← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17816–17855 · переход к 17821.

стр. 17816

فأنا عندي عملة ولا يمكن أن أتصرف فيها وأنا في المدينة التي لا تستعمل فيها هذه العملة، لا بد من صرفها. إذن بيع النقود بالنقود إذا توفرت الشروط فهو لا غبار عليه. لكن القضية قضية خطيرة وعندي سؤلان أوجههما إلى الأخوين اللذين قدما البحثين الأخ شوقي والأخ أحمد محيي الدين. السؤال الأول للأخ شوقي: ذكر الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الماليزية منذ شهر بالضبط وإثبات قيمة الصرف، أسأله لأنني على علم بأن هذه الإجراءات لا تستمر مدة طويلة، لا يمكن ذلك اقتصاديًّا، ولكن كونه خبيرًا اقتصاديًّا أسأله: ما هي مضاعفات هذه الإجراءات؟ وإلى أي مدى تستمر؟ وما هي التكلفة الأساسية على الحكومة الماليزية في هذا؟ ثم أخي أحمد محي الدين أسأله لأنه يقترح أن يكون لولي الأمر سلطة في ضبط هذه الأمور، ونحن نعرف أننا نعيش في عالم يسمى بالعولمة وكأننا نعيش في قرية صغيرة لا يستطيع أي فرد منا أن يتحكم في شيء، ولا نستطيع إلا أن نتجاوب معهم، وأعود وأقول إن التكهن في مستقبل العملات هذه أكبر مشكلة تواجهنا، وأخالف من يقول إن السبب الأساسي ليس هو المضاربة، وأنا أعيش بالمنطقة، وأعرف أنه لو لم تكن هناك هذه التكهنات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنخفض قيمة العملة بنسبة (٦٠ %) في مدة شهر أو شهرين لا يمكن ذلك. اختلاسات سوء الإدارة، والمحسوبيات، هذه مشاكل نعرف أنها تؤثر في التنمية الاقتصادية، لكن آثارها تأتي لمدة طويلة ولا تنحصر في شهر أو شهرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17817

الأستاذ صباح زنكنه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. في الواقع نحن أمام عدة مستويات في هذه الأزمات، هنالك المستوى الوطني كما شهدنا من الكلمات، وهنالك المستوى العالمي والدولي، وهنالك مستوى آخر يرجع إلى البنية الاقتصادية المعتمدة على القروض والفائدة. الأسباب ذكرها السادة الأعزاء. هنالك ارتفاع في العجز في الحساب الجاري للدول وهذا العجز صاحبه هبوط في ميزان التبادل التجاري وهنالك سرعة هروب رأس المال الأجنبي عمومًا والمحافظ الاستثمارية خصوصًا مما أدى إلى ظهور الفقاعة في قيمة الأصول. هنالك الاستقراض الأجنبي قصير الأمد الذي يحمل فوائد أكثر ويهز الاقتصاد الوطني. هنالك ضعف المؤسسات المالية الوطنية. هنالك ضعف في الإدارة العامة ومآسيها. هنالك المؤسسات المالية الوطنية. هنالك ضعف في الإدارة العامة ومآسيها. هنالك الآثار النفسية السيئة التي تنتج عن انعدام الشفافية ونشر المعلومات الصحيحة مما تفقد الناس ثقتهم بالاقتصاد. هنالك الإغراق في زيادة كمية النقود عن طريق استخدام بيع سندات القروض. في المستوى العالمي كما تلاحظون بدأت الأزمات في عدة أماكن وهي لا تخص العالم الإسلامي فقط، هنالك في شرق آسيا وفي روسيا وفي أوروبا أيضًا ولكن تلافوها بقدر ما، وفي أمريكا اللاتينية أيضًا، هذا يؤدينا إلى نتيجة معينة وهي أن الهيكلية والبنية التحتية للاقتصاد الرأسمالي مصابة بضعف أساسي، ولا بد من إصلاحه، وهذا الإخفاق أعاد إلى الذهان الإخفاقات السابقة للنظام الشيوعي، وهنالك اتجاهات منها ما يسمى بالطريق الثالث لإعادة النظر في التنظيم العالمي للاقتصاد، وهنالك أقوال لشخصيات اقتصادية قد تقترب إلى النظام الاقتصادي الإسلامي كـ (موريس آليه) الفرنسي الحائز على جائزة نوبل والذي تكهن بهذه الأزمات قبل فترة ليست بالقصيرة حينما يقول: في كل مكان أصبحت المضاربة على العملات والأسهم مدعومة بالائتمانات إذ يستطيع المرء أن يشتري بدون دفع وأن يبيع دون أن يملك مما يؤدي إلى أزمات كثيرة. أهم النتائج والدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذه الأزمة: أولاً: على الدول الإسلامية خاصة أن تدرك أن الجهود الدولية التي دخلت لفض هذه الأزمة والمساعدة عليها لا يمكن أن تؤدي لوحدها لحل الأزمة وإنما يمكن أن تؤدي دورًا داعمًا فقط. ثانيًّا: أن حجم تداول العملات العالمية وبكميات هائلة، أو ما يسمى بالنقود الساخنة تجعل من المشكك فيه أن تستطيع السياسات الوطنية والمحلية لوحدها أن تكون قادرة على صيانة التحولات الاقتصادية المفتوحة من انهيارات وتضخم السوق. ثالثًا: أن الدول التي تستهدف درجة عالية من النمو تحت ظروف التجارة الحرة المفتوحة وسياسات الاستثمار المعروفة عليها أن تضع أولوية لتطوير القطاع المالي والطاقة المؤسساتية والقدرة المؤسساتية لتتمكن من التعامل مع التغييرات الحادة في الأسواق. رابعًا: أن سياسات الاستثمار في الدول الأعضاء يجب أن تستعمل لتغيير اتجاه حركة الاستثمارات وتركيبتها؛ لخلق وتشجيع القطاعات الأساسية، كالبنية التحتية ونشاطات الزراعة والقطاع الزراعي. خامسًا: أن السماح بحرية تبديل العملات وتدفق رؤوس الأموال قد تكون أهدافًا مطلوبة على المستوى البعيد، لكنها تحتاج إلى أسلوب أنسب للدول الإسلامية في إيجاد علاقة بين تحرير حسابات رأس المال من جهة وبين التقدم في التجارة وتبادل المنابع الخارجية وتطوير القطاع المالي من جهة أخرى. سادسًا: أن أهم خطوة للبدء في عملية الاندماج في السوق العالمية لرأس المال هي امتلاك النظام المصرفي الكفء والقوي والمنضبط بالشرع الإسلامي.

стр. 17818

سابعًا: أن يتم المحافظة على التوازن بين القطاعات المختلفة في النمو لا أن يطغى قطاع على قطاع آخر. ثامنًا: الاستفادة من أدوات التمويل غير الافتراضية بحيث تساعد على عزل البنوك من الانهيارات والهزات المالية. تاسعًا: في حالة تعرض اقتصاد ما لخطر اقتصادي أو مشاهدة علامات مبكرة لأزمة ما يجب عدم التأخير باتخاذ الوسائل التصحيحية. عاشرًا: أن النظام الاقتصادي يجب أن يشمل الانتظام في القطاعات أيضًا وحتى ينزل إلى مستوى المشاريع نفسها أيضًا. الحادي عشر: لإدارة القروض الخارجية يجب الاحتفاظ بتوازن بين مجمل القرض العام – الذي يشمل قرض الدولة وقرض القطاع الخاص – وبين الاحتياطي الخارجي، وهذا ما لم نشهده في اقتصاديات شرق آسيا، وكان الاحتياطي الخارجي أقل من القروض الأجنبية. الثاني عشر: لاجتناب الأضرار يجب أن تعطى إدارة الأزمات، هنالك إدارة متخصصة بالأزمات، يجب أن تعطى هذا النوع من الإدارة أهمية مركزية في النشاطات المالية. ما هي الجهود التي يمكن أن تتخذها البلدان الإسلامية في هذا الاتجاه؟ أولاً: نظرًا لمحدودية الجهود الوطنية والمحلية للحصول على رأس المال الخارجي فإن بعضًا من التفاهم بين هذه الدول للدخول في المستويات الدولية سيكون ضروريًّا للتأثير على اتجاه حركة رأس المال وتركيبته بدلاً من أن يفرضوا هم علينا التركيبة التي يدخل فيها رأس المال في القطاعات وأن نغير من هذه التركيبة بالتنسيق بيننا. ثانيًا: التعاون الدولي للدول الإسلامية عبر القطاع المصرفي والوسطاء الماليين والوسائل الأخرى يمكن أن يساعد في تنظيم الأمور. ثالثًا: الحاجة لإمكانية دراسة إيجاد صناديق إقليمية تساعد على الاستقرار في حالة بروز وظهور أزمة ما. رابعًا: تشجيع استعمال العملات المحلية المجدية بين الدول الإسلامية، ويمكن أن يساعد على إيجاد أسواق مالية جديدة. وكذلك تشجيع وزيادة سهم التجارة البينية بين الدول الإسلامية بدل أن ترتكن الدول الإسلامية للتجارة مع الدول الأخرى وتتعرض اقتصاديتها بين آنٍ وآخر إلى هزات كبيرة من السوق العالمية؛ يمكنها أن تنمي السوق التجارية فيما بينها وتحصن اقتصادياتها. خامسًا: إيجاد نظام تنبيه مبكر حول تطورات المال في الدول الأعضاء يمكن أن تقام هذه المراكز إقليميًّا. سادسًا: ضرورة إيجاد زيادة عدد وكالات ومؤسسات الاعتمادات بغرض تشجيع وتسهيل الاستثمارات البينية بين الدول الأعضاء أنفسها. سابعًا: تشجيع دور البنوك الإسلامية في تحسين الاستقرار الاقتصادي والمالي بعيد المدى في الدول الأعضاء. ثامنًا: الاستفادة من الأجواء النفسية الإيجابية. هذه الأزمة أدت إلى نوعين من الآثار النفسية. آثار سلبية أدت إلى تفكك الاقتصاد، وآثار إيجابية. الآثار الإيجابية نجد أن هنالك تقبلاً أكبر للبنوك الإسلامية والأساليب الإسلامية في التعاملات المالية والنقدية، وعليه يجب بذل جهود أكبر لتشجيع انتشار هذه البنوك. تاسعًا: يجب تطوير طرق التمويل الإسلامية الجديدة والتي يمكن أن تخدم النمو الاقتصادي. عاشرًا: بذل جهود أكبر لتحريك المنابع الإسلامية وغيرها لدعم مسيرة المعافاة الاقتصادية في الدول المتأثرة. الحادي عشر: يمكن تقوية دور البنك الإسلامي للتنمية أيضًا كمحفز وكبنك كبير يمكنه أن يصبح بنكًا رئيسيًّا لدعم الدول الإسلامية المصابة بالأزمة. الثاني عشر: بذل عناية خاصة لخلق أجواء مساعدة لجذب الاستثمارات البينية. وشكرًا لكم.

стр. 17819

الشيخ مختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. أفتتح كلمتي بالشكر والتقدير للعارضين زيادة على المعلومات الدقيقة في الميدان الاقتصادي التي كشفت لنا عن وجوه كنت أجهلها من قبل، والتي تساعدنا على فهم أدق للمشكلة من جميع نواحيها، بجانب ذلك قد حرك أوتار قلبي بالعربية الدقيقة المنمقة التي لا أجدني أطرب كما أطرب لرجل مفوه في اللغة العربية يتناول بها كل القضايا، فشكرًا لهما وتقديرًا وزادهما الله فصاحة وبيانًا وبلاغة. الأمر الثاني الذي أريد أن أخلص إليه هو أنه من هذه العربية التي ارتوينا منها جميعًا، والتي لا يستطيع فقيه أن يبحث في الأحكام الشرعية دون أن يكون على حظ وافر منها، أقول: إن القضية الأولى أن ابن مالك لما تحدث في باب الحال قال: إن الحال لا بد أن يكون مشتقًا ولا يجوز أن يكون جامدًا، وإذا جاء جامدًا فلا بد من تأويله. وضرب لذلك مثلاً في بيته لما قال: كبعه مدًا بكذا يدًا بيد وكر زيد أسدًا أي كأسد وقد أخذ هذا المثال اقتباسًا من حديث رسول الله ﷺ : ((يدًا بيد)) ، وقال: إنه لا يفهم على عربية لا يفهم على هذا المنطوق المادي ولكنه يفهم على التأويل أي مناجزة. فإذا أخذنا بكلمة (المناجزة) التي هي مفهوم الحديث حسب ما فهمه أئمة اللغة فإن (المناجزة) يصبح فهمها ينطبق على الوقائع باعتبار تحقيق المناط لهذه المناجزة. فالتعامل في الصرف أو في المبادلة – المبادلة إذا كانت ذهبًا بذهب والصرف إذا كان ذهبًا بفضة أو فضة بذهب والمراطلة إذا كان وزنًا كما هو معلوم لديكم جميعًا – لهذه المناجزة في عهده لا تقع إلا بين آخذ ومعطي كلاهما يواجه الآخر. اليوم أصبحت هذه القضية تقع بين رجل في المغرب الأقصى وآخر في أندونيسيا وتتم بينهما المناجزة ويتم بينهما الصرف. والصرف بين رجل في أندونيسيا ورجل في المغرب الأقصى ليست على وزن المناجزة التي تقع عند الصراف في متجره، وهذا لنا فيه سابقية، فنحن في مجمعنا هذا أخذنا قرارًا بالقبض وأعطيناه مفهومًا حسب تطور العالم وأصبح تبادل الوثائق مقبولاً كقبض للسلعة، ولذلك أفهم أن المناجزة عندما تتم بطريقة لا رجوع فيها لأحد الطرفين ولا يمكن لأحد الطرفين أن ينكر الآخر لكن ما تتم مناجزة الأمور به حسب الواقع هو مناجزة ولا يخرج عن المناجزة وإن تأخر حتى يومين كما قال بعض الخبراء.

стр. 17820

الأمر الثالث: وقع الحديث عن المتاجرة بقصد الربح. إذا أباح الله شيئًا فقد أباحه بكل ما يترتب عليه وهو أعلم، وسبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ، ولنا في هذا سابقية في الحج ﴿ِليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] . فالتفريق بين هذا جائز وهذا لا، ما اقتنعت بالدليل الذي اعتمد إليه الذاهب إلى ذلك. كما أن الربح السريع لم يحرمه الشرع. حرم الغش وحرم الخداع، حرم كل شيء، أما الربح السريع فذلك رزق يرزقه الله من يشاء، وكما يتحقق الربح السريع تتحقق الخسارة السريعة. فهذا الذي دخل السوق ربح أو خسر إنما جاءه قدر الله الذي قدره له. الأسهم: أخذنا قرارًا في مجمعنا على أنها تمثل حقًا في موجودات الشركة، ولذلك قلنا: لا تباع قبل أن تتحول هذه الإسهامات الأولى إلى أعيان، فإذا تحولت في معظمها إلى أعيان أصبح يجوز بيع السهم باعتبار أن المقابل هو ما يأخذه المسهم وما يدخل في ملكه على حسب الاشتراط من الأعيان، ولهذا يجوز له أن يأخذ السهم طمعًا في الربح الذي يتحقق للشركة في نهاية السنة ويجوز له أن يشتري السهم ليربح فيه إذا غلا السهم، وغلاء السهم يتبعه أيضًا إمكانية رخصه وخسارته، وهذا حلال ولا أستطيع أن أقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز وأنه لا فارق بينهما. جاءت قضية المضاربة من جمال لغتنا العربية واسمحوا لي إذا رجعت إلى العربية دائمًا. من جمال لغتنا أن فيها الاشتراك وأن الاشتراك يكون حتى بين الضدين، وكثير من الكلمات تستعمل في الشيء وضده ويؤخذ المعنى حسب المقام، ثم إن اللفظ بعد الاشتراك يأخذ في سوق الكلام قبولاً عاما إلى أن ينقلب إلى حقيقة عرفية خاصة أو إلى حقيقة عرفية عامة، وكما تعلمون فقد أفاضالقول في هذا الإمام القرافي في (الفروق) وأبدع رحمة الله عليه. فكلمة (المضاربة) هي كلمة مستعملة في معنيين، معنى شرعي هو القراض، ومعنى محرم شرعًا وهو القمار، فاستعمالها لا حرج فيه وهو جار على عرف عربي معلوم. استمعت اليوم إلى أن المباح يقع على قسمين: قسم يعتمد فيه الإباحة الأصلية، وقسم هو مبني على الإباحة التي وجد بها نص شرعي، وأن هناك من قال إن التحقيق فرق بينهما. هذا التحقيق أؤكد أنه ليس تحقيقًا ذلك أن تتبعي القاصر للأحكام الشرعية في مفهومها ما وجدت رجلاً اعتنى بها اعتناءً كاملاً كـ الشاطبي في الجزء الأول من (الموافقات) . وما اعتنى الشاطبي من بين الأحكام الشرعية كاعتنائه بالمباح. فقد اعتنى بالمباح اعتناءً دقيقًا وتتبعه تتبعًا دقيقًا واعتمد في ذلك على النصوص الشرعية، وما وجدت له أن هناك مباح ونصف مباح!! فالتفرقة بين هذا وذاك هو أمر لا أساس له إلا أن الله تعالى يبيح لنا أشياء وينص على إباحتها – هي مباحة بالعرف الأصلي – تأكيدًا. والذي فهمته واقتنعت به بعد تتبعي للمباحات الشرعية المنصوص عليها هو إشارة للامتنان الإلهي حتى تنطلق الألسنة بالشكر على من علله عليهم بالإباحة. وإذا تتبعنا الآيات التي وردت فيها الإباحة وجدنا أن الإباحة يتبعها الدعوة إلى الشكر وللاعتراف بالفضل وإلى النظر في التيسير، فقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] ، فهذه إباحة وأكدها وأراد أن تطبق، لكن إذا أخذت دولنا اليوم بمنع هذا المباح وأرادت أن تحتفظ بحدودها القومية ولا تترك واحدًا يدخل مع أنه جاء في معرض الامتنان والتحريض عليه، فهذه طريقة استعملها الشارع وهي معنى المباح وأن التحليل فيه إظهار المزية وأن ولي الأمر أخذ قرارًا يمنع غير المواطن من دخول بلده إلا بتأشيرة، وكلنا يأخذ تأشيرة قبل أن يقدم. وتارة المباح ينص عليه بقصد إظهار التوسعة مع بيان أن عدم الأخذ بالتوسعة أولى، وفي هذا كثير من المباحات التي أباحها الشرع إظهارًا للتوسعة، ولكنه ينص مع ذلك أن عدم التوسعة أولى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وهنا أنهي كلامي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 17821

الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. لقد سمعت كلامًا عجبًا من أحد الإخوة العلماء الأفاضل، هذا الكلام فهمت منه أنه فهم من كلامي أنني أمنع الصرف، وقد أكد هذا بعبارات لا لبس فيها، فخاطبني بأني إذا دخلت بلدًا ألا أحتاج إلى صرف ما عندي من نقود؟ نعم أحتاج وهذا جائز وهذا هو الصرف. ثم قال لي: كيف يقول الرسول ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة)) وهناك من يمنع الصرف فهل نسمع كلامه أم نسمع كلام الرسول ﷺ ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، نسمع كلام الرسول ﷺ . ما كنت أعتقد أن أحدا يظن أن في هذا المجلس من يقول بمنع الصرف. إن الذي قلته هو: أن المضاربات أو المقامرات لا تجوز شرعًا، وأقولها وأكررها المضاربات، المقامرات، المجازفات التي تجري في الأسواق المالية الآن لا تجوز شرعًا وهي ليست بصرف، وأيدت هذا بكلام ربما هو الذي أدى إلى سوء الفهم وهذا خطأ مني، لذلك أريد أن أصححه بعبارات واضحة. حدث خلاف بين الأئمة الأربعة، في المذاهب الأربعة هناك خلاف في الأصل في الصرف، الصرف الذي جوزه الرسول ﷺ في أحاديثه، هل الأصل فيه الجواز أم الأصل فيه المنع؟ وإنما جاز لحاجة الناس إليه بهذه النصوص. هذا هو الذي قلته تأييدًا لرأيي في منع المجازفات لأن الفقهاء إذا كان اختلفوا في أصل الصرف بشروطه الضيقة المعروفة فقال بعضهم، ولم أكن متأكدًا من المذهب الذي قال بهذا، وقد دلني أحد الإخوة بأنه المذهب الحنفي: يقرر أن الأصل في الصرف المنع وإنما جاز لحاجة الناس إليه. ومعروف عندكم جميعًا أن ما جاز للحاجة يقتصر فيه على موضع الحاجة ولا يجوز أن يتعداه إلى غيره، فما حدث يحدث الآن في الأسواق المالية هو تعد واضح لهذه الحاجة، فإذا قلنا بمنعه فليس هذا أننا نقول بمنع الصرف، ولا أدري كيف يفهم هذا من هذا؟! يسأل عن الحد الفاصل بين المتاجرة والمجازفة. والله أظن أن هذا واضح لا يحتاج إلى توضيح وما يحدث في الأسواق المالية واضح الآن. الصرف هو جاز كالمثال الذي واجهني به، دخلت البلد وأحتاج إلى نقود وأصرفها. المتاجرة التي ذكرها الأخ الفاضل أن العلماء أجازوها هي المتاجرة في زمانهم، وليست هذه المجازفة والمقامرة التي تحدث الآن في الأسواق المالية، وأعتقد أن هؤلاء العلماء الذين أجازوا المتاجرة لو عرضت لهم هذه المسألة ما ترددوا في منعها، ولهذا قلت: إنه على فقهاء العصر أن يمنعوا هذه المقامرات خصوصًا بعد ما ثبت ضررها الظاهر. وشكرًا لكم.

стр. 17822

الدكتور منذر قحف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الحقيقة لا بد لي باعتبار أنني أتكلم للمرة الأولى في هذا الجمع لا بد لي أن أشكر مجمع الفقه الإسلامي ووزارة الأوقاف في دولة البحرين على الجهد الطيب في التحضير والإعداد لهذا المؤتمر، وأن أشكر الكاتبين على ما كتباه وما قدماه من معلومات ممتازة وجيدة في هذا الموضوع. هناك نقاط كثيرة قد أغناني عنها كثير من الإخوة وسأقتصر على المهم مما لم أشعر أنه قد أغني عنه إلا أنني أريد أن أبدأ بالنقطة الأخيرة جدًّا التي أثارها فضيلة الشيخ الضرير. في الحقيقة أنه لا يمكن التمييز، ووضع حد فاصل بين المضاربة والمتاجرة، لأن كل تاجر يشتري بقصد البيع بسعر أعلى، فهو بهذا المعنى مضارب، والتمييز إذا رأينا أنه إذا اشترى من الصراف البسيط في شارع من شوارع مدينة صغيرة فذلك الصراف يشتري من صراف جملة، وصراف الجملة متصل بالأسواق العالمية، فهو جزء من تلك الأسواق العالمية لا يستطيع أن يخرج عنها. التمييز بين المضاربة والمتاجرة بالعملة غير ممكن ولا يمكن وضع حدود على الرغم من الظن بأن الحدود واضحة. الحدود في الحقيقة غير واضحة أبدًا. الذي يمكن هو التحقيق من غلواء المضاربة والتخفيف من حرارة الأسواق، وهذا متيسر بأول قيد وضعته الشريعة وهو منع الصرف الآجل، هذا قيد كبير بكل تأكيد هو بنفسه يزيل جزءًا كبيرًا من حرارة المداولات في أسواق العملة ومثلها أيضًا في أسواق السلع الأخرى. النقطة المهمة التي أردت أولاً أن أبدأ بها هي أنه إذا أردنا أن نصل إلى توصية تتعلق بما حصل من أزمات نقدية تفاقمت إلى غيرها في بلدان جنوب شرق آسيا، مع ملاحظة أن هذه البلدان ليست فقط هي البلدان الإسلامية فهناك بلدان إسلاميان من ثلاثة حصلت بهما أزمة، وهناك بدلان حصلت بهما أزمة بنفس الشدة وهما غير إسلاميين، وهناك بلد ثالث وهو اليابان حصلت به أزمة أيضًا إلا أنها أقل شدة.

стр. 17823

الأسباب الحقيقية وراء ذلك هي ما أشار إليه قبل ذلك (موريس آليه) وجود بنية مالية ونقدية كبيرة على قاعدة صغيرة من السوق الحقيقية من الإنتاج والتعامل الحقيقي. فهذا التناقض بين السوق المالية والنقدية، أو هذا الاتساع الكبير بالسوق المالية والنقدية مقابل وجود قاعدة صغيرة هو الذي أنتج بهزة بسيطة لا يوجد في السوق عمق يستطيع أن يمتص مثل الهزة فتقع الأزمة، وهذا ما حصل في تايلاند وكوريا وأندونيسيا وماليزيا ثم في اليابان. مثل هذه المشكلات قد حصلت أيضًا في بلدان أخرى، حصلت في بلدان رأسمالية مرات عديدة، ولكن سعة الإنتاج الحقيقي للاقتصاد استطاعت أن تستوعب الهزة، ولم تؤثر عليه وتجاوز الهزة. وفي بلدان ضعيفة فيها القاعدة الحقيقية للإنتاج والتداول حصلت بها أيضًا هذه الهزات، فهل يمكن علاجها بالطرق التقليدية؟ أيضًا ينبغي أن نلاحظ أنه يمكن علاجها وقد عولجت في بلدان عديدة بالطرق التقليدية الربوية نفسها فكيف نقول إن الربا هو السبب؟ أنا أقول إن الربا من الأسباب المهمة وسائر المعاملات المحرمة ولكننا ينبغي أن ندرك الواقع أيضًا. لو أن هذه البلدان لم يكن فيها ربا لكانت قدرتها على تخطي الأزمات – أنا أتكلم عن البلدان الغربية ذات العمق الاقتصادي وعن البلدان غير الإسلامية غير ذات العمق الاقتصادي التي استعملت علاجات ربوية ونجحت في هذه العلاجات، كان ذلك ممكنًا لأنه أمكن ضخ كميات كبيرة من المساعدة الأجنبية بأشكال متعددة – قروض وغيرها ومعظمها ربوي – من أجل إنقاذ ذلك الاقتصاد. العلاج إذن ممكن بالطريقة الربوية وكان يمكن أن تكون الأزمة أخف لو أنه لم يوجد ولم توجد المعاملات غير المشروعة، لأن حرمة الربا وحرمة المعاملات غير المشروعة تخفف من حرارة السوق. يعني الأمر واضح مثلاً التمويل في المصارف الإسلامية حتى تمويل المرابحة الذي يعترض عليه أو يتحرج منه بعض الناس، هذا التمويل هو تمويل سلعي حقيقي ليس فيه قلب للديون مثلاً، وليس فيه زيادة للديون، وليس فيه تطوير وتوريق للديون، بينما التمويل الربوي يمكن أن يحصل فيه كل هذا، فتقوم أهرامات فوق أهرامات، أو طبقات فوق طبقات مما يسمى بالهرم المعكوس، هذا لا يحصل في التمويل المشروع. فإذن الدعوة إلى ضرورة الالتزام بالقواعد الشرعية في المعاملات المالية من تحريم للربا وتحريم للمعاملات الأخرى (الصرف الآجل وغير ذلك وتبايع الديون) هذه دعوة ينبغي أن نقدمها حقيقة للعالم كله وبخاصة للبلدان الإسلامية، وأن نطالبها بأن تعيد تنظيم أسواقها الآلية على المنهج الشرعي، لأنه يخفف من حدة هذه الأزمات. هذا لا يكفي وحده نحتاج فوق ذلك إلى حكمة في إدارة السوق المالية والسوق النقدية في إدارة السياسة المالية والنقدية بصورة عامة، إلى حكمة كثيرة ينبغي أن نؤكد عليها أيضًا. جانب آخر ذكره الدكتور المرزوقي. أنا أقول إنه في المعاملات الدولية النقدية لا بد من بضعة أيام (يومان أو ثلاثة) حتى يحصل القبض وحتى يحصل القيد (الدائن والمدين) لحساب كل متعامل. أما العملية تبدأ فور التعاقد فهي تبدأ فور التعاقد، فيؤخذ مثلاً من حساب أحدهما، ولكن لا يسجل له ما اشتراه إلا بعد مرور هذين اليومين بسبب المبادلات الدولية وما يستغرقه من زمن للاتصال، أما في المعاملات المحلية فيمكن هذا. لذلك يمكن القول أنه من الممكن إعادة تنظيم الأسواق النقدية والمالية المحلية بحيث يكون فيها قبض فوري لا يستغرق الأيام خلافًا للأسواق العالمية.

стр. 17824

نقطة أخرى، أرجو أن تكون اقتراحاتنا فيما يقع في أيدينا وفيما نستطيع كمسلمين وكمجتمعات إسلامية وكبلدان إسلامية أن نفعله؛ فلا تكون اقتراحاتنا تتعلق بما يطالب به الغير أن يفعله، لأن ذلك ليس في أيدينا وخارجًا عن مقدورنا. وأيضًا ألا نبني تصوراتنا على أشياء قديمة قد تجاوزتها الأمة وقد تجاوزها الناس كلهم مثل الغطاء الذهبي. الغطاء الذهبي يعني المطالبة بالعودة للغطاء الذهبي كالمطالبة للعودة لركوب الخيل بدلاً من الطائرات. في الحقيقة هي من نفس النوع. فينبغي أن نبتعد عن هذا. ثم لا نبني أيضًا آمالنا على أن الرأسمالية ستنهار، اطمئنوا أيها السادة العلماء إن الرأسمالية لن تنهار في حياتنا على الأقل نحن، وهي لن تنهار بهذه السرعة والكتب التي تتحدث عن انهيارها قديمة جدًا. وشكرًا لكم. الرئيس: شكرًا لعله غلط سمعي أو أنه صحيح أن بعض الدول التي سميتموها وجدت حلا لمشكلتها في بعض المعاملات الربوية. فما أدري هل ذكرتم الشيء هذا؟ الدكتور منذر قحف: المكسيك مثلاً حصل فيها هذا. الرئيس: مثل هذه الأشياء ينبغي التوقي من ذكرها، وأنت في مجال بحث شرعي وليس في مجال تبرير الربا. نحن في مجال رد الربا. الأستاذ عبد اللطيف الجناحي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أنا طبعًا أشكر للدكتور منذر قحف على تعقيبه، ولكن يأذن لي بأن وجدت بعض التناقضات في كلامه. ما تفضلتم به يا سيادة الرئيس هو قاله فعلاً، وهو أنه عولجت مشاكل بالربا، ولكن في موضع آخر قال: إن جنوب شرق آسيا سبب انهيارها الربا. أنا لا أستطيع أن أوفق بين هذا الكلام وبين ما قاله. في الواقع هناك عاملان مهمان إذا انتزعا من الاقتصاد العالمي تصحح سير الاقتصاد وهما الربا والصرف الآجل. احذفوا هذين العاملين من الاقتصاد ستجدون الاقتصاد يمشي سليمًا، وهذا ما نقوله نحن وتنبؤوا له، والكلام القديم ١٩٤٤م قيل لأنه ظهرت بوادر انهيار الاقتصاد الغربي، وأنا يذكرني كلامه أن الاقتصاد الغربي لن ينهار، أنه في ١٩٦٩م كانت هناك محاضرة وقلت لهم: الاقتصاد الشرقي في سبيله للانهيار فقالوا: كيف؟ وصلوا القمر، الخبز لم يتغير سعره وبدؤوا يشيدون المفتنون بالاقتصاد الشرقي والآن تكشفت الأمور. فلا محال من العودة إلى اقتصاد عادل وليس هناك أعدل من الاقتصاد الإسلامي.

стр. 17825

الرئيس: لعل أصحاب الفضيلة والإخوان الذين طلبوا الكلمة يسمحون لنا، لأن لدي الآن اثني عشر اسمًا، والوقت قد قارب، والجلسة المسائية قريبة إن شاء الله، فتأذنون باختتام الجلسة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعفا الله عن الشيخ ابن بيه إذ رجع بنا على الأعقاب في جعل العملات عروض تجارة، وهذا أمر قد فرغت منه المجامع العلمية في بيان علته الشرعية، ولو أخذ بهذا القول لجرمنا الاقتصاد الإسلامي بالكوارث الاقتصادية الموجودة اليوم. وأما موضوع الدينار الإسلامي الذي ذكره الشيخ الخليلي فهذا قد صدر فيه قرار المجمع ونسأل الله – – التوفيق. وأما مسألة الأسهم التي ذكرها الشيخ الضرير وأثارها وعلق عليها بعض الإخوة والشيخ علي السالوس، فهذه محلولة ولله الحمد بقرار من المجمع مطول ومفصل وفيه الخير والبركة ويلتقي مع ما ذكره الشيخ علي. وأما قضية الاصطلاح فلا شك أن الاصطلاح الشرعي له حرمته وله قيمته وأن الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي أمران موجودان في لغة العرب، وفي عدد من الاصطلاحات العرفية العامة أو الخاصة، ولكن حينما تأتي هذه الاصطلاحات الحادثة ويكون فيها لبس أو تلبيس على المعاملات التي أباحها الله تعالى، فإنه ينبغي لفقهاء المسلمين وعلماء الشريعة وطلبة العلم والمهتمين بالدعوة إلى الله أن يأتوا بالاصطلاح الذي يتلاقى مع حقيقة هذه المعاملة. قد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة الصياغة من أصحاب الفضيلة المشائخ والأساتذة: الشيخ الصديق، الشيخ علي السالوس، الدكتور القري، الأستاذ الجناحي، بالإضافة إلى الدكتور شوقي أحمد دنيا، والدكتور أحمد محيي الدين أحمد. وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 17826

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرار رقم: ٩٣ (٥ / ١١) بشأن الاتجار في العملات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ – ٣٠ رجب ١٤١٩ هـ (١٤ – ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) . بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (الاتجار في العملات) ، واستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله: قرر ما يلي: أولاً: التأكيد على قرارات المجمع رقم (٢١/٩/٣) بشأن النقود الورقية وتغير قيمة العملة، ورقم ٦٣ (١/٧) بشأن الأسواق المالية الفقرة ثالثًا: التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة رقم (٢) التعامل بالعملات، ورقم ٥٣ (٤/٦) بشأن القبض، الفقرة ثانيًا: (١- ج) . ثانيًّا: لا يجوز شرعًا البيع الآجل للعملات، ولا تجوز المواعدة على الصرف فيها. وهذا بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ثالثًا: إن الربا والاتجار في العملات والصرف التي لا تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، من أهم أسباب الأزمات والتقلبات الاقتصادية التي عصفت باقتصاديات بعض الدول. التوصيات: يوصي المجمع بما يلي: - وجوب الرقابة الشرعية على الأسواق المالية، وإلزامها بما ينظم أعمالها وفق أحكام الشريعة الإسلامية في العملات وغيرها، لأن هذه الأحكام هي صمام الأمان من الكوارث الاقتصادية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 17827

عقود الصيانة وتكييفها الشرعي إعداد الشيخ محمد المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عقود الصيانة وتكييفها الشرعي إن هذا البحث الذي أحالته على الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي قدم بورقة للاستئناس بها، ومما جاء فيها أن الموضوع جاء بصيغة الجمع – عقود -. وفسرت الورقة ملاحظة للواقع، أن عقود الصيانة أنواع متميزة وتنوعها ليس تابعًا لتعدد هذه العقود في الخارج مع اتحادها في الصورة الأصلية المعبرة عن العلاقة بين طرفي العقد وموضوعه. ولكنه اختلاف ناشئ من اختلاف الصورة الأصلية مما يجعل عقد الصيانة جنسا يشمل أنواعا. وقد ألمحت الورقة في التحليل إلى هذا المفهوم. وبناء على ذلك فإن بحثي سيتبع الخطوات التالية: ١.تعريف جنس عقد الصيانة. ٢.بيان الحاجة إليه حاجة عامة ضرورية. ٣.أنواع عقد الصيانة. ٤.الصيانة التي يلتزم بها البائع وتكييفها. ٥.الصيانة التي يتعاقد عليها صاحب المؤسسة والصائن. ٦.تكييف عقد الصيانة فقها. ٧.أركان عقد الصيانة. ٨. واجبات الصائن. ٩.الربط بين تحديد الزمن وتحديد العمل في عقود الصيانة. ١٠. التزام الصائن بشراء قطع الغيار نيابة عن المؤسسة. ١١.واجبات المؤسسة. ١٢.تعجيل الأجر وتأخيره. ١٣. ضمان الصائن. ١٤.القرار المقترح.

стр. 17828

تعريف عقد الصيانة: عقد الصيانة عقد حادث لا عهد للفقهاء به. ومن الجهد الضائع التنقيب عن رأي الفقهاء السابقين فيه، لأن هذا العقد تابع لدخول الآلة في الإنتاج ولاعتماد الآلة على الطاقة المحركة لدواليبها. وللتسلسل الرابط بين أجزاء الآلة. ثم لدخول عامل جديد هو الإلكترونيك في الضبط والدقة والتيسير. وهذه كلها آليات الإنتاج المعاصر، أثرت في حياة الإنسانية بظهور الثورة الصناعية وما تبعها إلى عصر الكمبيوتر وكوامنه العجيبة والواسعة الآفاق والتي ما تزال البشرية في أول خطواتها في الكشف عن أسراره وطرق استخدامه. ثم إن هذه الثورة الاقتصادية دخلت بالعالم في منافسة قوية جدا، فرضت فيما فرضت على المنتجين أن يحسبوا كل تكاليف الإنتاج، وأن يعملوا جاهدين على الضغط عليها إلى أدنى مستوى ممكن، ليتمكنوا من المنافسة وتثبيت قدمهم في السوق بأحد عوامل الفوز، وهو انخفاض ثمن السلع المنتجة والجودة وخاصة في المظهر. وارتبط بذلك أن الآلة التي قامت بالإنتاج يوزع ثمنها على المنتوج، فإذا تعطلت أو لم يتحقق في الواقع العملي طاقتها الإنتاجية انعكس ذلك على ثمن المنتج، وأفلس المشروع. كما أن الآلة قد يلحق الخلل بعض أجزائها وحسب طبيعتها فإن الخلل مؤذن بالتوقف الكامل، أو ضعف الإنتاج، أو عدم جودته، وكل ذلك مفض حتما إلى إفلاس المشروع. ولذا كان من المتحتم على الباعث للمشروع الاقتصادي أن يعمل على قيام الآلة بوظائفها في جميع أجزائها، وأن يسرع إلى تلافي ما أصاب التجهيزات.

стр. 17829

ولكن أصحاب المصانع والمستخدمين للآلة لا يمكنهم أن ينتدبوا من يقوم بهذه المهمة كإطارات يعملون عندهم بصفة مستمرة وذلك لأمور، منها: أن التعرف على الخلل بعد تطور الآلة وتعقدها أصبح لا يدرك إلا بأجهزة دقيقة ومتطورة ومرتفعة الثمن. وقد لا يحتاج صاحب المصنع لبعضها إلا مرات قليلة أو لا يحتاج إليها أصلا، ومنها أن المتمكنين من استخدامها العارفين بأسرارها هم من ذوي الكفاءات الذين ترتفع أجورهم وفرص الاحتياج إليهم في المصنع الواحد قليلة. وكل ذلك يدخل في تكلفة الإنتاج، ويؤدي بالباعث إلى الإفلاس إن لم يأخذ حيطته لذلك بما يضمن استمرار الآلة في الإنتاج بكفاءة، وبأقل ما يمكن من النفقات. وبناء على ما قدمناه فرضت المسيرة الاقتصادية أن يتخصص قسم من المسهمين في دولاب الاقتصاد بتوفير الخدمات المطلوبة حسب القواعد الفنية، لسير المعامل والآلات بكفاءة في سرعة الإنجاز ودقته عند تعويض الأجزاء التالفة أو المتآكلة بغيرها، وكذلك الاحتياطات الدورية لدوام عمل الآلة والأجهزة، فيكون عقد الصيانة هو عقد يلتزم الخبير الفني بالقيام على الآلات والتجهيزات في مدة محددة، قياما يحقق أداءها لوظائفها بكفاءة ويلتزم فيه صاحبها بدفع ما اتفقا عليه إن لم تكن ملتزمة من البائع. الحاجة إلى هذا العقد: مما بيناه في مقدمة التعريف يتبين الحاجة إلى هذا النوع من العقود، وأنها حاجة مفضية إلى حفظ المال الضروري. وإذا كنا قد فرضناه في المصانع، فإن الحاجة إليه لا تتوقف على المصانع وحدها، بل تتعداها إلى كثير من ميادين الحياة. فشركة الطيران في أي قطر من أقطار العالم تنقل المسافرين، فإذا بلغت طائرتها بالمسافرين البلد المقصود، فإنها لا تستطيع أن تواصل رحلتها أو تعود إلى منطلقها إلا بعد قيام فريق مختص بتفقد تجهيزاتها ضمانا لحياة المسافرين، ولا يمكن للشركة أن تبعث مع كل طائرة فريقا من الفنيين ولا بأجهزة الرقابة.

стр. 17830

والمؤسسات المالية لا تستغني في سير عملها عن تدفق التيار الكهربائي لمكاتب العمل، وللدماغ الحاسوبي الجامع الحافظ وللأجهزة المتصلة به، وهو ما يوجب القيام على التجهيزات الكهربائية قياما يضمن عملها بانتظام. كما لا تستغني عن المراقبة أجهزة الحاسوب الأصلي وفروعه ضمانا لحقوق المتعاملين مع المؤسسة وضبطها لحساباتها. وقد تضاعف سكان الأرض في هذا القرن عما كان عليه في القرون السابقة، وفى انتشار المساكن الأفقية عدوان على الأراضي الفلاحية وقتل للمساحات وقتل للمساحات المحيطة بالمدن، زيادة عن غلاء ثمن المساكن الأفقية وارتفاع التكلفة للقيام بالخدمات المدنية من توزيع المياه، والنور الكهربائي وأجهزة الصرف، فاحتاج الناس إلى البناء العمودي الذي يحفظ الأرض، ويقلل من تكاليف الخدمات، ويختصر المسافات داخل المدن، وهذه البناءات الذاهبة صعدًا لا يستغني ساكنو طوابقها العليا عن المصاعد، وتوقف المصعد بعد توفيره فيه إهدار للوقت، وفيه حجب الساكن الضعيف عن القيام بواجباته في الحياة من المسنين والمرضى، والحبالى، والصغار، والمعوقين. والمستشفيات والمصحات قد تطورت طرق الكشف والعلاج تطورا ارتبط بنمط الحياة، فالكشف بالأشعة، وبالأجهزة المعرفة بمكان المرض ونوعه، وإنعاش من بلغ مرحلة الخطر لمساعدته على تجاوز فترة الأزمة، وإجراء العمليات الجراحية.. كل ذلك لابد من القيام على المزود بالتيار الكهربائي وعلى تلافي حصول الخلل في التجهيزات الطبية الإلكترونية المعقدة. هذه بعض الصور التي تكشف عن الحاجة إلى صيانة المعدات والأجهزة والآلات، وهى حاجة ترتبط بالكليات الضرورية من حفظ النفس والمال، وتعتبر بذلك داخلة تحت المقاصد الضرورية، كما يدل عليه كلام الشاطبي، أن الحفظ للمقاصد الضرورية يكون بأمرين، أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم. ثم قال عند التمثيل والمعاملات ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان مع غيره، كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض، بالعقد على الرقاب أو المنافع (١) . وبذلك تدخل عقود الصيانة من حيث الأصل تحت مظلة الضروري عملا بالقاعدة اليقينية المروية عن عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا.

стр. 17831

أنواع عقد الصيانة: يدخل تحت عقد الصيانة أنواع: أولا – الالتزام المرتبط بعقد البيع كأحد بنوده: إن بيع الآلات والأجهزة الميكانيكية وكذلك الإلكترونية قد أصبح يجري على عرف عالمي، معلوم مقدما من البائع والمشتري، منصوص عليه في العقود النمطية التي توثق بها المعاملات بين الأطراف، فهي ليست شروطا يشترطها المشتري على البائع، ولكنها تمثل التزام البائع عند عرض سلعته. فمن ذلك أن الآلات إذا كانت في حاجة إلى تثبيتها والربط بينها لتقوم بالعمل المتسلسل فإن الإنجاز يتم بمساعدة البائع وتحت رقابة خبرائه حتى لا يتسبب التركيب في خلل فني ينتج عنه تعويق الأجهزة عن أداء ما يجب أن تقوم به جودة وسرعة وإتقانا. ومن ذلك أن البائع ملتزم عند العرض أن كل القطع صغيرها وكبيرها قد تم صنعها بالجودة التامة وأنها قادرة على الأداء دون أن يلحقها عطب من التشغيل طيلة مدة محددة أو دائما. ومنها أنه ملتزم بالمنهج الحضاري الذي يحكم المسيرة البشرية, وهي أن التجربة هي المعرف الحقيقي للصلاح، أو الاختلال، ولذا فإن ما يبيعه من الأجهزة هو ضامن لأدائه مدة معلومة، وهذا ما يفرض عليه أن يبعث بخبرائه يوجهون إلى الطريق الأمثل في التشغيل في الفترة التي يحددها الطرفان عند عقد البيع، والتي تكون كافية للتحقق من سلامة المبيع وحسن أدائه، وبالطبع فإن كل خلل يظهر، فإن البائع تبعا لتعهده يقوم بإصلاحه أو تعويض ما يوجب التعويض. وقد وقع التساؤل في الورقة المقدمة للموضوع عن تكييف هذا الالتزام فجاء فيها ما يلي: ويتطلب هذا النوع من عقود الصيانة المتلازمة مع عقود التملك البحث فيما يلي: اندراج هذا في صورة صفقتين في صفقة، أو اشتراط عقد في عقد أو اعتبار ذلك شرطًا مقترنا بالعقد المقصود أصلا، أو اقتضاء سلامة المعقود عليه التزام البائع بالصيانة، بديلا عن حق الرد للمعيب بعيب.

стр. 17832

أما الاحتمال الأول: وهو أن هذا من صور صفقتين في صفقة، فإن أصله حديث سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة واحدة، فسر سماك راوي الحديث، هو أن يبيع الرجل فيقول: هو بنسأ بكذا، وبنقد بكذا وكذا، وبه فسره أبو عبيد القاسم بن سلام، وإيراد (منتقى الأخبار) بهذه الرواية تحت عنوان: باب بيعين في بيعة يدل على أن صفقتين في صفقة هو بمعنى بيعتين في بيعة وهو ما يدل عليه صنيع ابن عبد البر فقد أخرج حديث سماك مع أحاديث بيعتين في بيعة ولم ينص على فرق بينهما بسنده عن أحمد بن قاسم بن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: لا تصلح صفقتان في صفقة. (١) وينفرد الدكتور الضرير بأن بيعتين في بيعة أخص من صفقتين في صفقة، لأن الصفقة تشمل البيع وغيره من الصفقات فيؤول معنى الحديث عنده إلى الجمع بين عقدين في عقد واحد (٢) . ويجزم في مقدمة كلامه بأن عدم التفرقة بينهما خطأ فيقول: وهذا ليس بصحيح فإن بيعتين في بيعة أخص من صفقتين في صفقة. وهذا ذهاب منه إلى أن كل عقد يطلق عليه صفقة وهو مما لا يساعده عليه لا اللغة ولا الاصطلاح الفقهي (٣) . فالصفق لا يطلق على النكاح، ولا على الإجارة ولا الإعارة، وإنما هو مأخوذ من عرف مادي كان يصحب عقد البيع من ضرب يد البائع على يد المشتري تعبيرا عن انبرامه، وتساوي الطرفين في أن كل واحد منهما حقق غرضه وهو ما يرجح أن التعبير بصفقتين هو تصرف من الراوي بإبدال لفظ البيعة بالصفقة، ولذلك فسر سماك الصفقة بالبيعة ونخلص إلى إن الحديث لا يتناول بأي وجه من الوجوه التزام المزود بالصيانة المحددة في العقد.

стр. 17833

وأما الاحتمال الثاني: فإن البيع مع التزام المزود بالصيانة مدة معلومة لا يعتبر التزامه بالصيانة عقدا، ولكنه في حقيقة أمره إعلان من البائع أن ما يبيعه يؤدي للمشتري الغرض الذي اشتراه من أجله. فالسيارة مثلا تحقق له التنقل مع الأمن، وكذلك الطائرة، والمصنع يحقق له كمية الإنتاج وجودته والمواصفات التي تم عليها الاتفاق.. . وهكذا. وعلى هذا فإذا ظهر خلل في أداء المبيع للغرض منه كان البائع لم يسلم المشتري على حسب ما اتفقا عليه في العقد، فوفاؤه بما التزم به هو من تمام العقد الأول وليس عقدا آخر. وأما الاحتمال الثالث: أنه شرط مقترن بالعقد، فهو وإن كان في صورته الظاهرية شرطا إلا إنه في حقيقة الأمر بعد التأمل في العقد يتبين للناظر أنه ليس من نوع الشروط التي اختلف فيها الفقهاء. ذلك أن الشرط الذي تحدث عنه الفقهاء هو الشرط الذي يستفيد منه المشترط سواء أكان البائع أو المشتري، فكأن الشرط إن كان من المشتري، فقد انقسم الثمن المدفوع فيه بين ثمن السلعة وما يحقق الشرط، مما يؤول معه الأمر إلى نوع من الجهالة في ثمن المبيع راعاه من حرم الشرط. وإذا كان المشترط هو البائع فكذلك الأمر فهو يكون قد نقص من الثمن الحقيقي للسلعة في مقابلة تحقق شرطه الذي شرطه، ومن فصل فهو ناظر في باطن الأمر إلى ما ذكرناه. وفي صورة التزام البائع عند العرض بالقيام بالصيانة مدة معلومة لا نجد في العقد أن المشتري قد اشترط أي شيء كما أن البائع لم يشترط على المشتري ما ينتفع به.

стр. 17834

أما الاحتمال الرابع: وهو رد المعيب بالعيب، فإن المبيع إذا أطلع المشتري على عيب فيه فقد فصل فيه الفقهاء من أن يكون البائع عالما العيب أو جاهلا به، وبين كونه قديما أو حادثًا، وبين كونه في الأصول أو في غيرها وتتبع أحكام الرد بالعيب مفصلة في كتب الفقه. ولكن الذي يهمنا من ذلك هو العيب الذي تكشف عنه التجربة العلمية للمبيع، ويستوي الطرفان في الجهل بوجوده. والمشهور في مذهب مالك أنه لا حق للمشتري في القيام بهذا العيب، وذلك كالقثاء يوجد مرا والخشبة يوجد داخلها عفنا أو مسوسا، قال في المدونة: لأنه أمر ثابت عليه يدخل البائع والمشتري، والتبايع عليه وقع، وروي أنه يرد به كسائر العيوب، وفرق ابن حبيب بين ما كان من أصل الخلقة فلا رد به وما طرأ لسبب ففيه القيام بالعيب (١) .، وأشار إلى هذا ابن عاصم بقوله: وكامن يبدو مع التغيير كالسوس لا يرد في المأثور ودقق (التسولي) أن هذا الاختلاف محله ما لم يشترط السلامة أو يجري العرف بالرد. فللمشترى القيام بالعيب (٢) . ولابن عرفة فتوى: أن الجبن يوجد فاسدا يرد، وكذلك الحديد يوجد أحرش منقطعا إذا دخل النار، معللا بأنه مما عملته الأيدي (٣) . فهذه الفتوى تجعل الاختلاف محله ما كان من العيوب لا دخل للإنسان فهي بتقصير أو قصور تطبيقا للقاعد: أن المكلف يتحمل الضرر الحاصل منه خطأ كان أو عمدا. وإذا خلص لنا أن مشتري الآلة أو الجهاز يقوم بالعيب على البائع فهل يعتبر التزام البائع بالصيانة بديلا عن الرد بالعيب؟ إن الصيانة ليست بتبديل المعيب، ولكن تتعدى ذلك إلى كثير من الأعمال. تتبع الخطوات الأولى في التسيير كشد بعض الأجهزة وتشحيم بعضها وتبديل الزيت ورفع بعض الأجزاء التي توضع في الآلة عند استخدامها الأول إلى مختلف أوجه العناية التي تتبع ما في الأجهزة من تعقيد. وبذلك فإن التزام المزود بالصيانة مدة معلومة هو أعم من القيام بالعيب.

стр. 17835

ثانيا: العقد مع شركات الصيانة. العقد مع شركات الصيانة ليس عقدا نمطيا يطبق بصفة آلية، وذلك أن المعقود عليه يختلف بالاختلاف التجهيزات وما يتطلبه كل نوع من العناية، ولذا فقد قمت بمراجعة عقود كثيرة متحدة الموضوع ومختلفة الموضوع: ١. عقود صيانة المصاعد من شركات مختلفة. ٢.عقود صيانة أجهزة التكييف. ٣.عقود صيانة أجهزة التبريد. ٤. عقود صيانة أجهزة الإنذار المبكر. ٥.عقود صيانة أجهزة الحاسوب. ٦.عقود صيانة الأجهزة المنذرة والمكافحة للحريق. ٧.عقود صيانة الطائرات. ٨.وحتى عقود صيانة العمات المضيئة للإشهار. تعددت عقود الصيانة بناء على إنه لكل نوع من أنواع النشاط الصناعي ولكل الأجهزة الآلية وإلالكترونية في ميادين الإنتاج أو الخدمات اختصاصيون مهروا في القيام عليها ضمانا لحسن أدائها واستمراره. وقد أردت أن أتتبع الهيكل الذي تتقوم به هذه العقود مهما اختلفت لبيان حكم هذه العقود تبعا للأركان والشروط المشتركة، أما ما تختص به بعض العقود تبعا لما تتميز به من خاصيات، فإنه ينبغي أن تكون التوصية من المجمع منبهة إلى وجوب مطابقة كل ما يشترط في عقود الصيانة للأحكام الشرعية بمراقبتها من عالم بأحكام العقود في الإسلام.

стр. 17836

طبيعة عقد الصيانة: ذهب بعض الناظرين من الفقهاء المعاصرين إلى أن عقد الصيانة عقد جعل، وأنه ينطبق عليه هذا التصور العقدي الخاص، ذهابا منهم إلى أن المعقود عليه مجهول، وإذا كان العقد في ميدان العمل على مجهول، فهو لا يجوز إلا على أنه عقد جعل، كعقد من ضاعت دابته أو أبق عبده مع من يبذل مجهودا = معينا أو عاما – تبعا لاختلاف المذاهب – ببذل مقدار من المال لمن يحقق له رغبته في رجوع العبد أو الدابة لحوزه. وهذا خطأ في تصور عقد الصيانة، إذ لا تنطبق أحكام الجعالة على الصيانة. ١.إن عقد الصيانة عقد لازم للطرفين بعد توقيعه منصوص فيه متى يمكن أحد الطرفين من نقضه، ولا يكون ذلك إلا لقوة قاهرة كحرق المعمل أو حدوث حرب أو زلزال ونحو ذلك، واختياريا عند انتهاء الفترة المحددة من العقد، مع شرط إعلام الطرف الراغب في عدم تجديد العقد للطرف الثاني إعلاما موثقا أنه لا يرغب في تجديد العقد. أما عقد الجعل فهو غير لازم. ٢.إن الجعل لا يتسلم منه العامل شيئا إلا بعد إتمام العمل، فإذا لم يرد العبد أو الدابة فلا شيء له، وإذا حمل المتاع وتركه في نصف الطريق فلا يستحق، إلا إذا انتفع المالك بالمسافة التي قطعها حسبما هو مبني في المذاهب الفقهية.

стр. 17837

أما في عقود الصيانة فإنه ينص فيها على أن أجر الصائن مستحق عن كل فترة ويقبضها الصائن إما بالتنصيص على أنها مقدمة في أول الشهر أو يقبضها عند نهاية كل شهر. ٣.إن الصيانة عقد محدد بأجل (في إطار عام ثم مخصص) ، أعني بذلك أن عقد الصيانة يتم بين صاحب المؤسسة على أنه سيستمر خمس سنوات أو ثلاث سنوات مثلا، وبانتهائها ينتهي العقد ليعاد النظر فيه من جديد. هذا هو الإطار العام. ثم إن لكل طرف في نهاية السنة الحق في فسخ العقد مع إعلام الطرف الثاني قبل مدة محددة بثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل برغبته في نهاية العقد، وهذا هو الإطار الخاص. وعقد الجعالة لا يجوز ضرب الأجل فيه. وهاهي نصوص الفقهاء: • يقول خليل في الإجارة: وفسدت مع جعل. يعلق عليه في الشرح الكبيرة: في صفقة واحدة لتنافرهما، لما في الجعل من عدم لزومه بالعقد، وجواز الغرر، وعدم الأجل، أما الإجارة فإنها تلزم بالعقد، ويجوز فيها الأجل ولا يجور فيها الغرر (١) . • ويقول الهيثمي: عن الجعالة تفارق الإجارة في جوازها على عمل مجهول وصحتها مع غير معين، وكونها جائزة، وعدم استحقاق العامل تسليم الجعل إلا بعد تسليم العمل، فلو شرط تعجيله فسد المسمى ووجبت أجرة المثل (٢) . •والملاحظ أن الجهالة في الجعالة ليست شرطا فيها، وإنما تجوز فقط. قال في التحفة: وتصح على عمل مجهول وكذا معلوم في الأصح لأنها إذا جازت مع الجهل فمع العلم أولى (٣) . • ويقول ابن قدامة: لأن الجعالة يحتمل فيها الغرر، وتجوز مع جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة، وأن عقد الجعالة عقد جائز، وأن الإجارة إذا قدرت بمدة لزم العمل في جميعها ولا يلزمه العمل بعدها (٤) . فهذه نصوص المذاهب تنفي أن يتصور في عقد الصيانة أنه عقد جعالة وإذا انتفت الجعالة فهو عقد إجارة مع أجير مشترك.

стр. 17838

الأجير المشترك: جاء في الفتاوى الهندية: اختلفت عبارة المشائخ في الحد الفاصل بين الأجير الخاص والأجير المشترك. قال بعضهم: الأجير المشترك من يستحق الأجر بالعمل لا بتسليم نفسه. والأجير الخاص من يستحق الأجر لتسليم نفسه وبمضي المدة، ولا يشترط العمل في حقه لاستحقاق الأجر. وقال بعضهم: الأجير المشترك من يتقبل العمل من غير واحد، والأجير الخاص من يتقبل العمل من واحد (١) . فالمعيار عند الفريق الأول هو ما يستحق به العامل الأجر، وعند الفريق الثاني هو تسليم النفس في المدة المحددة بالعقد. وعقد الصيانة على كلا التعريفين هو من قسم الأجير المشترك؛ لأن الصائن يستحق أجره بالوفاء بالعمل المتفق عليه في المدة المحددة المتفق عليها. وإذا اجتمع العمل والمدة وكان المقصود الأساس هو العمل فهو أجير مشترك (٢) .وكذلك على التعريف الثاني فإن الصائن لا يقصر نفسه على مؤسسة واحدة، وإنما هو يعقد عقودا مع عدد من المؤسسات تبعا لإمكاناته. وفي المذهب الحنبلي: الأجير على ضربين: خاص ومشترك؛ فالخاص: هو الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها. سمي خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس. والمشترك الذي يقع العقد معه على عمل معين، أو على عمل معين في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها. سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لاثنين وثلاثة فأكثر في وقت واحد، ويعمل لهم فيشتركون في منفعته واستحقاقها، فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته (٣) . وإذا تبين أن عقد الصيانة هو عقد إجارة مع أجير مشترك، فإن الخطوة التالية هي تبين هل أن هذه العقود استوفت الأركان والشروط أولا؟ ثم هل أنها تتضمن شروطا تؤثر في صحة العقد؟

стр. 17839

أولا أركان العقد وتشمل: ١.العاقدين: وللضبط فإني أطلق اسم المؤسسة على المستأجر بكسر الجيم اسم فاعل، وأطلق لفظ الصائن على الأجير، العامل. إنه حسب التصور يمكن أن يكون المستأجر شخصا معينا، وأن يكون الصائن كذلك، ولكن هذه الصورة تكاد تكون معدومة في نشاط هذا النوع من الخدمات (الصيانة) ، وكما تكون بين الشركات. وهو الغالب؛ إذ أنه حتى الأفراد الذين لهم دور كبير في دولاب الحركة الاقتصادية، لا يظهرون في نشاطهم ذلك بأسمائهم الخاصة ولكن على شكل شركات. والشركات بما لها من شخصية معنوية قابلة للإلزام والالتزام، فقد تحقق فيها الشروط المعتبرة في العاقدين، خاصة وأن المسؤولين عليها الذين يقومون بتوقيع العقود هم أكفاء مقتدرون محاطون بخبراء في الحقوق والاقتصاد. ٢.الصيغة: الصيغة في عقود الصيانة موثقة كتابة واضحة، يقوم توقيع ممثل الشركة على العقد بالدلالة على الرضا الكامل والالتزام بما جاء في العقد. ٣. واجبات الصائن في عقد الصيانة وهى العمل المعقود عليه: إن عقود الصيانة يتحمل فيها الصائن القيام بأعمال: أولا: المراقبة الدورية، وهى مضبوطة في العقود في مشمولاتها وفى مواعيدها. -تنظيف الأجهزة. -مراقبة حسن سيرها. -وضع الشحم أو الزيت في الأماكن الخاصة من الأجهزة ضمانا لسير الحركة الاندماجية. -وضع قائمة لقطع الغيار التي يحتاج إليها غالبا. يشتريها صاحب المؤسسة. -إعلام المؤسسة عقب كل تفقد دوري بما لاحظه من خلل في الأجهزة يمكن أن يترتب عنه في المستقبل تعطل. -القيام بتسجيل كل الأعمال والملاحظات التابعة لكل زيارة مراقبة دورية ويرفع هذا التقرير إلى المؤسسة. -

стр. 17840

ثانيا: الحضور في المكان المعين في العقد إذا ما حدث خلل أو توقف في السير بعد إعلامه بوقت مضبوط أقصاه في العقد. إن واجبات الصائن محددة في العقود والتزاماته مضبوطة، وإن ثمن القطعة التالفة يتحمله صاحب المؤسسة، ويختصر دور الصائن – بناء على مهارته – على التعرف على موطن الخلل، ثم يباشر إصلاحه إذا كان ممكنا بدون تغيير أي قطعة، أو يقوم بتغيير القطعة التالفة ووضع قطعة صالحة مكانها. يبقى سؤال: هل يجوز أن يتحمل الصائن الشحوم ونحو ذلك وكذلك أجهزة الاختبار؟ جاء في الفتاوى الهندية: وإذا استأجر خياطا ليخيط له ثوبا كان السلك والإبرة على الخياط، وهذا في عرفهم، وأما في عرفنا السلك على صاحب الثوب، ولو كان الثوب حريرا فالإبريسم الذي يخاط به الثوب يكون على صاحب الثوب (١) . وإن استأجر وراقا فإن اشترط عليه الحبر والبياض، فاشتراط الحبر جائز، واشتراط البياض فاسد كذا في خزانة المفتين (٢) . وفي المذهب المالكي: " وعمل بالعرف في الخيط كونه على الخياط أو على رب الثوب، وقى نقش الرحى المستأجرة للطحن في كونه على المالك أو المستأجر، وفى آلة البناء فيقضى بما جرى به العرف. يقول ابن عرفة: وعرفنا في الأجير ألا خيط عليه، وفى الصانع الخيط عليه (٣) . وفى المذهب الشافعي: والأصح أنه لا يجب حبر وخيط وكحل وصبغ وطلع على وراق وخياط وكحال وصباغ وملقح. اقتصارا على مدلول اللفظ. قلت: صحح الرافعي في الشرح الكبير الرجوع فيه إلى العادة، إذ لا ضابط له لغة ولا شرعا (٤) . علق عليه ابن قاسم العبادي: قال في شرح الروض: وكالمذكورات فيما ذكر قلم النساخ ومرود الكحال وإبرة الخياط ونحوها. زاد – م – ر – في شرحه ومرهم الجراح وصابون وماء الغسال. قال ابن قاسم: وحيث شرطت على الأجير فلا بد من التقدير في نحو المرهم، فإن لم يذكر فيرجع فيه إلى العادة (٥) .

стр. 17841

وفى المذهب الحنبلي: يجوز أن يستأجر كحالا ليكحل عينيه، لأنه عمل جائز، ثم إنه إذا كان الكحل من العليل جاز لأن آلات العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء والطين والآجر ونحوها. وإن شارطه على الكحل جاز. وقال القاضي: يحتمل أن لا يجوز، لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة، فلا يصح اشتراطه على العامل كلبن الحائط. ولنا أن العادة جارية به، ويشق على العليل تحصيله، وقد يعجز عنه. فجاز ذلك؛ كالصبغ من الصباغ، واللبن من الرضاع، والحبر والأقلام من الوراق.. . وقال أصحاب مالك: يجوز أن يستأجره ليبني له حائطا والأجر من عنده؛ لأنه اشترط ما تتم به الصنعة التي عقد عليها (١) . إن هذه النصوص التي قدمناها تدل على أن المذاهب الأربعة متفقة على جواز اشتراط الشيء اليسير من المواد على العامل، وأنه إذا لم يشترط فالرجوع إلى العرف المعمول به في مكان العقد، وبما أن عقد الصيانة قد تبين لي من تتبعها أنها تكاد تتفق في التصور العام وفي البنود الأساسية، فإني لم أجد أي عقد خلا عن بيان ما يلتزم به العامل حتى في الأشياء التافهة. وهذه الطريقة محققة لما تقرر في الفقه الإسلامي. يقول في بدائع الصنائع: ومن شروط الإجارة بيان العمل في استئجار الصناع والعمال لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد العقد حتى لو استأجر عاملا ولم يسمِّ له العمل من القصارة والخياطة والرعي ونحو ذلك لم يجز العقد. وكذا بيان المعمول فيه في الأجير المشترك. إما بالإشارة والتعيين أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة (٢) .

стр. 17842

كما يقول في شروط المعقود عليه أن تكون المنفعة معلومة منعا للمنازعة، فإن كانت مجهولة ينظر إن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد وإلا فلا؛ لأن الجهالة المفضية للمنازعة تمنع التسليم والتسلم فلا يحصل المقصود من العقد، فكان العقد عبثا (١) . فالمعيار الذي ربط به عقود الإجارة صحة أو فسادا هو إفضاء العقد إلى تحققه بدون نزاع أو إمكانية حصول النزاع والتأويل القريب لكلا الطرفين. الربط بين الزمن والعمل: كل عقود الصيانة فيها ضبط موعد بداية العمل بالعقد وموعد انتهائه، زيادة عن تفصيل ما يلتزم الصائن بالقيام به من أعمال. ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الجمع بين تحديد نوع العمل وتحديد المدة معا؛ لأنه بجمعه بين العمل والمدة يكون المعقود عليه مجهولا، لأنه ذكر أمرين كل منهما يجوز أن يكون معقودا عليه. أعني العمل والمدة؛ أما العمل فظاهر، وكذا ذكر المدة بدليل أنه لو استأجره يوما للخبازة من غير بيان قدر ما يخبز جاز، وكان الجواب باعتبار أنه جعل المعقود عليه المنفعة، والمنفعة مقدرة بالوقت ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منها معقودا عليه لأن حكمهما مختلف؛ لأن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل، لأنه يكون أجيرا خاصا، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل لأنه يصير أجيرا مشتركا،فكان المعقود عليه أحدهما وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان مجهولا وجهالة المعقود عليه توجب الفساد (٢) . وهذا الذي ذهب إليه أبو حنيفة غير مقنع، ذلك أن الجهالة منتفية باعتبار أن الأجير لا يستحق أجره إلا بالعمل الذي أنجزه خلال المدة المتفق عليها، فإذا عقد مع الأجير عقدا على أن يحرث له أرضه في الأسبوع الذي يعقب نزول المطر، فإن استحقاق الأجير للأجر نتيجة لمحصل الحراثة وكونها في المدة المتفق عليها، فلو حرث له الأرض بعد شهرين وتبخرت مياه المطر أو لم يقم بالعمل فلا يستحق الأجر، ولا جهالة، ولذا لم يوافقه الصاحبان.

стр. 17843

ومذهب مالك قد حرره ابن عبد السلام: الذي قاله من يرتضي من الشيوخ أن الزمن الذي قيدت به الإجارة إن كان أوسع من العمل بكثير فلا يختلف في الجواز، وإن كان أضيق فلا يختلف في المنع وإن كان الزمن مساويا لمقدار العمل ففيه قولان: اختلف الشيوخ في تعيين المشهور منها (١) .؛ فابن عبد السلام يجزم بأن الإجارة مع تحديد الأجل إذا كان الزمن أوسع من العمل جائز. ومما قدمناه يتبين أن تحديد العمل، وتحديد المدة في عقد الصيانة لا مانع من ذلك، وإن كان غير مجمع عليه. التزام الصائن بشراء قطع الغيار: جاء في العقود أن الصائن يلتزم بشراء قطع الغيار إذا تعذر إصلاحه المعطب أو كان يستدعى نفقات تتجاوز حد السقف المتفق عليه في العقد، وأنه يتقاضى على هذا العمل الإضافي زائدا مقدرا بنسبة مئوية من ثمن القطعة التي اشتراها. وتكييف هذا البند أنه وكالة بأجر، حدد فيها الأجر وتحقق رضا الموكل والوكيل، وكلاهما ممن تصح منه الوكالة. واجبات المؤسسة: القدر المشترك في واجبات المؤسسات، الذي لاحظته في عقود الصيانة يتمثل فيما يلي: ١.الالتزام بدفع أجر الصائن، وأجر الصيانة محدد في العقد، ويدفع على فترات، كل شهر أو كل ثلاثة أشهر أو كل ستة أشهر، وهذا الأجر في مقابل العمل الموصوف والمحدد في العقد، كما يضم لهذا الأجر قيمة الأعمال التي ينجزها الصائن خارج ما التزم به في العقد، وهذه مضبوطة في العقد ببيان أجر ساعات العمل التي يقضيها الصائن، في أيام العمل وفي أيام الراحة، كما حدد أجر التنقل إلى المكان الذي ترغب المؤسسة في إجراء الإصلاح به بقائمة تربط بين كل وحدة من المسافة، والأجر الذي يحسب في تعاملها، وأن هذه الإضافة تضم إلى الفاتورة التي تلتزم المؤسسة بدفع قيمتها للصائن بمجرد ما تتسلمها.

стр. 17844

٢.تسليم أجر الصائن جرت العقود على طريقتين: الأولى: أن يقسم الأجر السنوي على فترات تدفع كل فترة مقدما في بدايتها. الثانية: أن يقسم الأجر السنوي على فترات يدفع كل قسط عند نهاية الفترة المحددة. وبالرجوع إلى الأحكام المقررة في فقه المذاهب فإنا نجدد اختلافا في اجتهادهم. الطريقة الأولى – اشتراط الصائن تسلم أجرة مقدما: فالحنفية لا يرون مانعا من اشتراط التعجيل ويلزمون المستأجر (المؤسسة) بالوفاء بالشرط. يقول الكاساني: فإن شرط فيه تعجيل البدل فعلى المستأجر تعجيلها والابتداء بتسليمها سواء أكان ما وقع عليه الإجازة شيئا ينتفع به كالدار والدابة، أم كان صانعا أم عاملا ينتفع بصنعته أو عمله كالقصار والصباغ لأنهما لما شرط تعديل البدل لزم اعتبار شرطهما لقوله ﷺ ((المسلمون عند شروطهم)) (١) . وكذلك في المذهب المالكي: وعجل الأجر وجوبا ولو حكما كتأخيره ثلاثة أيام لا أكثر، فيفسد العقد إن عين كثوب معين، أو بشرط أي اشتراط تعجيله عند عقد الإجارة (٢) . وكذلك الحكم عند الشافعية والحنابلة (٣) . الطريقة الثانية: أن يكون العقد على استحقاق الصائن أجره عند نهاية كل فترة تحدد بشهر أو ثلاثة أو ستة. وهذه الطريق هي الأصل عند أبى حنيفة، لأن الأصل أن ثبوت الحقين للمؤجر والأجير يثبتان في وقت واحد، فيثبت الملك للأجير في الوقت الذي يستوفي فيه المستأجر المنفعة، ولهذا كان الأصل عنده تأخير الأجرة إلى انتهاء العقد، ولما كان عقد الصيانة، المنافع فيه غير مرتبطة، فنهاية كل فترة يعرف بها تسلم المؤسسة للمنافع واستحقاق الصائن أجره (٤) .

стр. 17845

وأما في المذهب المالكي، فإن عقد الصيانة: هو من الإجارة المضمونة لتعلقه بالذمة لا بالشخص سواء أكان الصائن شركة أم شخصا، إذ أن المؤسسة لا تشترك أن يقوم بالعمل فرد معين، وإذا كانت الإجارة في الذمة فالمالكية لا يجيزون تأخير الأجر إذا لم يشرع الأجير في العمل، وذلك بناء على قاعدة أنه لا يجوز تعمير الذمتين، لأنه إذا تعلقت الأجرة بذمة المؤسسة لتأخيرها شهرا أو ثلاثة أشهر أو سنة. والعمل متعلق إذا لم يشرع فيه تعلق بذمة الصائن فكان العقد مبنيًّا على الذمم، وهو ممنوع. أما لو شرع الصائن في العمل بمجرد العقد فلا مانع منه، عملا بقاعدة أن قبض الأوائل قبض للأواخر (١) . والشافعية هم متفقون مع المالكية: ويشترط في إجارة الذمم تسليم الأجرة في المجلس قطعا إن عقدت بلفظ السلم كرأس مال السلم؛ لأنها سلم في المنافع. وكذا إن عقدت بلفظ الإجارة في الأصح نظرا إلى المعنى فلا يجوز فيها تأخير الأجرة، ولا الاستبدال عنها، ولا الحوالة بها، ولا عليها ولا الإبراء منها (٢) . وفى مذهب أحمد يجوز اشتراط تأخير الأجرة: أنه إذا شرط تأجيل الأجرة فهو إلى أجله، وإن شرطه مؤجلا يوما يوما أو شهرا شهرا أو أقل من ذلك أو أكثر، فهو على ما اتفقا عليه؛ لأن إجارة العين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حال ومؤجل فكذلك إجارتها (٣) . ضمان الصائن: جاء في عقود الصيانة أن الصائن إذا لم ينبه المؤسسة إلى الخلل المتوقع، فإنه ضامن لما ترتب عن تقصيره في أداء ما التزم به.

стр. 17846

وهو شرط مقبول: ذلك أنه ما استحق الأجر إلا ليساعد المؤسسة على دوام قيام الأجهزة والآلات بوظائفها، وأن تفقده ليس أمرا مظهريًّا، فإذا أخل بواجبه فلم يحسن التأمل في جميع التجهيزات أو لم يكن جادا في مراقبته، أو اطلع ولم ينبه، فقد أخل بالتزاماته ويتحمل المسئوولية. وهذه نصوص الفقهاء تشهد لهذا التوجه. •ففي المذهب الحنفي: الهلاك إذا كان بفعل الأجير مع التعدي يضمن اتفاقا. الهلاك إذا كان بفعل الأجير بدون تعد يضمن اتفاقا. الهلاك إذا كان بدون فعل الأجير ولا يمكن الاحتراز منه، لا يضمن اتفاقا. الهلاك إذا كان بدون فعل الأجير ويمكن الاحتراز منه ففيه أربعة أقوال: ١.لا يضمن عند أبي حنيفة. ٢.يضمن عندهما كان العامل رجلا صالحا أو طالحا أو مستورا. ٣.يصالح العامل على نصف القيمة. ٤.الصالح لا يضمن وغير الصالح يضمن والمستور يصالح على النصف. وأما إذا شرط المؤجر الضمان والمعمول فيه بيد المؤجر. فالمفتى به أنه لا أثر للشرط، وفى الأشباه أنه ضامن اتفاقا (١) . •وفى المذهب المالكي، يقول الخرشي: يشترط لضمان الصانع لمصنوعه شروط. •أن ينصب نفسه للصنعة لعامة الناس يحترز به عن الأجير الخاص لشخص أو لجماعة مخصوصين، ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة، أما إن لم يغب عليها بأن عملها في بيت ربها ولوغائبًا أو بحضرته ولو بغير بيته فلا ضمان، ومنها أن يكون مصنوعه مما يغاب عليه، ومنها أن لا يكون في الصنعة تغرير، وأما إن كان فيها تغرير كثقب اللؤلؤ ونحوه، فلا ضمان , ويضمن قيمته يوم دفعة ربه إليه. وذُكِرَ قبل هذا أن الصانع يضمن إذا غر بفعل لا بقول، ومثل له بالحمال يربط المحمول بحبل رث أو يمشي في موضع فيه تعثر، وكذا إذا تعدى بأن أخرق في السير فإنه يضمن. (٢) فاشتراط المؤسسة أن الصائن ضامن إذا لم ينبه للخلل الذي تسبب عنه التعطيل شرط مقبول لأنه غر بفعل.

стр. 17847

•وفى المذهب الشافعي: ولو تلف المال في يد أجير بلا تعدٍّ لم يضمن إن لم ينفرد باليد، وكذا إن انفرد في أظهر الأقوال. احترز بقوله بلا تعدٍّ، عما إذا تعدى فيضمن مطلقا قطعا، كما لو أسرف الخباز في الوقود أو ترك الخبز في النار حتى احترق، أو ضرب على التأديب والتعليم الصبي فمات، لأن تأديبه بغير الضرب ممكن (١) . وعدم إعلام الصائن للمؤسسة بالخلل المدرك للخبراء تعدٍّ منه أو تقصير، وهما سواء في ترتب الضمان. •وفي المذهب الحنبلي: العامل المشترك وهو الصانع، هو ضامن لما جنت يده، فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد نص عليه أحمد، والقصار ضامن لما يتخرق من دقه أو مده أو عصره أو بسطه، والطباخ ضامن لما أفسده من طبيخه، والخباز ضامن لما أفسده من خبزه، والحمال يضمن ما يسقط من حمله على رأسه أو تلف من عثرته، والحمال يضمن ما تلف من يده أو جذفه أو ما يعالج به السفينة. وروي ذلك أن عمر وعلي وعبد الله بن عتبة وشريح والحسن والحكم، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر لا يضمن ما لم يتعد (٢) . ظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كون العامل يعمل في ملك نفسه أو ملك مستأجره، أو كان صاحب العمل حاضرا عنده أو غائبا عنه. وقد ذكر القاضي أنه لو كان حمال يحمل على رأسه ورب المتاع معه فعثر فسقط المتاع، فتلف، ضمن..وإن سرق، لم يضمن، لأنه في العثار تلف بجنايته. والسرقة ليست من جنايته ورب المال لم يحل بينه وبينه، وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه، سواء حضر رب المال أو غاب، فقد ضمن في السقطة رغم أنها غير مقصودة له، فإذا وجب الضمان مع عدم القصد فضمانه فيما أفسده في محل المؤجر أولى (٣) .

стр. 17848

القرار: عقد الصيانة هو عقد بين مؤسسة اقتصادية أو فرد من جانب، وبين مؤسسة أو فرد من جانب آخر، يتعهد فيه الطرف الثاني بمراقبة الأجهزة والآلات موضوع العقد في فترات دورية محدودة لتقوم بوظائفها دون تعطل أو نقص، كما يتعهد بإصلاح ما تعطب من القطع أو استبدال الجديد بالتالف الذي يدفع ثمنه صاحب المؤسسة؛ ولذا فالعقد هو عقد إجارة مع أجير مشترك من حيث المبدأ. ويجب بأن يراعى في عقود الصيانة الشروط الشرعية المعتبرة في العقد مع الأجير المشترك. والله أعلم وأحكم، وهو حسبي ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير. الشيخ محمد المختار السلامي

стр. 17849

ملاحق البحث: هذا البحث متبع بنماذج لمختلف عقود الصيانة في المؤسسات في الجمهورية التونسية، مثل عقد لصيانة الطائرات – الخطوط الجوية التونسية، وعقد لصيانة أجهزة الإعلام – الحاسوب -، وعقد لصيانة أجهزة التكييف، وآخر لصيانة أجهزة الاتصال. عقد لصيانة الطائرات Cahier des brescriptions techniques & speciales pour les travaux de re revision et de reparation des moteurs , accessoires etpieces D١٧-Jt٨-d٩ & jt٨ Installes sur les boeing b٧٢٧ & b٧٣٧-٢٠٠ De tunisair

стр. 17850

_________

стр. 17851

عقود الصيانة وتكييفها الشرعي إعداد الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية كلية القانون – جامعة الخرطوم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد: فهذا بحث عن: عقود الصيانة وتكييفها الشرعي أكتبه استجابة لطلب الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي لتقديمه لمجلس المجمع في دورته الحادية عشرة، سائلا الله أن يوفقني إلى الصواب ويجنبني الزلل. عقد الصيانة من العقود الضرورية التي لا غنى للمجتمع عنها؛ فالبناء، والمصنع، والقطار، والسيارة، والطائرة، والساعة، وكل موجود يحتاج إلى الصيانة لكي يبقى ويستمر منتفعا به إلى أن يلحقه الفناء. تعريف عقد الصيانة: الصيانة في اللغة هي الحفظ، يقال: صان صونا وصيانا وصيانة إذا حفظه في صوانه، والصوان هو ما يصان فيه الشيء (١) . والمعنى القانوني والفقهي لعقد الصيانة قريب من المعنى اللغوي، فإن الغرض من عقد الصيانة هو المحافظة على الشيء وبقاؤه منتفعا به من غير أن يتعرض للخلل والتلف. ولا يوجد تعريف في الفقه ولا في القانون لعقد الصيانة؛ لأنه لا يوجد عقد بهذا الاسم، لا في الفقه ولا في القانون، فهو من العقود المستحدثة التي تحتاج إلى تكييف قانوني، وتكييف فقهي، وتعريف. التكييف القانوني: أبدأ بالتكييف القانوني؛ لأنه لا صعوبة فيه؛ ولأن التكييف الفقهي ينبني عليه. تكييف عقد الصيانة هو أنه عقد مقاولة، وعقد المقاولة من العقود المسماة المستحدثة المعمول به في جميع البلاد العربية، ومن البلاد التي تضمن قانونها المدني أحكاما خاصة بعقد المقاولة: السودان، والأردن، ومصر. تعريف عقد المقاولة: عرف قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ م (السوداني) عقد المقاولة بالآتي: المقاولة عقد يتعهد أحد الطرفين بمقتضاه بأن يصنع شيئا، أو يؤدي عملًا، لقاء مقابل يتعهد به الطرف الآخر (٢) . هذه المادة مأخوذة من القانون الأردني (٣) . مع استبدال كلمة (مقابل) بكلمة (بدل) . والقانون الأردني أخذ هذا التعريف من القانون المدني المصري (٤) . مع استبدال كملة (بدل) بكلمة (أجر) وتقديم وتأخير لبعض الكلمات وكل من القانون السوداني والقانون الأردني يستمد أحكامه من الفقه الإسلامي. أما القانون المصري فإنه يستمد أحكامه من القانون الفرنسي. وعقد الصيانة هو نوع من أنواع عقد المقاولة (٥) . ينطبق عليه أكثر ما ينطبق على عقد المقاولة، وكل من عقد المقاولة وعقد الصيانة قد يتعهد فيه أحد المتعاقدين أن يؤدي عملا، وينفرد عقد المقاولة بأن أحد المتعاقدين قد يتعهد فيه بأن يصنع شيئًا، فعقد المقاولة أعم من عقد الصيانة، فكل عقد صيانة هو عقد مقاولة.

стр. 17852

وإذا أردنا تعريفا خاصا لعقد الصيانة نقول: عقد الصيانة يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بصيانة شيء لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر. والقانون يعتبر عقد الصيانة عقدا مستقلا، له خصائصه التي تميزه عن غيره من العقود، وقد بين الدكتور السنهوري هذه الخصائص والمميزات (١) . وعندما تكلم عن (تميز المقاولة عن البيع) (٢) . وعندما تكلم عن (تميز المقاولة عن البيع) (٣) اصطدم بالمادة ٦٤٧ من القانون التي تنص على الآتي: ٦٤٧ – ١. يجوز أن يقتصر المقاول على التعهد بتقديم عمله على أن يقدم رب العمل المادة التي يستخدمها أو يستعين بها في القيام بعمله. ٢. كما يجوز أن يتعهد المقاول بتقديم العمل والمادة معا. (٤) . وعلق الدكتور السنهوري على هذه المادة بالآتي: لاشك أن العقد في الحالة التي يقدم فيها رب العمل المادة ويقتصر فيها المقاول على تقديم عمله يتمخض عقد مقاولة لا شبهة فيه، وإنما تقوم الشبهة في الفرض الآخر الذي نصت عليه الفقرة الثانية.. ..فقد يقع أن يتعاقد شخص مع نجار على أن يصنع له مكتبا، ويقدم النجار الخشب من عنده ... فهل يبقى العقد في هذه الحالة وأمثالها عقد مقاولة، أو يكون عقد بيع واقع على شيء مستقبل هو الخشب ... ؟ وأجاب الدكتور السنهوري بأن الآراء انقسمت في هذه المسألة؛ فرأي يذهب إلى أن العقد مقاولة دائما، والمادة ليست إلا تابعة للعمل.. . ورأي ثان يذهب إلى أن العقد هو بيع شيء مستقبل.. . ورأي ثالث يذهب أن العقد يكون مقاولة أو بيعا بحسب نسبة قيمة المادة إلى قيمة العمل، فإن كانت قيمة العمل تفوق كثيرا قيمة المادة.. . فالعقد مقاولة، أما إذا كانت قيمة المادة تفوق كثيرا قيمة العمل.. . فالعقد بيع. وأيد الدكتور السنهوري هذا الرأي، ولكنه استثنى منه الحالة التي تكون للمادة فيها قيمة محسوسة إلى جانب قيمة العمل حتى لو كانت أقل قيمة منه، ومثل لها بالخشب الذي يورده النجار لصنع الأثاث، فاعتبر العقد في هذه الحالة مزيجا من بيع ومقاولة، سواء كانت قيمة المادة أكبر من قيمة العمل أو أصغر، ويقع البيع على المادة، وتسري أحكامه فيما يتعلق بها وتقع المقاولة على العمل وتنطبق أحكامها عليه (٥) . هذا هو التكييف القانوني لعقد المقاولة، وهو نفسه التكييف القانوني لعقد الصيانة باعتبار عقد الصيانة نوعا من أنواع عقد المقاولة.

стр. 17853

وعقد الصيانة كعقد المقاولة قد يتعهد فيه الصائن بتقديم عمله فقط، ويتعهد فيه صاحب الشيء المصون بتقديم المادة، وقد يتعهد فيه الصائن بتقديم العمل والمادة معا. والتكييف القانوني لعقد الصيانة في الحالة الأولى هو أنه عقد مقاولة تنطبق عليه أحكام عقد المقاولة المبين في القانون، وأما تكييفه في الحالة الثانية، أي الحالة التي يتعهد فيها الصائن بتقديم العمل والمادة، فيجري فيها الخلاف السابق بين القانونين في تكييف عقد المقاولة. تكييف عقد الصيانة في الفقه الإسلامي: القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي التي قننت عقد المقاولة التي اطَّلعت عليها هي قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤م (السوداني) والقانون المدني الأردني. أما القانون السوداني فلم يتعرض للتكييف، وأما القانون الأردني فقد تعرض للتكييف في المذكرة الإيضاحية للمواد ٧٨٠و٧٨١و٧٨٢ (١) .ويفهم منها أن واضعي القانون الأردني يعتبرون عقد المقاولة، ومثله عقد الصيانة؛ عقد استصناع وعقد إجارة الأشخاص، الأجير فيها مشترك. وفيما يلي بعض ما جاء في المذكرة الإيضاحية: جرى العرف بين الناس على اصطلاح عقد المقاولة عوضا عن عقد الاستصناع الذي كان الفقهاء يستعملونه، كما ورد في بدائع الصنائع.. . وعوضا عن استئجار الأجير، كما ورد في المجلة وغيرها من المراجع الفقهية؛ وأصبح مفهوم عقد المقاولة شاملا بصورة تستتبع الأخذ بهذا الاصطلاح الجديد تقريرا للواقع وتمشيا مع العرف فيما لا يناقض آية قرآنية أو سنة نبوية، مع إخضاع هذا العقد للأحكام الخاصة بالاستصناع والأجير المشترك ... وقد اعتمد في أحكام المواد الثلاث على ما ورد في كتاب الاستصناع أول الجزء الخامس من بدائع الصنائع، وعلى ما جاء في الصفحة ١٠٦، ج٦ من المغني، والمواد ٣٨٨و٣٩٠و٤٢١و٤٢٢و٤٦٣و٥٧١و٦٠٠و٦٠٤و٦١٦ من مرشد الحيران (٢) .

стр. 17854

ويلحظ أن المذكرة الإيضاحية لم توضح ما إذا كان عقد المقاولة هو عقد استصناع وإجارة معا في جميع الحالات. أم عقد استصناع في حالة تعهد المقاول بتقديم المادة، وعقد إيجارة في حالة تعهد رب العمل بتقديم المادة، كما يتبادر إلى الذهن. ويلحظ أيضًا اختلاف التكييف القانوني الذي أورده الدكتور السنهوري عن التكييف الفقهي الذي أورده واضعو المذكرة الإيضاحية للقانون الأدرني، مع أن المواد المتحدث عنها في القانونين متطابقة. والفارق الأساسي بين التكييفين هو أن الدكتور السنهوري اعتبر عقد المقاولة عقدا جديدا له مميزاته وأحكامه، تطبق عليه القواعد العامة للعقد، وواضعي المذكرة الإيضاحية للقانون الأردنى اعتبروه عقد استصناع وعقدًا مع أجير مشترك تطبق عليه أحكام هذين العقدين. إن تكييف عقود الصيانة يحتاج في رأيي إلى تفصيل على النحو التالي: ١.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد، وغير المحتاج لمادة (المجرد) . ٢.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج لمادة والمتعهد بالمادة صاحب الشيء المصون. ٣.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج لمادة والمتعهد بالمادة الصائن. ٤.تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد البيع على البائع. ٥.تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر. ٦.تكييف عقد الصيانة المشروطة في عقد المقاولة على المقاول. قبل الدخول في تكييف هذه الأنواع من عقود الصيانة أود أن أشير إلى أن عقد الصيانة كأي عقد آخر له أركان هي أركان العقد بصفة عامة، وهي: الصيغة، والعاقدان، والمحل، ولكل ركن من هذه الأركان شروط صحة، لابد من تحققها ليكون العقد صحيحا، وسأفترض أن شروط الصحة المطلوبة في الصيغة والعاقدين متحققة في عقد الصيانة، وسأهتم بالشروط المطلوبة في المحل – العمل والبدل – لأن تحققها أو عدمه هو الذي يؤثر على التكييف.

стр. 17855

١. تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد آخر، وغير المحتاج لمادة: هذا هو أبسط أنواع عقود الصيانة، فهو عقد صيانة مجرد، أو مستقل، غير مقترن بعقد آخر: مقاولة أو غيرها، وغير محتاج إلى مادة، لا من الصائن، ولا من صاحب الشيء المصون، فهو عقد يتعهد فيه الصائن بأداء عمل فقط هو الصيانة. ويلحق بهذا النوع الصيانة التي تحتاج إلى مادة لا يعمل المتعاقدان لها حساب في العادة. هذا النوع من عقود الصيانة يشبه شبها تاما عقدًا معروفًا في الفقه الإسلامي هو عقد إجارة الأشخاص، وعقد إجارة الأشخاص قد يكون فيه الأجير مشتركا، وقد يكون فيه الأجير خاصا، والأجير المشترك هو: من يستأجر لإداء عمل معين، ولم يختص به شخص معين كالبناء، والمهندس، والصائن إذا لم يكن عملهم مقصورا على معين. الأجير الخاص هو: من يستأجر مدة محددة لأداء عمل لشخص معين بحيث لا يتقبل عملا من غيره مدة الإجارة. وفي عقد الصيانة قد يكون الصائن ممن يعمل لجميع الناس، فتطبق عليه في هذه الحالة أحكام الأجير المشترك، وهذا هو الغالب، وقد يكون الصائن يعمل لشخص معين كما لو اتفق صاحب مصانع مع شخص ليتفرغ لصيانة مصانعه بأجر شهري، فتطبق عليه أحكام الأجير الخاص. (١) والمعقود عليه في عقد الصيانة عندما يكون الصائن أجيرا مشتركا هو العمل، ولذا يجب أن يعين تعيينا ينتفي معه الغرر المؤدي إلي فساد العقد، كما يجب أن يكون الأجر معلوما، أما المعقود عليه بالنسبة للصائن عندما يكون أجيرا خاصا فهو منفعته أو وقته في المدة التي يعمل بها، لهذا يجب أن تكون المدة معينة في العقد (١) .
следующие страницы →