← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 18026–18065 · переход к 18031.

стр. 18026

والتخريج وفق هذا التعريف يلحق بالقياس ... الذي يتضمن نقل مثل حكم مسألة جزئية إلى أخرى لوجود شبه بينهما، ويمكن الجمع بين هذه التعريفات بالقول: وهو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم عند المخرج (١) . أو بإدخالها في عمومات نصوصه أو مفاهيمها، أو أخذها عن أفعاله أو تقريراته، بالطرق المعتد بها عنده، وشروط ذلك ودرجات هذه الأحكام. وقد يكون التخريج – وهذا هو غالب استعمال الفقهاء – بمعنى الاستنباط المقيد، أي بيان رأي الإمام في المسائل الجزئية التي لم يرد فيها عنه نص – وذلك عن طريق إلحاقها بما يشبهها من المسائل المروية عنه، أو بإدخالها تحت قاعدة من قواعدها .... والتخريج بهذا المعنى هو ما تكلم عنه الفقهاء والأصوليون في مباحث الاجتهاد. وقد يطلقون التخريج بمعنى (التعليل) ، أو توجيه الآراء المنقولة عن الأئمة وبيان مآخذهم فيها عن طريق استخراج واستنباط العلة وإضافة الحكم إليها بحسب اجتهاد المخرج، ومن هذا القبيل ما يسمى (بتخريج المناط) (٢) . وبالجملة فالتخريج بأن لا يكون المفتى به منصوصاً لأصحاب المذهب لكن المفتي أخرجه من أصوله (صاحب المذهب) . هذا ... وإن التخريج هو ملجأ الفقهاء – بعد الأئمة الأربعة وكبار تلاميذهم – في تحصيل الظن بآراء أئمة المذاهب التي يقلدونها، سواء كان ذلك بتحديد القواعد التي بنيت عليها الأحكام ... أو بالتعرف على أحكام الجزئيات ... أو النوازل الجديدة وفقاً لتلك القواعد، أو تشبيهاً لها بما ورد عنهم من آراء في وقائع جزئية أخرى، وغير ذلك من الأساليب. وفي العصر استجدت وقائع ونوازل جديدة ... وتصدى ثلة من العلماء للوقوف على أحكامها ... فرادى ومجتمعين عبر المجامع الفقهية. الفرق بين الاستنباط والتخريج: الاستنباط والتخريج عبارتان مختلفتان في المبنى ولكنهما متقاربتان في المعنى، ووجه التقارب في المعنى: أن كلا منهما ينبئ عن منهج في الاجتهاد. أما الاستنباط: فهو استخراج الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة شرعاً. أي: استفادة الحكم من الكتاب، أو السنة، أو الرأي المبني عليهما. أما التخريج: فهو تفريع أحكام المسائل المستجدة على قول إمام المذهب وأصحابه، وإن شئت قلت: مقتضى دليل الإمام.

стр. 18027

فإن قول الإمام أبي حنيفة، أو الشافعي، أو مالك، أو أحمد ﵃، يعتبر بمثابة القاعدة الشرعية التي يتفرع عليها أحكام مسائل خرجها فقهاء المذاهب بضوابط التزامها الفقيه الإمام. وهكذا نجد: أن التخريج هو المرحلة التالية للاستنباط، فلا تخريج إلا وهو مسبوق باستنباط .... وبذلك يتبين: أن الفتاوى على المذهب هي ضرب من التخريج الفقهي. أما نقل نفس عبارة الإمام فلا تعتبر تخريجاً. ومن هذا المنطلق يمكن القول: أنه يجري على فقه التخريج من الضوابط والمنهجية ما يجري على فقه الاستنباط من الوقوف على مسائل الإمام هنا، كما ينبني على أدلة الإمام هنالك. ولابد للمخرج على أقوال الأئمة من تحصيل رتبة علمية معينة تعرف عند المؤرخين الفقهاء بـ: (طبقة أصحاب التخريج) من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه عند الفقهاء الحنفية. الباعث على فقه التخريج: لم يجتهد أبو حنيفة وأصحابه مثلاً في كل المسائل، بل اجتهدوا في استنباط حكم ما وقع في عصرهم من أحداث، وما فرضوه من صورة لكي يطبقوا أقسيتهم على كل ما يتصور وقوعه من جنس ما ينطبق عليه علة القياس، ومهما يكن مقدار ما وقع في عصرهم من حوادث استنبطوا أحكامها، وما قدروا من أمور استخرجوا أحوالها، فلابد أن يكون في كل عصر أمور لم يكن لهم أحكام فيها. وإن الناس يجد لهم من الأقضية بمقدار ما يحدث لهم من أحداث، ولذلك كان لابد من وجود المخرجين في المذاهب الذين يبنون على قواعده أحكام حوادث لم تقع في عصر أئمة المذهب، ولم يؤثر عنهم أحكام فيها. وقد كانت هذه الطبقة من الفقهاء بعد عصر أبي حنيفة من تلاميذ أولئك الأصحاب ومن جاء بعدهم، فقد اجتهد هؤلاء في تعرف أحكام الوقائع التي حدثت في عصورهم المختلفة، وبنوا ما استنبطوه على القواعد التي استخلصوها من مجموع الفروع المأثورة عن أبي حنيفة وأصحابه. ونقل النووي عن أبي المعالي الجويني: أن كل ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملتحق بالمذهب.

стр. 18028

عمل المخرجين الأولين: كان عمل المخرجين الأولين يقوم على عنصرين: أحدهما: استخراج المناهج العامة التي تعد أصولاً للاستنباط في فقه أبي حنيفة وأصحابه. وثانيهما: تخريج أحكام المسائل التي لم ينص عليها على ذلك. عمل المخرجين المتأخرين: ولما جاءت طبقات المخرجين بعد استخلاص القواعد، فكان عملهم فقط. استخراج الأحكام للوقائع التي لم تكن قد حدثت في عصر من عصور السابقين. ولقد سمى العلماء ما يستخرجه أولئك المخرجون من أحكام الجزئية (الواقعات، والفتاوى، والنوازل) . وفي- هذا الصدد يقول الماتن: وكتب ظاهر الرواية أتت ستًّا لكل ثابت عنهم حوت إلى أن قال: وبعدها سائل النوازل خرجها الأشياخ والدلائل وهكذا، اعتبرت النوازل محور اهتمام فقهاء المذاهب بعد استقرارها. ومن النوازل قبل استقرار المذهب حد الخمر: قال أبو الوليد ﵁ (- ٥٢ هـ) : فلا نازلة إلا والحكم فيها قائم من القرآن، إما بنص، وإما بدليل علمه من علمه، وجهله من جهله، وهذا المعنى من الاستنباط مثل ما جاء أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر ﵁ يجلد يها أربعين إلى أن بعث إليه خالد بن الوليد يذكر له: أن الناس قد استخفوا في الخمر، وأنهم انهمكوا فيها فما ترى في ذلك؟ فقال عمر لمن حوله – كان عنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف -: ما ترون في ذلك. ما ترى يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمر المؤمنين أرى أن تجلد فيها ثمانين جلدة، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة ... وتابعه أصحابه على ذلك فقبله عمر وأخذ به لأنهم استنبطوه من الكتاب. قال أبو الوليد ابن رشد ﵁: والوجه في استنباطهم إياه منه: أنه لما كان الأصل المتفق عليه أن الحدود وضعت للردع والزجر عن المحارم وجب أن يرجع في حد الخمر إلى أشبه الحدود بها في القرآن، فكان ذلك حد القذف للمعنى الذي ذكره علي ﵁، فهذا وجه قول عمر بن العزيز ﵁: تحدث للناس أقضيه بقدر ما أحدثوا من الفجور. لا أن تحدث لهم أقضية مبتدعة بالهوى خارجة عن الكتاب والسنة، وبالله التوفيق لا شريك له (١) . - فالفقه يواكب دائماً الحياة ويرتبط بحركتها، ويزدهر بهذا الارتباط على أيدي القضاة والمفتين والمجتهدين الذي يتقون الله تعالى في بيان الأحكام، ومن أراد الوقوف على هذا الازدهار فليطلع على كتب النوازل وكتب الواقعات والفتاوى ... وفي مقدمة ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ – ٧٢٨ هـ) ، فإنك تقرأ فيها حياة كاملة بكل نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل والجغرافية؛ حيث ترى تصوير حالة العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، وتقرأ في فتاويه ومصنفاته كيف أحكم ارتباط الفقه في الحياة، بل كيف يواكب الفقه الحياة وأعاد إلى الذهن مسيرة فقهاء الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، حيث يمكن وصف هذا النموذج (بفقه الواقع) ، حيث إذا نزلت نازلة يسألون فإن لم يجدوا نصاً اجتهدوا في استخراج الحكم لها ... ومن ذلك على سبيل المثال: الأذان يوم الجمعة ... حيث زاد عثمان – ﵁ – الأذان الأول على الزوراء، فقاس الجمعة على باقي الصلوات، وهذه نازلة ... وهذا ما واجهه الصحابة من فقه وعمل الصحابة في ذلك. وعليه مضى العمل في التابعين فمن بعدهم إلى زماننا هذا.

стр. 18029

ومن النوازل تضمين الصناع: فالصانع إذا ادعى هلاك الذين بحوزته وليست له بينة على ذلك؛ كان في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء قبل علي يصدق، وفي عهد علي ألزمهم بالضمان وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. ووجه: أن الناس في عهد علي ﵁ اختلف حالهم عن حال الناس في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ فإن التزامهم بالصدق وبالحق صار أخف مما سبق، فاختلف حالهم عن ذي قبل، ومن مثل هذا استنبط العلماء قاعدة اختلاف الفتوى بسبب فساد الناس. فقه الواقع: وهو الحكم الشرعي الذي يلائم المكلف في حالته التي هو عليها، والواقع هو المختبر الحقيقي لدعاوى الإصلاح (١) . يقول ابن القيم: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقته ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط به علماً (٢) . ويمكن تسمية هذا الفقه هول العلم القاصر عند الفقهاء الذين هم قادة الأمة ومعلمو دينها، وحافظو شريعتها، وباعثو نهضتها. فالحاجة ليست تجديداً في الإسلام وإنما التجديد يجب أن يكون في نفر من الناس يتولون شؤون الإسلام والمسلمين، لأن الأزمة في تفكيرهم، لأنهم يريدون أن يقيموا الإسلام بمقاييس ليست صالحة، والدليل على ذلك مسألة البلوغ؛ فعهد الحنفية من دلائله بلوغ الصبي ثماني عشرة سنة، وعند الفتاة سبع عشرة سنة، ورواية عن الصحابين خمس عشرة سنة (٣) . وأما عند الشافعية فمن دلائله استكمال المولود خمس عشرة سنة قمرية (٤) ؛وهو مشترك بين الذكر والأنثى، وفي رواية أخرى تسع سنوات. فالاختلاف بين الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي لم يكن عن تناقض، ولكن كل واحد منهما قد تناول موضوع الرشد من جانب، لأن الحكم من ذلك يصدر عن علم بطبائع البلاد وباختلاف المناخ. ومن المعضلات – حالياً – وسببه عدم اعتماد فقه الواقع مسألة إثبات رؤية الهلال، والتي دائمًا ترافقها منافسة في النفوذ السياسي؛ فهناك من يثبت وهنا من ينفي، وتجد السباق بينهم في الاثنين معاً من الدول، حتى تعم الفوضى والكآبة عند المسلمين. ومحور الخلاف في هذه المسألة: هل يجوز إثباته بغير الرؤيا كالحساب، فعلى سبيل المثال: رؤية الهلال في الحجاز غالباً متحققة لصفاء الجو بخلاف البلاد الشمالية الباردة، فالجو غالباً فيها غيم ولا يمكن تحقق الرؤية، فالعلماء فريقان في الجواز والمنع، ودليل المانعين قوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) (٥) ، وقوله ﵊: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ...)) (٦) ، وهذا الكلام محل إجماع العلماء السابقين. - والفريق الآخر بجواز إثباته بالحساب، والذي ذهب إليه بعض البغداديين كالمالكية، وبعض أكابر الشافعية كما نص عليه ابن دقيق العيد (٧) ، هذا لغيره وأما لنفسه فقد قال به ابن سريج والقفال والقاضي الطبري كما نص على ذلك الرافعي (٨) . وذكر الإمام القرافي أنه يوجد قولين في المذهب المالكي والشافعي في اعتبار الحساب وعدمه (٩) . فالتساؤل: لماذا لا يفتى على قول أصحاب الرأي الثاني طالما كان هناك دقة في الحساب وتطور للعلم في هذا الزمان؟ وبقي أن نشير – والتي هي من لوازم فقه الواقع – إلى التدرج في التطبيق، فالتدرج في التطبيق ليس أمراً خارجاً عن الدين كما يتوهم بعضهم، ذلك أن أمر الشارع منوط بالاستطاعة، والتكليف منوط بالطاقة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . لذلك ليس من فقه الواقع مطالبة المكلف بالحد الأقصى للتكليف وهو لا يطيق الحد الأدنى، المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، وأيضاً إن العدول عن العزيمة إلى الرخصة في حالات قد تؤدي العزيمة فيها إلى تفويت مقصد الدين وإيقاع المكلف في الحرج، فإقامة الحدود واجبة ولكن في الغزو منهي عن إقامتها لخبره ﷺ : ((نهى أن تقطع الأيدي في الغزو)) (١٠) ، وسبب النهي هو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضباً (١١) ؛ ومنها أيضاً إبقاء الحالة على ما وقعت عليه، لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي كحديث البائل في المسجد (١٢) ، فإن النبي ﷺ أمر بتركه حتى يتم بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه من ذلك داء في بطنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد.

стр. 18030

وكذا بالنسبة لتأسيس البيت على قواعد إبراهيم قوله ﷺ : ((ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض)) (١) . وهذا كله لا يدرك إلا بفقه الواقع. وكذا يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: ومالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق، قال له عمر: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة (٢) . ولقد ذكر العز بن عبد السلام عدة أمثلة فيما يخص التدرج في الحكم (٣) : أحدها: أن الله أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء؛ لأنه لو أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم. الثاني: الصيام لو وجب في ابتداء الإسلام لنفروا في الدخول في الإسلام. الثالث: تأخير وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة، لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد تنفيراً لغلبة الضنة بالأموال. الرابع: الجهاد لو وجب في الابتداء لإبادة الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين ولكثرة الكافرين. الخامس: القتال في الشهر الحرام لو أجل في ابتداء الإسلام لنفروا منه لشدة استعظامهم بذلك، وكذلك القتال في البلد الحرام. السادس: القصر على أربع نسوة لو ثبت في ابتداء الإسلام لنفرت الكفار من الدخول فيه، وكذلك القصر على ثلاث طلقات، فتأخرت هذه الواجبات تأليفاً على الإسلام الذي هو أفضل واجب، ومصلحته تربو على جميع المصالح، ولمثل هذا قرر الشرع من أسلم على الأنكحة المعقودة على خلاف شرائط الإسلام، وكذلك أسقط عن المجانين ما يتلقونه من أنفسهم المؤمنين وأموالهم لأنه لو ألزمهم بذلك لنفروا من الدخول الإسلام، وكذلك بني على الإسلام غفران جميع الذنوب لأن عهدها لو بقيت بعد الإسلام لنفروا، وكذلك قال جماعة قد زنوا فأكثروا من الزنا وغيره من الكبائر لرسول الله ﷺ : إن ما تقول وتدعو إليه حسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟.

стр. 18031

فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وقال في غيرهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وإنما أمرهم في ابتداء الإسلام بإفشاء السلام وإطعام الطعام وصلة الأرحام والصدق والعفاف لأن ذلك كان ملائماً لطبائعهم حاثًّا على الدخول في الإسلام، وكذلك ألَّف ﷺ جماعة على الإسلام إلى دفعه لهم من الأموال، وامتنع عن قتل جماعة من المنافقين، وقد عرف بنفاقهم خوفاً أن يتحدث الناس بأنه أخذ في قتل أصحابه فينفروا من الدخول في الإسلام. وهذه الأحكام كلها مآلها إلى فقه الواقع، ويكون الأداء فيه من خلال مجاهدات العقل البشري والفعل البشري، فالأزمة الفكرية أو المعادلة الصعبة في العقل المسلم – إن صح التعبير – هي في الخلط بين النص الإلهي الخالد المطلق المعصوم المجرد عن حدود الزمن والمكان، وبين الاجتهاد البشري المظنون النسبي المحدد المحكوم بحدود الزمان والمكان وظروف الحال (١) . وقال الشيخ محمد الغزالي: "من أجل ذلك قرر المصلحون بعد تجارب مريرة أن الزمن من جزء من العلاج " (٢) ، والأمة اليوم بأمس الحاجة إلى هذا العلاج. فقه التنزيل: يقصد به تنزيل العلم على الوقائع الجزئية أو المسائل المستجدة والحادثة، واشتهر في الزمن الماضي بالنوازل، واشتهر بلسان العصر باسم النظريات والظواهر. وعرفه ابن القيم بأنه فهم الواجب في الواقع، وفهم الله تعالى الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، ثم يقول فمن بذل جهده استغفر وسعه في ذلك له أجرين أو أجر، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله (٣) . وهكذا يأتي ابن القيم ليطرح من جهته جدلية العلاقة بين الثابت والمتغير في النص الشرعي أو بين المقاصد الكلية الوقائع الجزئية، وليميز بين نوعين أو ثلاثة من مستويات الفقه، ففقه في نفس الأحكام الشرعية التكليفية، وفقه في نفس الوقائع وأحوال الناس ثم يذكر الثالثة فيقول: "ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب ولا يجعل الواجب مخالفاً للوقائع " (٤) . لذا أنكر على من نفى هذا العلم أو رده فقال عنهم: فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجروا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها من علمهم وعلم غيرها قطعاً: إنها حق مطابق للواقع، ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول ﷺ ، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر (٥) .

стр. 18032

بل يغور في الموضوع أكثر فيقول: "فإن ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأمارته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له (١) . إذًا فالجهل بشروط التنزيل للعلم على الوقائع المستجدة، والغفلة عن مقاصد الشرع، جعل عند متزمتي الفقهاء أن يقفوا عند حدود ظاهر النص ولا يتعداه، ويستشكل مع ذلك عدو الشريعة عن متابعة تطور الواقع ومواكبة مستجدات مشاكله، وهذا الأمر نجده متسعاً عند ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فيما يسميانه (بالسياسة الشرعية) التي تتسع عندهما لتشمل كل سياسة عادلة ممكنة، والذي يؤكد ذلك ما طرحه ابن القيم: مسؤولية رجل العلم في الفهم والفتوى، ودوره في عملية الإنقاذ بعد التراجع الأكبر، حين اعتبر العالم (المدرك لمقاصد الشرع الفقيه في التنزيل على الواقع الملتزم بتبليغ العلم المتصف به) (٢) مكلفاً بمسؤولية التوقيع عن رب العالمين، فإذا كانت الإشادة واقعة خاصة في هذا الدين بمنصب التوقيع عن الملوك فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؛ فحقيق بمن أقيم فيه ولا يكون قي صدره حرج من قول الحق والصدع به (٣) . ومحل فقه التنزيل هو في النصوص التي تتضمن متغيرات، وهي التي فيها مجال الاجتهاد أوسع وأرحب وفقاً لسببين: الأول: استنباط الحكم الملائم للواقعة، حيث يستنبط من النص الظني لا القطعي. الثاني: الاجتهاد في التطبيق على الوقائع بظروفها وملابساتها. وتعليل هذا الكلام ما قاله الشاطبي: "لأن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك: فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضاً اتباع للهوى وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق؛ فإذا لابد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان " (٤) . ويذكر في بداية كلامه عن الاجتهاد: "الاجتهاد على ضربين أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة " (٥) . والحال يحكي هذا، ومن الأمثلة: النقود الورقية؛ فالتعامل زمني النبي ﷺ كانت النقود فيه مسكوكة من الذهب والفضة بيعاً وشراء وقرضاً وقسمة وتبرعاً وإيصاءً وتحبيساً، ولكن في عصرنا الحاضر انتهى دور الذهب والفضة واستبدل العالم النقدين بالأوراق النقدية، وهذه الأوراق النقدية لا نجد نصاً من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ يتحدث عنها أو قول للفقهاء، فمسألة عدم الاعتبار كونها مساوية للذهب والفضة خطرة، فالأوجب اعتبارها، وهذا ما حدث وكان قرار المجمع الفقهي في مكة المكرمة –د- ٧ / ٢ – ١٤٠٦ هـ: أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة.

стр. 18033

وما يزيد الموضوع أكثر موضوعية هو ما كتبه العلماء في إفراد كتب الفتاوى عن الفقه أو النوازل، وهذا أكثره في الأندلس، إذ كتبت العشرات من الكتب في فقه النوازل، هذا في الزمن الماضي؛ وأما اليوم فالواقع ملئ بالنوازل والأحداث الوقائع والأفعال الطارئة التي لم تحطها النصوص ولا الاجتهادات السابقة، وخاصة أن الأمة تعيش مفاصل هامة، وهي بأمس الحاجة إلى فقه التطبيق لتنزيل المستجدات منازلها من الشرع، وتكفل لها الحياة نحو الأمل المنشود، وهذا كله يستلزم جهداً وحركة علمية عميقة كي يعطي حكماً منهجيًّا موافقاً للواقع، كي لا نجد هناك مردوداً سلبيًّا لا يحقق مصلحة أو يدرأ مفسدة. وأهمها على سبيل المثال لا الحصر: نازلة الاستنساخ؛ فالعلماء والفقهاء قالوا: استنساخ البشر مرفوض شرعاً وعقلاً وغير أخلاقي لا مبرر له (١) ، يبقى موضع استخدام هذا العلم في مجال الحيوان؛ يقول الدكتور عجيل النشمي (٢) : لا بأس به فإن الله قد سخر لنا الحيوان ننتفع به في كل ما هو نافع؛ مثل: تحسين النوع وإكثار النسل وتطيب اللحوم ونحو ذلك، على أن لا تؤدي هذه التجارب إلى تشويه الحيوان أو تعذيبه ... ويختم كلامه: إنه من السابق لأوانه الحكم القاطع في هذا الموضوع لقصور في المعلومات وتوثيقها، وهو من القضايا التي تحتاج إلى رأي مشترك يصدر من أطباء مختصين وفقهاء، وما ذكرنا محض رأي على ما ورد من معلومات في هذا الموضوع (٣) وبقي أن نؤكد فيه من القواعد والمرونة ما يمكن من استيعاب كل المستجدات، ولكن ليس معنى ذلك أن ننحني أمام بعض القضايا، فعالمية الإسلام بأحكامه وطروحاته هي المرجع والمآل. معرفة الناس أصل في الإفتاء والتخريج: إن معرفة الناس أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهاً في الأمر والنهي لم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيهاً في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وهو بجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي أن يكون فقيهاً في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله (٤) .

стр. 18034

وقال القرافي: ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي، وموضع الفتيا أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث عندهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟. وإن كان اللفظ عرفياً فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفة أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء (١) . والآن يصل بنا الكلام إلى (فقه التخريج) ، ولنبدأ بالتأريخ له فنقول وبالله التوفيق: تاريخ التخريج: التخريج في مرحلته الأولى: إن التخريج – باعتباره تفريعاً على آراء الأئمة وبيان مبنى الخلافات القائمة بينهم – كان ملازما لنشأة المذاهب الفقهية من قبل تلامذة الأئمة ثم من جاء بعدهم من العلماء ... يخرجون أحكام الوقائع الجديدة التي لم يرد بشأنها شيء عن الإمام قياساً على وقائع جزئية منصوص على حكمها من قبل الإمام، أو على قواعده والأسس التي استخدمها في الاستنباط. وبناء عليه يمكننا القول بأن محمد بن الحسن (- ١٨٩ هـ) وأبا يوسف (-١٨٢هـ) وغيرهما من تلاميذ أبي حنيفة (- ١٥٠ هـ) كانا من المخرجين على مذاهب إمامهما ... وإن كانا من المجتهدين اجتهاداً مطلقاً منتسباً. كما أن عبد الله بن وهب (-١٩٧ هـ) وعبد الرحمن بن القاسم (-١٩٢ هـ) وأشهب بن عبد العزيز القيسي (-٢٢٤ هـ) وأسد بن الفرات (٢١٣- هـ) وعبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون (- ٢٤٠هـ) من أتباع مالك ﵀ (-١٧٩ هـ) من المخرجين على مذهبه أيضاً. ومثل هؤلاء تلامذة الإمام الشافعي ﵀ (- ٢٠٤ هـ) كالحسن بن محمد الزعفراني (-٢٦٠ هـ) وأبي علي الحسن بن علي الكرابيسي (- ٢٤٥ هـ) وإسماعيل بن يحيى المزني (- ٢٦٤ هـ) وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي (-٢٣١ هـ) والربيع بن سليمان المرادي (- ٢٧٠ هـ) . - وكذلك تلامذة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (- ٢٤٠هـ) ، الذين نقلوا آراءه؛ كابنه عبد الله (٢٩٠هـ) وابنه صالح (-٢٦٦هـ) والآخرين الذين أخذوا عنه أو عن تلاميذه، كأحمد بن محمد بن عبد العزيز المروزي (-٢٧٥هـ) وأبى إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (- ٢٨٥ هـ) وأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون المعروف بالخلال (- ٣١١هـ) وأبي القاسم عمر بن حسين المزني (- ٣٤٣ هـ) . ... وغيرهم. ومن الممكن أن نلحظ هذا في سائر المذاهب الفقهية. فعلماء هذا الدور ومن جاء بعدهم جمعوا الآثار ورجحوا الروايات وخرجوا علل الأحكام واستخرجوا من شتى المسائل والفروع أصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاويهم (٢) . ومن أقدم الكتب المؤلفة في هذا الباب: (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمر قندي (- ٣٧٣ هـ) ، ثم جاء بعده أبو زيد الدبوسي (- ٤٣٠ هـ) ؛ فصنف كتابه (تأسيس النظر) منسج على منوال السمرقندي، وبعد ما يزيد على قرنين ظهر كتاب (تخريج الفروع على الأصول) لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (- ٢٥٦هـ) وقد ادعى قائلاً: حيث لم أرَ أحداً من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين من تصدى لحيازة هذا المقصود (٣) ! ولكن هذه الدعوى يخدشها ظهور الكتابين السابقين. . .

стр. 18035

وبعد ذلك جاء الأسنوي الشافعي (- ٧٧٢ هـ) في كتابه (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) . . . لكنه قصر الكلام فيه على الخلافيات داخل المذهب الشافعي ... ومن العلماء الذين أسهموا في ذلك: أبو الحسن علاء الدين بن عباس البعلي الحنبلي (- ٨٠٣ هـ) المعروف باللحام في كتابه (القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية) ، ثم جاء الفقيه محمد بن عبد الله التمرتاساني الحنفي (- ١٠٠٤هـ) فصنف كتابه الوصول إلى قواعد الأصول. وآخر ما صنف في هذا الفن كتاب (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) للدكتور مصطفى سعيد الخن حفظه الله. وكتاب: أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي للدكتور مصطفى البغا. مصادر التخريج: هي المصادر التي تؤخذ منها مذاهب الأئمة الأربعة آراؤهم ونصوصهم الصريحة، أو ما يجري مجرى نصوصهم من اقتفاء أو إيماء أو إشارة أو تنبيه على رأي أو ما شابه ذلك، مما يدخل في اصطلاحاتهم في نطاق (المنطوق) . رأي فقهاء الأحناف: أ- إن ما ورد عن الأئمة يعد من آرائهم الجارية مجرى النص والتي صححوا نسبتها إليهم. ومن أمثلتها: ١- ما رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ في شأن صلاة كسوف الشمس وقوله: إن شاؤوا صلوا ركعتين. . وإن شاؤوا صلوا أربعاً، وإن شاؤوا أكثر من ذلك، فلم يصرح الإمام أبي حنيفة بكون صلاة الكسوف نافلة ... ولكن ذلك عرف من نصه إيماء لأن كلامه يفيد التخيير، قال الكاساني (- ٥٨٧ هـ) : والتخيير يكون في النوافل لا في الواجبات (١) . وقال محمد بن الحسن: "ولا تصلى نافلة في جماعة إلا قيام رمضان وصلاة الكسوف "، قال الكاساني: فاستثنى صلاة الكسوف من الصلوات النافلة والمستثنى من جنس المستثنى منه .... فيدل على كونها نافلة ... فنص محمد لم يصرح بكونها نافلة ..... وفي مذهب الإمام أحمد ﵁ ما نسب إليه إيماء: " أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. أبو الخطاب: وأومأ إليه أحمد في رواية الأشرم وغيره. وقد سئل عن القرعة فقال: في كتاب الله في موضعين ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ، و ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] ، وهذا شرع يونس، وهذا شرع زكريا (٢) .

стр. 18036

فذكر الإمام أحمد هاتين الآيتين دون أن يعلق عليهما، يفهم منه أنه يرى حجية شرع من قبلنا، ولو لم يكن ذلك مما كان لذكرهما فائدة، فهو لم يصرح بالحجية، ولكنه أومأ إليها. ٢- التخريج على نص مفهوم الإمام: نقل الحصكفي (- ١٠٨٨ هـ) عن جملة من مصادر الحنفية ما يفيد ذلك: فعن النهر: أن مفاهيم الكتب – الأصل – حجة: بخلاف أكثر مفاهيم النصوص، وإن المفهوم معتبر في الروايات – أي عن الأئمة – اتفاقاً، وذكر أن ما يعتبر مفهوم كلامه اتفاقاً ... أقوال الصحابة ... ولكن ينبغي تقييده بما يدرك بالرأي لا مما يدرك به. ووجه ابن عابدين (-١٢٥٢هـ) ذلك في شرحه: بأن ما لا يدرك بالرأي في حكم المرفوع، والمرفوع نص، والحنفية لا يحتجون بالمفهوم في نصوص الشارع (١) ، ونصت على ذلك طائفة من كتب الحنفية. ومما مثلوا به لذلك أن المتأخرين قالوا: لو قال: ما لك على أكثر من مائة كان إقراراً بالمائة، فهذا دليل على اعتبارهم المفهوم في غير النصوص الشرعية، ومما يوضح ذلك في مفاهيم الكتب أن القدوري (- ٤٢٨ هـ) نص في الكتاب على أن "السهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها ... أو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر ". فأخذ بعض الحنفية من تقييده الجهر والإخفات بالإمام أن المنفرد لا سهو عليه في حالتي الجهر فيما يخافت فيه أو الإخفاء فيما يجهر فيه (٢) . رأي فقهاء المالكية: ذكر المقري (- ٧٥٨هـ) وهو من علماء المالكية – عدم جواز تخريج آراء الأئمة ثم نسبتها إليهم بناء على مفهوم المخالفة. قال: لا يجوز نسبة بالتخريج والإلزام بطريق المفهوم أو غير المفهوم إلى غير المعصوم عند المحققين – لإمكان الغفلة أو الفارق. أو الرجوع عن الأصل عند الإلزام التقييد بما ينفيه، أو إبداء معارض في السكوت أقوى، أو عدم اعتقاده العكس إلى غير ذلك، فلا يعتمد في التقليد ولا يعد في الخلافات (٣) .

стр. 18037

رأي فقهاء الشافعية: وفي كلام أبي إسحاق الشيرزي الشافعي (- ٤٧٦ هـ) ما يدلُّ على منع مثل هذا التخريج، ورفضه أن ينسب ذلك إلى الأئمة قال: "قول الإنسان: ما نص عليه، أو دل عليه ما يجري مجرى النص، وما لم يدل عليه – فلا يحل أن يضاف إليه، ولهذا قال الشافعي ﵀: لا ينسب إلى ساكت قول". رأي فقهاء الحنابلة: اختلفت أقوال فقهاء الحنابلة بهذا الشأن: فقد اختار المزني وابن حامد الحربي منهم، صحة نسبة ذلك إلى الإمام. وحجتهم في ذلك أن ما يذكر من قيد لابد أن تكون له فائدة، ولو لم يكن الأمر لكان ذكره لغواً. قال ابن حامد: ومع هذا فقد ثبت وتقرر أن إمامنا – أحمد بن حنبل ﵀ – وغيره من العلماء لا يأتون لكلمة من حيث الشرط إلا ولذلك فائدة، فلو كانت القضية بالشرط وعدم الشرط، سواء كان ما جاء به الفقيه من الشرط أيضاً لغواً، وهذا بعيد أن ينسب إلى أحد من العلماء (١) ، وهذا الوجه قال عنه في شرح التحرير: (هو الصحيح من المذهب) . والوجه الثاني: أنَّ مفهوم كلام الإمام لا يعد مذهباً له، ولا تصح نسبته إليه، وقد اختار ذلك أبو بكر عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال (- ٣٦٣ هـ) . ووجه قول هؤلاء: أن القيد لا يتعين للنفي فيما عداه، فقد يكون خاصاً بواقعة معينة، أو يكون القيد لحالة خرج الكلام فيها مخرج الغالب، أو لإمكان الغفلة، أو لوجود الفارق، أو الرجوع عن الأصل، أو غير ذلك من الأمور (٢) ، وينبني على ذلك أن لا تصح نسبة أي رأي له عن طريق المفهوم. أمثلة التخريج على المفهوم: ومن أمثلة التخريج عن طريق المفهوم ما أخذ من نص الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور، حيث نص على أن كل من لم يكن له شيء يفعله في طريق المسلمين ففعله فأصاب شيئاً فهو ضامن، فإن المفهوم منه انتفاء الضمان بما ينشأ عن الفعل المباح (٣) .

стр. 18038

هل لازم المذهب يعتبر من المذهب؟: لازم المذهب يطلق على حالة معينة وهي: ما إذا لم يعرف للمجتهد قول في مسألة، لكن عرف له قول في نظيرها ... اختار الزركشي – في البحر المحيط – أن الصحيح في ذلك عدم جواز التخريج (١) . وأن الأصح عدم جواز نسبة القول إلى الإمام. وعليه فإن لازم المذهب ليس بمذهب ... وهذا ما صوبه شيخ الإسلام ابن يتيمة في حالة عدم التزام صاحب المذهب (٢) . أمثلة فقهية للازم المذهب: ١- الإقالة وهل هي فسخ أو بيع: اختلف العلماء في الإقالة؛ فذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها بيع، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنها فسخ. وعند أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد فيحق ثالث (٣) . وقد ترتب على هذه الآراء لوازم مختلفة تتناسب مع تلك الآراء، فمن قال: إنها فسخ لزمته أحكام متعددة منها: جوازها قبل القبض وبعده. وعدم استحقاق الشفعة بها. وعدم حنث من حلف لا يبيع بها (٤) . ومن قال: إنها بيع لزمه: ١- أنه لا يجوز ذلك قبل القبض فيما يعتبر فيه القرض. ٢- أنها تستحقه بالشفعة. ٣- يحنث بها من حلف لا يبيع. ... كما اختلفوا في الخلع: فذهب الجمهور إلى أنه طلاق. وبه أخذ مالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وذهب الآخرون إلى أنه فسخ، وبذلك أخذ الشافعي في قوله القديم، وأحمد في رواية، وغيرهم من العلماء، وهو رأي ابن عباس من الصحابة (٥) . وهذا الخلاف يلزمه خلاف في كثير من الفروع الفقهية، فمن قال: إن الخلع طلاق يلزمه أن الخلع ينقص عدد الطلقات، وأما من قال: إن الخلع فسخ، فلا تحرم عليه حتى لو خالعها مائة مرة ...

стр. 18039

أنواع التخريج: إن المتتبع لجهود الفقهاء في التخريج يتبين له أن جهودهم في هذا الشأن تتوجه في مناهج ثلاثة: الأول: تخريج الأصول من الفروع: وهو الأساس في تأسيس علم (أصول الفقه) ، وبخاصة الأئمة الذين لم يدونوا مناهجهم في الأصول، كأبي حنيفة ومالك وأحمد ﵃. الثاني: تخريج الفروع على الأصول: وهو النمط الظاهر من كتاب تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، أو التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي، أو (القواعد والفوائد الأصولية) لابن اللحام. الثالث: تخريج الفروع على الفروع: وهو النوع الذي حظي بعناية الفقهاء والأصوليين أكثر من غيره، سواء في الكتب التي حررت فتاوى المذاهب، أو في كتب أصول الفقه ضمن مباحث الاجتهاد والتقليد .... أو في مواضع منثورة من كتب الفقه (١) . قلت: وهذا القسم هو الذي بني عليه بحثنا في فقه التخريج، والأسس التي يقوم عليها استنباط أحكام النوازل الفقهية موضوع الدراسة .... ومن الملاحظ أن الأنواع الثلاثة من التخريج تمثل نوعين معاكسين من التخريج: إحداهما: يتجه إلى تخريج القواعد والضوابط الكلية من الفروع والجزئيات. وثانيهما: يتجه على العكس من ذلك – أي إلى تخريج الفروع والجزئيات. إما ببنائها على القواعد الكلية، أو ببنائها على جزئيات مثلها (٢) . المنهجية في فقه التخريج: نهج متأخرو الفقهاء في تخريجهم: هو على النمط التالي: أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم بأقوال القوم، وأصحهم نظراً في الترجيح، فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء، أو احتاج إلى شيء، رأى فيما يحفظ من تصريحات أصحابه، فإن وجد الجواب فيها، وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه على هذه الصورة، أو أشار إلى ضمنية الكلام فاستنبط منها. وربما كان لبعض الكلام إيماء، أو اقتضاء يفهم المقصود. وربما كان للمسألة بها نظير يحمل عليها. وربما نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج، أو باليسير والحذف، فأداروا حكمه على حكمه على غير المصرح به. وربما كان له كلام لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي أنتجا جواب المسألة.

стр. 18040

وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالحد الجامع المانع؛ فيرجعون إلى أهل اللسان، ويتكلفون في تحصيل ذاتياته، وترتيب حد جامع مانع له، وضبط مبهمه، وتمييز مشكله. وربما كان كلامهم لوجهين، فينظرون في ترجيح أحد المحتملين. وربما يكون تقريب الدلائل خفياً فيبينون ذلك. وربما استدل بعض المخرجين من فعل أئمتهم وسكرتهم، ونحو ذلك. فهذا هو التخريج. ويقال له: القول المخرج لفلان كذا. ويقال: على مذهب فلان، أو على أصل فلان، أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا. ويقال لهؤلاء: المجتهدون في المذهب. وقالوا: من حفظ المبسوط كان مجتهداً ... أي: وإن لم يكن له علاقة برواية أصلاً، ولا بحديث واحد. فوقع التخريج في كل مذهب وكثر (١) . وإنما قالوا: من حفظ المبسوط. باعتباره المصنف الذي أحاط بالراجح من أقوال الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وهو من تصنيف الإمام محمد بن الحسن. وإن كانت المتون فيما بعد لضبط أقوال الإمام، وتحرير الراجح منها. ويجري على من استظهر تلك المتون ما يجري على من استظهر المبسوط. تخريج القواعد الأصولية على كلام الأئمة: هذا والتخريج غير مقتصد على تخريج الفروع على قواعد الأئمة ... بل إن القواعد الفقهية والأصولية نفسها هي من تخريجات الأصحاب، وليس ذلك مذهباً في الحقيقة. ومسائل الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله على الأصول المذكورة في كتاب (البزدوي) ونحوه أكثرها أصول مخرجة على قولهم. وقال الدهلوي: وعندي بأن الخاص مبين ولا يلحقه البيان. - وإن الزيادة على النص نسخ. - وإن العام قطعي كالخاص. - وإن الترجيح بكثرة الرواة. - وإنه لا يجب العمل بحديث غير الفقه إذا انسد باب الرأي. - وأن لا عبرة بمفهوم الشرط، والوصف أصلاً. - وأن موجب الأمر هو الوجوب ألبتة. وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام الأئمة. - وأنه لا تصح به رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه. مثاله: أنهم أصلوا: إن الخاص مبين فلا يلحقه البيان.

стр. 18041

وخرجوه من صنيع الأوائل في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ، وقوله ﷺ : ((لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع)) ، وحيث لم يقولوا بفريضة الاطمئنان في الصلاة. ولم يجعلوا الحديث المذكور بياناً للآية، فورد عليهم صنيعهم في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، ومسح ﷺ على ناصيته حيث جعلوه بياناً. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] . وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . ما يلحقه من البيان بعد ذلك – فتكلفوا الجواب كما هو مذكور في كتبهم. وإنهم أصلوا: أن العام قطعي كالخاص. وخرجوه من صنيع الأوائل في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة القرآن ". حيث لم يجعلوا الحديث مخصصاً لعموم الآية الكريمة التي تتناول مطلق القراءة. وفي قوله ﷺ : ((فيما سقت العيون العشر)) وقوله ﷺ : ((ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة)) . وكذلك أصلوا: أنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي: وخرجوه من صنيع الأوائل في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة القرآن ". حيث لم يجعلوا الحديث مخصصاً لعموم الآية الكريمة التي تتناول مطلق القراءة. وفي قوله ﷺ : ((فيما سقت العيون العشر)) ، وقوله ﷺ : ((ليس فيما دون خمسة أواق صدقة)) . وكذلك أصلوا: أنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي: وخرجوه من صنيعهم في ترك حديث المصراة، ثم ورد عليهم حديث القهقهة، وحديث عدم فساد الصوم بالأكل ناسياً، فتكلفوا الجواب (١) ، والله أعلم بالصواب. ولابد من التقرير بأن الفروع وإن لم تكن كلها منقولة عن الإمام الأعظم، لكن المشايخ خرجوا بعضها عن المنقول لا بمجرد الرأي.

стр. 18042

- كما لابد من الإشارة إلى ما كان مخرجاً على المذهب من أهل التخريج فهو داخل المذهب. وفي هذا الصدد يقول ابن عابدين: فإن فيه إحسان الظن بمشايخ المذهب (١) ، أي وإلا اتهم فقهاء المذاهب جملة بأنهم نسبوا إلى المذهب ما ليس منه، وهذا يجلون عنه وهم أهل الفضل والاجتهاد، ومؤتمنون على شرع الله تعالى، وقد وصفهم ابن قيم الجوزية بأنهم الموقعون عن الله تعالى في كتابه الموسوم: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) . تطور فقه التخريج والمصنفات الموضوعة في هذا الفن: إن المسائل المستنبطة في هذا الباب مثبوثة في كتب الفقه والأصول، كما أنه أفردت به مصنفات معينة، ومن أقدم المصنفات المتخصصة بهذا الفن التي وصلت إلينا: - رسالة وضعها أبو الحسين عبيد الله بن الحسين الكرخي المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة (- ٣٤٠ هـ) ، وإنما اقتصر فيها على ذكر (الضوابط) أو (الأصول) التي عليها مدار فروع الحنفية، وحصرها في أربعين أصلاً. وتعقبها بالشرح والتعليق الإمام نجم الدين عمر بن أحمد النسفي المتوفى سنة إحدى وستين وأربعمائة (- ٤٦١ هـ) فذكر أمثلتها، ونظائرها وشواهدها. وإنما كان عمله ذكر المثال الواحد أو مثالين على الأكثر ورفض التعارض بين الأدلة، ويبدو ذلك لدى تعليقه الأصلين، السابع والعشرين؛ ونصه: "إن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ، أو على الترجيح، والأولى أن تحمل على التأويل من جهة " (٢) . والأصل رقم: ثمانية وعشرون؛ ونصه: "إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليها، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه " (٣) .

стр. 18043

ويبدو أن النسفي لم يطلع على ما كتبه أبو زيد الدبوسي المتوفى (- ٤٣٠ هـ) ، الذي بسط الكلام في هذا الموضوع في كتابه المعروف بـ (تأسيس النظر) على الرغم من سبق الدبوسي في تاريخ الوفاة بثلاثين عاماً. وكان ذائع الصيت، وإماماً في المذهب. * من له حق التخريج عند فقهاء الأحناف: إفتاء غير المجتهد بمذهب مجتهد إفتاء تخريج، بأن لا يكون المفتى به منصوصاً لصاحب المذهب لكن المفتي أخرجه من أصوله. - ويشترط في المفتي على هذا الوجه أن يكون أهلاً للتخريج ولمعرفة ما يتوقف عليه، وهو المسمى بالمجتهد في المذهب. - وإن لم يكن غير مجتهد في المذهب لا يجوز إفتاؤه تخريجاً. وفي شرح البديع للهندي – وهو المختار عند كثير من المحققين من أصحابنا وغيرهم – فإنه نقل عن أبي يوسف وزفر وغيرهما من أئمتنا: أنه لا يجوز لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا (١) . قال ابن عابدين: فقد تحرر ... أن قول الإمام وأصحابه: لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا ... محمول على فتوى المجتهد في المذهب بطريق الاستنباط والتخريج. . وقال: والظاهر إشراك أهل الطبقة الثالثة والرابعة والخامسة في ذلك (٢) . وقال المناوي: مجتهد الفتوى قسمان: أحدهما: من جمع شرائط الاجتهاد .... وهذا لا يوجد. والثاني من ينتحل مذهب واحد من الأئمة كالشفاعي، وعرف مذهبه وصار حاذقاً فيه لا يشذ عن شيء من أصوله، فإذا سئل في حادثة، فإن عرف لصاحبه نصاً أجاب، وإلا، يجتهد فيه على مذهبه، ويخرجها على أصوله، وهذا أعز من الكبريت الأحمر (٣) . الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر (٤) ، وقد ورد بعض المآخذ على تصنيف بعض الفقهاء؛ كالإمام الدهلوي حيث أورد التقسيم التالي: ١- طبقة المجتهدين اجتهاداً مطلقاً وهي قسمان: أ- طبقة المجتهدين المستقلين، كالأئمة الأربعة. ب- طبقة المجتهدين المنتسبين، من تلاميذ الأئمة. ٢- طبقة المجتهدين في المذهب، وهم المتمكنون من تخريج الأحكام على نصوص إمامهم. ٣- طبقة مجتهدي الفتيا، وهم المتبحرون في مذهب إمامهم المتمكنون، من ترجيح قول على آخر. ٤- طبقة المقلدين صرفاً (٥) وكان لابن الصلاح (- ٦٤٣ هـ) ترتيب آخر مجمله: إن المفتين خمس طبقات، تدخل ضمن قسمين رئيسيين هما: - المفتي المستقل. - والمفتي غير المستقل. وجعل المفتي الغير مستقل أربع درجات وبذلك تكون طبقاته خمساً (٦) .

стр. 18044

وجاء بعده ابن حمدان (- ٦٩٥ هـ) وقسم الفقهاء إلى سبع طبقات متأثراً بابن الصلاح: القسم الأول: المجتهد المطلق. القسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه ... وجعل له أربعة أحوال. القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم ... القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو في مسألة وليس له الفتوى في غيرها ... * من له حق الفتوى فيما لا نص فيه في المذهب الشافعي: مجتهد التخريج: (من له حق الفتوى فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله) : - أن يكون مستقلاً بتقرير أصول إمام من أئمة الفقه بالدليل ولا يتجاوز في أدلته أصوله وقواعده، عالماً بالفقه والأصول وأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قادراً على إلحاقه من لم ينص عليه الإمام بما نص عليه بأصوله ... يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها الأحكام كما يفعل المستقل بنصوص الشارع. . . قال الإمام النووي: وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه، وعليه كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم. والعامل بفتوى هذا مقلد لإمامه لا له (١) . وسماهم الإمام السيوطي بمجتهدي التخريج (٢) . وتنطبق عليهم صفات من جعلهم ابن القيم في الدرجة الثالثة من المجتهدين وقال فيهم: وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد. مراتب المجتهدين: جاء في باب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي: قال أبو عمرو بن الصلاح: المفتون قسمان: مستقل وغيره، ومنذ دهر طويل عدم المفتي المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة. وللمفتي المنتسب أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن لا يكون مقلداً لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل، وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقته في الاجتهاد. الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً مقيّداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده. وشرطه: كونه عالماً بالفقه وأصوله، وأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض والاستنباط، قيما بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه لإمامه بأصوله. ثم يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها: كفعل المستقل بنصوص الشرع. الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها ... وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة، المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه، وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم.

стр. 18045

الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات – ولكن عنده في تقرير أدلته وتحرير أقيسته – فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين في مذهبه (١) . مجتهد الفتوى والترجيح: وهو النوع الرابع من أنواع المجتهدين، وهم الطبقة التي تلي أصحاب الوجوه، الذين لم يصلوا درجتهم في حفظ المذهب، والتمرس بأصوله وقواعده، والارتياض في الاستنباط، وغير ذلك من مسالك الاجتهاد ووسائله. إلا أنه لأن يكون المجتهد في هذه المرتبة، لابد أن يكون فقيه النفس، حافظاً للمذهب، عارفاً بأقوال الأصحاب وأوجههم،، مدركاً لتعليلاتهم وأدلتهم، متمرساً بأدلة المذهب، يتمكن من تحرير المسائل وتقريرها، وترجيح بعض الأقوال على بعضها الآخر، وتزييف الضعيف منها. قال ابن الصلاح: وهذا لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس، حافظ مذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصور ويحرر، ويمهد ويزيف ويرجح. لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب، أو الارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول ونحوها من أدلتهم. قال: وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة من المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه، وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج. وأما فتاويهم، فكانوا يتبسطون فيه تبسط أولئك أو قريباً منه، ويقيسون غير المنقول عليه، غير مقتصرين على القياس الجلي. ومنهم من جمعت فتاويه، ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب فتاوى أصحاب الوجوه (٢) . * من له حق الفتوى والتخريج عند فقهاء المالكية: رأي الشاطبي في شروط الاجتهاد: مع توفر شروط الاجتهاد لابد من التقوى المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ، والتي يعبر عنها بالحكمة ويشير إليها قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] . قال مالك: من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . وقد كره مالك كتابة العلم – يريد ما كان نحو الفتاوى – فسئل: ما الذي نصنع؟ فقال: تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون إلى الكتاب. وقال الشاطبي: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: فهم مقاصد الشريعة، والتمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (٣) . * من له حق الفتوى والتخريج عند فقهاء الحنابلة: تقسيم ابن قيم الجوزية (- ٧٥١ هـ) : جعل فيه الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام هي: المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد في مذهب من ائتم به، والمجتهد في مذهب من انتسب إليه، والمقلد تقليداً محضاً، وبذلك يكون متبعاً لابن الصلاح في منهجه، لكنه طوى إحدى الطبقات في الطبقة التي قبلها، فجعل أهل التخريج – وهم أصحاب الوجوه والطرق – وأهل الترجيح طبقة واحدة. هي طبقة المجتهد في مذهب من انتسب إليه.

стр. 18046

وسمى أهل الفتوى المقلدين تقليداً محضاً (١) . وخلاصة القول: أن المصنفين في طبقات الفقهاء اتفقت كلمتهم على أن أهل التخريج يعدون من المجتهدين، وما جاء في تقسيم ابن كمال باشا حيث نعت طبقة أهل التخريج بالمقلدين ... لم يكن معنياً به المخرجين الذين نحن بصدد الكلام عنهم، بل المخرجون – الذين هم موضوع بحثنا – هم الذين ذكرهم في الطبقة الثالثة ... وسماهم المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب (٢) . وقال: أول من وقع عن الله هو الرسول ﷺ ، وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [سورة ص: ٨٦] ، فكانت فتاويه ﷺ جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب. ثم قام بالفتوى من بعده برك الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن وجند الرحمن، أولئك أصحابه ﷺ . وقال: وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها ... فهم سادات المفتين العلماء (٣) . وقال: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من كتاب الله والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى (٤) . الإفتاء في النوازل هو التوقيع عن الله: قال ابن القيم في الإعلام: ما يشترط فيمن يوقع عن الله ورسوله: لما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه – لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ، صادقاً فيه ... وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله. فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات. وكيف هو المنصف الذي تولى بنفسه رب الأرباب، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٥٧] . وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله (٥) . الفتوى على غير مذهب الإمام. تساءل ابن القيم قائلاً: هل للمفتي المنتسب إلى الإمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟ فإن كان سالكاً سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان – وهذا هو المتبع للإمام حقيقة – فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول غيره. وإن كان مجتهداً متقيداً بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها (٦) ؛ فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه. والصواب: أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح فلا بد أن يخرج على أصول إمامه وقواعده، فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام فكل قول صحيح فهو يخرج على قاعدة الأئمة بلا ريب، فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله أن يفتي به، وبالله التوفيق.

стр. 18047

هل التخريج على قواعد الإمام بمثابة قول الإمام؟: نسبة القول المخرج للإمام: إن مجتهد المذهب قد يجتهد بالتخريج على قواعد الإمام فيلحق ما لم ينص عليه الإمام بما نص عليه. ولكن ما هو مصير هذه الأقوال المخرجة؟ هل تنسب للإمام الذي خرجت الأقوال على أصوله وقواعده، أم لا تنسب إليه، وإنما هي أقوال في المذهب تنسب لمخرجيها فقط؟ لقد جزم إمام الحرمين في (الغياثي) (١) بأن القول المخرج في المذهب منسوب للإمام، وأن المفتي إذا أفتى بتخريجه، فالمستفتي مقلد لإمامه، لا له. وقال الإمام الشيرازي في (التبصرة) : لا يجوز أن ينسب إلى الشافعي ﵁ ما يخرج على قوله، فيجعل قولا له (٢) . ثم رد الشيرازي على من قال من الأصحاب بأنه ينسب إليه. قال الشيرازي: وذلك أن قول الإنسان ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص، وما لم يقله، ولم يدل عليه، فلا يحل أن يضاف إليه. ولهذا قال الشافعي – ﵀: لا ينسب لساكت قول. وهذا الذي قاله الشيرازي هو الصحيح المعمول به في المذهب، كما قال ابن الصلاح، والنووي (٣) . قلت: ثم هذه التخريجات، وإن كانت لا تنسب للشافعي، على هذا الصحيح المختار، إلا أنها تعد من المذهب، وتعتبر وجوهاً فيه، ما دامت مستخرجة على نصوص الإمام وأصوله، ومن قبل أصحابه ومقلديه، وأما إن كانت مما اجتهد فيه صاحب الوجه، ولم يأخذه من أصل الإمام، فإما أن يوافق القواعد، وإما أن يخالفها. فإن وافق القواعد فهو من المذهب وإلا فلا. قال ابن السبكي (في الطبقات) (٤) : "القول الفصل فيما اجتهدوا فيه – أي أصحاب الوجوه – ولم يأخذوه من أصله أنه لا يعد، إلا إذا لم ينافِ قواعد المذهب، فإن نافاها لم يعد، وإن ناسبها عد، وإن لم يكن له مناسبة ولا منافاة – وقد لا يكون لذلك وجود، لإحاطة المذهب بالحوادث كلها – ففي إلحاقه بالمذهب تردد. وكل تخريج أطلقه المخرج إطلاقاً. فيظهر أن ذلك المخرج، إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيد، كالشيخ أبي حامد، والقفال، عد من المذهب. وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة، فلا يعد. وأما المزني، وبعده ابن سريج، فبين الدرجتين، لم يخرجوا خروج المحمدين، ولم يتقيدوا بقيد العراقيين والخراسانيين ". وهذا ومن التخريج ما يكون من نقل الأقوال للإمام من مسألة أخرى، كأن ينص الإمام في مسألة على حكم، ثم ينص في مسألة أخرى تشابهها على حكم يخالف الحكم الأول. فيأتي مجتهد المذهب ويخرج لكل مسألة من المسألتين قولاً من المسألة الأخرى، فيصير لكل مسألة قول منصوص عليه من قبل الإمام، وقوله مخرج من قبل الأصحاب. قال ابن الصلاح: ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه، وتارة لا يجده فيخرج على أصوله، بأن يجد دليلاً على شرط ما يحتج به إمامه، فيفتي بموجبه.

стр. 18048

فإن نص إمامه على شيء، ونص في مسألة تشبهها على خلافه، فخرج من أحدهما إلى الآخر، سمي قولاً مخرجاً. وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقًا، فإن وجده، وجد تقريرهما على ظاهرهما. ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك، لاختلافهم في إمكان الفرق. قال النووي: قلت: وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق، وقد ذكروه (١) . ومثال التخريج في الأقوال والمسائل – والأمثلة كثيرة – ما نص عليه الشافعي في الاجتهاد في الأواني، إذ نص على أنه اجتهد فيها، وغلب على ظنه طهارة أحدهما استعمله، وأراق الآخر، فإن استعمل ما غلب على ظنه طهارته، إلا أنه لم يرق الآخر، الذي غلب على ظنه نجاسته، ثم تغير اجتهاده، بأن غلب على ظنه طهارة ما ظنه نجساً ونجاسة ما ظنه طاهراً في الاجتهاد الأول. قال الشافعي: لا يعمل بالاجتهاد الثاني، لئلا ينتقض اجتهاد باجتهاد، بل يخلطان، بل يرقيهما ويتيمم ... إلا أنه في الاجتهاد في القبلة نص على أن المصلي لو اجتهد في القبلة، وغلب على ظنه أنها في جهة الغرب مثلاً، فصلى إليها، ثم تغير اجتهاده في الركعة الثانية، فغلب على ظنه أنها في جهة الشمال، أنه يغير اتجاهه في الركعة الثانية، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات، يصلي أربع ركعات إلى أربع جهات، ولم يقل فيها ما قاله في مسألة الاجتهاد في الأواني من عدم العمل بالاجتهاد الثاني. فهاتان مسألتان، متشابهتان، نص فيهما الإمام على حكمين مختلفين، في الأولى لم يجز العمل بالاجتهاد الثاني، وفي الثانية أجاز العمل به. فخرج بعض الأصحاب لكل من المسألتين قولاً من نظيرتها، ففي مسألة الاجتهاد في الأواني خرجوا لها قولاً من الاجتهاد في القبلة، فصار فيها قولان؛ قول منصوص، وهو أنه لا يجوز العمل بالاجتهاد الثاني، وقول مخرج من الاجتهاد في القبلة، وهو أنه يجوز العمل بالاجتهاد الثاني وعليه يجوز له أن يتوضأ مما غلب على ظنه طهارته بالاجتهاد الثاني. كما خرجوا من مسألة الاجتهاد في الأواني قولا إلى الاجتهاد في القبلة، فصار فيها قولان، قول منصوص يجوز له أن يعمل بالاجتهاد الثاني، حتى يصلي أربع ركعات إلى أربع جهات، وقول مخرج، لا يجوز له أن يعمل بالاجتهاد الثاني. على أن بعض الأصحاب أظهر فرقاً بين المسألتين، وبناء على ذلك منع التخريج فيهما (٢) . قال الإمام النووي: إذا أفتى المفتي بتخريجه والمستفتي مقلداً لإمامه لا له. هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثي. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره. إن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب إليه. ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه، وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلاً على شرط ما يحتج به إمامه فيفتي بموجبه، فإن نص إمامه على شيء، ونص في مسألة تشبهها على خلافه فخرج من أحدهما إلى الآخر سمي قولاً مخرجاً.

стр. 18049

وشرط هذا التخريج: أن لا يجد بين نصيه فرقاً، فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما. ويختلفون كثيراً في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق (١) . قال مسروق ﵀: جالست أصحاب محمد ﷺ فكانوا كالإخاذ (جمع إخاذة، والإخاذة الغدير) يقول: الإخاذة تروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين، والإخاذة تروي العشرة، والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض جميعاً لأصدرتهم. قال الزركشي: فرع: الأوجه المحكية عن الأصحاب هل تنسب إلى الشافعي؟. قال الزركشي في البحر: لم أرَ فيها كلاماً، ويشبه تخريجها التي قبلها يكون على طريق الترتيب، وأولى بالمنع لأنهم يخرجونها على قواعد عامة في المذهب، والقول المخرج إنما يكون في صور خاصة (٢) . ما الحكم إذا لم يعرف للمجتهد قول في المسألة؟ قال الزركشي: إذا لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن له قول في نظيرها ولم يعلم بينهما فرق؛ فهو القول المخرج فيها. التخريج حيث أمكن الفرق كما قال ابن كج والماوردي وغيرهما. - وأشار الشيخ أبو إسحاق في التبصرة إلى خلاف فيه فقال: لا يجوز على الصحيح. - ثم لا يجوز أن ينسب للشافعي ما يتخرج على قوله فيجهل قولاً له على الأصح، بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب، ولاحتمال أن يكون بينهما فرق فلا يضاف إليه مع قيام الاحتمال اعتراض والرد عليه، فإن قيل: أليس أنه ينسب إلى الله ورسوله ما يقتضيه قياس قولهما – فكذلك ينسب إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس قوله؟. قلنا: ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال: إنه قول الله ولا قول رسوله، وإنما يقال: هذا دين الله ودين رسوله. بمعنى: أن الله دل عليه، ومثله لا يصح في قول الشافعي. قاله ابن السمعاني (٣) .

стр. 18050

أقوال فقهاء الحنفية: قال صاحب الكنز: ويبطل الحد بموت المقذوف؛ لا بالرجوع والعفو. قال الشارح: أي بطل الحد لأنه لا يورث عندنا، ولا خلاف في أنه فيه حق الشرع وحق العبد، فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد. ثم إنه شرع زاجراً ومنه سمي حدًّا، والمقصود من الزواجر إخلاء العالم عن الفساد، وهذه آية حق الشرع وبكل ذلك تشهد الأحكام. فإذا تعارضت الجهتان: فالشافعي مال إلى تغليب حق العبد تقديماً لحق العبد باعتبار حاجته وغنى الشرع. ونحن صرنا إلى تغليب حق الشرع: لأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد مدعيًا به ولا كذلك عكسه، لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حق الشرع إلا نيابة. وهذا هو الأصل المشهور الذي تتفرع عليه الفروع المختلف فيها. منها: الإرث، إذ الإرث يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع، أي إنما يرث العبد حق العبد بشرط كونه مالاً أو ما يتصل بالمال كالكفالة، أو فيما ينقلب إلى المال كالقصاص، والحد ليس شيئاً منها، فيبطل بالموت. ومنها: العفو، فإنه لا يصح العفو عن المقذوف عندنا، ويصح عنه – الشافعي -. ومنها: أنه لا يجوز الاعتياض عنه، ويجري فيه التداخل، وعند الشافعي لا يجري (١) . قال ابن تيمية – من الحنابلة -: والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه، فإما أن لا يكون نص على ذلك لا بنفي ولا إثبات أو نص على نفيه. وإذا نص على نفيه؛ فإما أن يكون نص على لزومه، أو لم ينص. - فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه تلك المسألة مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين، أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر، كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء، وعنه في الاستثناء روايتان. - فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات، هل يسمى مذهباً؟ أو لا يسمى؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور. -فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلوه مذهباً له. والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهباً لهم. والتحقيق: أن هذا قياس قوله ولازم قوله، فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه، ولا أيضاً ما ليس بلازم قوله بل هو منزلة بين منزلتين، هذا حين أمكن أن لا يلازمه (٢) .

стр. 18051

ما يصح نسبته إلى صاحب المذهب في التخريج. قال الإمام الطوفي: إذا نص المجتهد على حكم مسألة لعلة بينها فمذهبه في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة كمذهبه فيها، لأن الحكم يتبع العلة فيوجد حيث وجدت، ولأن هذا قد وجد في كلام صاحب الشرع. ففي كلام المجتهدين كذلك أولى، لأن الله أوجب في سياق ذمهم بأنهم يقولون ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] . ففهمنا من ذلك تعليل وجوب الكفارة بقول المنكر والزور على جهة العقوبة، ولما قال النبي ﷺ في الهرة: ((إنها من الطوافين)) (١) ووجدت علة الطواف في غيرها جعلنا حكم الشرع في ذلك واحداً. وقد روي أن قوماً على ماء لهم، مر بهم قوم آخرون فاستسقوهم فلم يسقوهم حتى ماتوا عطشاً، فضمن عمر أصحاب الماء دياتهم، فقيل لأحمد: أتقول بهذا؟ قال: إي والله، يقول عمر ولا آخذ به. وجهه: أنه لما علل بأن عمر ﵁ قاله دل على أنه يأخذ بقول عمر وغيره من الصحابة ﵃ – في كل حكم ما لم يمنه مانع، وأن قول الصحابي عنده حجة مطلقاً (٢) . مسألة: إذا نص المجتهد على حكم مسألة ولم يبين العلة: فلا يحكم بحكم تلك المسألة في غيرها من المسائل وإن أشبهتها؛ يعني المسألة المنصوص عليها وغيرها في الصورة. وجهه: لأن ذلك إثبات مذهب له بالقياس بغير جامع، ولجواز ظهور الفرق للمجتهد لو عرضت عليه المسألة التي لم ينص على حكمها _ أي لو عرض على المجتهد المسألتان – التي نص على حكمها وغيرها لجاز أن يظهر له الفرق بينهما؛ فيثبت الحكم فيما نص عليه دون غيره، وحينئذ لا يجوز لنا أن نثبت له حكماً يجوز أن يبطله بظهور الفرق له. وإذا نص المجتهد على حكمه في مسألة وسكت عن مسألة أخرى تشبهها فلم ينص على حكم فيها. فلم يجز له أن ينقل حكم المنصوص عليها إلى المسكوت عنها.

стр. 18052

كذلك إذا نص على المسألتين بحكمين مختلفين – لم يجز أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى ويخرجه قولاً له فيها ... والأولى جواز ذلك، وقد وقع النقل والتخريج في مذهبنا (الحنابلة) ، فقال في المحرر في باب ستر العورة: "ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه وأعاد "نص عليه. - ونص فيمن حبس في موضع نجس فصلى أنه لا يعيد فيتخرج فيهما روايتان، وذلك أن طهارة الثوب والمكان كلاهما شرط في الصلاة. - وقد نص في الثوب النجس أنه لا يعيد؛ فينقل حكمه إلى المكان ويتخرج فيه مثله. - ونص في الموضع النجس على أنه لا يعيد، فينقل حكمه إلى الثوب النجس، فيتخرج فيه مثله، فلا جرم صار في كل واحدة من المسألتين روايتان: إحداهما بالنص. والأخرى بالنقل. من ذلك ما جاء في باب الوصايا: ومن وجدت له وصية بخطه عمل بها. نص عليه. - ونص فيمن كتب وصية وختمها وقال: اشهدوا بما فيها أنه لا يصح. فتخرج المسألتان على روايتين، ووجه الشبه بين المسألتين أن في كل واحدة منهما وجدت وصية بخطه، وقد نص فيهما على حكمين مختلفين فيخرج الخلاف في كل واحدة منهما بالنقل والتخريج. الفرق بين النقل والتخريج: فائدة: كثيراً ما يقع في كلام الفقهاء: في هذه المسألة قولان بالنقل والتخريج. ويقولون: يتخرج أن يكون كذا، وتتخرج على هذه المسألة، أو في هذه المسألة تخريج. فيقال: ما الفرق بين التخريج، وبين النقل والتخريج. الجواب: أن النقل والتخريج يكون من نص الإمام بأن ينقل عن محل إلى غيره بالجامع المشترك بين محلين، والتخريج يكون من قواعده الكلية. واعلم: أن التخريج أعم من النقل لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل، لأن حاصله أنه بناء فرع على أصل بجامع مشترك كتخريجنا على قاعدة: تفريق الصفقة – فروعاً كثيرة، ومع قاعدة (تكليف ما لا يطاق) أيضاً فروعاً كثيرة في أصول الفقه وفروعه. وأما النقل والتخريج: فهو مختص بنصوص الإمام (١) .

стр. 18053

فقه النوازل عند فقهاء الحنفية تعريف النوازل: هي المسائل والوقائع المستجدة والحادثة، وكانت تعرف عند فقهاء الحنفية (بواقعات المفتين) ، والواحدة منها تدعى (بواقعة الفتوى) ، وتسمى بلسان أهل العصر (بالنظريات) ، وهنالك مصنفات لكل من فقهاء الحنفية والمالكية حملت هذا الاسم منذ وقت مبكر في نشأة المذهب، حتى أناطوها (بفقه التخريج) ، لذلك وصفوا تلك المصنفات أنها في المرتبة الثالثة ... بعد كتب (ظاهر الرواية) وتعرف (بالأصل) ثم مسائل النوادر والتي إسنادها في الكتب غير ظاهري أي لم تنتقل برواية الثقاة من فقهاء المذهب، حتى قالوا: الأصول ستة في مذهب أبي حنيفة كالصحيحين في الحديث، والنوادر كالسنن الأربعة، واشتهر عنهم أن المتون كالنصوص متقدمة على ما في الشروح، وما فيها متقدم على ما في (الفتاوى) ، وهو مخلوط بآراء المتأخرين (١) . قال ابن عابدين: أعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات: الأولى: مسائل الأصول وتسمى ظاهرة الرواية، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب. الثانية: مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا لكن لا في كتب الأصل. الثالثة: الواقعات: وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية؛ وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم. وأول كتاب جمع في فتاويهم فيما بلغنا (كتاب النوازل) لأبي الليث السمر قندي (- ٣٧٣ هـ) جاء في مقدمته: "وسميته فتاوى النوازل لأنه هو تحلّى بمسائل الفتاوى "، جمع فيه فتاوى مشايخه ومشايخ شيوخه، ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخرى، كمجموع النوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد. ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة، كما في فتاوى قاضي خان وغيره، وميز بعضهم كما في محيط رضي الدين السرخسي فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول ثم النوادر، ثم الفتاوى (٢) . وقال الدهلوي: وقسم هو تخريج المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه: أنهم يفتون به على كل حال، وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه: أن يعرض المفتي على الأصول والنظائر من كلام السلف فإن وجده موافقاً لها أخذه به وإلا تركه كمحمد بن سماعة، ومحمد بن مقاتل الرازي، وعلي بن موسى القمي، ومحمد بن مسلم، وشداد بن حكم، نصير بن يحيى البلخي.

стр. 18054

وقال العلامة ابن عابدين: الفتاوى والواقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عن ذلك، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين، وهم: أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا، وهم كثيرون. فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: مثل عصام يوسف، وابن رستم، ومحمد بن سماعة، وابن سليمان الجوزجاني، وأبي حفص البخاري، ومن بعدهم: مثل محمد بن مسلمة ويحيى بن نصير والقاسم بن سلام. - وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم. . وأول كتاب جمع في فتاويهم فيما بلغنا (كتاب النوازل) لأبي الليث السمرقندي (- ٣٧٣ هـ) ، ثم جمع المشايخ بعد كتباً أخرى، وكمجموع النوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد. ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة كما في فتاوى قاضي خان والخلاصة وغيرهما، وميز بعضهم كما في كتاب المحيط لرضي الدين السرخسي فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم النوازل (١) . نعم: قد يقال إذا كانت أقوالهم روايات عنه تكون تلك القواعد له أيضاً لابتناء تلك الأقوال عليها ... وعلى هذا تكون نسبة التخريجات إلى مذهبه أقر لابتنائها على قواعده التي رجحها وبنى أقواله عليها.

стр. 18055

منهج فقهاء الأحناف في التخريج وقال في منهج فقهاء الحنفية في التخريج: إن ما خالف فيه الأصحاب إمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه إذا رجحه المشايخ المعتبرون، وكذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغير الزمان أو للضرورة ونحو ذلك لا يخرج عن مذهبه أيضاً، لأن ما رجحوه لترجيح دليله عندهم مأذون به من جهة الإمام، وكذا ما بنوه على تغير الزمان والضرورة باعتبار أنه لو كان حيًّا لقال بما قالوه – لأن ما قالوه إنما هو مبني على قواعده أيضاً – فهو مقتضى مذهبه، لكن ينبغي أن لا يقال: قال أبو حنيفة كذا إلا فيما روي عنه صريحاً. وإنما يقال فيه: مقتضى مذهب أبي حنيفة كذا ... ومثله تخريجات المشايخ بعض الأحكام من قواعده أو بالقياس على قوله. ومنه قولهم: وعلى قياس قوله بكذا يكون كذا ... فهذا كله لا يقال فيه: قال أبو حنيفة. نعم؛ يصح بأن يسمى مذهبه بمعنى أنه قال أهل مذهبه، أو مقتضى مذهبه. والظاهر أن نسبة المسائل المتخرجة إلى مذهبه أقرب من نسبة المسائل التي قال بها أبو يوسف ومحمد عليه؛ لأن (المسائل) المخرجة مبنية على قواعده وأصوله. وأما المسائل التي قال بها أبو يوسف ونحوه من أصحاب الإمام فكثير منها مبني على قواعد لهم خالفوا فيها قواعد الإمام، لأنهم لم يلتزموا قواعده كلها. ومنها: أن التخريج على كلام الفقهاء، وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل في الدين (١) . فمن كان من أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره وذهب إليه على رأي المجتهدين من التابعين، ومن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح الصحيح، ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو أثر بقدر الطاقة.

стр. 18056

ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولاً لا يفيده نفس كلام أصحابه، ولا يفهم منه أهل العرف والعلماء باللغة، ويكون بناء على تخريج مناط، أو حمل نظير المسألة عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض الآراء، ولو أن أصحابه سُئلوا عن تلك المسألة ربما يحملوا النظير على النظير لمانع، وربما ذكروا علة غير ما خرجه هو. ولا ينبغي لمخرج أن يرد حديثًا أو أثرًا اتفق عليه القوم لقاعدة استخرجها هو وأصحابه، كرد حديث المصراة، وكإسقاط سهم ذوي القربى، فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرجة ... وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فبلغ عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قاله ﷺ . ومنها: إن تتبع الآثار (السنن) لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب: أعلاها: أن يحصل له من معرفة الأحكام بالفعل أبو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكن به من جواب المستفتين في الوقائع غالباً، بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف فيه، وتخص هذه المعرفة باسم الاجتهاد. وهذا الاستعداد يحصل تارة بالإمعان في جمع الروايات وتتبعه الشاذة والفاذة منها – كما أشار إليه الإمام أحمد بن حنبل – مع ما لا ينفك منه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، وصاحب العلم بآثار السلف. ويحصل تارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه من معرفة جملة صالحة من السنن والآثار، بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الإجماع، وهذه طريقة أصحاب التخريج ... وإن لم يتكامل له الأدوات كما يتكامل للمجتهد، ولا يقبل فيه قضاء القاضي، ولا يجري فيه فتوى المفتين، وأن يترك بعض التخريجات التي سبق الناس إليها، إذا عرف عدم صحتها، ولهذا لم يزل العلماء – ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق – يصنفون ويرتبون ويخرجون ويرجحون.

стр. 18057

وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور والتخريج يتجزأ وإنما المقصود تحصيل الظن وعليه مدار التكليف (١) . ومنها زعم بعضهم، أن جميع ما يوجد في هذه الشروح الطويلة وكتب الفتاوى الضخمة هو قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يفرق بين القول المتخرج وبين ما هو قول في الحقيقة (٢) . - ولا يحصل معنى قولهم: على تخريج الكرخي كذا، وعلى تخريج الطحاوي كذا، وإن تخريجات الأصحاب ليس مذهباً في الحقيقة. وقال شاه ولي الله الدهلوي: حدث التخريج بعد القرنين الأول والثاني، غير أن أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على مذهب واحد، والتفقه والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع؛ فكان العامة منهم: إذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفتٍ وجدوه من غير تعيين مذهب. وكان خبر الخاصة: أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث وآثار الصحابة. وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدون مصرحاً ويجتهدون في المذهب ... وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أصحابهم، فيقال: فلان حنفي، وفلان شافعي (٣) . المعتزلة وفقه التخريج: ويرى شاه ولي الله الدهلوي أن أول من أظهر فقه التخريج – المعتزلة، ثم استطاب ذلك المتأخرون توسعاً وتشحيذاً لأذهان الطالبين ولو لغير ذلك والله أعلم (٤) . وهكذا يبدو وجود علاقة وثيقة بين فقه الرأي وفقه التخريج، لأن فقه الرأي حوادث معينة ويلتمس لها حكم شرعي، بينما فقه التخريج ينطلق من قواعد أصولية أو فقهية معينة، وغالباً ما تكون المسائل مستجدة لا نص على حكمها في الكتاب أو السنة أوفتاوى فقهاء الأمصار. أصالة فقه التخريج ومنهجيته: إن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل في الدين، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما. ومنهم من يقل من ذا ويكثر من ذاك، ومنهم من يكثر من ذا ويقل من ذاك.

стр. 18058

فلا ينبغي أن يهمل أمر واحد منهما بالمرة، وإنما بالحق البحت أن يطابق أحدهما بالآخر، وأن يجبر خلل كل بالآخر، وذلك قول الحسن البصري: سنتكم – والله الذي لا إله إلا هو - بينهما، بين الغالي والجافي. فمن كان من أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره وذهب إليه على رأي المجتهدين من التابعين، ومن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح الصحيح، ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو أثر بقدر الطاقة. وكما ينبغي على المحدث أن لا يتعمق بالقواعد التي أحكمها أصحابه – وليست مما نص عليه الشارع – فيرد به حديثاً أو قياساً صحيحاً لأدنى شبهة، كما فعل ابن حزم: رد حديث تحريم المعازف الشائبة الانقطاع في رواية البخاري، على أنه في نفسه متصل صحيح. ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولاً لا يفيده نفس كلام أصحابه، ولا يفهمه منه أهل العرف والعلماء باللغة، وإنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة تقليد المجتهد، ولا يتم إلا فيما يفهم من كلامه. أبو حنيفة وفقه التخريج: بمناسبة الكلام عن فقه التخريج سرعان ما يتبادر إلى الذهن تقدم مذهب الحنفية في هذا الميدان، حيث كان أبو حنيفة ﵁ كثير الالتزام، وعظيم الشأن في التخريج على مذهب إبراهيم النخعي، دقيق النظر في وجوه التخريجات، مقبلاً على الفروع أتمَّ إقبال، وإن منهجية فقه الرأي أسهمت في إثراء هذا التراث الفقهي الوافر. تلاميذ الإمام أبي حنيفة وفقه التخريج: تابع تلاميذ أبي حنيفة مسيرة إمامهم في التخريج، وخاصة محمد بن الحسن، حيث تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك، ثم رجع إلى نفسه فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة في كتابه (الحجة على أهل المدينة) وهو مطبوع متداول، فإن وافق فيها، وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسًا ضعيفاً، أو تخريجاً لينا، يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء، أو يخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف، مما يراه أجرح ما هناك (١) .

стр. 18059

منهج الصاحبين في فقه التخريج: سلك الصحابان منهج إبراهيم النخعي وأقرانه ما أمكن لهما، كما كان أبو حنيفة ﵁ يفعل ذلك، وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين: - إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم النخعي، يزاحمانه فيه. -أو يكون هناك لإبراهيم نظائره أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض، وكانت النواة الأولى في المذهب تلك المصنفات التي صنفها محمد بن الحسن، والتي جمع فيها أقوال الإمام وتلاميذه. وتواصلت جهود العلماء فتوجه أصحاب أبي حنيفة إلى تصانيف محمد ابن الحسن تلخيصاً وتقريباً أو شرحاً أو تخريجاً أو تأسيساً أو استدلالاً، ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر، وسمي ذلك مذهب أبي حنيفة، وهكذا أيضاً يتجلى لنا أثر فقه التخريج في نمو المذاهب المتبعة، مع العلم بأن أقوال الفقهاء بمثابة نصوص حيث لا نص من كتاب ولا سنة. وتابع فقهاء المذاهب مسيرة أئمتهم، إسهاماً منهم في نمو المذاهب الفقهية: إفتاء، وجدالاً، وتصنيفاً؛ كل ذلك ضمن إطار المذهب. أهل الحديث وأهل الرأي: إن من يمعن النظر في مراحل نشأة الفقه الإسلامي وتطوره من قبل استقرار المذاهب ومن بعد استقرارها، يتضح له أنه كان قوم من العلماء في عصر سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي (- ٩٦ هـ) ، والزهري (- ١٢٤ هـ) ، يخافون الخوض في الرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بُدًّا، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله ﷺ ، وتتبع آثار الصحابة والتابعين، والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم وهؤلاء يعرفون بأهل الحديث، وكانوا يقولون: لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله (١) . وفي الوقت نفسه كان هناك فئة معاصرة ترفع شعارا آخر، وربما يكون على نقيض من هذا الشعار، وهو: على الفقه بناء الدين فلابد من إشاعته.

стр. 18060

مدرسة أصحاب الرأي: وهؤلاء الفقهاء ممن عاصروا مالك وسفيان الثوري، وكانوا قوماً لا يكرهون المسائل، ولا يهابون الفتيا، ويقولون: على الفقه بناء الدين فلابد من إشاعته. وكانوا يهابون رواية حديث رسول الله ﷺ والرفع إليه، حتى قال الشعبي: على من دون النبي ﷺ أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان، كان على من دون النبي ﷺ (١) . وعن إبراهيم النخعي قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة (اكتراء الأرض بالبر) والمزابنة (بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر)) ) ، فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله ﷺ حديثاً غير هذا؟ قال: بلى، ولكن أقول: قال عبد الله: قال علقمة: أحب إلي (٢) . وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله ﷺ تربد وجهه وقال: هكذا أو نحوه، هكذا ونحوه (٣) . وأخرج الدارمي في سننه عن قرظة بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة فبعثني معهم، وقال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ : وأنا شريككم فيه (٤) . وكأن قلوب هؤلاء أميل شيء إلى أصحابهم، كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم بن عبد الله، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمة بن قيس (التابعي) ، أفقه من ابن عمر (الصحابي) . وكان عندهم من الفطانة، والحدس، وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] . وقال رسول الله صلى الله عيه وسلم: ((وكل ميسر لما خلق له)) . تأسيس النظر: من أوائل مصنفات الأحناف، التي حفلت بفقه التخريج، وتداوله العلماء وأفادوا من منهجه؛ كتاب (تأسيس النظر) للإمام أبي زيد عبيد الله بن عمر المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وقد جاء في المقدمة ما نصه: "فإني لما رأيت تصعب الأمر في تحفظ مسائل الخلاف على المتفقهة – وفقهم الله لمرضاته – وتعسر طرق استنباطها عليهم، وقصور معرفتهم على الاطلاع على حقيقة مأخذها، واشتباه مواضع الكلام عند التناظر، جمعت في كتابي هذا أحرفاً – إذا تدبر الناظر فيها وتأملها – عرف محل التنازع ومدار التناطح عند التخاصم، فيصرف عنايته إلى ترتيب الكلام، وتقوية الحجج في المواضع التي عرف أنها مدار القول، وموضع التنازع في موضع التنازع، فيسهل عليهم تحفظها، ويتيسر لهم سبيل الوصول إلى عرفان مأخذها، فأمكنهم قياس غيرها عليها ". قلت: وهذا هو تخريج المسائل الذي نعرض في هذه الدراسة، أما منهجه في التأليف فأسفرت عنه عبارته، حيث قال: وإني لما نظرت في المسائل التي اختلفت فيها الفقهاء، فوجدتها منقسمة على أقسام ثمانية: - قسم منها: خلاف بين أبي حنيفة ﵀، وبين صحابيه محمد بن الحسن، وأبي يوسف بن إبراهيم الأنصاري. - وقسم منها: خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف، وبين محمد بن الحسن رحمهم الله تعالى. - وقسم منها: خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. - وقسم منها: بين علمائنا الثلاثة: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وبين زفر رحمهم الله تعالى أجمعين.

стр. 18061

- وقسم منها: بين علمائنا وبين الإمام الأقدم مالك بن أنس ﵃. - وقسم منها: خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن، والحسن بن زياد الؤلؤي، وزفر، وبين ابن أبي ليلى. - وقسم منها: خلاف بين علمائنا الثلاثة، وبين أبي عبد الله الإمام القرشي. ثم ذكر منهجه في البيان والتفصيل فليتراجع. أمثلة من تخريج الفقهاء: وإذا اختلف الزوجان في المهر، فقال الزوج: ألف. وقالت المرأة: ألفان؛ ففي قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: يحكم مهر مثلها. وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله تعالى: القول قول الزوج إلا أن يأتي بشيء مستنكر جداً. وإذا كان الاختلاف في الألف والألفين، والمتعة لا تزيد على خمسمائة، لها نصف ما يقوله الزوج، على أنه يجوز أن يصار إلى مهر المثل قبل الطلاق، ولا يصار إلى المتعة بالطلاق، كما إذا تزوجها على ألف وكرامة: يكون لها نصف الألف بعد الطلاق، ويكون لها كمال مهر المثل قبل الطلاق إذا لم يفِ بما شرط لها من الكرامة. قال الكرخي: يتحالفان في الابتداء، ثم يحكم مهر المثل بعد ذلك. وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول: يحكم مهر المثل أولاً. فإن كان مهر مثلها ألفين أو أكثر فالقول قولهم مع يمينها، لأن الظاهر يشهد لها. وإن كان لها ألف درهم أو أقل، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن الظاهر يشهد للزوج. وإن كان مهر زوجها ألفاً وخمسمائة، فحينئذ يتحالفان ثم يقضي لها بمهر مثلها، لأن المصير إلى التحالف، وإذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بشهادة الظاهر له، وذلك في هذا الموضوع والأصح ما ذكره الكرخي (١) . وقال صاحب الهداية (-٥٩٣ هـ) في باب المهر: وإن كان مهر مثلها ألف وخمسمائة وتحالفا، وإذا حلفا تجب ألف وخمسمائة، هذا تخريج الرازي (٢) .

стр. 18062

أمثلة من تخريج الأصوليين: قال عبد العزيز البخاري في شرحه على (كشف الأسرار) : النهي عن المشروعات يقتضي بقاء مشروعيتها: وعلى هذا الأصل يخرج كلها، منها: ١- أن البيع بالخمر منهي بوصفه وهو الثمن، لأن الخمر مال غير متقوم، فصلح ثمناً من وجه دون وجه، فصار فاسداً لا باطلاً، ولا خلل في ركن العقد ولا في محله، فصار قبيحاً بوصفه، مشروعاً بأصله. ٢- وكذلك بيع الربا مشروع بأصله (أي بيع هو ربا) ، وهو وجود ركنه في محله، غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العرض، فصار فاسداً لا باطلاً. ٣- ومنها: صوم أيام التشريق حسن مشروع بأصله، وهو الإمساك لله تعالى في قوته طاعة وقربة، قبيح بوصفه، وهو الإعراض عن الضيافة الموضوعة في هذا الوقت بالصوم، فلم ينقلب بالطاعة معصية بل هو طاعة انضم إليها وصف هو معصية. ٤- ومنها: الصلاة وقت طلوع الشمس ودلوكها، مشروعة بأصلها إذ لا قبح في أركانها وشرطها، والوقت صحيح بأصله فاسد بوصفه وهو أنه منسوب إلى الشيطان، كما جاءت السنة: ((فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان)) إلا أن الصلاة لا توجد بالوقت، لأنه ظرفها لا معيارها وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة. ٥- ومنها النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة متعلق بما ليس بوصف فلم تفسد. ٦- ومنها: البيع وقت النداء. ٧- ومنها: أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة (١) . وإذا ثبت هذا الأصل، وهو: (أن النهي بحقيقته يقتضي القبح في عين ما أضيف إليه) : ١- لم تثبت حرمة المصاهرة بالزنا، لأن المصاهرة شرعت نعمة وكرامة كالنسب، فإن ثبت كرامة لبني آدم اختصوا به من بين سائر الحيوانات، وتعلق به أنواع من الكرامات من الحضانة والإرث والنفقة والولايات. ٢- وكذلك الغصب لا يفيد الملك، لأنه عوان محض، فلا يصلح سبباً في الملك، لأن الملك نعمة وكرامة. ٣- لم يكن سفر المعصية سبباً للرخصة لكونه منهيًّا عنه، لأن الرخصة نعمة شرعت لدفع الحرج، فلا يجوز أن يتعلق بالمعصية.

стр. 18063

٤- لا يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء. قال الزنجاني الشافعي (١) في مقدمة كتابه: ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبتنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غاياتها، لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، من لم يعرف أصولها لم يحط بها علماً. وقال: وحيث لم أرَ من العلماء الماضين والفقهاء المتصدين من تصدى لحيازة هذا المقصود، بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول المجردة، وعلماء الفروع بنقل المسائل المبددة، من غير تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول – أحببت أن أتحف ذوي التحقيق من الناظرين بما يسر الناظرين. فبدأت بالمسألة الأصولية التي ترد إليها الفروع في كل قاعدة، وضمنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين، ثم ردت الفروع الناشئة منها إليها. وقال الإسنوي والشافعي في مقدمة التمهيد: "وقد مهدت بكتابي هذا طريق التخريج لكل ذي مذهب، وفتحت به باب التفريع لكل ذي مطلب ". ثم دعا فقهاء المذاهب أن ينهجوا نهجه، ويسلكوا سبيله في هذا المضمار، حيث قال: "فلتستحضر أرباب المذاهب قواعدها الأصولية وتفاريعها، ثم تسلك ما سلكته فيحصل به إن شاء الله تعالى لجميعهم التمرن على تحليل الأدلة وتهذيبها، ويتهيأ لأكثر المستعدين الملازمين للنظر فيه نهاية الأرب، وغاية الطلب، وهو: تمهيد الأصول إلى مقام استخراج الفروع على قواعد الأصول، والتفريج إلى ارتقاء مقام ذوي التخريج " (٢) . وقال ابن رجب الحنبلي في مقدمة كتابه (القواعد الكبرى) : "أما بعد؛ فهذه قواعد مهمة وفوائد جمة تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مأخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد، فليمعن النظر فيه الناظر، وليوسع العذر إن اللبيب عذر، فلقد سنح بالبال على غاية من الأعجال، الارتجال أو قريباً من الارتجال في أيام يسيرة وليال، ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء من كثير صوابه " (٣) . اهـ.

стр. 18064

النوازل في فقه الشافعية قال الجويني: وإن وقعت واقعات لا نصوص لصاحب المذهب في أعيانها، فما يعرى عن النص ينقسم قسمين: أحدهما: أن يكون في معنى المنصوص عليه، ولا يحتاج في درك ذلك إلى فضل نظر وسبر غور وإمعان فكر، فلا يتصور أن يخلو عن الإحاطة بمدارك هذه المسالك من يستقل بنقل الفقه، فليلحق في هذا القسم غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه. وبيان ذلك بالمثال من ألفاظ الشارع: أن النبي ﷺ قال: ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه نصيب صاحبه)) . فالمنصوص عليه العبد، لكننا نعلم قطعاً أن الأمة المشتركة في معنى العبد الذي اتفق النص عليه ... فلا حاجة في ذلك إلى الفحص والتنقيب عن مباحث الأقيسة، فإذا جرى لصاحب المذهب مثل ذلك لم يشك المستقل بنقل مذهبه في هذا الضرب في إلحاق ما في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه. وإذا احتوى الفقيه على مذهب إمام مقدم حفظاً ودراية، واستبان أن غير المذكور ملتحق بالمذكور فيما لا يحتاج فيه إلى استشارة معانٍ واستنباط علل، فلا يكاد يشذ عن محفوظ هذا الناقل حكم واقعة في مطرد العادات. والسبب فيه: أن مذاهب الأئمة لا تخلو من كل كتاب بل في كل باب، عن جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات وما وقع منها وما لم يقع. فإن فرضت واقعة لا تحويها نصوص، ولا تضبطها حدود روابط وجوامع ضوابط، ولم تكن في معنى ما انطوت النصوص عليه (١) . * * *

стр. 18065

النوازل عند فقهاء الحنابلة الفتوى في الحادثة التي ليس فيها قول لأحد العلماء: قال ابن القيم: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال النبي ﷺ : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)) (١) . وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله، وما عرف فيه أقوال واجتهد فيه الصواب منها وعلى هذا درج السلف والخلف. والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث ... وأنت إذا تأملت الوقائع لرأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة، ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم. والحق: أن ذلك يجوز – بل يستحب أو يجب – عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم (٢) . وقال ابن القيم: ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى؟ إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده، أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد. وإن ذكرها ونسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيها وجهان: لأصحاب الإمام أحمد والشافعي: أحدهما: لا يلزم تجديد النظر، وجهه: لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكن اختلافه مع نفسه فادحاً في علمه، بل هذا من كمال علمه، ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر (٣) . * * *
следующие страницы →