وفي لفظ (حفت) (١) ، قال الإمام النووي (٢) ، عند شرح هذا الحديث: "فأما المكاره، فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ... ونحو ذلك ".
وكذا الآيات والأحاديث الواردة في الدعوة إلى الصبر والترغيب فيه وبيان عظم أجر صاحبه، كل ذلك من أبرز الأدلة على ما يحتاجه الإنسان من الجلد والمجاهدة لما قد يلقاه من الابتلاء، ولكنها مشاق محتملة، يعقبها الأجر مع الصبر والاحتساب.
وإذا حصلت مشقة في أي عبادة في فعل مأمور به أو ترك منهي عنه، فالمشقة ليست مطلباً للشارع، بل العبادة هي المطلوبة، غير أنها لا تتحقق إلا بنوع من المشقة، وهنا يلاحظ أن العبادة التي لا يمكن تحقيقها إلا بمشقة بالغة لا ينظر فيها إلى جانب المشقة، ولكن ينظر إلى كون المصلحة راجحة، بحيث يهون بسببها تحمل المشاق العظيمة، وذلك كالجهاد في سبيل الله سبحانه، ذلك أن الشارع راعى – في أولويات المصالح المرعية – حفظ الدين، وهذا قد لا يتأتى إلا بإزهاق النفوس، والمشقة فيه عظيمة، لكنها تهون أمام إعزاز دين الله والتمكين له في الأرض، ودحر الطغيان والظلم، وإشاعة العدل، وبذلك يحفظ الدين وبحفظ الدين تحفظ الضروريات الأخرى من النفس، والمال، والدم، والعقل ... وعدم الجهاد معناه غلبة الكفار على المسلمين المؤدي إلى إهدار كل شيء من مصالح الدين والدنيا ولم يعدل الشارع إلى غير الجهاد من الوسائل الأخرى، إذا كان المقصود لا يتحقق إلا به، والمشقة المذكورة لا تنفك عنه، كما روعي في جانب الزجر عن ارتكاب بعض الجرائم، إيقاع بعض العقوبات التي تؤدي أيضاً إلى مشقة عظيمة، وذلك في بعض الحدود، مثل: قتل الزاني المحصن، وقطع يد السارق. .. وغيرهما، لما أن الزجر في حقهم مطلوب حفاظاً على دماء وأموال وأعراض الناس، ومراعاة المصالح العامة، مقدمة على مراعاة المصالح الخاصة عند التعارض، ولما كان العدول عن الشاق إلى ما هو أخف منه ممكناً، وجدنا أن الشارع يراعي ذلك في كثير من الأحكام.
فقد رخص للمريض عند عدم القدرة على القيام – في الصلاة – أن يصلي من قعود أو على جنب.
ورخص للمسافر، والمريض، والحامل – الخائفة على نفسها أو على ولدها – الفطر، وكذا المرضع، ورفع الإثم والمؤاخذة عن المكره، والناسي، والنائم، والمخطئ ....
وأسقط الصلاة عن الحائض والنفساء، كما أسقط عنهما الصوم حال ذلك، مع وجوب القضاء، وأسقط الصوم عن العاجز عنه، مع العدول إلى الكفارة ....
وشرع في قصر الصلاة الرباعية للمسافر، ورخص له في الجمع بين الصلاتين في بعض الأحوال.
стр. 17992
وشرع الكفارات تخفيفاً على العباد من الوقوع في العنت، وتطهيراً لهم من الذنوب، وخيرهم أحياناً بين أنواع من الكفارات، وأحياناً جعلها على الترتيب، وكل هذه الأمور يطلب تفصيلها في مظانها.
وأباح الشرع عند الضرورات ما لم يجز في الأحوال العادية، حتى شاع في القواعد الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات "، "إذا ضاق الأمر اتسع "، " المشقة تجلب التيسير "... ونحوها.
ومع أن الشارع لا يقصد المشقة في تكليف العبد، إلا أنه قد يثاب عليها أحياناً، وقد أوضح العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام (١) ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه، أكثر ما يؤجر على ما ليس بشاق، فقال:
"إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط، والسنن والأركان، وكان أحدهما شاقاً، فقد استويا في أجرهما لتساويهما في جميع الوظائف وانفرد أحدهما بتحمل المشقة لأجل الله ، فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشاق، إذ لا يصح التقرب بالمشاق، لأن القرب كلها تعظيم للرب ، وليس عين المشاق تعظيماً ولا توقيراً ... وذلك كالاغتسال في الصيف والربيع، بالنسبة للاغتسال في شدة برد الشتاء، لأجل تحمل مشقة البرد، فليس التفاوت في نفس الغسلين، وإنما التفاوت فيما لزم عنهما، وكذلك مشاق الوسائل؛ كمن يقصد المساجد والحج، والغزو من مسافة قريبة، وآخر يقصد هذه العبادات من مسافة بعيدة، فإن ثوابيهما يتفاوتان بتفاوت الوسيلة، ويتساويان من جهة القيام بسنن هذه العبادات، وشرائطها وأركانها، فإن الشارع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد، مع تفاوت أجور الوسائل والمقاصد ".
ولما لم تكن المشقة مقصودة للشارع، فإنه ينهى عن المبالغة في العبادة، والتنطع، وعدم الأخذ بالرخص، فكل ذلك خارج عن هدي رسول الله ﷺ وسنته ... فقد كان يحب القصد والوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، وينهى عن تجاوز ذلك، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة " (٢) .
قال الحافظ ابن حجر – عند شرح هذا الحديث – (٣) :
والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع، فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا: أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراد المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ... إلخ ".
ولما بالغ عبد الله بن عمرو ﵄ في الإكثار من العبادة، وأرشده النبي إلى ما هو الأولى له، ولم يأخذ بوصية رسول الله، ندم بعد ذلك في آخر عمره، حتى قال: فشددت فشدد عليَّ، وقال لي النبي ﷺ : إنك لا تدري لعلك يطول بك العمر، قال: فصرت إلى الذي قال لي رسول الله ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ " (٤) .
فالنبي ﷺ كان يرغب في القصد الذي لا يؤدي إلى الهلاك والملل والكسل، والانقطاع، ووهن القوى البدنية، والإخلال بكثير من الواجبات، وعدم الإتقان في العمل، والسآمة ... فقد أخبر ﵊ عن محبة الله سبحانه لدوام الطاعة من العبد، وعدم انقطاعها، ففي الصحيح عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((... وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه، وإن قل)) (٥) ، وهذا لا يتأتى عند وجود المشقة الخارجة عن المعتاد.
стр. 17993
والحاصل أن على المفتي أن لا يتعمد إيقاع المستفتي في العنت والمشقة، إذا كان هناك مندوحة عن ذلك في الشريعة الإسلامية، مع مراعاة عدم تتبع الرخص، خاصة في حق من علم تساهله، واستهتاره بأحكام الشرع، حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى جرأته وتماديه واستغلاله للتسامح في الفتوى وتحقيق أهوائه.
سد الذرائع:
وقد راعى الشارع سد الذرائع في كثير من الأحكام الشرعية، فهو لذلك:
"مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية " (١) ، وقد عرفه القرافي في (الفروق) بأنه: "حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها " (٢) ، وهذا التعريف ينطبق على الذرائع التي تقضي إلى مفسدة، وهي التي يطلب منعها وسدها، لا الذرائع من حيث هي، إذ الذرائع وسائل، والوسائل تأخذ حكم المقاصد، قال القرافي (٣) : "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة: هي وسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للحج والجمعة، وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل ... غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها ".
وقد تنخرم هذه القاعدة، فيختلف حكم الوسيلة عن حكم ما تفضي إليه، فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار ... كدفع مال لرجل يأكله حراماً، حتى لا يزني بامرأة، إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال ... فهذه الصور كلها الدفع وسيلة إلى المعصية بأكله المال، ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة (٤) .
وقد فصل ابن القيم القول في المسألة فقال (٥) :
"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل الحرمات والمعاصي – في كراهتها والمنع منها – بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات – في محبتها والإذن فيها – بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً، وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها، ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده، أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه، لعد متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء، إذا أرادوا حسم الداء، منعوا صاحبه من الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ...؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها أن علم أن الله تعالى ورسوله ﷺ سد الذرائع المفضية إلى المحارم، بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقة إلى الشيء ". ثم أورد أمثلة على الأفعال والأقوال التي تفضي إلى المحرم، والتي لا يجوز الإتيان بها ما دامت كذلك، وقد أوصل هذه الأمثلة إلى تسعة وتسعين مثالاً، نذكر منها ما يلي:
"الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين – مع كون السبب غيظاً وحمية لله، وإهانة لآلهتهم –لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه، بل كالتصريح على المنع من الجائز، لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز ".
"الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، فمنعهن من الضرب بالأرجل – وإن كان جائزاً في نفسه – لئلا يكون سبباً في سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن ".
"الثالث: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة – مع قصدهم بها الخير – لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، يقصد فاعلاً من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها، سداً لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهاً بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون ".
стр. 17994
"الرابع: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين – مع كونه مصلحة – لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه (١) ، وقولهم: إن محمداً يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل " (٢) .
ثم قال ابن القيم:
"وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان:
أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان:
أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسد؛ فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين " (٣) .
والحاصل: أن على المفتي مراعاة سد الذرائع التي راعاها الشارع في مواطن كثيرة، فمهما علم أن عملا ما – وإن كان جائزا شرعا – سيفضي القيام به إلى محرم، فالواجب المنع منه، وعدم إباحته، كما علم ذلك من خلال الأمثلة التي سقناها وغيرها.
* * *
стр. 17995
الخاتمة
وخلاصة القول: إن ترك الأمور في مجال الفتوى سائبة – وبالأخص في عصرنا الذي رأينا فيه عجباً – سيخلف في الأمة فوضى لا نهاية لها، وسيتصدى للفتيا من ليس لها بأهل، وسيصعب بسبب ذلك على العامة تمييز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والحلال من الحرام، وإننا لنشاهد اليوم كثيراً من ذوي الجرأة على الله تعالى يقتحمون هذه المفاوز دون بصيرة، ولا هدى فيضلون ويضلون، ودون أن يضعوا أنفسهم في مكانها الصحيح، ويردوا الأمر إلى أهله.
كما لا ينبغي أن توصد الأبواب أمام من هو أهل للقيام بهذه الوظيفة الدينية العظيمة، من أهل العلم والمعرفة والتقوى، ليبصر الناس بأمور دينهم، ويحل معضلاتهم، ويهديهم عند الحيرة، ويأخذ بأيديهم إلى شرائط الأمان، حتى لا يقعوا فريسة الجهل والشبهات التي يروجها أعداء الإسلام، ولا يلجؤوا إلى سلوك الطرق البعيدة عن هدى الله سبحانه، وكلما صدرت الفتوى عن جماعة توافرت في كل منهم شروط الاجتهاد كان ذلك أدعى إلى ندرة احتمال الخطأ، وأضمن لإدراك الحق والصواب، والاهتداء إلى معرفة مراد الله سبحانه فيما يعرض عليهم من قضايا، كما أنه يقلل من ظاهرة الخلاف بين أهل العلم وتباين آرائهم، إذ أن اجتماعهم يتيح لهم فرصة تداول الآراء واستعراض الأدلة وتمحيصها، ومعرفة أقوال من سبقهم من أهل العلم، وعند التجرد للحق، والترفع عن الهوى والتعصب للرأي أو للمذهب، والتحلي بالتقوى والخوف من الله، يصبح المرء خاضعاً للحق، مستسلماً له، عادلاً عن رأيه إيثاراً لغلبة الحق وعلوه، ورغبة في الحرص على الوصول إليه، وهذا كله مما يجعلهم أهلاً لأن يمنحهم الله تعالى مزيداً من التوفيق والسداد، ويلهمهم الصواب، ويجري الحق على ألسنتهم، وينير بصائرهم ....
ولله الحمد في الأولى والآخرة.
عبد الوهاب بن لطف الديلمي
стр. 17996
سبل الاستفادة من النوازل "الفتاوى "
والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة
إعداد الدكتور
وهبة مصطفى الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق – كلية الشريعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه البررة، وبعد ... فإن حركة التجديد في الفقه الإسلامي لم تتوقف ولله الحمد في أي عصر من العصور، منذ بداية عهد الصحابة بعد انتهاء فترة النبوة، وإلى يومنا الحاضر، وعن تفاوت حصادها كثرة وقلة، صعوداً وهبوطاً، ونماء وركوداً أحياناً، وظل العطاء الفقهي مستمراً في كل زمان، على الرغم مما تعرض له من صعوبات، وإعراض بعض السلطات الزمنية عن الأخذ به، أو شيوع اصطلاح إغلاق باب الاجتهاد، لحماية الثروة الفقهية الموروثة من العبث والضياع، وسد الباب أمام أدعياء الاجتهاد الذين لم تتوافر فيهم أهلية الاجتهاد الكافية، أو كانت لهم نوايا مشبوهة في محاولة الانقضاض على صرح الفقه وتقويضه من الداخل، فكان الإغلاق مؤقتاً من قبيل ما يسمى بالسياسة الشرعية، لأنه لا يعقل تعطيل الاجتهاد والمجتهدون وغيرهم يعلمون بأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات على أهل كل عصر، وواجب أن يقوم به فئة في كل زمن.
وكان من أبرز مزايا الفقه الإسلامي التي مكنته من الاستمرار والفاعلية: توافر مقومات الثبات لأصوله وأسسه، ووجود ظاهرة المرونة والسماحة واليسر فيه، ومواكبة المتغيرات والتطورات فيما لا يمس كيان الثوابت، ويتجاوب مع ظروف العصر.
وأثبت الفقهاء والمفتون قدرتهم البارعة في الجمع بين الثابت والمتغير فيما أصدروه من فتاوى جديدة عامة في الأقطار الإسلامية، أو مقصورة على بعض البيئات والأوضاع المحلية، ومراعاة المصالح المتجددة، والأعراف الزمنية، وظروف الوقائع والنوازل الطارئة أو المستجدة.
ونجم عن الحشد الهائل من هذه الفتاوى في مختلف المذاهب، ولا سيما مذهبا الحنفية والمالكية، وجود ثروة كبرى في ميدان الفقه، يمكن الاستفادة منها إما بذاتها، أو بمعرفة كيفية استنباطها أو إصدارها، في مجال التطبيقات المعاصرة لمسائل الفقه والاجتهاد، فنشأ علم الفتاوى أو النوازل.
وقد برع فقهاء المالكية في الأندلس لدى جماعة الفقهاء الذين كانوا الخلفاء يرجعون إليهم في كل شيء، وفي المغرب العربي، في إغناء ظاهرة الفتيا، وتعدد أنماطها بحسب الحواضر التي اشتهرت بفقهائها، ومراعاة الأعراض المحلية والعوائد الزمنية التي لها مسوغ شرعي، فوجد ما سماه المالكية (العمل) أو (العمليات) ؛ فكان (العمل الفاسي) و (عمل تونس) و (عمل القيروان) ، ويقصد به ما اختار الفقهاء تطبيقه من الأحكام في عصر معين أو بلد محدد، ولو لم يتفق مع الراجح في المذهب أو المقولات الفقهية السابقة أو المشهورة.
стр. 17997
وظهر لدى غير المالكية ما يشبه (العمل) ضمن أسماء أخرى كالسياسة الشرعية أو الأحكام السلطانية أو الحسبة لدى الشافعية والحنابلة في العصر العباسي وتوابعه، ولدى الحنفية في ظل السلطة العثمانية في مجال الأحكام القضائية أو فتاوى شيوخ الإسلام، ومنها معروضات المفتي أبو السعود الحنفي العمادي، وفتاوى ابن عابدين، وضوابطه في رسائله ومصنفاته، وغيره من المفتين، مثل تنقيح الفتاوى الحامدية والفتاوى الخيرية، والمهدية، والفتاوى الهندية وومثلها عند الشافعية الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي، ومجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية، وإعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، وكتب القواعد الفقهية كالأشباه والنظائر ابن نجيم الحنفي، أو للسيوطي، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام لشيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، والقواعد لابن رجب الحنبلي، وغير ذلك.
إن هذه الفتاوى في النوازل الطارئة تمنحنا الجرأة في تغطية أحكام المستجدات المتشابهة، وتفيدنا أيضاً فيما لا يشبهها، لأنها تعلمنا كيفية علاج المشكلات والتطبيقات المعاصرة.
خطة البحث:
غاية البحث: تحديد خصائص وضوابط الفتاوى (والنوازل) والعمل الفقهي، وبيان سبل الاستفادة منها، بحيث يسهم ذلك في تجديد حيوية الفقه، للاستفادة منه في التطبيقات المعاصرة، وتكون خطة البحث كما يأتي:
- تحديد المراد بالنوازل والواقعات أو العمليات.
- الفرق بين الإفتاء والقضاء.
- الفرق بين الاجتهاد والإفتاء.
- آراء العلماء في ضرورة مراعاة البيئة والأعراف والمصالح ونحوها.
- الثوابت والمتغيرات في الشريعة.
- ما يلزم المفتي مراعاته أو شروط الإفتاء.
- ضوابط الفتوى بالنوازل (الضوابط العشرة) وأمثلتها.
ويلاحظ أن أغنى أو أخصب كتاب في النوازل عند فقهاء المالكية هو:
كتاب (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب) لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، ثلاثة عشر مجلداً، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، فهو يمتاز بكثرة ما احتوى عليه من نوازل وأحداث عاشها الناس في هذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي، مصطبغة بالصبغة المحلية، ومتأثرة بالأعراف السائدة، والمؤثرات الوقتية، وكان ذلك مدعاة إلى اجتهاد الفقهاء لاستنباط الأحكام الشرعية الملائمة، عن طريق استقراء النصوص الفقهية القديمة ومقارنتها وتأويلها، كما جاء في مقدمة محقق الكتاب.
стр. 17998
- المراد بالنوازل الواقعات أو العمليات:
الفارق المتميز بين مدرسة أهل الرأي بالكوفة أو العراق بزعامة الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀، وبين مدرسة أهل الحديث في المدينة أو الحجاز بزعامة الإمام مالك: هو أن فقه المدرسة الأولى يعني ببحث الاحتمالات أو الافتراضات النظرية التي شعبت الفقه وضخمته وعقدته، وأعيت المقلدين والأتباع بحفظ أجوبة المسائل والحوادث التي تتجاوز عشرات الآلاف، وأما فقه أهل الحديث فيقتصر على بحث الحالات الواقعية والمسائل المستجدة.
والنوازل أو الواقعات أو العمليات: هي المسائل أو المستجدات الطارئة على المجتمع، بسبب توسع الأعمال، وتعقد المعاملات، والتي لا يوجد نص تشريعي مباشر أواجتهاد فقهي سابق ينطبق عليها. صورها متعددة، ومختلفة بين البلدان أو الأقاليم، لاختلاف العادات والأعراف المحلية.
فقد تنشأ مسألة أو نازلة تندثر، وقد تثار قضية في بلد أو إقليم لا تحدث في بلاد أو أقاليم أخرى، وقد تكون المسألة عامة، كالأعراف العامة غير المقصورة على بلد، وإنما تعم البلاد الإسلامية كلها أو أكثرها.
قال الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ".
الفرق بين الإفتاء والقضاء:
القضاء: إصدار الحكم في الخصومة أو المنازعة من القاضي أو الحاكم لفصل النزاع، ويكون ملزماً للمتخاصمين، وينفذ الحكم القضائي بقوة الحكومة (السلطة التنفيذية) لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وتحقيق الاستقرار، ومنع استمرار النزاع أو الخصام.
أما الإفتاء: فهو إخبار المفتي بحكم الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله ﵎ إما صراحة من النصوص الشرعية، وإما استنباطاً من قبل المجتهد.
والقضاء يحكم دائماً على ظواهر الأشياء، فيقال: هذا شيء يجوز قضاء لا ديانة، والمفتي يعنى بأمور الديانة، والحاكم يعتمد على طرق الإثبات، قال القرافي: الحاكم يتبع الحجاج، وهي جمع حجة، والحجة: الدليل والبرهان، والحجاج: البينة والإقرار ونحوهما من القرائن، والقضاء بشاهد ويمين المدعي، والنكول: (الامتناع عن اليمين) ، وعدد القرافي الحجاج في كتابه (الفروق) (١) فبلغت نحو العشر.
стр. 17999
والمفتي يتبع الأدلة، ولا يعتمد على الحجاج، والأدلة: الكتاب والسنة ونحوهما من الإجماع والقياس والاستحسان والاستطلاع وغيرها من الأدلة والمختلف فيها (١) ، وعدد القرافي الأدلة في كتابه (الفروق) (٢) فبلغت نحو العشرين دليلاً. وأوصلها الشيخ جمال الدين القاسمي إلى نيف وأربعين دليلاً.
والأدلة يجب فيها اتباع الراجح وترك المرجوح. وليس للمفتي أن ينشئ حكماً بالهوى واتباع الشهوات، بل لابد من أن يكون ذلك القول الذي حكم به، قال به إمام معتبر، لدليل معتبر (٣) .
وإذا كان المفتي مجتهداً، وجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الناس بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص. وأما إن كان مقلداً لمجتهد، كما في زماننا، فهو نائب عن المجتهد في نقل ما لخص إمامه لمن يستفتيه، فهو بمثابة وكيل أو مترجم عن المجتهد (٤) ، وحكم الحاكم ليس خبراً يحتمل التصديق والتكذيب، بل إنشاء لا يحتملهما، فإنه إلزام أو إذن، ومن أنشأ إلزاماً على غيره أو على نفسه، أو إذن لغيره في فعل، لا يقال له، صدقت ولا كذبت (٥) .
- الفرق بين الاجتهاد والإفتاء:
الأصل في المفتي: أن يكون هو المجتهد أو الفقيه (٦) ،ثم صار لفظ المفتي في عصرنا يطلق على متفقهة المذاهب، الذين يقتصر جهدهم على تطبيق نصوص الفقه المذهبي على الوقائع، وذلك الإطلاق من قبيل المجاز أو الحقيقية العرفية بحسب اصطلاح الحكومات المعاصرة. والفارق بين الاجتهاد والإفتاء: هو أن الإفتاء أخص من الاجتهاد، فإن الاجتهاد هو استنباط الأحكام، سواء أكان هناك سؤال في موضوعها أم لم يكن.
стр. 18000
أما الإفتاء فإنه لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرف الفقيه حكمها.
والفتوى الصحيحة تتطلب عدا توافر شروط الاجتهاد في المجتهد شروطاً أخرى، وهي معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها، وظروف البيئة أو البلد التي حدثت فيها النازلة أو الواقعة أو العمل، ليعرف مدى أثر الفتوى سلباً وإيجاباً (١) .
ولا بد من أن يتصف بصفات أو ضوابط لها صلة بالممارسة العملية وقبول الناس لفتواه: وهي العقل والبلوغ والحرية بالاتفاق، والحياة، والأعلمية، والعدالة، على اختلاف فيها.
والعدالة شرعاً: يراد بها أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ ، وعرفها الغزالي بقوله: "العدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين، وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، وبعض المباحات " (٢)
فلا يستفتى مجهول العدالة حتى تعلم عدالته بقول عدل أو عدلين أو بالاستفاضة والشهرة، لأن العدل يكون غالباً موفقاً إلى اختيار الصواب، وليطمئن الناس إلى كلامه، بخلاف الفاسق فإنه مذموم، ويحيط الشك كثيراً بأقواله.
وقال ابن فرحون في تبصرة الحكام (٣) : إن المكلفين قسمان: مجتهد وغير مجتهد، وغير المجتهد: أوجب الشرع عليه الرجوع إلى قول المجتهدين العدول، فنزل الشرع ظن المجتهد في حقه كظنه، لو كان مجتهداً لضرورة العمل، وهذا أمر مجمع عليه.
آراء العلماء في ضرورة مراعاة البيئة والأعراف والمصالح ونحوها:
اتفقت كلمة العلماء على ضرورة مراعاة أحوال الواقعة النازلة، من عرف البلد والزمان، وما يحقق مصالح الناس في معاملاتهم وتصرفاتهم، وذلك ينسجم مع مهمة المفتي وسلامة الفتوى، فإن لم يراعِ المفتي ظروف الواقعة أو المسألة المستجدة، أعرض الناس عن فتواه، ووقعوا في الحرام أو المنكر عمداً أو خطأ.
стр. 18001
وهذه طائفة من أقوال أئمة الفقه والعلم:
قال الإمام القرافي ﵀ في الفرق الثامن والعشرين بين قاعدة العرف القولي يقضي به على الألفاظ ويخصصها، وبين قاعدة العرف الفعلي، لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها (١) .
"على هذا القانون (وهو اتباع الأعراف المحلية) تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، وسأله عن عرف بلده وأجره عليه، وأفتهِ به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل مقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.
وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحاً، مستغنية عن النية " (٢) .
وقال ابن القيم ﵀ في فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:
"هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.
وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه، فقد استقام على سواء السبيل ... إلخ " (٣) .
وقال العلامة الشام ابن عابدين ﵀ في رسالته: " (نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف) :
"فهذا كله وأمثاله دلائل واضحة على أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهرة الرواية، من غير مراعاة الزمان وأهله، وإلا يضيع حقوقاً كثيرة، ويكون ضرره أكثر من نفعه " (٤)
"وبما قررناه اتضح لك معنى ما قاله في القنية وأشرنا له في البيت السابق (٥) ، من أنه ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر الرواية، ويتركا العرف، والله أعلم " (٦) .
"ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لابد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام، وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم، لقال بما قالوا به، أخذاً من قواعد مذهبه " (٧) .
стр. 18002
وقال العزّ بن عبد السلام: "أمر الله عباده بتحصيل مصالح إجابته وطاعاته، ودرء مفاسد معصيته ومخالفته، إحساناً إليهم وإنعامًا عليهم " (١) .
هذه الأقوال وأمثالها تقرر أصالة الذي نريد إثباته، وهو ضرورة مراعاة ظروف الواقعة، وأعراف الناس، وتطورات الزمان، وترك الجمود على العبارات الفقهية المنقولة التي راعت ظروفاً معينة في عصر أصحابها، مما يدل على تجديد حيوية الفقه الإسلامي ومرونته وإمكان تغطيته أحوال الناس، وتحقيق تطبيقات العصر، ومواكبة التقدم والتطور، ومراعاة المصالح المتجددة، والأعراف السائدة في كل زمان ومكان، سواء أكان العرف عاماً أم خاصاً.
الثوابت والمتغيرات في الفقه أو الشريعة:
الأحكام الشرعية قسمان كبيران: ثوابت ومتغيرات.
أما الثوابت أو الأحكام الأساسية: فهي المنصوص عليها صراحة في النصوص الشرعية من القرآن والسنة النبوية، القطعية (اليقينية التي لا تحتمل أي معنى آخر سوى المعنى المتبادر منها) أو الظنية التي تقرر مبدأ عاماً أو حكماً غير معلل بعلة المصلحة، أو إقرار عرف معين أو مؤقت لفترة زمنية محددة.
والمراد بالحكم الظني: هو الحكم الذي يتبادر إلى الذهن، ويحتمل معنى آخر احتمالاً ضعيفاً أو نادراً يجعل دلالة الحكم ظنية (أغلبية) غير قطعية.
وهذه الثوابت لا تتبدل ولا تتغير، لأنها ذات صفة دائمة، أو ذات حاكمية مطلقة على الأحداث والوقائع، لكون المصلحة فيها ثابتة وغير قابلة للتبدل، وليس للأعراف المتغيرة تأثير عليها، مثل فرضية العبادات من صلاة، وصيام وحج وزكاة، وتقرير أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأصول الإسلام أو أركانه الخمسة: وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وحرمة المحارم في آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ﴾ [النساء: ٢٣] ، والتراضي في العقود في آية: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، ومبدأ إلزامية العقود والوفاء بها في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وضمان الضرر الواقع بالآخرين في حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) ، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وحماية الحقوق الخاصة أو العامة في آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وتحريم القتل والسرقة والزنا وتطفيف الكيل والميزان في آيات سورة الإسراء [٣١ – ٣٥] وغيرها، وجعل الإقرار حجة قاصرة على المقر، والمسؤولية الفردية أو الشخصية في آية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وكون الأصل براءة الذمة من التكاليف، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته، وجعل الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال الإباحة في آية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وسد ذرائع الشر والفساد في آية: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، ونحو ذلك مما جاءت الشريعة الإلهية لإقراره، وإصلاح شؤون الفرد والجماعة.
أما النصوص القابلة للتغير فهي ثلاثة:
١- النص المعلل بعلة ثم تتغير العلة: كامتناع النبي ﷺ عن التسعير بقوله: ((إن الله هو القابض الباسط الرزاق المسعِّر)) (٣) ، لأن مسوغ التسعير لم يوجد، وهو مغالات التجار بالأسعار، ثم تغير العرف، فأفتى فقهاء المدينة السبعة والإمام مالك، ومتأخروا الزيدية فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة، بجواز التسعير، لأن غلاء الأسعار في عهد التابعين وأئمة المذاهب صار بسبب من التجار أنفسهم، لطمعهم وجشعهم، أما في عهد النبوة فكان الغلاء بسبب قلة العرض للسلعة، وزيادة الطلب، وتبدل الأمر بعدئذٍ، فجاز التسعير بالعرف الجديد.
٢- النص العرفي المراعى فيه حال المبادلة القائم، بالكيل في الأموال الربوية: ((المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة)) (٤) ، ثم تغير، فأصبح أسلوب التبادل بالوزن، لذا أفتى الإمام أبو يوسف ﵀ بأن مقياس تبادل الأموال الربوية لتحقيق المساواة وعدمها: هو المقياس العرفي، وأنه يتبدل بتبدل العرف، أي ما آل إليه الأمر، وهو الصواب، وهو أيضاً رأي المالكية.
٣- الأحكام التي روعي فيها تنظيم بيت المال، مثل عدم إعطاء الزكاة لبني هاشم وبني المطلب، وأن الزكاة لا تحل لهم كما لا تحل للنبي ﷺ ، وهذا كان سائغاً في العهد النبوي، حيث كان لهم سهم من الفئ والغنائم، فلما فسد نظام بيت المال، وحجب عنهم هذا السهم، أفتى فقهاء الحنفية والمالكية بعطائهم من الزكاة، حفاظاً عليهم، وإبقاء على كرامتهم.
стр. 18003
وقد تتبدل وسائل حماية الحقوق، كالأخذ في نظام المحاكم الحالية بأسلوب القضاء الجماعي، وتعدد درجات المحاكم، ما دام الهدف أو المبدأ الشرعي واحداً: وهو إحقاق الحق، ومحاربة الباطل، ورعاية المصالح، ودرء المفاسد.
وأما المتغيرات أو القابلة للتغير، فهي الأحكام الاجتهادية المبنية على قاعدة أو مصدر القياس أو رعاية المصلحة، وهذه الأحكام وحدها هي التي يمكن تبدلها، وهي المقصودة بالقاعدة الشرعية المعروفة، "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان " (١) .
قال ابن عابدين: "نظراً لتغير الأعراف بتغير الأزمان، فإن الأحكام المبنية على العرف تتغير أيضاً " (٢) .
وعوامل التغير إما فساد (فساد الأخلاق أو القياس أو المصلحة) ، أو تطور (تطور أساليب الحياة) (٣) ، ويتضح ذلك بالأمثلة التالية:
أمثلة فساد الأحوال:
١- أفتى المتأخرون من العلماء بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وعلى وظائف الإمامة والخطابة والأذان وسائر الطاعات من صلاة وصيام وحج، وهو حكم خولف فيه ما كان مقرراً سابقاً بين العلماء، ومنهم أئمة الحنفية وغيرهم، نظراً لتغير الزمان، وانقطاع عطاءات المعلمين والقائمين بالشعائر الدينية من بيت المال، فلو اشتغل هؤلاء بالاكتساب من زراعة أو تجارة أو صناعة، لزم ضياع القرآن، وإهمال تلك الشعائر (٤) .
٢- تضمين الأجير المشترك كالخياط والصباغ والكواء، فإن الأصل هو أنه أمين، لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، ثم قرر بعض الصحابة، مثل عمرو وعلي، ومن تبعهم من الفقهاء ضمانه، نظراً لكثرة الادعاء بهلاك ما في يده، ومحافظة على أموال الناس. وقد قضى الونشريسي بتضمين الراعي المشترك (٥) .
٣- عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة: فإن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله قررا أنه لابد من تزكية الشهود (أي إظهار عدالة الشاهد وصلاحيته للشهادة بوساطة ثقة) ، للمحافظة على حقوق الناس وعدم ضياعها، علماً بأن ذلك مخالف لما قرره أبو حنيفة من أنه يكتفي بظاهر العدالة فيما عدا الحدود والقصاص، ولم يشترط التزكية، بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية، وهو القرن الأول والثاني والثالث، فنظراً لتغير الزمان، وفشو الكذب، أفتى الصحابان بما يخالف رأي الإمام ﵀، نزولاً تحت وطأة العرف.
قال الونشريسي: لا يستفسر القاضي من الشهود العدول عن شهادتهم إلا في الزنا والحدود، لما ورد أن الحدود تدرأ بالشبهات (٦) .
٤- تحقق الإكراه من غير السلطان: كان أبو حنيفة يفتي بأنه لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان، لا من غيره، نظراً لما شاهده في عصره، من أن المنعة والقدرة لم تكن لغير السلطان. ونظراً لفساد الزمان وتغير الحال وظهور الظلمة، فإن الصاحبين أفتيا بتحقق الإكراه من غير السلطان، بناء على ما شهداه في زمانهما (٧) .
٥- منع النساء الشابات من حضور المساجد لصلاة الجماعة، بخلاف ما كان عليه الحال في زمن الرسول ﷺ ، نظراً لفساد الأخلاق، وغلبة السوء.
٦- أفتى فقهاء الحنفية بمنع الزوج من السفر بزوجته، وإن أوفاها المهر المعجل، لفساد الزمان وسوء المعاملة، وأفتوا أيضاً بعدم تصديق المرأة بعد الدخول بها، بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض، علماً بأن القاعدة تقرر: أن القول قول المنكر بيمينه، وقد تركت هذه القاعدة هنا، لأن المرأة في العادة لا تسلم نفسها قبل قبض المعجل (٨) .
стр. 18004
٧- أخذ زكاة الأراضي: وهو العشر من المستأجر دون المؤجر، أفتى به الصحابان خلافاً لرأي الإمام أبي حنيفة، لأنه أحسن للزمان وأكثر فائدة، وأعظم جدوى بالنسبة للفقراء، ولأن الزكاة تؤخذ من الزرع، فتتبع مالك الزرع، وهو هنا المستأجر، علماً بأن أبا حنيفة كان يرى العشر على المؤجر، لأن الزكاة مؤنة الملك، وملك الأرض للمؤجر.
هذه الأمثلة ونحوها كبيع الوفاء (١) ، ودخول الحمام من غير بيان مدة المكث ومقدار الماء المستهلك، والإعفاء عن طين الشارع للضرورة، اختلفت أحكامها لاختلاف عادات أهل الزمان وأحوالهم.
٨ – عارض المدونية: الأصل المقرر عند الحنفية وغيرهم أن تبرعات المدين نافذة، ولو استغرقت ديونه أموله كلها، وهذا مقتضى القياس، ثم لما فسدت الذمم، ولجأ المدينون لتهريب أموالهم من وجه الدائنين من طريق وقفها أو هبتها لأقاربهم، أفتى متأخرو الحنفية والحنابلة بعدم نفاذ هذه التبرعات إلا فيما يزيد عن وفاء ديونهم.
٩- الأصل المقرر عند الحنفية عدم ضمان منافع الغصب، سواء استوفاها الغاصب أو عطلها، مثل ركوب الدابة، وسكنى الدار، وزراعة الأرض، ثم استثنى متأخرو الحنفية ثلاثة مواضع يجب فيها أجر المثل، وهي أن يكون المغصوب مال وقف، أو مال يتيم، أو شيئاً معداً للاستغلال، بأن بناه صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض (٢) .
١٠- الأصل في المذهب الحنفي والشافعي أن القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الوقائع، في الأظهر عند الشافعية، إلا في الحدود والقصاص، ثم أفتى المتأخرون – وأشار الشافعي لذلك – بأن القاضي لا يقضي بعلمه الشخصي مطلقاً للتهمة (٣) .
وجاء في المعيار المعرب: قال العبدوسي: لا يحكم القاضي بعلمه في التسفيه بإجماع، وإنما يحكم بعلمه بعد ثبوته ببينة عدلة، هذا والحكم المقرر عند المالكية والحنابلة: أنه لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، إلا فيما علمه في مجلس القضاء (٤) ، وهذا هو المقرر في القوانين الوضعية؛ حيث يقضي القاضي بعلمه في جرائم الجلسات.
أمثلة التطورات:
١- تدون السنة النبوية: دونت السنة النبوية، في مطلع القرن الثاني الهجري، بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁، خوفاً من ضياعها بموت رواتها وحفظتها، لأن أسلوب الكتاب أثبت وأدوم من حفظ الذاكرة علماً بأن النبي ﷺ في بدء أمره ودعوته نهى عن كتابة أحاديثه، حتى لا تختلط بالقرآن، وقال لأصحابه: ((لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب غير القرآن فليمحه)) (٥) .
٢- ظاهرة السجلات العقارية أو العينية: كان من المقرر فقهاً ضرورة وصف المبيع بحدوده الأربع، ووجود التسليم، أي التخلية، فلما ظهر نظام السجل العقاري، أصبح بيان الحدود الأربعة عبثاً، واستقر الاجتهاد القضائي على حصول التسليم بمجرد تسجيل العقد في السجل العقاري، وبالتسجيل تنتقل تبعه ضمان هلاك المبيع، من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، أخذاً بتطور أساليب التنظيم والضبط المحققة للمراد، بدلاً من التسليم الفعلي للعقار الذي كان لابد منه، بل إن الدولة لا تعترف بانتقال ملكية العقارات إلا بهذا التسجيل، وليس بمجرد التعاقد.
стр. 18005
ويلاحظ أن مسألة تغير الأحكام بتغير الأزمان، لست أخذاً بالعرف، وإنما هي تطبيق بمبدأ المصالح المرسلة، لأن فساد الأحوال ليس من قبيل الأعراف المتعارفة، وإنما هو انحراف في الأخلاق، أو تبدل وسائل التنظيم، مما يجعل ظروف الاجتهاد الجديدة ومراعاة المصالح هي الدافعة لتغير الأحكام، وليست مجرد نشوء أعراف جديدة (١) .
- ما يلزم المفتي مراعاته أو شروط الإفتاء:
تتطلب عدالة المفتي أموراً ثلاثة إذا اختار أحد آراء المذاهب: (٢) .
أ- أن يتبع القول لدليله: أن يعمل بالراجح دليلاً من الآراء إذا تعارضت الأدلة، ولا يختار من المذاهب أضعفها دليلاً، بل يختار أقواها دليلاً، لأن الفتيا شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة، واتباع الشرع إنما يكون بالدليل وليس اتباعاً للهوى، والأدلة يجب فيها اتباع الراجح، أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع.
ب- أن يجتهد ما أمكن الاجتهاد في أن لا يترك الأمر المجمع عليه إلى المختلف فيه، لأن اتباع الإجماع واجب أولاً.
ج- أن لا يتبع أهواء الناس، بل يتبع المصلحة والدليل، والمصلحة المعتبرة: هي مصلحة الكافة. وهذه الضوابط عامة في العبادات والمعاملات وأحكام الأسرة والعلاقات الدولية ونحوها.
ضوابط الفتوى بالنوازل والعمل الفقهي:
إذا كانت النازلة أو المسألة المستجدة مشابهة لما سبقها، فيقضى أو يفتى بها، ما دامت منسجمة مع مقاصد الشريعة وأصولها، ومحققة للمصلحة الزمنية والأعراف الصحيحة التي لا تصادم نصوص الشريعة. وأما إذا اختلفت المصلحة، أو تبدل العرف، فيمكن الاستفادة من صنيع المفتين السابقين، ومعرفة كيفية الإفتاء، والتعلم من طرائق الاستدلال التي سلكوها، وتنزيلها على المقاصد التشريعية والأصول الاستدلالية، ويمكن حصر هذه الأصول أو الضوابط بعشرة، وهي كفيلة بتجديد حيوية الفقه، ومعرفة كيفية الاستفادة من فتاوى النوازل في التطبيقات العصرية، وهذه الضوابط هي في تقديري إجمالاً عشرة، وهي ما يلي:
الضابط الأول – مراعاة الضرورة أو الحاجة:
الضرورة أشد باعثاً أو دافعاً لتجاوز القواعد القياسية العامة من الحاجة؛ فالضرورة: ما يترتب على عدم مراعاتها خطر أو ضرر شديد محقق كالموت جوعاً. وأما الحاجة: فهي ما يترتب على تركها مشقة وحرج أو عسر وصعوبة، وقد عرف الزركشي والسيوطي الضرورة فقالا: هي بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعاً أو عريانا لمات أو تلف منه عضو (٣) .
وللمالكية والحنابلة تعريف مقارب أو مشابه (٤) .
وتطبيقات الضرورة أو الحاجة من النوازل والفتاوى كثيرة، منها ما يأتي، وقاعدتها المقررة هي: الضرورات تبيح المحظورات (٥) .
فمن أمثلة الضرورة:
- كشف العورات أمام الطبيب، للمداواة.
- تناول بعض المآكل أو المشارب المحظورة لإنقاذ النفس من الهلاك أو الموت جوعاً، فيباح تناول شيء من الميتة أو الخنزير أو الخمر، أو أخذ مال شخص آخر غير مضطر مثله، لدفع خطر الهلاك، إما محققاً، أو بظن غالب، أو الوقوع في وهن لا يحتمل.
- اقتحام المنزل لإطفاء حريق أو تفادي هدم جدار وسقوطه، لكن هناك أمور ثلاثة لا تحل ولو في حال الضرورة. وإن ارتفع الإثم أو العقاب عن فاعلها، وهي الكفر والقتل والزنا.
- الأصل فيمن يتولى القضاء أن يكون مجتهداً عدلاً، لكن ذكر الغزالي في وسيطه، وحكاه عنه الرافعي في الشرح، وجزم به في المحرر، أن من ولاه ذو شوكة، نفذ حكمه، وإن كان جاهلاً أو فاسقاً للضرورة، قال ابن حجر: وهذا هو اللائق بهذا الزمان.
وكذلك المتغلب على إقليم، لو نصب فاسقاً أو جاهلاً، تنفذ أحكامه للضرورة (٦) .
стр. 18006
- يرى الإمام أبو حنيفة ﵀ أن حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً للضرورة في العقود والفسوخ، وخالفه الصاحبان وبقية الفقهاء، قالوا: لا ينفذ حكم القاضي في الأموال وغيرها، فلا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال (١) .
- بيع التلجئة: هو العقد الذي ينشئه البائع لضرورة أمر، فيصير كالمدفوع إليه، وصوره ثلاثة عند الحنفية:
١- إذا كان في نفس المبيع فهو باطل.
٢- وإذا كان في البدل: نحو أن يتفقا في السر أن الثمن ألف، ويتبايعان في الظاهر بألفين، فالثمن هو المذكور في السر.
٣- وإذا اتفقا في الباطن أن الثمن ألف، ويتبايعان في الظاهر بمائة دينار، قال محمد بن الحسن: القياس أن يبطل العقد، وفي الاستحسان: يصح بمائة دينار، والفرق بين هذه الصورة وما قبلها: أن الثمن في الظاهر في هذه الصورة أقل، وعن أبي حنيفة: بيع التلجئة موقوف، إن أجازه جاز وإن رده بطل (٢) .
- علاج التضخم في القرض: لو استقرض الفلوس فكسدت، قال أبو حنيفة: عليه مثلها كاسدة، ولا يغرم قيمتها، وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم القبض. وقال محمد: عليه قيمتها في آخر يوم كانت رائجة، وعليه الفتوى. قال في الفتاوى الهندية (٣) : (وبعض مشايخ زماننا أفتوا بقول أبي يوسف، وقوله أقرب إلى الصواب في زماننا) .
- وهناك ما يسمى عند الحنفية باستحسان الضرورة، واستحسان العرف، والمصلحة المرسلة لضرورة.
أما الاستحسان بالضرورة: فهو أن توجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس والأخذ بمقتضى الضرورة، مثل تطهير الآبار والأحواض التي تقع فيها نجاسة، فمقتضى القياس: أنه لا يمكن تطهيرها بنزح الماء كله أو بعضه، لأن نزح بعض الماء الموجود في البئر أو الحوض لا يؤثر في طهارة الباقي فيها، ونزح كل الماء لا يفيد في طهارة ما ينبع من ماء جديد، لملاقاته لمحل النجاسة في قاع البئر وجدرانه، والدلو تنجس أيضاً بملاقاة الماء، فلا تزال تعود وهي نجسة، إلا أنهم استحسنوا ترك العمل بموجب القياس، فحكموا بالطهارة بنزح مقدار من الماء للضرورة المحوجة إليها.
قال الحنفية: إن وقعت في البئر فأرة أو عصفورة ونحوها فماتت: نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين، بحسب كبر الدلو وصغرها، بعد إخراج الفأرة، فإن ماتت فيها حمامة أو نحوها كالدجاجة والسنور والهر، نزح منها ما بين أربعين دلو إلى ستين. وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي، نزح جميع ما فيها، فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ، نزح جميع ما فيها، صغر الحيوان أو كبر، لانتشار البلّة في أجزاء الماء. (٤)
وأما استحسان العرف: فهو كعقد الاستصناع: وهو شراء ما سيصنع وفقاً للطلب، وهو جائز في كل ما جرى التعامل فيه (٥) ، وما يقترضه الجيران من بعضهم بعضاً من الحوائج من الدقيق والخبز ونحوهما، قال الحنفية: إذا استقرض الدقيق وزناً لا يرده وزناً، ولكن يصطلحان على القيمة، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: يجوز استقراضه وزناً استحساناً، إذا تعارف الناس ذلك، وعليه الفتوى. (٦)
وأما المصلحة لضرورة: فمتفق على الأخذ بها، قال الغزالي: المناسب المرسل يعتبر إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وإلا فلا، فالضرورية: هي التي تكون من إحدى الضروريات الخمس: وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال. وأما القطعية: فهي التي يجزم بحصول المصلحة فيها، والكلية: هي التي تكون موجبة لفائدة عامة للمسلمين، مثال ذلك: مشروعية قتل أساري المسلمين بيد الأعداء، إذا تترسوا بهم، للضرورة، حتى لا يتخذوا ذلك دريئة للتقدم في ديار المسلمين، والاستيلاء عليها، وقتل المسلمين كافة (٧) .
стр. 18007
ومثل: توظيف الخراج على الأراضي، إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بحاجات الجيش، فيجوز لولي الأمر أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، لأنه إذا تعارض شران أو ضرران، قصد الشارع دفع أشد الضررين، وأعظم الشرين. أفتى بذلك كبار العلماء كالغزالي والعز بن عبد السلام والقرطبي والشاطبي وابن عابدين وغيرهم.
وجاء في الأحكام السلطانية للماوردي (١) : إذا ضاقت على بيت المال الديون والحقوق عن سدادها، جاز لولي الأمر إذا خاف الفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الارتفاق، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بيت المال. وأما الفائض من الحقوق عن مصارف بيت المال: فذهب أبو حنيفة إلى أن يدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث. وذهب الشافعي إلى أنه لا يدخر، وإنما يصرف في مصالح المسلمين، لأن النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت.
وذكر الماوردي مراتب الضرب في التعزير، فمن سرق نصاباً من غير حرز ضرب أعلى التعزيز. خمسة وسبعين سوطا، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب، ضرب ستين سوطاً، وإذا سرق أقل من نصاب من غير حرز، ضرب خمسين سوطاً، فإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل إخراجه، ضرب أربعين سوطاً، وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ، ضرب ثلاثين سوطاً، وإذا نقب الحرز، ولم يدخل، ضرب عشرين سوطا، وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله، ضرب عشرة أسواط، ثم قال الماوردي: وهذا الترتيب، وإن كان مستحسناً في الظاهر، فقد تجرد الاستحسان عن دليل يتقدر به (٢)
ومن أمثلة الحاجة: مشروعية طائفة من العقود لحاجة الناس إليها، استثناء من القواعد القياسية العامة، كالحكم والإجازة، والوصية والجعالة، والحوالة والكفالة، والصلح والقراض.
(المضاربة) والقرض ونمو ذلك:
- يباح من ربا الفضل ما تدعو الحاجة إليه، كالعرايا (بيع الرطب بالتمر) ، وبيع الذهب أو الفضة السبيكة بالمصوغ منه صياغة مباحة، كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها.
- مشروعية الخيارات في العقود.
- إباحة ضمان الدرك: وهو أن يضمن البائع للمشتري إن خرج المبيع مستحقاً لغير البائع أو معيباً أو ناقصاً (٣) .
- بيع الثمار المتلاحقة الظهور كالتين والموز والقثاء واليقطين والبطيخ.
- إباحة عقد الاستصناع (المقاولة من صانع على أن يعمل شيئاً) لحاجة الناس إليه. وإباحة البيع لأجل أو بالتقسيط للحاجة إليهما، ولا بأكثر من الثمن الحال (النقدي) ، ودخول الحمام بأجر، مع جهالة مدة المكث فيها وجهالة مقدار الماء المستعمل أو المستهلك، ومثله نزول الفنادق بالطعام والشراب.
стр. 18008
- إباحة الحنفية بيع الوفاء وصحته، للحاجة بسبب كثرة الديون على الناس (١) . وإباحة الحنفية أيضاً للمحتاج الاستقراض بالربح، مثل أن يقترض شخص عشرة دنانير مثلاً، ويجعل لأصحابها من الربح شيئاً معلوماً، في كل يوم ربحاً خاصاً به. أو يدفع المستقرض إلى المقرض ملعقة مثلاً ويستأجره على حفظها، في كل يوم ربحاً خاصاً به. أو يدفع المستقرض إلى المقرض ملعقة مثلاً ويستأجره على حفظها، في كل شهر بكذا، يجوز ذلك بالتعارف العام، لما فيه من احتياج عامة الناس إليه، وقد تعارفوا ذلك سلفاً وخلفاً، فجاز على خلاف القياس (٢) .
- يباح النظر إلى العورات للمداواة، كما يباح النظر لوجه المرأة للمعاملة والإشهاد والخطبة والتعليم ونحوها، للحاجة لذلك، لكن بقدر الحاجة في كل ما ذكر، لأن (الضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها) .
- التزام المذهب غير ملزم: قال الإمام النووي: الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم المقلد التمذهب، بل يستفتي من شاء أو من اتفق، قال ابن حجر: وظاهره جواز الانتقال من مذهب لآخر. وأفتى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام بجواز تقليد إمام مذهب في مسألة، وآخر في أخرى، وهكذا من غير التزام مذهب معين (٣) .
وقال ابن السبكي: يجوز تقليد الصحابة ﵃ (أي خلافاً للمعتمد في المذهب) وهو الصحيح عندي (٤) .
وأفتى جماعة كالعز بن عبد السلام وابن حجر: بأنه يجوز للعامي تقليد من شاء من المجتهدين، ولو مفضولاً، مع وجود الأفضل، ما لم يتبع الرخص، بل وإن تتبعها (٥) .
ويجوز للقاضي أخذ رزق من الخصمين بشروط عشرة؛ كالفقر وتساوي الخصمين في مقدار الأجر (٦) . وكل ما ذكر مشروع للحاجة.
- لا مانع عند الحنفية وبعض الحنابلة والشافعية من الأخذ بنظام قضاء الجماعة (٧) .
ولا مانع فقهًا من تعدد درجات التقاضي، بدليل أن الإمام علي ﵁ قضى بين خصمين في اليمن، وأجاز لهما إذا لم يرضيا أن يأتيا رسول الله ﷺ ، فأتياه، فأقر قضاء علي. وهذا مفهوم أيضاً من رسالة عمر ﵁ في القضاء لأبي موسى الأشعري.
стр. 18009
وقد تقدم أن تغير وسائل حماية الحق بحسب المصلحة الزمنية تتفق مع المبدأ الذي تقوم عليه الأحكام الشرعية، وهو إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ورعاية المصلحة، ودرء المفسدة.
- أخذ بعض فقهاء المالكية كابن فرحون، وبعض الحنابلة كابن القيم بجواز القضاء بالقرائن أحياناً، مع التحفظ والحذر، ولو في نطاق الحدود، وصار ذلك مذهب المالكية والحنابلة، مثل إثبات الزنا بالحمل، وإثبات شرب الخمر بظهور رائحتها من فم الشارب المتهم، وثبوت السرقة بوجود المال المسروق في حيازة المتهم، ورد المسروق أو الوديعة أو اللقطة لمن يصفها بعلامات مميزة، دون حاجة للشهادة أو اليمين (١) .
واكتفى الحنفية بالأخذ بالقرينة القطعية، كرؤية شخص مدهوش ملطخ بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم، مما يدل على أنه هو القاتل إلا إذا ثبت العكس بدليل قاطع (٢) .
- الطلاق المقترن بلفظ الثلاث أو المتكرر أو المتتابع، قال الجمهور: يقع الطلاق المقترن بلفظ الثلاث، أو المتكرر، كما أوقعه الزوج، لكن الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبعض المعاصرين (المشايخ: محمود شلتوت، ومحمد السايس، وعلي الخفيف، ومحمد الزفزاف) والقوانين في مصر والسودان والمغرب وسورية ولبنان والأردن والعراق، والشيعة الإمامية؛ يرون أن الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة، لأن القول بوقوعه واحدة أقل مفسدة من القول بوقوعه ثلاثاً، والقاعدة المقررة هي (يرتكب أخف الضررين وأقلهما فساداً) . وكذلك الطلاق المتتابع عند بعض المعاصرين (الشيخ محمد أبو زهرة) لا يقع إلا واحدة، لأن الظاهر أن هذا الطلاق ولو في مجالس متعددة يراد به التأكيد، أي إن الطلاق المتكرر يأخذ حكم المقترن بالعدد عن طريق القياس (٣) ، والدافع لهذا هو حاجة الناس.
- طلاق الهازل أو الذي يجري على اللسان بدون قصد: قال بعض المالكية، وبعض الزيدية، والظاهرية والجعفرية: طلاق الهازل لا يقع لعدم القصد إليه والعزم عليه، لأن الهازل لا نية له في الطلاق، والحديث صريح في اشتراط النية ((إنما الأعمال بالنيات)) (٤) ، وأما حديث: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)) (٥) ، فتشككوا فيه، ولم يصح عندهم.
- بيع المعدوم: من شروط البيع عند الحنابلة (٦) وغيرهم: القدرة على تسليم المبيع، فلا يصح بيع الآبق، والشارد، ولو لقادر على تحصيلهما، لما رواه أحمد من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ "نهى عن شراء العبد وهو آبق "، ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، وفسره أبو يعلى وجماعة: بما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر.
стр. 18010
ثم – في تقديري – للحاجة أجاز ابن تيمية وابن القيم بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم، لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أو معدوماً، كبيع الفرس النافر والجمل الشارد، فليست العلة في المنع، لا العدم ولا الوجود (١) .
- بيع عقار القاصر: للوصي بيع عقار القاصر، لحاجة النفقة، بمثل القيمة، لكن من دقائق الفقه الحنفي: أنه لا يجوز للجد بيع العروض والعقار، لقضاء الدين وغيره، ويجوز ذلك للوصي، لأن الوصي هو المختص بحفظ الأموال وله الولاية على المال.
ولا يجوز للوصي بيع عقار القاصر من غير حاجة ولا مسوغ شرعي. قال في الذخيرة: الوصي يملك بيع عروض الصغير من غير حاجة، ولا يملك بيع عقاره إلا لحاجة، لأن وظيفته إذ ذاك حفظ الأموال، وبيع العروض من الحفظ، لأن حفظ الثمن أهون. أما العقار: فهو محصن بذاته، محفوظ بنفسه، فلا يكون بيعه من باب الحفظ، إلا إذا كان العقار في معرض الهلاك، فبيعه يكون بمنزلة العروض (٢) .
- أجاز الحنفية والمالكية نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر، لقرابة محاويج، ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها، أو أصلح، أو أورع، أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار السلام، أو إلى طالب علم أو إلى الزهاد (٣) .
الضابط الثاني – رعاية المصلحة:
المصلحة في اللغة: جلب المنفعة، أو دفع المضرة، وفي الشرع: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، وما لهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، كما ذكر الإمام الغزالي (٤) .
وبعبارة أخرى: المصالح المرسلة التي هي أصل من أصول التشريع الإسلامي: هي الأوصاف التي تلائم تصرفات الشارع ومقاصده، ولكن لم يشهد لها دليل معين من الشر بالاعتبار أو الإلغاء، ويحصل من ربط الحكم بها جلب – مصلحة – أو دفع مفسدة عن الناس (٥) .
والمصالح أنواع ثلاثة متفاوتة الدرجة بحسب أهميتها، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينات (٦) .
стр. 18011
وأمثلتها من الفتاوى لدى الصحابة الكرام: جمع المصحف الشريف في عهد أبي بكر وعثمان، وتضمين الصناع مع أنهم أمناء، حفاظاً على أموال الناس، ومنع التهاون بها، وتجميد سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات، لعدم الحاجة إلى التأليف بعد أن عز الإسلام، وعدم تطبيق حد السرقة عام الرمادة (المجاعة) ، وإمضاء الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً زجراً عن كثرة استعماله، ووضع الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة وتركها بيد أهلها، وتدوين الدواوين، واتخاذ السجون، وتوريث الزوجة المطلقة في مرض الموت (طلاق الفرار) .
ومن أمثلتها ما يلي:
عند الحنفية تحت ستار الاستحسان المصلحي (١) : مشروعية دفع القيمة في الزكاة وفي اليمين والنذر والكفارة، وقصر خمس الغنائم على الفقراء دون غيرهم ولو من ذوي القربى، وتضمين القابض على سوم الشراء، ونحو ذلك.
وعند الشافعية (٢) : قياس جميع المسكرات المشروبة أو المأكولة على الخمر في التحريم، فرض الخراج على الأغنياء عند خلو بيت المال، وقتل الأسارى المسلمين إذا تترس بهم العدو، وإعطاء المظنة حكم المظنون قياساً على الخلوة بالأجنبية، وقال عز الدين بن عبد السلام: الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين، ودرء مفاسدهما، على ما يظهر في الظنون (٣) .
ومن فتاوى المتأخرين من الحنفية عملاً بالمصلحة: إقرار مشايخ بخارى وسمرقند بيع الوفاء في أواخر القرن الخامس الهجري، الذي يشبه ثلاثة عقود:
البيع الصحيح، والبيع الفاسد، والرهن، وهو في الحقيقة رهن، فأعطى من كل واحد من هذه العقود ما يناسب غايته من الأحكام، قال النسفي في فتاواه: "البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالاً للربا، وسموه (بيع الوفاء) هو في الحقيقة رهن "والصحيح إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، وهو عند الصحابين: بيع غير لازم (٤)
-ومثل ذلك إقرار العمل بعقد الاستصناع (٥) . والرهن المستعار: وهو أن يستعير الإنسان شيئاً من صديقه، لا ليستعمله، بل ليرهنه ويستدين به، وهو عقد لازم، مع أن الأصل في عقد الإعارة أنه عقد تبرع غير لازم، فيفسخه المعير متى شاء، والعارية أمانة لا تضمن بالهلاك عند الحنفية، وهذا المرهون مضمون (٦) .
- وأفتى الحنفية (٧) . بجواز فسخ الإجارة بالأعذار، من جانب المؤجر أو المستأجر، أو العين المؤجرة، نزولاً تحت وطأة المصلحة.
- وأفتى بعض المعاصرين (الأستاذ مصطفى الزرقا) خلافاً لاتجاه وقرارات المجامع الفقهية بجواز عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت.
والاستصناع عند غير الحنفية تنطبق عليه قواعد عقد السلم، أو العرف في بعض أحكامه، قال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام:
استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بالأجرة إذا استصنعهم مستصنع من غير تسمية أجرة؛ كالدلال والحلاق والقاصد، والحجام والنجار والحمال والقصار، فالأصح أنهم يستحقون من الأجرة ما جرت به العادة، لدلالة العرف على ذلك (٨)
стр. 18012
الضابط الثالث – الاستحسان:
وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو ينحصر في أمرين:
١- ترجيح قياس خفي على قياس جلي، بناء على دليل.
٢- استثناء مسألة جزئية من أصل كلي أو قاعدة عامة، بناء على دليل خاص يقتضي ذلك. والكلام في الاستحسان هنا يقتصر على استحسان الفقيه المستنبط الذي يطبق نصوص الشارع ويقيس عليها، ويستحسن على وفقها بالعدول عن حكم القياس، مستلهمًا من غرض الشارع ومقاصد شريعته، وهذا يشمل نوعين فقط، وهما: الاستحسان القياسي، واستسحان الضرورة (١) . وقد ذكرت أمثلة النوع الثاني في مراعاة الضرورة.
وأمثلة الاستحسان بالقياس الخفي: الحكم بطهارة سؤر سباع الطيور الجوارح، لأن المنقار عظم طاهر، وتشبيه الوقف بالإجارة في إفادة كل منهما مجرد الانتفاع بالعين، لأن المقصود من الوقف هو مجرد الانتفاع، وذلك لا يتحقق إلا بدخول حقوق الارتفاق في الوقف، دون نص عليها. كالمسيل والشرب والطريق والمرور.
واستحسان المصلحة: يدخل تحت مبدأ أو قاعدة المصلحة المرسلة، مثل صحة وصية المحجور عليه لسفه في سبيل الخير، لأن الوصية لا تفيد الملك إلا بعد وفاة المحجور عليه، ولأن الوصية التي لا تنفذ إلا من الثلث، لا تكون نافذة إلا بعد وفاء الديون، فاستثنيت الوصية من الأصل العام لمصلحة جزئية: وهي تحصيله الثواب وجلب الخير للمحجور عليه، مع عدم الإضرار به في حياته.
الضابط الرابع – مراعاة الأعراف والعادات:
العرف: هو ما اعتاده الناس، وساروا عليه، من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص لا تألفه اللغة، ولا يتبادر غيره عند سماعه، وهذا يشمل العرف العملي والعرف القولي.
وهو بحسب إطاره أو شموله إما عرف عام وإما عرف خاص.
والعرف العام: هو الشائع في أغلب البلاد أو كلها بين الناس، على اختلاف أزمانهم وبيئاتهم كالاستصناع، وبيع المعاطاة، وقسمة المهر إلى معجل ومؤجل، وتقديم الإكرامية (البقشيش) للخدم في المطاعم والفنادق، ودخول الحمامات العامة والمسابح من غير تحديد مقدار الماء المستعمل ومدة المكث.
والعرف الخاص: هو الذي يختص ببلدة معينة أو فئة من الناس، كأهل حرفة ما دون غيرها، وهذا يتجدد بتجدد الأزمنة واختلاف الأمكنة، كعرف التجار فيما يعد عيباً يجيز الفسخ أو الرد، ودفع أثمان البضاعة المؤجلة من تاجر الجملة كل يوم خميس، وتقسيط ثمن البضاعة أقساطاً معلومة، ودفع الأجرة شهريا أو كل ثلاثة أو ستة شهور أو سنوياً، وتجديد عقد الإيجار تلقائياً بقوة القانون، ودفع أجر المحامي على قسطين: قسط عند التوكيل، وقسط بعد فصل الدعوى في المحكمة.
ومنه: الاصطلاحات الخاصة بكل فن أو علم كاصطلاح الفقهاء، وعبارات الواقفين، والتجار والزراع والصناع، ويلاحظ أن أكثر فتاوى النوازل أو الواقعات تكون بسبب التأثر بالأعراف العامة، أو الخاصة في بلد أو إقليم أو قطر.
стр. 18013
والعرف حجة في الشريعة، فتفهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة بدلالة العرف القائم حين ورود النص، ولا يلتفت لتبدل الأعراف، ويخصص النص عند الحنفية والمالكية بالعرف العام العملي، فلا تلزم المرأة الشريفة بالقدر بإرضاع ولدها، ويقصد بالطعام الذي يحرم في الربا البر، كما يخصص القياس، ويترك النص المذهبي بالعرف الخاص المعارض له، فيحكم بطهارة خرء الحمام في المسجد، وتصح الإجارة المشروطة بشرط متعارف عليه، ويباح استقراض الخبز عدداً للتعامل به بين الجيران، ويجوز بيع دود القز والنحل لتعامل الناس به، وللأب أو الجد قبض مهر البنت البكر البالغة، للعرف والعادة، ما لم تنهَ عن ذلك (١) .
وتترك القاعدة الفقهية الكلية أو الاستحسان أو الاستصلاح بالعرف العام، لعموم الحاجة، ورعاية المصلحة العامة، لأن (العادة محكمة) (٢) و (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) (٣) و (المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة) و (العرف بمنزلة الإجماع شرعاً عند عدم النص) ، كما ذكر الكمال بن الهمام (٤) .
وهناك إحدى عشرة قاعدة تدل على حجية العرف، وهي معروفة (٥) .
ومن فتاوى الفقهاء المبنية على العرف والعادة ما يلي:
- الأيمان ولا نذور مبنية على العرف، وكذا ألفاظ الطلاق والزواج، وقد يراد بالطلاق الزجر المحض دون قصد التطليق، مثل (عليَّ الطلاق) أو (عليّ الحرام) .
والطلاق المعلق على شيء إن كان يراد به الحث على فعل شيء أو الترهيب من فعل شيء، ولم يقصد به تطليق المرأة، ليس طلاقاً في رأي ابن تيمية، وإنما هو يمين فيه كفارة يمين.
وقال ابن حجر: كلمة (عليّ الحرام) أصبحت من صرائح ألفاظ الطلاق عرفا، وليس من ألفاظ الكنايات التي تحتاج إلى نية، فإذا تقدم ذكر المرأة فهو طلاق صريح، ومع عدم تقدمها: كناية في الزوجة (٦) .
- وألفاظ الواقفين تبنى على العرف، مثل تعيين ناظر على الوقف، ومثل كلمة: (على الفريضة الشرعية) ، يراد بها إعطاء الذكر ضعف الأنثى.
- والبيع بثمن قليل رمزي يعد هبة، والهبة بعوض معلوم بيع، وبيع الثمار على الأشجار بلفظ الضمان أو التضمين في بلاد الشام بيع. د
وقد يعبر العوام عن شرط البراءة عن العيوب في بيع السلعة، كسيارة ونحوها بعبارة (كوم عظام) أو (حاضر حلال) ونحو ذلك.
- وتدخل عرفاً توابع المبيع في البيع، كأدوات إصلاح السيارة، ومضخة استخراج الماء في بيع البستان، وآلات غلي الماء في بيع الحمام.
стр. 18014
-والوصية بثمرة البستان تجعل للموصي له الثمرة الموجودة، لا المعدومة.
- وتراعى عرفاً أساليب العوام في العقد والتعليق والتنجيز والإذن والإجازة، وإن خالفت مذاهب اللغويين.
- كل هذا يدل على أن العرف اللفظي يحدد المقصود من كلام المتكلم، قال القرافي: الصحيح تقديم العرف اللفظي على اللغة، وهو أمر واجب متعين، لأنه ناسخ مقدم على المنسوخ فكذا ههنا (١) وهذا أيضاً شائع في عبارات الحنفية حيث يقولون: إن لفظ الماضي مثل: بعت واشتريت يدل على تنجيز البيع عرفاً، والعرف قاض على اللغة.
- وقرر علماء المذهب الحنفي والمالكي بصفة عامة في الأعراف أن: " الثابت بالعرف الصحيح غير الفاسد - شرعاً – ثابت بدليل شرعي " (٢) .
وقال شارح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم: "الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي "، وقال السرخسي في المسبوط: "الثابت بالعرف كالثابت بالنص ".
وقرر الحنفية كما تقدم: أن العرف الثابت العام: وهو الذي اتفق عليه الناس في كل الأمصار كدخول الحمام وعقد الاستصناع يترك به القياس، ويسمى استحسان العرف، ويخصص به العام إذا كان ظنياً، ولم يكن قطعياً.
والعرف الخاص: وهو السائد في بعض الأقاليم أو لدى طائفة من الناس كعرف التجار أو عرف الزراع ونحو ذلك، لا يقف أمام النص، ولكنه يقف أمام القياس الذي لا تكون علته ثابتة بطريق قطعي من نص أو ما يشبه النص في وضوحه وجلائه (٣) .
وعقد الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه (قواعد الإحكام) (٤) فصلاً بعنوان: (فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريحة الأقوال في تخصيص العموم، وتقييد المطلق وغيرهما) ، وله أمثلة منها:
- التوكيل في البيع المطلق: فإنه يتقيد بثمن المثل وغالب نقد بلد البيع، تنزيلاً للغلبة منزلة صريح اللفظ.
стр. 18015
- حمل الإذن في النكاح على الكفء ومهر المثل، وهو المتبادر إلى الإفهام.
- إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها، فإنه يجب إبقاؤها إلى أوان جذاذها، والتمكين من سقيها بمائها، لأن هذين مشروطان بالعرف، فصارت كما لو شرطاهما بلفظه.
- حمل الودائع والأمانات على حرز المثل، فلا تحفظ الجواهر والذهب والفضة بإحراز الثياب والأحطاب، تنزيلاً للعرف منزلة تصريحه بحفظها في حرز مثلها.
- حمل الصناعات على صناعة المثل في حملها.
وذكر السيوطي (١) فصلاً في تعارض العرف مع الشرع، وهو نوعان:
أحدهما: أن لا يعلق بالشرع حكم: فيقدم عليه عرف الاستعمال، فلو حلف: لا يأكل لحماً، لم يحنث بالسمك، وإن سماها الله لحماً.
والثاني: أن يتعلق به حكم: فيتقدم على عرف الاستعمال، فلو حلف لا يصلي، لا يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو لا يصوم، لم يحنث بمطلق الإمساك.
وفي تعارض العرف مع اللغة ذكر وجهين في المقدم منهما:
أحدهما: وإليه ذهب القاضي حسين: الحقيقة اللفظية تقدم عملاً بالوضع اللغوي.
والثاني: وعليه البغوي: الدلالة العرفية، لأن العرف محكم في التصرفات، سيما في الأيمان.
وقال الرافعي في الطلاق: وإن تطابق العرف الوضع اللغوي فذاك، وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع. والإمام (إمام الحرمين) والغزالي يريان اعتبار العرف.
كانت عادتهم بالمدينة: أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها، لأجل اختلاف العوائد (٢) ، وأما اليوم فتسجل عقود الزواج وحقوق المرأة في سجلات المحاكم الشرعية.
- صبغ الثوب المغصوب بالأسود: كان أبو حنيفة يرى أن السواد نقصان، وقال الصحابان: السواد زيادة.
стр. 18016
جاء في الفتاوى الهندية (١) : والصحيح أنه لا خلاف بينهم في الحقيقة، لأن جواب أبي حنيفة رحمه الله تعالى خرج في وقت كان الصبغ بالأسود ناقصاً، أو عيباً في الثبوت، وجوابهما خرج في وقت كان الصبغ بالأسود زيادة في الثوب، فوجب مراعاة العرف والعادة في المصبوغ.
- تسليم المبيع أو الثمن: تسليم المبيع: هو أن يخلى بين المبيع وبين المشتري، على وجه يتمكن المشتري من قبضه بغير حائل، وكذا التسليم في جانب المشتري، وهذا عمل بالعرف، وأجمعوا على أن التخلية في البيع الجائز تكون قبضاً، وفي البيع الفاسد روايتان، والصحيح أنها قبض (٢) .
الضابط الخامس – دفع المفاسد ودرء المضار:
حرصت الشريعة على ضرورة تجنب المحرمات والمضار والفاسد قبل القيام بالواجبات، وعلى منع المنهيات قبل تحقيق المأمورات، لأن ضرر المفسدة كالوباء والحريق، قال النبي ﷺ : ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) (٣) ، والقاعدة الشرعية تقول: "درء المفاسد أولى من جلب المنافع " (٤) أو "من جلب المصالح "، فيحجز على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن، والمكاري المفلس. ويمنع الاحتكار مطلقاً في الأقوات وغيرها، منعاً من المضرة.
ويحرم الاتجار بالخمور والمخدرات، ولو تحقق ببيعها الربح المادي.
ويمنع الضرر بالجيران كاتخاذ المعاصر والأفران التي تؤذي بدخانها أو رائحتها.
وتسد النافذة المطلة على مقر نساء الجار، ولو وجد فيها منفعة.
-ولا يجوز إحداث رحى في دار إذا أضرت بالجار، ولا يجوز إحداث إصطبل إذا أضر بالجار، ولا يجوز لصاحب البيت إحداث باب لغرفة يطل منه على بيت جاره لحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) .
وعلى صاحب الخربة أن يدفع الزبل الذي في خربته الذي أضر بجاره. ولا يجوز لأحد أن يحدث في طريق المسلمين ما يضر بهم في ممرهم وتصرفهم. وعليهم حرج ومشقة، وينهى عنه أشد النهي.
стр. 18017
ويجب على من بسط الله يده من حكام المسلمين زجره عن ذلك للحديث المتقدم: ((لا ضرر ولا ضرار)) ، فإن لم ينته، عاقبه عقوبة يرجع بها عن فعله، ولا يسامح بمثل هذا، لأنه يؤدي إلى تسامح الناس فيه، ولا من لا قائم له، فالحاكم هو النائب عن المسلمين فيه (١) .
- فسخ الإجارة لأجل الدين: قال الحنفية: متى تحقق القاضي عجز العاقد عن المضي فيم وجب العقد إلا بضرر يلحقه، وهو لم يرض به، يكون عذراً تفسخ به الإجارة دفعاً للضرر، وإذا أراد القاضي فسخ الإجارة لأجل الدين، اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يبيع الدار، فينفذ بيعه، فتفسخ الإجارة، وقال بعضهم، تفسخ الإجارة أولاً ثم يبيع، هذا إذا كان الدين ظاهراً، فإن لم يكن، ولكن صاحب الدار أقر بالدين على نفسه، وكذبه المستأجر، قال أبو حنيفة: يصح الإقرار، ويفسخ القاضي الإجارة بينهما بإقراره بالدين، وقال صاحباه: لا يصح إقراراه (٢) .
- إعارة الأرض: استعار زيد من زوجته (أو غيرها) أرضاً ليزرعها، فزرعها حنطة بعدما حرثها، وأذنت له بزرعها، ونبت الزرع، لم تؤخذ منه قبل أن يحصد الزرع وقتها (٣) .
- البيع في مرض الموت للوارث: لا يجوز عند أبي حنيفة إلا برضا الورثة، وإن كان بمثل القيمة (٤) .
- يجوز بيع الوصي وشراؤه بالغبن اليسير، ولا يجوز بالفاحش، لأن ولايته نظرية (٥) .
ولا يجوز بيع دار اليتيم بالغبن الفاحش، وبطل بالوجه الشرعي، ورد بعد سنين إلى اليتيم بعد بلوغه أو قبل ذلك (٦) .
ولا يملك الوصي بيع العقار بلا مسوغ شرعي، وهو بيع باطل لا فاسد (٧) .
- ليس للوصي أن يسافر بمال اليتيم إذا كان الطريق مخوفاً، فلو سافر به حينئذ يضمن المال إذا هلك، قال الإمام الإسبيجابي، لكل من الأب والجد والقاضي وأوصيائهم أن يسافروا بأموال اليتامى إذا كان الطريق آمنا، فإذا أصيبوا في الطريق، فلا ضمان عليهم، ولهم أن يتجروا في أموالهم بالمعروف، على أن يبيعوا بمثل القيمة، فإن كان البيع بغبن فاحش تبطل عقودهم، ولا تتوقف على الإجازة بعد البلوغ، لأن لا مجيز له حالة العقد، ولا ينعقد حتى يتوقف، وكذلك شراؤهم، ولكن إذا كان بغبن فاحش، فإنه ينفذ على أنفسهم، لصدوره عن أهل في محله، فلا يبطل كالبيع (٨) .
стр. 18018
- لا يجوز للجار اتخاذ الحمام والنحل وأمثالهما مما يؤذي الأبرجة في مسارحها عند الماء وغيره، للحديث المتقدم: ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) .
- ولا يجوز اتخاذ مطاحين يؤذي دويها الجيران (٢) .
وقال العز بن عبد السلام (٣) : إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد (أي معاً) فعلنا ذلك، امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما في قوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ، ثم ذكر العز (٦٣) مثالاً لأحوال مراعاة الأمرين وترجيح المصلحة الراجحة، منها: الحجر على المفلس مفسدة في حقه، لكنه ثبت تقديماً لمصلحة الغرماء على مفسدة الحجر، وإن شئت قلت: تقديماً لمصلحة غرمائه على مصلحته في الإطلاق، بخلاف الإنفاق عليه وعلى أهله إلى يوم قضاء الدين، فإن مصلحته بالكسوة والإنفاق، ومصلحة من يلزمه، مصلحته مقدمة على مصالح غرمائه. ومثال ما رجحت مفسدته على مصلحته، قطع اليد المتآكلة، حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة بقطعها وأما ما تكافأت فيه المصلحة المفسدة، فقد يتخير فيه، وقد يمتنع.
الضابط السادس – مراعاة فساد الزمان:
أي مراعاة أحوال اختلاف الزمان وفساد الأخلاق، بما لا يتصادم مع أصول الشرع ومبادئه وأحكامه، وهي أحكام القياس والمصلحة المرسلة، حيث يقاس الحادث الجديد على مسألة مختلفة عن مسألة شائعة سابقاً، أو تقتضي المصلحة العمل باتجاه معين مغاير لمقتضى مصلحة كانت تنسجم مع الماضي. وقد ذكرت في قاعدة: "تغير الأحكام بتغير الأزمان " أمثلة هذا الضابط.
الضابط السابع – مراعاة أحوال التطور:
أي تجدد الأوضاع التنظيمية التي تحقق المقصود من الحكم الشرعي الذي قرره الفقهاء في الماضي، كأنظمة السجل العقاري المحقق للقبض والاكتفاء بذكر رقم المحضر في البيع، بدلاً من ذكر حدوده الأربعة. وقد سبق بيان ذلك في قاعدة تغير الأحكام.
الضابط الثامن – التزام ميزان العدالة:
الفتوى والقضاء والتحكيم تعتمد كلها على مبدأ العدالة في فصل المنازعات، وإحقاق الحقوق، وإنصاف المظلوم، وإبطال الباطل، فبالعدل تدوم الدول، وتستقر أوضاع المجتمع. وذلك يتطلب فهم المسألة، والبعد عن الميل إلى أحد الخصمين، وتجنب التوريط بالرشاوى، والهدايا وتقديم الخدمات، ومن تطبيقات ذلك: مراعاة ظروف وأحوال التضخم النقدي بقدر الإمكان في إيفاء الديون والالتزامات والأخذ بفتوى الإمام أبي يوسف في وفاء القرض بسعر النقود يوم القبض السابق.
стр. 18019
الضابط التاسع – إحقاق الحق:
العدالة تكون حال الفصل في المنازعة بين خصمين، وأما إحقاق الحق فهو أعم من ذلك، فقد لا تكون هناك منازعة بين الخصوم، وإنما الأمر يقتضي إرساء معالم الحق وإبطال الباطل بين الناس، ولو لم يكن هناك خصومة أو ادعاء، مثل رد المظالم الذي قام به الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، إحقاقا للحق، ودفع الظلم.
ومثل القضاء ببقاء الحق لصاحبه ولو طال الزمان، لأن التقادم (وضع اليد على مال مملوك لغيره مدة طويلة) لا يثبت الملك ولا يزيله، لأن الإسلام لا يقر التقادم المكسب على أنه سبب لكسب الملكية، وإنما هو مجرد مانع للقاضي – لا المفتي – من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين.
وهو كما ذكرت المجلة (م١٦٦١ – ١٦٦٢) في الحقوق الخاصة (١٥) سنة، وفي الأراضي الأميرية (١٠) سنوات، وفي الأوقاف وأموال بيت المال (٣٦) سنة (١) ، توفيراً لوقت القضاة، وتجنباً لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في أصل الحق.
أما أصل الحق فيجب الاعتراف به لصاحبه وإبقاؤه له ديانة أو إفتاء، فمن وضع يده على مال مملوك لا يملكه شرعاً. كذلك لا يقر الإسلام التقادم المسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة، فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والحق، ويصير واضع اليد (الغاصب أو السارق) مالكاً في عرف القضاء، لا في الديانة.
لكن الإمام مالك في المدونة خلافاً لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة، كما يرى تملك الشيء بالحيازة، ولكنه لم يحدد مدة للحيازة، وترك تحديدها للحاكم، ويمكن تحديدها، عملاً بحديث مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى النبي ﷺ عن زيد بن أسلم وهو: ((من حاز شيئاً على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه)) (٢) ".
стр. 18020
الضابط العاشر – منع النزاع والخصام:
تتفق مهمة القاضي والمفتي في إنهاء المنازعة وتسوية الخصومة، وتحقيق الاستقرار، والطمأنينة فيما بين الناس في معاملاتهم ورعاية حقوقهم. وهذا هو الهدف الأساسي أو مقصد الشريعة العام في تشريع المعاملات (العقود والتصرفات) واشتراط شرائط معينة، والحكم بصحة العقد أو بطلانه أو فساده، مما أدى إلى ظهور طائفة من البيوع المنهي عنها ومن هذه الضوابط والشروط: اشتراط القبض في التبرعات، ومع بيع الشيء قبل القبض، ومنع الغرر والجهالة تحقيقاً لاستقرار التعامل، وتحريم الربا بسبب الاستغلال وظلم أحد الطرفين العاقدين للآخر. وعلى المفتي مراعاة ذلك كله في اجتهاده أو فتواه.
التزام النصوص:
وكما يلتزم المفتي بالضوابط السابقة، يلتزم قبل كل شيء بالحكم بما تدل عليه النصوص الشرعية بحسب دلالتها مباشرة أو بحسب ظواهرها العامة، أي بنصها أو ظاهرها، فإن أول ما يجب البحث فيه عن حكم المسألة هو في النصوص من كتاب أو سنة، كما كان يفعل الصحابة الكرام في اجتهادهم بعد النبي ﷺ .
ومن أمثلة الفتاوى أو النوازل في هذا ما يأتي:
- تمليك الدين ممن ليس عليه الدين باطل إلا في ثلاث: حوالة، ووصية، وإذا سلطه، أي سلط المملك غير المديون على قبضه، أي قبض الدين (١) . والنص الذي ينبغي مراعاته هو: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر: ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) أي الدين بالدين.
- لا تصح إجازة الورثة في حياة الموصي وإنما بعد الموت تصح ولا رجوع (٢) ، وهذا تطبيق للحديث: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة)) (٣) أي بعد موته، لأن الشخص لا يسمى وارثاً، إلا بعد الموت، وهذا نص على أن الوصية للوارث، إنما لم تجز لحق بقية الورثة، لا لحق الشرع، كالوصية بما زاد على الثلث للأجنبي، لم تجز لحق الورثة، لأن حقهم تعلق بثلثي المال في مرض موته، بدليل أن لهم أن يقضوا تصرفه شرعاً في ثلثي ماله، ونقض التصرف في ملك الغير يدل على تعلق الحق لهم به، ولا تصح إجازتهم في حياة الموصي، وتصح بعد موته، وليس لهم أن يرجعوا بعد الإجازة، وإن لم يقبض الموصي له وصيته، لأن الوصية قبل موت الموصي غير لازمة، لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فبالإجازة لا تصير لازمة منبرمة، فيجب أن تكون الإجازة بمثابتها غير لازمة، يمكن للورثة الرجوع عنها.
- من أجر نفسه للقراءة على المقابر بأجر معلوم، ليقرأ في كل يوم وليلة جزءاً من القرآن، أجاب ابن المكوي المالكي بأن هذه بدعة، وهي مكروهة، وليست بحرام (٤) ، لأن القربات الدينية الأصل الشرعي ألا تقبل النيابة، وهي مقصورة الثواب على فاعلها.
стр. 18021
- للصديق أن يأكل من مال صديقه بغير إذنه، يجوز له ذلك إن علم بطيب نفسه (١) لقوله تعالى في رفع الحرج عن الأكل: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] .
- من تصدق بجميع أملاكه على غيره، فقام قائم من جهته يدعي عليه السفه، وأنه كان مختل العقل، تكون صدقته نافذة إذا قبضها أو حازها المتصدق عليها (٢) .
- من أوصى عند الموت أن يدفع ماله لزوجته، وكان له ورثة كابنه، فقال ابن أبي زيد القيرواني: إن أراد أن تستأثر بذلك الزوجة، فلا يجوز، وهو ميراث، وإن ادعت الزوجة أنه دين لها عليه، فعليها البينة (٣) ، لأن الموصي تصرف بما يلحق ضرراً بالورثة، والإضرار بالورثة من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢] .
- الوصية بمعصية: من أوصى أن يجعل بين أكفانه شيء من القرآن، قال ابن يزادة الله: لا أرى تنفيذ وصيته، وتجل أسماء الله عن الصديد والنجاسة، وينبش القبر لإخراج ذلك (٤) .
وكذلك لو أوصى أن تدفن معه نسخ من كتاب الله أو نسخة من صحيح البخاري، قال العقباني: لا تنفذ وصيته (٥) ، أي لأنه يجب تعظيم القرآن والحديث.
_ أمانة الحاكم والموظف: قال ابن زرب: من ولي من أمانات المسلمين شيئاً، فهو موكول إلى أمانته بظاهر القرآن ودلائل السنة، ولا يضمن الأوصياء في بلدان قط شيئاً، وإن فرطوا (٦) .
- لو أوصى زيد بجميع ماله لعمرو (أجنبي غير وارث) ثم مات عن تركة وورثة لم يجيزوا الوصية، وقبل عمرو الوصية، تنفذ الوصية في ثلث ماله بعد إخراج ما يجب إخراجه شرعاً، وذلك لأن المسموح به شرعاً هو الإيصاء بالثلث في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس: "الثلث والثلث كثير "، وحديث الجماعة عن سعد بن أبي وقاص: "الثلث والثلث كثير أو كبير ".
- إرث المال الحرام: سئل أبو محمد المالكي عمن هلك وترك مالاً حراماً، هل يورث عنه ويطيب أم لا؟ فأجاب:
اختلف السلف فيه، فأجاز وراثته ابن شهاب الزهري والحسن البصري والقاسم بن محمد وغيره، وفرق مالك وأصحابه بين أن يكون حراماً من وجهة الغصب، فيرد إلى أهله إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فينبغي للورثة التمسك برأس المال إن عرفوه، والتصدق بما بقي. وإن لم يعرفوا تصدق بجميعه، يؤمرون ولا يجبرون، وأهل الورع لا يرضون التمسك (٧) .
هذه نماذج وأمثلة من الفتاوى، وهذه ضوابط وخصائص فتاوى النوازل، وبيان سبل الاستفادة منها بحيث يسهم ذلك في تجديد حيوية الفقه، للاستفادة من ذلك في التطبيقات المعاصرة.
والله ولي التوفيق.
وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 18022
سبل الاستفادة من النوازل "الفتاوى "
والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة
إعداد
الشيخ خليل محيي الدين الميس
عضو المجمع
مفتي زحلة والبقاع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد. فيقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، والإسلام عقيدة وشريعة، عقيدة تحكم صلة الإنسان بربه، وشريعة تنظيم سلوك الناس أفراداً ومجتمعات ودول.
وأساس الشريعة هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله المصطفى ﷺ ، والفهم الصحيح لهما، وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع.
وقد اجتهد الأئمة الفقهاء في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما ما وسعهم الجهد، وكانوا من دقة الفهم ونقاء النفس وسعة الأفق بحيث وضعوا قواعد وأصولاً للأحكام، تعد تراثاً إنسانياً ومرجعاً عاماً لكل المشتغلين بالفقه والقانون وقيض الله تعالى في كل قرن من المسلمين علماء أخيار ذوي رأي وبصيرة يفقهون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيعرضون عليهما النوازل المستجدة ليروا فيها رأي الإسلام.
لا تخلو واقعة من حكم شرعي:
والمعتقد أنه لا يفرض وقوع واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله تعالى فيها.
والدليل القاطع على ذلك: أن أصحاب المصطفى ﷺ ﵃ استقصوا النظر في الوقائع والفتاوى والأقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعلقاً راجعوا سنن المصطفى ﷺ .
- وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرهم إلى انقراض عصرهم.
- ثم استن بعدهم بسنتهم ... وقد علمنا اضطراراً من مطرد الاعتبار أن الشريعة تشتمل على كل واقعة ممكنة.
стр. 18023
ولما قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: ((بم تحكم يا معاذ؟)) فقال: بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: فسنة رسول الله. قال: ((فإن لم تجد)) ؟ قال: أجتهد رأيي ... فقرره ﷺ وصوبه، ولم يقل له: فإن قصر عنك اجتهادك فماذا تصنع؟ فكان ذلك نصاً على أن الوقائع تشملها القواعد التي ذكرها معاذ.
هذا: وإن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاق والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما، وتنتفي النهاية عن مقابله ومناقضه (١) .
(كل نازلة مستأنفة في نفسها) :
قال الشاطبي (٧٩٠ هـ) : "إن كل نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير: وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لها فلابد من النظر فيها بالاجتهاد ".
-وكذلك إن فرضنا أن تقدم لنا مثلها فلابد في كونها مثلها أولاً، وهو نظر اجتهاد أيضاً، وكذلك القول فيما فيه حكم من أروش الجنايات، وقيم المتلفات.
стр. 18024
ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين.
ولابد من تحقيق المناط بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت.
ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك.
والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة فلا يكون الحكم واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلاً وقد لا يكون وكله اجتهاد (١) .
ضرورة فتح باب الاجتهاد:
ولما كانت الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصح دخلوها تحت الأدلة المنحصرة، لذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره.
أو نقول لابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، فإذًا لابد من الاجتهاد في كل زمان (٢) .
وهذه الوقائع المستجدة هي الواقعات، والنوازل، واستنباط أحكامها من مظان الأدلة هو الفتوى والاجتهاد والتخريج.
الاستفادة من منهاج الفقهاء جميعاً في الاستنباط:
إن الشريعة الإسلامية لا تتحدد بمجتهدات عصر معين أو مذهب فقهي واحد، لأنها أبعد غوراً وأوسع مدى من حيث مبادئها الكبرى وأصولها العامة ومقاصدها التشريعية، وإن الاجتزاء بمذهب اجتهاد معين يتنافى وطبيعة الاجتهاد نفسه من حيث أنه تصرف عقلي في مقررات الوحي، وكل اتجاه من الاتجاهات الفقهية يمثل وجهة نظر معينة في هذه المقررات فهماً أو تطبيقاً، ولكنه لا يمثل فقه الشريعة كاملة من حيث هي.
والاجتهاد بطبيعته يحتمل الخطأ فثمرته هو الفقه كذلك، بل الاجتهاد بالرأي هو صلب التفقه في التشريع، هذا، ولما كان لا يتصور انقطاع الاجتهاد بالرأي في التشريع أبد الدهر لصلته الوثقى بمعاني العدل والإنصاف في الفروع، وإذا انقطع الاجتهاد فقد العدل ما به يعرف، وما به يتحقق ... واقعية التشريع تقتضي من المجتهد بألا يقتصر بالاستنباط أو التطبيق على الأصول النظرية الذهنية المجردة، بل ينزل بها من أفقها التجريدي المحض إلى عالم الوقائع المشخصة بظروفها وأحوالها، ويبحث ويمحص ذلك كله، ثم يطبق على كل حالة ما يناسبها مما يقتضيه العدل والإنصاف، والمصلحة المقرة شرعاً، لأن أساس التشريع كله المصلحة والعدل، وهما المقصد الكلي للتشريع الإسلامي (٣) .
стр. 18025
إن الاجتهاد داخل حدود مذهب معين، والتصرف في نصوص الإمام وقواعده ... مثل التصرف في نصوص الشارع في استنباط الحكم من القواعد.
وهو: أن يقيس ما لم ينص عليه إمامه بما نص عليه. وأن يطبق ما وضعه الإمام على ما يدخل تحته من جزئيات مما لم يتكلم فيها الإمام نفسه وأن يستخرج من الجزئيات والفروع المتشابهة شكلاً، والمتحدة حكماً، والتي نقل حكمها عن صاحب المذهب، قواعد وضوابط يعرف بها حكم المذهب في الفروع المتشابهة الجديدة بعد ذلك ... وأن يجتهد لمعرفة حكم ما لم يرد حكمه في مذهب إمامه من فحوى كلام الإمام ومفهومه.
وأن يعرف ما بناه الإمام على أدلة وقواعد ثابتة، وما بناه على ما يتغير بتغير الأزمان والأمكنة والأعراف ... وأن يجتهد فيما لم يتمكن من استنباط حكم بالتخريج على أقواله، والقياس على ما نص عليه من الأحكام بنصوص الشارع، وذلك باتباع منهجه في الاستنباط ... إلا أنه لو عجز عن ذلك لا يخرج عن أن يكون مجتهداً في المذهب، لأن الاجتهاد في المذهب عمدته العمل على ما خططه صاحب المذهب، ووفق ما زيد عليه ممن سبق من كبار علماء المذهب.
وكل ذلك يتطلب إضافة إلى الشروط التي ينبغي توفرها في المجتهد على اختلاف مراتبه ... أمرين هما: فقه الواقع وفقه التنزيل – ليحسن فقه النوازل المستجدة.
تعريف التخريج:
إن مصطلح التخريج: استعمل عند الفقهاء والأصوليين في غير معنى، وإن بين تلك المعاني تقارب وتلاحم.
يطلق التخريج على أمرين:
الأول: على استنباط الأحكام من القواعد، أو إخراج أحكام جزئيات القاعدة من القوة إلى الفعل (١) .
الثاني: على استنباط الأحكام من فروع الأئمة المنسوبة إليهم، سواء كانت من أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم .... ويمكن تسميته تخريج الفروع على الفروع.
كما يطلق التخريج على: نقل حكم مسألة ما يشبهها والتسوية بينهما فيه (٢) .
стр. 18026
والتخريج وفق هذا التعريف يلحق بالقياس ... الذي يتضمن نقل مثل حكم مسألة جزئية إلى أخرى لوجود شبه بينهما، ويمكن الجمع بين هذه التعريفات بالقول:
وهو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم عند المخرج (١) .
أو بإدخالها في عمومات نصوصه أو مفاهيمها، أو أخذها عن أفعاله أو تقريراته، بالطرق المعتد بها عنده، وشروط ذلك ودرجات هذه الأحكام.
وقد يكون التخريج – وهذا هو غالب استعمال الفقهاء – بمعنى الاستنباط المقيد، أي بيان رأي الإمام في المسائل الجزئية التي لم يرد فيها عنه نص – وذلك عن طريق إلحاقها بما يشبهها من المسائل المروية عنه، أو بإدخالها تحت قاعدة من قواعدها ....
والتخريج بهذا المعنى هو ما تكلم عنه الفقهاء والأصوليون في مباحث الاجتهاد.
وقد يطلقون التخريج بمعنى (التعليل) ، أو توجيه الآراء المنقولة عن الأئمة وبيان مآخذهم فيها عن طريق استخراج واستنباط العلة وإضافة الحكم إليها بحسب اجتهاد المخرج، ومن هذا القبيل ما يسمى (بتخريج المناط) (٢) .
وبالجملة فالتخريج بأن لا يكون المفتى به منصوصاً لأصحاب المذهب لكن المفتي أخرجه من أصوله (صاحب المذهب) .
هذا ... وإن التخريج هو ملجأ الفقهاء – بعد الأئمة الأربعة وكبار تلاميذهم – في تحصيل الظن بآراء أئمة المذاهب التي يقلدونها، سواء كان ذلك بتحديد القواعد التي بنيت عليها الأحكام ... أو بالتعرف على أحكام الجزئيات ... أو النوازل الجديدة وفقاً لتلك القواعد، أو تشبيهاً لها بما ورد عنهم من آراء في وقائع جزئية أخرى، وغير ذلك من الأساليب.
وفي العصر استجدت وقائع ونوازل جديدة ... وتصدى ثلة من العلماء للوقوف على أحكامها ... فرادى ومجتمعين عبر المجامع الفقهية.
الفرق بين الاستنباط والتخريج:
الاستنباط والتخريج عبارتان مختلفتان في المبنى ولكنهما متقاربتان في المعنى، ووجه التقارب في المعنى: أن كلا منهما ينبئ عن منهج في الاجتهاد.
أما الاستنباط: فهو استخراج الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة شرعاً.
أي: استفادة الحكم من الكتاب، أو السنة، أو الرأي المبني عليهما.
أما التخريج: فهو تفريع أحكام المسائل المستجدة على قول إمام المذهب وأصحابه، وإن شئت قلت: مقتضى دليل الإمام.
стр. 18027
فإن قول الإمام أبي حنيفة، أو الشافعي، أو مالك، أو أحمد ﵃، يعتبر بمثابة القاعدة الشرعية التي يتفرع عليها أحكام مسائل خرجها فقهاء المذاهب بضوابط التزامها الفقيه الإمام.
وهكذا نجد: أن التخريج هو المرحلة التالية للاستنباط، فلا تخريج إلا وهو مسبوق باستنباط ....
وبذلك يتبين: أن الفتاوى على المذهب هي ضرب من التخريج الفقهي. أما نقل نفس عبارة الإمام فلا تعتبر تخريجاً.
ومن هذا المنطلق يمكن القول: أنه يجري على فقه التخريج من الضوابط والمنهجية ما يجري على فقه الاستنباط من الوقوف على مسائل الإمام هنا، كما ينبني على أدلة الإمام هنالك.
ولابد للمخرج على أقوال الأئمة من تحصيل رتبة علمية معينة تعرف عند المؤرخين الفقهاء بـ: (طبقة أصحاب التخريج) من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه عند الفقهاء الحنفية.
الباعث على فقه التخريج:
لم يجتهد أبو حنيفة وأصحابه مثلاً في كل المسائل، بل اجتهدوا في استنباط حكم ما وقع في عصرهم من أحداث، وما فرضوه من صورة لكي يطبقوا أقسيتهم على كل ما يتصور وقوعه من جنس ما ينطبق عليه علة القياس، ومهما يكن مقدار ما وقع في عصرهم من حوادث استنبطوا أحكامها، وما قدروا من أمور استخرجوا أحوالها، فلابد أن يكون في كل عصر أمور لم يكن لهم أحكام فيها.
وإن الناس يجد لهم من الأقضية بمقدار ما يحدث لهم من أحداث، ولذلك كان لابد من وجود المخرجين في المذاهب الذين يبنون على قواعده أحكام حوادث لم تقع في عصر أئمة المذهب، ولم يؤثر عنهم أحكام فيها. وقد كانت هذه الطبقة من الفقهاء بعد عصر أبي حنيفة من تلاميذ أولئك الأصحاب ومن جاء بعدهم، فقد اجتهد هؤلاء في تعرف أحكام الوقائع التي حدثت في عصورهم المختلفة، وبنوا ما استنبطوه على القواعد التي استخلصوها من مجموع الفروع المأثورة عن أبي حنيفة وأصحابه.
ونقل النووي عن أبي المعالي الجويني: أن كل ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملتحق بالمذهب.
стр. 18028
عمل المخرجين الأولين:
كان عمل المخرجين الأولين يقوم على عنصرين:
أحدهما: استخراج المناهج العامة التي تعد أصولاً للاستنباط في فقه أبي حنيفة وأصحابه.
وثانيهما: تخريج أحكام المسائل التي لم ينص عليها على ذلك.
عمل المخرجين المتأخرين:
ولما جاءت طبقات المخرجين بعد استخلاص القواعد، فكان عملهم فقط.
استخراج الأحكام للوقائع التي لم تكن قد حدثت في عصر من عصور السابقين.
ولقد سمى العلماء ما يستخرجه أولئك المخرجون من أحكام الجزئية (الواقعات، والفتاوى، والنوازل) .
وفي- هذا الصدد يقول الماتن:
وكتب ظاهر الرواية أتت
ستًّا لكل ثابت عنهم حوت
إلى أن قال:
وبعدها سائل النوازل
خرجها الأشياخ والدلائل
وهكذا، اعتبرت النوازل محور اهتمام فقهاء المذاهب بعد استقرارها.
ومن النوازل قبل استقرار المذهب حد الخمر:
قال أبو الوليد ﵁ (- ٥٢ هـ) : فلا نازلة إلا والحكم فيها قائم من القرآن، إما بنص، وإما بدليل علمه من علمه، وجهله من جهله، وهذا المعنى من الاستنباط مثل ما جاء أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر ﵁ يجلد يها أربعين إلى أن بعث إليه خالد بن الوليد يذكر له: أن الناس قد استخفوا في الخمر، وأنهم انهمكوا فيها فما ترى في ذلك؟
فقال عمر لمن حوله – كان عنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف -: ما ترون في ذلك. ما ترى يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمر المؤمنين أرى أن تجلد فيها ثمانين جلدة، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة ... وتابعه أصحابه على ذلك فقبله عمر وأخذ به لأنهم استنبطوه من الكتاب.
قال أبو الوليد ابن رشد ﵁:
والوجه في استنباطهم إياه منه: أنه لما كان الأصل المتفق عليه أن الحدود وضعت للردع والزجر عن المحارم وجب أن يرجع في حد الخمر إلى أشبه الحدود بها في القرآن، فكان ذلك حد القذف للمعنى الذي ذكره علي ﵁، فهذا وجه قول عمر بن العزيز ﵁:
تحدث للناس أقضيه بقدر ما أحدثوا من الفجور. لا أن تحدث لهم أقضية مبتدعة بالهوى خارجة عن الكتاب والسنة، وبالله التوفيق لا شريك له (١) .
- فالفقه يواكب دائماً الحياة ويرتبط بحركتها، ويزدهر بهذا الارتباط على أيدي القضاة والمفتين والمجتهدين الذي يتقون الله تعالى في بيان الأحكام، ومن أراد الوقوف على هذا الازدهار فليطلع على كتب النوازل وكتب الواقعات والفتاوى ... وفي مقدمة ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ – ٧٢٨ هـ) ، فإنك تقرأ فيها حياة كاملة بكل نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل والجغرافية؛ حيث ترى تصوير حالة العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، وتقرأ في فتاويه ومصنفاته كيف أحكم ارتباط الفقه في الحياة، بل كيف يواكب الفقه الحياة وأعاد إلى الذهن مسيرة فقهاء الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، حيث يمكن وصف هذا النموذج (بفقه الواقع) ، حيث إذا نزلت نازلة يسألون فإن لم يجدوا نصاً اجتهدوا في استخراج الحكم لها ...
ومن ذلك على سبيل المثال: الأذان يوم الجمعة ... حيث زاد عثمان – ﵁ – الأذان الأول على الزوراء، فقاس الجمعة على باقي الصلوات، وهذه نازلة ... وهذا ما واجهه الصحابة من فقه وعمل الصحابة في ذلك. وعليه مضى العمل في التابعين فمن بعدهم إلى زماننا هذا.
стр. 18029
ومن النوازل تضمين الصناع:
فالصانع إذا ادعى هلاك الذين بحوزته وليست له بينة على ذلك؛ كان في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء قبل علي يصدق، وفي عهد علي ألزمهم بالضمان وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك.
ووجه: أن الناس في عهد علي ﵁ اختلف حالهم عن حال الناس في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ فإن التزامهم بالصدق وبالحق صار أخف مما سبق، فاختلف حالهم عن ذي قبل، ومن مثل هذا استنبط العلماء قاعدة اختلاف الفتوى بسبب فساد الناس.
فقه الواقع:
وهو الحكم الشرعي الذي يلائم المكلف في حالته التي هو عليها، والواقع هو المختبر الحقيقي لدعاوى الإصلاح (١) .
يقول ابن القيم: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقته ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط به علماً (٢) .
ويمكن تسمية هذا الفقه هول العلم القاصر عند الفقهاء الذين هم قادة الأمة ومعلمو دينها، وحافظو شريعتها، وباعثو نهضتها.
فالحاجة ليست تجديداً في الإسلام وإنما التجديد يجب أن يكون في نفر من الناس يتولون شؤون الإسلام والمسلمين، لأن الأزمة في تفكيرهم، لأنهم يريدون أن يقيموا الإسلام بمقاييس ليست صالحة، والدليل على ذلك مسألة البلوغ؛ فعهد الحنفية من دلائله بلوغ الصبي ثماني عشرة سنة، وعند الفتاة سبع عشرة سنة، ورواية عن الصحابين خمس عشرة سنة (٣) .
وأما عند الشافعية فمن دلائله استكمال المولود خمس عشرة سنة قمرية (٤) ؛وهو مشترك بين الذكر والأنثى، وفي رواية أخرى تسع سنوات.
فالاختلاف بين الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي لم يكن عن تناقض، ولكن كل واحد منهما قد تناول موضوع الرشد من جانب، لأن الحكم من ذلك يصدر عن علم بطبائع البلاد وباختلاف المناخ.
ومن المعضلات – حالياً – وسببه عدم اعتماد فقه الواقع مسألة إثبات رؤية الهلال، والتي دائمًا ترافقها منافسة في النفوذ السياسي؛ فهناك من يثبت وهنا من ينفي، وتجد السباق بينهم في الاثنين معاً من الدول، حتى تعم الفوضى والكآبة عند المسلمين.
ومحور الخلاف في هذه المسألة: هل يجوز إثباته بغير الرؤيا كالحساب، فعلى سبيل المثال: رؤية الهلال في الحجاز غالباً متحققة لصفاء الجو بخلاف البلاد الشمالية الباردة، فالجو غالباً فيها غيم ولا يمكن تحقق الرؤية، فالعلماء فريقان في الجواز والمنع، ودليل المانعين قوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) (٥) ، وقوله ﵊: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ...)) (٦) ، وهذا الكلام محل إجماع العلماء السابقين.
- والفريق الآخر بجواز إثباته بالحساب، والذي ذهب إليه بعض البغداديين كالمالكية، وبعض أكابر الشافعية كما نص عليه ابن دقيق العيد (٧) ، هذا لغيره وأما لنفسه فقد قال به ابن سريج والقفال والقاضي الطبري كما نص على ذلك الرافعي (٨) .
وذكر الإمام القرافي أنه يوجد قولين في المذهب المالكي والشافعي في اعتبار الحساب وعدمه (٩) .
فالتساؤل: لماذا لا يفتى على قول أصحاب الرأي الثاني طالما كان هناك دقة في الحساب وتطور للعلم في هذا الزمان؟ وبقي أن نشير – والتي هي من لوازم فقه الواقع – إلى التدرج في التطبيق، فالتدرج في التطبيق ليس أمراً خارجاً عن الدين كما يتوهم بعضهم، ذلك أن أمر الشارع منوط بالاستطاعة، والتكليف منوط بالطاقة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
لذلك ليس من فقه الواقع مطالبة المكلف بالحد الأقصى للتكليف وهو لا يطيق الحد الأدنى، المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، وأيضاً إن العدول عن العزيمة إلى الرخصة في حالات قد تؤدي العزيمة فيها إلى تفويت مقصد الدين وإيقاع المكلف في الحرج، فإقامة الحدود واجبة ولكن في الغزو منهي عن إقامتها لخبره ﷺ : ((نهى أن تقطع الأيدي في الغزو)) (١٠) ، وسبب النهي هو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضباً (١١) ؛ ومنها أيضاً إبقاء الحالة على ما وقعت عليه، لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي كحديث البائل في المسجد (١٢) ، فإن النبي ﷺ أمر بتركه حتى يتم بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه من ذلك داء في بطنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد.
стр. 18030
وكذا بالنسبة لتأسيس البيت على قواعد إبراهيم قوله ﷺ : ((ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض)) (١) . وهذا كله لا يدرك إلا بفقه الواقع.
وكذا يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: ومالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق، قال له عمر: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة (٢) .
ولقد ذكر العز بن عبد السلام عدة أمثلة فيما يخص التدرج في الحكم (٣) :
أحدها: أن الله أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء؛ لأنه لو أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم.
الثاني: الصيام لو وجب في ابتداء الإسلام لنفروا في الدخول في الإسلام.
الثالث: تأخير وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة، لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد تنفيراً لغلبة الضنة بالأموال.
الرابع: الجهاد لو وجب في الابتداء لإبادة الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين ولكثرة الكافرين.
الخامس: القتال في الشهر الحرام لو أجل في ابتداء الإسلام لنفروا منه لشدة استعظامهم بذلك، وكذلك القتال في البلد الحرام.
السادس: القصر على أربع نسوة لو ثبت في ابتداء الإسلام لنفرت الكفار من الدخول فيه، وكذلك القصر على ثلاث طلقات، فتأخرت هذه الواجبات تأليفاً على الإسلام الذي هو أفضل واجب، ومصلحته تربو على جميع المصالح، ولمثل هذا قرر الشرع من أسلم على الأنكحة المعقودة على خلاف شرائط الإسلام، وكذلك أسقط عن المجانين ما يتلقونه من أنفسهم المؤمنين وأموالهم لأنه لو ألزمهم بذلك لنفروا من الدخول الإسلام، وكذلك بني على الإسلام غفران جميع الذنوب لأن عهدها لو بقيت بعد الإسلام لنفروا، وكذلك قال جماعة قد زنوا فأكثروا من الزنا وغيره من الكبائر لرسول الله ﷺ : إن ما تقول وتدعو إليه حسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟.