمع، وقد تعودنا في المجمع أن نبحث الأشياء العالمية، وقد شاهد البعض بلاد العالم الإسلامي، وبعض المؤسسات المالية العاملة، هناك نوع من التداول باسم بيع الديون وهو الذي أثار المسألة. فإذن نردها إلى حقيقتها. هل هذا البيع يتعلق بماذا؟ إنه يتعلق بكمبيالات للنقود، التزامات بالنقود آجلة وبسندات محررة بالنقود بالدولارات أو بأي عملة، فهل هذا في الفقه الإسلامي عندنا؟ جئت تبحث المسألة وأنت طالب علم بخلفية حقوقية، هل يسمى بيعًا؟ وجدت الفقه الإسلامي يقسم البيوع إلى أنواع، فهناك البيع المطلق ثمن بمثمن، وهناك بيع النقد بالنقد وهو الصرف، وللصرف أحكامه وضوابطه المحددة وإن كان من جملة البيوع ولكن له شروط مخصوصة في تساوي البدلين عند اتحاد الجنس وفورية التقابض والتبادل، أو فورية التقابض والتبادل عند اختلاف الجنس. فإذن الكمبيالات والسندات التي نبحث عنها تحت عنوان: (بيع الديون) هي في حقيقتها من الصرف. فإذا أخذناها بهذا المفهوم لم أجد في الفقه الإسلامي بكل مذاهبه باستثناء ابن حزم الذي منع القضية من أساسها لعدة أغراض، كل الفقه الإسلامي متفق على بيع هذه الحالة المخصوصة، على أن بيع النقود بالنقود لا يكون إلا بضوابط الصرف وأساسها معروف بالحديث النبوي فيما رواه عبادة بن الصامت وجمع الإمام الشافعي نفسه – الذي يقال إن الفقه الشافعي لم يجز هذه الحالة أو تلك – جمع في باب البيوع اثنين وعشرين حديثًا منها حديث عبادة والذي قال: إنه أتم الأحاديث وأكملها، كما جاء في المجموع. فإن القضية لا خلاف في الفقه الإسلامي على مسألة الكمبيالات والسندات التي تحرم بالقيمة النقدية أن بيعها في أجلها أو قبله أو بعده بالأكثر والأقل أنه ممنوع إلا بشرط المساواة والتقابض إذا اتحد الجنس أو التقابض عند اختلاف الجنس. فبيان موقف الشافعية في الواقع أنا لم أجد أنه في أئمتهم وفقهائهم وفي مذاهبهم من الشيرازي إلى النووي إلى روضة الطالبين والماوردي أي خلاف في هذا الكلام، لأن أمثلتهم عن سلع بدين. لذلك أتمنى على الإخوة الكرام من أساتذة الفقه الشافعي وأتأمل منهم أن يتصدوا بالإيضاح لرفع هذا التوهم الذي يروج له البعض مما يقال بأن الفقه الشافعي يجيز بيع الدين لغير المدين على أساس مفهوم البيع العام وليس مفهوم البيع الخاص. أما الفقه المالكي فقد قيض الله أستاذنا الجليل بأن يبين في كتابه (الغرر) الشروط المخصوصة في بيع الديون، وعندما يقال الفقه المالكي يجيز فإن الفقه المالكي يجيز مع شرطين أساسيين: ألا يكون غررًا، فيمنع بذلك قضية الدين غير المستقر والدين الذي لا يكون مقدورًا على تسلمه وقبضه وتسليمه. والربا، فيمنعوا بذلك بيوع الصرف التي يدخلها الأجل. النقطة الثانية في تعليقي هي رجائي من الأساتذة الفقهاء وبالذات أخص الأخ الكريم الشيخ تقي العثماني ألا يفتحوا الأبواب على سبيل التهاون في إيجاد ما يسمى باب التيسير أو التوسعة في الفقه في المعاملات المالية، فعندما يقال في الكمبيالات التي تأخذها البنوك أنه من الممكن وهناك ثلاث صور، لندقق فيها.

стр. 17699

الصورة الأولى هي أن البنك يقترح أن يكون شريكًا في المعاملة، فإن كانت عملية البيع للصادرات قد تمت ووقعت الكمبيالة فلم تعد بضاعة لتباع ويشترى بها، وإنما هناك دين نقدي وهناك مشاركة في دين نقدي بالأجل فيدخل موضوع البنك (بيع الصرف) ، وإن كانت قبل أن تتم العملية فلا توجد كمبيالة من الأساس، يكون هناك عرض في الاعتماد المستندي أن الشركة اليابانية تستورد من ماليزيا المطاط، وهذا العرض ثمن المطاط تكلفته مائة رنت وأنه يباع للشركة اليابانية بمائة وعشرين حسب الاعتماد الوارد، فهل يشاركوننا؟ فإذا دخل البنك شريكًا فلا وجود للكمبيالة أصلاً. وأما القول في الصورة الثالثة أنها عن طريق الوكالة فمهما تحفظ المتحفظون في السماح بالقرض المشروط به شيء آخر أو المصاحب لشيء آخر فإن هذا الشيء الآخر يصبح هو الأساس، ثم يأتي للوكالة فيقول يجوز الأجل النسبي ويجوز الأجل المتفق عليه بين الطرفين، ويجوز كذا ويجوز كذا، فتفتح أبواب الربا من حيث أردنا الخلاص منه مع أن هناك بدائل شرعية بسيطة تخلو من أبواب التحريم. فهذا ما أردته من أخي الكريم أن ينظر إليه بفكره وصفائه وقلبه الطيب. البدائل الأخرى التي هي موجودة، في الواقع بدائل سليمة، وعندما نقول القطاع العام والقطاع الخاص، فالقطاع العام هو الحكومة التي تمثل الشعب والتي يفترض أنها تقوم بخدمته فإن احتاجت إلى نفقات مشروعة سواء كانت في مشاريع إنمائية أو مشاريع مدرة للدخل أو كانت مشاريع غير إنمائية، ولكنها تحتمل أن تباع بالمرابحة ففي كل حال من الأحوال هناك أدوات تمويلية صريحة في الأولى بـ المقارضة والمشاركة، والمرابحة والسلم والاستصناع في الثانية. فالأدوات موجودة، وكل ما هو مطلوب من هذه الحكومات وهي تريد أن تربط نفسها بشعوبها وأن تشعر المواطن أنه شريك في تمويل دولته بأن توضع القوانين التي تسمح بوجود مثل هذه الأدوات كما يوجد في قانون الشركات في كل دولة من دولنا فصل خاص بسندات القرض. فيا حبذا أن تكون لدى الدول الإسلامية في قوانينها القائمة فصل آخر إلى جانب هذا الفصل المقيت الحرام فصل حلال يبين أدوات التمويل الإسلامي بأنواعه وضوابطه، منعًا لخديعة الناس وبيانًا للحقوق، وهذا أصل شرعي، فيكون المضاربة والمشاركة والمرابحة والإيجار والسلم والاستصناع فبدل السند المقيت اليتيم الوحيد سند القرض بالربا عندنا سندات حلال مفتوحة الأبواب وأدخلها كمواطن أول دولتي وأنا مرتاح الفكر والقلب والضمير. أما بالنسبة للشركات الخاصة أو القطاع الخاص، فهي شركات المساهمة وهي الوحيدة التي يسمح لها إصدار السندات لماذا؟ للانضباط. لذلك أضفنا إلى سندات أسهم المضاربة وهي التي تساءل عنها أخي الكريم الدكتور المرزوقي أنها هل تكون مستقلة أو لا؟ من الطبيعي في سند المضاربة أن يكون مفصولاً ولم نشهد نحن بعد إصدار سندات المضاربة أو المقارضة الإسلامية في الشركات المساهمة ولكن شركات أمريكية (جنرال موتورز) أصدرت سندات فصلتها عن ملكية سندات الشركة الأم وخصصتها بمشاريع خاصة في أنظمة الكمبيوتر، وقالت: إن نسبتها من الربح هي نسبة محددة (٢٥ %) من الربح الذي يتحصل في هذا الفرع من نشاط الشركة. فاستعملت اسمها وإدارتها وجمعت الأموال من الآخرين وعندهم في القانون الأنجلو ساكسوني نوعان من السندات: سندات (أ) وسندات (ب) . سندات (أ) تمثل إدارة وملكية الشركة، وسندات (ب) تمثل أسهم في الشركة دون تصويت، وهذا يعني أنه رأس مال المضاربة فابتعدوا عن (أ) و (ب) وقالوا هذه أسهم الـ (هـ H. closs) التي تعني أن المساهم فيها يستثمر ماله بإدارة مستقلة ويأخذ نصيبه من الربح من ذلك المشروع. أما قول أخي الكريم بأن المضاربة أولاً بالذات ويريد مني دليلاً وأن الفقه المالكي يتوسع في المضاربة لغير التجارة. فأقول نحن طلاب علم ونعرف أن المدونة تنص على ذلك بأنه: (إذا أخذ رجل مالاً فاشترى فسيلاً أو نخيلاً أو زريعة أيكون ذلك مضاربة في قول مالك؟ قال: نعم) ، فهذا استدللت به على أن المضاربة ليست محصورة في التجارة، وإنما هي في الفقه المالكي والفقه الحنبلي منفتحة للتجارة والصناعة والزراعة والسياحة وكل أبواب النشاط المشروع.

стр. 17700

أما القول بأن المشاركة المتناقصة لا تجوز شرعًا، فإن كان أخي الكريم هو طالب علم مثلي فلنتذاكر سويًّا، وإن كان أستاذنًا فإنه يعلم أن رأس مال المضاربة يمكن استرداده استردادًا جزئيًّا حتى عند الشافعية. فالمشاركة المتناقصة تعطي نصيبًا من الدخل على أساس الربح، والنصيب الآخر الذي هو من حق المقارض الآخر يكون متنازلاً عنه أو مقدمًا منه استيفاء وتخليصًا لرأس المال. فأرجو أن يبقى الاحترام الذي نشعر به تجاه أهل العلم جميعًا على التجاوز، والقول هذا لا يجوز شرعًا والأمر واضح فالشريعة فسيحة، ولكن تريد منا عقولاً تتسع وتستوعب ما في الشريعة، والمأمول في هذا العالم الإسلامي الذي نتشرف بالانتماء إليه أن يكون هناك تعاون متناسق لتكون أدوات مالية إسلامية صادرة بقوانين تخلو من الغش والخديعة، حتى لا يشاع أنه باسم الإسلام ترتكب الاختلاسات في الأموال، وأن تكون منظمة تنظيمًا قانونيًّا حديثًا، وأن نشهد إن شاء الله في حياتنا سوق رأس المال الإسلامي بأدواته الذي تعتز فيه حكومته الإسلامية بأن نضع في هذا السوق أنواع السندات المختلفة أشكالها وألوانها وغاياتها، حتى يمكن للمسلمين الاستثمار في خدمة حكومتهم وخدمة أمتهم بالخير، لأن تمول الحكومة وهو إيجاد مشاريع، مشاريع يعني فتح باب التشغيل والعمل للمواطنين، وهو اعتزاز بأننا في بلادنا نبني بأموالنا ولا نعطي أموالنا إلى خارج وطننا. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 17701

الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. إن البحوث التي استمعنا إليها اليوم واستمعنا إلى تلخيصها كانت بحوثًا قيمة، لأن أصحابها جمعوا أحكامها من مختلف المصادر بتجرد وأمانة. الشيء الذي أردت أن ألفت الانتباه إليه هو ملاحظة شكلية تخص البحث القيم الذي أعده فضيلة القاضي محمد تقي العثماني. ففي بداية بحثه قال: "وقد ادعى بعض المعاصرين جواز بيع الدين وجواز هذه العمليات على ذلك الأساس، استنادًا على تفسير خاطئ لما حكي عن المالكية وبعض الشافعية". في هذه الصلة يمكن أن يكون هو نفسه قد تناقض معها في ثنايا البحث، لأن المالكية أجازوا بيع الدين على الطريقة التي بينها الشيخ المختار السلامي ولكن على سبل معينة تخرجه من الربا. ففي الأبيات التي تفضل الشيخ السلامي بقراءتها عليكم اليوم من العاصمية وفيما بعدها يتبين أن المالكية أجازوا بيع الدين ولكن بشروط قال العيني في شرح البخاري: "إن مالكًا أجاز السلم في كل شيء بشروط تخرجه من الربا" وأن ابن عاصم قال: " بما يجوز بيع الدين" وأن في أبيات أخرى قال: وإن يكن من سلم بعد الأمد فالوصف فيه السمح جائز فقد ويشتري الدين بدين وفي عين وعرض وطعام قد يفي فبيع الدين عند المالكية على الشروط التسعة التي بينها هو في بحثه جائز ومبدأ عام، ولكن بالشروط التي لا يمكن التساهل فيها، وإذا وقع التساهل فيها فالمبدأ ليس من صور المالكية لأنهم يبطلونه إذا اختل واحد من تلك الشروط. وفي السلم قال صاحب التحفة: فيما عدا الوصول جوز السلم وليس في المال ولكن في الذمم والشرط للذمة وصف قام على الإلزام والالتزام وشرط ما يسلم فيه أن يراعى متصفًا مؤجلاً مقدرًا وفي بحثه أيضًا قال: (وروي عن الإمام ابن حنبل – ﵀ – أنه قال: "ليس في هذا حديث يصح، لكن الإجماع على أنه لا يجوز بيع دين بدين "، والحق أن الإجماع على منع بيع الدين بالدين إنما وقع على بعض صوره، مثل عقد السلم برأس مال مؤجل إلى ما فوق ثلاثة أيام) . لو ناقشنا هذه المقولة لوجدناها تتركب من جملتين. الجملة الأولى هي أن الإمام أحمد – ﵁ – قال: إنه لا يصح بيع الدين بما فيه السلم، وأن ذلك ليس فيه حديثًا وإنما هو إجماع. أرى أن إجماع أهل السنة لا يمكن أن يتحد ويكون خارجًا عن الإجماع. هذه هي النقطة الأولى. النقطة الثانية: قال هو في نفس بحثه، إن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كلاهما خرج عن ما قاله الإمام أحمد وقالا بجواز بعض بيع وصور من السلم، فهل يا ترى هما اطلعا على دليل لم يطلع عليه الإمام أحمد، أو أنهما لم يأخذا بهذا القول، وهما يميلان إليه؟ إن صح هذا فالمسألة تستدعي منا كثيرًا من التروي. لماذا هذه الأوراق التي ادعى اليوم الدكتور الضرير على أن المالكية أجازوا كثيرًا من الصور؟ فأنا أعلن أن هذه الأوراق لم تكن موجودة عندنا. السلف الصالح، لم تكن هذه الأنواع من المبايعات موجودة في زمنهم، والحكم الفرعي غير مؤهل للقياس عليه خصوصًا إذا كنا نجهل العلة التي بني عليها أو إذا كانت تختلف تمامًا مع ما نريد القياس به اليوم. فهذه أوراق مستجدة صيغت بمنع وقوانين تعارض الشريعة الإسلامية، وبعيدة عن أحكامها، ولا يمكن أن تعرض على الشريعة الإسلامية على أن تدخل من هذا الباب لنشرع ما حرم الله، وإن فعلنا فلم يكن للمالكية ولا للشافعية ولا لأحمد وإنما هو اجتهاد منا، ذلك أن المقولة التي سمعتها اليوم من بعض الإخوة في كلام شيخ الإسلام، هذه المقولة لها مستند وهو حديث أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها – ذلك أنها أتت امرأة وقالت لها: اشتريت من زيد عبدًا بدراهم دين في ذمتي فاحتجت للدراهم فاشتريته بأقل مما بعته له، فهل هذا يجوز؟ فقالت لها: أبلغي زيدًا أنه أفسد جهاده مع رسول الله ﷺ ، فقال لها: أرأيت إن رجعت فأخذت دراهمي لا يكون عليَّ إثم؟ قالت: نعم، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . فإذن كل المستجدات التي تقع بهذه الأشكال كان الحكم مصرحًا به بالابتعاد عنها نظرًا لما تؤول إليه من الربا. ابن القيم في (إعلام الموقعين) استعرض مائتي حيلة من الحيل حرمها جميعًا إلا ثلاثين منها، وهي كلها كانت متبعة وكان البعض يتعامل بها على أنها حلال. فنحن إذن أمام وضعين مختلفين. المنهج الإسلامي لكل شيء بأصوله وفروعه وبمنهجه القائم المستقل، والمنهج الربوي الذي يحاول أن يخترق الجسم الإسلامي بأي شيء، فإذا أردنا أن نتكلم عن الأوراق المالية من كمبيالات وسندات فينبغي أن ننظر إليها من خلال المنهج الإسلامي لا من خلال الرؤية الغربية. ولهذا فإننى أرى أننا عندما نريد الكلام عن هذه الأشياء ينبغي أن نترفع عن الفروع فلن نجد فيها ضالتنا المنشودة الطرق وصلت إلينا بطريقة لا نكاد نعمل له حساب، ولكن نحن إذا رجعنا إلى الأصول فسنجد فيها ما يمكننا من سن الضوابط الشرعية للمعاملات المستجدة على أن ننظر من الفكر الإسلامي لا من الفكر المستورد. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 17702

الشيخ وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. فإن صور بيع الدين بالدين وإن كانت متشابكة وكثيرة ومعقدة في الظاهر، حتى إن بعضهم أوصلها إلى ثلاث وأربعين مسألة، كل هذه الصور ما هي إلا معدومة للمبادئ العامة التي يقوم عليها الشرع الشريف. وحينئذ ينبغي أن نصرف النظرة من هذه الصور وأن نتجاوز المصطلحات، التي هي غريبة عن مفهومنا في العصر الحاضر من مثل بيع الساقط بالساقط، والساقط بالموجب وبالعكس، وغير ذلك، مثل هذه الأمور التي توقعنا أيضًا في شيء من الإشكالات. وحينئذ جمهور العلماء قرروا – وينبغي أن نكتفي بقرارهم – بأن بيع الدين للمدين جائز، ولا إشكال في هذا ما لم يكن هناك تأجيل فيوقعه في ربا النسيئة. وكذلك بيع الدين بالدين لغير المدين، هذا عند الجمهور غير جائز، لأنه مما ينطبق عليه ربا النسيئة، وهو الذي لاحظه العلماء وقصدوه عند كلامهم عن بيع الكالئ بالكالئ، وأن الإمام أحمد حينما قرر قبول هذا الحديث بسبب إجماع العلماء الواقع كان قراره حكيمًا وصحيحًا، وأن هذه الصور المستحدثة ما هي إلا فيها تطبيق لبيع الكالئ بالكالئ، وبالتالي لا تجوز هذه الصور. أما ما ذكر عن الشافعية عن أربعة أقوال، ففي الحقيقة إما أن نقول كما فسر الدكتور سامي حمود أن هذا الخلاف بينهم لفظي، وإما – وهو الأرجح – أن نقرر أن مذهب الشافعي المعتمد كما حرر الإمام النووي وعندنا هو الحجة فيما رجحه يقول: لا يجوز بيع الدين لغير المدين وفي الأظهر أي من قولي الإمام الشافعي. وأما بقية هذه الأقوال والتي أخذتها بعض الدول مستندًا للقول بجواز بيع الدين بالدين وبالتالي الوقوع فيما حرم الله مما سموه بيع سندات الدين فهذا ينبغي أيضًا أن نحذره وأن لا ننسب ذلك للشافعية لأن الشافعية في هذا الأمر بكل وضوح قرروا عدم الجواز والمعول على المفتى به والمعتمد في هذا الموضوع. قضية البدائل عن بيع الدين بالدين، الحقيقة خصوصًا صورة بيع الكمبيالة أو حسم الكمبيالة أو ما شاكل ذلك، ما وصف به فعلاً من براعة زميلنا وأخينا الشيخ تقي العثماني لا شك أن هذه براعة بالتخريج لكننا نحن لا نطمئن إلى هذا التخريج ونقول بكل صراحة: إن بيع الكمبيالة ما هو إلا صورة من صور الربا، ولا يجوز أن تتخذ جسورًا للربا مثل بيع العينة المتخذ جسرًا للربا، أن نتخذه وسيلة للقول بحل هذا النوع من المبايعات، لأن هذه الحيل وهذه التخريجات ما هي إلا جسور، وما هي إلا تبريرات في الحقيقة لا تغير من حقيقة البيع وهو بيع الدين سواء كان بيع الدين المؤجل بأكثر منه أو بأقل منه أو بمساوٍ، هو في الحقيقة من جملة الربا، وبالتالي لا نطمئن إلى هذه التخريجات وأنه في الواقع ينبغي أن تطبق القواعد العامة في مثل هذا الأمر.

стр. 17703

وأنا لا أعرف ما يرجحه بعض إخواننا من أن بيع الدين بالدين يعني لغير المدين – أما للمدين فهذا منته من قديم وأنه يجوز – بيع الدين لغير المدين أنه جائز بشرط ألا يقع المتعاقدان في الربا والغرر، هذا هو فحوى مذهب المالكية، وأما بقية الشروط فهي مفهومة ضمنًا، وبالتالي لا أرى جديدًا في أن ما رجحه زميلنا الشيخ الصديق الضرير من هذا القول، هو في الحقيقة لا يخرج عن قول المالكية لأن المهم ألا يكون هناك ربا وألا يكون هناك وقوع في الغرر وهو بسبب العجز عن تسليم المعقود عليه في الحال. يعني المهم نظر الفقهاء حينما يقررون بطلان العقد عدم القدرة على التسليم أي في حال انعقاد العقد لا في المستقبل، وهذا يوقعهم في الغرر، والغرر عقد منهي عنه في شرع الله، وهو أصل من أصول الإسلام كما قرر الإمام النووي. بقية البدائل الأخرى، في الحقيقة ينبغي أن يكون عليها بنفس هذا المنطلق وهو إذا كان فيها شيء من الربا، أو هي مدخل إلى الربا، أو شبهة الربا، أو أنها جزء من الربا، فينبغي منعها كلها، وأنا أكاد ألتقي مع النخبة الذين صفوا هذا الموضوع وبسطوه على الرغم من كثر مشكلاته وتعقد صوره. فحينئذ يمكن بسهولة إدراك الموضوع وعندما نعرضه في التوصيات ينبغي أن نبسط هذه الصور ليفهمها غير المتخصصين. كثير من الناس لا يدركون معنى هذه المصطلحات، فينبغي تبسيطها ووضع الحكم على كل قضية منها بوضوح وبدقة بحيث لا يقع المسلمون في شرك الربا أو شرك الغرر. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17704

الشيخ عبد الستار أبو غدة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كثير مما كنت أريد أن أقوله قد سبقت إليه، ولكنني أريد أن أروي ما تم بشأن سندات الدين لتلك الدولة التي تمت الإشارة إليها أكثر من مرة، فقد تنادت بعض المجموعات المصرفية الإسلامية ومنها مجموعة البركة إلى مخاطبة تلك الجهات ومراجعتها في الأمر أكثر من مرة، ولكن كان الجواب التسويف والإرجاء، بل أكثر من ذلك أن هذه التجربة التي هي تجربة غير مؤصلة شرعًا فكر أصحابها في ترويجها وتسويقها، فسوقوها إلى دول مجاورة وجاؤوا إلى بعض دول الخليج ليعرضوا هذه التجربة المريرة في العمل المصرفي الإسلامي. وفي لقاء تم كان فيه الشيخ تقي والشيخ القرضاوي ومحدثكم وحينما سئلوا عن مستندهم، وكل هذه النصوص كانت مبتورة، لأنها لم تراع فيها القيود والضوابط. وكان من جملة هذه النصوص ما جاء في كتاب أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته المعروفة لأنه أشار إلى هذه المسألة ولكنه قدم القيد والضابط في أول الباب فأخذوا هذه الصفحة وقالوا: أخذنا من هذا الكتاب. والحقيقة أنني اطلعت على عبارة لابن نجيم الفقيه الحنفي المعروف ينقلها عن ابن الغس، وهي تبين أصلين أساسيين في البحث الفقهي وكنت سأذكر هذين الأصلين من الذاكرة ولكن بسبب تأجيل دوري استطعت أن أحضر هذا النص. يقول ابن الغس: "إن فهم المسائل الفقهية على وجه التحقيق يحتاج إلى معرفة أصلين: أحدهما: أن إطلاق الفقهاء في الغالب مقيد بقيود يعرفها صاحب الفهم المستقيم الممارس للأصول والفروع، وإنما يسكتون عنها اعتمادًا على صحة فهم الطالب الحاذق، أو اعتمادًا على ما سبق بيانه في مواطن أخرى. الأصل الثاني: أن المسائل الاجتهادية المعقولة المعنى – غير التعبدية – لا تعرف الحكم فيها على الوجه التام إلا بمعرفة وجه الحكم الذي بني عليه وتفرع عنه، وإلا فتشتبه المسائل على الطالب ويحار ذهنه فيها لعدم معرفة الوجه والمبنى، ومن أهمل ما ذكرناه وقع في الخطأ والغلط ". وبهذا يتبين أن هذا التصرف الذي وقع فيه هؤلاء كل من هذين الجانبين أولاً من عدم مراعاة القيود والضوابط الشرعية العامة، والثاني أنه لم ينظر نظرة منهجية في وجه التحريم والتحليل. فإذا كان التحليل سيؤدي إلى الربا فمعنى هذا أنه يعود على أساسه بالنقض، وهذه أمور عند ابن الغس: معقولة المعنى، إذن يجب أن تربط بمقاصد الشريعة وبأسرار التشريع حتى لا يحصل فيها زلل. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17705

الشيخ نزيه كمال حماد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشكركم على إتاحة الفرصة لي لتلخيص ورقتي التي لم يتيسر للعارض فضيلة الشيخ العثماني أن يشير إلى ما جاء فيها من أحكام فقهية تتعلق ببيع الدين أو التطبيقات المعاصرة المتعلقة بالموضوع. وألخص تلخيصًا سريعًا ما أوردته في البحث، فأقول: بالنسبة لأحكام بيع الدين ذكرت أن جمهور الفقهاء أجازوا بعض صوره وحظروا بعضها الآخر، ولهم في أحكامه تفصيلات وتقييدات، وخلاف وتعدد مقولات، وقد فرقوا بين ما إذا كان البيع من المدين نفسه أو من غيره، وبين ما إذا كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وبين ما إذا كان الثمن حالاً أو مؤجلاً. فتحصل في المسألة ثمان صور ينبغي أن يميز بين كل صورة وأخرى وهذا ما فعلته في بحثي فتكلمت عن الصورة الأولى وهي: (بيع الدين المؤجل للمدين بثمن مؤجل) ، والثانية (بيع الدين الحال للمدين بثمن مؤجل) ، والثالثة (بيع الدين الحال للمدين بثمن حال) ، والرابعة (بيع الدين المؤجل للمدين بثمن حال) ، والخامسة (بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن مؤجل) ، والسادسة (بيع الدين الحال لغير المدين بثمن مؤجل) ، والسابعة (بيع الدين الحال لغير المدين بثمن حال) ، والثامنة (بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن حال) وهي بيع النصيب. وقد فصلت عند كل صورة جميع الأحكام المتعلقة بها. المهم أنه في نظري لا بد من تحرير محل النزاع، وهذا ما فعلته لتتضح الأحكام الفقهية ولا يختلط بعضها ببعض نظرًا لتعقد المسألة وكثرة حالاتها وصورها، وقد بينت ذلك في بحثي ويمكن الرجوع إليه. بالنسبة للتطبيقات المعاصرة لبيع الدين، ذكرت المسألة الأولى، قضية التعامل بسندات القرض، وهي أمر متفق عليه أن السندات ربوية سواء صدرت من الحكومة أو من شركة أو من غير ذلك فإنه لا يجوز شرعًا إصدارها ولا شراؤها ولا تداولها بالبيع. والمسألة الثانية قضية حسم الكمبيالات، وهي أيضًا صورة من صور الإقراض بفائدة والتي تقوم بها البنوك التقليدية وهي عملية محظورة شرعًا لابتنائها أيضًا على قاعدة القرض الربوي. ثم انتقلت إلى المسألة الثالثة التي أريد أن ألخص ما جاء فيها وهي قضية التوريق أوتصكيك الديون. التوريق هذا عبارة عن تعريب لمصطلح اقتصادي جديد يسمى (SecuritiZation) ، ومعناه: جعل الدين المؤجل في ذمة الغير – في الفترة ما بين ثبوته في الذمة وحلول أجله – صكوكًا قابلة للتداول في سوق ثانوية. وبذلك يمكن أن تجرى عليه عمليات التبادل والتداول المختلفة، وينقلب إلى نقود ناضة بعد أن كان مجرد التزام في ذمة المدين.

стр. 17706

وقد شرحت صور التوريق في الاقتصاد المعاصر وسوق الأوراق المالية، ثم انتقلت إلى حكمه في الشريعة الإسلامية وذكرت أن النظر الفقهي يقتضي التفريق بين نوعين من المديونية: مديونية النقود، ومديونية السلع. أما بالنسبة لتوريق الدين النقدي: فإذا كان الدين الثابت في الذمة المؤجل السداد نقودًا، فقد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم جواز توريقه، وامتناع تداوله في سوق ثانوية، سواء بيع بنقد معجل من جنسه – حيث إنه يكون من قبيل حسم الكمبيالات، وينطوي على ربا الفضل والنساء باتفاق الفقهاء – أو بيع بنقد معجل من غير جنسه، لاشتماله على ربا النساء، وذلك لسريان أحكام الصرف عليه شرعًا. ولا فرق في ذلك الحكم بين ما إذا كان سبب وجوب الدين النقدي في الذمة قرضًا أو بيعًا أو إجارة أو غير ذلك. وبنيت على ذلك أنه لا يجوز توريق دين المرابحة للآمر بالشراء (المرابحة المصرفية) المؤجل، وتداوله من قبل المصارف الإسلامية أو الأفراد في سوق ثانوية أو عن طريق البيع المباشر بنقد معجل أقل منه، كما يجري في عمليات توريق الديون المختلفة وتداولها في سوق الأوراق المالية، حيث إن ذلك من الربا باتفاق أهل العلم. وأشرت بعد ذلك إلى أن عدم جواز توريق المديونية النقدية باعتباره لونًا من حسم الأوراق التجارية لا يعني إغلاق باب المشروعية بالكلية، أمام فكرة توريق الدين النقدي، وذلك لأننا لو طورنا مفهوم التوريق التقليدي السائد، ووضعنا بعض القيود الشرعية على ممارسته لأمكن الخروج بصورة مقبولة شرعًا للتوريق. وبيان ذلك أننا لو صككنا الدين النقدي المؤجل على أساس قصر مبادلته على عروض التجارة (أي السلع العينية) الحاضرة، بأن يجعل ثمنًا لها، لكان ذلك جائزًا شرعًا. أولًا: بناء على قول مالك والنخعي والقاضي شريح وزفر بن الهذيل وغيرهم بجواز الشراء بالدين من غير من هو عليه الدين، وقد أوردت نص الإمام مالك في الموطأ ونصوص المبسوط للسرخسي التي تشهد لما ادعيته. ثانيًا: تخريجًا على القول المشهور في مذهب المالكية وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو جواز بيع الدين النقدي المؤجل لغير المدين بسلعة حاضرة، إذا انتفى عدم القدرة على تسليم الدين في محله. وبناء على ذلك يمكن للبنك الإسلامي أن يشتري مثلاً ألف سيارة بثمن معجل، ثم يبيعها للعملاء بثمن مؤجل موثق بكفيل أو رهن، ولا حرج بعد ذلك شرعًا في أن يعمد إلى توريق تلك الديون التي على عملائه لمرة واحدة، والشراء بصكوكها كمية أخرى من السيارات الحاضرة من المصنع مثلاً، ثم يبيعها بثمن مؤجل موثق آخر، ثم يورق ثمنها لمرة واحدة، ويشتري به سلعًا حاضرة أخرى غيرها، وهكذا. وبذلك لا تتجمد تلك الديون النقدية المؤجلة في الفترة ما بين ثبوتها في الذمة وحلول أجلها، بل تتحول إلى ما يشبه النقود السائلة بجعلها ثمنًا لسلع عينية حاضرة.

стр. 17707

الأستاذ صباح زنكنة: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا لا أريد أن أطيل في هذا الموضوع وخاصة أن البحث قد استوفى من قبل السادة الباحثين والعارضين، ويمكن أن نخلص في تشكيل اللجنة التي تعد التوصيات اللازمة على أن نحصل على توصيات تساعد في فتح الطريق للمشاكل التي تعاني منها البلاد الإسلامية. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله. الشيخ ناجي عجم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بعض الإخوة الكرام سبقوني في توصيف الموضوع لأن الفقهاء كذلك وصلوا في الواقع في بيع الأوراق المالية وبيان الأحكام الشرعية فيها، وإنني أشكر الشيخ القاضي العثماني على البدائل التي تكلم عنها ووصفها توصيفًا جيدًا وخاصة في صكوك التأجير وصكوك صندوق تمويل الحكومة، وكذلك المشاركة من البنوك للتاجر، ثم الاتفاق على نسبة ربح، فهذا بديل جيد وإن كان بعض الإخوة خاصة فضيلة الشيخ المختار تحفظ، وأن البنوك ممنوعة من المخاطرة، فما دامت المخاطرة موجودة من البنك والتاجر فلا أرى بأسًا في جواز مشاركة البنك للتاجر. ولي ملاحظة واحدة فقط على بعض البدائل التي أوردها الشيخ العثماني وهو الهروب من العقوبة بشرط الإعفاء من الضرائب. أقول هذا هو الربا بعينه، ولكن الأستاذ الجناحي – جزاه الله خيرًا – أورد بديلاً وهو أنه من الممكن أن الحكومة تبيع أسهمًا لثروتها العامة كالبترول مثلاً ثم المشتري يوكل الحكومة في بيع هذه الأسهم وتجني الأرباح. وأكتفي بهذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17708

الشيخ محمد علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أضم صوتي إلى الذين سبقوني في شكر العلامة الشيخ القاضي العثماني على هذا العرض الطيب وعلى كاتبي المقالات. عندي ملاحظتان: الأولى: حول خصم الكمبيالة. هذا الخصم مهما تم تكييفه فقهيًّا إما باعتباره قرضًا يقدمه البنك للمستفيد من الكمبيالة وحوالة من المستفيدين على من يحرر الكمبيالة مع تعهد للبنك بالدفع، أو نعتبره قرضًا يقدمه البنك للمستفيد، وهذا المستفيد يوكل البنك بتحصيل المبلغ من محرر الكمبيالة واقتطاع ما أخذه. وأخرى ببيع المستفيد دينه من البنك الذي يشتريه. هنا طبعًا البنك يشتريه بأقل من قيمته الاسمية. هنا بيع الدين من غير من عليه الدين هو أمر مقبول للإمامية، والمشهور أيضًا يجيزون هذا البيع بأقل من قيمته الاسمية، وليس هناك غرر في البيع خصوصًا مع ضمان التسليم. طبعًا أنا لي رأي في مسألة القدرة على التسليم في محله، هل يدخل في مسألة الغرر أم لا؟ إلا أن المشهور هو رجوع البنك إلى من عليه الدين بقيمة الكمبيالة الاسمية في حين أؤكد وأميل إلى أن يرجع البنك بما دفعه فقط إلى محرر الكمبيالة. البنك يرجع فقط بما دفعه لمحرر الكمبيالة ويكون الخصم الذي يخصم في الواقع لصالح محرر الكمبيالة، فهو يأخذ ما دفعه. وهذا المعنى بمقتضى روايتين موجودتين في كتب الإمامية ضعفهما العلماء ولكني أراهما إحدى القواعد، ولذلك أنسجم سواء مع هذه الفتوى التي تقول بأن البنك لا يأخذ إلا ما دفعه مع شيء من العمولة. الملاحظة الثانية: البدائل التي طرحت من قبل السادة الباحثين لم أجد فيها ما فيه إشكال، إلا أن ما طرحه سماحة الشيخ العثماني من سندات القرض غير الربوية مع مسألة إعفاء المشتري من الضرائب، هذا الاقتراح إذا كان بنحو الاشتراط، يعني أن تشترط الدولة أن تعفي الإنسان المشتري هذه السندات من الضرائب. أعتقد أن قضية (كل قرض جر نفعًا فهو ربا) ، وهذا النص لم يرد لكنه تقبل من قبل العلماء جميعًا، هذه القضية تنطبق هنا، كل إضافة هي ربا. وحينئذ فالشرط (لا غرر) صحيح. نعم، لو أن الدولة تقدمت بالتبرع ودون أن يلزمها مشتري هذا السند لو تبرعت فهو من الحموى المستحبة. أذكر أن مفكرًا إسلاميًّا اقترح أن تقوم البنوك الإسلامية بالاشتراط عندما تقدم قرضًا للآخرين، وتشترط على المقترض أن يقرضها عند انتهاء المدة مبلغًا معينًا لمدة معينة. اقترح هذا المفكر هذا الشرط واعترضت عليه بقوة بأن هذا الشرط نفع وخالفته في ذلك رغم أنه كان من أساتذتي. فإذن تقديم الدولة جوائز غير مشروطة أو خطوة غير مشروطة أو جعل هؤلاء الذين يشترون هذه السندات من العملاء الممتازين الذين يمكن أن تعقد معهم الدولة عقودها الآتية. هذا أمر لا مانع منه شريطة ألا يكون هناك اشتراط في البيع. شكرًا جزيلاً، والسلام عليكم.

стр. 17709

الشيخ علي السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. الشكر والتقدير للإخوة الباحثين والمعقبين. بالنسبة لحسم الكمبيالات: من الواضح هنا أن ما تقوم به البنوك الربوية بخصم الكمبيالات له واقع ينبني عليه الحكم الشرعي، وهذا في الواقع حدده القانون الذي ينظم أعمال البنوك، ولذلك الدكتور السنهوري في كتابه (الوسيط) تحدث عن خصم الكمبيالات أو خصم الأوراق التجارية وبين أن هذا قرض، ولذلك فإن البنك الربوي عندما يقوم بخصم الكمبيالات، إذا جاء الموعد ولم يتمكن من تحصيل هذه الكمبيالة، عاد مرة أخرى على محرر الكمبيالة وأخذ منه المبلغ كاملاً وليس المبلغ فقط بل إضافة إلى الفوائد الربوية من تاريخ استحقاق الكمبيالة إلى تاريخ الدفع الفعلي، أي أنه يأخذ منه فوائد آجلة، ليس لدفع دين في هذه الحالة وإنما هو إقراض ربوي، وهذا ما بينته منذ عدة سنوات في بعض كتبي. إذن خصم الكمبيالة أمر ربوي. إذا جئنا بالنسبة لما يحدث في ماليزيا من بيع الدين فهنا مسألة الصرف، الإخوة بينوا تحريم هذا، وأرجو أن يكون للمجمع الموقر دور في هذا، لأن المسلمين هناك يسمعون بأن هذه سندات أو خصم كمبيالات إسلامية، فكلمة إسلامية هذه قد تغري بعض المسلمين بأنها فعلاً إسلامية. فعلى المجمع أن يقوم بدوره في توضيح هذا الأمر، وننصح الإخوة المسلمين هناك بأن خصم الكمبيالة في البنوك الربوية معلوم أنها أمر ربوي، وأما أن يوصف هذا الخصم بأنه إسلامي فهذا هو الوضع الخطر البالغ والذي أقترح أن يكون للمجمع دور فيه. النقطة الثانية التي أريد أن أبينها هي ما يتصل ببيع دين السلم وأذكر واقعة هنا: لو أن شخصًا اشترى سلمًا سلعة بألف، ثم بعد مدة باعها بألف ومائة ولم يتم قبض المبيع ولم يستطع البائع أن يسلم المبيع، فعقد السلم عقد لازم لكن دين السلم دين غير مستقر، فإذا لم يستطع أن يسلم المبيع عندئذ يفسخ العقد فماذا يفعل البائع؟ هل يدفع ألفًا أم يدفع ألفًا ومائة؟ لو قلنا يدفع ألفًا إذن الأول لم يدخل البيع في ضمانه فهذا بيع آخر. معنى ذلك أن البيع الأول يفسخ والثاني إذا فسخ فإن الذي اشترى بألف ثم باع بألف ومائة يأخذ ألفًا ممن باع ويدفع ألفًا ومائة لمن اشترى. إذن هذا أشبه بالسلم. بمعنى أن يكون البائع الأول، البيع في ضمانه أن يسلم، والحالة الثانية أن البائع الثاني – وهو المشتري الأول – البيع في ضمانه هو أن يسلم، وإلا لو قلنا بأنه يجوز أن يبيع وينتقل الضمان من البائع الأول إلى المشتري الثاني معناها أن البائع الأول ملتزم بأن يدفع أكثر مما أخذ، وهذا إذن بالنسبة لبيع دين السلم، صكوك لدين السلم أعتقد أن هذا غير جائز، لأن دين السلم دين مستقر. ما ذكر من أن سندات الدولة مقدورة التسليم وينبني على هذا جوازها. يعني الضابطان اللذين تحدث عنهما الشيخ الضرير في موضوع الربا والغرر الفاحش، سندات الدولة قد تكون مقدورة التسليم وقد تكون غير مقدورة، لأنها لا تستطيع أن تؤدي ديونها، والواقع هذا في دول كثيرة فلا ينبني على هذا حكم شرعي بأن نقول: هذا مقدور التسليم إذن يجوز أن نجعل هذا صكًا قابلاً للتداول. أحب أن أضيف إلى الاقتراح الجيد الذي ذكره فضيلة الشيخ السلامي، أضيف هنا أن على السادة الباحثين أن يكتبوا تلخيصًا لأبحاثهم، لأن هذا يساعد العارض ويساعد القارئ المتعجل الذي لا تأتيه البحوث إلا قبيل الجلسة بوقت قصير. وشكرًا لكم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.

стр. 17710

الشيخ عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه. هذه القضية التي نبحثها اليوم هي قضية معقدة وزادها تعقيدًا التطبيقات المعاصرة لما فيها من تعقيدات وقضايا جديدة كمقدمة لما سأقوله أود أن أذكر كلامًا للشاطبي – رحمه الله تعالى – وسأذكره بالمعنى قال: إن التركيب إذا. . . معنى ذلك أن الحاجيات لا تبيح كل شيء وهذا أمر يجب أن يكون معلومًا. . إننا في قضية بيع الدين بالدين أمام قضية غير مجهولة ولا مهملة بل هي معلومة ومفصلة عند العلماء. لا أريد أن أتعرض إلى التفصيلات التي ذكرها الإخوة بل سأذكر قليلًا من التفصيل مما ذكره المالكية الذين أصبحوا في الحقيقة كملجأ يلجأ إليه في التحليل. المالكية قالوا بجواز بيع الدين لغير المدين إذا بيع بغير جنسه وكان غير ذهب بفضة أو العكس، أي أنه لا يجوز بيع نقود أو طعام من بيع، لكن هناك شروط أخرى، من هذه الشروط: - ألا يكون الدين على ميت أو على غائب. ولو قربت غيبته ولو قامت بينة بخلاف الحوالة. - وليس بين المستدين ومن عليه الدين عداوة. ثم إن المالكية قسموا بيع الدين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول وفسروا به الكالئ: قال خليل: وككالئ بمثله فسخ ما في الذمة في مؤخر. والكالئ بيع الدين لصاحبه ويسمى نسخًا لما في الذمة وهذا لا يجوز قطعًا. وهو أعلاها وأشدها عندهم. الثاني: بيع الدين بالدين. وهنا لا بد من وجود شخص ثالث أي على الأقل ثلاثة أشخاص. الثالث: جائز، وهو ابتداء الدين بالدين. هذا كما يقول الزرقاني جائز. لكن المثال الذي قدموه له هو مسألة السلم يؤخر بغير شرط لأكثر من ثلاثة. وذكروا مسألة أخرى في مكان آخر وهي المسألة التي ذكرها مالك في المدونة، وهي: أن تطلب من شخص أن يبني لك دارًا على أن الجص منه والبناء منه.

стр. 17711

وهذه المسألة، مسألة الاستصناع هي مسألة جائزة عند مالك وليس فيها شيء يدفع، لم يدفع لا ثمن ولا مثمن، لكنه يشترط أن يكون المتعاقد معه من أهل الصنعة، وأن يشرع فورًا أو في الأيام اليسيرة التي تلي ذلك. وقيل: إن هذه مسألة لا يحملها قياس وإنما استحسان واتباع، وقال سحنون: لا تحتمل الأصول. وقد منعها عبد الملك في الثمانية. معنى ذلك أن هذا البيع وإن كانوا أجازوه، وقالوا إنه ليس من الكالئ، لأنه ابتداء دين وليس من الكالئ فإنهم كروا على ذلك بشبه النقض حيث لم يجيزوه إلا في مسائل معينة ومحددة. لكنني رأيت بعض الإخوان توسعوا في مسألة بيع الدين بعين أو بشيء معين أو بمنافع معين، في الحقيقة الذي جاء به العلماء بمنافع معين وليس بمنافع معينة، المنافع لا تعين إنما المعين الذي تجتني منه المنافع أو تؤخذ منه المنافع، وإن كانت المنافع لم يجزها ابن القاسم إلا في حالة الضرورة، إذا كان في صحراء يمكن أن يؤجر دابة بدين وقال: هذه ضرورة. هذه القضية لعلها فهمت خطأ. في الحقيقة أنه يجوز له أني بيع الدين بسلعة معينة يتأخر قبضها، ومعنى تأخر القبض أن تكون غائبة مثلاً وليس معنى ذلك أنها آجلة، لا يجوز أن يبيع دينًا بدين مؤجل سواء كان عينًا أو نقودًا، فإن ذلك لا يجوز وهذا أمر مجمع عليه. في الحقيقة رأيت بعض الإخوان هنا أخذ هذا الكلام وهو بحث جيد للدكتور محمد علي القري وقال: بالحل الإسلامي، فالدائن إذا أراد أن يستعجل دينه قبل أجله يمكن له أن يشتري عرضًا من بائع بالأجل ثم يحيله بالثمن على ذلك المدين. هذا القبض أعم من التأجيل والمراد هو القبض فقط، لتأخر القبض وليس بالأجل، بالأجل هذا لا يجوز بالإجماع. وهنا مسألة مهمة جدًّا وهي إذا كان في مسألة الإجماع فإنه لا يجوز أن نتجاوزه. فقد ذكر بعض علماء الأصول، وأنتم تعلمون ذلك، أن الإجماع له قادح واحد هو إثبات الخلاف. أما كون حديث " الكالئ بالكالئ" لم يصح عند المحدثين لكن أخذ الفقهاء به يصححه وأنتم تعلمون ذلك، وكم من إجماعات نعمل بها لا مستند لها، لأنه قد يكون مقدرا كعدم ضمان عامل القراض، وعدم جواز التعاقد على ربح معين، وحتى الزيادة في القرض ليست من باب انظرني وأزدك حديثها لم يثبت ((كل قرض جر نفعًا)) لم يثبت عند المحدثين، إلا أن الإجماع انعقد على أن أي زيادة ولو كانت نصف حبة لا تجوز. ومستنده عند ابن رشد في المقدمات القياس، وعند الرازي الجصاص شمول آية الربا له. فربا الجاهلية صنفان. إذن الإجماع لا يقدح فيه إلا بادعاء الخلاف. لذلك أرجو أن نقف إذا وجدنا جدار الإجماع أمامنا فلا نستطيع أن نظهره ولا نستطيع أن ننفيه أيضًا، لا بد أن نتوقف قليلاً. بالإضافة إلى ما ذكرته هذه السندات هل هي أوراق مالية؟ سألت عن هذا بعض الإخوة خصوصًا الدكتور محمد علي، هل هي أوراق متمولة كأوراق النقود التي نبيع بها أم هي وثائق فقط والمبيع هو الدين؟ هذه السندات أيضًا كذلك الأسهم هل هي حصص شائعة ونكون قد بعنا حصة شائعة بدون تحديد البديل بشكل واضح؟ كل هذا يجعل القضية معقدة، فلا أقترح شيئًا جديدًا، أقترح فقط أن تبحث قليلاً، وكل ما لاح لنا لائح " أجمعوا " حتى ولو لم نجد مستندًا، لأن الإجماع يقدر له مستنده ولو لم يذكر، وقد يستند إلى قياس، الشافعي يقول: نعمل بالإجماع حتى لو لم نستند إلى شيء. قال ذلك في الرسالة بشكل واضح. قال: لأنهم لا تغيب عنهم السنة جميعًا. فأرجو أن نتريث في هذا، وأن نبحث هذه القضية من جديد بحثًا معمقًا في لجنة مصغرة تراجع كل ما ذكر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17712

الشيخ صالح المرزوقي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على أفضل خلق الله. . أما بعد؛ فأشكر المعقبين وتعقيبهم على تعليقي وكلنا ننشد الحق، إن شاء الله، وقد أوضح سعادة الدكتور سامي حمود – جزاه الله خيرًا – أن الذي ينبغي هو أن نناقش الواقع، القضايا الواقعة، المشاكل الواقعة التي تقع فيها البنوك الإسلامية وغيرها في المجتمع الإسلامي مثل الكمبيالات والسندات وبيعها سواء بالتساوي أو بالحسم، لأن هذه هي التي تمس الحاجة إليها. وقد تعقب على موضوع استهلاك السندات أو الأسهم وإعادة قيمتها، والذي أود أن أبينه في هذا الشأن أن الأرباح التي يحققها المساهم أو صاحب الحصة أو سمها سندًا أو أي اسم ما شئت، هذه الأرباح إذا كانت مثلاً تحصل على عشرين ريالاً ثم يعطى أجرًا من العشرة ريالات على أنها ربح والعشرة الأخرى تعطى على أنها رأس ماله وهي من الربح، كيف يكون هذا صحيحًا؟ وكيف يقبل به؟ وأسأل الدكتور سامي لو كان هو المشارك على هذه الطريقة سيقبل أن يعطى جزءًا من أرباحه على أنها إعادة لرأس ماله؟ الأموال التي تشترى بها هذه السندات هي من أرباح الشركة ولو لم تدفع على أنها قيمة السند وعلى أنها إعادة لرأس المال فإنها تدل على أنها أرباح، وما دامت ستسلم إلى المساهم على أنها إعادة لرأس ماله الذي دفع فلماذا لا تسلم له على أنها أرباح أسهمه أو سنداته؟ ثم شيء آخر، في هذه الحالة كأن صاحب السند أو صاحب الحصة أو صاحب السهم كأنه باع ماله على نفسه، فالعقد (عقد البيع) دائمًا ثنائي، موجب وقابل، وفي هذه الحالة كأنه باع من ماله على نفسه، وهذا لا نعلمه في الفقه الإسلامي. بالنسبة لما ذكره أيضًا الدكتور سامي والدكتور القري – جزاهما الله خيرًا – في مسألة الكمبيالات والسندات وبيعها. الدكتور سامي قال بأن الصرف. . . والذي أود أن أقوله عندي تساؤل: هل الكمبيالة نقود فنطبق عليها أحكام النقود الورقية ونطبق عليها ما سبق أن قرره المجمع بشأن الشيك وبالتالي فإن بيعها يعتبر صرفًا ويبتدئ به شروط الصرف، أم هي سلعة وبالتالي تطبق عليها أحكام السلع ويجري فيها الخلاف بين الفقهاء في بيع الدين؟ الواقع والذي أعتقده أنها ليست سلعة وليست نقودًا وإنما هي وثيقة لإثبات هذا الدين لا تطبق عليها أحكام الصرف ولا تطبق عليها أحكام السلع وإنما هي دين. هذا ما أحببت أن أعقب به. وشكرًا للجميع.

стр. 17713

الشيخ القاضي محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. . أما بعد؛ فأشكر جميع الإخوة الذين أثروا هذا النقاش بتدخلاتهم القيمة، والذين عقبوا على البحوث الواردة وخاصة على بحثي إما إيجابيًّا أو سلبيًّا. وإنني أريد أن أركز في هذا الوقت على الجواب عما جاء به كثير من الإخوة عن البدائل التي اقترحتها لسندات الدين أو لحسم الكمبيالات. فذكر العلامة وهبة الزحيلي – حفظه الله تعالى – أني قد أتيت بتخريجات لحسم الكمبيالة. ولعل فضيلة الشيخ وهبة لم ينتبه إلى تخريجي لحسم الكمبيالة، وإن البحث كله منصب على تحريم حسم الكمبيالة. ولكنني أتيت لحسم الكمبيالة ببدائل مقترحة، فأتيت لها بثلاثة بدائل: البديل الأول الذي ذكرته هو أن حسم الكمبيالات إنما يحتاج إليه التاجر الذي يبيع بضاعته ثم يريد أن يعجل القيمة ليسدد بها ديونه إلى التجار أو الصناع الذين اشترى منهم البضاعة. فأنا اقترحت أن يكون هناك مشاركة مع البنك وبين هذه الجهات، وقد تساءل فضيلة الدكتور سامي حسن حمود – حفظه الله – من أنه هل تكون هذه المشاركة بعد التصدير أو قبل التصدير؟ ففي البحث نفسه قلت: يعقد التجار مشاركة مع البنك قبل تصديرهم للبضاعة، فلست آذن إذن للمشاركة بعد التصدير، لأنه إذا صدر فكأنه باع البضاعة ولا سبيل إلى إحداث المشاركة بعد ذلك. وإنما المقصود هو أن يحدث المشاركة قبل تصدير البضاعة. وعلى ذلك اعترض فضيلة الدكتور سامي حسن حمود بأنه ليس مع الكمبيالة، أنا أقول لا يسمى كمبيالة ولا يكون مثل الكمبيالة وإنما أقترح البدائل للمعاملات المصرفية، فلسنا نقصد أن نحكي أو نقبل جميع ما يجري في البنوك التقليدية بحججها وإنما نقصد أن نحصل على الآراء الصحيحة من واقع هذه العمليات، فإذا حصلنا على ذلك الغرض بدليل آخر ولو كان ذلك الدليل لا يسمى كمبيالة، فليس هناك مانع لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية العملية. فأنا لا أسميه كمبيالة، ولكن يسند هذا الغرض بدليل أحداث هذه المشاركة. أما البديل الثاني: وقد تساءل فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي – حفظه الله تعالى – أنه هل هي مشاركة أم هي مضاربة؟ فالواقع أن كلمة (المشاركة) المعاملات المصرفية فإنها تشمل المضاربة والشركة وفي بعض الأحيان مجموع المشاركات والمضاربات، فالمقصود هنا أنه هناك مشاركة في تقسيم الربح سواء كان عن طريق المضاربة أو عن طريق المشاركة أو عن طريق مجموعهما.

стр. 17714

أما البديل الثالث الذي طرحته فهو أن يبيع البنك البضاعة المعينة تجاه هذه الكمبيالة. وقد تساءل فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي كيف يدخل البنك في هذه الأعمال التجارية بينما لا تسمح القوانين البنكية اليوم للبنوك أن تدخل في التجارة مباشرة؟ فالجواب أننا عندما نقترح بديلاً للمعاملات المصرفية فلا أقصد أن يكون الموجودة إنما أقصد أن يكون هناك معاملات مصرفية مطبقة على أساس التشريع الإسلامي وعلى أساس القوانين الإسلامية، فإذا منعت البنوك من الدخول في التجارة فلا سبيل إذن إلى إحداث الأعمال المصرفية الإسلامية إطلاقًا، لأنه لا تصور للبنوك الإسلامية إلا بأن تكون في التجارة، والتصور الإسلامي للبنوك ليس هو كما تصور البنوك التقليدية أن لها وظائف فقط، وأنها تقدم أموالاً وتتعامل في الأوراق وتتعامل في النقود فقط. أما البديل الرابع الذي ذكرته كبديل عن حسم الكمبيالة وهو عقد الوكالة وعقد القرض. فقد تساءل فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي – حفظه الله – في أنها مقابل المجهول فهل تعطى في كل حال؟ فالجواب: نعم تعطى في كل حال، لأنها في مقابل المجهول، وبهذا ينفصل حسم الكمبيالة عن هذه العملية، ولا أجيز هذا الطريق إلا بأن تكون الأجرة موحدة سواء كانت مدة الكمبيالة أكثر أو أقل ولا ترتبط بالزمن، وألا يزاد في أجرة الوكالة بسبب القرض الذي أقرضه البنك فإنه يكون حينئذ قرضًا جر منفعة. وعلى هذا الأساس يكون الجواب عمن قال: إنه يكون تحايلاً على الربا فإنما يجيزه هو على أساس هذه الشروط، ما دامت هذه الشروط مطبقة فأنا أقبله وإن لم تطبق فهذا يكون خارجًا عن الطريقة الإسلامية. تكلم بعض الإخوة فقالوا: إن البديل الذي ذكرته في القطاع العام من إصدار سندات بدون فائدة، يقال: من يشتري هذه السندات. . .؟ والجواب قد تقدم به بعض الإخوة أنه في الواقع إنما يستخدم هذا الطريق بعد استنفاذ جميع الطرق التي اقترحتها فيما قبل من المشاركة والمضاربة وأوراق التأجير وما إلى ذلك. فإذا كانت العامة والشعب واثقين بالحكومة بأنها لا تنفق هذه الأموال في ترف وتنعم، فإنه يكون بسبب عاطفته الدينية أو الوطنية فيقدموا هذه القروض وفي الوقت نفسه تكون هذه الأموال مضمونة لديهم. وبهذا القدر أكتفي، والله أعلم.

стр. 17715

الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم. أردت من تدخلي هذا أن أوضح المسألة التي نسبتها إلى المالكية واعترض عليها بعض الإخوة وهي: بيع الدين بالدين، وقلت: إن هذه اصطلاح المالكية في بيع الدين بالدين لغير من عليه الدين خاصة. أما بيع الدين بالدين لمن عليه الدين فهذا يسمونه فسخ الدين في الدين. وفرقوا في الحكم بين هاتين الصورتين. الصورة الأولى هي أشدها منعًا عند المالكية وواضح أنها يترتب عليها ربا وهو ربا الجاهلية، له عليه ألفا ألف ومائة تدفع بعد شهر، واضح هذا ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، ولذلك شددوا فيه ومنعوا في هذه الحالة أن يباع ولو بسلعة أي بمعين يتأخر قبضه، لا يجوز له بيع سند المبلغ الذي في ذمتك بسيارة يسلمها لك، سيارة معينة وليست في الذمة، إذا كانت في الذمة اسمه دينًا، سيارة معينة وموصوفة ولكن لا يسلمها في الحال، هذا منعوها أيضًا قفلاً لهذا الباب في فسخ الدين بالدين أي في بيع لمن عليه الدين. أما بيع الدين بالدين، أي بيع الدين لغير من عليه الدين، فأجازوا فيه هذه الصورة وهي أن يبيع له الدين الذي عليه بسيارة معينة ومعروفة ليست في الذمة لكن يتأخر قبضها. والواضح من هذا أنه إذا كانت هذه الصورة يجوز فيها البيع بسيارة يتأخر قبضها فمن باب أولى يجوز فيها البيع بسيارة مقبوضة في الحال، وهذه مسألة بدهية لذي نظر، لأن هذا الشخص الدائن كأنه اشترى هذه السيارة بالدين الذي في ذمة المدين فهي شبيهة ببيع سلعة بثمن معين، هذا الثمن هو الدين، فكيف نقول بعدم جوازه؟! ولم أرَ غير المالكية نصوا على هذه الصورة، وفعلاً هذه الصورة تحل لنا مشكلة بيع الكمبيالات وبيع السندات، وكلها واحد. وبالنسبة للسؤال: هل السند نقود؟ لا، السند ليس نقودًا بل هو وثيقة، لا إشكال في هذا، والذي يباع هو الدين، فعندما يبيع السند أو يبيع الكمبيالة يبيع الدين، والدين عرف بأنه مال، فهو يبيع مالاً، فلا مانع من هذا. ولذلك يطبق عليه جميع أحكام بيع المال، فإذا بيع بمال لا يجوز في جميع الأحوال، لا كلام في هذا حتى ولو دفع المبلغ في الحال لأن الدين مؤجل، فهذا واضح. هذه هي الصورة التي أردت أن أوضحها لما وقع فيها من لبس.
следующие страницы →