كما تستند إلى الإجماع الذي لا يعرو عن أصل من كتاب وسنة على الصحيح، كما – تستند عند بعض العلماء على الاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وقول الصحابي، وشرع من قبلنا عند من يقول بهذه الأدلة الثانوية على التفصيل المعروف – في كتب الأصول، فلا نطيل به كل هذا بالنسبة للمجتهد، إلا أنه يوجد دليلان يشترك فيهما المجتهد والمقلد، وهما العرف والقياس المعتمد على تحقيق المناط؛ لهذا فلابد من كلمة تختص بهذين الدليلين.
العرف: هو ما يتعارف عليه الناس كالمعروف والعارفة، وحجية العرف مستفادة من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ، ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وفي الحديث ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ، ومن ما يستدل به لحجية العرف السنة التقريرية؛ كتقرير النبي ﷺ للناس على صنائعهم وتجاراتهم. و "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين " (١) .
وقد أقر ﷺ – القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٢) .
قال القرافي: "وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها " (٣) .
ولهذا اعتبرته المذاهب الفقهية، فقد ورد عن الأحناف رحمهم الله تعالى حمل بعضهم قوله ﵊: "الطعام بالطعام "على البر؛ لأنه كان طعامهم ذكر ذلك إمام الحرمين في البرهان (٤) .
وعن مالك أنه خصص قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بالعرف قائلاً: إن المرأة الشريفة لا ترضع بناء على العرف وهو يوجب الرضاع على غيرها (٥) .
أما الشافعي: (فالذي رآه أن عرف المخاطبين لا يوجب تخصيص لفظ الشارع) (٦) . ولكن الشافعي قد يأخذ بالعرف في ترتيب الأحكام على كلام الناس؛ قال الرافعي: "الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة وذلك عند ظهورها وشمولها وهو الأصل، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد. وقال ابن عبد السلام قاعدة الإيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة " (٧) .
أما الإمام أحمد فإنه يقول في الجائحة: "إني لا أقول في عشر ثمرات ولا في عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع"، وقال ابن قدامة أنه ظاهر المذاهب (٨) .
ما نقل يدل على أن العرف قد يكون أساساً لاستنباط الحكم فيخصص العام في دليل الاستحسان، إلا أن العرف قد يكون أساساً لتغير الفتوى، لهذا فإن العلماء فيما يتعلق بالعرف لم يفرقوا بين مجتهد ولا مقلد.
قال في مراقي السعود في تعريف الاستحسان: "أو هو تخصيص بعرف ما يعم ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم".
ومن الواضح أنهم يرون أن المقلد يتصرف طبقاً للعرف، فيمكن أن يراجع مذهب إمامه على ضوئه، بل إنه يخالف ظاهر النص بسبب اختلاف العرف الذي كان قائماً عليه على خلاف في هذه المسألة لأنه من باب تحقيق المناط، وبهذا الصدد نذكر اختلافهم في تغير العرف بالنسبة لضمان ما أتلفته الماشية، كما في حديث ناقة البراء، فإن على أهل الحوائط حفظ حوائطهم بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظ ماشيتهم بالليل، وفي حال تغير العرف بأن كان أهل الحوائط يحفظونها ليلاً وأهل الماشية يحفظونها نهاراً.
стр. 18097
قال السيوطي: "كما لو جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلاً ومواشيهم نهاراً فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام في العكس وجهان والأصح نعم " (١) .
كذلك نجد أن أبا يوسف يرى جواز معيار العد فيما معياره الوزن عند تغير العادة مع ورود النص. قال الدر المختار: "وما نص الشارع على كونه كلياً: كبر وشعير وتمر وكل وملح، أو وزنيّا: كذهب وفضة فهو كذلك لا يتغير أبداً. . . إلى قوله: لأن النص أقوى من العرف، فلا يترك الأقوى بالأدنى، وما ينص عليه حمل على العرف وعن الثاني اعتبار العرف مطلقاً ورجحه الكمال ".
قوله: ورجحه الكمال حيث قال: عقب ما ذكرناه ولا يخفى أن هذا لا يلزم أبا يوسف، لأن قصاره أنه كنصه على ذلك وهو يقول يصار إلى العرف الطارئي بعد النص بناء على أن تغير العادة يستلزم تغير النص، حتى لو كان ﷺ حيًّا نص عليه، وأطلل ابن عابدين حيث أوضح "أن النص معلول بالعرف فيكون هو المعتبر في أي زمن كان " (٢) .
قال ابن القيم في (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) : "هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ (٣) .
قال القرافي في (الأحكام) : "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهليه الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد " (٤) .
وتحقيق المناط:
والمناط: هو العلة من النوط إلى التعليق، فالحكم معلق بها تقول ناط به نوطأ؛ أي علقه قال حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
ويقال: هو منه مناط الثريا أي بعيد، وهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع علة حكم ما في محله بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع (٥) . قال في مراق السعود: تحقيق علة عليها ائتلفا في الفرع تحقيق مناط عرفاه؛ كتحقيق الطوافة في الفأرة فيحكم لها بحكم الهرة. وهو تطبيق القاعدة الشرعية المتفق عليها أو المنصوص عليها.
стр. 18098
وتحقيق المناط لا ينقطع فيه الاجتهاد إذ لا يمكن التكليف به، كما قال الشاطبي، وأمثلته كثيرة وهي التي ركز عليها الفقهاء (١) .
وقال الشاطبي: "الاجتهاد على ضربين؛ أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف، وذلك عند قيام الساعة، والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا.
فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهذا الذي لا خلاف بين الأمة في قبلوه، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله " (٢) .
فمن هو المفتي؟
قال في الدر المختار: "المفتي عند الأصوليين هو المجتهد؛ أما من يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت، وفتواه ليست بفتوى بل هو ناقل" (٣) .
وأصل المفتي في اصطلاح علماء الأصول – كما في تحرير الكمال – هو المجتهد المطلق وهو الفقيه. قال الصيرافي: هو موضوع لمن قام الناس بأمر دينهم وعلم عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها. وقال – أي السمعاني -: هو من استكمل فيه ثلاثة شرائط: الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل.
ولكن بعض العلماء في العصور المتأخرة عزفوا عن اشتراط الاجتهاد في الفتوى؛ فقال السبكي: فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب؛ إحداها: أن يصل إلى درجة الاجتهاد المقيد فيستقل بتقدير مذهب إمام معين ونصوصه أصولاً يستنبط منها، نحو ما يفعل بنصوص الشارع، وهذه صفة أصحاب الوجوه، والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فتيا هؤلاء، وأنت ترى علماء المذهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد من الفتوى أو منعوا هم أنفسهم منها؟
- الثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ للمذهب قائم بتقديره، غير أنه لم يرتضِ في التخريج والاستنباط كارتياض أولئك وقد كانوا يفتون ويخرجون، وما زال العلماء، يتدرجون حتى قال المازري في كتاب الأقضية: الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الشيوخ لها، وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب، وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها، وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها إلى غير ذلك مما بسطه المتأخرون في كتبهم وأشار إليه المتقدمون من أصحاب مالك في كثير من رواياتهم، فهذا لعدم النظر يقتصر على نقله على المذهب.
ولكنهم نزلوا درجات أخرى لعموم الجهل، فاكتفوا بمعرفة تقييد مطلقات روايات المذهب، بأن تكون المسألة موجودة في التوضيح أو في ابن عبد السلام، كما يقول الحطاب وقد أشار في مراقي السعود إلى ذلك بقوله: بذل الفقيه الوسع أن يحصل ظناً بأن ذاك حتم مثلاً فذاك للمجتهد الرديف. قال في شرحه: يعني أن الفقيه والمجتهد مترادف في عرف أهل الأصول، والفقيه في عرف الفقهاء من تجوز له الفتوى من مجتهد ومقلد. ومن تجوز له الفتوى المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد مجتهد مذهب كان أو مجتهد فتيا، وغير المجتهد إذا كان عالماً بالأصول أو جاهلاً لها بشرطه الآتي (٤) .
- وبعد أن استكمل أوصاف المجتهد المطلق الذي هو أول من تجوز له الفتوى في قائمة المفتين شرع في بيان الآخرين بقوله
: هذا هو المطلق والمقيد
منسفل الرتبة عنه يوجد
ملتزم أصول ذاك المطلق
فليس يعدوها على المحقق
مجتهد المذهب من أصوله
منصوصه أم لا حوى منقوله
وشرطه التخريج للأحكام
على نصوص ذلك الإمام
مجتهد الفتوى الذي يرجح
قولاً على قول وذاك أرجح
لجاهل الأصول أن يفتي بما
نقل مستوفي فقط وأمما
(٥)
стр. 18099
- ذلك حال تطور نظرتهم إلى المفتي من مجتهد مطلق إلى مجتهد مذهب أو فتوى، إلى فقيه النفس حافظ متبحر في الاطلاع على الروايات، عارف بتخصيص عمومها وتقييد مطلقها إلى من يكتفي بحفظ ذلك من كتاب يوثق به.
وهكذا نجد أن الفتاوى تغيرت مرجعيتها من حيث صفة القائم عليها في كونه مجتهداً مطلقاً في الصدر الأول، إلى مقلد تتفاوت رتبته بحسب الزمان، وكذلك من حيث الدليل المعتمد الذي كان كتاباً وسنة أو قياساً، إلى أن أصبح الدليل أقوال الإمام المقلد وقواعده، أو التخريج على أقواله ورواياته.
ونعني بالتخريج: القول في المسألة التي لا نص فيها للإمام، بمثل قوله في مسألة تساويها إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بينها فمذهبه في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة كمذهبه فيها.
قال في المراقي:
إن لم يكن لنحو مالك ألف
قول بذي وفي نظيرها عرف
فذلك القول هو المخرج
وقيل في الأخذ عليه حرج
وظهرت في كل مذهب إلى جانب كتب الفقه كتب الفتاوى والنوازل؛ كفتاوى السبكي وابن الصلاح في مذهب الشافعي والفتاوى الهندية وفتاوى قاضيخانه في المذهب الحنفي، وقد ذكر في (كشف الظنون) أكثر من مائة وخمسين تأليفاً من الفتاوى وفي المذهب المالكي كفتاوى ابن رشد والبرزلي وغيرهما. وسنتعرض بإشارة خاصة إليها، وإلى المذهب الحنبلي مع فتاوى ابن تيمية.
- وقد حاولت مختلف المذاهب ضبط الفتاوى عندما لم تعد من خصائص المجتهد المطلق، والفتاوى قد لا تكون نتيجة نازلة ولكنها تكون نتيجة توليد للمسائل.
وقد كان من السلف من يكره افتراض المسائل وتوليد الوقائع، وقد كانوا يسألون عن المسألة هل نزلت؟
وكان مالك يكره ذلك ويكره أرأيت؟
إلا أن أصحاب أبي حنيفة سلكوا منحى آخر في افتراض الصور الذهنية، وهكذا وسعوا جيوب الفتوى، وجروا ذيولها على مسائل وقعت وأخرى لم تقع، وربما لم تقع أبداً، إلا أنهم أثروا الفقه بتأليفهم ما سموه مسائل الأصول المروية عن الإمام وأصحابه، وقد تضمنت كتب محمد بن الحسن الستة: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الكبير والصغير، وهي التي تعرف بظاهر الرواية. وبقيت مسائل النوادر التي ليست في الكتب الستة، ولكنها في غيرها وهناك مسائل الفتاوى والواقعات التي عرضت لعلماء الأحناف من غير الطبقة الأولى، وهي ما استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهم وهلم جرًّا وهم كثيرون.
- فمن أصحابهما مثلاً: عصام وابن رستم ومحمد بن سماعة، وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت، وأول كتاب جمع في فتواهم – فيما بلغنا – كتاب (النوازل) للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر كمجموع النوازل والواقعات للناطفي (١) .
وحاول الأحناف ضبط الفتاوى، فقال صاحب تنوير الأبصار، "يفتى بقول أبي حنيفة على الإطلاق"، علق عليه ابن عابدين بقوله: أي سواء كان معه أحد أصحابه أو انفرد، لكن سيأتي قبيل الفصل أوالفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لزيادة تجربته. وعلق على قول صاحب الدر بقوله: (وهو الأصح) قائلاً: ما يأتي عن الحاوي وفي جامع الفصولين من أنه لو معه أحد صاحبيه أخذ بقوله، وإن خالفاه قيل كذلك، وقيل يخير إلا فيما كان الاختلاف بحسب تغير الزمان؛ كالحكم بظاهر العدالة وفيما أجمع المتأخرون عليه؛ كالمزارعة والمعاملة فيختار قولهما (٢) .
стр. 18100
وتوجيه هذا الكلام أن الأحكام تبتنى في كل إقليم وفي كل عصر على عرف أهله وهو مأخوذ من الفتح. (١)
وقال بعد ذلك: وفي فتاوى ابن الشلبي لا يعدل عن قول الإمام إلا إذا صرح أحد المشايخ بأن الفتوى على قول غيره، وبهذا سقط ما بحثه في البحر من علينا الفتوى بقول الإمام وإن أفتى المشايخ بخلافه، وقد اعترضه محشية الخير الرملي (٢) ، وقال في تنوير الأبصار مع الدر المختار في بيع المعدوم، ومنه بيع ما أصله غائب؛ كجزر وفجل، أو بعضه كورد وياسمين ومرصاد، وجوزه مالك لتعامل الناس وبه، أفتى بعض المشايخ عملاً بالاستسحان (٣) . "ومقدار الوزن لا يعلم بالعد كما العكس وكذا قال العلامة البركوي في أواخر الطريقة المحمدية: أنه لا حيلة فيه إلا التمسك بالرواية الضعيفة. لكن شارحها سيدي عبد الغني النابلسي بأن العمل بالضعيف مع وجود الصحيح لا يجوز، وفي الكافي الفتوى على عادة الناس" (٤) .
وقال الأحناف: إن المتون مقدمة على الشروح والشروح مقدمة على الفتاوى، والعمل على ما في المتون إذا تعارض ما في المتون والفتاوى فالمعتمد ما في المتون، كما في أنفع الوسائل، وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوى (٥) .
لكن مراجعة كتب الفتاوى؛ كالهندية وقاضيخانه، تبرز بوضوح تأثير المتأخرين في ترجيح كفة الفتاوى وما يفتى به في بلخ وخوارزمة وغيرهما. وأما المالكية فإنهم مع كراهية إمامهم رحمه الله تعالى لافتراض المسائل وتقدير الوقائع فإنهم في وقت مبكر اقتصوا آثار المدرسة العراقية الحنفية في افتراض المسائل عندما سلك أسد بن الفرات مسلك الأحناف في توليد المسائل بعد ملازمته لمحمد بن الحسن، فكان يطرح على ابن القاسم تلميذ مالك تلك المسائل فيجيبه عليها، فدون منها مدونة كبيرة عرفت باسم (الأسدية) عاد بها إلى أفريقيا وقفا أثره سحنون بن سعيد الذي راجع المدونة على ابن القاسم وصححها فأسقط الكثير وأثبت فتاوى أخرى لابن القاسم، ودون ما أملاه عليه ابن القاسم وعاد به إلى بلاده ليصبح المرجع في الفتوى لدى أمة المذهب في تونس وإفريقيا بخاصة، حيث اختصره ابن أبي زيد القيرواني في مختصره، ولخصه أبو سعيد البرادعي في تهذيبه الذي ألا اعتمده العلماء كما قال في طليحيته: واعتمدوا التهذيب للبرادعي، والمدونة في البرادعي، وقد شرحت المدونة وكثر التعليق عليها.
وإن كان أهل الأندلس أكثر اهتماماً بالعتبية وقد بينها ابن رشد في بيانه وتحصيله يراجع ابن خلدون في المقدمة.
فكانت هذه المدونات والمستخرجات وكتب ابن يونس واللخمي وابن أبي زيد وابن المواز مرجع النازل والفتاوى في أقطار الشمال الأفريقي والأندلس. إلا أن علم الفتاوى والنوازل كان له رواج كبير إلى جانب علم القضاء والتوثيق، فقد كانت لكل علم من أعلام الفقه نوازله وفتاويه الخاصة في مسائل ترد عليه، سواء في حضرة تونس أو القيروان أو فاس أو قرطبة.
ولعل أقدم النوازل بالغرب الإسلامي: نوازل القرويين ونوازل ابن رشد (الجد) وابن الحاج القرطبي ومذاهب الحكام في نوازل الأحكام لمحمد بن القاضي عياض قد جمعها من بطائق والده التي دونها تحت عنوان (أجوبة القرطبين) ، ويرى بعض الباحثين أن فتاوى القاضي عياض كانت تشكل مدونة العمل السبتي الذي كان رائداً للعمل الفاسي والعمل الرباطي والعمل السوسي والعمل التطواني الذي استفيد من نوازل في الأحكام الشرعية بتطوان للفقيه الحائك، وقد أدمجها المهدي الوزاني في نوازله الصغرى (٦) .
стр. 18101
وقد دونت هذه الفتاوى تارة مفردة أو مع غيرها كفتاوى ابن رشد، وفتاوى البرزلي تلميذ الإمام ابن عرفة وغيرهما، وقد ظهرت مؤلفات النوازل ككتاب (المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب) للإمام الونشريسي أحمد بن محمد التلمساني نزيل فاس المتوفى سنة ٩١٤هـ.
وهو جامع كبير جمع ثروة فقهية عظيمة، وكان سجلاً تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً لهذه المناطق، وذلك ما يميز كتب النوازل بصفة خاصة هو لصوقها بالحياة وغوصها في أعماق المجتمعات وبحثها عن الحلول الفقهية لمشاكل البشر المتجددة مما أنشأ علم الفتاوى بأسلوبه المميز وضوابطه التي تميز بين الراجح والمشهور وما يجري به العمل، وتقوم بعملية ترجيح بين الشيوخ، ليكون المفتي على بصيرة من أمره وجلية في تصرفه. فقالوا: إن الراجح هو ما قوي دليله، والمشهور ما كثر قائله وقيل: بترادفهما ولا بد أن يزيد نقله المشهور على الثلاثة، كما في فتاوى عليش.
ورجحوا تشهير ابن رشد على ابن يونس وتشهير ابن يونس على اللخمي وسووا بين ابن رشد وعبد الوهاب البغدادي والإمام المازري وقدموا طبقة المصريين على طبقة المدنيين، وهذه على المغاربة وهؤلاء على العراقيين من أصحاب مالك وذكروا الكتب المعتمدة والكتب الضعيفة التي لايرضى بها إلا من يرضيه ما يرضي أم الحليس.
أم الحليس لعجوز شهربة
ترضى من اللحم بعظم الرقبة
على حد استعارة النابغة الغلاوي في نظم الطليحة، وهو مع أصله نور البصر للهلالي مرجع في الترجيح والإفتاء مع إضافة والدنا – الشيخ المحفوظ في نظمه لمراتب الترجيح.
стр. 18102
إلا أن الأهم في عملية الفتوى عند المالكية هو اعتماد العمل كمرجح أقوى من الراجح والمشهور، وهو العمل الفقهي الذي أخذ أصله عن عمله أهل المدينة، فما به العمل غير المشهور مقدم في الأخذ غير مهجور. وعمل أهل المدينة عند مالك هو من السنة العملية، وقد بين مالك في رسالته إلى الليث بن سعد تمسكه بعمل أهل المدينة حيث قال منكراً على الليث: بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس في بلدنا الذي نحن فيه. . . ويضيف: وإنما الناس تبع لأهل المدينة. . . ثم يقول: فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أرَ لأحد خلافه. قال ابن القاسم وابن وهب: العمل عند مالك أقوى من الحديث.
واحتج المالكية بحديث: ((المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)) واحتجوا بأقوال الصحابة. قال القاضي عياض في المدارك: باب فضل عمل أهل المدينة وترجيحه على عمل غيرهم واقتداء السلف بهم قال زيد بن ثابت: إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة. قال ابن عمر: لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر إلى أهل المدينة لصلح الأمر، ولكنه إذا نعق ناعق اتبعه الناس. وأضاف: عن أبي بكر بن حزم: يا ابن أخي إذا وجدت أهل هذا البلد قد أجمعوا على شيء فلا يكن في قلبك شيء.
وقال ربيعة: ألف عن ألف أحب إلي من واحد على واحد.
وقد جرى في ذلك نزاع طويل معروف، وقد فصل العلامة تقي الدين ابن تيمية في هذه المسألة، فجعل ذلك على أربع مراتب.
- المرتبة الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، مثل مقدار الصاع والمد وترك صدقة الخضراوات والأحباس فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.
أما الشافعي وأحمد وأصحابهما فهو حجة عندهم بلا نزاع، كما هو حجة عند مالك وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وذكر ابن تيمية ما جرى بين مالك وأبي يوسف لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف إلى قومه وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت.
- وبعد نقل طويل يخلص إلى أن عمل أهل المدينة الذي يجري هذا المجرى حجة باتفاق المسلمين.
- المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان ﵁، فهذا حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي، وكذا ظاهر مذهب أحمد، أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها.
- المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين أو قياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ففيه نزاع؛ فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح به ولأصحاب أحمد وجهان.
وانتهى إلى قوله: فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة.
- وأما المرتبة الرابعة: فهي عمل المتأخرين بالمدينة، ورجح أنه ليس بحجة عند المحققين من أصحاب مالك ودافع شيخ الإسلام عن أهل المدينة دفاعاً قويًّا، قال في ثناياه: "وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوتت فيه مذاهب جمهور الأئمة علم بذلك أن قولهم أصح وأقوال أهل الأمصار رواية ورأيًّا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة وتارة حجة قوية وتارة مرجحاً للدليل، وليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين " (١) ، أي أكثر من مائة صفحة أجرى فيها مقارنة بين مذهب أهل المدينة وبين غيره، أثنى فيها على مالك وأصحابه، وختم ذلك بقوله: "فكذلك بيان السنة ومذهب أهل المدينة وترجيح ذلك على غيرها من مذاهب الأمصار أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الجهال للمتبعين للظن وما تهوى الأنفس والله أعلم ".
стр. 18103
وأما ابن القيم ففرق بين نقل أهل المدينة واجتهادهم، فصحح النقل ورجح به وناقش في الاجتهاد ورد كثيراً من المسائل التي تركت لها الأحاديث لمخالفتها للعمل (١) ، والذي يظهر لي والله أعلم أن عمل أهل المدينة تارة يكون عمل جميع علماء المدينة فيكتسب قوة ومكانة. وتارة يكون عمل بعضهم فيكون أضعف وقد يكون ذلك اختياراً للإمام مالك فيقتصر على كونه عملاً لأهل المدينة، وهو عمل بعضهم ويكون قوله من باب العام يراد به الخاص فقد قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "وحدثنا مصعب قال: حدثنا الداروردي إذا قال مالك وعليه أدركت أهل بلدنا وأهل العلم ببلدنا، والأمر المجمع عليه عندنا؛ فإنه يريد ربيعة بن أبي عبد الرحمن وابن هرمز" (٢) . وبهذا يمكن أن نفهم كثيراً من القضايا التي حاول العلماء ردها لوجود مخالفة بعض علماء فيها المدينة لما ذهب إليه المالكية.
ومن ناحية أخرى:
- توجد في غير مذهب مالك إشارات إلى الترجيح بالعمل دون ذكر قطر؛ ففي كتاب طبقات الحنابلة لأبي يعلى في ترجمة علي بن عثمان الحراني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها (٣) .
وفي رواية لأحمد بن حنبل لمسائل عن رفع اليدين في الصلاة، يروى عن النبي ﷺ وعن غير واحد من أصحابه: أنهم فعلوه إذا افتتح الصلاة وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع. قلت له: فبين السجدتين؟ قال: لا، قلت: فإذا أراد أن ينحط ساجداً؟ قال: لا، فقال له العباس العنبري: يا أبا عبد الله، أليس يروى عن النبي ﷺ أنه فعله؟ قال: هذه الأحاديث أقوى وأكثر (٤) .
كذلك عمل أحمد بحديث ضعيف وهو: "العرب أكفاء إلا حائكاً أو حجاماً"، فقيل لأحمد رحمه الله تعالى: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه قال: الموفق؛ أي أنه يوافق أهل العرف (٥) . وسئل الإمام أحمد عن حديث الزكاة "ومن أباها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا"فقال: ما أدري ما وجهه. وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد (٦) . مما يدل على أن الإمام كان يلتفت إلى العمل.
- أما عمل الأمصار والأخرى غير المدينة:
فهو أمر لا نجده في غير مذهب مالك إلا أن اعتبار المفتى به التي نجدها في ثنايا كلام بعض المذاهب، وقد قدمنا بعض ذلك من مذهب أبي حنيفة، واعتبار العرف في الجملة، توعز بوجود عمل ما يختلف في الزمان والمكان.
- أما متأخرو المالكية فإنهم جعلوه مصدراً من مصادر الفتوى إلى جانب الراجح والمشهور، فهو مقدم عليهما حيث يرجح به القول الضعيف، وأنكره المقري والتلمساني.
وحقيقة إجراء العمل أنه: الأخذ بقول ضعيف في القضاء والفتوى من عالم يوثق به في زمن من الأزمان، ومكان من الأمكنة، لتحقيق مصلحة أو لدرء مفسدة، وقد يكون مسايرة لعرف أو مجاراة لرأي من له الأمر.
стр. 18104
كما جرى عمل أهل قرطبة برد عمل السفيه قبل الحكم عليه بالسفه بأمر بعض الأمراء. قال في نظم العمل:
ثم بقرطبة بالرد جرى
عملهم بأمر بعض الأمرا
- إذاً فالعمل الفقهي القطري من خصائص المذهب المالكي، حيث رجحوا به الضعيف ومحوا به السقيم.
وهذه أقوال أهل المذهب في الترجيح بالعمل وفي تعريفه وأسباب جريانه وشروط إجرائه، قال الشيخ المسناوي: "وإذا جرى العمل ممن يقتدي به بمخالف المشهور لمصلحة وسبب فالواقع في كلامهم أنه يعمل بما جرى به العمل ممن يقتدى به، وإن كان مخالفاً للمشهور، وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا فالواجب الرجوع إلى المشهور، هذا هو الظاهر " (١) .
قال السجلماسي نقلاً عن ابن فرحون في تبصرته: "كثيراً ما يوجد في كتب الموثقين في المسألة ذات الأقوال الذي جرى به العمل كذا.
ونصوص المتأخرين متواطئة، على أن ذلك مما يرجح به القول المعمول به ". (انتهى وباختصار كثير) .
والمراد بالعمل بالقول حكم الأئمة به واستمرار حكمهم، قال الشيخ مصطفى في آخر باب القضاء من حاشيته نحوه قول الأجهوري في آخر باب الفلس: "إن المراد بما به القضاء ما عمل به القضاة وحكموا به فهو في جملة ما به العمل".
وإذا كان القول المعمول به راجحاً بالعمل لم يجز للقاضي ولا للمفتي العدول عنه، وإن كان ما يعدل عنه مشهوراً.
قال سيدي عيسى السجستاني في نوازله – بعد أن وجه العمل الجاري في مسألة ذكرها -: فإذا اتضح لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه، لأن مخالفة ما جرى به العمل فتنة وفساد كبير.
وفي مسائل النكاح في الدر النثير عن الشيخ أبي الحسن: أن القاضي لا يقضي بين المالكية إلا بمشهور المذهب، أو بما صحبه العمل من الموثوق بعملهم ودينهم. ففي العطف بأو فيهما دليل على أنه يقضى بالمشهور ما لم يجرِ العمل بغيره، فإن جرى بالشاذ قضى به وترك المشهور.
قال القاضي سيدي محمد المجاصي في بعض أجوبته: وخروج القاضي عن عمل أهل بلده ريبة قادحة، لكن يقتصر من العمل على ما ثبت، ويسلك المشهور فيما سواه.
وقال سيدي عبد الله في مراقي السعود:
وقدم الضعيف إن جرى عمل
به لأجل سبب قد اتصل (٢)
ومن المهم أن نعرف لماذا عدل العلماء عن المشهور والراجح إلى القول الضعيف؟ والجواب كما يقول السجلماسي في شرحه: "إن أصل العمل بالشاذ وترك المشهور الاستناد لاختيارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال لموجب ذلك كما بسطه ابن الناظم في شرح تحفة والده ومن الموجبات تبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة فيرتبط العمل بالموجب وجوداً وعدماً ولأجل ذلك يختلف باختلاف البلدان ويتبدل في البلد الواحد بتبدل الأزمان " (٣) .
стр. 18105
قلت: وما أشار إليه من تغيير العمل استناداً لاختيارات الشيوخ، يدل على أن العمل قد ينشأ عن اجتهاد ترجيحي، بمعنى أن الشيوخ قد يلاحظون ضعف مستند القول المشهور في المذهب، فيعتمد قولاً ضعيفاً قوي مستنده، وهي مسألة لم يعرج عليها كثير ممن اهتموا بالعمل قديماً وحديثانً وقد وجدت لها أمثلة من ذلك: مسألة اشتراط الخلطة لإيجاب اليمين على المدعى عليه.
وهي مسألة تعتمد على زيادة غير ثابتة في حديث: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة)) ، وقد رفض علماء الغرب الإسلامي العمل بإيجاب الخلطة، فأوجبوا اليمين بدونها، قال البناني: "واعلم أن العمل جرى بثبوت اليمين، ولو لم تثبت خلطة، قاله أبو الحسن وابن عرفة وغيرهما " (١) .
وقال الشيخ محمد المامي الموريتاني في مقدمة كتابه في عمل بلاد شنقيط الذي سماه كتاب البادية: "وما ألجأني إلى جذع نخلة هذا العلم الغريب إلا مخاض ضرورات أهل البادية وعوائدهم وهم قطر من المسلمين لهم ضرورات وعوائد والضرورات والعوائد مما تبنى عليه الأحكام "وقال: "إن اتباع نص الرواية في بعض النوازل من الجهل".
وأنشد من قصيدته (الدلفينية) التي يرد به على مخالفيه من علماء القطر:
وللنوازل أحوال وأزمنة
تنوعت مثل أحوال الأزامين
فيكشف الغم تنزيل الخلاف على
حالين أو زمني ما هو مفتون
وبعض العلماء في شنقيط لم يوافقوا على بعض ما يجري به عمل الناس، وقد ألف سيدي عبد الله صاحب مراقي السعود كتابه: (طرد الضوال والهمل عن الكروع في حياض العمل) .
فمما سلف ندري أن العمل يجري لعرف أوضرورة أو مصلحة أو ترجيح. وللعمل شروط لإجرائه، ذكرها الهلالي في نور البصر، ونظمها النابغة الغلاوي الشنقيطي في نظم الطليحية حيث قال:
شروط تقديم الذي جرى العمل
به أمور خمسة غير همل
أولها ثبوت إجراء العمل
بذلك القول بنص ما احتمل
والثاني والثالث يلزمان
معرفة الزمان والمكان
وهل جرى تعميماً أو تخصيصا
ببلد أو زمن تنصيصا
وقد يعم عمل بأمكنة
وقد يخص وكذا في الأزمنة
رابعها كون الذي أجرى العمل
أهلاً للاقتداء قولاً وعمل
وحيث لم يثبت له الأهلية
تقليده يمنع في النقلية
خامسها معرفة الأسباب
فإنها معينة في الباب
فعند جهل بعض هذي الخمس
ما العمل اليوم كمثل أمس
وقد نص الشيخ ميارة في شرحه للامية الزقاق على ثلاثة شروط؛ وهي: أن يكون العمل صدر من العلماء المقتدى بهم، وأن يثبت بشهادة العدول المثبتين في المسائل، وأن يكون جارياً على قوانين الشرع وإن كان شاذاً) (٢) .
стр. 18106
قلت: وما ذكره ميارة رحمه الله تعالى غير واضح؛ فكيف يعرف كونه موافقاً لقوانين الشرع وهو قول شاذ، إلا أن يكون أراد بالقوانين القواعد الشرعية الكلية وأصول الاستنباط، وقد استعملها ابن رشد الحفيد في ذلك حيث قال: "ونحن نذكر من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء ليكون ما يحصل من ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصاً عمن تقدمه، أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره" (١) .
وهناك استدراك آخر، وهو أنهم نصوا جميعاً: على أن المقلد الصرف لا يجوز له أن يحكم بالشاذ ولا بالقول الضعيف، بل إنه إذا عدل عن الراجح والمشهور نقض حكمه، وقد جرى العمل بهذا في حواضر الغرب الإسلامي قال صاحب عمل فاس سيدي عبد الرحمن الفاسي:
حكم قضاة الوقت بالشذوذ
ينقض لا يتم بالنفوذ
وقال السجلماسي:
ومنذ دهر وزمان انقضى
كان بإفريقية والي القضا
محجراً عليه أن لا يحكما
إلا بما شهر عند العلما
وغير ما تشهيره منقول
هو عن الحكم به معزول
ونقل في شرحه ما نقل المازوني في نوازل الجامع من درره المكنونة، وهو ما نقله ابن المشاط في قول الإمام ابن عرفة: إنما يعتبر من أحكام قضاة العصر ما لا يخالف المشهور في المذهب. وقد تبعه على هذه المقالة تلميذه الشيخ الحافظ أبو القاسم البرزلي، حيث قال: الذي جرى به العمل أن لا يحكم القاضي بغير مشهور مذهب مالك وقد وقع ذلك في زمان السيوري ففسخ حكم القاضي، ووقع في زمان الشيخ أبي القاسم الغبريني ففسخ حكم حاكم بشاذ من القول إذا لم يكن القاضي من أهل العلم والاجتهاد، لأن كل من كان مقلداً لا يعرف وجوه الترجيح لا يجوز له أن يحكم بالشاذ، وهو معزول عنه ويفسخ حكمه، وإنما يحكم بغير المشهور من القضاة من ثبتت له وجوه الترجيح. . . إلى آخر كلام البرزلي (٢) .
стр. 18107
وهذا الكلام يدل على أن الذي يجري العمل هم علماء الترجيح، ولعل بذلك يفسر قول النابغة في شروطه إجراء العمل:
رابعها كون الذي أجرى العمل
أهلاً للاقتداء قولاً وعمل
ومع إنكار أبي بكر الطرطوشي للحجر على القاضي والمفتي وتقيده بمذهب أو بقول، خلص معتبراً ذلك جهلاً من أهل قرطبة، وقال: "لا يلزم واحداً ممن يعتزى إلى مذهب، تقليد ذلك في الحكم وألف توى " (١) .
- يجب التنبيه على أن العمل لا يجري إلا في مقابل قول: فإذا وجد قول واحد فلا يقال جرى به العمل، وقد نبه على ذلك شارح العمل المطلق في توجيه رد ابن عات في الطرر على ما في المتيطية من قولها: وجرى به القضاء قال في الطرد: وقوله: "وبالأول جرى خطأ "قال السجلماسي: وبيان وجه الخطأ والله أعلم أنه لا يقال في القول معمول به إلا في مقابلة قول أهمل ولم يؤخذ به. .. فلا يقال في القول الواحد جرى العمل به (٢) . .
- العمل لا بد له من قول يعتمد عليه، فهو ترجيح من الخلاف وليس إنشاء لرأي جديد مستقل، لأن صاحبه ليس مجتهداً، ولهذا طعنوا في بعض المسائل التي جرى بها العمل، بأنها لا تستند إلى قول المذهب، وقد ردوها بذلك، فمن ذلك مسألة عقلة المدعى فيه بمجرد الدعوى التي جرى بها عمل فاس.
حيث قال سيدي عبد الرحمن الفاسي:
وكل مدع للاستحقاق
مكن من الإثبات بالإطلاق
من غير أن يشهد ذلك أحد
له فشرط ذاك ليس يعتمد
وقد رد هذا العمل أبو علي سيدي الحسن بن رحال قائلاً: إن هذا العمل لا مستند له، ولا يوجد قول في المذهب يوافقه، قال: "والعمل إنما يجري بقول وإن كان ضعيفاً".
وقالوا: إن مجرد الدعوى لا يعقل به مال أحد حتى ينضم إليه سبب شاهد عدل، أو مرجو تزكية ولطخ شهود غير عدول (٣) .
стр. 18108
وقد أشار السجلماسي إليه في نظم العمل المطلق حيث قال:
ومن أقام شاهداً أو أكثرا
غير عدول إن ذا العبد البرا
ملك له مكن مما يطلب
من وضع قيمة له ويذهب
به لبينته واللطخ في
ذا العهد عند أهل فاس منتفي (١)
وقد يجري العمل بقولين فيضطر للترجيح كمسألة من مكثت عاماً في بيت الزوجية، ويتصادقان على نفي المسيس فلها قيل: الصداق كاملاً، وقيل: لا بل نصفه، وبهما قد عملا والأول الأشهر.
- هل يعمل بالقول الضعيف الذي لم يصحبه عمل؟
أكثر العلماء يقول: إنه لا يجوز به العمل وحكى في نشر البنود الاتفاق على ذلك من أهل المذهب وغيرهم، خلافاً للقاضي (لعله الباقلاني فعند الإطلاق عند الأصوليين فهو الباقلاني، مع أنه في مراقي السعود قد يطلقه على القاضي عبد الوهاب البغدادي) إلا إذا كان العامل به مجتهداً مقيداً ورجح عنده الضعيف فيعمل به ويفتي ويحكم (٢) ، وقد ذكر ذلك الهلالي في نور البصر، ونظمه النابغة في الطليحية في أداب الفتوى حيث قال:
ولم يجز تساهل في الفتوى
بل تمنع الفتوى لغير الأقوى
وكل من يكفيه أن يوافقا
قولاً ضعيفاً لم يجد موافقا
وكل عالم بذاك عرفا
عن الفتاوى والقضاء صرفا
إلا أن البناني والدسوقي ذكرا أن منع الفتوى بالضعيف إنما هو من باب سد الذرائع؛ فتجوز الفتوى به عند الضرورة، ويجوز أن يفتي صديقه بالضعيف لأنه يتحقق ضرورته (٣) .
أما سيدي عبد الله في مراقي السعود فضبط مسألة الفتوى بالضعيف بقوله:
وذكر ما ضعف ليس للعمل
إذا ذاك عن وفاقهم قد انحظل
بل للترقي في مدارج السنا
ويحفظ المدرك من له اعتنا
ولمراعاة الخلاف المشتهر
أو المراعاة لكل ما سطر
وكونه يلجى إليه الضرر
إن كان لم يشتد فيه الخور
وثبت العزو وقد تحققا
ضراً من الضربه تعلقا
فالشروط أربعة: أن تلجئ إليه الضرورة، وأن لا يكون القول المعمول به ضعيفاً جداً، وأن تثبت نسبته إلى قائل يقتدى به علماً وورعاً، وأن تكون الضرورة محققة.
قال في الشرح: "ولذلك سدوا الذريعة، فقالوا: تمنع الفتوى بغير المشهور خوف أن لا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوماً ما "وهو كلام البناني الذي نقله عن المسناوي (٤) .
وقد اختلفت عبارات الشافعية فيما يتعلق بالقول الضعيف الذي يقابل الراجح، فقد قال الشبر ملسي في حاشيته على نهاية المحتاج: "وهو موافق في ذلك لقولهم للعمل بالراجح واجب فما اشتهر من أنه يجوز العمل لنفسه بالأوجه الضعيفة كمقابل للأصح غير صحيح".
وعلق عليه الرشيدي بقوله: "ففي فتاوى العلامة ابن حجر ﵀ ونفعنا به ما ملخصه بعد كلام أسلفه، ثم مقتضى قول الروضة وإذا اختلف متبحران في مذهب لاختلافهما في قياس أصل أمامهما، ومن هنا تتولد وجوه الأصحاب، فنقول: بأيهما يأخذ العامل فيه ما في اختلاف المجتهدين. أي فيكون الأصح التخيير أنه يجوز تقليد الوجه الضعيف في العمل، ويؤيده إفتاء البلقيني بجواز تقليد ابن سريح في الدور وأن ذلك ينفع عند الله تعالى، ويؤيده أيضاً قول السبكي في فتاويه: يجوز تقليد الوجه الضعيف في الأمر نفسه بالنسبة للعمل في حق نفسه لا الفتوى والحكم، فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه يجوز) (٥) . اهـ
стр. 18109
وقد مر عن الأحناف قول بعضهم: لا حيلة إلا العمل بالرواية الضعيفة ومنازعتهم في ذلك بقولهم: إن العمل بالقول الصحيح هو الواجب. لكن تقدم عنهم ترك قول الإمام إذا كانت فتوى الشيوخ على خلافه. ومثاله: "فإذا شرط على المزارع أو ربها الحصاد أو الدياس فسدت (المزارعة) من أيهما كان البذر في ظاهر الرواية، وفي النوازل جاز على قول الإمام الثاني رحمه الله تعالى: وعلى قول الثاني استقر الفتوى بين أئمة خوارزم. . إلى قوله: وجوزه مشايخ بلخ " (١) ، ومحل الشاهد أن عبارة استقرار الفتوى بين أئمة من خوارزم إنما هو نوع من إجراء العمل.
- فإن البحث العملي للاستفادة منها سيكون بثلاث طرق:
١ - الطريق الأول:
بدراسة الفتاوى وتصنيفها إلى مجموعات بحسب معتمد الفتوى وطريقة الاستنباط، فعلى سبيل المثال يمكن تصنيف الفتاوى إلى ثلاثة نماذج، وذلك بحسب تصنيف المفتين:
- فتاوى تعتمد الينبوع الأصلي من الكتاب والسنة والقياس وأقوال الصحابة والتابعين وتمثل هذا النموذج فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يعتمد اعتماداً واصباً على الكتاب والسنة وأقوال السلف، يصحح ويرجح ويحيي أقوالاً للصحابة والتابعين شبه مهجورة إذا ظهر له أنها أسعد بالدليل والقواعد، وهو لذلك يقرر أن الإجماع لا ينعقد بعد خلاف الصحابة، وهو مذهب أبي الخطاب والحنفية، خلافاً للقاضي وبعض الشافعية (٢) .
وقد اختلف المالكية على قولين: أحدهما الباجي في الفصول اختار فيه، أن الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف قائلاً: "فإن ذلك يكون إجماعاً تثبت الحجة به، هذا قول كثير من أصحابنا "وأنكر القول الثاني بقوة (٣) .
أما أبو الحسن بن القصار، فقد مال إلى أن الخلاف باق بعد ذكر القولين، قائلاً في مقدمته في علم الأصول: "والجيد وهو الذي يختاره شيخنا أبو بكر بن صالح الأبهري ﵀ أن الخلاف باقٍ " (٤) .
وقد نبهت على هذا، لأن كثيراً من الناس يستشكل بعض فتاوى ابن تيمية حيث يدعي البعض انعقاد إجماع في محل الخلاف وهو موضوع يجب أن يحرر وتكاد فتاوى ابن تيمية تكون المجموعة الفريدة بعد عصر المجتهدين التي ارتفعت عن التقليد وسمت عن مجرد النقل عن الأئمة إلى مرتبة الاستنباط والتصرف في الأدلة تفصيلاً لمجمل وتأويلاً لمشكل وترجيحاً عند تعارض.
- النموذج الثاني من الفتاوى هو فتاوى مجتهدي المذهب والفتيا: وهذه الطبقة تعتمد مذهب إمامها لكنها ترجح في نطاق المذهب وفي بعض النوازل تستشهد بالكتاب والسنة تعضيداً لما تذهب إليه وتتصرف تصرف المجتهدين إلا أن الغالب على هذه الطبقة أنها لا تخرج عن المذهب ولكنها تختار وتستظهر وتضع القواعد وتقسم وتقيس وتخرج وتمثل هذه الطبقة فتاوى ابن رشد وهو يلجأ إلى ذلك غالباً في قضايا يلج فيها النزاع بين جمهرة العلماء، فترفع إليه أو يرد فيها على من انتقد قوله في مسألة.
أما النموذج الثالث:
فهو طبقة المقلدين لا ترتقي في استدلالها إلى نصوص الشارع، ولكنها تعتمد على روايات المذهب وأحياناً على أقوال المتأخرين وتخريجاتهم كفتاوى قاضيخانة من الأحناف وعليش من المالكية وغيرهما وهو النموذج الشائع الفاشي في القرون الماضية.
стр. 18110
- إن هذا التصنيف سيكون مقدمة ضرورية للتعامل مع البحر المتلاطم من الأقوال والآراء التي تزخر بها فتاوى الطبقات الثلاث من المفتين للتعرف على ضوابط الفتوى بالنسبة لكل طبقة ومرجعيتها في الإفتاء.
مع أن الضوابط في مجملها لا يختلف عليها، فالمفتي يجب أن يكون عالماً ورعاً، كما قال في مراقي السعود:
وليس في فتواه مفت يتبع
إن لم يضف للدين والعلم الورع
ولكن الاختلاف في ماهية العلم المشترط في الفتوى، فالعلم بالنسبة للمجتهد هو علم بالكتاب والسنة كما قدمنا، وبالنسبة للمقلد علم بنصوص إمامه، وفي كلتا الحالتين عليه أن يكون ورعاً غير متساهل في الفتوى.
-آداب الفتيا:
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لاينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية (أي من العيش) وإلا مضغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس (١) .
-وأشار المقري إلى نصائح للمفتي تصلح أن تدرج في الضوابط:
إياك ومفهومات المدونة، فقد اختلف الناس في القول بمفهوم الكتاب والسنة، فما ظنك بكلام الناس .... إلى قوله ... ولا تفتِ إلى بالنص إلا أن تكون عارفاً بوجوه التعليل، بصيراً بمعرفة الأشباه والنظائر، حاذقاً في بعض أصول الفقه وفروعه، إما مطلقاً أو على مذهب إمام من العدوة، ولا يغرك أن ترى نفسك أو يراك الناس حتى يجتمع لك ذلك والناس العلماء واحفظ الحديث تقو حجتك، والآثار يصلح رأيك والخلاف يتسع صدرك، واعرف العربية والأصول، وشفع المنقول بالمعقول والمعقول بالمنقول (٢) .
والمراد من هذا أن الفتاوى التي تصدر عن فقهاء هذا الزمن، على أصحابها أن يصنفوها في إحدى الطبقات حتى يلتزموا بالضوابط الشرعية لكل طبقة، فعندما يقيس المفتي عليه أن يلتزم بشروط القياس، وعندما يقلد قولاً عليه أن يقلد القول الصحيح، وعندما يقلد الضعيف عليه أن يبين سبب ذلك.
إن فتاوى أهل زماننا بحاجة إلى التأصيل على ضوء أصول فتاوى الأولين. انطلاقاً من مجموع الضوابط والشروط التي وضعها العلماء، سواء في العصور الأولى لازدهار الاجتهاد، أو تلك التي وصلوا إليها للضرورة والحاجة، عندما أجازوا قضاء المقلد وفتواه بشرط أن يحكم بالراجح والمشهور وما عليه العمل بشروط، أو ما به الفتوى الذي يوازي عند غير المالكية العمل عند المالكية. كما أن الفتوى بالضعيف للضرورة التي ليست ضرورة بالمعنى الفقهي، وهي الأمر الذي إذا لم يرتكبه المضطر هلك أو قارب الهلاك، فهذه تبيح المحرم، ولا يحتاج إلى قول لتستند عليه. لكن الضرورة التي تعم الحاجة وهو تعبير مستفيض في كلام الفقهاء.
٢- الطريق الثاني:
هو البحث عن القواعد والضوابط والأسس التي أقام عليها المفتون أحاكمهم وفتاويهم في مختلف العصور، وهي قواعد تنير دروب تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة، فقد كانت القواعد والمبادئ العامة خير معين على مقارعة صعاب النوازل، وتقويم اعوجاج ملتويات المسائل، وهذه القواعد تتعلق برفع الحرج: المشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع وجلب المصالح ودرء المفاسد ونفي الضرر وارتكاب أخف الضررين والنظر في المآلات، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وسد الذرائع وتحكيم العرف، وتحقيق المناط، والإذن في العقود، وفي مدونات الفتاوى تطبيق حي للقواعد والضوابط على الواقعات نقتطف منه بعض الأمثلة:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه نصاً أو قياساً " (٣) .
وقد قال الشاطبي: "إن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يدل دليل على خلافه ".
стр. 18111
وسئل الشاطبي ﵀ عن الاشتراك في الألبان وخلطها لإخراج الزبد والجبن فتختلف النسبة ويجهل التساوي، فقال: إنه لا يعرف فيه نصاً بعينه ولكنه أجازه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وذلك في شأن الأيتام واعتبر هذا النوع من الشركة من المخالطة رفعاً للحرج واغتفر للغرر اليسير والربا اليسير قائلاً: "وله نظائر في الشرع كبيع العارية بخرصها تمراً، أو رد القيراط على الدرهم في البيع "وبناها على الرفق ودفع الحرج (ولا حرج في الدين) .
وذلك ما في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك: "عن معاصر زيت الجلجلان والفجل، يأتي هذا بأرادب، وهذا بأخرى، حتى يجتمعوا فيه فيعصرون جميعها، فقال مالك) : إنما يكره هذا، لأن بعضه يخرج أكثر بعض، فإذا احتاج الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفاً، لأن الناس لابد لهم مما يصلحهم والشيء الذي لا يجدون عنه بدًّا، فأرجو أن يكون لهم في ذلك سعة إن شاء الله – ولا أرى به بأساً. قال: والزيتون مثل ذلك ".
"قال ابن رشد: خففه للضرورة إلى ذلك، إذ لا يتأتى عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدة مراعاة لقول من يجيز التفاضل في ذلك من أهل العلم، قال: وهذا من نحو إجازتهم للناس خلط أذهابهم في الضرب بعد تصفيتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت من الضرب أخذ كل منهم على حسب ذهبه وأعطى الضراب أجرته " (١)
- إنها أمثلة لتطبيق قاعدة رفع الحرج، والتخفيف فيما يصلح الناس في مقابل المزابنة المحرمة بالنص، وقد ذكر ذلك في مقابل قاعدة الشك في التماثل كتحقيق التفاضل.
وفي جواب لسيدي محمد بن مرزوق في مسألة مقدار الدراهم اليسيرة التي يبيعها الحاضن هل هي دراهم شرعية أو من دراهمنا؟
فقال في جوابه: ولا يتوقف مع النصوص في هذا بل في اليسير والكثير إلى عرف الناس (٢) .
وفي جواب للبرزلي في مسألة نكاح يتنازع في صحته، وقد وجه صحته قائلاً: لأن الأصل عدم التعدي والإقدام على المحرمات وإمضاء العقود وعدم التعرض لحلها إلا بالوجه المحقق، وأجراه على القاعدة المعلومة في العقود المحتملة للصحة والفساد فيها قولان، والمشهور إنها محمولة على الفساد، أو تحمل على الاختلاف في دعوى الصحة والفساد، والمشهور قول مدعي الصحة (٣) .
كقول قاضيخانة: الرهن أمانة عند المرتهن كالوديعة فبكل فعل يغرم المودع يغرم المرتهن، لكن بالهلاك لا يغرم المودع ويسقط في الرهن.
وفي كل موضع لا يغرم المودع، كذلك المرتهن والوديعة لا يودع ولا يعار ولا يؤجر فكذا الرهن لا يرهن ولا يؤجر ولا يعار، وليس له أن يودع من ليس في عياله (٤) .
стр. 18112
٣- الطريق الثالث في سبيل الاستفادة من الفتاوى والعمل:
هو البحث عن بعض النوازل التي تشبه القضايا المعاصرة في وجه من الوجوه وصورة من الصور، فيطبق عليها أو يستأنس بها لإيجاد حل للقضية المعاصرة، ومن الواضح أن كل زمان يطرح قضاياه ونوازله، وبخاصة في زماننا الذي انمحت فيه الحدود وزالت فيه الحواجز، وغزت العالم الإسلامي في عقر داره أعراف العالم الآخر ونظمه وقوانينه، فنظمت المعاملات والمبادلات على أسس لا توافق في أحايين كثيرة الأسس الفقهية المعروفة، بيد أن الأمر ازداد تعقيداً بظهور المخترعات العلمية الحديثة التي قطرت معها قطاراً من المسائل، نشأت عن الحاجات التي أوجدتها لدى المجتمع، كتلك المتعلقة بالطب من زراعة الأعضاء ونقلها إلى الهندسة الوراثية (١)
ولهذا فإن الفتاوى والنوازل القديمة قد لا تجدي فتيلاً في حل المسائل المعاصرة التي يمكن أن تحل من خلال القواعد كما أسلفنا، ومع ذلك فإنه بإمعان النظر في كتب الفتاوى والعمل يستطيع المتوسم أن يعثر على فروع ومسائل تشبه تلك التي تطرحها المعاملات المعاصرة، ويبنغي التنبيه على أن دلالتها عليها قد لا تكون دلالة مطابقة، ومفهومها قد لا يكون مفهوم موافقة، بل أنها تدل عليها دلالة تضمن، أو التزام بوجه من الوجوه وشكل من الأشكال تنبئ عما رواء الأكمة بدون غوص في مضامينها، أو تعمق في محتواها، غير ملتزم بترجيح وجه من أوجه الخلاف، إذ أن المقصود إثارة الموضوع ليعلم أن له شواهد في النوازل تبيحه أو تحرمه، أو تحكي الخلاف فيه، وهو أمر سيتيح للفقيه عندما يعالج أيا من هذه النوازل سندا يستند إليه ليرجح من الخلاف على أساس من المرجحات، ويكفيه منقبة لهذا الخلاف أنه يرفع عن الباحث إصر مخالفة الإجماع،ويسلكه في مسلك الاتباع.
-من أسلم ذهباً إلى شخص في قمح وباع منه قمحاً بذهب إلى أجل:
فأجاب الفقيه ابن الحاج: إن ذلك جائز إذا كان في صفقتين، ولا يجوز إذا كان في صفقة واحدة، لأنه ذهب وطعام بذهب وطعام (٢) .
- الموجد بأخذ الأجرة مقدماً لا يجب عليه دفع الزكاة إلا لما مضى من الزمان.
-مسألة التسالف بين الأحباس، وقول ابن حبيب في الواضحة: إن الأموال المرصودة في وجه من وجوه البر يمكن أن تصرف في أوجه أخرى من أوجهه. وهذا يوسع على هيئات الإغاثة لتبادل الاقتراض ومساعدة بعضها البعض.
-مسألة التضخم:
سئل فقهاء طليطلة عمن أوصى لرجل بسكة فحالت السكة إلى سكة أخرى، فشوور فيها فقهاء قرطبة، فأجابوا بوجوب الوصية في السكة الجارية يوم مات الموصي لا يوم أوصى، وأقاموها من مسألة الخيش والمسح والخريطة.
وذكر كلام المتيطي: لو اكترى داراً لكل شهر بكذا فاستحالت السكة وتمادى المكتري في السكنى حتى مضت مدة وكانت السكة التي استحالت إليها أحسن من القديمة التي عقد عليها الكراء، فهل يجب للمكري على المكتري من القديمة أو من الحديثة؟ فقال ابن سهل: له من السكة القديمة التي عقد عليها الكراء، كما لا حجة لبعض على بعض بغلاء أو رخص لا يحتمل النظر غير هذا، ولا يجوز على الأصول سواه (٣) .
وفي قياس التضخم على الجائحة سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
عمن استأجر أرضاً فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع هل توضع الجائحة؟
فأجاب: أما إذا استأجر أرضاً للزرع فلم يأتِ المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلب الإجارة بلا فسخ في الأظهر.
وأما إذا نقصت المنفعة فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة نص على هذا الإمام أحمد بن حنبل وغيره فيقال: كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال: ألف درهم ويقال كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال: خمسمائة درهم، فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماه، فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها، فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه.
وكذلك لو أصاب الأرض جراد أو نار أو جائحة أتلف بعض الزرع؛ فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة (٤) .
стр. 18113
مسألة تغير السكة أو انقطاعها:
وأفتى ابن عتاب بقرطبة حين انقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد بسكة أخرى – أن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، وكان أبو محمد بن دحون ﵀ يفتي بالقيمة يوم القرض، ويقول: إنما أعطاها على العوض (١) .
- كان أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى داراً أو حمامًا بدراهم موضوفة جارية بين الناس حين العقد، ثم غيرت دراهم ذلك إلى أفضل منها أن يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين القضاء دون النقد الجاري حين العقد وخالفه الباجي.
وقد نزل ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كانت ضربها (٢) .
-وقال أبو حفص العطار: من لك عليه دراهم وقطعت ولم توجد فقيمتها من الذهب بما تساوي يوم الحكم.
وفي كتاب ابن سحنون: إذا أسقطت تتبعه بقيمة السلعة يوم قبضت، لأن الفلوس لا ثمن لها (٣) .
- الإيجار المنتهي بالتمليك. وفي مسألة المكتري يبتاع الدار المكتراه ويشترط أن الكراء عنه محطوط.
سئل عنها فقهاء قرطبة:
أجاب عبد الله بن موسى الشارقي: بعدم الجواز لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالثمن الذي دفع، فصار ذهباً وعرضاً بذهب وعرض. وإن باعه من غير المكتري بعد عقد الكراء فإن لم يعلم الأجنبي فهو عيب إن شاء رد وإن شاء أمسك، وإن علم به فلا رد له ولا حق له في الكراء مع البائع المكرى إلا أن يشترطه؛ وفصل تفصيلاً فيما يتعلق بالإيجار إن كان ذهباً أو ورقاً.
ابن الحاج: إن باع مع الكراء عرضاً، والثمن عيناً جاز للمشتري أخذه، ولو باعها من المكتري، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو عمر ابن الفاسي وأبو عمر بن عبد البر في الكافي: إن ذلك جائز، وهو فسخ لما تقدم من الكراء في قول أبي بكر، وفسخ لما بقي من المدة في قول أبي عمران، وقال في جواب ابن دحون والشارقي وابن الشقاق المتقدم الذكر وجواب هؤلاء: لا يدل على أن الكراء يفسخه الشراء.
وفي فتاوى المعيار: بيع الدار على أن يقبضها مشتريها بعد عشر سنين على مذهب ابن شهاب جائز.
стр. 18114
وأما في القاعة: فيجوز إلى عشر سنين أو أكثر، لأنها مأمونة، وقد مر العمل هنا بجواز ذلك إلى عشرين وثلاثين سنة لأمنها.
وأما قسم القاعات بين مالكيها وتبقى كل قاعة تحت يد مكتريها إلى انقضاء المدة فيجوز ذلك، كما يجوز بيعها على أن لا يقبضها المشتري إلا إلى أمد بعيد، وقد سبق بيان ذلك.
- هذا باختصار وحذف من أجوبة أبي الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي (١) .
- مسألة الاستصناع:
إجارة الصانع على أن مواد المصنوع عليه، ودون تحديد أجل، ودون دفع شيء مقدم، كما يدفع في السلم، العرف في هذه المسألة (التي ليست بسلم محض ولا بيع معين على ما نص علماء ﵃ وعنكم) ، كما في السؤال الذي ورد على الونشريسي فأجاب جواباً مطولاً.
- فقال ما مضمونه: إذا تواصفا السلعة وشرع في العمل يومئذ أو لأيام يسيرة جداً، فلا نزاع في الجواز، وسواء قدم النقد أو أخره على هذا المبيع المجتاز، لأنه بيع معين وأجارة صانع معين، واجتماعهما في صفقة واحدة وعقد واحد جائز سائغ لا خلل فيه ولا محذور، إلا على شذوذ من القول لا يلتفت إليه ولا يعول عليه عند الجمهور.
إلى قوله ... قال في كتاب الجعل منها (المدونة) : "ولا بأس أن يؤاجر على بناء دارك هذه والجص والآجر من عنده، ولما تعارف الناس ما يدخلها وأمد فراغها كان عرفهم كذكر الصفة والأجل ".
- وأطال قائلاً ... أنه قول مالك وابن القاسم مقيداً بأن يكون الأجير صاحب صنعة عمل الجص والآجر، فيصير تأخير النقد جائز كالاشتراء من الخباز ومن الجزار الدائمي العمل كل يوم خبزاً أو لحماً، والثمن معجل أو مؤخر إذا شرع في العمل.
وقال عن ابن رشد: "ولاشتهارها سميت بيعة المدينة ".
وختم بحثه بقوله: وقال ابن أبي منين في مسألة الجعل والإجارة: هذه مسألة لا يحملها القياس، وإنما هي استحسان واتباع، وقال سحنون: لا تحتملها الأصول. قال في التنبيهات، ومنعها عبد الملك في الثمانية (٢) .
وقد بين بعد ذلك أحكام فلس الأجير أو موته وتأثير ذلك على الصفقة.
قلت: هذه المسألة التي لم يقدم فيها الثمن ولا المثمن، فلا هي بيع آجل ولا سلم عاجل ولا إجارة محضة ولا جعالة، من أهم سند في عقود الاستصناع الحديثة التي يكتفي فيها بالاتفاق والوصف وآجال التسليم عن دفع الثمن الذي قد يكون مقسطاً بحسب ما ينجز من أجزاء الصفقة، وهو أمر لا مانع منه، بل هو أولى في الجواز مما هو مذكور هنا.
- ومن ذلك مسألة استهلاك العين المنغمرة (الأدوية تكون فيها مادة الكحول مستهلكة) أجاب أبو الفرج في مسألة الجلود التي فيها الذهب تغزل فيها خيوطه تباع بالذهب، فأجاب: إنها تباع لأنها كالعورض لوجود الاستهلاك وعدم تيسره، وهذا الوصف يسقط عنه حكم العين، ويعدم منه حكم العلة الموجبة لحكم التحريم، وهي كونه ثمناً للمبيعات، ونظير هذا في أن الاستهلاك ينقل الحكم عن العين ما قالوه في لبن المرأة إذا خلطوه بطعام أو دواء واستهلك فيه، ثم أو شربه الصبي؛ أن لا حكم له في التحريم على الأصح الأظهر (٣) .
- مسألة التطوع من المبتاع يرد المبيع إذا أحضر الثمن، وهو إقالة وصيفة من بيع الوفاء:
وجاز في رسوم الابتياع
كتب التطوع من المبتاع
لبائع بأنه التزم أن
يقبله متى أتاه بالثمن
واختير في ذاك كتاب مفرد
إذ هو عن ظن الفساد أبعد (٤)
стр. 18115
* * *
الخاتمة
-وفي الختام؛ فقد أنجزنا هذا البحث بتوفيقه تعالى، وقد عرفنا فيه الفتوى التي هي إخبار عن الله تعالى بحكم شرعي في مقابل الحكم الذي هو إلزام بالحكم، وقد بينا فيه نسبة علم الفتيا والقضاء لعلم الفقه، فالمفتون هم خاصة الفقهاء، وهذا معنى كون علمها أخص من علم الفقه، وإلا فعلم الفتيا أعم، لكونه يشتمل على علم الفقه، ويزيد عليه بتنزيل الأحكام على الوقائع، وهو أمر يفترض علماً بالواقع وفهماً للعلاقة بين الحكم والواقع، وهي العلاقة التي ستكون الفتوى نتيجتها كإنتاج الشكل الأول من الأشكال الأربعة المنتجة إذا رتبت كبراه على صغراه، فمن لا يعرف أن الإنسان داخل في جنس الحيوان، وتلك هي الصغرى لا يستفيد من كون كل حيوان متغيراً وهي الكبرى، وذلك ما عناه الإمام ابن عرفة في تعريفه لعلمي القضاء والفتوى.
وقد تطرق البحث إلى الأدلة التي تعتمد عليها فتاوى المجتهدين استنباطاً من الأصلين، وفتاوى المقلدين اتباعاً للأولين.
ثم أوضحنا من هو المفتي، ودرجات المفتين من مجتهد مطلق على كل قيد، ومجتهد مقيد بقيد لمذهب والفتيا، ومقلد أخلد إلى أرض التقليد.
ثم عقدنا فصلاً عن العمل الفقهي القطري، وهو خصيصة من خصائص المذهب المالكي في الغرب الإسلام: (شمال إفريقية والأندلس) ، وقد عرفناه بأنه ترجيح قول ضعيف لمصلحة أو ضرورة من أهل الترجيح علماً وعملاً، ومن جملة ما أضفنا من المسائل والأقوال التي اشتملت على قيد أو شرط، يمكن أن نعتبر أن إجراء العمل والعدول عن الراجح والمشهور في المذهب، لسبب اقتضى ذلك من مصلحة أو ضرورة أو حاجة في زمان معين ومكان معين من أهل العلم، الذين يحق لهم الاختيار والترجيح والتخريج على أقوال الإمام وقواعد المذهب، وقد يكون العدول عن الراجح والمشهور لأرجحيته من حيث الدليل الأصلي، فهو وبهذا المعنى اجتهاد من المرجح، وقد مثلنا لذلك بمسألة الخلطة، ولم يسبق لأحد ممن كتب عن العمل أن اهتدى إلى هذا الملحظ، كما أبنّا شروط إجراء العمل الثلاثة أو الخمسة، وناقشنا بعضها لنصل إلى أن القول الضعيف قد يكون مرجعاً للفتوى، وأن منعه إنما هو سد للذريعة، وهو أمر لا يختص بالمالكية، بل نجده عند الأحناف في المفتى به وعند الشافعية ولو بغير ضرورة.
стр. 18116
وفي الفصل الثالث: صورنا كيفية الاستفادة من النوازل والفتاوى في التطبيقات المعاصرة في ثلاث سبل هي: أولاً: الاستفادة من ضبط المنهج بعد استقراء نماذج الفتاوى التي ينبغي أن يحتذى بها على قدر اقتدار المفتي وملكته في الاستنباط، إذا كان متمكناً متبحراً أو عالماً متبصراً أو مقلداً مضطراً وعلى الراجح والمشهور مقتصر.
فمثال الشيخ تقي الدين بن تيمية للأول، وابن رشد الثاني، وكثير من الفقهاء الآخرين والمتأخرين للثالث، وفي كل خير، وفي اتباع كل بحسب الوسع والسعة منجاة إن شاء الله، إذا استرشدنا بنصائحهم، وقد ذكرنا بعض هذه النصائح، وعولنا على درء المفاسد وجلب المصالح.
أما الطريق الثاني: فهو استخراج القواعد والأسس والضوابط التي راجت في سوق الفتاوى، فكانت خير بضاعة وزاد لاجتياب مفاوز النوازل ومتاهات الفتاوى.
وفي الطريق الثالث: ذكرنا أمثلة من الفروع التي يصلح عليها التخريج لبعض القضايا المعاصرة، دون الخوض في التفاصيل، اكتفاء بالتنبيه والإشارة، دون توضيح العبارة، فلسنا في وارد إصدار الفتوى، ولكننا في مورد التنبيه والفحوى
ولعل فيما ذكرنا سداداً من عوز.
ونستغفره مما كتبت أقلامنا وأنتجته أفهامنا.
عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه
стр. 18117
العمل الفقهي
عند الإباضية
إعداد
ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي
مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي
المنعقد في دورته الحادية عشرة بدولة البحرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
أحمده تعالى وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، هادي الأمم من الظلمات إلى النور، وعلى آله وصحابته ومن سار على الصراط المستقيم.
أما بعد:
فلا تخفى أهمية دراسة العلوم الشرعية في سبيل إحياء البشرية، وبث روح الحياة في أفرادها.
ومن أجل هذه العلوم وأنفعها في تقويم السلوك البشري علم الفقه، الذي هو ثمرة لجهود مضنية بذلها علماؤنا وأسلافنا العظماء طيلة القرون السالفة.
وفي هذا البحث المختصر دارسة للجانب التطبيقي من الفقه الإسلامي في ضوء المذهب الإباضي، ومحاولة لبيان الجوانب المتعلقة بموضوع العمل الفقهي المتمثلة في المباحث التالية:
المبحث الأول: تاريخ العمل الفقهي، ويشمل أمثلة مما جرى به العمل في فترات التاريخ الإباضي بجناحيه المشرقي والمغربي.
المبحث الثاني: يشمل خصائص العمل الفقهي وضوابطه.
المبحث الثالث: سبل الاستفادة من العمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة.
والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 18118
المبحث الأول
تاريخ العمل الفقهي عند الإباضية
نريد بالعمل الفقهي ما جرى عليه العمل في الفتوى عند علماء مذهب معين أو بلد معين في مسألة ما أو مسائل، سواء كانت تلك الفتوى مصدر ذلك العمل أو بنيت الفتوى على مصلحة بقائه أو عدم مصلحة إلغائه.
وخير مثال على ذلك ما عرف عند المالكية بعمل أهل المدينة إذ نقل عن الإمام مالك بن أنس القول بأنه حجة على غيرهم (١) .
وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الرؤية فإن مفادها إقرار هذا النظام قديما في استمداد عدد من الأحكام الشرعية، وذلك فيما ورد عن الإمام مالك من نحو قوله: "الأمر عندنا ... " (٢) ، وقوله: "وذلك الأمر عندنا " (٣) .
وقد كان للعمل الفقهي عند الإباضية حظ كبير من العناية منذ وقت مبكر، ربما في فترة متقدمة على الإمام مالك، وهذا جلي فيما وجد من نصوص علماء الإباضية والأوائل من اعتبار العمل الفقهي وما جرى مجراه أحد الأسس التي تتحكم في الفتوى.
من ذلك قول الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت ١٤٥ هـ) خليفة الإمام أبى الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (ت ٩٣ هـ) في قيادة الحركة الإباضية، في رسالته إلى الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري الذي بويع عام ١٤٠ هـ واستشهد سنة ١٤٤ هـ.
стр. 18119
"وأما ما ذكرتم من أطفال في حجر المسلم وهو خليفتهم أو غير خليفة، أترى له أن يزكي عنهم؟ فأصحابنا يأمرون أن يزكي عنهم وجابر بن زيد وجميع فقهائنا على ذلك " (١) .
وقوله فيما رواه عنه تلميذه الإمام الربيع بن حبيب (ت بين ١٧٥ و ١٨٠ هـ) بعد رواية حديث المنديل الذي كان النبي ﷺ يمسح به بعد الوضوء: "المعمول به عندنا ألا يمسح أعضاءه بعد الوضوء، وهو استحباب من أهل العلم وترغيب منهم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه " (٢) .
ومن نصوص علماء الإباضية القدماء في ذلك قول أبي غانم بشر بن غانم الخراساني (توفي حوالي سنة ٢٢٠ هـ) : "سألت الربيع: أيسجد الرجل ويداه في ثوبه ولا يخرجها؟ قال: ليفض بيده إلى الأرض أحب إلي، قال أبو المؤرج وعبد الله بن عبد العزيز: قد جاء في ذلك أثر من الفقهاء، وقد رأينا الأخيار من أصحابنا يفعلون ذلك ويروونه عند فقهائهم، فلا بأس بذلك " (٣) .
المشرق الإباضي:
تمضي المؤلفات الإباضية المشرقية في ذكر الأمور العملية الفقهية التي جرى العمل بها عند العلماء المذهب، حتى يأتي دور الإمام أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني (ت ٣٦٢ هـ) ، الذي ألف عددا من الكتب، من بينها (الجامع) و (التعارف) .
أما (الجامع) فقد ذكر فيه عددا من الأمور التي تدخل ضمن نطاق العمل الفقهي، كقوله في المرأة يمتد بها الدم فيتعدى مدتها المعتادة، ثم تنتظر يوما أو يومين ثم تكون في حكم المستحاضة إن استمر بها الدم: "والذي عليه العمل من أصحابنا إيجاب بدل اليوم واليومين اللذين تركت فيهما الصلاة إلا أن ينقطع الدم فلا يوجبون عليها إعادتهما " (٤) ، وقوله: "والطلاق يقع عند أكثر أصحابنا وعليه العمل منهم اليوم بالإفصاح به والكناية عنه أيضا " (٥) .
وأما كتاب (التعارف) فقد كان قفزة جديدة في مجال العمل الفقهي، إذ برزت فيه العناية بالعرف والعادة الجارية، حيث صار سياجا يضبط جملة من المسائل الفقهية لا سيما ما كانت مجالاتها العلاقات الاجتماعية.
стр. 18120
وقد أصبح كتاب التعارف مادة جيدة – في بابه – لعدد من المؤلفات التالية، مثل كتاب (المصنف) (١) للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي (ت ٥٥٧ هـ) ، وكتاب (منهج الطالبين وبلاغ الراغبين) (٢) للشيخ خميس بن سعيد الشقصي) من علماء القرن الحادي عشر الهجري) ، وكتاب (جواهر الآثار) (٣) للشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان (عاش في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الهجري) .
هذا، وما لبث أن جاء أبو الحسن علي بن محمد البسيوي (توفي في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري) تلميذ ابن بركة فألف كتابه المسمى بـ (مختصر البسيوي) ، الذي كان طرحا جديدا للفقه بشتى أبوابه، إذ كان غاية في الاختصار الذي هو بمنزلة القواعد المبسطة، ونحوه كتاب (مختصر الخصال) لأبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي (توفي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري) ، الذي كان مثالا فريدا في تأليفه وحسن عرضه، غير أنه رغم ما فيه من هذه الميزة على مختصر البسيوي – وربما لبعد مؤلفه عن عمان – فإن الأخير صار المرجع في الفتوى في المشرق الإباضي لقرون عديدة، يقول الشيخ صالح بن وضاح المنحي (ت ٨٧٥ هـ) : "حفظنا عن أشياخنا ﵏ أن مختصر الشيخ أبي الحسن البسيوي ﵀ كله عليه العمل إلا ثلاث مسائل " (٤) .
وذكر الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي أن شيخه ابن وضاح زاد مسألة رابعة، أخرجها مما جرى عليه العمل من مختصر البسيوي (٥)
هذا، والظاهر أن العمل على الفتوى بما في مختصر البسيوي قد امتد إلى أبعد من هذه الفترة، فقد أخرج الشيخ صالح بن سعيد الزاملي (من علماء أوائل القرن الحادي عشر الهجري) المسائل الأربع من مختصر البسيوي من كونها معمولا بها، وذلك في جواب سؤال وجه إليه (٦) .
ولا يعني هذا أن كل علماء المذهب الإباضي في المشرق درجوا على اعتماد مختصر البسيوي في استصدار الفتوى وإعطاء الحكم الشرعي فيما يجد من المسائل والنوازل، فقد وجدت مؤلفات عدة طيلة هذه الفترة وظهرت بين الحين والآخر كتب تعبر عن وجهة نظر مؤلفيها، ولا ريب أنها في مسائل عديدة تخالف ما في المختصر وغيره.
على أن ظهور عدد من العلماء المجتهدين يحول دون اعتمادهم في الفتوى على مختصر البسيوي، وكان في ظهورهم السبب المباشر في تغير المنهج في اعتماد عمل معين، وكانوا عاملا فاعلا في حركة الفقه وتطوره، الأمر الذي نتج عنه الجدة في قضية العمل الفقهي، سواء بالموافقة والتأصيل أو بالمخالفة والتغيير، لا سيما إذا علم أن مشهور المذهب عدم جواز تقليد المجتهد غيره (٧) .
ومن أبرز هؤلاء: الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت ١٢٣٧ هـ) الملقب بالشيخ الرئيس، وابنه الشيخ ناصر بن جاعد (ت ١٢٦٢هـ) ، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت ١٢٨٧ هـ) الملقب بالمحقق – وهو تلميذ للشيخ ناصر بن جاعد الخروصي – والشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي (ت ١٣٣٢ هـ) ، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي (ت ١٣٧٣ هـ) تلميذ نور الدين وحفيد المحقق الخليلي.
стр. 18121
وفتاوى هؤلاء وجهودهم بيان صادق على المرتبة العلمية العليا التي بلغوها، وقد أنتجت هذه النهضة العلمية العملية ما يغذي مجال العمل الفقهي، إذ كان من ثمراتها الجهود الإصلاحية الكبرى التي ابتدأها المحقق الخليلي ﵀، وقد استفاد من واقعه العملي في تآليفه، من ذلك كتاب (إثابة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، الذي تميز بأنه تمخض عن تجربة واقعية، فكان كتابه بحق دستورا في الفقه الجنائي، فهو من هذه الحيثية يعد عملا فقهيا واقعيا.
ومن أمثلة ذلك كتاب (جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام) للإمام السالمي، الذي صاغه بأسلوبه البارع نظما رائقًا حتى غدا أنشودة المتعلمين في عمان من بعده، وصار مرجعا للعالم والمبتدئ والعامي في استقاء الأحكام الشرعية.
المغرب الإباضي:
أما في المغرب الإباضي، فمن أقدم ما يخدم مجال العمل الفقهي كتاب (ديوان الأشياخ) أو (ديوان الغار) أو (ديوان العزابة) الذي ألف في رأس القرن الرابع الهجري.
ومن أهم ميزاته أنه صنف من قبل سبعة من العلماء (١) ، مما أعطاه صبغة علمية واضحة وطبيعة مختلفة عن كثير من المؤلفات التي ظهرت في المذهب الإباضي، ذلك (أنه وضع لجمع الأحكام الشرعية للمسائل الحياتية مختصرة واضحة يرجع إليها المفتي والقاضي) (٢) .
كما أن فكرة المختصرات التي كانت في الغالب يراد بها بيان المعمول به أو الإرشاد إليه، ظهرت في مؤلفات الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني (من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري) ، مثل كتاب الصوم (وهو عادة يصدر بالقول المعمول به) (٣) ، وكتاب (النكاح) الذي كان ينبه فيما فيه خلاف إلى المعمول به، كقوله: "وقيل إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وليس عليه العمل عندنا، والقول الأول هو قول أصحابنا ﵏ " (٤) . والقول الأول أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج.
وأما ما لم يذكر فيه خلافا فظاهره أن مراده العمل به.
وتستمر المؤلفات الإباضية في المغرب العربي، حتى يأتي دور أبي يعقوب يوسف بن خلفون (من علماء القرن السادس الهجري) ، لتكون أجوبته رافدا لقضية العمل الفقهي في بعض المسائل، حيث يقول في آخر أجوبته مبينا سبب إجباته لسائله: "دعاني إلى ذلك ألا أكتم عليك شيئا من الاختلاف والتوقيف على مذهب أصحابنا، وما صح به العمل عندهم " (٥) ، بعد أن قال في مقدمة كتاب: "وقد كتبت إلينا – وفقنا الله وإياك لسبيل مرضاته – في مسائل تريد شرحها، وبيان اختلاف الفقهاء فيها من السف والخلف، وما اعتمد عليه أصحابنا من ذلك " (٦) .
ثم يأتي دور أبي ساكن عامر بن علي الشماخي (ت ٧٩٢ هـ) ، الذي نوه ببعض الأمور التي عليها العمل عند الإباضية في كتابه (الإيضاح) ، الذي قال عنه بدر العلماء أحمد بن سعيد الشماخي (ت ٩٢٨ هـ) : "وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا خصوصا نفوسة، وبعده ديوان أبي زكريا يحيى بن الخير، وبعدهما الديوان ديوان الأشياخ " (٧) .
وجعله الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش (مرجع الفتوى بلا منازع) (٨) ، و (معتمد الأصحاب في الفتوى بالمغرب) (٩) .
وفي أواخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر الهجريين يؤلف الشيخ عبد العزيز ابن إبراهيم الثميني (ت ١٢٢٣هـ) كتابه القيم (النيل وشفاء العليل) ، الذي هو اختصار لعدد جم من الكتب التي سبقته، واختصاره إلى حيث يشبه الرموز في كثير من الأحيان، فقد أراده (مختصرا في الفقه جامعا، مبينا لما به الفتوى من مشهور المذهب) كما قال ذلك بنفسه (١٠) .
وقد عد كتاب النيل – في المغرب الإباضي – بمنزلة مختصر الشيخ خليل في المذهب المالكي (١١) . والحال نفسها فيما يتعلق بظهور مجتهدين في المغرب العربي الإباضي، إذ ظهر قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (ت ١٣٣٢ هـ) الذي يمثل أحد أركان النهضة العلمية الحديثة، فألف عددا جما من الكتب التي لا ريب أنها تعالج نوازل معيشة، فيكون دوره الريادي في قضية العمل على نحو ما مضى قوله من أثر أمثال هؤلاء المصلحين في هذه المسألة إما بالتأصيل أو بالتغيير.
стр. 18122
المبحث الثاني
خصائص العمل الفقهي وضوابطه
لا مراء في أن العمل الفقهي أحد مظاهر الفقه الحضارية من حيث تناوله الجوانب العملية من حياة الإنسان،ولذلك فهو يمثل قانونا شرعيا ودستورا للبشرية كلها.
وقبل الدخول في الخصائص والضوابط، يحسن أن نتبين مدار العمل الفقهي وطبيعة علاقته بالأحكام الشرعية.
إن العمل الفقهي من حيث مصدره وثيق الصلة بالفتوى التي تكون حلا شرعيا لنازلة من النوازل، وذلك بأحد أمرين:
الأول: أن تصدر الفتوى حكما شرعيا يكون علاجا لنازلة معينة يجري العمل بالحكم على مثيلاتها بمقتضاها، فتصبح عملا فقهيا قد يمتد قرونا.
الثاني: أن تكون الفتوى جارية على مقتضى عرف أو عادة سبقتها مما لا يعارض دليلا شرعيا، سواء كانت المصلحة ترجح بقاءها أو لم يمكن أصلا سبب لتغيير ذلك العرف أو تلك العادة.
وقد ورد العمل الفقهي عند الإباضية باسم النوازل في صورتين:
الأولى: (نوازل نفوسة) :
وهو عنوان كتاب لم أقف على مؤلفه، وقد ذكر الإمام قطب الأئمة مرارا في شرح النيل، والعينات التي نقلها منه هي من قبيل العمل الفقهي، مثل قول الإمام القطب فيمن قابلتها اثنتان: "وإن ولدته حيا ومات هو وأمه فقالت إحداهما: مات قبلها، وقالت الأخرى: بعدها ففي نوازل نفوسة: القول قول من قالت بعدها " (١) .
وقوله: "وإن اعتدت بالغة بالأشهر – على قول – فحاضت قبل خروج العدة استأنفت بالحيض كذلك، وقيل: إذا حاضت من دخلت في العدة بالأشهر بنت على ما مضى من الأشهر بالأيام، وتلغي الحيض وتحسب بالأيام، قال في نوازل نفوسة: هو غير معمول به " (٢) .
ويفهم من هذين الأمرين وغيرهما مما ذكره الإمام القطب أن سبيل هذا الكتاب سبيل غيره مما يدخل مجال العمل الفقهي، وأما نسبته إلى نفوسة فيحتمل أن مؤلفه من نفوسة موطن الإباضية بليبيا، أو مما هو مجال للعمل بنفوسة، غير أن الرابط بين النوازل وبين العمل يوضح العلاقة المتينة بينهما.
стр. 18123
الثانية: (نوزل العزابة) :
وهي عبارة عن (دفتر النوازل التي حكم فيها العزابة) (١) .
غير أن مضمون هذا الدفتر يختلف عن نوازل نفوسة، إذا أورد نوازل العزابة وقائع بعينها وبيان حكم العزابة فيها. وعلاقتها بالعمل الفقهي من جهتين:
١- بيان بعض الأحكام التي تعبر عن المعمول به، مثل جريان العمل عند العزابة في كتابة الصداق أن المرأة تصبح في عصمة نفسها إذا تغيب عنها زوجها أكثر من سنتين (٢) .
٢- استناد الفتوى أو الحكم القضائي على عمل فقهي العمل به جار بمقتضى الحكم الشرعي الذي روعي فيه المصلحة المرسلة.
ويمكننا أن نستخلص – مع هذه الاعتبارات – سمات العمل الفقهي وضوابطه التي تتحكم فيما يلي:
أولا – خصائص العمل الفقهي:
يمتاز العمل الفقهي بأن أحكمه تتناول الجانب العملي التطبيقي من الفقه دون الأحكام النظرية، ويعرف ذلك من نص العلماء على ما يجري العمل به، كما سبق التمثيل عليه في المبحث السابق، إضافة إلى ما كان من التأليف مما قصد به بيان الأمور المعمول بها عند علماء المذهب أو عند عامة الناس ممن ينتمون إلى بلد أو إقليم معين.
أما التآليف التي تغذي جانب الفقه العملي فلا بد أن تتحق فيها إحدى صفتين: القصد من تأليفها إلى العمل بها، وجريان العمل بعد تأليفها.
وهي نوعان:
أ- التآليف العامة: التي تشير أحيانا إلى ما عليه العمل، وهي السمة الغالبة على سائر كتب المذهب الإباضي، ككتاب الإيضاح الذي صار مرجع الفتوى في المغرب في فترة من الفترات، وذلك من حيث اعتماده في استصدار الأحكام الفقهية العملية بالرجوع إما إلى ما نص المؤلف على كونه معمولا به أو إلى ما رجحه.
ب- التآليف المقصودة لهذا الغرض: وذلك مثل مختصر البسيوي الذي سبق الحديث عنه، والملاحظ على هذا الكتاب ومثله أنه لم يغفل بعض الجوانب العقدية، مما يفيد تأكيد الإباضية على الربط بين القول والعمل في الإيمان، لأن الفقه وإن كان مقصوده الأسمى جانب العمل إلا أن للعقيدة الراسخة دورا في توجيه الجوارح نحو العمل ودفعها إلى تنظير الفقه، ولهذا لم تستطع أغلب المؤلفات الإباضية طوال فتراتهم السابقة إغفال الجانب العقدي، بل على العكس نجد التركيز على بسط مقومات الإيمان وغرس معانيه بشكل واضح جدا، ووضوحه من خلال عدم إفراد مؤلفات خاصة بالعقيدة وأخرى بالفقه إلا نادرا، سواء ما يخدم منها العمل الفقهي بشكل مباشر أو عن طريق البيان.
стр. 18124
وهذا الربط ينسحب على المختصرات مثل مختصر الخصال، ما عدا كتاب (النكاح) وكتاب (الصوم) لأبي زكريا الجناوني، اللذين يفسر خلوهما من هذا المعنى بأنهما جردا لمجاليهما، فهما بمنزلة بابين من أبواب أي مختصر قصد به العمل الفقهي.
هذا ولا يمنع من المصير إلى كون مثل هذه المؤلفات مرادة للعمل الفقهي من ذكر بعضها غير قول في بعض المسائل، أو اشتمالها على بعض المسائل الفقهية النظرية، لأن القضية الأولى عولجت بتصدير ما عليه العمل عند تعدد الآراء أو بالنص عليه، والثانية بكون الكتاب شاملا لكافة جوانب الفقه، نظرا إلى خصائص التشريع الشاملة لكل جوانب الحياة.
- هذا ويمكن تقسيم العمل الفقهي بالنظر إلى نوعية العاملين به إلى ما يلي:
أ- عمل العلماء:
وهو – لا ريب – يراد به ما تجري به الفتوى من قبل هؤلاء العلماء فيما يعالجون به نوازل حادثة أو تحدث بشكل متكرر، ويظهر الفرق بينه وبين الإجماع من خمسة أوجه.
الأول: أن الإجماع لا مخالف له في الدائرة التي ينحصر العمل فيها، وكذلك الأمر إن اتسعت الدائرة؛ بمعنى إن أريد بالإجماع إجماع الأمة الإسلامية فلا مخالف له إذن من الأمة، وإن أريد به إجماع أهل بلد معين فلا مخالف له من ذلك البلاد من أي عالم.
وأما العمل فنحوه من حيث شمول دائرته بحسب نسبته، غير أنه قد يوجد له مخالف ولم تجرِ الفتوى على مقتضى قول ذلك المخالف.
الثاني: أن الإجماع يشمل المسائل النظرية وغيرها، أما العمل الفقهي فيتوجه إلى القضايا التطبيقية ذات الدلالة الحيوية التي تعالج شرعا بنظر بالمفتي أو القاضي وفق العمل الفقهي.
الثالث: أن الإجماع يكون حجة بنفسه، أما العمل الفقهي فلا يستقل بالحجية.
الرابع: أن مستند الإجماع الدليل الشرعي، أما العمل الفقهي فقد يخالف الدليل أو الراجح.
стр. 18125
الخامس: أن الإجماع لا يصح خرقه ولو طال العهد فحكمه سارٍ، أما العمل الفقهي فالعرف والعادة والمصلحة تتحكم فيه بشكل مباشر وقوي.
السادس: أن الإجماع يصدر عن إطباق مجتهدي عصر معين، أما العمل الفقهي فهو ما تجري به الفتوى من قبل العلماء، ولا يشترط أن يكونوا مجتهدين أو ما يكون عليه عمل الكافة مما لا يناقض دليلا شرعيا.
ب- عمل الكافة:
وهو نمط التعامل بين أفراد المجتمع مما يقتضي النظر الشرعي صدور الفتوى أو الحكم بإباحته وإلا لم يسغ بقاؤه أصلا.
ويمثله – في أحد جانبيه – في كتب فقهاء الإباضية ما يعرف بالدلالة أو التعارف الذي كان من أوائل من ألف فيه الإمام ابن بركة في كتابه (التعارف) (وهذا ما يتجلى أن الفتوى تجري على مقتضاه ما لم يخالف دليلا شرعيا) .
ويعني ما تجري به العادة بين الناس في المعاملات التي يتعارفون عليها في أمورهم الحيوية والاجتماعية، وقد أدخل فقهاء الإباضية هذه الأمور ضمن العمل الفقهي لتحاط بسياج الشرع وتضبط بضوابط الإيمان.
يدل على ذلك أن مسائل هذه الأعراف صارت أحكاما شرعية كقول الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي:
"في الدلالة اختلاف بين الناس أجازها أكثر المسلمين، وأحسب أن بعضا يقول: لا يكون إلا على من يتولاه، والمعمول به أنها في مال الولي وغير الولي ممن يعرف منه ذلك " (١) .
ولنأخذ نصا للشيخ خميس بن سعيد الشقصي لزيادة البيان فيما يتناوله التعارف بين الناس، يقول:
"أجمع الناس على تمليك العبيد بالشراء، ممن يبيعهم بغير إقرارهم ولا صحة عبوديتهم، على أنهم قد أجمعوا: أن حكم بني آدم الحرية في الأصل، وكذلك ما يشترى من صغار العبيد بالشراء ممن يبيعهم بغير إقرارهم، فقد أجازوا التمليك عليهم، وقد علمنا أن لا يقين معنا على ذلك، ولكن قد جرى بهذا العرف بين الناس، ولا يكون في شيء مع أهل موضع، إلا حتى يكون الإجماع منهم على إباحة ذلك معهم، لأنه إنما يسمى بسنة البلد، والسنة لا تكون إلا مجتمعا عليها، وإذا كان فيها اختلاف فليس بسنة.
وإذا كانت السنة ثابتة معهم في مال الغائب واليتيم والمساجد فهو على ما أدركت عليه السنة، وإذا كان قد جرى معه أن التعارف لا يكون إلا في مال الحاضر العاقل البالغ فكذلك.
وإذا أراد أحد من أهل الأملاك منع شي قد أجمع عليه أهل البلد على إباحته فله ذلك لأن هذه سنة تراضٍ، فإذا لم يرضَ فقد خرج من حال الإجماع وصار مخصوصا بالكراهية " (٢) .
أما الجانب الثاني فهو ما يكون شأنه الأحكام الفقهية التي اصطلح عليها أو على العمل بها.
وكلا الجانبين إما أن يكونا بنيا على فتوى أو حكم، أو بنيا عليهما كما تقدم ذكره.
وينقسم العمل الفقهي من حيث تناوله للمسائل إلى قسمين:
- العمل الفقهي الجزئي: وهو المسائل المتفردة التي ينص على جريان العمل بها.
- العمل الفقهي المتكامل: وهو مجموعة المسائل المعمول بها التي تتمثل في المؤلفات المرادة للعمل الفقهي، وقد سبق التمثيل عليها.
كما ينقسم العمل من حيث بيئته إلى:
أ- ما عليه العمل عند كافة علماء المذهب الإباضي بما فيهم أهل المشرق وأهل المغرب، وذلك كعدم الضم وعدم الرفع في الصلاة.
ب- ما عليه العمل عند أهل بلد أو إقليم، وقد ظهر ذلك في صور منها:
- عمل المغاربة: ولعل أجلى صورة لذلك ما يعرف عندهم بنظام العزابة، وهو مؤسسة اجتماعية دينية، يشرف عليها مجلس أعلى يسمى مجلس العزابة أو هيئة العزابة، هدفه الحفاظ على كيان المجتمع المسلم وتنظيمه وصلاح أفراده.
وصاحب فكرة تأسيسه أبو زكريا فضيل بن أبي مسور اليهراسني (توفي في العقد الرابع من القرن الخمس الهجري) ، وذلك إثر الوقائع التي أضعفت كيان المذهب الإباضي في المغرب، طرح أبو زكريا الفكرة سنة (٤٠٨ هـ) وأوعز بتبنيها إلى تلميذه أبي عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي النفوسي (ت ٤٤٠ هـ) ، فعكف أبو عبد الله مدة أربعة أشهر ثم خرج بهذا النظام الذي سمي بداية بالسيرة المسورية البكرية، وقد استمر العمل عليه عند المغاربة طيلة القرون السابقة، وتداعى كيانه في بداية القرن الثالث عشر الهجري، ثم توقف في جربة ونفوسة، ولا يزال باقيا إلى الآن في وادي ميزاب في الجنوب الجزائري (٣) .
стр. 18126
- عمل أهل الباطنة من عمان:
ذلك أن عادتهم أن الزجر (وهو السقي بالدوالي والقرب) يكون في الثلث الآخر من الليل، ويستعملون المواشي في ذلك، والذين يقومون بذلك هم العبيد.
وهذا العمل منهم منذ زمن قديم، إذ ورد أن ذلك كان في أيام الإمام غسان بن عبد الله الخروصي (ت ٢٠٧ هـ) ، وكان جريان العمل على هذا الأمر باقيا إلى ما قبل فترة وجيزة من وقتنا الحاضر، وقد جاء عن هذا الإمام العادل قوله: "عدلنا إلا في عبيد الباطنة، فإنا لم نقدر على أن عدل فيهم " (١) .
يقول الإمام السالمي: "وكان من رأيه ﵀ منع الاستخدام بعد العتمة مطلقا، وإلا فأهل الباطنة يريحون عبيدهم بالنهار مقدار ما يستعملونهم بالليل " (٢) .
- عمل أهل وادي ميزاب بالجنوب الجزائري:
كما سبق من بقاء نظام العزابة، وما ذكر في نوازل العزابة من جعل طلاق المرأة بيدها بعد غياب زوجها أكثر من سنتين بناء على الشرط عند العقد، وكالذي يجري عليه العمل الآن من اعتبار اشتراط الزوجة في عقد نكاحها أن عصمة النكاح تصبح بيدها إن تزوج زوجها امرأة غيرها.
- عمل أهل نفوسة في (ليبيا) : وقد سبق التمثيل عليه من نوازل نفوسة.
- عمل أهل جربة:
كمثل ما تجري به الفتوى من أن الميت يجعل عليه ما يمنع التراب عنه (٣) .
ثانيا – ضوابط العمل الفقهي:
لا تختلف ضوابط العمل الفقهي عن ضوابط الفتوى الشرعية باعتبار كل مسألة بعينها، والتي يمكن اختزالها فيما يلي:
الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، الاستدلال (خاصة العرف والمصالح المرسلة والاستحسان) ، أما باعتبار أن العمل الفقهي يكون مجموع النظام الذي يرصد أعمال الإنسان في كل جوانب حياته العملية؛ فلا ريب أنه قد لا يتفق مع نظر كل مجتهد، إذ قد يظهر من يخالف عددا من المسائل التي قد تكون درج عليها عدد من الفقهاء وجرى العمل بها، وقد تقدم المثال على هذا فيما خولف به مختصر البسيوي من المسائل الأربع المذكورة.
على أن هذه المخالفة لا تعني التشكيك في كون هذه المصادر التشريعية مراعاة في ذلك العمل الفقهي، لأنها تدخل في باب أسباب اختلاف الفقهاء المعروفة، وعليه فإن ما وجد مما هذا سبيله ينحو هذا المنحى، وذلك كالذي وجد الشيخ نور الدين السالمي العمل عليه من كون الذي يقيم للصلاة هو إمام الصلاة، فأنكر على هذا الفعل إنكارا شديدا، خاصة لما وجد من يتعنت في قبول الحق الذي استدل عليه من سنة الرسول ﷺ ، واعتذر نور الدين للذين قالوا بهذا القول بأعذار عدة، إذ لم يريدوا بذلك مخالفة المصطفى ﷺ .
стр. 18127
غير أن لكل من العرف والمصالح المرسلة والاستحسان بروزا في قضية العمل الفقهي.
- العرف:
يمثل العرف عند الإباضية أحد مصادر التشريع التبعية التي لا يستغنى عنها في ضبط كثير من الأحكام الشرعية، لا سيما التي لم ينص عليها نص ولا هي من الإجماع ولا مما يعرف حكمه بالقياس.
وقد أولاه فقهاء الإباضية عناية كبيرة، وما بوب له في كتبهم بالتعارف أو الدلالة شاهد على هذا الاهتمام، وقد عد النور السالمي مسائل التعارف مما يتفرع على قاعدة العادة محكمة (١) ، إذ يعد ذلك من باب التيسير الذي يعد أحد خصائص التشريع الرباني مصداقا لقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وهو بمنزلة ما أقره الرسول ﷺ من العادات والأعراف التي وجد قومه عليها مما لا يتنافى مع روح الإسلام. ولذا نجد أن كثيرا مما هو معمول به مراعى فيه جانب الأعراف التي هي من هذا القبيل.
غير أن إدراج العرف ضمن المصادر التشريعية مرهون – عند الإباضية كما عند فقهاء المذاهب الأخرى – بألا يكون مما خالف نصا أو أصلا عاما، كما يتبين ذلك من النص الذي أوردناه سابقا عن الشيخ الشقصي.
- المصالح المرسلة:
إن اعتبار الإباضية المصالح المرسلة مصدرا تشريعيا تبعيا يوحي بأن لها دورا في التأثير على نوعية الفتوى الشرعية وفحواها، إذا توافقت الأحكام المبنية عليها مع مصالح الناس، بما يسعفهم على الانضباط مع أهداف الشريعة وغاياتها.
وقد بين الإمام السالمي أن للإباضية اهتماما بالمصالح المرسلة، وأن كثيرا من فروعهم مبني على هذا النوع من الاستدلال (٢) .
وضرب لذلك مثالا: فتوى أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ت ٢٧٨ هـ) بحرق منازل القوم الذين دخلوا في طاعة القرامطة، وذلك لما حاربوا القرامطة في عمان لئلا يرجعوا يسكنونها، قال الإمام السالمي: "ولا مستند لأبي المؤثر في هذه المسألة إلا القياس المرسل، وهو النظر في صلاح الإسلام وأهله، حتى لا يكون للقرامطة ملجأ يلجؤون إليه " (٣) .
стр. 18128
ثم قال: "وأنت إذا تأملت مذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون به لما دل عليه مجملا، أي وإن لم يدل دليل على اعتباره بعينه أو جنسه، فإن الأدلة الشرعية دالة على اعتبار المصالح المرسلة مطلقا " (١) .
- الاستحسان:
بين الشيخ السالمي أن الاستحسان أحد المصادر المعتبرة في الشرع فبعد أن ذكر الخلاف في قبوله، والخلاف في تعريفه، وذكر أمثلة مما ضربوه للاستحسان قال: "وبعض هذه المسائل موجودة في المذهب على هذا الحال الذي ذكروه، والبعض الآخر يقبله المذهب لوجود نظائره فيه " (٢) .
وقال الشيخ خلفان بن جميل السيابي (ت ١٣٩٣ هـ) : "وفي فتاوى المذهب ما يدل على الأخذ بالاستحسان عند كثير من علماء الأصحاب " (٣) .
هذا، وإذا عدنا إلى الأمثلة التي ذكرناها سابقا استطعنا الربط بين العمل الفقهي وهذه المصادر التشريعية، فمثلا:
- ما جرى العمل به عند العزابة من أن امرأة تصبح في عصمة نفسها إذا تغيب عنها زوجها أكثر من سنتين، ابتنى العمل على هذا الحكم نظرا إلى الضرر الذي يلحق المرأة من غياب زوجها عنها هذه المدة الطويلة، فالمصلحة داعية إلى رفع الضرر عنها، وجعل الأمر بيدها، إن شاءت فسخت عقدة النكاح وإن شاءت أبقت عليه، فالمصلحة الشرعية هي الداعية إلى سن هذا العرف الفقهي.
- أما عدم الرفع والضم فهو مبني على الحديث الذي رواه الإمام الربيع مرفوعا: "كأني بقوم يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس " (٤) .
وقد جرى العمل عند الإباضية على عدم الرفع والضم، استنادا إلى هذا الحديث، وإلى أخذ الإمام جابر بن زيد من عدد جم من الصحابة عن رسول الله ﷺ ، إذ ورد عنه قوله:
"أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر "يعني ابن عباس، فهو بمنزلة العمل الفقهي، أو الإجماع العملي الذي استمر واستقر عليه العمل، وهذه المسألة أشبه بمسألة عمل أهل المدينة.
- أما نظام العزابة فإن معرفتنا بسبب تأسيسه يرجح أن جانب المصلحة اقتضت – من وجهة أنظار مؤسسيه – وجوده حفاظا على كيان الإباضية، إذ لم يتمكنوا في المغرب العربي من إقامة إمامة إسلامية تحكم بالقسط وتقسم بالعدل، لا سيما في ظل الدولة الجائرة التي كانت تحكم السيطرة على مناوئيها يومئذ، فهو كالبديل لنظام الدولة الإسلامي غير المقدور على تطبيقه، ولهذا ليس لنظام العزابة وجود عند إباضية عمان على مدى فترات تاريخهم، إذا استمر العمل على نصب الخلفاء الشرعيين، وإن النظام القائم على الحكم بشرع الله ، متى ما سنحت الفرصة لذلك.
стр. 18129
-وأما استخدام العبيد - في فترة سابقة – بعد صلاة العتمة فقد ورد النهي عنه فيما رواه الإمام الربيع من طريق جابر بن زيد قال: "سمعت أناسا من الصحابة يروون عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العتمة " (١) .
وموضوع الشاهد أن الإمام غسان بن عبد الله الخروصي – حسبما سبق – كان يرى التشدد في مسألة استخدام العبيد بعد العتمة، فيحمل النهي في الحديث على هذا المحمل، فعدوله عن الأخذ بمقتضاه عدول عن الأخذ بالنص لمصلحة رجحت عدم العمل به، ولذا قال قولته: "عدلنا إلا في عبيد الباطنة ... إلخ " (٢) .
- وأما فتوى أبي المؤثر بتحريق بيوت القرامطة فقد عدها الإمام السالمي من قبيل المصلحة المرسلة كما سبق.
وقد عدها أبو الحواري محمد بن الحواري العماني (من علماء أواخر القرن الثالث الهجري) من قبيل القياس، إذ جعلها مقيسة على تحريق النبي ﷺ مسجد الضرار (٣) .
- أما أبواب التعارف (الدلالة) فمحورها – فيما لم يرد في حكمها نص ولا هو مما أجمع عليه ولا توصل إليه بقياس ولا استدلال – الرضا وسخاء النفس وجريان العادة، وفيما مضى بعض الأمثلة على ذلك، ومما ورد في المصنف: "في الدلالة اختلاف بين الناس ... والمعمول به أنها في مال الولي وغير الولي ممن يعرف منه ذلك، وذلك إذا كان يدل عليه بشيء يسر به المدلول عليه ويكره مما لو فعله بحضرته لم يستحِ منه بذلك " (٤) .
"وقيل الإدلال على كل من اطمأن قلبك أن الذي تفعله في ماله تطيب به نفسك، وإن كان يهوديا ومنافقا، لأن الحلال أصله الرضا وطيبة النفس مع موافقة الحق فيما دخل فيه، وإذا كنت لا تستحي من صاحبك إذا أدركك وأنت تأكل من ماله لم يدخلك حياء " (٥) .
"وإذا أراد أحد من أهل الأملاك منع شيء قد أجمع عليه أهل البلد على إباحته فله ذلك، لأن هذه سنة تراض فإذا لم يرض فقد خرج من حال الإجماع وصار مخصوصا بالكراهية " (٦) .
وهكذا يمكن أن توجه كل المسائل الفقهية المتعلقة بهذا المجال.
* * *
стр. 18130
المبحث الثالث
سبل الاستفادة من العمل الفقهي
في التطبيقات المعاصرة
للعمل الفقهي مجالات متنوعة متوزعة على أبواب الفقه المعروفة، سواء منها العبادات والمعاملات، وفقه الأحوال الشخصية والتشريعات القضائية والدستورية.
وقد اتضح مما سبق من الأمثلة المذكورة شمول العمل الفقهي لجميع هذه الأبواب. كما تبين من اتخاذ بعض كتب الفقه رافدًا للفتوى وإصدار الحكم الشرعي صلاحية هذا النوع من التوجه نحو التعامل مع مستجدات المسائل الشرعية، ولعل من القضايا المهمة التي عالجها العمل الفقهي خلو الساحة من مجتهدين قادرين على استنباط الأحكام في كل جزئية من مسائل الفقه في زمن من الأزمنة.
وهذا ما يبدو أنه تم الإطباق على موافقته لروح الشريعة، من خلال جريان الفقهاء والعلماء على الأخذ به طوال قرون مضت.
ولا يؤثر العمل الفقهي – من حيث وجوده – على حركة نمو الفقه وبروز مجتهدين في الأمة، فقد تقدم أن مختصر البسيوي مثلا أخرج منه بعض العلماء مسائل لم يكن الاعتماد على الأخذ به، لأن العمل الفقهي بمنزلة الحل الوقتي لأزمة فقدان المجتهدين في وقت تشمل فيه حركة الفقه ويقل فيه الفقهاء والعلماء.
على أن الوصول إلى مرتبة الاجتهاد التي يتسنى بها إعطاء الحكم لكل حادثة أمر محدود ولا سيما في العصور المتأخرة.
ويمكن اعتبار العمل الفقهي إذا استحال إلى ما يشبه النص الشرعي الذي لا يحل استبدال شيء به فذاك من سلبياته بهذا الاعتبار.
كما أن نظرتنا إلى العمل الفقهي بأنه آخر نتاج الفقه مما يؤدي إلى القول بإغلاق باب الاجتهاد – كما يحدث في عصور الجمود والركود – سلبية أخرى تؤخذ على هذا العمل، لا سيما إذا استمر العمل به مع تغير الحكم في مسألة ما، أو اقتضت المصلحة العدول عن شيء من أحكامه إلى حكم آخر.
стр. 18131
إذا فهمنا هذه القضايا فيمكننا تحرير مجالات الإفادة من العمل الفقهي فيما يلي:
أولًا – تقنين الفقه:
وهو أن تصاغ الأحكام الفقهية على شكل مواد قانونية، تعالج كل قضية من القضايا الحيوية في المجال الذي توضع له.
وليس تقنين الفقه هذا إلا شكلا من أشكال العمل الفقهي تميزه الصورة القانونية التي يطرح بها، والطريقة القانونية التي تنفذ بها أحكامه، لا سيما إذا كان الفقه بهذا الطرح يمنع من الزلل الذي قد يقع فيه قليلو الدراية بالأحكام الشرعية.
ولذا من الممكن في إطار إدراج العمل الفقهي ضمن عملية التقنين هذه أن يعتمد: إما على الأمور المعمول بها في العصر الذي تتم به هذه العملية، أو على بعض الأعمال التي يجري التعديل فيها بما يتفق مع مقتضيات كل عصر ومكان.
ولو نظرنا إلى كل من مختصر البسيوي ومختصر الخصال لوجدناهما قانونا فقهيا مميزا سبق القانون الدولي الحاضر في سائر مجالات الفقه، وخاصة كتاب مختصر الخصال، فعباراته أشبه بالمواد القانونية، ولنأخذ عليه مثالا:
"باب ذكر بيان ما يستحق الفقير والمسكين من الصدقة
قال أبو إسحاق: والذي يستحق به الفقير والمسكين من الصدقة ثلاث خصال، أحدها: أن يكون مسلما، والثاني: أن يكون حرا، والثالث: أن لا يكون في ملكه قيمة نصاب من المال يكون به غنيا، وقيل خمسين درهما.
باب ذكر بيان ما يستحق به العامل من الصدقة.
قال أبو إسحاق: والذي يستحق به العامل من الصدقة خمس خصال: أحدها: أن يكون رجلا بالغا، الثاني: أن يكون عاقلا، الثالث: أن يكون مسلما، الرابع: أن يكون عاملا لإمام عادل، الخامس: أن يكون حرا. .
باب بيان ما يستحق به المؤلفة من الصدقات
قال أبو إسحاق: والذي يستحق به المؤلفة من الصدقات ثلاث خصال، أحدها: أن يكون رجلا حرا بالغا عاقلا، الثاني: أن يكون مسلما، الثالث: أن يكون الإمام محتاجًا إليه في الوقت " (١)
هذا، وينبغي أن تراعي في مسألة التقنين جملة أمور:
١- أن يكون التقنين وفق الأدلة الشرعية المستمدة من مصادر التشريع الإسلامي، فلا يجوز أن يكون مجال استمدادها من غير هذه المصادر، وأن يكون لكل من العرف والمصلحة المرسلة حظ من النظر كبير في بيان الفتوى وإصدار الحكم الشرعي.
٢- أن يكون التقنين أو الاختيار موكولًا إلى فقهاء وعلماء يميزون الشرعية، ويدركون كيفية الترجيح عند تعارض الأدلة أو عند اصطدام الأدلة بالواقع ويفهمون مقاصد الشريعة المعروفة التي يتم إصدار الحكم الشرعي أو النازلة المعينة في ضوئها.
وهذا ما نشهده في العمل الفقهي الذي استغرقنا تاريخه عند الإباضية، إذا صدر من علماء أجلاء، وكتاب (ديوان الأشياخ) أو (ديوان العزابة) خير مثال لهذا المعنى.
٣- بروز دور مجتهد العصر أو المكان الذي يراد صياغة الفقه فيه، والرجوع إليه في المسائل التي يصل اجتهاده فيها إلى حكم معين نهائي، كما هو الحال في سائر الأعمال الفقهية.
وإغفال هذه الأمور الثلاثة من أكبر المآخذ على كثير من القوانين التي تنظم الأحكام الفقهية، إذ المسألة مسألة شرع وبيان مراد الله فيما يخص تلك المسائل.
٤- ينبغي أن يكون التقنين شاملا لكل مناحي الحياة التي تحكمها سائر الأبواب الفقهية، من عبادات ومعاملات وحدود ودعاوى وغير ذلك، لأن الدين كل لا يتجزأ، وأن تدخل النوازل الحادثة ضمن هذا التقنين من حيث العمل والاجتهاد إلى معرفة الحكم الشرعي منها، وإدراجه ضمن القانون المراد طرحه.
стр. 18132
٥- أن يكون تنفذ القانون الفقهي – في المجالات القضائية – موكولا إلى قضاة شرعيين عارفين بأحكام الشريعة، ليتسنى تنزيل الحكم على الحادثة، بعد المعرفة التامة بتوجه الحكم إليها.
٦- أن تتبنى فكرة التقنين جهة شرعية مسؤولة عن تنفيذ الأحكام الشرعية.
٧- أن يقدم القانون الفقهي بشكل يتناسب مع لغة الطرح العصرية.
٨- أن لا تكون عبارته وألفاظه ذات دلالة محتملة بحيث تختلف الأنظار في تفسير نصه، مما يؤدي إلى اختلاف الحكم من شخص لآخر في مسألة واحدة.
ثانيا - تلقين الفقه:
يمكن استغلال العمل الفقهي في النواحي التعليمية والمجالات الأكاديمية وذلك فيما يلي:
١- إذا كان المتلقي النشء المؤمن، الذي يفترض أن يكون بمنأى عن الخلافات الفقهية التي لا يستفيد منها في الأمور العملية، وأن ينفصل في باكورة حياته عن الأدلة الشرعية التي استفيد منها أحكام العمل الفقهي الذي يلقنه، إذ المراد العمل بالحكم لا الاستدلال على الحكم.
ويتم ذلك باختيار أحد المختصرات التي يسهل عليها هضمها من حيث التلقي والاستيعاب، ولا مانع حينئذ من إحداث عمل فقهي مناسب للمستوى المطلوب.
وقد ظل ديوان العزابة فترة من الفترات مساقا دراسيا للطلبة.
وقد تمثلت هذه الفكرة عند الإباضية فيما ألفه الإمام نور الدين السالمي – مما وسمه بـ (تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان) الذي صار العمل بتلقينه للنشء جاريا منذ تأليفه حتى العصر الحاضر، وقد أدى هذا العمل الفقهي المختصر دوره الريادي عند إباضية عمان.
٢- يمكن أن يصبح العمل الفقهي وسيلة ناجحة في تغطية جوانب النقص لدى المشتغلين بغير العلوم الشرعية، الذين ليس عندهم من الوقت ما يسعفهم لقراءة المطولات التي تتميز بتزاحم الأقوال وتكاثر الأدلة، وليس عندهم من الملكة الفقهية ما يمكنهم من الترجيح بين الأقوال، والذين لا يعنيهم من الفقه إلا الجانب التطبيقي الذي يحتاجون إليه فيما يؤدون به القدر الواجب عليهم من أحكام الدين العملية.
وإذا كانت كثير من مختصرات الفقه قصد باختصارها التيسير على طلبة العلم؛ فإن غيرهم أولى بهذا القصد، سواء الدارسون في هذه الميادين أو الممتهنون لها، ويمكن أن تعنى المؤسسات التعليمية بهذا الجانب، من خلال طرح مساقات تسهل على غير طلبة العلم الشرعي الأخذ بنصيب وافر مما يعنيهم من أمور دينهم، وهذا هو الملاحظ على كثير من دور التعليم لا سيما التي يتأخر فيها التخصص، حيث إن علاج هذه المسألة فيها يكون بشكل غير كثير الجدوى، حين يساوي عدد طلاب العلوم الشرعية بغيرهم في عدد الجرعات الفقهية ونوعية المادة الدراسية الشرعية.
٣- مما يمكن أن يستفاد من العمل الفقهي تقريب الفقه إلى المسلمين غير الناطقين باللغة العربية، لا سيما حديثي العهد بالإسلام، الذين لم يمارسوا شعائر الدين وتعاليمه ممارسة تمكنهم من استيعاب الأحكام إلا بطريقة التلقين.
ويتم إنجاز نحو هذا المشروع بترجمة هذا العمل الفقهي المعد لأمثال هؤلاء.
ثالثا – المجالات الدستورية:
يمكن أن يستفاد من العمل الفقهي بإيجاد صيغة إسلامية لكل التشريعات، سواء منها ما يتعلق بنظام الحكم أو التشريعات الجنائية أو غيرها، وللإباضية في هذين المجالين القدح المعلى والنصيب الأوفر من الأمثلة العملية الحية التي لازمت الحركة السياسية عند الإباضية، فلذا يمكن أن يستفاد من الأعمال الفقهية سواء منها المجموعة مثل كتاب (إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، أو المتناثرة مما له علاقة بالفقه السياسي الإباضي من حيث شروط اختيار الخليفة وطرق ذلك مما تلح الحاجة إلى إلى بيانه وضبطه.
رابعا – المجالات الاجتماعية:
حيث يمكن أن يفادى من بعض مجالات العمل الفقهي المتعلقة بالجوانب الاجتماعية التنظيمية، من خلال استحداث أنظمة اجتماعية أشبه بالدساتير ذات الصبغة الشرعية، تعني بالجوانب الإصلاحية وتسد النقص الذي أفرزته المدنية الحديثة الممتزجة بالمادية الخاوية من روح الدين.
وقد مثل نظام العزابة هذه القضية خير تمثيل.
ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي
стр. 18133
قائمة المراجع:
١- أجوبة ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، تحقيق وتعليق د. عمرو خليفة النامي – بيروت، دار الفتح، ط ١، ١٣٩٤ هـ – ١٩٧٤ م.
٢- أشعة من الفقه الإسلامي (ج ٣) الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا، مهني بن عمر التوياجاني، ط ١ / ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.
٣- الإيضاح، الشيخ عامر بن علي الشماخي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٤هـ – ١٩٨٤ م.
٤- التعارف، الشيخ عبد الله بن محمد بن بركة البهلولي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٩٨٤ م.
٥- الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، ويليه الفهارس، إعداد سعود بن عبد الله الوهيبي، روي: مكتبة مسقط، ط ١، ١٤١٥ هـ – ١٩٨٤ م.
٦- الجامع، عبد الله بن محمد بن بركة البهولي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، تحيق عيسى يحيى الباروني.
٧- جواهر الآثار، الشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٦ هـ _ ١٩٨٦ م.
٨- رسالة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي للإمام أبي الخطاب المعافري – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٩٨٢ م.
٩- السير، الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، تحقيق الشيخ أحمد بن سعود السيابي، ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م.
١٠- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، تحقيق د. سيدة إسماعيل كاشف – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٦هـ – ١٩٨٦ م.
١١ – شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، صححه وعلق عليه عز الدين التنوخي – سلطنة عمان: مكتبة مسقط.
١٢- شرح النيل وشفاء العليل، الشيخ محمد بن يوسف أطفيش – جدة، مكتبة الإرشاد، ط ٣، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
١٣- الصوم، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني – سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ١٤١١هـ – ١٩٩١ م.
١٤- فصول الأصول، الشيخ خلفان بن جميل السيابي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٢ هـ – ١٩٨٢ /.
١٥- مختصر البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد، تقديم الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ١٤٠٦ هـ – ١٩٨٦ م.
١٦- مختصر الخصال، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٤ هـ – ١٩٨٤ م.
١٧- مختصر العدل والإنصاف، الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.
١٨ – المصنف، أحمد بن عبد الله الكندي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة – ١٤٠٣ هـ –١٩٨٣ م.
١٩ – منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، الشيخ خميس بن سعيد الشقصي – سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ١٤٠٣ هـ – ١٩٨٣ م.
٢٠- الموسوعة الفقهية، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط ١، ١٤١٢هـ – ١٩٩٢ م.
٢١- موطأ الإمام مالك بن أنس رواية يحيى بن يحيى الليثي، إعداد أحمد راتب عرموش، ط ١٠ – بيروت، دار النفائس، ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م.
٢٢- نظام العزابة عند الإباضة الوهبية في جربة، د. فرحات الجعبيري – تونس، ١٩٧٥ م.
٢٣- النكاح، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني، تقديم الشيخ علي يحيى معمر، طرابلس، ١٩٧٦ م.
٢٤ – النيل وشفاء العليل، الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني، تعليق بكلي عبد الرحمن عمر، ط ٢، ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م.
٢٥- الوضع، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني، تعليق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش – سلطنة عمان، مكتبة الاستقامة، ط ٦.
стр. 18134
سبل الاستفادة من النوازل
العرض – التعقيب والمناقشة
العرض
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
ففي هذه الجلسة الصباحية المباركة النظر في موضوع: (سبل الاستفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة) ، وقد وزع عليكم سبعة بحوث في وقت سابق، والعارض هو فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، والمقرر هو فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي.
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد؛
فإني أتقدم بين يدي هذا الموضوع بالشكر الجزيل للرئيس على ما أتاه الله من علم ومن خلتين هما الحلم والأناة، وهما خلتان يحبهما الله. وأشكر للأمانة العامة حلمها وأمانتها وجهدها المتواصل، وأشكر للإخوة في البحرين حسن الضيافة وكرم الوفادة.
ثم أقول:
فيا ربي عونا فالمعان مؤيد
وما لامرئ إن لم تعنه كفاء
هذه البحوث تشتمل على حوالي ثلاثمائة صفحة، وهي بحوث من آفاق مختلفة ومشارب شتى. ولهذا إني عندما أعرض هذه البحوث فإن العارض يكون بين تعارض دليلين، الدليل الأول هو دليل الوقت والدليل الثاني هو دليل غزارة المادة، وعند تعارض الدليلين قد يلجأ المرء إلى الترجيح وقد يلجأ إلى الجمع. وإني أحاول ما استطعت إلى ذلك سبيلا أن أجمع بين تعارض الوقت وغزارة المادة. فسأعرض وبسرعة دون أن أبخس أحدا سلعته أو أغمط أحدا حقه، سأعرض إلى هذه البحوث دون اعتراض ولا معارضة، وسأرتبها حسب الترتيب الذي أمامي في الورقة، إلا أن العارض سيكون آخر القوم، كما أن ساقي القوم آخرهم شربا. وهذه الطريقة التي أرجو أن تكون طريقة حسنة هي اختيار لبعض الفقرات من هذه البحوث، لكتابتها وتلخيصها، ولم يقدم أي باحث من الباحثين خلاصة بحثه وهو أمر يجب التنبيه عليه، وقد يفتخر العارض بأنه الوحيد الذي قدم خلاصة بحثه.
стр. 18135
البحث الأول: هو بحث فضيلة الشيخ آية الله محمد علي التسخيري وعنوانه (العمل الحكومي ودوره في تحقيق مسؤوليات الدولة الإسلامية) . وفي هذا البحث نبهني فضيلته بأنه لا يوجد فتاوى عند الشيعة وإنما الذي عندهم هو عمل حكومي، معناه أن الفقيه يتصرف تصرفا ولائيا وليس تصرفا بالفتوى مع أني وجدته أثناء بحثه فرق بين الفتوى والحكم وهو تفريق يتفق تماما مع التفريق الذي عندنا عند القرافي وغيره.
بدأ بحثه بقوله:
للحكومة الإسلامية دور محوري في المسيرة الاجتماعية التي خطط لها الإسلام في إطار نظريته الاجتماعية العامة، وقد حدد الإسلام هذه المسؤوليات التي نجد أنها تجاوزت كثيرا ما كان متعارفا عليه في عصر انطلاقة الإسلام.
ثم فصل هذه المسؤوليات، وذكر أن واجبات الفقيه في عملية الاستنباط وواجباته في عملية القضاء وفض النزاعات، وفرق بينهما وبين واجبات الحاكم في مسألة إدارة دفة الحكم، وفي صفحة أخرى نجد أنه بين مسيرة بحثه وقال: وسيسير بحثنا على النمط التالي: الفصل الأول: وسنتحدث فيه بشكل مقدمي عن المصطلحات التي سنركز عليها كالحكم الحكومي والحكم الأولي والثانوي والعلاقة بين هذه الأقسام. والفصل الثاني: وسنركز فيه على مشروعية الحكم الحكومي متعرضين بالطبع إلى بعض تطبيقاته. والفصل الثالث: وسيتم البحث فيه عن مسؤوليات الحكومة الإسلامية والملاكات التي تحدد لها عملية التنفيذ لهذه المسؤليات. والفصل الرابع: وسنركز فيه على الإمكانات التشريعية التي يملكها الحاكم لتنفيذ مسؤولياته. والفصل الخامس: فتعرض فيه إلى الإمكانات الأخرى التي تساعده في ذلك.
وقد عرف الحكم بأنه الاعتبار الشرعي المتعلق بأفعال العباد تعلقا مباشرا أو غير مباشر. وهذا قريب من التعريف المعروف عندنا وهو أن الحكم ينقسم إلى حكم يتعلق بأفعال العباد ... إلخ. . وبعد ذلك تعرض لما أسماه بالحكم الثانوي – ولعله رخصه – فقال: في حين أن الحكم الثانوي ثابت ما ثبتت الحالة الطارئة ولخصوص هذا الشخص الذي عرضت له. وهذا يشبه الرخصة إلى حد كبير، وذكر أدلة هي أدلة الرخصة المعروفة عندنا، وفرق بين الأحكام الولائية أو السلطانية، ومنها الأحكام القضائية وأدخلها في الأحكام الحكومية، وفصل هذه الأحكام تفصيلا بين أيديكم وفرق بين ما سماه بالأحكام الأولية والأحكام الولائية. وقد ألفت انتباهه قليلا على أن حديث ((رفع القلم عن ثلاثة)) ليس في البخاري على حد علمي ومعرفتي، أشار إليه في الهامش وأنه في البخاري لكنه في الترمذي وغيره. ذكر أن الأحكام الأولية هي أحكام كلية.