← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17886–17925 · переход к 17891.

стр. 17886

ومع توسع استعمال الآلة في الحياة المعاصرة، تبين أن لها علاقة كبيرة بالسلامة العامة، مما له صلة بعدد كبير من الناس، على تفاوت نوع الآلة من ثابتة أو متحركة، وحسب نوع الطاقة التي تسيرها أو تقوم هي بإنتاجها، مما دعا الحكومات إلى أن تتدخل في شرط الصيانة هذا، وتفرض على الصانع ضمان تشغيل أكثر أمنا وسلامة للمتعاملين مع تلك الآلة. يتضح ذلك بشكل جلي فيما تقوم به الحكومات من فرض إجراءات تعديلات أو تغيير بعض القطع في الطائرات والسيارات وغيرها من الآلات المتحركة أو الثابتة، بين وقت وآخر. فشرط الصيانة إذن هو شرط يضاف في عقد البيع يتحمل بموجبه البائع (الذي كثيرا ما يكون هو نفس الصانع أو أنه يقبل بهذا الشرط نيابة عن الصانع باتفاق بينهما) عبء صيانة الآلة التي يبيعها لفترة محددة من الزمن. وشرط الصيانة ليس بديلا عن خيار الرد بالعيب فقد تظهر عيوب في الآلة مما لا يمكن إصلاح ولابد عندئذٍ من الرد، ولكن شرط الصيانة يقلل كثيرا من احتمالات الرد بمعالجة ما يتقبل الإصلاح من العيوب. ومن المعرف أن شرط الصيانة في عقود البيع يميز – عادة – بين خمسة أنواع من أعمال الصيانة هي: ١.الصيانة التشغيلية: وتشمل ما يتطلبه تشغيل الآلة من معايير وزيوت وتبريد أو تدفئة وغير ذلك وما تحتاج إليه من نظافة أو عناية دورية وهذه يتم استثناؤها في العادة من شرط الصيانة، بل ينص على لزومها لمالك الآلة أو مشغلها، وأن تنفيذها يعتبر شرطا في تحمل البائع لمسؤولية الصيانية، وقد تشترط بعض العقود أن يتم تقديم هذا النوع من الصيانة من قبل الصانع (البائع) على حساب المالك (المشغل) ، ليطمئن إلى القيام بها على الوجه الصحيح. ٢.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب فعل أشخاص آخرين أو بسبب حوادث طبيعية أو غير طبيعية، ليس لتشغيل الآلة علاقة بها. كأن يشب حريق في مكان استودعت فيه الآلة أو السيارة، أو أن يحصل تصادم مع سيارة أخرى، وهذه الصيانة تستثنى أيضا في العادة من شرط ضمان الصيانة. ٣.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب مخالفة تعليمات التشغيل كأن يستعمل للآلة زيت مخالف لمواصفات الزيت الذي تتطلبه التعليمات وهذا هو أيضا مما يستثنى من شرط ضمان الصيانة. ٤.الصيانة التي تنشأ الحاجة إليها بسبب عوامل الهلاك والاهتراء الطبيعي من تآكل لبعض الأجزاء التي من طبيعتها أن تتآكل أو تتغير في لون ما من طبيعته أن يتغير لونه بتعرضه للهواء أو غير ذلك. وهذا النوع يستثنى في العادة أيضا. ٥.أما النوع الخامس من الصيانة فهو ما يتعلق به شرط ضمان الصيانة، ويشمل كل خلل في الآلة عن إنتاج منافعها بسبب نوعية المعدن أو المادة الذي تتركب منه أو بسبب طريقة تركيب الأجزاء بعضها مع بعض، أو بسبب تصميم الآلة أو عدم قدرة أي جزء منها على تأدية الخدمة المتوقعة منه أو المخططة له في تصميم الآلة. ومن الواضح أن هذا النوع الأخير من الأعطال أو العيوب يقلل من منافع الآلة عما هو مقصود منها، أو يعطل هذه المنافع كلية، ويستدعي مسؤولية الصانع (البائع) عن هذا العيب. ويهدف شرط الصيانة إلى النص على تحميل الصانع (البائع) هذه المسؤولية صراحة. ويشبه هذا النوع من حاجات الصيانة ما قد تفرضه الحكومات من إلزام الصانع بإدخال تغييرات على الآلة بعدما يثبت لديها وجود خطورة على السلامة العامة ما لم يتم ذلك التغيير. وكثيرا ما يتضمن شرط الصيانة قيام الصانع (البائع) بتقديم القطع اللازمة، إضافة إلى القيام بتركيبها وإعادة الآلة إلى عهدها التشغيلي المعتاد أو المحسوب لها.

стр. 17887

على أن أهم ما يميز شرط الصيانة في البيوع هو تحديد فترة زمنية لاستمرار نفاذه، فينص مثلا على ضمان الصيانة لمدة عام أو ثلاثة أعوام. وقد نجد في كثير من العقود النص على ضمان القطع لمدة عام مثلا مع التركيب والخدمة، في حين يستمر ضمان تقديم خدمة الصيانة (بما تتضمنه من عمل فقط) لمدة سنة أخرى مثلا تكون فيها القطع على المشتري. ولكنه ينبغي أن يلاحظ هنا أن ما تفرضه الحكومة أحيانا من إصلاح قد يقع بعد انقضاء مدة الصيانة المشروطة، فهو لا يتقيد بالقيد الزماني لها، لأنه مبني على مصلحة السلامة العامة. كما أن بعض شروط الصيانة يتضمن استمرار الالتزام بالصيانة لكامل مدتها حتى ولو تغير مالك الآلة، سواء أكان التغير اختياريًّا بنحو البيع والهبة، أم غير اختياري بنحو الميراث والوصية والإجبار على البيع بحكم محكمة. يضاف إلى ذلك أن بعض شروط ضمان الصيانة يشمل تقديم خدمة بديلة أثناء فترة تعطل الآلة بسبب الصيانة المضمونة، كأن تقدم سيارة بدل السيارة التي تخضع للصيانة، أو بندقية بدل تلك التي تتم صيانتها، وذلك لمدة الصيانة بكاملها. وكذلك فقد يضاف إلى شرط الصيانة شرط يضمن بموجبه الصانع (البائع) الأضرار التي أدى إليها تعطل الآلة، كأن يعوض عما يتلف من مأكولات نتيجة تعطل الثلاجة، أو جلود نتيجة تعطل آلة الدباغة. ويحدد العقد عادة حدا أعلى لهذه المسؤولية يكون محسوبا بالاعتماد على الطاقة الإنتاجية للآلة. وكذلك، فإن كثيرا من عقود البيع تتضمن شرطا بالخيار باستمرار شرط ضمان الصيانة لمدة إضافية لقاء دفع المشتري مبلغا إضافيًّا عند العقد أو عند ممارسة ذلك الخيار، الذي تحدد له عادة مدة ينقضي بانتهائها. وقد يضاف إلى شرط الصيانة أحيانا شرط الإشراف على التشغيل لمدة معينة، وكذلك شرط تقديم التدريب للعناصر التي ستتعامل مع الآلة بعد تركيبها عند المشتري أو المستفيد.

стр. 17888

٢. عقد الصيانة المستقل بين الصائن والمالك (المشغل) : لقد صارت صيانة الآلات بأنواعها مهنة، بل مجموعة من المهن، حسب أنواع الآلات الكثيرة. ونشأت عن ذلك عقود صيانة ذات أشكال متعددة (١) . أهمها ثلاثة هي: أ. أن يتعهد الصائن بتقديم الصيانة، وأن يتفقا على سعر لوحدة العمل، وأن يشتري المالك القطع من طرف ثالث خارج عن العقد. أي أن يكون التزام الصائن عمليا متركزا فقط في قبول ما يرسل إليه من أعمال (وعدم رفضها) ، بسعر أو قل بأجر متفق عليه مسبقا لوحدة ساعة العمل مثلا. ب. أن يتعهد الصائن بتقديم خدمة الصيانة بمبلغ مقطوع لكل مرة مهما كان عدد ساعات العمل التي تستغرقها كل عملية صيانة، مع شراء قطع الغيار من طرف ثالث على حساب المالك (مشغل الآلة) . ج. أن يتعهد الصائن بتقديم العمل وقطع الغيار معا في كل مرة تحتاج فيها الآلة أو الآلات إلى صيانة، وذلك لقاء مبلغ مقطوع سنوي أو شهري. وفى كل من هذه الأشكال الثلاثة كثيرا ما يتضمن العقد نصا صريحا يعتبر ما يضيفه المالك من آلات جديدة، خلال مدة العقد داخلا في العقد بمجرد ضمه إلى سائر الآلات الموجودة لديه عند التعاقد. ٣. عقد التعهد بالصيانة: وهو يشبه عقد الصيانة، ولكنه يشمل في العادة أنواعا متعددة من الآلات مما يتطلب اختصاصات فنية متعددة. ويلتزم فيه متعهد الصيانة بإصلاح ما يطرأ على الآلات والأجهزة الموجودة لدى الطرف الآخر لقاء مبلغ معين، وبسبب شموله لآلات من أنواع عديدة، فإنه قلما يشير إلى أي تمايز في المعاملة بين العمل وقطع الغيار اللازمين للصيانة. وبالتالي فإن عقد تعهد الصيانة يقدم – عادة – الصيانة كاملة، بما فيها من عمل ومواد وقطع غيار، للمالك أو المشغل للآلات والأجهزة. وكثيرا ما يتضمن هذا العقد النص على اعتبار ما يضاف من آلات إلى ما هو موجود منها عند العقد مضمونا إليها من حيث شموله بالتعهد.

стр. 17889

ويرافق عقد التعهد بالصيانة قيام المتعهد بالتعاقد مع الفنيين لتقديم خدمات الصيانة التي يلتزم بها. فهو عقد تعهد بالصيانة يتضمن تقديم العمل مع المواد وقطع الغيار. وهو مترافق مع عقد صيانة من الباطن بين المتعهد والصائن الفعلي. وبسبب عقد الصيانة المرافق هذا يستطيع متعهد الصيانة أن يقدم الصيانة التي التزم بها. ٤. عقد تأمين الصيانة: هو عقد بين شركة تأمين والمستفيد من الصيانة تكون الالتزامات المتبادلة فيه مالية بحتة، بحيث تعوض شركة التأمين نفقات الصيانة التي احتاج إلى صرفها المالك أو المشغل للآلات والأجهزة. وهو عقد شبيه بعقد تعهد الصيانة مع فارق واحد – ولكنه مهم جدا – هو أن المتعهد يقدم خدمات الصيانة نفسها في حين أن مؤمن الصيانة يقدم ثمن هذه الخدمات. فلا يحتاج مؤمن الصيانة إلى عقود صيانة من الباطن وإنما ينص عقد التأمين الذي يجريه على مجموعة من الإجراءات التي تتعلق بالوثائق اللازمة للمطالبة بالبدل التأميني لما يدفعه المالك (المشغل) من نفقات صيانة (١) . رابعا – علاقة الصيانة بالتمويل: للتمويل علاقة كبيرة بمسألة الصيانة. ذلك أن التمويل الإسلامي يقوم على مبدأ الاسترباح بالملك (٢) . وتتدخل الصيانة في بابين عريضين من أبواب التمويل الإسلامي هما البيوع والإجارة.

стр. 17890

أ. الصيانة والبيع التمويلي: ففي باب البيوع التمويلية، يحرص البائع الممول على تنقية تمويله البيعي من كل ما يدخل فيه أي عامل من عوامل عدم التوقع المستقبلي وعدم الاطمئنان حول المستقبل، وذلك حتى يتمكن من وضع خططه التمويلية وتنفيذها. واحتمال ظهور أي عيب – كان خفيا – في السلعة المبيعة يدخل شيئا من تلك العوامل، وبالتالي فإن مسألة الصيانة تتدخل في بيع المرابحة وفي بيع الاستصناع التمويليين، فيكون من مصلحة البنك الإسلامي (الممول) أن يتأكد أن البائع الأول – في بيع المرابحة – والصانع من الباطن – في بيع الاستصناع – يقدمان الصيانة الكافية لن تكون بديلا مقبولا شرعا عن تحمل مسؤولية رد المبيع ضمانا لعيب خفي فيه. وإذا لم يكن البنك الإسلامي مطمئنا اطمئنانا كاملا لكفاية شرط الصيانة في مبايعته الأولى في المرابحة التمويلية أو في استصناعه الثاني (من الباطن) في عملية الاستصناع التمويلي، فإنه قد يجد نفسه مضطرا إلى الدخول في عقد تعهد بالصيانة أو عقد تأمين صيانة، حتى يستطيع (تغطية نفسه) تجاه احتمال ظهور عيب يقتضي الإنفاق على إصلاحه، أو رد المبيع وإرباك العملية التمويلية. ذلك لأن أهم خصائص البنك – إسلاميًّا كان أم تقليديا – هو أنه مدير للمخاطر المتعلقة باستثمار أموال الناس، وإن من المعروف أن القاعدة الأولى في إدارة المخاطر هي الحرص على التخلص من الاحتمالات بتحويلها إلى أمور متيقنة قدر الإمكان. الأمر الذي يمكن تحقيقه من خلال شرط الصيانة أو من خلال عقد التعهد بالصيانة أو عقد تأمين الصيانة. ب. الصيانة والإجارة: يمكن تقسيم الصيانة التي تحتاجها العين المأجورة إلى ثلاثة أنواع: ١.صيانة تشغيلية تشمل ما يتطلبه تشغيل الآلة من تغيير زيوت ومسح وتنظيف أجزاء داخلية، وضبط وتعيير أجهزة الحرارة والبرودة وغيرها. ٢.صيانة دورية معلومة، تشمل تغيير بعض الأجزاء، وتعديل وضبط وتعيير أجهزة ونظم، وغير ذلك، وهي في الغالب فنية تتطلب مهارة خاصة وهذه تكون معلومة مسبقا بمواعيدها ومشمولاتها. ٣.صيانة طارئة، وتشمل ما ينبغي عمله لمواجهة ما يطرأ من أعطال على الآلة. وهذه قد تكون كبيرة ومكلفة، وكثيرا ما تتطلب مهارة فنية خاصة (١) . وقد يكون سبب الاحتياج إليها وجود عيب خفي في الآلة المؤجرة، أو أمر جديد طرأ عليها بسبب خارجي عنها.

стр. 17891

وإذا كان من الممكن القول بأن النوع الأول من الصيانة يقع على عاتق المستأجر باعتبار مشمولاته مرتبطة بتشغيل الآلة نفسها وليس بصلاحيتها للتشغيل ولا بوضعها تحت تصرف المستأجر، وإذا كان النوع الثاني من أعمال الصيانة يمكن أيضا تحميله للمستأجر، إما بالعرف إذا وجد عرف يجعل ذلك على المستأجر، أو بالنص في العقد على أنه يقع على المستأجر، باعتباره جزءا من الأجرة. فتكون الأجرة بذلك مؤلفة من جزأين: جزء نقدي وجزء هو ما يقوم به المستأجر من أعمال صيانة دورية معلومة؛ فإن النوع الثالث من أعمال الصيانة يقع على المؤجر "باعتبارها مما يتمكن به من الانتفاع وليس مما تستوفى به المنافع، أو أنها مما يلزم لأصل الانتفاع لا لكماله (١) . وهنا أيضا فإن الحكمة والرشد في إدارة المخاطر تقضيان على المؤجر الممول أن يسعى إلى تحويل ما هو غير معروف وغير ممكن التوقع، من التزامات وأعباء، إلى مقادير معلومة متيقنة، بحيث يستطيع تخطيط وبرمجة أعماله المالية بحكمة ورشد. وعملية التحويل إلى المتيقن هذه لا تتمم إلا بعقد تعهد بالصيانة أو تأمين صيانة. وإذا أراد المؤجر الممول بيع العين المؤجرة لطرف ثالث، مع التزام الأخير بعقد الإجارة لمدته، فإن مقتضى الرشد لدى الطرف الثالث يتطلب منه الانتباه إلى مسألة الصيانة، فهو حريص على أن يخفف المخاطر في استثماره قدر الإمكان. ووجود عقد تعهد بالصيانة، أو تأمين صيانة، عامل أساسي في اعتبار مقدار المخاطرة التي سيقدم عليها المشتري، بصفته مستثمرا جديدا. ومثل ذلك إذا كان هنالك تفاهم، أو عقد عند من يجيزه من هيئات شرعية لمصارف إسلامية، بين المؤجر والمستأجر على خيار المستأجر بشراء العين المؤجرة بعد نهاية مدة الإجارة، فإن الرشد لدى المستأجر يقتضي أن لا يمارس خيار شراء تلك العين، إلا بعد التأكد من وجود عقد تعهد بالصيانة أو تأمين صيانة، أو أنه سيقوم هو بإجراء أحد عقدي الصيانة هذين، حتى يكون واضحا عنده مقدار ما سيتحمله من أعباء وتكاليف عند شراء الآلة، فيتمكن من تقدير التكاليف والمكاسب التي تنشأ عن خيار الشراء.

стр. 17892

ج. الصيانة وسندات الأعيان المؤجرة: سندات الأعيان المؤجرة هي سندات ملكية لأعيان مرتبطة بعقد إجارة (١) . وبهذا الاعتبار فهي قابلة للبيع، مع التزام المشتري بعقد الإجارة، وانتقال حقوق والتزامات هذا العقد إليه. وإن وضوح مسألة الصيانة والعلم المسبق بتكلفة الصيانة التي تقع على المالك المؤجر يعتبر أمرًا أساسيًّا لإمكان تداول هذه السندات بل لإمكان إصدارها، لأنه لا يتوقع من المستثمر، أن يضع ماله في استثمار يتضمن قدرا كبيرا من المخاطرة، وبخاصة مع وجود البدائل الكثيرة ذات المخاطر القليلة، إلا إذا أمكن تعويضه عن هذه المخاطر بعائد مكافئ. وإن وجود عقد تعهد بالصيانة أو عقد تأمين صيانة هو ما يحول المخاطر غير المحدودة إلى مقدار معلوم هو ثمن عقد الصيانة هذا، فيعلم مشتري سند الأعيان المؤجرة ما هو مقدم عليه من تكاليف وإيرادات ويستطيع بذلك اتخاذ القرار الرشيد. وبمعنى آخر، فإن وجود عقد التعهد بالصيانة، أو عقد تأمين الصيانة، هو شرط لابد منه لنجاح فكرة سندات الإجارة بل لنجاح التمويل بالإجارة نفسه. خامسا – القضايا الشرعية التي تثيرها مسألة الصيانة: رأينا في الأجزاء الأربعة الأولى من هذه الورقة أن هنالك أشكالا قانونية عديدة تتخذها صيانة السلع المعمرة. وحتى يمكن حصر المسائل الشرعية ذات العلاقة نلخص أولا المسائل الشرعية في الصيانة والشروط المعتادة المضافة فيها، ثم نناقش هذه المسائل من خلال مثيلاتها في الفقه الإسلامي: أ. تحديد المسائل الشرعية في الصيانة يمكن حصر علاقات الصيانة في المسائل التالية: ١. شرط الصيانة ضمن عقد البيع دون تخصيص هذا الشرط بثمن، وإن كان ملحوظا في الذهن أن له ثمنًا. ولكن البائع يدخل ذلك في كلفته ويضمنه كشرط لا يؤدي إلغاؤه إلى تخفيض ثمن البيع. وهذا يحصل كثيرا في بيع السيارات والأجهزة المنزلية مما يوضع له في العادة نماذج مطبوعة لعقد بيع يتضمن صيانة، ومهيأة مسبقا من البائع والصانع.

стр. 17893

٢. شرط الصيانة ضمن عقد البيع ولكنه بثمن يضاف إلى ثمن البيع ولا ينفصل عنه في العقد، وكثيرا ما يحصل هذا في الآلات التي تشتري استصناعا، بحيث تتم المفاوضة على ثمن الآلة وثمن صيانتها ثم يعقد العقد بمبلغ واحد. ٣.تحديد التزام الصيانة الذي يقدمه البائع (الصانع) بمدة محددة، قلما تشمل جميع العمر الإنتاجي للآلة. وتكون مسؤولية الصيانة بعدها على المشتري، سواء أكانت الحاجة إلى الصيانة بسبب عيب كان خافيا في العين نفسها أم بسبب طارئ. ٤.شرط الصيانة منفصلا عن عقد البيع وبثمن مستقل، وهي صيانة يقدمها البائع (الصانع) نفسه. وأكثر ما يحصل هذا على شكل زيادة في مدة الصيانة لسنوات إضافية فوق المدة المذكورة في نموذج عقد البيع المهيأ مسبقا، لقاء عوض يتفق عليه. وقد يلحق بهذا عقد الصيانة المستقل بين صائن متخصص ومالك أو مشغل الآلة. لأنه في الواقع لا يختلف عنه إلا في كون شروط الصيانة في عقد البيع معروفة مسبقا ومنمطة ومطبوعة. أما في حالة شراء الصيانة بعقد مستقل أو شراء تجديد الالتزام بالصيانة لزمن إضافي، فقد يمكن التفاوض على شروط الصيانة بشكل مفصل. ٥. عقد التعهد بالصيانة كما شرحناه في القسم الثالث. ٦. عقد تأمين الصيانة كما شرحناه في القسم الثالث. ٧.المسؤولية عن الإيراد المفقود بسبب تعطل الآلة؛ وهل تقع على متعهد أو مؤمن الصيانة، أم على مشغل الآلة، أم على مالكها، أم على البائع (الصانع) وهل يؤثر في ذلك كون التعطل بسبب عيب في أجزاء الآلة أو المواد التي صنعت منها أو تصميمها، أم بسبب طارئ لا علاقة له بصنع الآلة، نحو ريح عاصفة أدخلت أتربة في بعض أجزائها.

стр. 17894

٨.مدى جواز شرط تقديم المنفعة البديلة من قبل البائع (الصانع) أو من قبل متعهد أو مؤمن الصيانة، نحو تركيب مولد كهربائي مؤقت ريثما يتم إصلاح المولد الخاضع لعقد الصيانة. ٩.مدى جواز تحمل الصانع للمسؤولية عن الأضرار الناشئة عن تعطل الآلة (١) . وهل يؤثر في ذلك كون الصائن هو البائع (الصانع) ، وهل يؤثر فيها كون الصيانة صارت لازمة بسبب عيب في الآلة أم بسبب خارج عنها. وهل يجوز تحديد هذه المسؤولية بمبلغ مقطوع يدفع دون النظر إلى الأضرار الفعلية بما في ذلك وقوعها فعلا، ومقدراها؟ ١٠.المسؤولية عن إجراء الإصلاحات التي تفرضها الحكومة لأسباب تتعلق بالمصلحة العام أهمها السلامة العامة، وهل يتحملها المالك أم الصائن (أو متعهد أو مؤمن الصيانة) أم البائع (الصانع) . ١١.مدى جواز شرط اعتبار ما يضاف من آلات داخلا في عقد الصيانة. ١٢.مدى جواز انتقال شرط الصيانة أو عقد الصيانة إلى المالك الجديد للآلة، سواء أكان الانتقال رضائيا بنحو البيع أو الهبة، أم بحكم الشريعة بنحو الميراث. هذه المسائل الاثنتي عشرة هي أهم ما ينشأ عن علاقات الصيانة من قضايا شرعية تحتاج إلى النظر الفقهي. وقد يمكن إضافة بعض المسائل الناشئة عن العقود المشابهة لعقود الصيانة، وأهمها وأكثرها شيوعًا عقود التحديث وعقود صيانة (أو إدارة) الصحة، سواء منها ما اختص بحالة واحدة كالولادة، أم ما تعلق بالرعاية الصحية الشاملة.

стр. 17895

ب. مناقشة المسائل الشرعية للصيانة: إن أهم ما تثيره مسائل الصيانة من تساؤلات شرعية يتعلق بثلاثة قضايا هي: ١.الشروط في العقود وبخاصة عقد البيع. ٢.بعض الخيارات وبخاصة خيار العيب وخيار فوات الوصف. ٣.عقد الجعالة، وما يشتمل عليه من جهالة بالعمل والمؤنة. وهذه القضايا الثلاث كانت دائما محل دراسة تفصيلية في الأبحاث الفقهية قديما وحديثا. لذلك سنكتفي بالإشارة – على شكل نقاط نعددها – إلى مواطن إسقاطات مسائل الصيانة في هذه القضايا الفقهية الثلاث: ففي الشروط الجعلية في العقود: مذاهب العلماء في الشروط في العقود معروفة، وقد لخصتها الموسوعة الفقهية (٩/٢٤٣ – ٢٥٩و٩/٢٧١ – ٢٧٣) تلخيصا جيدا. ويرتبط بالصيانة من ذلك النقاط التالية: ١.استثنى الأحناف من شرط المنفعة المفسد لعقد البيع ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم من غير إنكار. ومن أمثلته: شراء حذاء على أن يضع له البائع نعلا، أو قلنسوة على أن يصنع لها البائع بطانة (ص٢٤٦) . ولزم الشرط في مثل هذا استحسانا رغم أنه خلاف القياس عندهم، لأن العرف قاض على القياس. ونقلت الموسوعة عن ابن عابدين جريان ذلك على أي عرف حادث، ولو في غير الشرط المذكور طالما أنه لا يؤدي إلى المنازعة، فهو لا يدخل في ((نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط)) ؛ لأن العرف ينفي المنازعة. وكذلك فقد ذهب الحنابلة إلى جواز اشتراط منفعة، ولو كانت من غير مقتضى العقد ولا من مصلحته شريطة كونها لا تنافي مقتضاه. من ذلك خياطة الثوب وحمل الحطب. ونلاحظ في هذه الأمثلة التزام البائع بالعمل والمواد معًا، وكذلك استعماله لآلاته وأدواته في تنفيذ التزامه بالنعل، أو بالبطانة، أو بالخياطة أو الحمل. ومن جهة أخرى، فإن الشرط في الأمثلة التي ذكرها الأحناف يتضمن العمل والمواد واستعمال الآلات لإضافة شيء جيد على العين المبيعة. أما في الصيانة فلا يهدف العمل ولا المواد ولا استعمال الصائن لآلاته إلى إضافة شيء جديد بل إلى إعادة العين المبيعة إلى أصلها. فشرط الصيانة ليس فيه منفعة جديدة للمشتري، وإنما إعادة المبيع إلى وضعه الطبيعي بعد طروء خلل عليه.

стр. 17896

ومن جهة أخرى، فإن الشرط الذي أجازه الأحناف معلوم بكل ما يقتضيه أما شرط الصيانة فلا يعلم ماذا سيصير إليه من اقتضاء عمل ومواد واستعمال آلات. ولكنه (شرط الصيانة) مع ذلك شرط قد جرى به العرف، وتعامل به الناس دون إنكار، ودون أن يفضي ذلك إلى التنازع. فإذا كان ذلك هو مناط الاستثناء من الفساد بالشرط الجعلي عند الأحناف، فإنه ينطبق على شرط الصيانة في البيع. بل إن هذا الشرط يحقق مصالح كل من البائع والمشتري معا، كما رأينا في القسم الثالث من هذا البحث. ٢.استثناء الحملان في بيع الجمل، الذي ورد في حديث جابر، قاس عليه المالكية "الانتفاع اليسير بكل مبيع بعد بيعه على سبيل الاستمرار"، وقال به أيضًا الحنابلة أخذا بحديث جابر ﵁. (ص٢٤٩) . ولاشك أن المشتري مثل البائع في ذلك. وشرط الصيانة هو نوع من شرط انتفاع للمشتري، وهو في العادة يسير بالنسبة لثمن العين المبيعة. فهلا يعامل مثله في ذلك؟ ٣.يرى الحنابلة أن الشروط التي من مصلحة العقد صحيحة، ويلزم الوفاء بها (ص٢٥٥) . وأوردوا لذلك أمثلة: كأن تكون الدابة غزيرة اللبن والطير مصوتا. وهي من الصفات المعلومة أو التي يعلم تحققها بالتجريب. ولاشك أن شرط الصيانة من مصلحة العقد، وهي مصلحة معلومة ولكن مقتضياتها غير معلومة عند البيع. ٤.يرى أبو حنيفة صحة إلحاق الشرط بالعقد بعد مجلس العقد (ص٢٤٧) . فهل يعتبر تمديد شرط الصيانة لفترة زمنية إضافية إلحاقا بعقد البيع؟ الأظهر أنه عقد صيانة جديد لأنه لا يحصل إلا بثمن جديد عند التمديد. وفي الخيارات: تسرد الموسوعة آراء المذاهب في خيار العيب وخيار فوات الصفة (٢٠/١١٣ – ١٦٣) . ويهمنا من هذه الآراء النقاط التالية: ٥.ينبغي أن نلاحظ أولا أن شرط الصيانة ليس بديلا كاملا لخيار العيب. فإن الرد بالعيب يبقى قائما مع وجود شرط الصيانة، ولكنه ينحصر في الحالات التي لا تبرئها الصيانة في العين المعمرة المبيعة. فلو تبين بعد قبض السيارة مثلا وجود شرخ أو اعوجاج في هيكلها الأساسي، فإن ذلك يعتبر عيبا أوسع من أن يصلح الراتق، وهو يستوجب الرد بالعيب. فشرط الصيانة ليس إذن بديلا عن الرد بالعيب، ولكن علاقته بخيار العيب تبقى وثيقة كما يتضح من النقاط التالية: ٦.من مسقطات خيار الرد عند الفقهاء زوال العيب قبل الرد. وهنا يشكل شرط الصيانة مسقطا تعاقديا للرد بالعيب في الأحوال التي يمكن أن تشملها الصيانة. فإن الفقهاء قالوا بأن العيب لو أمكن "تداركه بزمن يسير يمنع الخيار" (ص١٤٤) . ٧.وفضلا عن ذلك، فإن لمسألة الزمن اليسير هنا أهمية في نظرنا لأنها تعني عدم تفويت منافع المبيع على المشتري إلا زمنا يسيرا، واليسير هو مما يتساهل به عادة. ولعل ذلك يقتضي جواز اشتراط المنفعة البديلة لأنها تحقق هدف (الزمن اليسير) . فلو نص شرط الصيانة على أن يقدم البائع للمشتري خدمة أو منفعة بديلة لما تقدمه العين الخاضعة للصيانة أثناء فترة صيانتها، لتحقق هدف عدم تفويت منافع العين التي تتعرض للصيانة بتقديم بديل مماثل لها.

стр. 17897

٨.وكذلك قالوا بسقوط خيار الرد بصريح الإسقاط، أو بالإبراء. أو بالرضا بالعيب صراحة أو بتصرفات دالة على الرضا (ص١٤٥ – ١٤٧) . وإذا صح ذلك كله، وكل ذلك رضائي، فلأن يتراضى المتبايعان على الصيانة أولى بالصحة. بشرط الصيانة هو إذن أولى من إسقاط الخيار أو الإبراء منه. ٩.وفضلا عن ذلك، شرط الصيانة أشبه بالأرش، لأن الأرش (تقويم لنقصان الثمن) (ص١٤٥) . وشرط الصيانة تقويم لنقصان المثمن، أي المبيع. فهو ليس بدلا يبذل ثمنا لترك خيار الرد بالعيب، بل إعادة للمبيع إلى أصله المقصود من عقد ابتياعه. ١٠.إذا تعذر الرد لسبب من الأسباب ينتقل حق المشتري إلى الأرش، وهو بدل عن نقصان الثمن بسبب العيب. فهو موجب خلفي عن الرد (ص١٣٧) . وفي هذا قد يمكن القول إن إصلاح العيب ورتق الخرق بإعادة العين المعمرة إلى عهدها الطبيعي في تأدية ما هي له من منافع يعتبر موجبا خلفيا أقوى من الأرش. لأن الأرش يعوض فقط عن نقص قيمة المقصود من العقد، بالمشتري قد اشترى الآلة، لما دفعه من ثمن وهو راغب بها بذلك الثمن، لذلك يحتاج إلى منافع الآلة أكثر من حاجته لإنقاص الثمن. والصيانة تحقق له ذلك القصد، فهي إذن سابقة على الأرش في خلفيتها. مما يعني أنها ينبغي أن تكون البديل الأول عن الرد بالعيب القابل للإصلاح، سابقة في أفضليتها على الأرش. ١١.يضاف إلى ذلك أن شرط الصيانة هو في حقيقته – إبراء بالشرط. لأن مقتضى شرط الصيانة أن المشتري رضي بإبراء البائع من الرد بالعيب في جميع الحالات الخاضعة للصيانة. فهو تصريح بقبول التزام البائع بإصلاح أي عيب يمكن إصلاحه مما قد يظهر في المستقبل، وأنه بذلك يتنازل عن خيار الرد بالعيب في هذه الأحوال، أو يسقطه. ١٢.توقيت شرط الصيانة: إن إسقاط خيار الرد بالعيب أو الإبراء المسبق منه، أو التصريح بالرضا بالعيب، كل ذلك يشكل أساسا لتوقيت شرط الصيانة، وذلك لأن معنى التوقيت في شرط الصيانة هو أن المشتري يقبل بإسقاط خيار الرد بالعيوب التي تشملها الصيانة بعد فترة زمنية متفق عليها. فالتوقيت في شرط الصيانة هو إبراء جزئي ينصرف إلى ما بعد فترة الصيانة فيما تشمله الصيانة من عيوب. ١٣.إن انتقال خيار الرد إلى الوارث، سواء أكان خيار رد بالعيب (ص١٤٨) أم خيار رد لفوات وصف (ص١٦٣) ، يشكل أساسا لانتقال شرط الصيانة للمالك الجديد للآلة إذا انتقلت الملكية خلال فترة الصيانة، لأن شرط الصيانة يقوم على اعتبار العيوب التي يمكن المبادرة إلى إصلاحها من خلال شرط الصيانة يسيرة مما يرتقها الإصلاح، فلا تستوجب الرد. والتزام البائع (الصانع) بالإصلاح يرتبط بالآلة المعقود عليها، لا بشخص مالكها، فينتقل هذا الشرط إلى الوارث أو المالك الجديد لاستكمال مدة الصيانة.

стр. 17898

١٤.وهل يبقى المالك الأول، إذا باع الآلة مطالبا من قبل المالك الثاني بالرد بالعيب، سواء أكان مما تصلحه الصيانة، أم كان مما لا تصلحه؟ هذه المسألة يبدو أنها مما يخضع لشرط الإبراء. فإذا نص عقد البيع بينهما على شرط إبراء المالك الأول من خيار الرد بالعيب ومن إصلاح ما يمكن إصلاحه من عيوب، أو جرى بهذا إبراء عرف يحسم المنازعة، فالذي يظهر أن مثل هذا الشرط أو العرف يمنع المالك الجديد من الرجوع على المالك الأول، ويحصر حقه بالبائع الأول (الصانع) ، لأن خيار الرد بالعيب وخيار الرد بفوات الصفة، كليهما، مما يقبل شرط الإبراء، سواء أكان الإبراء شاملا كل عيب أم محدودا بالعيوب التي يمكن إصلاحها. فيمكن إذن اشتراط إبراء المالك الأول من الالتزام بشرط الصيانة فلا يرجع عليه، ويكتفى بضمان الصانع للصيانة. وفى الجعالة: تتحدث الموسوعة الفقهية (١٥/٢٠٨ – ٢٣٩) عن الجهالة في مقدار العمل، وعن تقديم مواد استهلاكية وغيرها معلومة المقدار، وعن استعمال العامل لآلاته وأدواته الخاصة في عمله بقدر ووقت غير معلومين، من أجل الوصول إلى غرض الجعالة. كما تتحدث عن أهمية تحقيق (غرض الجاعل) بكامله دون تبعيض. ولهذا الموضوع ارتباط مباشر بعقد الصيانة وعقد التعهد بالصيانة ١٥.فالجعالة تصح (على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه) (ص٢٠٩) ، وهذا هو أهم ما يميز الجعالة عن الإجارة التي يشترط فيها العلم بالعمل. وأهم الأمثلة التي يضربونها لجهالة العمل في الجعالة الإتيان بحيوان ضال أو مال ضائع أو عبد آبق. فالجعالة تحتمل الجهالة في العمل. والجهالة في مقدار العمل المطلوب في الصيانة قد لا تكون أكثر من الجهالة في مقداره في الجعالة كما وصفها الفقهاء. ولسائل أن يسأل عن صحة الجعالة لصاحب قطيع من الإبل، أن يجعل مبلغا شهريا لمن يأتيه بما يضل منها، دون أن يخصص جعلا مستقلا كلما شرد منها بعير. أو لصاحب زروع ذات مواسم حصاد متتالية أن يجعل مبلغا معينا واحدا لمن يحصد له كل زروعه كلما آن وقت حصاد واحد منها. ومثل ذلك من له آلات أن يجعل مبلغا مقطوعا أو شهريا لمن يصلح له ما تعطل منها ... طالما أن الجهالة محتملة في مقدار العمل المطلوب.

стр. 17899

١٦. محل العقد في الجعالة (إتمام عمل) (ص٢١٣) ، نحو تعليم حرفة أو إعادة مال ضائع أو تحصيل دين، أو مداواة مريض. وكذلك فإن عقد الصيانة وعقد التعهد بالصيانة محلهما هو (إتمام عمل) معرف، وتحقيق مقصد واضح، هو إعادة السلعة (أو مجموعة السلع) المعمرة إلى عهدها المعتاد في إنتاج منافعها، وما يشترطه الفقهاء في محل عقد الجعالة من كونه مباحا، غير واجب على العامل، وأن يتضمن مشقة أو مؤنة (عند الشافعية والحنابلة) ، كل ذلك متوافر في عمل الصيانة. ١٧.وقد تحدثوا عن خياطة ثوب أو بناء حائط كمحل لعقد الجعالة (ص٢٢٥) . وليس يفترق عن ذلك صيانة آلة أو بناء، بل قد يكون عقد الصيانة أولى بالجعالة من بناء الحائط أو خياطة الثوب، لأن البناء والخياطة تصلح فيها الإجارة، ولأن الجعالة أبيحت لحاجة الناس إليها رغم ما فيها من جهالة. ١٨.وفضلا عن ذلك، فإن محل عقد الجعالة يمكن أن يكون استمرار الحصول على سيل المنافع المعتاد، نحو استمرار توفر منفعة حركة سيارة ووقوفها بمواصفات ومعايير محددة معروفة للسيارة وللوقوف وللحركة عندئذ، ألا يمكن أن يشمل عقد الجعالة تقديم الصيانة المطلوبة للسيارة المشمولة بالعقد وتقديم منفعة بديلة مماثلة لفترة الصيانة؟ طالما عرفنا غرض الجاعل بأنه (استمرار حصول سيل من المنافع) . ١٩.يدخل في عقد الجعالة ما يستعمله العامل من دابة وسرج وآلات بناء وآلات خياطة، وغير ذلك من آلات معمرة تساعده على تحقيق مقصود الجاعل، وعلى العامل علف الدابة ونفقة هذه الآلات (ص٢١٩) . والراجح عند المالكية أن النفقة على المال المجاعل عليه هي على العامل أيضا حتى يرده إلى مالكه (ص٢١٩) ، أما عند الشافعية فهذه النفقة، المبذولة لمال الجاعل في يد العامل، هي على العامل إلى أن يأذن بها الجاعل أو القاضي أو يشهد العامل على أنه ينفقها على حساب الجاعل. وقال الحنابلة هي على الجاعل على كل حال (ص٢٢٠) . كل ذلك يدل على أن المواد الاستهلاكية التي تتطلبها عملية الإصلاح واستعمال الآلات التي تقتضيها الصيانة هي على العامل في الجعالة، لأنها من طبيعة العقد، أو أنها يمكن أن تكون على العامل بالشرط. بل قد نص الشافعية على أن الجعالة تكون في عمل فيه مشقة أو مؤنة. ٢٠.أما ما ينفقه العامل من مواد استهلاكية للآلة المعقود على صيانتها ومن قطع تبديل (مثل المالكية بطعام العبد ولباسه) فهو مسألة خلافية يحسمها الشرط في العقد. ٢١.وكذلك فقد نص الشافعية على أن للجاعل أن يزيد (في العمل) المجاعل عليه، فلو رضي العامل بذلك، فليس له إلا الجعل (ص٢٣٠) . أي أن اشتراط دخول الآلات الجديدة لدى الجاعل في عقد الصيانة أمر جائز برضا العامل المجعول له. ٢٢.وإذا انطبقت الجعالة على عقدي الصيانة والتعهد بالصيانة، فإن العقود المشابهة لعقود الصيانة من عقد نظافة، وعقد تشغيل، وعقد تحديث، وعقد صيانة صحة لا تختلف في ذلك عن الصيانة. ٢٣.وأخيرا، فإن عقد التأمين بالصيانة على أسلوب التأمين التعاوني القائم على التبرع المشروط من المستأمن لا يثير أية مشكلة شرعية إضافية لما هو معروف حول التأمين نفسه. فالقول بأن التبرعات تحتمل من الجهالة ما لا تحتمله المعاوضات ينسحب أيضا على ما في تأمين الصيانة من جهالة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور منذ قحف

стр. 17900

عقود الصيانة وتكييفها الشرعي إعداد الدكتور محمد أنس الزرقاء أستاذ باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي والدكتور سامي إبراهيم السويلم مستشار اقتصادي بمركز دراسات شركة الراجحي المصرفية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عقود الصيانة وتكييفها الشرعي ١- وصف الموضوع كما ورد في خطاب الأمانة العامة للمجمع شعرنا بأن أفضل وصف لموضوع هذا البحث؛ هو ما ورد في خطاب الاستكتاب من الأمانة العامة للمجمع الموقر، لدقته وشموله. فنثبته فيما يلي: ١. عقود الصيانة وتكييفها الشرعي في خطاب الأمانة العامة للمجمع: لا يخفى التعقيد الذي بلغته صناعة الآلات والمعدات والأجهزة في مختلف المجالات، مما جعل الاهتمام بصيانتها يوازي أهمية الحصول عليها، وكذلك الحال بالنسبة للمشاريع العمرانية؛ حيث يحرص المتعاقد لامتلاك مصنوع أو مشروع على ضمان بقاء الانتفاع به، دون تعرضه للتلف أو الخلل لأسباب ترجع إلى سوء الصنع أو الإنجاز. وهناك عقود الصيانة تنشأ مستقلة عن عقد التملك للأصل المراد صيانته سواء كانت لاستبقاء المالك الانتفاع بملكه، أو لاستمرار الأعيان المؤجرة صالحة دون انقطاع المنفعة.. ويكتنف هذه العقود بعض الالتباس في تكييفها بسبب جهالة مقدار العمل وهو ما يغتفر في عقد الجعالة، أو بسبب الالتزام مع العمل بتقديم المواد والقطع التي تتطلبها الصيانة. وقد استقر التعامل على الحصول على تعهد من الصانع أو المقاول بالصيانة طيلة مدة متعارف عليها لدرء الخلل غير المتوقع للعمر الاستهلاكي، ويقع هذا الالتزام جزءا لا يتجزأ من الصفقة الأصلية للتملك، ويتطلب هذا النوع من عقود الصيانة المتلازمة مع عقود التملك البحث فيما يلي: -اندراج هذا في صور صفقتين في صفق، أو اشتراط عقد في عقد. -أو اعتبار ذلك شرطا مقترنا بالعقد المقصود أصلا. -أو اقتضاء سلامة المعقود عليه التزام البائع بالصيانة بديلا عن حق الرد للمعيب بعيب خفي. وهناك جوانب أخرى بحسب شروط وقيود الصيانة المختلفة وعقودها المتعددة، وهى المعروضة للبحث والدراسة لتحديد أحكامها، وتكييفها الشرعي.

стр. 17901

٢.أمثلة واقعية من عقود الصيانة وشروطها: ٢ /١ – المثال الأول: عقد صيانة حاسبات وما يتبعها من طابعات في شركة: المادة الأولى: مقدمة: يرغب الطرف الأول بعمل صيانة لجميع أجهزة الحاسبات الآلية الشخصية الموزعة في كافة أقسام الشركة بمواقعها المختلفة بالرياض، بما في ذلك كافة الوحدات الملحقة بها من طابعات، وإجراء الإصلاح اللازم عند حصول أعطال لهذه الأجهزة، وحيث أن الطرف الثاني – وهي شركة متخصصة في أعمال الصيانة – قد أبدى استعداده وموافقته على تنفيذ متطلبات الطرف الأول، وعليه فقد جرى الاتفاق على ما يلي: المادة الثانية: أ. يلتزم الطرف الثاني بإصلاح كافة الأعطال التي تحدث لأي من الأجهزة المشار إليها في القائمة المرفقة خلال أيام الأسبوع (عدا يوم الجمعة) . ب. يلتزم الطرف الثاني بالاستجابة لطلب الطرف الأول بإصلاح جهاز الحاسب الآلي الرئيسي في شبكات قسم الاستثمار والصناعية ومركز الخدمة، وذلك في موقع الطرف الأول في مدة أقصاها ساعتان تسري من تاريخ ووقت تسجيل طلب الإصلاح هاتفيًّا لدى الطرف الثاني، في الفترة ما بين الساعة الثامنة صباحا إلى الثانية عشر ليلا (منتصف الليل) من كل يوم باستثناء يوم الجمعة. ج. صيانة الأجهزة مرتين أسبوعيًّا بمقر الطرف الأول، وفي حالة عدم تمكن الطرف الثاني من إصلاح العطل المبلغ عنه، في مدة أقصاها (٢٤) ساعة من بدء عملية الإصلاح، يلتزم الطرف الثاني بتزويد الطرف الأول بجهاز بديل على نفقته (الطرف الثاني) ، كحل مؤقت إلى أن يتم إصلاح العطل بمقر الطرف الأول. المادة الثالثة: قيمة العقد تشمل تكلفة استبدال قطع الغيار التالفة وغير الصالحة بقطع غيار جديدة وأصلية، على أن تكون الأجزاء التالفة من حق الطرق الثاني. المادة الرابعة: يلتزم الطرق الثاني بعمل صيانة وقائية لأجهزة الحاسب الآلي الشخصي التابعة للطرف الأول بمقر الطرف الأول بمعدل (٣) مرات سنويا، بموجب جدول زمني يتفق عليه بين الطرفين. المادة الخامسة: حددت مدة هذا العقد بسنة ميلادية كاملة، تبدأ من ١/٨/١٩٩٥م. المادة السادسة: تبلغ التكلفة الإجمالية لهذا العقد.. .. وتشمل توريد وتركيب قطع الغيار.

стр. 17902

المادة السابعة: تكون الدفعات على أقساط شهرية. المادة الثامنة: من المتفق عليه بأن الأتعاب المحددة في المادة السابعة تشمل أتعاب الطرف الثاني عن جميع المهام الملقاة على عاتقه بما في ذلك قطع الغيار اللازمة ولا يحق للطرف الثاني المطالبة بأية زيادة مهما كانت مقابل أية أعباء إضافية، أو زيادة فيما يتعلق بزمن الإصلاح وتكاليفه. المادة التاسعة: يتعهد الطرف الثاني ويضمن بأن الخدمات المهنية سوف تؤدى بواسطة أشخاص على كفاءة عالية وخبرات طويلة في مجال تخصص العمل وأن جميع الخدمات سوف تؤدى طبقا لأفضل الممارسات المهنية، على أن يقوم الطرف الثاني بتقديم صور من الشهادات العلمية وشهادات الخبرة للمذكورين. المادة العاشرة: يتحمل الطرف الأول قيمة مستهلكات استخدام الحساب الآلي، مثل الأوراق والأشرطة الكربونية والأقراص الصلبة.. . إلخ كما يتحمل الطرف الأول قيمة تكلفة الأعطال الناتجة عن سوء الاستخدام. ٢ /٢ – المثال الثاني: بيع معدات طبية لمستشفى مع تعهد بصيانة مديدة: أ. في هذا العقد يلتزم المشتري بدفع ثمن المعدات على دفعتين: النصف عند الاستلام والنصف الآخر بعد تركيب المعدات واختبارها عمليا، ومقابل ذلك يلتزم البائع بما يلي: ب. تكاليف الشحن إلى الموقع وتركيب المعدات فيه ج. تدريب موظفي المشتري على استخدام المعدات. د. ضمان قيام المعدات بعملها على الوجه السليم لمدة سنة ويشمل الضمان: الصيانة الوقائية الدورية والإصلاح وقطع الغيار أو الاستبدال الكلي عند اللزوم، دون أي تكلفة إضافية على المشتري. هـ. يلتزم البائع بأن لا تتجاوز فترة التعطل للمعدات (٣ %) من ساعات التشغيل المعتادة شهريا، ويتعرض لجزاء نقدي إن تجاوز هذا الحد كما يلتزم أن لا يتجاوز زمن الاستجابة لطلب التصليح (٢٤) ساعة. و. لا يسري الضمان على الأعطال الناجمة عن سوء الاستعمال من قبل المشتري. ز. يلتزم البائع بتوفير خدمات الصيانة وقطع الغيار، لمدة لا تقل عن عشر سنوات يحتفظ خلالها بمخزون كافٍ من هذه القطع. والمفهوم أن تكاليف هذا الالتزام المديد غير مشمولة بالثمن الأصلي؛ بل يأخذ البائع مقابلها ثمن من القطع وأجرة المثل عن العمل. ٢/٣ المثال الثالث: صيانة لوحة إعلان كهربائية بمبلغ مقطوعة سنويا.: مع التزام الصائن / المقاول: أ. بالكشف عدة مرات في الأسبوع على اللوحة للتأكد من أنها تعمل. ب. بإصلاح أي عطل لخلال ٢٤ ساعة، وتبديل أي قطع تالفة بأخرى جديدة. ج. لو رضي مالك اللوحة بتحمل تكاليف قطع الغيار، فإن المقاول يرضى بثمن مقطوع أقل.

стр. 17903

٢ /٤ المثال الرابع: تشغيل وصيانة مرافق ومساكن لمدينة سكنية صغيرة مملوكة لمؤسسة صناعية. أ. مدة العقد ٣ سنوات ويشمل جميع المساكن وما فيها من تجهيزات منزلية، والمرافق المشتركة كالمدارس والمساجد وصالات الرياضة والبوابات وتمديدات المياه. ب. يلتزم المقاول الصائن بتحقيق استمرار جميع المرافق والتجهيزات والأبنية في تقديم خدماتها المعتادة بصورة جيدة. ويلتزم لذلك بتوفير جميع العاملين المهرة، وما يلزمهم من آلات ومواد ووسائل نقل. ج. يشمل العمل المطلوب الصيانة الوقائية الدورية لجميع ما ذكر، (مثل: دهان الأدوات المعرضة لعوامل الطقس، وتنظيف وضبط ومعايرة سائر التجهيزات، وتبديل الزيت والقطع التالفة.... إلخ) . د. كما يشمل الصيانة العلاجية لإصلاح أي عطل طارئ. هـ. الثمن الذي يتقاضاه المقاول عن قيامه بما سلف يدفع منجما على أشهر العقد، ويتكون الثمن من عدة عناصر هي: ١.مبلغ مقطوع. ٢.تعويض عن ثمن قطع الغيار التي يقوم المقاول بتركيبها فعلا. لكن مجموع ما يدفع له عن قطع الغيار للعقد بأكمله لا يمكن أن يزيد عن حد أعلى محدد في العقد. ٣.يعطى تعويضا عن كل ساعة عمل فعلية يقضيها العاملون عنده في تنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح. و. يلتزم المقاول الصائن ببيان عدد من سيوفرهم من المهندسين والعمال المهرة وسواهم ومؤهلاتهم التفصيلية وخبراتهم، ويشرط أن يكونوا موجودين عنده فعلا قبل بدء سريان العقد. ملاحظة: قيل لنا: إن هذا النوع من عقود صيانة المرافق الكبيرة شائع الاستخدام في الولايات المتحدة. ٢/٥ المثال الخامس (١) . عقد صيانة مديدة مترافق مع بيع آلة: أ. يضمن البائع للمشتري الأصلي لمدة لا تتجاوز ثماني سنوات من تاريخ الشراء، صيانة الآلة لتعمل بفاعلية، وإصلاحها الشامل (Overhaul) عند اللزوم، وفق سعر الصيانة السائد عند كل سنة. ب. تشمل الصيانة: العمل وتبديل ما يلزم من القطع، باستثناء ما تعرض منها لإساءة الاستعمال فيتحمل المشتري تكلفته، وكذلك يتحمل تكلفة القطع التالية.. وتحدد التكلفة بحسب السعر المعلن لتلك القطع في وقت استبدالها. ج. كما تشمل الصيانة الفحص الدوري في فترات محددة، وكذلك زيارات الإصلاح الطارئة عند حدوث أعطال. د. هذا الاتفاق مدته سنة، ويتجدد تلقائيا سنة بعد أخرى إلى نهاية السنة الثامنة، ما لم يخطر أحد الطرفين الآخر برغبته في عدم التجديد قبل شهر من موعد التجديد. هـ. يحدد البائع قبل بداية كل سنة ثمن الصيانة الذي سيطبق في السنة التالية، وعلى المشتري تسديد الثمن سلفا.

стр. 17904

٢/٦ بعض ملاحظات على العقود السابقة: أ. من المهم التفريق بين الإصلاح والصيانة؛ فالإصلاح هنا يقصد به إعادة الآلة إلى حالتها الصحيحة بعد خلل طرأ عليها. أما الصيانة فهي: (العمل الذي يحفظ الشيء في حالة صحيحة) قاموس هيرتج (Heritage) . وهي أعم من الإصلاح، إذ تنطوي على أعمال الوقاية من وقوع الخلل، فضلا عن إصلاح الخلل إذا وقع. والصيانة في العرف الهندسي المعاصر، ثلاثة أنواع: وقائية دورية أو علاجية طارئة، أو صيانة شاملة للنوعين السابقين. فالوقاية – وتسمى أيضا الدورية periodic or preventive maintenance تنطوي على الكشف على الشيء دوريًّا للتأكد من أنه يعمل بصورة صحيحة، واكتشاف ما سيؤدي إلى الخلل وضبطه.. . إلخ بما يقلل وقوع الخلل، ويخفف تكاليف الإصلاح (١) . والعلاجية، وتسمى أيضا الطارئة (correctivem) – تشمل إصلاح الأعطال بعد وقوعها. وكلا النوعين ينطويان على تقديم المواد وقطع الغيار اللازمة. وهدف الصيانة هو استبقاء الشيء في حالة يؤدي فيها وظيفته بنجاعة خلال فترة زمنية مقبلة. ب. لاحظنا من أمثلة العقود التي أوردناها تضمنها جميعا التزام الصائن بتقديم المواد وقطع الغيار اللازمة، مع استثناء أحيانا لقطع غيار معينة يتحمل تكلفتها مالك الآلة، على أساس ثمن المثل السائد عند تبديل القطع فعلا. ج. نلاحظ تعدد الأعمال والأشياء التي يلتزم الصائن بأدائها وتقديمها. وجميع أمثلة العقود التي أوردناها تشمل الصيانة الدورية الوقائية، والصيانة الطارئة العلاجية. ٣. الحاجة إلى عقود الصيانة وأسباب تزايدها: الحالة العادية أن مالك آلة أو أصل إنتاجي يطلب إصلاحه بعد وقوع خلل فيه، بعقد مستقل كلما وقع خلل ما، كما يفعله أكثر الناس المالكين لأدوات منزلية أو سيارات شخصية. وإذا كان عدد الآلات عند المالك كبيرا فقد يجد أن من مصلحته استئجار أجراء خاصين يتفرغون عنده لشأن الصيانة. لكن واقع الحال يشهد بأنه حتى الشركات والمؤسسات – ناهيك عن الأفراد – قد ترى أن صيانة بعض تجهيزاتها تكلف أكثر إذا قامت بها بنفسها، وتكلف أقل لو عهدت بها إلى أجير عام متخصص في الصيانة، يقدم خدماته لها ولغيرها. فمؤسسات الصيانة المتخصصة صارت مثالا من أمثلة المزايا الاقتصادية لتقسيم العمل والتخصص. إن تزايد أهمية الصيانة يرجع لعاملين على الأقل: أولهما: زيادة الكثافة الرأسمالية في النشاطات المعيشية المعاصرة، بمعنى الاتجاه المطرد إلى زيادة استخدام الآلات والأجهزة لإنجاز عمل معين. وثانيهما: هو اعتماد كثير من الأجهزة والمعدات على معرفة تقانية (تكنولوجية) متقدمة، تجعل صيانتها وإصلاحها يتطلب مهارات بشرية وإعدادت فنية خاصة (كأجهزة للاختبار والإصلاح ومواد للصيانة.. . الخ) .

стр. 17905

وفى مجالات الصناعات التحويلية التي يوجد فيها خطوط إنتاج، حيث نتاج مرحلة معينة هو مادة وسيطة أو نصف مصنعة تستخدم في المرحلة التالية؛ يكون ضبط عملية الصيانة مهما جدا؛ لأن تعطل آلة معينة قد ينجم عنه خسارة كبيرة، لما يترتب عليه من تعطيل مراحل إنتاجية لاحقة وتعطيل أعداد من العاملين. ومحصلة هذه الفقرة: أن الحاجة إلى الصيانة هي واسعة الانتشار كما أنها إلى ازدياد. ٤. عقد الصيانة المنفرد: ٤ /١ – مقدمات: سبق أن بينا في (ف٢/٦) أن هدف الصيانة هو استبقاء الشيء في حالة يؤدي فيها وظيفته بنجاعة، وتختلف بذلك عن الإصلاح الذي يعالج الخلل بعد وقوعه. ويبدو أن العرف التجاري المعاصر يقصد بعقود الصيانة عند إطلاقها الصيانة الشاملة التي تضم النوعين الوقائية والعلاجية معا (ف٢/٦) ن ومثال الوقائية: الكشف بين حين وآخر على الآلة وضبطها واستبدال القطع التي أشرفت على التلف دون انتظار وقوع خلل. ويلاحظ هندسيا أن أعمال الصيانة الدورية وما يحتاج فيها إلى تبديل بعض القطع أو الزيوت ... إلخ، كل ذلك يسهل تقديره سلفا على ذوي الخبرة بآلة معينة، وليس فيه إلا جهالة يسيرة. أما الصيانة العلاجية فهي بطبيعتها طارئة ليس من السهل تقديرها سلفا بالجهالة فيها كبيرة. وأكثر عقود الصيانة فيما ظهر لنا هي من النوع الشامل لنوعيها الوقائي والعلاجي لأسباب واضحة؛ أهمها أن حسن الصيانة الوقائية يخفف الحاجة إلى الصيانة العلاجية ويقلل تكاليفها. لذلك فإن العهدة بهما معا إلى جهة واحدة له مزايا ظاهرة في حفز الصائن على إتقان الصيانة بنوعيها، ويسهل حصر المسؤولية. وقد رأينا في جميع أمثلة العقود التي أوردناها، أنها تنطوي على التزام الصائن بتقديم بعض أو كل قطع الغيار التي تظهر حاجة لتبديلها خلال فترة العقد. وقد تبين لنا أن عقد الصيانة تكتنفه أربعة عقود معروفة، يشبه كلا منها في نواحٍ ويخالفه في أخرى، هي عقود: الإجارة على عمل، والاستصناع، والجعالة، والتأمين، والتأمين على الأشياء. ونبين ذلك في الفقرات التالية تمهيدا لتكييف عقد الصيانة واقتراح حكم فقهي مناسب فيه. ٤ /٢ – عقد الصيانة مقارنا بالإجارة على عمل: إن عقد الصيانة هو عقد على عمل، والصائن لا يضع نفسه تحت تصرف مالك الآلة مدة معينة ليقوم بالصيانة خلالها، لأنه عادة ليس أجيرا خاصا، لكنه أجير عام (مشترك) يبيع عمله في الصيانة لجهات كثيرة، لكن الصيانة تختلف عن الأعمال المألوف تأديتها من الأجراء العاملين، كالنجار والخياط في أمرين: أ. جهالة مقدار العمل فيما يتصل بالصيانة الطارئة العلاجية، وهي جزء من عقود الصيانة في العادة. ب. الالتزام بتقديم قطع التبديل من الصائن بالإضافة للعمل ولهذه القطع قيمة ذات شأن في العادة. وجهالة مقدار العمل تدعونا إلى النظر إلى وجوه الشبه بين الصيانة والجعالة. ٤ /٣ – عقد الصيانة مقارنا بالجعالة: إن أقوى وجه للشبه بين الجعالة والصيانة هو جهالة مقدار العمل، مع وجود غاية يطلب من العامل تحقيقها ليستحق الجعل، وهي هنا سلامة الآلة بحيث تؤدي وظائفها المعتادة. ولو كان العقد ليس صيانة، بل إصلاحا لخلل قد وقع فعلا لتأكد شبهه بالجعالة. أما الصيانة فإن بينها وبين الجعالة فروقا ثانوية، وأخرى جوهرية.

стр. 17906

ونعد في هذا المقام ثانويا تلك الفروق التي لا تخل بمقصد شرعي، لذلك يمنعها مذهب ويبيحها آخر في الجعالة، مع وجودها في الصيانة، مثل: أ. منع تأقيت مدة العمل في الجعالة عند المالكية والشافعية، بينما الحنابلة يجيزون التأقيت (وهو موجود في عقود الصيانة دوما) ، وهو الأوجه في نظرنا، لأن فيه تقليلا لجهالة العمل، وهذا حسن وليس مباحا فقط (١) . ب. عدم لزوم الجعالة عند المجيزين لها (إلا قولا ضعيفا عند المالكية باللزوم على الطرفين حتى قبل شروع العامل في العمل) (٢) . وعقود الصيانة لا مندوحة فيها عن اللزوم حتى قبل الشروع في العمل، لأن عدم اللزوم فيها ضار بالطرفين. فروق جوهرية: ج. من الفروق الجوهرية في نظرنا في الجعالة شرط أن يكون مقصود الجاعل لا يتحقق إلا بتمام العمل (مثل رد البعير الشارد، أو الحفر للوصول إلى الماء) . أما إن كان بعض العمل يفي ببعض غرض الجاعل (مثل إشادة بعض البناء) فإن العقد المناسب هنا هو الإجارة على عمل، وليس الجعالة، لأن مؤدى هذه أن لا يستحق العمل الجعل ولم أتم بعض العمل إذا لم ينجزه كله، مع أن الجاعل ينفع بهذا البعض، وفي هذا إجحاف دعا فقهاء المالكية إلى منع الجعالة في مثل هذه الحالات (٣) . ونحن نتبنى هذا الاجتهاد لأنه يحفظ مقصد العدالة والتوازن بين المتعاقدين. ومن الواضح في عقود الصيانة التي نبحثها أن رب الآلة ينتفع بقيام الصائن عليها بعض مدة العقد، ولا يصح القول بأن مقصوده لا يتحقق منه شيء إلا بتمام المدة كلها. وهذا يتنافى مع تكييف الصيانة على أنها جعالة. د. وهناك فرق جوهري آخر يتصل بالفرق السابق، وهو أن الزمن مقصود أصلي في عقد الصيانة، الذي يستهدف كما أسلفنا حفظ الآلة في حالة صالحة للعمل خلال فترة العقد فالصيانة عقد زمني بلا ريب تتحقق المنفعة فيه آنًا بعد آنٍ، شأن إجارة الأعيان وإجارة الأبدان، أما الجعالة على وجهها المعتاد فهدفنا تحقيق نتيجة معينة، ولو أمكن للعامل تحقيق النتيجة في ساعة لكان هذا أنفع للجاعل مما لو حققها بعد شهر. هـ. وفرق جوهري ثالث نذكره هو أن صيانة الأعطال الطارئة يستحق الصائن فيها الأجرة ولو لم تطرأ أعطال خلال فترة العقد، فعقد الصيانة في هذا الجانب منه يشبه قول جاعل: "من التزم برد بعيري إذا شرد خلال العام القادم فله كذا، وله الجعل على التزامه هذا ولو لم يشرد البعير". وهذا أشبه بعقد التأمين على الأشياء منه بالجعالة.

стр. 17907

نتيجة: هناك شبه واضح بين عقد الصيانة المعاصر وعقد الجعالة المعروف في الفقه، لكن بينهما فروقا جوهرية تمنع في نظرنا اعتبار الصيانة جعالة مطلقة. ٤ /٤- عقد الصيانة مقارنا بالتأمين على الأشياء: عقد التأمين: هو عقد يلتزم فيه المستأمن (طالب التأمين) بدفع مبلغ معين، لقاء التزام المؤمن بدفع تعويض عن الضرر الذي قد يلحق بالمستأمن إذا وقع الخطر المؤمن ضده خلال فترة زمنية محددة (سنة مثلًا) . والصيانة العلاجية الطارئة (غير الدورية) تشبه عقد التأمين المذكور (١) . سوى أن الصائن لا يلتزم عادة تقديم مبلغ مالي يعوض رب الآلة عن الضرر الناجم عن العطل الطارئ، بل يلتزم إصلاح العطل، وتبديل القطع التالفة حيثما لزم ذلك. ولو تمحضت الصيانة بحيث تكون علاجية طارئة فقط لا تشمل الصيانة الدورية، وكانت مستقلة تماما عن عقد بيع الأصل المراد صيانته، لزاد شبهها بالتأمين. نتيجة: إذا انفراد عقد الصيانة وحده، وكان محصورا بالصيانة الطارئة فقط دون الدورية الوقائية، فإنه يشبه عقد التأمين على الأشياء، ويجري فيه الخلاف الفقهي المعاصر في التأمين. - فأكثر الفقهاء المعاصرين، والمجامع الفقهية ومنها هذا المجمع الموقر، رأت عدم جواز التأمين التجاري، وجواز التبادلي والتعاوني بديلا عنه (٢) . - وترى قلة من الفقهاء المعاصرين جواز التأمين التجاري من حيث المبدأ، إذا خلا عقده من أسباب مفسدة أخرى. على أن الغالب على عقود الصيانة أن تشمل الصيانة الدورية الوقائية أيضًا، وهذه لا تشبه التأمين في شيء، كما أن وجودها في العقد يخل بشرط فني جوهري في التأمين وهو أن لا يتعلق وقوع الحادث الضار بإردة المؤمن ولا المستأمن. بينما الصيانة الدورية التي يؤديها الصائن تستهدف صراحة تقليل احتمال الحاجة إلى الصيانة الطارئة، وتقليل تكاليفها. أما الصيانة الطارئة المحض، فالغالب أن تترافق مع عقد بيع الأصل، كما هو شائع عند بيع السيارة الجديدة، حيث تتعهد الشركة البائعة أنه إن طرأ خلل في محرك السيارة خلال فترة محددة، فإنها تقوم بإصلاحه أو تبديله مجانا. ولا يشمل هذا التعهد قيام الشركة البائعة بأعمال صيانة دورية.

стр. 17908

٤ /٥- عقد الصيانة مقارنا بالاستصناع: قد يستغرب لأول وهلة مجرد التفكير بشبه بين الصيانة والاستصناع. لكن إمعان النظر بينهما بعض جوانب الشبه، فالاستصناع عند من يميزونه من السلم (وهم الحنفية) يتنازعه تكييفان: أحدهما أن محله هو العمل (١) . واتفقوا على أن مادة المصنوع (أو مواده) يقدمها الصانع في عقد الاستصناع، والمستأجر في الإجارة على عمل. وعليه فإن عقد الصيانة يشبه الاستصناع في هاتين النقطتين، لأن الصائن يقدم العمل والمواد وقطع الغيار، كما يشبه في أن الثمن فيهما قد يكون معجلا أو مؤجلا أو منجما على أقساط (بينما اتفقوا في الجعالة على أن الجعل لا يستحق إلا بتمام العمل) . ومن جوانب الاختلاف أن الصيانة عقد زمني كما أسلفنا (ف٤/٣/د) وليس كذلك الاستصناع، كما أنه في الصيانة الطارئة تستحق الأجرة ولو لم تطرأ أعطال تقتضي عملا (انظر ف٤/٣/هـ) ، بينما الاستصناع - على تكييفه بأنه عقد على عمل - لا بد فيه من العمل. ٤ /٦- ترجيح اعتبار الصيانة عقدا مستقلا: ويبدو لنا في ضوء مقارنة الصيانة بالعقود الأربعة القريبة منها، أنها لا تشبه أيًّا منها تمام الشبه، فيصعب من ثم تطبيق جميع أحكام أحد هذه العقود على الصيانة. ولعل الأيسر والأبعد عن التكلف اعتبار الصيانة عقدا مستقلا، من صنف عقود الإجارة على العمل، مع تميزه بالخصائص التالية: أ. محل العقد عمل بعضه وهو الصيانة الدورية، معلوم؛ وبعضه وهو الصيانة الطارئة، مجهول، لكنه مقدر بغاية محددة، هي استبقاء الشيء في حالة يؤدي فيها وظيفته المعتادة. ب. يقدم الصائن عادة المواد وقطع التبديل. (وهذا خلال الأصل في الجعالة وإجارة الأبدان، ووفق الأصل في الاستصناع) . وقد يتفق على أن يوفر رب الآلة المواد وقطع التبديل، أو يوكل الصائن بشرائها. ج. يستحق الصائن الأجرة، طالما حقق غاية العقد والتزم شروطه، بصرف النظر عن ظهور حاجة إلى صيانة طارئة وعن مقدارها. (وهذا يشبه جهالة العمل في الجعالة وتحديد غاية يستحق الجعل ببلوغها، بصرف النظر عن مقدار العمل) . د. يجوز أن تعجل الأجرة أو تؤجل أو تنجم بحسب الاتفاق (وهذا خلاف الجعالة، ووفاق إجارة الأبدان والاستصناع عند الحنفية) . هـ. العقد لازم للطرفين ما لم يشترط الخيار (وهذا موافق لإجارة الأبدان والأعيان، وخلاف الأصل في الجعالة والاستصناع) . و. الصيانة عقد زمني كالإجارة لابد فيه من تحديد المدة (بخلاف الجعالة عند المالكية والشافعية) .

стр. 17909

٥. عقد الصيانة المتلازم مع شراء الأصل المطلوب صيانته: إن المحذور الفقهي الأول المحتمل في عقد الصيانة المترافق مع شراء الأصل هو إن يقع في نطاق النهي عن صفقتين في صفقة، وكذا النهي عن شرطين في بيع. وكما هو معلوم، فقد تعددت الاجتهادات في تأويل النهي عن صفقتين في صفقة، وهو أعم بالطبع من النهي عن بيعتين في بيعة (١) . كذا في تأويل النهي عن شرطين في بيع. فلابد من اعتماد اجتهاد فقهي معين في تأويل ذلك النهي، ليمكن في ضوئه الحكم على عقد الصيانة المترافق مع الشراء. ولن نستعرض تلك الاجتهادات المتعددة في الموضع، فهي مبسوطة في المراجع الفقهية (٢) .ولكننا نبين ما اعتمدناه منها مع بعض التفصيلات التي لابد منها. وخلاصة ما اعتمدناه في هذا البحث من الاجتهادات الفقهية في هذا الموضوع هو ما يلي: ٥ /١- في تأويل النهي عن صفقتين في صفقة (وعن بيعتين في بيعة) : يقول فضيلة د. الضرير بعد استعراضه الآراء الفقهية المتعددة في تأويل النهي عن تعدد الصفقات في عقد واحد: "إن النص الذي ينهى عن تعدد الصفقة نص عام، وقد رأينا اتفاق الفقهاء على عدم الأخذ بعمومه، واختلافهم فيما يصدق عليه، وهذا يفتح المجال للاجتهاد في تطبيق النص.... (٣) . ويلاحظ أن د. الضرير في استعراضه ذاك لم يتطرق إلى رأي ابن القيم ﵀ في النهي عن بيعتين في بيعة، وقد نقلت الموسوعة الفقهية الكويتية قول ابن القيم أن المقصود هو: بعتك هذه بمائه إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة"هذا معني الحديث الوارد في البيعتين في بيعة وهو الذي لا معنى له غيره (٤) . فابن القيم يرى أنه تأكيد لتحريم بيع العينة. كيف نميز عقدا مع شرط عن عقدين في عقد لم نطلع على معيار واضح للتمييز. وكثير من الأمثلة التي يضربها الفقهاء لأحدهما تصلح مثالا للآخر (شراء حطب بشرط تكسيره وحملانه، شراء ثوب على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصا) .وقد استحسنا أحد الضابطين التاليين: ١. ما كان مقصودا أصليا اعتبر هو العقد، وما كان تبعا له اعتبر شرطا. فإن كان كلاهما مقصودا أصليا (مثلا أبيعك سيارتي هذه على أن تؤجرني دارك لمدة سنة ... ) فهذا صفقتان في صفقة (٥) . ٢. على أن تطبيق الضابط السابق قد يكتنفه صعوبة تمييز الأصل من التبع، ونرى أن أيسر معيار لذلك هو قيمة المثل. فما كانت قيمته أكبر بوضوح عددناه أصلا والآخر شرط. فإن تقاربا في القيمة اعتبرنا ذلك من صور صفقتين في صفقة. ومع ذلك لابد من الاعتراف بأن النهي عن صفقتين في صفقة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وشرط (عند من يأخذ به الشافعية والحنفية) جميع هذه المناهي أمثلتها متقاربة، بل متداخلة عند الفقهاء في التطبيق العملي. لذا صرح بعض الفقهاء بأن: " ... البيعتين في بيعة، والشرطين في بيع واحد، بمعنى واحد (٦) . ونحن نصرف هذا النهي إلى تعدد الصفقة الذي يؤدي إلى ممنوع شرعي كالربا أو الحيلة عليه (كالعينة) ، أو إلى الغرر الفاحش الذي لا تدعو إليه حاجة معتبرة، أو إلى غير ذلك من الممنوعات.

стр. 17910

إن علة النهي عن بيعتين في بيعة فيما نرى لا تنحصر في الربا والغرر، بل قد تتعداهما إلى محظورات أخرى، كاحتكار الصنف أو الغبن (١) . مثال ذلك: من ينفرد بتقديم سلعة أو خدمة، فيأبى أن ييبعها إلا مقرونة بسلعة أو خدمة أخرى لا ينفرد عادة بتقديمها (٢) . ونستبعد من النهي: العقد على عدة أشياء أو أعمال في صفقة واحدة لا تؤدي إلى ممنوع شرعي مثل: - شراء مكيف هواء بشرط نقله وتركيبه في المنزل. - تدريس طالب في الجامعة، لقاء قسط، لقاء قسط محدد مع تقديم الجامعة السكن والطعام وأنواعا من العناية الصحية والخدمات غير التعليمية للطالب. - خدمة الطوافة التي تشمل عادة: تلقي الحجاج والمعتمرين من المطار، ونقلهم إلى المشاعر المختلفة وإسكانهم وإطعامهم وإنجاز بعض المعاملات الإدارية لهم ومثل ذلك بعض خدمات المكاتب السياحية التي تلتزم ترتيب رحلة لمجموعة من الأشخاص إلى بلد معين، وتتكفل لقاء مبلغ مقطوع بتوفير النقل بالطائرة وبغيرها من الوسائط، والإرشاد السياحي والإقامة والطعام والرسوم ... إلخ ٥ /٢ – في تأويل النهي عن الشرطين في بيع: أنواع الشروط: إن تعقد موضوع شروط العقدية، وكثرة الآراء المختلفة فيه تدعو إلى وقفة قبل الخوض في الموضوع. إن الشروط في عقد ما يمكن أن تنصب على: (أ) اشتراط أوصاف في محل العقد، أو على: (ب) توثيق الوفاء بالالتزامات العقدية أو على: (ج) تعديل هذه الالتزامات أو تعدد محل العقد: أ. أوصاف المحل: وهي أوصاف يتطلبها العاقد في محل العقد (المعقود عليه) ، سواء أكان المحل: شيئا أو عملا. وهذه الأوصاف تقل أو تكثر، بحسب حاجات الناس ومتطلبات الصناعة والتجارة. ومحل العقد ولو كان بسيطا في الظاهر (مثلا: كأس زجاجية سعة٢٥٠ ملل) يمكن أن ينطوي العقد على شرائها عند ذوي الخبرة على عشرات الأوصاف الدقيقة (نسبة مواد كيميائية معينة في مادة الزجاج، درجة تحمله للحرارة، درجة مقاومته للكسر، درجة لمعانه حسب مقياس معين ... الخ) التي تتحدد بشروط عقدية. وإذا كان محل العقد عملًا (إجارة أشخاص) ، فأن أوصاف الشخص الذي يقوم به، أو أوصاف العمل نفسه، يمكن إن تكون كثيرة (مثلا أن يكون حائزا على عدد من المؤهلات التعليمية المعينة، وعدد معين من سنوات الخبرة، وأن يتقن لغة أو لغات، وأن لا يزيد أو يقل عمره عن عدد من السنوات ... الخ) .

стр. 17911

هذه الشروط وأمثالها هي من نوع ما سماه ابن قدامة: "اشتراط صفة مقصودة في المبيع". وقال أنه لا يعلم في صحة هذا القسم من الشروط خلافا (١) . ونؤكد على أنه طالما كان محل العقد جائزًا شرعا؛ فإن مجرد تعدد الشروط المحددة لأوصافه، ولو بلغت العشرات لا يمكن أن يكون ممنوعا. إذ لا يتصور أن تمنع الشريعة التعاقد على شراء مباح ذي أوصاف متعددة يريدها العاقد جميعا. ب. توثيق الوفاء بالتزامات العقد: الشروط التي تنصب على هذا الخلاف فيها يسير بين الفقهاء فيما يبدو ولو تعددت: كاشتراط الإشهاد والكتابة والتسجيل لدى جهة معينة (مثلا الكاتب بالعدل) وتقديم رهن معين وكفيل معين. هذا ما ظهر من نظرة إلى موقف المذاهب الأربعة (٢) . ج. تعديل الالتزامات العقدية أو تعدد محل العقد: والشروط التي تستهدف ذلك هي محل الخلاف الفقهي الواسع. ويبدو لنا في هذا المقام أن بناء النهي أو الإباحة على العدد الحسابي للشروط، أو الصفقات دون نظر إلى دواعي الجمع بينها ونتائجه، إن ذلك يؤدي إلى تطبيقات مضطربة لا يربطها رابط ولا ينتظمها ضابط، أو يؤدي إلى تضييق وحرج في التطبيق. (مثلا: يجوز شراء الحطب، لكن شراءه مع اشتراط حملانه إلى البيت باطل عند البعض (٣) . وآخرون يجيزون الحملان لأنه شرط واحد، ويمنعون اشتراط تكسير الحطب وحملانه لاجتماع شرطين، وعلى هذا الرأي يمتنع اليوم شراء مكيف هواء مع اشتراط حملانه إلى البيت وتركيبه، ومن باب أولى تمتنع عقود المقاولات التي تضم عادة عشرات الشروط تملأ أحيانا كتيبا يسمى (دفتر الشروط) ، بل تبلغ أحيانا مجلدا كبيرا في بعض العقود. ونرى أن تعدد الشروط (والصفقات) لا ينبغي أن يمنع فقها إلا إذا أدى إلى ممنوع شرعي معروف كالربا والغرر أو احتكار الصنف ... الخ، أو كلما شاع اتخاذه ذريعة إلى مثل هذه الممنوعات، وهذا قد يقع في بيع مع شرط واحد، وقد لا يقع في بيع تضمن شروطا كثيرة. وهذا المنحى من تأويل المنع هو بحسب فهمنا ما انتهى إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، بعد أن أسهب وأجاد أيما إجادة في الاحتجاج له (٤) . وأقرب مذهب إليه هو مذهب مالك رحمهما الله، من حيث عدم التركيز على عدد الشروط، بل على مضمونها ومآلها. يقول ابن رشد (٥) . "وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام، ... وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه الأصناف.. عسير،.. . وإنما هي راجعة إلى كثرة ما تتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع، وهما الربا والغرر، وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، فما كان دخول هذه الأشياء فيه كثيرا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان قليلا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطا أبطل الشرط وأجاز البيع ".

стр. 17912

في ضوء ما سبق نقول: بأن عقد الصيانة المتلازم مع شراء الأصل المطلوب صيانته ينطبق عليه وصف أنه شرط بل شروط في عقد – كما رأينا في الأمثلة التي سقناها من العقود. وإن مجرد تعدد الشروط (أو الصفقات) بحسب ما رجحنا الأخذ به من الاجتهادات، ليس كافيا للحكم بمنع مثل هذه العقود، إذا كان مضمون كل شرط (أو صفقة إضافية) هو في نفسه مباحا، وكان مآل العقد المركب نتيجة اجتماع الشروط لا يؤدي إلى ممنوع شرعي، بل إن عقد الصيانة المذكور يخدم مقصدا شرعيا معتبرا في البيع وهو (مسؤولية البائع عن العيوب الخفية) . نتيجة: إن عقد الصيانة إن كان مقبولا فقها لو أفرد وحده، يجوز جمعه مع بيع ما تتم صيانته. ٦. الحكم الفقهي الذي نقترحه في عقد الصيانة: ٦ /١ – أولا: عقد الصيانة العلاجية الطارئة، المنفرد: نقصد بالعقد المنفرد كونه غير مقترن ببيع الأصل المطلوب صيانته، وهذا في حقيقته ضرب من التأمين على الأشياء، ويأخذ حكمه على ما وضحناه آنفا. ٦ /٢ – ثانيا: عقد الصيانة العلاجية الطارئة، المقترن ببيع الأصل المطلوب صيانته: هذا العقد نرى حكمه الجواز دون تردد، حتى عند من لا يرون جواز عقد التأمين التجاري المنفرد على الأشياء. لأن عقد الصيانة يكافئ ضمان البائع للعيوب الخفية، على أن هذا الجواز مشروط بالتعاقد على الصيانة الطارئة حين بيع الأصل للمشتري، وثبوتها مع ثبوت ملكية المشتري للمبيع، ولا ينبغي أن يتراخى عقد الصيانة عن ذلك؛ إما أن يكون في عقد منفصل، أو ورقة مستقلة عن عقد بيع، فلا يضر فيما نرى. ٦/٣ - ثالثا: عقد الصيانة الشاملة (الوقائية والعلاجية) المنفرد: هذا نرجح اعتباره عقدا مستقلا، كما نرجح جوازه لاعتبارين: الاعتبار الأول: إمكان اغتفار مخالفاته للعقود المسماة الثلاثة القريبة منه (إجارة الأبدان والاستصناع والجعالة) لداعي الحاجة إليه، ولوجود نظائر لتلك (المخالفات) (التي هي خروج عن بعض الأصول التعاقدية) في عقود مسماة مشهورة، وقبولها لدى بعض المذاهب أو عند بعض الفقهاء. مثال هذه المخالفات: اشتراط تقديم الصائن المواد وقطع الغيار على خلاف الأصل في الإجارة على عمل وفي الجعالة، فقد أجاز المالكية وبعض الحنابلة (كما بين ابن قدامة في المغني عند بحثه الجعالة) اشتراط بعض المواد من العامل، وعللوا ذلك بتعليلات تنطبق أيضًا على قطع الغيار في موضوعنا: -إن العادة جارية به. إن الحاجة داعية إليه لأن تحصيل بعض المواد يشق على المستأجر كما قد يؤدي إلى إهدار بعض هذه المواد إذا كان ما يشترى عادة منها يزيد عما يحتاجه المستأجر (١) .

стр. 17913

والاعتبار الثاني: هو تميزه عن عقد التأمين التجاري (الذي يرى أكثر الفقهاء المعاصرين عدم جوازه) كما أسلفنا في الفقرة (٤/٤) : بل إننا نرى شبها قويا بين عقد الصيانة الشاملة، والإجارة على عمل الحارس والسجان مع تضمينهما ما يقومان على حراسته. "ويصح ضمان حارس ونحوه.. وهو جائز عند أكثر أهل العلم: مالك وأبي حنيفة , أحمد..والسجان ونحوه – ممن هو وكيل على بدن الغريم- كالكفيل للوجه، عليه إحضار الخصم. فإن تعذر إحضاره..يضمن ما عليه عندنا وعند مالك (١) . فهذا استئجار على عمل مع ضمان العامل تبعا لعمله خطر هروب من هو تحت الحراسة، ومع كون العمل نفسه مؤثرا في تقليل احتمال وقوع هذا الخطر. فهذا كله يقوي الشبه بعقد الصيانة المترافق مع ضمان الصائن لتلف القطع ولعمليات الصيانة الطارئة. ذلك أن الصائن يعمل من خلال الصيانة الدورية على درء احتمالات تلف القطع وتقليل الحاجة إلى الصيانة الطارئة. وبذلك ينتفع الطرفان: الصائن بقيمة عمله، وطالب الصيانة بتخفيض تكاليف الإصلاح الإجمالية. ٦/٤- رابعا: عقد الصيانة الشاملة (الوقائية والعلاجية) المقترن ببيع الأصل المراد صيانته: إن اقتران الصيانة مع البيع يقوي الدواعي التي ذكرناها في (ثالثا) للقول بجواز هذا العقد. لأن بعض هذه الصيانة (وهو العلاجية) هو أسلوب لتحقيق ضمان البائع للعيوب الخفية في المبيع. وبعضها الآخر (وهو الصيانة الوقائية الدورية) هو إجارة على عمل انضمت إلى عقد بيع الأصل، وهي صورة لصفقتين في صفقة، كلاهما مباح شرعا، ولا يؤدي إلى ممنوع شرعي وفق المعيار الذي رجحناه في (ف٥/١) . والصفقتان ليستا متنافرتين، لأن كلا منهما عقد معاوضة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور محمد أنس الزرقاء

стр. 17914

عقود الصيانة العرض – التعقيب والمناقشة العرض الرئيس: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. عقود الصيانة وتكييفها الشرعي هو موضوع هذه الجلسة المسائية، لديكم بحوث خمسة، والعارض فيها هو الشيخ محمد المختار السلامي، والمقرر هو الأستاذ منذر قحف. الشيخ محمد المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرًا سيدي الرئيس لإتاحة الكلمة، وشكرا للأمانة العامة عندما شرفتني لأن أكون عارضا لهذه البحوث، وقد بذلت جهدي في تتبعها وتلخيصها، وهو جهد المقل فأرجو من الإخوان الذين أعدوا هذه البحوث أن يعذروني إذا لم أبلغ ما بلغوه هم عند تقديم بحوثهم وشأن التلخيص لابد أن يضغط على البحث. هذه البحوث هي بحوث خمسة قسمتها إلى قسمين، لأن ثلاثة منها ذهبت إلى جواز عقود الصيانة في النهاية إجازة مطلقة، وبحثان فصلا القول حسب العقود؛ فأجاز البعض، ومنع البعض، وأبدأ بالمجيزين بشأن السهولة، ثم أرتب هذه البحوث ترتيبا أبجديا، حسب أسماء الباحثين، وأبدأ بما قدمه الأستاذ أنس الزرقاء ومن شاركه. الأستاذ أنس الزرقاء تحدث أولا في بحثه هذا عن الحاجة لعقد الصيانة وأنه جرى به العمل من إبرام هذه العقود مع الصانع أو المقاول، وضرب أمثلة مأخوذة من عقود تتبعها عقد لصيانة أجهزة الحاسوب لمؤسسة يتضمن التزام الصائن بالإصلاح في ظرف ساعتين من إعلامه، وصيانة أسبوعية. وعند عدم تمكن الصائن من إصلاح العطل خلال أربعة وعشرين ساعة فهو ملزم بتزويد المالك بجهاز بديل حتى يتم الإصلاح، ويتحمل الصائن تكلفة استبدال قطع الغيار التالفة على نفقته، كما يقوم بالصيانة الوقائية (٣) مرات في السنة وحددت مدة العقد والقيمة وطريقة الدفع، كما ضبط العقد وما يتحمله المالك، من الأوراق والأشرطة والأقراص. العقد الثاني هو عقد بيع معدات طبية، يلتزم البائع بالشحن وتركيب المعدات، وتدريب العاملين على استخدام المعدات كما يلتزم بضمان قيام المعدات بوظائفها وإصلاحها عند العطب أو استبدال القطع التالفة بقطع جديدة لمدة سنة، كما يتضمن العقد شرطا جزائيًّا إذا تجاوز التعطل (٣ %) من ساعات التشغيل يترتب عليه جزاء نقدي، كما يلتزم البائع بتوفير خدمات الصيانة وقطع الغيار لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

стр. 17915

المثال الثالث كان لصيانة لوحة إعلان كهربائية بمبلغ مقطوع، يلتزم فيه الصائن بالكشف عدة مرات في الأسبوع على اللوحة، والإصلاح في حالة أي عطل خلال أربعة وعشرين ساعة، وإنه إذا رضي مالك اللوحة بتقديم قطع الغيار، فإن المقاول يرضى بثمن أقل. المثال الرابع تشغيل وصيانة مرافق ومساكن لمدينة سكنية مملوكة لشركة صناعية. المثال الخامس عقد الصيانة مديدة مترافق مع بيع آلة، ويلتزم البائع هنا الصيانة لمدة ثماني سنوات، بثمن يدفعه المشتري مقدما. ثم أتبع ذلك بملاحظات على هذه العقود، فبين الفرق بين الإصلاح والصيانة: إذ الإصلاح هو إعادة الجهاز إلى وضعه السوي، أما الصيانة فإنها تشمل الوقاية الدورية، والعلاج والصيانة الشاملة لهما. الوقائية هي تفقد الأجهزة دوريا قبل أن يقع العطب، والعلاجية هو إصلاح العطب بعد وقوعه، وفي كلا النوعين يلتزم الصائن بتقديم المواد وقطع الغيار اللازمة، وفي بعضها يتحملها المالك. ثم بين الحاجة لعقد الصيانة، ثم تحدث عن عقد الصيانة المنفرد ولاحظ أن الصيانة الدورية يسهل تقديرها سلفا، أما الصيانة العلاجية فيصعب تقديرها مقدما، ثم ذكر أن عقد الصيانة تكتنفه أربعة عقود معروفة يشبه كلا منها في نواح ويختلف عنها في نواح أخرى وهي: الإجارة على عمل، والاستصناع، والجعالة، والتأمين. ثم قام بمقارنة عقد الصيانة بعقد الإجارة على عمل، وذكر أن عقد الصيانة يشبه عقد الإجارة على عمل إذ كلاهما فيه تقديم عمل إلا أن عقد الصيانة يتصل العمل فيه بقطع الغيار، كما إن العمل بالصيانة العلاجية مجهول. ثم قارن عقد الصيانة بالجعالة وبين وجه الشبه بين الجعالة والصيانة وهو جهالة مقدار العمل مع ضبط الغاية، لكن فيما بينهما فروق ثانوية لا تخل بمقصد شرعي مثل مدة العمل في الجعالة، وهذا جائز عند الحنابلة، وعدم لزوم عقد الجعالة إلا على قول ضعيف، في المذهب المالكي، ثم عدد بعض الفروق الجوهرية الأخرى. ثم قارن بين عقد الصيانة وعقد التأمين، فذكر أن عقد الصيانة بأن فيه نوعا من الاطمئنان إلا أن عقد التأمين يستحق فيه المؤمن تعويضا ماليا وعقد الصيانة يتحقق مع إصلاح العطب ثم تابع التمييز. عقد الصيانة قارنه أيضا بالاستصناع وبين الشبه بينهما بأن الصائن يقدم العمل والمواد وقطع الغيار كالمستصنع، وكذلك الثمن قد يكون معجلا وقد يكون مؤجلا. ويختلفان أن الصيانة عقد زمني بخلاف الاستصناع، كما أن الصيانة توجب استحقاق الأجرة، وإن لم يقم الصائن بعمل ما بخلاف الاستصناع. ترجيح اعتبار الصيانة عقدا مستقلا يقول: "ما قدمناه من أوجه اختلاف فالأولى أن يعتبر عقد الصيانة عقدا مستقلا لتميزه بأربع مميزات هي تجميع لما ذكره في أوجه الاختلاف الذي قدمناه"

стр. 17916

ثم بين عقد الصيانة المتلازم مع شراء الأصل المطلوب صيانته، والمحظور هو اجتماع صفقتين في صفقة، وقد تتبع ما قاله الدكتور الضرير متمما له لما نقله عن ابن القيم، وأنه خاص ببيع، ثم استشعر إشكالا قال فيه ما هو الأصل وما هو الشرط؟ نظرًا لأن أمثلة الفقهاء متشابهة ومتداخلة، ثم ضرب أمثلة لاجتماع العقد والشرط، ويرى أنها جائزة كلها. ثم تعرض لشرطين في بيع وقسم هذه الشروط إلى ثلاثة محاور: اشتراط الأوصاف في محل العقد، وتوثيق الوفاء بالالتزامات العقدية، وتعديل هذه الالتزامات أو تعدد محل العقد، ثم أخذ يفصل وقرر في الأول بأنه إذا كان العقد جائزا شرعا، فكل الشروط المحددة الأوصاف جائزة، وكذلك القسم الثاني، وانتهى إلى أن الشروط مقبولة إلا إذا أدت إلى ممنوع شرعي معروف كالربا والغرر والاحتكار أو اتخذ ذريعة لذلك. ثم أبان عن هدفه وقال: بناء على ذلك؛ فإن عقد الصيانة المتلازم مع شراء الأصل المطلوب صيانته ينطبق عليه أنه شرط مشروط في العقد ولذلك يجري عليه حكم القبول للبيع مع الشرط. ثم قال: الحكم الفقهي الذي نقترحه لعقد الصيانة: أولا: العقد المنفرد هو عقد تأمين تجري عليه أحكام عقد التأمين. ثانيا: عقد الصيانة العلاجية الطارئة المقترن ببيع الأصل المطلوب صيانته: هذا العقد جائز أيضا لأنه يكافئ ضمان البائع للعيوب الخفية. ثالثا: عقد الصيانة الشاملة (الوقائية والعلاجية) هو عقد جائز أيضا لأن غاية ما فيه مخالفته للعقود الثلاثة المسماة، وذلك مغتفر كتقديم الصائن لقطع الغيار قياسا على تقديم العامل لبعض المواد عند الحنابلة والمالكية، هكذا قال، ولأن الحاجة داعية إليه. رابعا: عقد الصيانة (الوقائية والعلاجية) في عقد البيع وذكر أنه عقد جائز لانتفاء الموانع لأنه أسلوب لتحقيق ضمان البائع للعيوب الخفية في المبيع، وفى الصيانة الوقائية إجارة على عمل ويجوز اجتماعهما مع عقد البيع. البحث الثاني هو بحث صاحب الفضيلة الشيح محمد علي التسخيري والشيخ مرتضى الترابي، تحدثا أولا عن الصيانة كحالة متولدة عن الاعتماد على الآلة في جميع شؤون الحياة، فعرفا الصيانة بأنها الاتفاق في عقد مستقل أو في ضمن عقد معين بين الشركة أو المتخصص، وبين صاحب المال، للقيام بخدمات الإصلاح والمراقبة لمدة معينة لكي يبقى صالحًا للاستفادة المطلوبة في مقابل لأجرة معينة.

стр. 17917

ثم تعرضا إلى بيان أن الصيانة لها أشكال متنوعة. الشكل الأول: أن يرتبط المالك والصائن بعقد يلتزم فيه الصائن بتقديم الخدمات وتبديل قطع الغيار، ولم يبينا هنا فقط من يدفع ذلك، ويلتزم المالك بدفع أجر. وحكم هذا العقد يبحث فيه بطرق ثلاث: عرضه على العقود الشرعية المعروفة، استنباط حكمه من قاعدة من القواعد العامة المعتبرة، ثم بالاعتماد على الأصول العملية. قالا: فإن عرضنا عقد الصيانة على الإجارة فإننا نجد عقد الصيانة يختلف عنها، باعتبار أن من محتوياته قطع الغيار فاجتمعت المنفعة، ولما للعرف مكانة ومرجعية، فإنه لا يرى دخول عقد الصيانة في الإجارة، لأنها سلطنة فعلية منجزة عن منفعة ولا توجد هذه السلطنة في عقد الصيانة. وبما أن التشابه بين عقدين لا يجعلهما شيئا واحدا، فإرجاع هذا العقد إلى الجعالة أو هبة الثواب أو الصلح، لا يخلو عن تعسف، ولذا فإن عقد الصيانة عقد جديد لا يصهر في بوتقة أي عقد آخر، وبهذا الاعتبار فلا بد من توفر أركان وشروط العقد فيه. ثم عرضنا عقد الصيانة على القواعد العامة فقالا: هو عقد لابد بالوفاء به عملا بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ] المائدة:١ [، والحديث النبوي الشريف: ((المسلمون عند شروطهم)) . والعبرة في العقود بالنصوص الشرعية، والإشكال في هذا العقد هو اشتماله على الغرر والتعليق. فالغرر هو في الجهل المسبق للخلل وقطع الغيار، أما التعليق فلكون الإصلاح معلق على طرو العيب، ولذا فإن المعاملة باطلة لاشتمالها على محظورين. قالا بعد ذلك: وهذه النظرة الأولى يصور بها التأمل، ويصح العقد لأن المعقود عليه هو الاستعداد طول الفترة المتفق عليها على الإصلاح، والنسبة المئوية لاحتمال طرو العيب في الأجهزة معلومة، أو قابلة للتخمين من خلال التجربة. ولهذا فقد انتفت الجهالة على أن حديث النهي عن بيع الغرر هو خاص بالبيع، زيادة عما في سنده من مقال.

стр. 17918

وكذلك التعليق لأن الصيانة ليست إلا استعداد الصائن لتحقيق ما يرغب فيه الملك. كما أنه لا يوجد في عقد الصيانة صفقتان في صفقة، على أن حديث النهي متكلم في سنده وأن فقهاء الشيعة يقولون بجواز الجمع بين العقدين في عقد واحد. والنتيجة المستخلصة هو جواز هذا العقد ومن ذهب إلى حصر المعاملات الصحيحة على المعاملات الموجودة في وقت وجود النص الحكم. الشرط الثالث في ربط عقد البيع أو الإجارة بالصيانة، قالا: "هذا العقد مرتبط بشرط وهو صحيح، لكن ترد عليه الإشكالات المبنية في الشكل السابق، وبما أن الإجابة عنها تختلف عن طريقة الفرع السابق فلابد من العناية بتنزيل الإجابة عن تساؤل خاص". قالا: "فأما الغرر فإنه خاص بالمعاملة الأصلية لا يتناول الشروط الضمنية التي لا تؤثر في الأصل، وبينا ذلك بالمثال باعتبار القيمة الضئيلة المترتبة على الشرط، وعدم معلومية طرو العيب ليس في ذلك خطر عرفا ولأنه يعرف بالتجربة المقربة من اليقين". وأما التعليق فالتعليق غير موجود لأن شرطه (الالتزام) ، والالتزام هنا منجز ولأن الشرط هو عنوان الصيانة مثل الحراسة، ولأن المستند في اعتبار التنجيز في المعاملات هو الإجماع، ولكن محل الإجماع، أصل العقد لا الشرط، وما يصحح التعليق بالشرط ما ذكره أهل البيت. أما صفقتان في صفقة اعتمادا على الحديثين، النهي عن بيع وشرط وعن صفقتين، فإن الحديثين غير ثابتين عندنا من حيث السند وغير معمول بها عند علمائنا، ولو كان الأمر ممنوعا لاشتهر هذا كشهرة الربا، وينبغي فهم النهي عن بيع وشرط بأنه هو شرط خاص كان متداولا في عصر النبوة لا يقبل شرعا. أما الشرط الثاني وهو ارتباط شرط الصيانة مع البيع أو الإجارة بما يشمله من قطع غير إلى مدة معلومة، وقالا: هذا الشرط هو صحيح بشموله على الأدلة العامة للوفاء بالعقود. إلا أن هذا النوع قد يكون الصائن هو الصانع وهذا لا إشكال فيه عندنا، كما يمكن أن يكون بائع تحصل على معدات من الصانع فكيف يلزم بالصيانة وهو غير قادر عليها؟ والشرط غير المقدور عليه باطل. قالا: "ولكن هذا الغرض لا إشكال فيه أيضا، لأن المشتري من الصانع يكون قد اشتراط شرطا موثقا أو ضمنيا إن الصانع يلتزم بالصيانة فهذا الشرط الارتكازي يكون البائع الثاني متمكنا فيه بالوفاء به. البحث الثالث الذي يجري في نفس الاتجاه هو بحث الأستاذ منذر قحف، وبحثه دسم وأطال في المقدمة فتحدث عن تطور مفهوم الصيانة حتى شملت مرحلة الخدمات، وقد أعطى مثالا عن ذلك: اتفاق شخص مع المستشفى ليقوم له صيانة عامة لبدنه لفترة محددة، أو العناية بالحامل إلى الوضع، وقد يستعين المتعاقد معه لتحقيق ما عقد عليه بإبرامه هو عقدا من الباطن، كما أن الصيانة تكون بعقد مستقل أو مرتبط بصفقة البيع. ثم ذكر معنى الصيانة وأنها إصلاح الشيء المعمر كلما أصابه خلل في أداء الوظائف المعد لها، ومضمون عقد الصيانة كما قال:"إن المضمون هو إصلاح الآلة حتى تودي وظائفها بنفس الكفاءة والجودة، وقد يشمل عقد الصيانة تقديم قطع الغيار إضافة للإصلاح".

стр. 17919

مشمولات عقد الصيانة: إن بعض عقود الصيانة تشمل بالإضافة إلى الإصلاح وقطع الغيار أمورا أخرى هي مثلا: التعويض عن الإيراد المفقود أيام التعطل أو تقديم منفعة بديلة، ثانيا: القيام على الصيانة لكل الآلات التي يضمها صاحب المعمل بعد عقد الصيانة، ويستثنى عادة في عقد الصيانة تآكل إطارات السيارات، وفساد البطاريات وما يفعل بفعل الغير، وقد يكون عقد الصيانة تابعا لعقد التشغيل. ثم تحدث عن خصائص عقد الصيانة فقال: "الخاصية الأولى هي الجهالة في مقدار العمل المطلوب، والجهالة في مواعيد تقديمه، والجهالة في عقود الصيانة ليست على مرتبة سواء". وتنتفي الجهالة إذا كان عقد الصيانة مقدرا بقيمة العمل حسب الساعات المقضية قطعا، كما أن عقد الصيانة الذي يشمل فيه قطع الغيار، فيه جهالة غير يسيرة. ثم عدد صورا من الجهالة. الطبيعة التأمينية لعقد الصيانة: إن عقد الصيانة شبيه بعقد التأمين، لأنه يقوم على أساس تحويل المجهول المطلوب من الصائن إلى مقدار معلوم هو الثمن، والصائن هو المؤمن يحصل على مبلغ محدد لتحمله مخاطر الإصلاح المجهولة عند التعاقد، والصيانة كعقد لا تتم إلا على أساس الاتفاقات في الأعداد الكبيرة أو إذا كانت قيمة الصيانة كبيرة، إلا أن الفارق بين عقد الصيانة وعقد التأمين أنه في عقد التأمين يتحصل المؤمن على مقابل مالي، وفي عقد الصيانة يتم له إصلاح ما تعطل. ثم ذكر أنه تعقد عقود تشبه عقد الصيانة: كعقد النظافة، وعقد التشغيل، وعقد التحديث، وعقد الصيانة الصحية في أمريكا. الإشكالات التعاقدية للصيانة: ١. شرط الصيانة في عقد البيع. ٢.عقد الصيانة بين الصائن والمالك: ويمكن للصائن بأن يقوم بعقد من الباطن للصيانة. ٣. عقد تأمين بين المالك وشركة تأمين تعاوني. ١. شرط الصيانة في عقد البيع: هو مصلحة لطرفي العقد: استقرارا للعقود، ثم عرض أنواعا من الأغراض الحقيقة التي ينتفع بها الصائن والمشتري. وشرط الصيانة من البائع ليس بديلا عن خيار العيب وإنما يقلل من احتمال الرد بالعيب. ثم ذكر أنواعا من التعطل تحدث في الأجهزة ولا تدخل في عقد الصيانة، وفي الصيانة يحدد الزمن الذي يسري عليه العقد، وقد يتضمن عقد الصيانة تقديم بديل مدة التعطل كأن تقدم سيارة بدل السيارة التي تخضع للصيانة، أو بندقية بدل تلك التي تتم صيانتها وذلك لمدة الصيانة بكاملها. كما يتضمن عقد الصيانة تعويضا عما يفسد بسبب العطل كالمأكولات إذا فسدت.

стр. 17920

٢. عقد الصيانة بين الصائن والمالك: ويتنوع إلى أن يتعاقد على صيانة المعدات بثمن محدد بساعة عمل إنتاج أو ثمن محدد غير مرتبط بما قضاه الصائن في الصيانة، وفي كليهما يشتري المالك قطع الغيار أو أن يتحمل الصائن قطع الغيار وقد تضم الآلات المشتراة بعد العقد إلى التزام الصائن بصيانتها عند التعاقد. عقد التعهد: عقد التعهد أن تتنوع الآلات مما يفرض على العاقد الأصلي أن يقوم بعقد من الباطن للوفاء بما التزام به. ٣. عقد تأمين بين المالك وشركة تأمين تعاوني: يوجب تعويض المالك عن الأضرار. ٤.علاقة الصيانة بالتمويل: بين الحاجة لعقد الصيانة في العمليات التمويلية في البيع والإجارة، أما في البيع المرابحة أو الاستصناع، لا غنى للبنك الإسلامي عن عقد الصيانة الذي يوفر له الطمأنينة على عدم نقص البيع بفساد يظهر في المبيع. أما في الإجارة فتحتاج العين المؤجرة إلى صيانة تشغيلية كالتنظيف والزيوت، وهذه يمكن أن يتحملها المستأجر وإلى صيانة دورية للضبط والتعديل، وهى مثل سابقتها، وهناك القسم الثالث وهي الصيانة الطارئة لما يحدق من أخلال تعوق الذات المستأجرة عن الانتفاع بها، وهذه يتحملها المؤجر وهنا لا غنى للمؤجر عن عقد الصيانة الذي يعطيه ضمانا لاستمرار عملية التأجير. سندات الأعيان المؤجرة: لا يتحقق ذلك إلا إذا كان المشتري لها مطمئنًا على استمرار عقد الإجارة والصيانة هي الموفرة لذلك.

стр. 17921

خامسا – القضايا الشرعية: عقد الصيانة كعلاقة يطرح أسئلة كثيرة: -أن يكون البائع ملتزما به في العقد دون تراوض ولا تعيين له في عقد البيع. -أن يكون البائع ملتزما به بعد تراوض إلا أنه يدمج في عقد البيع ولا يتخصص بثمن. - عقد صيانة منفصل عن عقد البيع وبثمن محدد ويساويه العقد بين الصائن والمالك. - مدى جواز اشتراط المنفعة البديلة. - جواز تحمل الصانع للأضرار الناشئة عن تعطل الآلة. - المسؤولية عن إجراء الإصلاحات. - حكم التعهد بصيانة الآلات المضافة. - انتقال الصيانة لمالك جديد. - ثم أرجع الإشكاليات إلى ثلاثة محاور: أولا: الشروط في العقود. ثانيا: بعض الخيارات. ثالثا: عقد الجعالة. ثم تعرض لرأي الحنفية والحنابلة في الشروط، ثم قارن بين الشرط من الشروط الممثل بها في المذهبين، وشرط الصيانة على أنه أولى بالجواز لأنه لا ينتهي إلا إلى إرجاع الشيء المصون إلى وضعه الطبيعي وشرط الصيانة شرط ضروري، جرى به العرف ولأنه شرط من مصلحة العقد فلذلك هو مقبول، كما قبل الصيانة بناء على قول المالكية باشتراط الحملان. ثم ذكر أن شرط الصيانة ليس بديلا عن خيار العيب وإنما هو تقليل من فرص القيام به، لا من مسقطات خيار العيب، ثم بين قضية أخرى، اجتهد فيها، أنه بناء على أن الزمن اليسير متسامح فيه يقتضي ذلك جواز اشتراط المنفعة البديلة. ومن وجهة نظره، أنه يجوز إسقاط خيار الرد فالتراضي على الصيانة أولى. ومن ناحية أخرى بين أن شرط الصيانة أشبه بالأرش باعتبار أن رد العين المعيبة، موجب خلفيا أقوى من الأرش. ثم برر توقيت شرط الصيانة كما أن انتقال خيار الرد إلى الوارث يعتبر أساسا لانتقال شرط الصيانة إلى المالك الجديد. بعدها انتقل إلى الجعالة , وذكر أن الجعالة تتميز عن الإجارة بجهالة العمل، والجهالة في الصيانة أخف من الجهالة في الجعالة، ومحل عقد الجعالة إتمام العمل، وكذلك عقد الصيانة، ولا فرق بين بناء حائط الذي أجازه الفقهاء وبين عقد الصيانة. أما قضية اشتراط قطع الغيار على الصائن فهي قضية يحسمها، وكذلك يجوز إدخال صيانة الآلات المضافة بعد عقد الصيانة اعتمادا على رأي الشافعية أن للجاعل أن يزيد في العمل المجاعل عليه برضا العامل. ثم انتهى إلى أن العقود المتشابهة لعقد الصيانة جائزة، كعقد التأمين على الصيانة إذا كان تعاونيا بما أن التبرعات تحتمل من الجهالة ما لا تحتمله المعاوضات. هذا هو القسم الأول الذي يجري كله في منهج واحد وهو جواز عقود الصيانة بجميع أنواعها.

стр. 17922

أما القسم الثاني من البحوث: البحث الأول هو لفضيلة الشيخ الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، ولقد اكتشفت في البحث هذا ناحية ما كنت اطلعت عليها من قبل في بحوثه، إذ أنه جمع في بحثه هذا بين القانون والفقه فكان قانونيا فقيها أو فقيها قانونيا، وبعد أن بين مفهوم الصيانة لغة، ذكر أن المعنى القانوني والفقهي قريب من المعنى اللغوي ذلك أن الغرض من عقد الصيانة هو المحافظة على الشيء وبقاؤه منتفعا به، وهو عقد مستحدث يحتاج إلى تكييف قانوني والآخر شرعي. أما التكييف القانوني فهو عقد مقاولة، وعقد المقاولة تضمن القانون السوداني والأردني، والمصري أحكاما خاصة به، ثم عرف عقد المقاولة في القانون السودان وقارنه بالأصل المستمد من القانون الأردني الذي هو بدوره مستمد من القانون المصري. ويلاحظ أن القانون السوداني والأردني مرجعهما الفقه الإسلامي، أما القانون المصري فإنه يستمد أحكامه من القانون الفرنسي. وعقد الصيانة هو نوع من أنواع عقد المقاولة فهو أخص منه، ولذا فإن تعريف عقد الصيانة هو عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بصيانة شيء لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر، وتتبع عقد المقاولة وبعض الإشكالات القانونية أخذا من كلام السنهوري، ﵀، ثم نظر بين عقد المقاولة وعقد الصيانة ثم قال إن عقد الصيانة قد يتعهد فيه الصائن بتقديم العمل فقط، وقد يتعهد بتقديم العمل والمادة، وفي الحالة الأولى هو عقد مقاولة وفي الثانية هل هو عقد مقاولة أو بيع أو هو مقاولة إذا كان المادة غير غالية؟ بعد أن أنهى البحث القانوني انتقل إلى بحث التكييف الشرعي، فاعتمد ثانية على ما جاء في القوانين المستمدة من الفقه، وذكر أن القانون السوداني لم يتعرض إلى التكييف على عكس القانون الأردني الذي تعرض إلى التكييف، على أنه عقد استصناع، أو عقد إجارة أجير مشترك، مع التنبيه للإشكال السابق في تفرد العقد بالعمل أو اشتماله على المادة. ثم ذكر أن عقد الصيانة يتحقق على صور مختلفة وأنه لابد فيه من توفر جميع أركان العقد. ثم ذكر أنواعا من عقود الصيانة فقال: أولا: عقد الصيانة المنفرد الذي لا يقوم فيه الصائن بتقديم مادة إلا الشيء التافه، فإن الصائن إن اختص بالعاقد فهو أجير خاص، وإن لم يختص به، بل يعمل لغيره فهو أجير مشترك، ولما كان المعقود عليه هو العمل فلا بد من تعيينه تعيينا ينفي الغرر ولابد أن يكون الأجر معلوما. وإذا كان أجيرا خاصا فلا بد من ضبط للمدة. ثانيا: عقد الصيانة الذي يصحب العمل تقديم المادة من صاحب الشيء، وهذا كسابقه إلا أن المادة إن بقيت تحت يده، فإن كان الأجير خاصا فلا ضمان إلا بتعدٍّ أو تقصير، أما إذا كان مشتركا ففي تضمينه الخلاف المعروف. ثالثا: عقد الصيانة المنفرد والمحتاج إلى مادة يتعهد الصائن بإحضارها. قال: هذا عقد اجتمع فيه عقد الإجارة وعقد البيع. وتساءل هل يشمله النهي عن صفقتين في صفقة؟ وانتهى إلى أن هذا لا يدخل تحت الحديث، وهو مقبول عند المالكية، وهو الصواب عنده، ثم احتاط بأنه إذا أخذنا بهذا التكييف، لابد من تحقق شروط البيع، ولهذا فإن الأولى إن يكون إعداد المواد إما من صاحب العمل أو أن يوكل صاحب العمل الصائن.

стр. 17923

رابعًا: عقد الصيانة المشروط في عقد البيع. قال: ظاهر هذا العقد أنه بيع وشرط، وبعد أن ذكر اختلاف الفقهاء في البيع المقترن بالشرط، اعتمد أن هذا البيع المشروط جائز عند الحنابلة والمالكية. خامسا: عقد الصيانة المشروط في عقد الإجارة، صيانة العين المؤجرة على المالك حتى ينتفع بالأجرة، وأتى بنصي المدونة والمغني في المعنى. سادسا: الصيانة في عقد المقاولة، إذا تعهد المقاول بصنع شيء وصيانته لمدة من الزمن، قال: "هذا عقد إجارة وصيانته إذا كانت المادة من صاحب العمل، وعقد إجارة وبيع إذا كانت المادة من المقاول، وكلاهما جائز، ومدة الصيانة يمكن أن تكون أقل أو أكثر من عشر سنوات باتفاق الطرفين ". تكييف عقد الصيانة على أنه عقد جعالة. قال: إن تكييف عقد الصيانة على أنه عقد جعالة كما ذهب إليه بعض من العلماء، وقد سماهم واحدا واحدا، إن هذا التكييف غير مقبول عنده، وهو الحق لأن عقد الصيانة عقد لازم، والجعل غير لازم لا للعامل ولا للجاعل قبل بداية العمل، ولأن عقد الجعالة يجوز أن يكون العمل مجهولا بخلاف الصيانة، ولأن عقد الجعالة يستحق فيه العامل العوض في تمام العمل، وعقد الصيانة يجوز أن يقدم أو يؤخر. البحث الأخير هو لمن كلف بالعرض: عقد الصيانة هو عقد حادث لا عهد للفقهاء به. ومن الجهد الضائع التنقيب عن رأي الفقهاء السابقين فيه، لأن هذا العقد تابع لدخول الآلة في الإنتاج ولاعتماد الآلة على الطاقة المحركة لدواليبها. وللتسلسل الرابط بين أجزاء الآلة، ثم لدخول عامل جديد هو الإلكترونيك في الضبط والدقة والتسيير. وهذه كلها آليات الإنتاج المعاصر، أثرت في حياة الإنسانية بظهور الثورة الصناعية وما تبعها إلى عصر الكمبيوتر وكوامنه العجيبة. ثم إن هذه الثورة الاقتصادية دخلت بالعالم في منافسة قوية جدا فرضت فيما فرضت على المنتجين أن يحسبوا كل تكاليف الإنتاج، وأن يعملوا جاهدين على الضغط عليها إلى أدنى مستوى ممكن، ليتمكنوا من المنافسة وتثبيت أقدامهم في السوق بأحد عوامل الفوز والذي هو انخفاض ثمن السلع المنتجة والجودة وخاصة في المظهر. وارتبط بذلك أن الآلة التي تقوم بالإنتاج يوزع ثمنها على المنتوج. فإذا تعطلت أو لم يتحقق في الواقع العملي طاقتها الإنتاجية انعكس ذلك على ثمن المنتج وأفلس المشروع. كما أن الآلة قد يلحق الخلل بعض أجزائها وحسب طبيعتها فإن الخلل مؤذن بالتوقف الكامل، أو ضعف الإنتاج، أو عدم جودته وكل ذلك مفضٍ حتما إلى إفلاس المشروع.

стр. 17924

ولذا كان من المتحتم على الباعث للمشروع الاقتصادي أن يعمل على قيام الآلة بوظائفها في جميع أجزائها. وأن يسرع إلى تلافي ما أصاب التجهيزات. ولكن أصحاب المصانع – في معظم الأحوال – والمستخدمين للآلات لا يمكنهم أن ينتدبوا من يقوم بهذه المهمة كإطارات يعملون عندهم بصفة مستمرة الذي تحدث عنه الشيخ الضرير بأنه أجير دائم أي أجير خاص. وذلك لأمور منها أن التعرف على الخلل بعد تطور الآلة وتعقدها أصبح لا يدرك إلا بأجهزة دقيقة ومتطورة ومرتفعة الثمن. وقد لا يحتاج صاحب المصنع لبعضها إلا مرات قليلة أو لا يحتاج إليها أصلا، ومنها أن المتمكنين من استخدامها العارفين بأسرارها هم من ذوي الكفاءات العالية الذين ترتفع أجورهم وفرص الاحتياج إليهم في المصنع الواحد قليلة. وكل ذلك يدخل في تكلفة الإنتاج، ويؤدي بالباعث إلى الإفلاس إن لم يأخذ حيطته لذلك بما يضمن استمرار الآلة في الإنتاج بكفاءة، وبأقل ما يمكن من النفقات. وبناء على ما قدمناه فرضت المسيرة الاقتصادية أن يتخصص قسم من المسهمين في دولاب الاقتصاد بتوفير الخدمات المطلوبة حسب القواعد الفنية لسير المعامل والآلات بكفاءة في سرعة الإنجاز ودقته عند تعويض الأجزاء التالفة أو المتآكلة بغيرها، وكذلك الاحتياطات الدورية لدوام عمل الآلة والأجهزة فيكون عقد الصيانة هو عقد يلتزم الخبير الفني بالقيام على الآلات والتجهيزات في مدة محددة، قياما يحقق أداءها لوظائفها بكفاءة ويلتزم فيه صاحبها بدفع ما اتفقا عليه إن لم تكن ملتزمة من البائع. ولا تقتصر الحاجة للصيانة على المعامل الآلية فشركة الطيران في أي قطر من أقطار العالم تنقل المسافرين فإذا بلغت طائرتها بالمسافرين البلد المقصود، فإنها لا تستطيع أن تواصل رحلتها أو أن تعود إلى منطلقها إلا بعد قيام فريق مختص بتفقد تجهيزاتها ضمانا لحياة المسافرين. ولا يمكن للشركة أن تبعث مع كل طائرة فريقا من الفنيين ولا بأجهزة الرقابة. والمؤسسات المالية لا تستغني في سير عملها عن تدفق التيار الكهربائي لمكاتب العمل مثلا وللدماغ الحاسوبي الجامع الحافظ وللأجهزة المتصلة به، وهو ما يوجب القيام على التجهيزات الكهربائية قياما يضمن عملها بانتظام. كما لا تستغني عن مراقبة أجهزة الحاسوب الأصلي وفروعه ضمانا لحقوق المتعاملين مع المؤسسة وضبطا لحساباتها.

стр. 17925

وقد تضاعف سكان الأرض في هذا القرن عما كان عليه في القرون السابقة، وفي انتشار المساكن الأفقية عدوان على الأراضي الفلاحية وقتل للمساحات المحيطة بالمدن. زيادة عن غلاء ثمن المساكن الأفقية وارتفاع التكلفة للقيام بالخدمات المدنية من توزيع المياه والنور الكهربائي وأجهزة الصرف. فاحتاج الناس إلى البناء العمودي الذي يحفظ الأرض ويقلل من تكاليف الخدمات ويختصر المسافات داخل المدن، وهذه البناءات الذاهبة صعدا لا يستغني ساكنو طوابقها العليا عن المصاعد، وتوقف المصعد بعد توفيره فيه إهدار للوقت وفيه حجب الساكن الضعيف عن القيام بواجباته في الحياة من المسنين والمرضى والحبالى والصغار والمعاقين. والمستشفيات والمصحات قد تطورت طرق الكشف والعلاج تطورا ارتبط بنمط الحياة. فالكشف بالأشعة وبالأجهزة المعرفة بمكان المرض ونوعه وإنعاش من بلغ مرحلة الخطر لمساعدته على تجاوز فترة الأزمة، وإجراء العمليات الجراحية. كل ذلك لابد من القيام على المزود بالتيار الكهربائي وعلى تلافي حصول الخلل في التجهيزات الطبية الإلكترونية المعقدة. هذه بعض الصور التي تكشف عن الحاجة إلى صيانة المعدات والأجهزة والآلات، وهي حاجة ترتبط بالكليات الضرورية من حفظ النفس والمال. وتعتبر بذلك داخلة تحت المقاصد الضرورية، كما يدل عليه كلام الشاطبي، من أن الحفظ للمقاصد الضرورية يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود والثاني ما يدرأ عنهما الاختلال الواقع أو المتوقع وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم. ثم قال عند التمثيل: والمعاملات ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان مع غيره كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض، بالعقد على الرقاب أو المنافع وذلك تدخل عقود الصيانة من حيث الأصل تحت مظلة الضروري عملا بالقاعدة اليقينية المروية عن عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضيه بقدر ما أحدثوا. أنواع عقد الصيانة: أولا – الالتزام المرتبط بعقد البيع كأحد بنوده: وذلك أن البائع ملتزم عند العرض أن كل القطع صغيرها وكبيرها قد تم صنعها بالجودة التامة، وأنها قادرة على الأداء دون أن يلحقها عطب من التشغيل طيلة مدة محددة أو دائما. وأنه ملتزم بالمنهج الحضاري الذي يحكم المسيرة البشرية وهي أن التجربة هي المعرف الحقيقي للصلاح، أو الاختلال. ولذا فإن ما يبيعه من الأجهزة هو ضامن لأدائه مدة معلومة. وهذا ما يفرض عليه أن يبعث بخبرائه يوجهون إلى الطريق الأمثل في التشغيل في الفترة التي يحددها الطرفان عند عقد البيع. والتي تكون كافية للتحقق من سلامة المبيع وحسن أدائه. وقد وقع التساؤل في الورقة المقدمة للموضوع عن تكييف هذا الالتزام فجاء فيها ما هو مذكور.
следующие страницы →