عقود الصيانة
وتكييفها الشرعي
إعداد
الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
أستاذ الشريعة الإسلامية
كلية القانون – جامعة الخرطوم
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فهذا بحث عن:
عقود الصيانة وتكييفها الشرعي
أكتبه استجابة لطلب الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي لتقديمه لمجلس المجمع في دورته الحادية عشرة، سائلا الله أن يوفقني إلى الصواب ويجنبني الزلل.
عقد الصيانة من العقود الضرورية التي لا غنى للمجتمع عنها؛ فالبناء، والمصنع، والقطار، والسيارة، والطائرة، والساعة، وكل موجود يحتاج إلى الصيانة لكي يبقى ويستمر منتفعا به إلى أن يلحقه الفناء.
تعريف عقد الصيانة:
الصيانة في اللغة هي الحفظ، يقال: صان صونا وصيانا وصيانة إذا حفظه في صوانه، والصوان هو ما يصان فيه الشيء (١) .
والمعنى القانوني والفقهي لعقد الصيانة قريب من المعنى اللغوي، فإن الغرض من عقد الصيانة هو المحافظة على الشيء وبقاؤه منتفعا به من غير أن يتعرض للخلل والتلف.
ولا يوجد تعريف في الفقه ولا في القانون لعقد الصيانة؛ لأنه لا يوجد عقد بهذا الاسم، لا في الفقه ولا في القانون، فهو من العقود المستحدثة التي تحتاج إلى تكييف قانوني، وتكييف فقهي، وتعريف.
التكييف القانوني:
أبدأ بالتكييف القانوني؛ لأنه لا صعوبة فيه؛ ولأن التكييف الفقهي ينبني عليه.
تكييف عقد الصيانة هو أنه عقد مقاولة، وعقد المقاولة من العقود المسماة المستحدثة المعمول به في جميع البلاد العربية، ومن البلاد التي تضمن قانونها المدني أحكاما خاصة بعقد المقاولة: السودان، والأردن، ومصر.
تعريف عقد المقاولة:
عرف قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ م (السوداني) عقد المقاولة بالآتي: المقاولة عقد يتعهد أحد الطرفين بمقتضاه بأن يصنع شيئا، أو يؤدي عملًا، لقاء مقابل يتعهد به الطرف الآخر (٢) .
هذه المادة مأخوذة من القانون الأردني (٣) . مع استبدال كلمة (مقابل) بكلمة (بدل) .
والقانون الأردني أخذ هذا التعريف من القانون المدني المصري (٤) .
مع استبدال كملة (بدل) بكلمة (أجر) وتقديم وتأخير لبعض الكلمات وكل من القانون السوداني والقانون الأردني يستمد أحكامه من الفقه الإسلامي.
أما القانون المصري فإنه يستمد أحكامه من القانون الفرنسي.
وعقد الصيانة هو نوع من أنواع عقد المقاولة (٥) . ينطبق عليه أكثر ما ينطبق على عقد المقاولة، وكل من عقد المقاولة وعقد الصيانة قد يتعهد فيه أحد المتعاقدين أن يؤدي عملا، وينفرد عقد المقاولة بأن أحد المتعاقدين قد يتعهد فيه بأن يصنع شيئًا، فعقد المقاولة أعم من عقد الصيانة، فكل عقد صيانة هو عقد مقاولة.
стр. 17852
وإذا أردنا تعريفا خاصا لعقد الصيانة نقول: عقد الصيانة يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بصيانة شيء لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر.
والقانون يعتبر عقد الصيانة عقدا مستقلا، له خصائصه التي تميزه عن غيره من العقود، وقد بين الدكتور السنهوري هذه الخصائص والمميزات (١) .
وعندما تكلم عن (تميز المقاولة عن البيع) (٢) .
وعندما تكلم عن (تميز المقاولة عن البيع) (٣) اصطدم بالمادة ٦٤٧ من القانون التي تنص على الآتي:
٦٤٧ – ١. يجوز أن يقتصر المقاول على التعهد بتقديم عمله على أن يقدم رب العمل المادة التي يستخدمها أو يستعين بها في القيام بعمله.
٢. كما يجوز أن يتعهد المقاول بتقديم العمل والمادة معا. (٤) .
وعلق الدكتور السنهوري على هذه المادة بالآتي:
لاشك أن العقد في الحالة التي يقدم فيها رب العمل المادة ويقتصر فيها المقاول على تقديم عمله يتمخض عقد مقاولة لا شبهة فيه، وإنما تقوم الشبهة في الفرض الآخر الذي نصت عليه الفقرة الثانية.. ..فقد يقع أن يتعاقد شخص مع نجار على أن يصنع له مكتبا، ويقدم النجار الخشب من عنده ... فهل يبقى العقد في هذه الحالة وأمثالها عقد مقاولة، أو يكون عقد بيع واقع على شيء مستقبل هو الخشب ... ؟
وأجاب الدكتور السنهوري بأن الآراء انقسمت في هذه المسألة؛ فرأي يذهب إلى أن العقد مقاولة دائما، والمادة ليست إلا تابعة للعمل.. . ورأي ثان يذهب إلى أن العقد هو بيع شيء مستقبل.. .
ورأي ثالث يذهب أن العقد يكون مقاولة أو بيعا بحسب نسبة قيمة المادة إلى قيمة العمل، فإن كانت قيمة العمل تفوق كثيرا قيمة المادة.. . فالعقد مقاولة، أما إذا كانت قيمة المادة تفوق كثيرا قيمة العمل.. . فالعقد بيع.
وأيد الدكتور السنهوري هذا الرأي، ولكنه استثنى منه الحالة التي تكون للمادة فيها قيمة محسوسة إلى جانب قيمة العمل حتى لو كانت أقل قيمة منه، ومثل لها بالخشب الذي يورده النجار لصنع الأثاث، فاعتبر العقد في هذه الحالة مزيجا من بيع ومقاولة، سواء كانت قيمة المادة أكبر من قيمة العمل أو أصغر، ويقع البيع على المادة، وتسري أحكامه فيما يتعلق بها وتقع المقاولة على العمل وتنطبق أحكامها عليه (٥) .
هذا هو التكييف القانوني لعقد المقاولة، وهو نفسه التكييف القانوني لعقد الصيانة باعتبار عقد الصيانة نوعا من أنواع عقد المقاولة.
стр. 17853
وعقد الصيانة كعقد المقاولة قد يتعهد فيه الصائن بتقديم عمله فقط، ويتعهد فيه صاحب الشيء المصون بتقديم المادة، وقد يتعهد فيه الصائن بتقديم العمل والمادة معا.
والتكييف القانوني لعقد الصيانة في الحالة الأولى هو أنه عقد مقاولة تنطبق عليه أحكام عقد المقاولة المبين في القانون، وأما تكييفه في الحالة الثانية، أي الحالة التي يتعهد فيها الصائن بتقديم العمل والمادة، فيجري فيها الخلاف السابق بين القانونين في تكييف عقد المقاولة.
تكييف عقد الصيانة في الفقه الإسلامي:
القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي التي قننت عقد المقاولة التي اطَّلعت عليها هي قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤م (السوداني) والقانون المدني الأردني.
أما القانون السوداني فلم يتعرض للتكييف، وأما القانون الأردني فقد تعرض للتكييف في المذكرة الإيضاحية للمواد ٧٨٠و٧٨١و٧٨٢ (١) .ويفهم منها أن واضعي القانون الأردني يعتبرون عقد المقاولة، ومثله عقد الصيانة؛ عقد استصناع وعقد إجارة الأشخاص، الأجير فيها مشترك.
وفيما يلي بعض ما جاء في المذكرة الإيضاحية:
جرى العرف بين الناس على اصطلاح عقد المقاولة عوضا عن عقد الاستصناع الذي كان الفقهاء يستعملونه، كما ورد في بدائع الصنائع.. . وعوضا عن استئجار الأجير، كما ورد في المجلة وغيرها من المراجع الفقهية؛ وأصبح مفهوم عقد المقاولة شاملا بصورة تستتبع الأخذ بهذا الاصطلاح الجديد تقريرا للواقع وتمشيا مع العرف فيما لا يناقض آية قرآنية أو سنة نبوية، مع إخضاع هذا العقد للأحكام الخاصة بالاستصناع والأجير المشترك ... وقد اعتمد في أحكام المواد الثلاث على ما ورد في كتاب الاستصناع أول الجزء الخامس من بدائع الصنائع، وعلى ما جاء في الصفحة ١٠٦، ج٦ من المغني، والمواد ٣٨٨و٣٩٠و٤٢١و٤٢٢و٤٦٣و٥٧١و٦٠٠و٦٠٤و٦١٦ من مرشد الحيران (٢) .
стр. 17854
ويلحظ أن المذكرة الإيضاحية لم توضح ما إذا كان عقد المقاولة هو عقد استصناع وإجارة معا في جميع الحالات. أم عقد استصناع في حالة تعهد المقاول بتقديم المادة، وعقد إيجارة في حالة تعهد رب العمل بتقديم المادة، كما يتبادر إلى الذهن.
ويلحظ أيضًا اختلاف التكييف القانوني الذي أورده الدكتور السنهوري عن التكييف الفقهي الذي أورده واضعو المذكرة الإيضاحية للقانون الأدرني، مع أن المواد المتحدث عنها في القانونين متطابقة.
والفارق الأساسي بين التكييفين هو أن الدكتور السنهوري اعتبر عقد المقاولة عقدا جديدا له مميزاته وأحكامه، تطبق عليه القواعد العامة للعقد، وواضعي المذكرة الإيضاحية للقانون الأردنى اعتبروه عقد استصناع وعقدًا مع أجير مشترك تطبق عليه أحكام هذين العقدين.
إن تكييف عقود الصيانة يحتاج في رأيي إلى تفصيل على النحو التالي:
١.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد، وغير المحتاج لمادة (المجرد) .
٢.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج لمادة والمتعهد بالمادة صاحب الشيء المصون.
٣.تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج لمادة والمتعهد بالمادة الصائن.
٤.تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد البيع على البائع.
٥.تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر.
٦.تكييف عقد الصيانة المشروطة في عقد المقاولة على المقاول.
قبل الدخول في تكييف هذه الأنواع من عقود الصيانة أود أن أشير إلى أن عقد الصيانة كأي عقد آخر له أركان هي أركان العقد بصفة عامة، وهي: الصيغة، والعاقدان، والمحل، ولكل ركن من هذه الأركان شروط صحة، لابد من تحققها ليكون العقد صحيحا، وسأفترض أن شروط الصحة المطلوبة في الصيغة والعاقدين متحققة في عقد الصيانة، وسأهتم بالشروط المطلوبة في المحل – العمل والبدل – لأن تحققها أو عدمه هو الذي يؤثر على التكييف.
стр. 17855
١. تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد آخر، وغير المحتاج لمادة:
هذا هو أبسط أنواع عقود الصيانة، فهو عقد صيانة مجرد، أو مستقل، غير مقترن بعقد آخر: مقاولة أو غيرها، وغير محتاج إلى مادة، لا من الصائن، ولا من صاحب الشيء المصون، فهو عقد يتعهد فيه الصائن بأداء عمل فقط هو الصيانة.
ويلحق بهذا النوع الصيانة التي تحتاج إلى مادة لا يعمل المتعاقدان لها حساب في العادة.
هذا النوع من عقود الصيانة يشبه شبها تاما عقدًا معروفًا في الفقه الإسلامي هو عقد إجارة الأشخاص، وعقد إجارة الأشخاص قد يكون فيه الأجير مشتركا، وقد يكون فيه الأجير خاصا، والأجير المشترك هو: من يستأجر لإداء عمل معين، ولم يختص به شخص معين كالبناء، والمهندس، والصائن إذا لم يكن عملهم مقصورا على معين. الأجير الخاص هو: من يستأجر مدة محددة لأداء عمل لشخص معين بحيث لا يتقبل عملا من غيره مدة الإجارة.
وفي عقد الصيانة قد يكون الصائن ممن يعمل لجميع الناس، فتطبق عليه في هذه الحالة أحكام الأجير المشترك، وهذا هو الغالب، وقد يكون الصائن يعمل لشخص معين كما لو اتفق صاحب مصانع مع شخص ليتفرغ لصيانة مصانعه بأجر شهري، فتطبق عليه أحكام الأجير الخاص.
(١) والمعقود عليه في عقد الصيانة عندما يكون الصائن أجيرا مشتركا هو العمل، ولذا يجب أن يعين تعيينا ينتفي معه الغرر المؤدي إلي فساد العقد، كما يجب أن يكون الأجر معلوما، أما المعقود عليه بالنسبة للصائن عندما يكون أجيرا خاصا فهو منفعته أو وقته في المدة التي يعمل بها، لهذا يجب أن تكون المدة معينة في العقد (١) .
стр. 17856
٢. تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج إلى مادة والمتعهد بالمادة هو صاحب الشيء المصون:
هذا النوع من عقود الصيانة كالنوع الأول يكون فيه الصائن إما أجيرا مشتركا، أو أجيرًا خاصا، تطبق عليه أحكامهما، ويضاف إلى هذا النوع أن المادة التي يقدمها صاحب الشيء المصون تكون أمانة وفي يد الصائن يضمنها إذا تعدى أو قصر في حفظها باتفاق الفقهاء، أما إذا تلفت من غير تعد أو تقصير، فإن كان الصائن أجيرا خاصا فإن لا يضمن باتفاق الفقهاء أيضا، وإن كان أجيرا مشتركا فإنه في تضمينه وعدمه الخلاف المشهور بين الفقهاء (١) .
٣. تكييف عقد الصيانة غير المقترن بعقد والمحتاج إلى مادة والمتعهد بالمادة الصائن:
هذا النوع من عقود الصيانة يتضمن عقد إجارة كما في النوع الأول والثاني، ويتضمن عقد بيع للمواد من الصائن إلى صاحب الشيء المصون فهو عقد اجتمع فيه عقدان: البيع والإجارة، فهو صفقتان في صفقة، فهل يشمله النهي الوارد في حديث صفقتين في صفقة.
عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: نهى النبي ﷺ ((عن صفقتين في صفقة واحدة)) (٢) .
هذا الحديث قال بعض العلماء أنه موقوف، وعلى فرض رفعه فقد اختلف في تفسيره، فقد فسره سماك، وهو أحد رواته، بأن يبيع الرجل البيع فيقول: هو بنسأ بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا (٣) ..
وهو أيضًا تفسير لأبي عبيد القاسم بن سلام فقد قال: صفقتان في صفقة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك هذا نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، ويفترقان على ذلك (٤) .
وهذا هو أحد التفاسير لبيعتين في بيعة (٥) .
فعلى هذا التفسير فإن مسألتنا لا تدخل في النهي الوارد في هذا الحديث، ولكن التحقيق أن بيعتين في بيعة أخص من صفقتين في صفقة؛ لأنه في نوع خاص من الصفقات هو البيع (٦) .. وأما صفقتان في صفقة فإن يشمل البيع وغيره من الصفقات، فيدخل فيه الجمع بين عقدين في عقد واحد أيا كان نوع العقدين، فالجمع بين البيع والإجارة، أو البيع والإعارة، أو البيع والسلف، أو البيع أوالشرط.. . كل ذلك ونحوه من صفقتين في صفقة، ولكن هل يتناول النهي كل ما يصدق عليه لفظ صفقتين في صفقة؟
стр. 17857
لفظ الحديث عام ولكن الفقهاء لم يأخذوا بهذا العموم، فالمالكية يمنعون الجمع بين كل عقدين بينهما تضاد، ولذلك منعوا الجمع بين البيع وأحد العقود الستة، وهى: الجعالة، والمساقاة، والقراض، والصرف، والشركة، والنكاح (١) . وجوزوا الجمع بين البيع والإجارة. جاء في المدونة: (قلت) : أرأيت إن استأجرت رجلا على أن يبني لي داري على أن الجص والآجر من عند الأجير، (قال) : لا بأس بذلك، (قلت) : وهو قول مالك، (قال) نعم، (قلت) : لمَ جوزه مالك، (قال) : لأنها إجارة وشراء جص وآجر صفقة واحدة.. .. (٢) .
فتكييف هذا النوع من عقد الصيانة بالبيع والإجارة مقبول حسب مذهب المالكية، وهو الصواب عندي.
ويجب إن أخذنا بهذا التكييف تحقق شروط كل من عقد البيع وعقد الإجارة في هذا النوع من عقد الصيانة، ولكن يبدو لي أن تحقق شروط البيع غير ممكن، ولهذا فإن الأولى عندي، إذا كان صاحب العمل لا يقدم المادة بنفسه، أن يوكل الصائن بشرائها فيكون تكييف العقد في هذه الصورة إجارة ووكالة بالشراء، ولا مانع من هذا.
٤. تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد البيع على البائع:
قد يشتري شخص سلعة من السلع التي تحتاج إلى صيانة، ويشترط على بائعها أن يقوم بصيانتها مدة من الزمن، فيجتمع في العقد بيع وشرط، وقد ورد في هذا حديث هو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ ((عن بيع وشرط)) (٣) .
стр. 17858
وقد اختلف الفقهاء اختلافا كبيرا في العمل بهذا الحديث، فأخذ به الحنفية والشافعية في الجملة، ولم يأخذ به الحنابلة، وأخذ به المالكية في موضوعين، أحدهما الشرط الذي يناقض مقتضى العقد، والثاني الشرط الذي يعود بخلل في الثمن (١) .
ومن الأمثلة التي يذكرها الفقهاء للبيع والشرط التي تعنينا في تكييف مسألتنا ما إذا اشترى شخص ثوبا على أن يخيطه البائع قميصا:
قال الحنفية البيع فاسد، لأن الخياطة يقابلها شيء من الثمن فهو شرط إجارة في بيع، فيكون من صفقتين في صفقة (٢) .
والبيع فاسد أيضا عند الشافعية لحديث النهي عن بيع وشرط؛ ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد (٣) .
والبيع جائز عند الحنابلة، قال ابن قدامة المقدسي: "ويصح أن يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، مثل أن يشتري ثوبا، ويشترط على بائعه خياطته قميصا (٤) .
والعقد صحيح عند المالكية على أصل مذهبهم في جواز اجتماع البيع والإجارة (٥) . وبناء على ما تقدم فإن هذا النوع الرابع من عقود الصيانة يكيف على أنه (بيع وشرط) ، وجائر عند المالكية والحنابلة.
٥. تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر:
صيانة العين المؤجرة على المؤجر؛ لأنه هو المالك للعين، والمستأجر يملك المنفعة، وعلى مالك العين تمكينه من الانتفاع.
стр. 17859
جاء في المدونة: " (قلت) : أرأيت إن استأجرت دارا على من مرمة الدار، وكنس الكنيف، وإصلاح ما بها من الجدران والبيوت، (قال) : على رب الدار، (قلت) : وهذا قول مالك؟ (قال) : سألنا مالكا عن الرجل يكتري الدار ويشترط عليه أنه إن انكسرت خشبة أو احتاجت الدار إلى مرمة يسيرة كان ذلك على المتكاري، (قال مالك) : لا خير في ذلك إلا أن يشترط من كرائها، فهذا يدلك على أن المرمة كلها في قول مالك على رب الدار (١) .
وجاء في المغني: على المكري بناء حائط إن سقط وإبدال خشبة إن انكسرت، وعليه تبليط الحمام.. . وإن شرط هذا على المكتري فالشرط فاسد؛ لأن العين ملك للمؤجر فنفقتها عليه (٢) .
٦. تكييف عقد الصيانة المشروط في عقد المقاولة على المقاول:
قلنا إن عقد المقاولة هو عقد يتعهد فيه المقاول بصنع شيء أو أداء عمل، وإن عقد الصيانة يندرج في عقد المقاول (٣) .لأن الصائن يتعهد فيه بأداء عمل من نوع خاص، وقد يتعهد المقاول بصنع شيء ويلتزم بصيانته مدة من الزمن، فيجتمع عقد الصيانة والمقاولة في عقد واحد، كما لو تعهد مقاول بإقامة مصنع وتعهد أيضا بصيانته لمدة عشر سنين.
تكييف هذه المعاملة هو أنها عقد إجارة على صناعة الشيء وصيانته إذا كانت المادة من صاحب العمل، وعقد إجارة وبيع إذا كانت المادة من المقاول، وكل هذا جائز شرعا كما بينا (٤) .
هذا وقد نص قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤م السوداني في المادة (٣٨٦) ، والقانون المدني الأردني في المادة (٧٨٨) عند الكلام عن التزامات المقاول على الآتي:
- إذا كان عقد المقاولة قائما على تقبل بناء يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث في خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته إذا لم يتضمن العقد مدة أطول.
هذه المادة تعني أن المقاول ملزم بنص القانون بصيانة ما بناه لمدة عشر سنوات، ويجوز أن يكون الالتزام بالصيانة لمدة أكثر باتفاق الطرفين.
стр. 17860
تكييف عقد الصيانة على أنه عقد جعالة:
خرج أو كيف بعض الباحثين عقد الصيانة تكييفا يختلف عن التكييف الذي ذكرته، فكيفه بعضهم على أنه (جعالة) من هؤلاء الباحثين الأستاذ الدكتور يوسف قاسم.
يقول الدكتور يوسف:
"يمكن أن ينظر إلى بعض عقود الصيانة بحيث نستطيع تخريجها على أساس أنها من عقود الجعالة، مثال ذلك إذا أعلنت إحدى الشركات أن الذي يقوم بعملية صيانة شاملة للمصنع المملوك لها والكائن في مكان كذا، فإنها تقدم له مكافأة إجمالية شاملة قدرها كذا، والحال أن هذا الإعلان موجه للمهندسين المتخصصين في صيانته هذا النوع من المصانع. فلا شك أن هذا العقد يكيف على أنه عقد جعالة (١) .
ومن الباحثين الذين كيفوا عقد الصيانة بأنه عقد جعالة الأستاذ الدكتور أحمد الحجي الكردي، يقول الدكتور الحجي:
" الجعالة أقرب العقود قاطبة إلى عقد الصيانة مما يمكن معه إدخالها فيها، وترتب شروطها وأحكامها على وفقها (٢) .
ومنهم الأستاذ عز الدين محمد توني، يقول الأستاذ عز الدين:
"النظر في تخريج بعض عقود الصيانة على عقد الجعالة:
الجعالة عقد يقع على عمل الإنسان نظير عوض، والصيانة كذلك عقد يقع على عمل للإنسان نظير عوض. وكما ذكرنا من قبل فإن أهم ما يميز عقد الجعالة أنه عقد جائز فلكل من الطرفين فسخه، وأن العوض فيها لا يستحق إلا بتمام العمل فيها يجوز أن يكون مجهولا.. ..
وإذن يمكن أن يتمخض عقد الصيانة عقد جعالة إذا تحققت في العقد هذه الأمور.
فلو أن بيت التمويل أعلن في الصحف أن من قام بإصلاح أجهزة التكييف في المبنى الكائن بشارع كذا فله كذا، فتقدمت إحدى الشركات، وتعاقد بيت التمويل معها، وذكر في العقد نوع العمل وتحديد قدر العوض، ثم ذكر في العقد أن الشركة لا تستحق هذا العوض إلا بعد تمام العمل، وأنها لو تركت العمل قبل إتمامه لا تستحق شيئا، ووافقت الشركة على ذلك كان هذا العقد عقد جعالة مسمى باسم الصيانة (٣) .
стр. 17861
وقد أخذت الندوة الفقهية الرابعة بالكويت (١٤١٦هـ - ١٩٩٥م) برأي هؤلاء الأساتذة فجاء في قرارتها ما يلي:
- تطبيقات الإجارة والجعالة على عقود الصيانة:
عقد الصيانة عقد مستحدث مشروع تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود، ولا يخالف نصا أو قاعدة شرعية عامة، وهو في تكييفه الفقهي أقرب ما يكون إلى عقد الجعالة حيث إن معظم صور الصيانة لا يمكن فيها تحديد مقدار العمل بشكل دقيق.
وبعد تحديد جنس العمل ونوعه ومحل العمل والمقابل والزمن وما فيه من جهالة أو غرر فهو من اليسير المغتفر الذي لا يؤدي إلى النزاع بالرجوع إلى المتعارف عليه في كل مجال، (هكذا) وهذا بالنسبة لعقد الصيانة بدون الالتزام بقطع الغيار.
أما إذا كان العقد شاملا لقطع الغيار فيختلف الحكم بين الحالتين الاثنتين:
الحالة الأولى: أن يلتزم مالك العين المطلوب صيانتها بتقديم قطع الغيار من عنده عينا، أو يلتزم بدفع ثمنها المحدد ممن يقدمها، وهذه الصورة جائزة شرعًا؛ لأنها إما جعالة. أو جعالة رافقها بيع (١) .
الحالة الثانية: أن تلتزم الجهة المتعهدة بالصيانة بتقديم قطع الغيار مع العمل، فهناك صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون الصيانة دورية، وقطع الغيار معلومة بالرجوع إلى العرف من حيث تحديد عددها وصفاتها وعمرها الافتراضي ووقت تبديلها، فهذه الصورة جعالة جائزة أيضا (٢) . ويمكن التعاقد على العمل بعقد واحد حيث يغتفر الجهالة اليسيرة (هكذا) .
الصورة الثانية: أن تكون قطع الغيار غير قابلة للتحديد عند التعاقد بالرجوع للعرف أو مراعاة الطبيعة التقنية للمعدات، ويقع التفاوت الكبيرة في تكلفتها ففي هذه الصورة لا يجوز التعاقد على التزام الجهة المتعهدة بالصيانة للقيام بالعمل وتقديم قطع الغيار، وذلك للجهالة الكبيرة المؤدية للنزاع (٣) .
تكييف عقد الصيانة على أنه عقد جعالة غير مقبول عندي؛ لأن عقد الصيانة عقد لازم بالنسبة للطرفين، وعقد الجعالة غير لازم بالنسبة للمجعول له فله أن يتخلى عن العمل في أي وقت يشاء، وغير لازم أيضا بالنسبة للجاعل قبل شروع المجعول في العمل (٤) . وهذا وحده يكفي لبطلان التكييف بالجعالة، وزيادة على فإن عقد الجعالة يجوز أن يكون العمل فيه مجهولا، وعقد الصيانة يشترط فيه معرفة العمل، وعقد الجعالة لا يستحق فيه العوض إلا بتمام العمل، وعقد الصيانة يجوز أن يدفع فيه العوض عند العقد أو في أثناء العمل، أو بعده حسب اتفاق الطرفين (٥) . ولو طبقنا أحكام عقد الجعالة على عقد الصيانة كما يقول الدكتور الحجي (٦) . لأصبح عقد جعالة لا عقد صيانة.
والمثال الذي ذكره الدكتور يوسف هو عقد جعالة محله صيانة المصنع تطبق عليه أحكام الجعالة، وليس عقد الصيانة، والمثال الذي ذكره الدكتور عز الدين هو أيضا عقد جعالة، وقد اعترف الدكتور عز الدين بهذا في قوله آخر المثال: "كان هذا العقد عقد جعالة مسمى باسم الصيانة".
أما قرار الندوة فقد بدأ بداية جيدة حيث اعتبر عقد الصيانة عقدا مستحدثا مشروعا تطبق عليه الأحكام العامة للعقود، ولكنه عاد فجعله عقد جعالة فقط إذا كان بدون الالتزام بقطع الغيار، وعقد جعالة رافقه بيع إذا كان مع الالتزام بقطع الغيار، وإذا كان التكييف بالجعالة غير مقبول عندي فالتكييف بالجعالة والبيع (٧) . أولى بعدم القبول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه....
الدكتور / الصديق محمد الأمين الضرير.
стр. 17862
عقود الصيانة وتكييفها الشرعي
عقد الصيانة
إعداد
آية الله محمد على التسخيري – مرتضى الترابي
الجمهورية الإسلامية الإيرانية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأطهار وصحبه الأخيار.
عقد الصيانة
من المعاملات المستحدثة عقد الصيانة. والبحث عنه يقع من ناحيتين:
١.حقيقة الصيانة وأنواعها.
٢.حكمها من ناحية الشريعة المقدسة.
أهمية الصيانة:
الأدوات والأجهزة المستحدثة في حياتنا الفردية والاجتماعية؛ كأدوات المنزل ووسائل الإنتاج والنقل، ووسائل الحرب، والآلات المهنية المختلفة، قد تحولت من وسائل بسيطة إلى أجهزة معقدة، فهي تستوجب المراجعة من قبل المتخصصين لصيانتها وإصلاحها، وربما تبديل بعض قطع غيارها، وكذلك الحال بالنسبة إلى حفظ المشاريع الصناعية والعمرانية.
ولذا كانت فكرة عقد الصيانة من لوازم الاستفادة الصحيحة من هذه الأجهزة الحديثة والمتطورة، ومن لوازم حفظ المشاريع الصناعية والعمرانية المهمة ودوامها، وتجنب حصول العطل فيها بسبب عدم توفر المتخصص أو قطعة الغيار التي يلزم تبديلها في وقت الحاجة.
стр. 17863
تعريف الصيانة:
الصيانة هي: الاتفاق في عقد مستقل أو في ضمن عقد معين بين الشركة أو المتخصص، وبين صاحب المال، للقيام بخدمات الإدامة وإصلاح المال في مدة معينة، لكي يبقى صالحا للاستفادة المطلوبة في مقابل أجرة معينة.
أنواع الصيانة:
الاتفاق على الصيانة يمكن أن يتحقق بصورة مختلفة لكل منها آثار وأحكام خاصة. فإن الاتفاق على الصيانة كما يمكن أن يتحقق في ضمن شرط في عقد بيع أو إجارة، كذلك يمكن أن يتحقق في عقد مستقل.
وكذلك الملتزم به كما يمكن أن يكون صرف استعداد المتخصص للقيام بخدمات الصيانة، مع كون أجرة العمل خارجا عن الاتفاق، كذلك يمكن أن يكون مشتملا على أجرة عمل الصيانة، فيكون الاتفاق على الصيانة ملحوظا فيه أجرة الإصلاح وتبديل قطع الغيار، أي لا تكون لهما أجرة مستقلة.
فقبل الدخول في البحث نشير إلى الأشكال المختلفة للاتفاق على الصيانة، ثم نتعرض لأحكامها.
الأشكال المختلفة للاتفاق على الصيانة:
الشكل الأول: الاتفاق على الصيانة كعقد مستقل بين صاحب المال وبين الشركة أو المتخصص، على مجرد عرض خدمات الإدامة، ويكون الإصلاح وتعويض قطع الغيار عند اللزوم بأجرة مستقلة عن أجرة الخدمات المتفق عليها في ذلك العقد.
стр. 17864
الشكل الثاني: نفس الصورة السابقة مع كون أجرة الإصلاح وتبديل قطع الغيار وسائر الخدمات منضما إلى أجرة الخدمات في عقد واحد.
الشكل الثالث: كون الصيانة شرطا في ضمن عقد البيع أو الإيجار , وكان المشروط به هو الاستعداد لتوفير خدمات الصيانة عند الحاجة، مع كون أجرة الإصلاح والخدمات وثمن قطع الغيار مستقلة عن هذا العقد.
الشكل الرابع: نفس الصورة السابقة مع كون أجرة الإصلاح والخدمات داخلة في العقد الأول أي عقد البيع والإيجار الذي قد اشترطت فيه الصيانة.
الشكل الخامس: كون عقد البيع أو الإيجار مشروطا بتبديل أو إصلاح المبيع أو المال المستأجر عليه لو طرأ عليه عيب معين إلى مدة معلومة بدون أخذ الأجرة أو الثمن على ذلك، وهو ما يسمى بضمانة الصيانة لمدة معلومة. وتفترق هذه الصورة عن الصورة السابقة في أن الملحوظ فيه هو التحفظ عن العيوب المخفية أو العيوب غير المتوقعة في المبيع. ويكون هذا الشرط بنحو شرط النتيجة، أي كون ذمة البائع مشغولة بالتبديل أو الإصلاح فيما لو طرأ على المبيع عيب، وهذا بخلاف الصورة السابقة فإن الشرط فيها على نحو شرط الفعل؛ أي تعهد المشروط عليه بالقيام بالفعل وهو التعمير والإصلاح بدون أن يكون هناك اشتغال ذمة – أي ضمان بشيء وضعًا – والملحوظ فيه هو المحافظة على المبيع بإجراء خدمات الإدامة.
وبما أن أحكام بعض هذه الأشكال متداخلة لذا نعقد البحث في ثلاث صور:
الصورة الأولى – الاتفاق على الصيانة في عقد مستقل:
كما لو تم بين مالك الجهاز وبين المهندس المتخصص أو الشركة اتفاق على أن يقوم المهندس أو الشركة بخدمات الإدامة في فترات معينة، وتبديل قطع الغيار عند الحاجة في مقابل أخذ أجرة معينة إلى مدة معلومة.
стр. 17865
حقيقة هذا الاتفاق وحكمه الشرعي:
لمعرفة الحكم الشرعي لهذا النوع من التعاقد الذي هو من المعاملات المستحدثة لابد من اتباع الطرق الآتية:
أولا: عرض هذه المعاملة على المعاملات الشرعية التي كانت قائمة في ذلك الوقت والمقارنة بينهما لمعرفة حقيقة هذه المعاملة.
ثانيا: تطبيق إحدى القواعد العامة على هذا العقد لو لم نجد ما يماثلها في الإسلام.
ثالثا: وبعد العجز عن الوصول إلى نتيجة عبر هذين الطريقين يتم الانتقال إلى الأصول العملية.
عرض عقد الصيانة على المعاملات الشرعية:
قد يقال إن هذا الاتفاق إذا تحقق في عقد مستقل هو نوع من الإيجار بين صاحب المال كمستأجر، وبين المتخصص أو الشركة كأجير في مدة معينة للقيام بخدمات الإدامة في فترات معينة، وكذلك الإصلاح وتغيير قطع الغيار عند اللزوم كإجارة الخياط نفسه لخياطة الثوب أو الحارس للحراسة عن مال خاص، فأركان الإجارة من حيث وجود المستأجر والأجير والمنفعة، وهي الصيانة التي تكون متعلق التمليك هنا، متوفرة.
لكن التحقيق هو أنه لا يمكن إرجاع بعض أقسام الصيانة كالشكل الثاني إلى الإجارة الصحيحة، من جهة عدم وجود التحديد في ناحية المنفعة، لاشتمالها على القيام بالإصلاح وتغيير قطع الغيار عند اللزوم بدون أخذ ثمن قطعة الغيار أو أجرة الإصلاح مستقلة عن عقد الصيانة، فعقد الصيانة حينئذ يشتمل على تمليك عين ومنفعة غير محددة، والحال أنه لا بد في عقد الإجارة من كون متعلق الإجارة منفعة محددة.
على أن المرجع في تشخيص حقيقة المعاملات هو العرف وكيفية الإنشاء الرائج بين الناس، والعرف لا يرى عقد الصيانة داخلا في باب الإجارة لأن الإجارة، في نظر العرف تتقوم بحصول سلطة فعلية منجزة على المنفعة، والحال أن عقد الصيانة لا ينتج سلطة من هذا القبيل.
стр. 17866
ومجرد الإمكان العقلي لإنشاء هذه المعاملة (الصيانة) على نحو الإجارة أو الصلح لا يغير نظر العرف، والواقع في الخارج من عدم وقوع عقد الصيانة بهذه الصياغة، إذ العقود أمور اعتبارية يتبع حقيقتها الاعتبار الموجود في الخارج وكيفية الإنشاء، وليست لها حقائق منفصلة عن الاعتبار والإنشاء حتى يكون هو الملاك والموضوع. بل لكل عقد حقيقته الاعتبارية التي لابد لتشخصيها من مراجعة العرف وكيفية الإنشاء المتعارف عندهم.
فمجرد التشابه بين عقدين في بعض الأركان لا يجعلهما يحملان عنوانا واحدا. فمثلا عقد النكاح وإن كان هو تمليك البضع وهي منفعة، ولكنها لا تسمى إجارة شرعا ولا عرفا بل هو عقد مستقل له أحكامه الخاصة، وكذلك عقد المزارعة والمساقاة.
ومن هنا علم أن إرجاع هذا العقد إلى الجعالة أو الهبة المعوضة أو الصلح أيضا لا يخلو من تعسف، وذلك لعدم مساعدة العرف وكيفية إنشاء الواقع في الخارج على ذلك.
فالصحيح هو أن عقد الصيانة من العقود المستحدثة التي لها خصوصيات تجعلها متميزة عن العقود الأخرى. فهذا العقد بهذه الصورة ليس بيعا ولا إجارة ولا غيرهما، وإنما هو عقد مستقل له كيانه الخاص وشروطه وآثاره الخاصة به، ولا ينبغي صهره في بوتقة عقد آخر. نعم باعتباره عقدا لابد من توافر أركانه وهي: العاقدان، والمعقود عليه، والإيجاب، والقبول، وكذلك شروطه العامة. ولابد من البحث عن حكمها الشرعي كعقد مستقل مستحدث.
стр. 17867
عرض عقد الصيانة على القواعد العامة:
الصحيح أن عقد الصيانة وإن كان عقد مستحدثا ولكنه عقد شرعي كسائر العقود التي لا إشكال في شرعيتها، وذلك لأنه عقد مشتمل على الإيجاب والقبول وسائر الأركان والشرائط اللازمة لصحة العقد، فيكون مشمولا للعمومات القاضية بالوفاء بالعقد مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]
وقول النبي ﷺ ((المؤمنون عند شروطهم)) (١) . ((والمسلمون عند شروطهم)) (٢) .
وكونه عقدًا مستحدثا غير معهود في زمن النبي ﷺ لا يوجب عدم شمول إطلاق وعموم تلك الأدلة لمثل هذا العقد. فإن الظاهر من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أن الموضوع للوفاء هو كل إنشاء أمكن اتصافه بكونه عقدا سواء كان متداولا أم غير متداول. فإن قيد التداول أمر زائد يحتاج بيانه إلى دلالة زائدة، ومع فقدها يؤخذ بظاهر العموم في كلمة العقود، ويحكم بصحة كل عقد ما لم يكن فيه خلل ممنوع شرعا من قبيل الربا أو الغرر أو نحوه. واحتمال كون اللام في العقود للإشارة إلى العقود المتعارفة في زمن نزول الوحي خلاف المتبادر منه عند الإطلاق. على أن النظر في الأدلة الواردة في المعاملات يدلنا على أن الأصل في المعاملات هو إمضاء ما تعارف بين الناس من أصناف المعاملات والتجارات والحكم بصحته إلا في موارد خاصة، مثل استلزامه للربا أو الغرر أو ما شاكل ذلك من المحظورات الشرعية.
ولا يفرق في البين بالنسبة إلى الالتزام بألفاظ خاصة سواء في الإيجاب أو القبول ولا داعي للاقتصار على لفظ خاص بعد أن كان للمنشىء أن يبرز ما في نفسه بأي مبرز كان.
ولكن قد يشكل في صحة هذه المعاملة من جهة كونها مشتملة على الغرر والتعليق، أما الغرر فلعدم معلومية مقدار الحاجة إلى الإصلاح وتبديل ما ينبغي تبديله من قطع الغيار. وأما التعليق فلكون التعمير والإصلاح معلقا على طروء العيب، فالمعاملة باطلة من ناحية اشتمالها على ما هو محظور شرعا من الغرر والتعليق في المعاملة.
ولكن التحقيق أن ما ذكر لا يصلح أن يكون موجبا لفساد المعاملة.
أما لزوم الغرر فأولا: أن متعلق العقد ليس هو الصيانة الخارجية، بل هو عبارة عن استعداد الشركة أو الشخص للقيام بالخدمات اللازمة للإدامة وإصلاح الأجهزة وتبديل قطع الغيار عند الحاجة، وهو أمر معلوم معين ليس فيه جهالة وخطر في نظر العرف، نظير استئجار شخص للحراسة فإن الحراسة هي القيام بالحفظ، والاستعداد للمواجهة مع اللصوص، وعدم معلومية وجود لص لا يوجب الجهالة في متعلق العقد وهو الحراسة عرفا.
стр. 17868
وثانيا: النسبة المئوية لاحتمال طروء العيب في الأجهزة معلومة أو قابلة للتخمين، وذلك من خلال التجربة والإحصائيات والاختبارات العلمية الحديثة، ومع إمكانية كهذه لا يكون الإقدام على عقد من هذا القبيل إقداما على أمر مجهول فيه خطر.
هذا مع أن الدليل القائم على ممنوعية الغرر في المعاملة هو الحديث المروي عن النبي ﷺ : بأنه ((نهى عن بيع الغرر)) (١) . وهو – مع ما في سنده من مناقشة – مختص بباب البيع ولا مجال للتعدي عن البيع إلى المعاملات الأخرى، كما نبه عليه الفقهاء في كتبهم.
أما لزوم التعليق:
فقد ظهر جوابه مما سبق، وهو أن متعلق المعاملة في ما نحن فيه ليس هو إلا الصيانة، أي استعداد الشركة أو الشخص للقيام بالخدمات اللازمة عند الحاجة، وهو أمر منجز غير معلق على شيء مثل الحراسة. نعم القيام بالإصلاح الذي هو من لوازم الصيانة المنجزة معلق على طروء العيب، ولكنه ليس متعلق العقد عرفا بل هو من لوازم المتعلق.
ملاحظة وجواب:
يمكن أن يشكل في صحة عقد الصيانة بأنه جمع فيه بين تمليك منفعة وعين، فيكون إيجارا وبيعا معا، وهذا لايصح لأنه يكون من باب الصفقتين في صفقة واحدة. وقد روي أنه نهى النبي ﷺ ((عن صفقتين في صفقة)) (٢) .
توضيح ذلك أن الصائن يقوم بأمرين:
الأول: هو الإصلاح وخدمات الإدامة مما يرجع إلى تمليك المنفعة.
والثاني: تبديل قطع الغيار، وهو يرجع إلى تمليك العين الخارجية فيكون إجارة وبيعا معا.
ولكن هذه الملاحظة غير تامة، وذلك لأن الجمع بين تمليك العين والمنفعة لا يوجب تعدد الصفقة ما لم يوجب تعدد الإيجاب والقبول.
والمثمن والثمن، بل هو صفقة واحدة بإيجاب وقبول واحد والثمن والمثمن فيها أيضا متحد (٣) .
أما الجمع بين الصفقتين في صفقة واحدة إنما يصدق فيما لو كان هناك صفقتين لكل منهما إيجاب وقبول، وثمن ومثمن، ولكن ربط أحدهما بالآخر في مقام الإنشاء، كأن يبيع أحد المتعاملين شيئا للآخر على أن يبيع الآخر شيئا منه كأن يقول: أبيع لك داري على أن تبيعني دابتك مثلا. أو أن المراد منه أن يبيع شيئا بثمنين أحدهما نقدا والآخر نسيئة بأيهما شاء المشتري أخذ من دون أن يوجب أحدهما ويجعله قطعيا، وقد ورد النهي عنه في روايات كثيرة، وقد فسر هذا الحديث – نهي النبي ﷺ ((عن صفقتين في صفقة)) – وكذا نهى النبي ﷺ ((عن بيعتين في بيع)) بأحد هذين المعنيين غير واحد من العلماء (٤) .
стр. 17869
على أن هذا الحديث أي نهى النبي ﷺ ((عن صفقتين في صفقة)) ، غير ثابت من حيث السند، وغير معمول به عند علمائنا (١) .
وقد صرح أكثر فقهائنا بصحة الجمع بين البيع والإجارة في صفقة واحدة. وقال المحقق ﵀ في شرائع الإسلام: "ولو جمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد. كبيع وسلف أو إجارة وبيع أو نكاح صح (٢) .
وقال الشهيد الثاني في ذيل هذا الكلام: "لا خلاف عندنا في صحة ذلك كله؛ لأن الجميع بمنزلة عقد واحد والعوض فيه معلوم بالإضافة إلى الجملة، وهو كاف في انتفاء الغرر والجهالة (٣) .
فتحصل مما ذكرنا أن الصيانة كعقد مستقل من العقود المستحدثة التي لها مميزاتها الخاصة التي لا توجد في المعاملات المعهودة، ولكن مع ذلك هو عقد صحيح ولازم تشمله أدلة الوفاء بالعقود وليس فيه خلل يوجب الحكم بالفساد شرعا.
نعم من ذهب إلى توقيفية العقود وأن المشروع من العقود هي العقود المتداولة في عصر نزول الوحي فله أن يرجع العقود المستحدثة إلى إحدى العقود المعهودة كالصلح مثلا، وأن يوصي المتعاقدين الملتزمين بالأحكام الشرعية أن يغيروا صياغة الإنشاء لكي يندرج العقد حقيقة في تلك العقود حتى يكون صحيحا.
الصورة الثانية – الاتفاق على الصيانة كشرط في ضمن البيع أو الإجارة (بنحو شرط الفعل) .
كما لو اشترى جهازا بشرط أن يكون البائع أو وكيله ملزما بالقيام بخدمات الإدامة والإصلاح إلى مدة معينة (بدون أخذ أجرة الإصلاح أو ثمن قطع الغيار مستقلا أو مع أخذها بنحو شرط الفعل) (٤) .
стр. 17870
الصحيح أن هذه معاملة صحيحة مقترنة بالشرط فتشملها أدلة وجوب الوفاء بالعقد والشرط.
ولكن قد يشكل في صحة هذا النوع من التعاقد من جهة توجه الإشكالات نفسها التي ذكرناها في الصورة الأولى، أي الغرر والتعليق وكونه صفقتين في صفقة واحدة، ولكن بما أن بين المقامين فرقا من ناحية مصب الإشكال وبعض الأجوبة نشير إليها مع جوابها:
الإشكال الأول: أن هذا الشرط يستلزم الغرر، والغرر موجب لفساد المعاملة.
والجواب:
أولا: أن ممنوعية الغرر شرعا الثابت بحديث: نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، تختص بالقرار الأصلي المعاملي أي المبادلة بين الثمن والمثمن، أما الشروط الضمنية فما دامت لا توجب حصول الغرر في المشروط أي القرار الأصلي في المعاملة، فلا يشمله هذا النهي.
توضيح ذلك أن الغرر في الشرط قد يؤدي إلى حصول الغرر في المشروط وقد لا يؤدي إلى ذلك، مثلا لو باع الدار بثمن معين واشترط على المشتري خياطة ثوب ودار أمر الخياطة بين نوعين من الخياطة (كالخياطة بدرز أو درزين مثلا) على نحو الإجمال، فإن الغرر في الشرط بلحاظ اختلاف قيمته لو ثبت لا يوجب تحقق الغرر في البيع نفسه، لأن الاختلاف في قيمة الخياط يكون ضئيلا بالنسبة إلى قيمة الدار ولا يلزم من زيادتها أو نقصانها الغرر في أصل المعاملة.
فإن شرط الصيانة في المقام وإن كان فيه إجمال من ناحية عدم معلومية طروء العيب، ولكن ليس بحد يوجب الغرر في أصل المعاملة لعدم وجود أي خطر عرفا فيه على المتعاملين.
ثانيا: لا غرر في الشرط أيضا بعد معلومية درجة احتمال طروء العيب بالتجربة أو الإحصائيات. إذ الصانع يعرف بالتجربة والإحصائيات مقدار احتمال طروء العيب والاحتياج إلى الإصلاح، فإقدامه على شرط الصيانة إقدام على أمر معلوم ليس فيه خطر عرفا.
الإشكال الثاني:
وقد يشكل في صحة هذه المعاملة من جهة اشتمال شرط الصيانة فيها على التعليق، إذ القيام بصيانة معلق على بروز العيب وليس بمنجز، والتعليق في العقود يوجب بطلانها.
والجواب:
أولا: لا نسلم وجود التعليق في مثل هذه الشروط التي يلتزم أحد المتبايعين بالقيام بفعل على تقدير حصول شيء في الخارج، وذلك لأن الشرط هنا هو (الالتزام) والالتزام أمر فعلي منجز يعلمان بتحققه، إنما التعليق في متعلق هذا الالتزام وهو الفعل في الخارج. كما هو كذلك في الواجب المعلق في التكاليف، وبيان آخر أنه وقع هناك التزام مطلق من أحد المتبايعيين بحصة خاصة من الفعل لا الفعل المطلق حتى يكون أصل الالتزام معلقا (١) .
стр. 17871
وثانيا: أن الشرط هو عنوان الصيانة، مثل الحراسة وهو عنوان فعلي منجز وإن كان بعض لوازم هذا العنوان كالقيام بالإصلاح أو تغيير قطعة الغيار معلقا على طروء العيب فهو كالإجارة على الحراسة فإن الحراسة عنوان منجز فعل وإن كان بعض لوازمه كدفع اللص معلقا على وجوده.
وثالثا: لا دليل هناك على اعتبار التنجيز في المعاملات غير الإجماع والإجماع المدعى على بطلان التعليق يختص بالقرارات المستقلة في العقود والإيقاعات، ودعوى سريان التعلق من الشرط إلى العقد المتضمن له لأنه جزء من أحد العوضين أو استلزامه المبادلة بثمنين على تقديرين، مما لا دليل عليه عرفا ولا شرعا.
وتدل على صحة التعليق في الشرط بالإضافة إلى ما ذكر بعض الروايات الخاصة المنقولة من أهل بيت النبي ﷺ كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله ﵇ (١) . قال: سألته عن رجل كان له أب مملوك وكان لأبيه امرأة مكاتبة قد أدت بعض ما عليها فقال لها ابن العبد: هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم. فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون له الخيار عليه بعد ذلك، قال ﵇: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم (٢) .
стр. 17872
الإشكال الثالث:
كون المعاملة مع هذا الشرط من الصفقتين في صفقة واحدة، وهو منهي عنه في الشرع، وموجب لبطلان المعاملة.
بيان الإشكال: ذهبت الحنفية والشافعية إلى أن كل شرط في المعاملة لا يقتضيه العقد، ولا يلائمه، وليس مما ورد في الشرع جوازه، ولا مما جرى به التعامل بين الناس (١) . وفيه منفعة لأحد المتعاقدين موجب لبطلان المعاملة، فإن اشترى ثوبا مثلا وشرط أن يخيطه البائع قميصا يكون هذا الشرط فاسدًا ومفسدًا للمعاملة. وذلك لأنه إن كان بعض البدل بمقابلة العمل المشروط فهو إجارة مشروطة في العقد، وإن لم يكن بمقابلة شيء من البدل فهو إعارة مشروطة في البيع، وهو مفسد للعقد (٢) . لأنه من الجمع بين صفقتين في صفقة واحدة المنهي عنه شرعًا. حيث روي عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن بيع وشرط)) (٣) .وكذلك روي أنه ﷺ ((نهى عن صفقتين في صفقة)) (٤) . وفى رواية أخرى عن ((عن بيعتين في بيعة واحدة)) (٥) .
ولكن يمكن الإجابة عن هذا الإشكال بأن الرواية الأولى – أي نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط – وكذلك الرواية الثانية – أي نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة منها غير ثابتة عندنا من حيث السند وغير معمول بها عند علمائنا (٦) . فإنه لو تم هذا المعنى وكان المراد هو النهي عن أخذ الشرط في البيع لشاع هذا الحكم بين المسلمين واشتهر عندهم وصار من الضروريات كالنهي عن الربا لكثرة ابتلائهم به، إذ من المعلوم أن السيرة العقلانية قد استقرت مدى الأعصار على التعامل مع الشروط التي تجر نفعا لأحد المتعاملين والنهي عن أمر شائع كذلك يحتاج إلى تأكيد أكثر وتكرار في مختلف الأزمنة، وكذلك هو موجب لكثرة السؤال عن هذا الموضوع خصوصا مع ملاحظة أن مركز ظهور الإسلام أي مكة المكرمة كان مركزًا للتجارة، ومع فقد هذه الشهرة يطمئن بعدم صدور هذا النهي عن النبي ﷺ أو عدم دلالته على هذا المعنى.
стр. 17873
على أن كون المراد من قوله عن بيع وشرط، هو أخذ الشرط في عقد البيع مع كون النهي مطلقا غير مقيد بشيء يلزم منه تخصيص الأكثر المستهجن عرفا في التخاطب، فإن الشروط الجائزة المتفق على صحتها في جميع المذاهب كثيرة جدًّا. فالصحيح أن المراد من النهي عن بيع وشرط على تقدير صحته، هو النهي عن شرط خاص كان متداولا في ذلك الزمان مثل اشتراط زيادة الثمن على تقدير التأخير في أداء الثمن لا مطلق الشرط (١) .
وأما ما يقال من أنه إن كان بعض البدل بإزاء العمل المشروط فهو إجارة مشروطة في العقد، وإن لم يكن بمقابلة شيء من البدل فهو إعارة مشروطة في البيع وهو مفسد للعقد (٢) . لأنه من الجمع بين الصفقتين في صفقة واحدة فغير تام. وذلك:
أولا: أن أخذ الشرط في المعاملة لا يوجب تعددها وخروجها عن كونها صفقة واحدة مع عدم تعدد الإيجاب والقبول ووحدة الثمن والمثمن.
وثانيا: فلما حققه فقهاؤنا من أن الثمن لا يقسط على الأوصاف والشروط، ولكن مع ذلك الوصف أو الشرط دخيل في ازدياد ثمن أصل المال بنحو الحيثية التعليلية.
بيان ذلك: إذا باع أحد منين من أرز بدينارين فإن هنا يقسط الثمن أي الدينارين على المثمن وهو الأرز، فيقال: إن كل منّ من الأزر هو بدينار فازدياد الثمن بازدياد الأرز قلة وكثرة. فدخل ازدياد مقدار الأزر في ازدياد الثمن دخل تقييدي،
ويقال: إن هذا الدخل بنحو الحيثية التقييدية.
أما إذا باع المنين من الأرز من النوع الجيد بثلاثة دنانير وباع المنين من الأزر ذي النوع المتوسط بدينارين فإن اتصاف الأزر بكون نوعه جيدا له دخل في ازدياد الثمن ولكن دخله ليس بنحو يقسط عليه الثمن عرفا بل يقال: إن الأزر الجيد بدينار ونصف، فالوصف يكون علة في ازدياد ثمن أصل المال لا أن يقابل نفسه بمال، وهذا ما يصلح عند علمائنا بأن دخل الأوصاف والشروط في ازدياد الثمن بنحو الحيثية التعليلية لا التقييدية.
فعلى هذا لا يصدق كون بعض البدل بمقابلة العمل المشروط حتى يكون إجارة مشروط في العقد، ولا يكون العمل المشترط مجانا ومما ليس له دخل البدل أصلا حتى يكون إعارة. بل له جهل في ازدياد أو نقصان قيمة أصل المال وإن كان ليس بإزائه مال، فعلى هذا لا يكون أخذ الشرط في المعاملة موجبًا لتعدد الصفقة أصلا. أما معنى الصفقتين في صفقة واحدة فليس هو اشتمال المعاملة على شرط يوجب انتفاع أحد المتعاملين بل معناه كما مر الإشارة إليه هو إما أن يبيع شيئا بثمنين أحدهما نقدا والآخر نسيئة بأيها شاء المشتري أخذ من دون أن يوجب أحدهما، أو أن المراد منه هو أن يبيع أحد المتعاملين شيئا للآخر على أن يبيع الآخر شيئا منه، وعلى أي حال لا ربط لهذا الحديث بأخذ الشرط في العقد أصلا.
стр. 17874
الصورة الثالثة – ضمان الصيانة لمدة معلومة:
في ما إذا كان عقد البيع أو الإجارة مشروطا بتبديل أو إصلاح المبيع أو المال المستأجر عليه لو طرأ عليه عيب معين إلى مدة معلومة بدون أخذ أجرة أو ثمن على ذلك، والشرط هنا كما مرت الإشارة إليه سابقا بنحو شرط النتيجة لا الفعل، ولذلك لو لم يقم البائع بتبديل أو إصلاح السلعة المباعة وفقا للشرائط المعينة يعد مديونا؛ أي تكون ذمته مشغولة بذلك. فليس هو مجرد وجوب تكليفي فحسب، بل إن الشرط هنا هو أولا وبالذات هو الحكم الوضعي، أي كون ذمة البائع مشغولة بالتبديل، والحكم التكليفي يترتب على ذلك ثانيا، من وجوب القيام بتفرغ الذمة عند طلب من له الشرط.
هذا النحو من الشرط أيضا صحيح عندنا، لشمول الأدلة العامة للوفاء بالعقود والالتزام بالشروط له، أما الإشكال من ناحية وجود خلل فيه من حيث الغرر والتعليق فقد ظهر جوابه مما ذكرناه في الصور السابقة.
بقي هنا بحث وهو أنه في هذه الصورة قد يكون البائع هو الصانع أو وكيله الذي يلتزم بضمان الصيانة أي تبديل السلعة على تقدير ظهور العيب في السلعة. وهذا لا إشكال فيه. ولكن قد يكون البائع مالكا للسلعة من دون أن يكون هو الصانع، فقد يلتزم بتبديل السلعة عن طروء العيب من قبل الصانع لا نفسه.
فإنه يشكل في صحة هذا الشرط بأنه شرط غير مقدور للمشروط عليه الذي هو البائع، فيكون باطلا لأن القدرة على الشرط من شرائط صحة الشروط، كما هو واضح.
ولكن الصحيح هو أن هذا الإشكال غير وارد، وذلك أن البائع الذي اشترى من الشركة الأصلية المنتجة لهذه السلعة أو من وكيله قد اشتراط عليه في ضمن أخذ الوكالة عن الشركة لعرض منتجاته بشرط ارتكازي غير مصرح به، أو بشرط مصرح بأن يبدل الصانع السلع أو يقوم بإصلاحها وفق شروط معينة، فمع هذا الشرط يكون البائع قادرا على ما اشترطه من تبديل المال أو إصلاحه عند طروء العيب في مدة معينة، ولا إشكال من هذه الناحية أيضا.
فمحصل الكلام في هذا البحث:
١.أن الصيانة بنحو عقد مستقل من العقود المستحدثة وإرجاعه إلى العقود المعهودة يخالف الواقع الخارجى وكيفية إنشائه.
٢. عقد الصيانة عقد صحيح شرعا لشمول الأدلة العامة للوفاء بالعقود له مع عدم وجود خلل فيه شرعا.
٣.الصيانة إذا كانت شرطا في ضمن عقد سواء كان بنحو شرط الفعل أو شرط النتيجة شرط سائغ شرعا تشمله أدلة الوفاء بالشروط، وليس فيه أي خلل من ناحية الغرر أو التعليق أو تعدد الصفقة.
آية الله الشيخ محمد علي التسخيري
стр. 17875
عقود الصيانة
إعداد
الدكتور منذر قحف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عقود الصيانة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.
مقدمة:
لابد للوصل إلى الحكم الشرعي لعقود الصيانة من فهم طبيعة هذه العقود وأنواعها أولا. فتحقيق المناط فيها لا يمكن إنجازه إلا إذا قمنا بوصف كامل وتفصيلي لهذه العقود، وصنفناها في زمر حسب خصائصها، وما تتضمنه من التزامات متبادلة.
وفكرة صيانة السلع قد تطورت وتوسعت وتعددت أشكالها حتى إنها طالت في أحيانٍ كثيرة الخدمات أيضا. وإذا كان من المتعارف عليه صيانة المباني والآلات الثابتة والمتحركة، فإن صيانة الخدمات صارت شائعة أيضًا، حيث يعمد من يقدم خدمة كالطبيب مثلا إلى الالتزام بمتابعة ما قدمه من خدمة في الزيارة الأولى بزيارة ثانية مجانية، كما شاع ما يمكن أن نسميه بالصيانة الصحية، حيث يتفق شخص مع مستشفى لتقديم جميع الخدمات الصحية التي يحتاجها لصيانة صحته أو جسمه، إما عموما أو لحالة معينة كالحمل والولادة، وذلك دون تحديد لخصوصيات هذه الخدمات ومواعيدها ولا ما يتضمنه تقديمها من أعمال ومواد.
ومع تنوع أفكار الصيانة وتطبيقاتها العملية فقد تعددت كيفية وجودها في علاقات الناس. فقد يقدمها صانع السلعة أو مقدم الخدمة، أو يقدمها بائع السلعة. وقد يتم هذا بشكل مباشر أحيانا بواسطة مكاتب وورشات إصلاح خاصة بالصانع أو البائع، أو بواسطة أشخاص آخرين يتعاقد هو معهم لتقديم الصيانة. وقد يقدم الصيانة أيضا أشخاص آخرون مستقلون عن صانع السلعة، أو بائع السلعة أو الخدمة. وهنا أيضا يمكن أن يقوم المتعاقد نفسه بعمل الصيانة أو أنه يتعاقد مع آخرين لتقديمها على حسابه شأن المقاول من الباطن.
стр. 17876
وكذلك فإن الصيانة قد تكون بعقد مستقل، أو بشرط في عقد البيع للسلعة أو الخدمة التي تتم صيانتها. وإن كثيرًا من نماذج عقود البيع المطبوعة مسبقا من قبل البائع (كبيع السيارات مثلا) تتضمن شرط الصيانة، بحيث يعامل هذا الشرط على أنه جزء من عقد البيع، مما هو غير خاضع للتفاوض في العادة، وإن كان للمشتري الحق بشطبه والتنازل عنه لو رغب بذلك، دون أن يؤثر الشطب على سعر البيع، وبخاصة أن ضمان الصيانة يقدم من المنتج وليس من البائع نفسه في كثير من الأحيان.
والبحث الراهن يدرس الأنواع والأشكال المتعددة لعقد الصيانة ومضمونه وعلاقته بالمسؤولية التقصيرية للمنتج، وبالعيوب الخفية في السلعة، وعلاقته بعقود بيع وإجارة الأصول الثابتة أو السلع المعمرة، وما يترتب على ذلك من علاقة بإمكان إصدار سندات بالأصول الثابتة المؤجرة.
كما سنبحث علاقته بعقد التأمين، ونشوء ما يسمى بعقد تأمين الصيانة وقد حددت موضوعات هذه الورقة بالعناوين التالية:
١.الصيانة ومعناها ومضمونها وما يمكن أن تشمله من شروط معتادة.
٢.عقود مشابهة للصيانة.
٣.الأشكال التعاقدية للصيانة.
٤.علاقة الصيانة بالتمويل.
٥.المؤشرات الشرعية التي تساعد على الوصول إلى الحكم الشرعي لعقود الصيانة.
стр. 17877
أولًا – الصيانة معناها ومضمونها ومشمولاتها وخصائصها الأساسية:
معنى الصيانة:
المعنى اللغوي للصيانة هو الحفظ والوقاية، وليس للعبارة معنى شرعي (١) .
أما معناها العرفي المستخلص من عقود الصيانة، فإنها تغني إصلاح الشيء المعمر (السلع المعمرة) ، كلما طرأ عليه عطل أو أذى، من حيث قدرته على إنتاج الخدمات والمنافع المقصودة منه. وهي لا تشمل الحفظ المادي للشيء كأن يوضع في مكان أمين أو في ظل ظروف تناسبه من حرارة ورطوبة أو تشغيله بالطريقة الأمثل لاستمرار منافعه، فإن هذا يعتبر من مسؤولية المالك أو المستعمل، وليس مما يدخل في مسؤولية الصائن أو المتعهد بالصيانة في عقد الصيانة.
مضمون عقد الصيانة:
أما أهم ما يتضمنه عقد الصيانة في العادة فهو خدمة الإصلاح المتكررة فالصيانة هي أصلا عقد على الإصلاح. فهو يشمل أساسًا العمل الذي يقوم به الصائن أو من ينوب عنه لإعادة الشيء إلى عهده الإنتاجي المعتاد، كلما طرأ عليه تغير كلي أو جزئي (على أحد أجزاء الشيء) يوقف عمله كليًّا أو جزئيًّا، أو يقلل من جودته أو إنتاجيته المعتادة.
وكثيرا ما تشمل الصيانة تقديم ما يلزم من أعيان إضافة إلى العمل، أيضا نحو قطع الغيار، سواء أكانت الحاجة إلى تغيير القطعة مسببة بفسادها أصلا، أم باهتلاكها قبل الأوان المقرر لها في حالة الاستعمال المعتاد (المتوقع أو المرسوم لها) .
وقد تشمل بعض عقود الصيانة الإصلاح المتكرر، بما فيه من عمل وأعيان، الذي أصبح ضروريا نتيجة لسوء الاستعمال أو نتيجة لفعل الغير.
стр. 17878
مشمولات عقد الصيانة:
فعقد الصيانة هو إذن عقد على عمل، أولا: يشمل عمل المصلح نفسه واستعماله لآلات ومعدات وأدوات مما تحتاجه عملية الإصلاح المتكررة، وكثيرا ما يشمل عقد الصيانة تقديم الأعيان اللازمة للإصلاح بشرط مذكور في العقد نفسه.
ولكننا ينبغي أن نلاحظ أن هنالك شروطا أخرى كثيرة قد تتضمنها عقود الصيانة نذكر فيما يلي أهمها:
١. التعويض عن الإيراد المفقود لفترة تعطل الشيء عن العمل.
٢.تقديم منفعة مماثلة، بديلة أو موصوفة، خلال فترة التعطل عن العمل.
٣.شمول ما قد يضاف من آلات وأجهزة عند المتعاقد خلال مدة العقد دون تحديد مسبق لهذه الآلات والأجهزة.
٤.شمول قطع الغيار التي تحتاج إلى تغيير بسبب هلاكها بالاستعمال العادي، دون تعدٍّ.
٥.شمول ما تحتاجه عملية الصيانة من زيوت ومواد كيماوية وغيرها من المستهلكات (قطع قماش ومواد نظافة مثلا) .
وفى كثير من عقود الصيانة (وبخاصة صيانة السيارات وما شابهها من آلات متحركة) يتم استثناء نوعين من الإصلاحات (بما تحتاجه من عمل وقطع، أو القطع وحدها) وهما:
أ. القطع التي تهترىء بسبب الاستعمال الطبيعي. ومن أمثلة ذلك الاهتراء المتوقع لإطارات السيارات وبطارياتها.
ب. إصلاح ما يحدث بفعل الغير أو بتعد أو سوء استعمال ولو غير مقصود – كمخالفة التعليمات خطأ – من مستعمل الشيء الخاضع لعقد الصيانة.
فتستثني عقود الصيانة السيارات الإصلاح الذي تحتاجه السيارة بسبب الحوادث أو بسبب خطأ مستعمل السيارة، ومثاله: تلف الإطار قبل أوانه بسبب زيادة ضغط الهواء بداخله أو نقصانه عن الحدود المعتادة المذكورة في تعليمات استعمال السيارة.
وأخيرا، فإن عقد الصيانة قد يترافق مع عقد على عملية تشغيل الآلات والأجهزة. فيكون العقد للتشغيل والصيانة معا، ويكون تشغيل الآلات هو الأهم في العقد، وتكون الصيانة تابعه له.
стр. 17879
ففي المباني الحديثة عدد من الآلات والنظم، منها مثلا نظام وأجهزة التكييف، ونظام وأجهزة الإنارة والكهرباء ونظام وأجهزة إطفاء الحريق، ونظام وأجهزة إيصال الماء للاستعمال، ونظام وأجهزة تصريف المياه المالحة، وغير ذلك. وتكون العادة أن تعمل هذه النظم والأجهزة بصورة مستمرة، بحيث يفوت أي توقف أو تعطل فيها الكثير من المنافع والمصالح، ويكون العقد في كثير من الحالات لتشغيل هذه النظم والأجهزة وصيانتها معا. فيكون الصائن هو المشغل لها. وهو يلتزم باستمرار هذه النظم بالعمل حسب ما هو محسوب أو متوقع لها وبإصلاح ما يطرأ عليها عند حدوثه.
خصائص عقد الصيانة:
تتميز عقود الصيانة بخاصتين هما: الجهالة، والطبيعة التأمينية:
أ. الجهالة:
إن أهم خصيصة لعقد الصيانة، الذي هو أساسا عقد على عمل، هو وجود قدر كبير من الجهالة في العقد، فهناك جهالة في مقدار العمل المطلوب، وجهالة في مواعيد تقديمه. فهو عقد على عمل لإصلاح ما قد يصيب الشيء المطلوب صيانته من أعطال توقف أو تقلل من سيل المنافع أو المنتوجات المتوقعة من ذلك الشيء في عمله الطبيعي.
ويختلف مقدار الجهالة في العمل المعقود عليه في عقد الصيانة من عقد لآخر حسب شروط كل عقد وحسب طبيعة الشيء المصان. ففي بعض عقود الصيانة يكون هنالك حد أدنى متفق عليه من العمل المشمول بالعقد. يتضح ذلك في عقود التشغيل والصيانة معا التي تشترط في العادة حدا أدنى من العمل، يتفق على كميته ونوعيته في العقد.
ولكن العقد ينص دائما على التزام المشغِّل (الصائن) بأي مقدار من العمل يلزم لاستمرار عمل النظم والأجهزة حسبما هو مراد لها. فلا يشكل الحد الأدنى الاتفاقي إذن إلا مؤشرا فقط، فقد لمقدار العمل المعقود عليه الذي هو غير معروف المقدار عند العقد.
يضاف إلى ذلك أن أهم ما تنص عليه عقود الصيانة في العادة هو مواجهة الطوارئ. وهذه تتطلب مقدارا من العمل غير معلوم مسبقا بحكم العبارة. وكذلك فإن عقود الصيانة – ومثلها عقود التشغيل والصيانة معا – تتطلب دائما استعمال بعض الآلات والأدوات في إجراء أعمال الصيانة المطلوبة. ومقدار هذا الاستعمال مجهول أيضا، وكذلك مواعيده.
على أن من عقود الصيانة – وهو قليل نادر – ما يتم فيه التعاقد على أجرة للعمل بالساعة ويترك تحديد عدد الساعات لكل عملية صيانة بذاتها. تحصل هذه الأنواع من العقود بشكل خاص في عقود الصيانة من الباطن، حيث يلتزم الصائن تجاه ضامن الصيانة. ويكون اتفاقهما قائما على أساس تحديد معدلات الأجور لكل نوع من الأعمال التي قد يحيلها عليه متعهد الصيانة، دون تحديد كمية العمل التي ستحال كل مرة، ولا مواعيدها وهذه العقود تتطلب ممن يقوم فعلا بعملية الصيانة أن يحتفظ بمقدار من العمالة الجاهزة لديه، تحسبًّا لما يحتاج إليه في الحالات الطارئة.
يضاف إلى ذلك أن عقود الصيانة التي تشمل قطع الغيار تتضمن جهالة بمقدار هذه القطع وأثمانها عند الحاجة إليها، وهي قدر من الجهالة ليس باليسير سواء في كميتها، أو أنواعها، أو أثمانها، أو مواعيد تسليمها واستعمالها.
стр. 17880
ومثل قطع الغيار في الجهالة المواد الاستهلاكية التي تتطلبها الصيانة، من مواد كيماوية لازمة لإجراء الفحوص والتشغيل التجريبي، ومواد نظافة وأشياء استهلاكية أخرى مما تحتاجه الصيانة. وهذه تتضمن أيضا جهالة في كل من مقدارها وأثمانها ومواعيد الحاجة إليها.
وثمة جهالة أخرى أيضا تتعلق بالآلات والأجهزة الخاضعة لعقد الصيانة. إذ كثيرا ما تنص عقود الصيانة على شمولها لما يضاف من آلات وأجهزة، تابعة أو مماثلة لما هو خاضع للصيانة، أثناء مدة عقد الصيانة (انظر النموذج المرفق، الفقرة ٢-٨) .
وهنالك أيضا جهالة في معيار الصيانة المطلوبة. فمعايير الصيانة ليست منمطة دائما ولا بصورة كاملة، على الرغم من وجود قدر كبير من التنميط في صيانة بعض الآلات كالطائرات مثلا. ومع ذلك، فإن معظم عقود الصيانة، بل كلها تتضمن قدرا من الجهالة في معيار الصيانة المطلوبة. فبعضها ينص على تقديم الصيانة المعتادة والمألوفة (Usual and Customary) . وبعضها ينص على تقديمها لدرجة إرضاء الزبون أو المالك (انظر الفقرات ٢-١و٢-٣و٢-٧و٢-٨، من النموذج المرفق) . وبعضها ينص على اعتبار رأي المقدم المباشر الفعلي لعمل الصيانة، وهو في العادة يقوم بذلك وكيلا عن متعهد الصيانة، وبعقد معه من الباطن، هو المعيار في تحديد مقدار الصيانة اللازمة كما هو الشأن في صيانة السيارات الجديدة مما يعقده المنتج من خلال البائع، وينفذه البائع وكيلا عنه.
كما أن بعض عقود الصيانة تتضمن شروطا جانبية تحتوي على قدر كبير من الجهالة. فالفقرة ٢-٩ من النموذج المرفق مثلا تحمل الصائن مسؤولية تقديم دورات تدريبية للعاملين لدى المالك حسبما يطلبه المالك وبرأيه وبحاجته فقط.
ومن عقود الصيانة ما يتضمن جهالة من نوع آخر يمكن أن نسميه بجهالة تتعلق (بالتطورات الفنية) التي قد تحصل في المستقبل. ففي مهنة برامج الكمبيوتر شاعت عقود تقديم البرامج مع صيانتها، وذلك بإدخال كل ما يحصل من معرفة فنية جديدة عليها خلال مدة العقد. والتغير الفني في هذه الصناعة كبير وسريع، وهو مما لا يمكن التنبؤ به كما هو معلوم. وهذا النوع من الجهالة يشمل جهالة التغيرات المستقبلية وأثمانها ومواعيد ظهورها بآن واحد.
стр. 17881
ب. الطبيعة التأمينية لعقود الصيانة:
تختلف عقود الصيانة عن عقود الإصلاح البسيطة بخاصية مهمة جدا هي الطبيعة التأمينية لعقود الصيانة. ولشرح ذلك لابد من المقارنة بين هذين النوعين من العقود. ففي عقد الإصلاح يتم أولا فحص الآلة المتعطلة، بأجرة أو بدون أجرة، لتحديد ما تحتاج إليه من إصلاح، ونتيجة لهذا الفحص التشخيصي يتعرف الطرفان على ما تحتاجه الآلة من إصلاح ويتفقان على أجرة الإصلاح، وقطع الغيار والمواد الأخرى اللازمة، والمدة التي يستغرقها الإصلاح؛ لأن كل ذلك يصبح معلوما قبل العقد، كما يكون معلوما ما سيستعمله المصلح من الآلات لديه أثناء عملية الإصلاح.
أما في عقد الصيانة، فإن المقصود مواجهة ما يحدث في المستقبل، وهو أمر غير معلوم عند التعاقد، سواء أشمل العقد العمل وحده، أم العمل مع المواد الاستهلاكية واستعمال الآلات، أم كل ذلك مع قطع الغيار. لذلك فإن عقد الصيانة يشبه عقد التأمين في أنه ينبني على فكرة تحويل التكلفة المستقبلية المجهولة (تكلفة ما يطرأ من عطل على الآلة أو السعلة المعمرة) إلى مقدار معلوم هو الثمن الذي يمثل التزام الطرف المستفيد في عقد الصيانة.
أما من وجهة نظر الصائن، فهو مثل المؤمن (شركة التأمين) في عقد التأمين، يحصل على مبلغ ثابت محدد لقاء تحمله مخاطر تكاليف إصلاح ما يطرأ على الآلة أو السلعة المعمرة المعقود على صيانتها من تعطل. وبما أن هذه المخاطر مجهولة حين التعاقد. فإن عقد الصيانة لا يحدث، ولا يدخل فيه متعهد الصيانة إلا إذا توفر واحد من شرطين هما:
١.وجود أعداد كبيرة من راغبي الصيانة يدخل معهم في عقود صيانة بحيث تتحول الجهالة الفردية إلى ما يقرب العلم بالنسبة للمجموع، بسبب تطبيق نظرية الاحتمال على الأعداد الكبيرة.
٢.أو أن تكون قيمة العقد كبيرة بالنسبة للكلفة المباشرة للصيانة بحيث تعوض هذه القيمة (فجوة عدم اليقين) بما تتضمنه من مخصص أو هامش يحتاط به المتعهد لما هو غير متوقع من أعمال صيانة.
стр. 17882
وبمعنى آخر، فإن عقد الصيانة له طبيعة تأمينية، تتميز بأنها تحول كلفة احتمالية كبيرة إلى كلفة محددة معلومة بالنسبة للمستفيد من الصيانة، كما تعتمد على قانون الأعداد الكبيرة ونظرية الاحتمالات بالنسبة ل متعهد الصيانة سواء أكان تطبيق هذا القانون من خلال عدد كبير من العقود أم مبلغ كبير لعقد واحد. وهو يختلف في كل ذلك عن عقد الإصلاح البسيط الذي يقوم على العلم واليقين الكاملين لالتزامات وواجبات طرفي العقد بما يتضمنه من مقدار عمل، وأجرته، ومواد، وقطع غيار، وثمنها.
وبخاصيته التأمينية هذه يمكن القول إن عقد الصيانة عقد جديد تطور من عقود الإصلاح البسيطة، وصار يلعب دورا مهما في الحياة المعاصرة مع اتساع دور الآلات الثابتة والمتحركة في حياة الإنسان، ومع التطورات الكبيرة في فن البناء وما يلزمه من آلات وأجهزة، وبما يقوم عليه من تقنية معقدة تقتضي استمرار المحافظة على تشغيلها وعملها المستمر.
وفي مقابل وجوه التشابه هذه، فإن عقد التأمين يكون موضوعه في العادة التعويض المالي عما يطرأ من ضرر أو تلف، في حين أن عقد الصيانة موضوعه إصلاح ما يطرأ من عطل. ففي عقد التأمين يدفع المستأمن قسط التأمين مالا ويحصل المستأمن المتضرر أو المستفيد من التأمين على مبلغ التأمين مالا أيضا. أما في عقد الصيانة فالمبادلة فيه بين مال من جهة وعمل وسلع أو عمل وحدة من جهة أخرى.
ثانيا – عقود مشابهة لعقد الصيانة:
هنالك عدد من العقود تعرفها الحياة المعاصرة لها شبه كبير بعقود الصيانة نذكر أهمها فيما يلي لما لذلك من تأثير على فهم طبيعة عقود الصيانة، ودورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.
أ. عقد النظافة:
وهو عقد على تقديم عمل ومواد نظافة واستعمال آلات وأدوات معينة وهو يتضمن جهالة جزئية بسبب عدم معرفة مقدار العمل المطلوب ولا كمية المواد اللازمة عند التعاقد، لأن كل ذلك يتأثر بظروف، بعضها متوقع، وبعضها غير متوقع، مما يتأثر بالجو والطقس ونوعية المستعملين لما يراد تنظيفه وعاداتهم المتعلقة بالنظافة وموادها.
стр. 17883
ومن الواضح أن هذا العقد قد يتضمن أحيانا قدرا معلوما محددا من العمل والمواد يمثل حدا أدنى متفقا عليه، ويضاف إليه التزام بالنظافة فوق ذلك الحد بقدر من الجهالة يزيد أو ينقص حسبما ذكرنا.
ب. عقد التشغيل:
تحتاج المباني والمنشآت الحديثة إلى آلات وتجهيزات كثيرة مما يلزم لتشغيله معرفة فنية معينة. فالرافعات في الميناء مثلا، وسلالم الوصول إلى الطائرات وأجهزة تحميل البضائع فيها، وآلات وأجهزة المستشفيات ومختبراتها العلمية، وكذلك عقود تشغيل لغرف الطوارئ في المستشفيات بما يحتاجه من عمل ومواد ولوازم طبية معا، كل ذلك مما يمكن أن يشمله عقد التشغيل.
ويكون موضع عقد التشغيل تقديم العمل اللازم والمواد الاستهلاكية اللازمة لتشغيل الآلات والأجهزة.
ونلاحظ أن عقد التشغيل قد يتضمن قدرا أكبر من العلم بما يلتزم به المشغل من عمل ومواد.
ولكن واقع العقود التشغيلية هو أنها تنص دائما على شرطين هامين يؤديان إلى إدخال جهالة في القدر المعقود عليه من العمل والمواد. وهذان الشرطان هما: شرط التشغيل الطارئ بما يحتاجه من زيادة الطاقة الإنتاجية للمشغل أو بزيادة ساعات العمل وشروط إضافة الجديد من الآلات والأجهزة لما هو مذكور منها في العقد.
ومع ذلك فإن بعض هذه العقود قد يتضمن زيادة الثمن بنسبة زيادة التشغيل. الأمر الذي يقلل من الجهالة في العقد لأنه يجعله أقرب التعاقد على الأجر الساعي، مع تحديد حد أدنى لعدد الساعات والاتفاق على إمكان زيادة ذلك العدد حسب الحاجة
جـ - عقد التحديث (Updating) :
عقد التحديث هو عقد على إضافة ما يجد من معرفة علمية أو منتجات حديثة على الأجهزة العلمية مما يحسن مردودها ومنافعها، ويجعلها تواكب التقدم العلمي في ميدانها. وهو عقد على تقديم المعرفة العلمية الجديدة المتمثلة في حقوق معنوية. والتي تتوفر على شكل قطع غيار صغيرة تضاف إلى الآلات أو الأجهزة المطلوبة تحديثها، أو على شكل برامج مخزونة في أقراص صغيرة يتم إدخالها في هذه الأجهزة.
والعمل المباشر الذي يتطلبه عقد التحديث يكاد يكون قليلا جدا، وهو ما يحتاجه تركيب القطعة أو إدخال البرنامج وذلك بالمقارنة مع الكمية الكبيرة من العمل المبذول في متابعة التطورات العلمية والتكنولوجية والصناعية، وفي الحصول عليها، ثم تطويرها بما يناسب المستفيد من عقد التحديث وإدخال التعديلات اللازمة في نظمه حتى يصير من الممكن لأجهزته أن تستوعب الإفادة من هذه المعرفة العلمية الجديدة.
стр. 17884
كما أن أثمان هذه الحقوق المعنوية لا تكون في العادة معرفة عند توقيع عقد التحديث.
على أن معظم عقود التحديث كثيرا تشمل العمل وحده، بما فيه من جزء معلوم بسيط وجزء مجهول كبير وتترك ثمن الحق المعنوي ليتحمله الطرف الطالب للتحديث.
د- عقد صيانة (أو إدارة) الصحة (١) .
وهي عقود صارت شائعة جدا منذ أوائل الثمانينيات في بعض البلدان، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كبديل لعقد التأمين الصحي. ولهذه العقود أشكال متعددة تشترك كلها بخصيصة واحدة، هي تقديم الخدمة الصحية حسب الحاجة لقاء ثمن محدد شهري أو سنوي.
وأكثر أشكال صيانة الصحة شيوعا في أمريكا أن يلتزم متعهد صيانة الصحة تجاه رب الأسرة بتقديم جميع ما يحتاجه من علاج ودواء وخدمة صحية للأسرة كلها، لقاء مبلغ مقطوع يدفع شهريا أو سنويا، ويضاف إليه جزء ضئيل من أجرة كل خدمة صحية أو ثمن كل دواء يقدم إليه (٢) .
وهذه العقود تقدم الخدمات الصحية جميعها، وكذلك الأدوية، من قبل متخصصين يتعاقد معهم متعهد الخدمة (من الباطن) ، ويمكن أن يغير أو يبدل فيهم (المتخصصين) دون إعلام مسبق للمستفيد من عقد الصيانة صحة.
ويختلف عقد صيانة الصحة عن عقد التأمين الصحي في أن الأول يقوم على الالتزام بتقديم الخدمات والأدوية. أما الثاني فإنه عقد مالي بحت يلتزم فيه المؤمن تجاه المستأمن بسداد أجرة العلاج وأثمان الأدوية أو نسبة معلومة منها. الأمر الذي يجعل عقد صيانة الصحة مشجعا على المبادرة لطب الخدمة الطبية الوقائية لدى أول بادرة مرض، في حين أن الثاني يثبط – في العادة – مثل هذه المبادرة، بسبب ما يتضمنه من استثناء للنفقات الطبية الوقائية والصغيرة، مثل أجرة زيارة الطبيب.
وهنالك صورة من عقود صيانة الصحة شائعة في بعض البلدان، ينتفي فيها العقد من الباطن، ويكون المتعهد هو نفسه مستشفى كبير يقدم أنواعا كثيرة من الخدمات الصحية، فيقوم هو نفسه بالالتزام بتقديم خدمات العلاج والدواء تجاه رب الأسرة، ويكون هو نفسه الذي يقدمها فعلا.
ومثل ذلك أيضا الالتزام ببرنامج الولادة الذي تعرضه بعض المستشفيات على الحوامل، لتقديم جميع ما تحتاجه الحامل من رعاية طبية من وقت العقد إلى ما بعد الولادة لقاء مبلغ معين، دون تحديد – ولا معرفة – لتفاصيل الخدمات الطبية التي ستحتاجها ولا نوع عملية الولادة نفسها.
стр. 17885
ثالثا – الأشكال التعاقدية للصيانة:
يتخذ التعاقد على الصيانة واحدا من أربعة أشكال هي:
١. شرط الصيانة في عقد البيع.
٢. عقد الصيانة بين الصائن والمالك أو المشغل للآلة.
٣. عقد التعهد بالصيانة بين متعهد الصيانة والمالك (المشغل) مع عقد للصيانة من الباطن بين المتعهد والصائن.
٤. عقد تأمين الصيانة بين المالك (المشغل) وشركة تأمين (ولنفرض أنها تعاونية تقوم على مبدأ التبرع بالقسط والتعاون بين المستأمنين، ولا توزع ربحا للمالكين، ولا للمدراء؛ حتى لا ندخل بمناقشة خارجة عن موضوع بحثنا) .
١. شرط الصيانة في عقد البيع:
مع تطور الفن الصناعي وتعقد الآلات والأجهزة ظهرت مصالح جديدة لطرفي العقد في بيوع الآلات والأجهزة. أهم هذه المصالح ما يلي:
١.مصلحة طرفي العقد (والمصلحة العامة أيضا) في استقرار العقود والتقليل من حالات الرجوع فيها بالرد بالعيب. تتأكد هذه المصلحة مع قناعة كل من البائع (الصانع) والمشتري بأنه يمكن أن تقع هفوات صغيرة، أو كبيرة، فيما يصنع ويباع. فرغم حرص المصانع على فحص وتدقيق منتجاتها قبل إخراجها إلى السوق، لابد من ظهور عيوب أو أخطاء صنعية في المنتجات الصناعية لدى المشتري، مما يمكن تدارك معظمه بالإصلاح من خلال تقديم صيانة فنية مناسبة، وبخاصة في المنتجات الصناعية المعمرة كالآلات الثابتة والمتحركة والمباني.
٢. مصلحة الصانع (البائع) في التخفيف من آثار أي عيب خفي في الآلة قد تؤدي إلى تحميله مسؤولية تعاقدية تجاه المشتري أو تقصيرية تجاه المشتري وغيره ممن يتصل بالآلة التي صنعها وباعها.
٣.مصلحة الصانع (البائع) بالاحتفاظ بأسرار آلته دون أن تصل إلى منافسيه، وبالتالي فهو يرغب في أن يكشف للمشتري أقل قدر ممكن من هذه الأسرار، ويحتفظ لنفسه بأسرار صيانتها.
٤.مصلحة الصانع (البائع) في تحسين سمعته وتعظيم مبيعاته وأرباحه بإظهار أن سلعته (خدمته) ذات جودة عالية، وأنه مستعد دائما لدعم كفاءتها وإنجازها. لذلك فهو يلتزم بإصلاح ما قد يطرأ عليها من خلل، بل قد يذهب أكثر من ذلك إلى ضمان خدمة بديلة أثناء فترة الإصلاح وضمان قيمة ما قد يتلف على المشتري بسب تعطل الآلة.
٥.مصلحة المشتري في التقليل من آثار تعطل الآلة عن تقديم المنافع المرجوة منها إلى أدنى حد ممكن، مما يجعله يحرص على الإصلاح السريع كلما دعت الحاجة.
٦.مصلحة المشتري في إتقان وسائل التعامل مع الآلة في حالتي التشغيل والتعطيل، مع علمه بأن الصانع هو أقدر الناس على هذا الإتقان.
هذه المصالح أدت إلى إدخال شرط ضمان الصلاحية للتشغيل وتقديم سيل المنافع المرجوة في عقود بيع الآلات والأجهزة وسائر المنتجات المعمرة. ولقد عم هذا الشرط وصار يتخذ أشكالا متعددة بحسب أنواع الآلات وكثرة حوادث تعطلها.
стр. 17886
ومع توسع استعمال الآلة في الحياة المعاصرة، تبين أن لها علاقة كبيرة بالسلامة العامة، مما له صلة بعدد كبير من الناس، على تفاوت نوع الآلة من ثابتة أو متحركة، وحسب نوع الطاقة التي تسيرها أو تقوم هي بإنتاجها، مما دعا الحكومات إلى أن تتدخل في شرط الصيانة هذا، وتفرض على الصانع ضمان تشغيل أكثر أمنا وسلامة للمتعاملين مع تلك الآلة.
يتضح ذلك بشكل جلي فيما تقوم به الحكومات من فرض إجراءات تعديلات أو تغيير بعض القطع في الطائرات والسيارات وغيرها من الآلات المتحركة أو الثابتة، بين وقت وآخر.
فشرط الصيانة إذن هو شرط يضاف في عقد البيع يتحمل بموجبه البائع (الذي كثيرا ما يكون هو نفس الصانع أو أنه يقبل بهذا الشرط نيابة عن الصانع باتفاق بينهما) عبء صيانة الآلة التي يبيعها لفترة محددة من الزمن.
وشرط الصيانة ليس بديلا عن خيار الرد بالعيب فقد تظهر عيوب في الآلة مما لا يمكن إصلاح ولابد عندئذٍ من الرد، ولكن شرط الصيانة يقلل كثيرا من احتمالات الرد بمعالجة ما يتقبل الإصلاح من العيوب.
ومن المعرف أن شرط الصيانة في عقود البيع يميز – عادة – بين خمسة أنواع من أعمال الصيانة هي:
١.الصيانة التشغيلية: وتشمل ما يتطلبه تشغيل الآلة من معايير وزيوت وتبريد أو تدفئة وغير ذلك وما تحتاج إليه من نظافة أو عناية دورية وهذه يتم استثناؤها في العادة من شرط الصيانة، بل ينص على لزومها لمالك الآلة أو مشغلها، وأن تنفيذها يعتبر شرطا في تحمل البائع لمسؤولية الصيانية، وقد تشترط بعض العقود أن يتم تقديم هذا النوع من الصيانة من قبل الصانع (البائع) على حساب المالك (المشغل) ، ليطمئن إلى القيام بها على الوجه الصحيح.
٢.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب فعل أشخاص آخرين أو بسبب حوادث طبيعية أو غير طبيعية، ليس لتشغيل الآلة علاقة بها. كأن يشب حريق في مكان استودعت فيه الآلة أو السيارة، أو أن يحصل تصادم مع سيارة أخرى، وهذه الصيانة تستثنى أيضا في العادة من شرط ضمان الصيانة.
٣.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب مخالفة تعليمات التشغيل كأن يستعمل للآلة زيت مخالف لمواصفات الزيت الذي تتطلبه التعليمات وهذا هو أيضا مما يستثنى من شرط ضمان الصيانة.
٤.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب عوامل الهلاك والاهتراء الطبيعي من تآكل لبعض الأجزاء التي من طبيعتها أن تتآكل أو تتغير في لون ما من طبيعته أن يتغير لونه بتعرضه للهواء أو غير ذلك. وهذا النوع يستثنى في العادة أيضا.
٥.أما النوع الخامس من الصيانة فهو ما يتعلق به شرط ضمان الصيانة، ويشمل كل خلل في الآلة عن إنتاج منافعها بسبب نوعية المعدن أو المادة الذي تتركب منه أو بسبب طريقة تركيب الأجزاء بعضها مع بعض، أو بسبب تصميم الآلة أو عدم قدرة أي جزء منها على تأدية الخدمة المتوقعة منه أو المخططة له في تصميم الآلة.
ومن الواضح أن هذا النوع الأخير من الأعطال أو العيوب يقلل من منافع الآلة عما هو مقصود منها، أو يعطل هذه المنافع كلية، ويستدعي مسؤولية الصانع (البائع) عن هذا العيب. ويهدف شرط الصيانة إلى النص على تحميل الصانع (البائع) هذه المسؤولية صراحة.
ويشبه هذا النوع من حاجات الصيانة ما قد تفرضه الحكومات من إلزام الصانع بإدخال تغييرات على الآلة بعدما يثبت لديها وجود خطورة على السلامة العامة ما لم يتم ذلك التغيير.
وكثيرا ما يتضمن شرط الصيانة قيام الصانع (البائع) بتقديم القطع اللازمة، إضافة إلى القيام بتركيبها وإعادة الآلة إلى عهدها التشغيلي المعتاد أو المحسوب لها.
стр. 17887
على أن أهم ما يميز شرط الصيانة في البيوع هو تحديد فترة زمنية لاستمرار نفاذه، فينص مثلا على ضمان الصيانة لمدة عام أو ثلاثة أعوام. وقد نجد في كثير من العقود النص على ضمان القطع لمدة عام مثلا مع التركيب والخدمة، في حين يستمر ضمان تقديم خدمة الصيانة (بما تتضمنه من عمل فقط) لمدة سنة أخرى مثلا تكون فيها القطع على المشتري. ولكنه ينبغي أن يلاحظ هنا أن ما تفرضه الحكومة أحيانا من إصلاح قد يقع بعد انقضاء مدة الصيانة المشروطة، فهو لا يتقيد بالقيد الزماني لها، لأنه مبني على مصلحة السلامة العامة.
كما أن بعض شروط الصيانة يتضمن استمرار الالتزام بالصيانة لكامل مدتها حتى ولو تغير مالك الآلة، سواء أكان التغير اختياريًّا بنحو البيع والهبة، أم غير اختياري بنحو الميراث والوصية والإجبار على البيع بحكم محكمة.
يضاف إلى ذلك أن بعض شروط ضمان الصيانة يشمل تقديم خدمة بديلة أثناء فترة تعطل الآلة بسبب الصيانة المضمونة، كأن تقدم سيارة بدل السيارة التي تخضع للصيانة، أو بندقية بدل تلك التي تتم صيانتها، وذلك لمدة الصيانة بكاملها.
وكذلك فقد يضاف إلى شرط الصيانة شرط يضمن بموجبه الصانع (البائع) الأضرار التي أدى إليها تعطل الآلة، كأن يعوض عما يتلف من مأكولات نتيجة تعطل الثلاجة، أو جلود نتيجة تعطل آلة الدباغة. ويحدد العقد عادة حدا أعلى لهذه المسؤولية يكون محسوبا بالاعتماد على الطاقة الإنتاجية للآلة.
وكذلك، فإن كثيرا من عقود البيع تتضمن شرطا بالخيار باستمرار شرط ضمان الصيانة لمدة إضافية لقاء دفع المشتري مبلغا إضافيًّا عند العقد أو عند ممارسة ذلك الخيار، الذي تحدد له عادة مدة ينقضي بانتهائها.
وقد يضاف إلى شرط الصيانة أحيانا شرط الإشراف على التشغيل لمدة معينة، وكذلك شرط تقديم التدريب للعناصر التي ستتعامل مع الآلة بعد تركيبها عند المشتري أو المستفيد.
стр. 17888
٢. عقد الصيانة المستقل بين الصائن والمالك (المشغل) :
لقد صارت صيانة الآلات بأنواعها مهنة، بل مجموعة من المهن، حسب أنواع الآلات الكثيرة. ونشأت عن ذلك عقود صيانة ذات أشكال متعددة (١) . أهمها ثلاثة هي:
أ. أن يتعهد الصائن بتقديم الصيانة، وأن يتفقا على سعر لوحدة العمل، وأن يشتري المالك القطع من طرف ثالث خارج عن العقد. أي أن يكون التزام الصائن عمليا متركزا فقط في قبول ما يرسل إليه من أعمال (وعدم رفضها) ، بسعر أو قل بأجر متفق عليه مسبقا لوحدة ساعة العمل مثلا.
ب. أن يتعهد الصائن بتقديم خدمة الصيانة بمبلغ مقطوع لكل مرة مهما كان عدد ساعات العمل التي تستغرقها كل عملية صيانة، مع شراء قطع الغيار من طرف ثالث على حساب المالك (مشغل الآلة) .
ج. أن يتعهد الصائن بتقديم العمل وقطع الغيار معا في كل مرة تحتاج فيها الآلة أو الآلات إلى صيانة، وذلك لقاء مبلغ مقطوع سنوي أو شهري.
وفى كل من هذه الأشكال الثلاثة كثيرا ما يتضمن العقد نصا صريحا يعتبر ما يضيفه المالك من آلات جديدة، خلال مدة العقد داخلا في العقد بمجرد ضمه إلى سائر الآلات الموجودة لديه عند التعاقد.
٣. عقد التعهد بالصيانة:
وهو يشبه عقد الصيانة، ولكنه يشمل في العادة أنواعا متعددة من الآلات مما يتطلب اختصاصات فنية متعددة. ويلتزم فيه متعهد الصيانة بإصلاح ما يطرأ على الآلات والأجهزة الموجودة لدى الطرف الآخر لقاء مبلغ معين، وبسبب شموله لآلات من أنواع عديدة، فإنه قلما يشير إلى أي تمايز في المعاملة بين العمل وقطع الغيار اللازمين للصيانة. وبالتالي فإن عقد تعهد الصيانة يقدم – عادة – الصيانة كاملة، بما فيها من عمل ومواد وقطع غيار، للمالك أو المشغل للآلات والأجهزة.
وكثيرا ما يتضمن هذا العقد النص على اعتبار ما يضاف من آلات إلى ما هو موجود منها عند العقد مضمونا إليها من حيث شموله بالتعهد.
стр. 17889
ويرافق عقد التعهد بالصيانة قيام المتعهد بالتعاقد مع الفنيين لتقديم خدمات الصيانة التي يلتزم بها.
فهو عقد تعهد بالصيانة يتضمن تقديم العمل مع المواد وقطع الغيار. وهو مترافق مع عقد صيانة من الباطن بين المتعهد والصائن الفعلي. وبسبب عقد الصيانة المرافق هذا يستطيع متعهد الصيانة أن يقدم الصيانة التي التزم بها.
٤. عقد تأمين الصيانة:
هو عقد بين شركة تأمين والمستفيد من الصيانة تكون الالتزامات المتبادلة فيه مالية بحتة، بحيث تعوض شركة التأمين نفقات الصيانة التي احتاج إلى صرفها المالك أو المشغل للآلات والأجهزة. وهو عقد شبيه بعقد تعهد الصيانة مع فارق واحد – ولكنه مهم جدا – هو أن المتعهد يقدم خدمات الصيانة نفسها في حين أن مؤمن الصيانة يقدم ثمن هذه الخدمات. فلا يحتاج مؤمن الصيانة إلى عقود صيانة من الباطن وإنما ينص عقد التأمين الذي يجريه على مجموعة من الإجراءات التي تتعلق بالوثائق اللازمة للمطالبة بالبدل التأميني لما يدفعه المالك (المشغل) من نفقات صيانة (١) .
رابعا – علاقة الصيانة بالتمويل:
للتمويل علاقة كبيرة بمسألة الصيانة. ذلك أن التمويل الإسلامي يقوم على مبدأ الاسترباح بالملك (٢) . وتتدخل الصيانة في بابين عريضين من أبواب التمويل الإسلامي هما البيوع والإجارة.
стр. 17890
أ. الصيانة والبيع التمويلي:
ففي باب البيوع التمويلية، يحرص البائع الممول على تنقية تمويله البيعي من كل ما يدخل فيه أي عامل من عوامل عدم التوقع المستقبلي وعدم الاطمئنان حول المستقبل، وذلك حتى يتمكن من وضع خططه التمويلية وتنفيذها. واحتمال ظهور أي عيب – كان خفيا – في السلعة المبيعة يدخل شيئا من تلك العوامل، وبالتالي فإن مسألة الصيانة تتدخل في بيع المرابحة وفي بيع الاستصناع التمويليين، فيكون من مصلحة البنك الإسلامي (الممول) أن يتأكد أن البائع الأول – في بيع المرابحة – والصانع من الباطن – في بيع الاستصناع – يقدمان الصيانة الكافية لن تكون بديلا مقبولا شرعا عن تحمل مسؤولية رد المبيع ضمانا لعيب خفي فيه.
وإذا لم يكن البنك الإسلامي مطمئنا اطمئنانا كاملا لكفاية شرط الصيانة في مبايعته الأولى في المرابحة التمويلية أو في استصناعه الثاني (من الباطن) في عملية الاستصناع التمويلي، فإنه قد يجد نفسه مضطرا إلى الدخول في عقد تعهد بالصيانة أو عقد تأمين صيانة، حتى يستطيع (تغطية نفسه) تجاه احتمال ظهور عيب يقتضي الإنفاق على إصلاحه، أو رد المبيع وإرباك العملية التمويلية.
ذلك لأن أهم خصائص البنك – إسلاميًّا كان أم تقليديا – هو أنه مدير للمخاطر المتعلقة باستثمار أموال الناس، وإن من المعروف أن القاعدة الأولى في إدارة المخاطر هي الحرص على التخلص من الاحتمالات بتحويلها إلى أمور متيقنة قدر الإمكان. الأمر الذي يمكن تحقيقه من خلال شرط الصيانة أو من خلال عقد التعهد بالصيانة أو عقد تأمين الصيانة.
ب. الصيانة والإجارة:
يمكن تقسيم الصيانة التي تحتاجها العين المأجورة إلى ثلاثة أنواع:
١.صيانة تشغيلية تشمل ما يتطلبه تشغيل الآلة من تغيير زيوت ومسح وتنظيف أجزاء داخلية، وضبط وتعيير أجهزة الحرارة والبرودة وغيرها.
٢.صيانة دورية معلومة، تشمل تغيير بعض الأجزاء، وتعديل وضبط وتعيير أجهزة ونظم، وغير ذلك، وهي في الغالب فنية تتطلب مهارة خاصة وهذه تكون معلومة مسبقا بمواعيدها ومشمولاتها.
٣.صيانة طارئة، وتشمل ما ينبغي عمله لمواجهة ما يطرأ من أعطال على الآلة. وهذه قد تكون كبيرة ومكلفة، وكثيرا ما تتطلب مهارة فنية خاصة (١) . وقد يكون سبب الاحتياج إليها وجود عيب خفي في الآلة المؤجرة، أو أمر جديد طرأ عليها بسبب خارجي عنها.