- وقسم منها: بين علمائنا وبين الإمام الأقدم مالك بن أنس ﵃.
- وقسم منها: خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن، والحسن بن زياد الؤلؤي، وزفر، وبين ابن أبي ليلى.
- وقسم منها: خلاف بين علمائنا الثلاثة، وبين أبي عبد الله الإمام القرشي.
ثم ذكر منهجه في البيان والتفصيل فليتراجع.
أمثلة من تخريج الفقهاء:
وإذا اختلف الزوجان في المهر، فقال الزوج: ألف. وقالت المرأة: ألفان؛ ففي قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: يحكم مهر مثلها. وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله تعالى: القول قول الزوج إلا أن يأتي بشيء مستنكر جداً.
وإذا كان الاختلاف في الألف والألفين، والمتعة لا تزيد على خمسمائة، لها نصف ما يقوله الزوج، على أنه يجوز أن يصار إلى مهر المثل قبل الطلاق، ولا يصار إلى المتعة بالطلاق، كما إذا تزوجها على ألف وكرامة: يكون لها نصف الألف بعد الطلاق، ويكون لها كمال مهر المثل قبل الطلاق إذا لم يفِ بما شرط لها من الكرامة.
قال الكرخي: يتحالفان في الابتداء، ثم يحكم مهر المثل بعد ذلك. وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول: يحكم مهر المثل أولاً.
فإن كان مهر مثلها ألفين أو أكثر فالقول قولهم مع يمينها، لأن الظاهر يشهد لها.
وإن كان لها ألف درهم أو أقل، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن الظاهر يشهد للزوج.
وإن كان مهر زوجها ألفاً وخمسمائة، فحينئذ يتحالفان ثم يقضي لها بمهر مثلها، لأن المصير إلى التحالف، وإذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بشهادة الظاهر له، وذلك في هذا الموضوع والأصح ما ذكره الكرخي (١) .
وقال صاحب الهداية (-٥٩٣ هـ) في باب المهر: وإن كان مهر مثلها ألف وخمسمائة وتحالفا، وإذا حلفا تجب ألف وخمسمائة، هذا تخريج الرازي (٢) .
стр. 18062
أمثلة من تخريج الأصوليين:
قال عبد العزيز البخاري في شرحه على (كشف الأسرار) :
النهي عن المشروعات يقتضي بقاء مشروعيتها:
وعلى هذا الأصل يخرج كلها، منها:
١- أن البيع بالخمر منهي بوصفه وهو الثمن، لأن الخمر مال غير متقوم، فصلح ثمناً من وجه دون وجه، فصار فاسداً لا باطلاً، ولا خلل في ركن العقد ولا في محله، فصار قبيحاً بوصفه، مشروعاً بأصله.
٢- وكذلك بيع الربا مشروع بأصله (أي بيع هو ربا) ، وهو وجود ركنه في محله، غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العرض، فصار فاسداً لا باطلاً.
٣- ومنها: صوم أيام التشريق حسن مشروع بأصله، وهو الإمساك لله تعالى في قوته طاعة وقربة، قبيح بوصفه، وهو الإعراض عن الضيافة الموضوعة في هذا الوقت بالصوم، فلم ينقلب بالطاعة معصية بل هو طاعة انضم إليها وصف هو معصية.
٤- ومنها: الصلاة وقت طلوع الشمس ودلوكها، مشروعة بأصلها إذ لا قبح في أركانها وشرطها، والوقت صحيح بأصله فاسد بوصفه وهو أنه منسوب إلى الشيطان، كما جاءت السنة: ((فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان)) إلا أن الصلاة لا توجد بالوقت، لأنه ظرفها لا معيارها وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة.
٥- ومنها النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة متعلق بما ليس بوصف فلم تفسد.
٦- ومنها: البيع وقت النداء.
٧- ومنها: أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة (١) .
وإذا ثبت هذا الأصل، وهو: (أن النهي بحقيقته يقتضي القبح في عين ما أضيف إليه) :
١- لم تثبت حرمة المصاهرة بالزنا، لأن المصاهرة شرعت نعمة وكرامة كالنسب، فإن ثبت كرامة لبني آدم اختصوا به من بين سائر الحيوانات، وتعلق به أنواع من الكرامات من الحضانة والإرث والنفقة والولايات.
٢- وكذلك الغصب لا يفيد الملك، لأنه عوان محض، فلا يصلح سبباً في الملك، لأن الملك نعمة وكرامة.
٣- لم يكن سفر المعصية سبباً للرخصة لكونه منهيًّا عنه، لأن الرخصة نعمة شرعت لدفع الحرج، فلا يجوز أن يتعلق بالمعصية.
стр. 18063
٤- لا يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء.
قال الزنجاني الشافعي (١) في مقدمة كتابه:
ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبتنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غاياتها، لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، من لم يعرف أصولها لم يحط بها علماً.
وقال: وحيث لم أرَ من العلماء الماضين والفقهاء المتصدين من تصدى لحيازة هذا المقصود، بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول المجردة، وعلماء الفروع بنقل المسائل المبددة، من غير تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول – أحببت أن أتحف ذوي التحقيق من الناظرين بما يسر الناظرين.
فبدأت بالمسألة الأصولية التي ترد إليها الفروع في كل قاعدة، وضمنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين، ثم ردت الفروع الناشئة منها إليها.
وقال الإسنوي والشافعي في مقدمة التمهيد: "وقد مهدت بكتابي هذا طريق التخريج لكل ذي مذهب، وفتحت به باب التفريع لكل ذي مطلب ". ثم دعا فقهاء المذاهب أن ينهجوا نهجه، ويسلكوا سبيله في هذا المضمار، حيث قال: "فلتستحضر أرباب المذاهب قواعدها الأصولية وتفاريعها، ثم تسلك ما سلكته فيحصل به إن شاء الله تعالى لجميعهم التمرن على تحليل الأدلة وتهذيبها، ويتهيأ لأكثر المستعدين الملازمين للنظر فيه نهاية الأرب، وغاية الطلب، وهو: تمهيد الأصول إلى مقام استخراج الفروع على قواعد الأصول، والتفريج إلى ارتقاء مقام ذوي التخريج " (٢) .
وقال ابن رجب الحنبلي في مقدمة كتابه (القواعد الكبرى) :
"أما بعد؛ فهذه قواعد مهمة وفوائد جمة تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مأخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد، فليمعن النظر فيه الناظر، وليوسع العذر إن اللبيب عذر، فلقد سنح بالبال على غاية من الأعجال، الارتجال أو قريباً من الارتجال في أيام يسيرة وليال، ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء من كثير صوابه " (٣) . اهـ.
стр. 18064
النوازل في فقه الشافعية
قال الجويني: وإن وقعت واقعات لا نصوص لصاحب المذهب في أعيانها، فما يعرى عن النص ينقسم قسمين:
أحدهما: أن يكون في معنى المنصوص عليه، ولا يحتاج في درك ذلك إلى فضل نظر وسبر غور وإمعان فكر، فلا يتصور أن يخلو عن الإحاطة بمدارك هذه المسالك من يستقل بنقل الفقه، فليلحق في هذا القسم غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه.
وبيان ذلك بالمثال من ألفاظ الشارع: أن النبي ﷺ قال: ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه نصيب صاحبه)) . فالمنصوص عليه العبد، لكننا نعلم قطعاً أن الأمة المشتركة في معنى العبد الذي اتفق النص عليه ... فلا حاجة في ذلك إلى الفحص والتنقيب عن مباحث الأقيسة، فإذا جرى لصاحب المذهب مثل ذلك لم يشك المستقل بنقل مذهبه في هذا الضرب في إلحاق ما في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه.
وإذا احتوى الفقيه على مذهب إمام مقدم حفظاً ودراية، واستبان أن غير المذكور ملتحق بالمذكور فيما لا يحتاج فيه إلى استشارة معانٍ واستنباط علل، فلا يكاد يشذ عن محفوظ هذا الناقل حكم واقعة في مطرد العادات.
والسبب فيه: أن مذاهب الأئمة لا تخلو من كل كتاب بل في كل باب، عن جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات وما وقع منها وما لم يقع.
فإن فرضت واقعة لا تحويها نصوص، ولا تضبطها حدود روابط وجوامع ضوابط، ولم تكن في معنى ما انطوت النصوص عليه (١) .
* * *
стр. 18065
النوازل عند فقهاء الحنابلة
الفتوى في الحادثة التي ليس فيها قول لأحد العلماء:
قال ابن القيم: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟
يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال النبي ﷺ : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)) (١) . وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله، وما عرف فيه أقوال واجتهد فيه الصواب منها وعلى هذا درج السلف والخلف.
والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث ... وأنت إذا تأملت الوقائع لرأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة، ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم.
والحق: أن ذلك يجوز – بل يستحب أو يجب – عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم (٢) .
وقال ابن القيم: ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى؟
إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده، أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد.
وإن ذكرها ونسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟
فيها وجهان: لأصحاب الإمام أحمد والشافعي: أحدهما: لا يلزم تجديد النظر، وجهه: لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكن اختلافه مع نفسه فادحاً في علمه، بل هذا من كمال علمه، ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر (٣) .
* * *
стр. 18066
النوازل في الفقه المالكي
النوازل والفتاوى:
النوازل والفتاوى والواقعات والأحكام هي أسماء لمسمى واحد (الفتوى) ، والغالب على أهل المشرق أن يطلقوا عليها تسمية (الفتاوى) لأنها بينت أحكام حوادث نزلت، و (كتب أجوبة) لأنها أجيب بها عن أسئلة وردت، و (كتب أسئلة) لأنها حدثت بعد أسئلة، و (كتب أحكام) لأنها بينت أحكاماً بحوادث خاصة، مما جعل المتأخرين من المغاربة يسمون المفتي (بالنوازلي) (١) . لأنه اختصاصي في الإجابة عما يحدث من النوازل.
وربما كانت النوازل الأندلسية والمغربية من متصف القرن الخامس الهجري إلى منتصف القرن التاسع منه – من أهم النوازل، لأنها كتبت في مرحلة تاريخية هامة وغنية بالأحداث، حيث اشتدت بالأندلس مشاكل ملوك الطوائف، وظهرت بالمغرب نتائج زحفه بني هلال.
وفيها بدأ الهجوم النصراني على بلاد الأندلس، فسقط طليطلة ثم قرطبة وإشبيلية وأخيراً غرناطة، كما تعددت حملات الفرمان على السواحل الشرقية للمغرب.
وفيها ظهرت دول إسلامية كبرى كالمرابطين والموحدين والمرينيين.
وفيها حدثت التحركات البشرية في هجرات متداخلة متعاكسة، كهجرة الأندلسيين من شمال بلادهم إلى وسطها فالمغربين الأقصى والأدنى، وكهجرات المغاربة الداخلية التي كانت بسبب تناوب الدول واعتمادها على العصبية القبلية.
هناك أربعة أصناف رئيسية من المناهج التأليفية لكتب النوازل المغربية والأندلسية:
الصنف الأول منها: هي التي يؤلفها أحد الفقهاء المفتين، فيجمع فيها أجوبته وأجوبة غيره من معاصريه، أو من السابقين له من مختلف البلاد، ويرتبها على ترتيب أبواب الفقه.
ومن أشهر هذه المؤلفات في هذا الصنف معلمتان بارزتان: إحداهما التونسي هو البرزكي (- ٨٤١ هـ) .
أما المعلمة الثانية في هذا الصنف من النوازل فهي كتاب (المعيار المعرب) لأحمد بن يحيى الونشريسي التلمساني (- ٩١٤ هـ) .
الصنف الثاني: من كتب النوازل هي التي جمعت أجوبة فقهاء ينتسبون إلى منطقة واحدة، أو إلى مدينة واحدة، فمن تلك التي جمعت فتاوى شيوخ منطقة واحدة يمكن أن نذكر مثلين بارزين هما:
١- كتاب (أحكام ابن سهل الغرناطي ٤٨٦ هـ) ، وهو المعروف بكتاب (الإعلام بنوازل الأحكام) ، وهو أقدم مجاميع النوازل الأندلسية، حيث جعله صاحبه خاصاً بفتاوى الأندلسيين.
стр. 18067
٢- كتاب (الدر المكنون في نوازل مازونة) للفقيه يحيى بن موسى المازوني المغيلي (- ٨٨٣ هـ) (١) . هو كتاب جمع فيه نوازل علماء تونس وبيجاية والجزائر وتلمسان. أما كتب النوازل التي جمعت أجوبة فقهاء ينتسبون إلى مدينة واحدة فمنها:
أ- كتاب الحديقة: المستقلة النضرة في الفتاوى الصادرة عن الحضرة (غرناطة) ، لمؤلف مجهول.
ب- (مجموع فتاوى علماء غرناطة) تأليف أبي القاسم محمد بن طركاظ العكي الأندلسي، تولى قضاء المرية (٨٥٤ هـ) ، ولم يعرف تاريخ وفاته.
والصنف الثالث: من كتب النوازل؛ هي التي جمعت أجوبة فقيه واحد، جمعها أو جمعت له من أحكامه من خلال مدة قضائه وتوليه الفتوى، أو أجاب بها عن مجموعة أسئلة وجهت إليه.
- فمن أمثلة النوازل التي تجمع للفقيه: فتاوى أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد (- ٥٢٠هـ) ، جمعها تلميذه محمد بن أبي الحسن بن الوزان (- ٥٤٣ هـ) .
وفتاوى القاضي عيان اليحصبي البستي (- ٥٤٤ هـ) ، عنوانها: (مذاهب الحكام في نوازل الأحكام) . ونوازل مفتي الأندلس أبي سعيد فرج بن لب (- ٧٨٢ هـ) .
والصنف الرابع: من كتب النوازل؛ هي تلك التي يؤلفها صاحبها للإجابة عن قضية واحدة، منها: الرسالة المنصورية، وعنوانها: (مصباح الأرواح في أصول الفلاح) ، وهي جواب عن سؤال يطلب منه توضيح ما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار وما يلزم أهل الذمة ...وخاصة يهود ناحية توات من جنوب البلاد الجزائرية.
- ومنها: أسنى المتاجر في بيان من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر ... لأحمد بن يحيى الوانشريسي التلمساني (- ٩١٤ هـ) ، وفيها من الشذ ما جعله يمنع كل موالاة النصارى، ويحرم كل تعايش معهم في جوارهم ... وقد صدرت هذه الفتوى في ظروف عصبية، حيث كانت بعد سقوط مدينة غرناطة في أيدي النصارى.
وجاء في مقدمة (مذاهب الحكام) : وثمة فرع آخر برز فيه الفقهاء الأندلسيون والمغاربة وهو (النوازل) التي تدعى كتبها أيضاً بكتب (الفتاوى) وكتب (الأحكام) وكتب (المسائل) . اهـ.
وقد استمر الأندلسيون يؤلفون في هذا الفرع إلى سقوط مملكة غرناطة، ولعل نوازل (ابن طركاظ) هي آخر مجموع وصل إلينا من تراث (النوازل) الأندلسي الضخم، ومنها كتاب (مذاهب الحكام في نوازل الأحكام) للقاضي عياض وولده، ومن أقدم ما ألفه المغاربة، وهي إحدى المجموعات التي ترجع إلى عهد المرابطين ونسمي بعضها فيما يلي:
١- نوازل ابن سهل المعروفة (بالأحكام الكبرى) ، وابن سهل هذا – مثل القاضي عياض – مارس القضاء والأحكام في المغرب والأندلس على عهد المرابطين وقبلهم. وقد ظلت هذه النوازل مرجعاً فقهيًّا، وأفاد منها بعض المؤرخين المحدثين، ويعني بدراستها وإخراجها مجزأة الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف.
٢- نوازل ابن رشد الجد: وقد رواها عنه وجمعها تلميذه ابن الوزان، وأفاد من هذه النوازل وكتب عنها عدد من الأستاذة، منهم: عبد العزيز الأهواني، وبرونشفيغ، وإحسان عباس، وغيرهم، وكانت موضوع رسائل جامعية.
٣- نوازل ابن الحاج القاضي الشهيد: وتنقل عنها كتب النوازل المتقدمة والمتأخرة، ما تزال مخطوطة.
стр. 18068
٤- نوازل أبي المطرف عبد الرحمن الشعبي المالقي: وينقل عنها ولد القاضي عياض والبناهي وغيرهما، ووصفها البناهي بأنها مجموعة نبيلة، وقد نشرتها دار الغرب الإسلامي أخيراً.
٥- نوازل القاضي ابن دبوس الزناتي اليفرني التي أسماها: الإعلام بالمحاضر والأحكام، وما يتصل بذلك مما ينزل عند القضاة والحكام، تقع في أربعة أسفار يوجد منها سفران في خزانة القرويين، وقد توفي القاضي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن دبوس المذكور سنة (- ٥١١ هـ) ، كما في طرة المخطوط.
٦- نوازل أبي الوليد هشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، المعروف بابن بقوي، المتوفى سنة (- ٥٣٠ هـ) ، وكتابه المذكور في الأحكام والنوازل يوجد مخطوطاً في الخزانة العامة والخزانة الحسنية وخزانة القرويين وغيرهما.
٧- نوازل أبي القاسم أحمد بن محمد بن عمر التيمي المعروف بابن ورد، المتوفى سنة (- ٥٤٠ هـ) ، وقد عني بعض إخواننا بإعداد نوازله، وهي قيد الطبع.
٨- نوازل أحمد بن سعيد بن بشتغير اللخمي اللورقي المتوفى عام (- ٥١٦ هـ) ، وله نوازل توجد منها نسخة وحيدة في الخزانة الحسنية، وقد قام بإعدادها للطبع صديقنا الفقيه الفاضل السيد محمد أبو خبزة.
٩- اعتماد الحكام، في مسائل الأحكام، وتبيين شرائع الإسلام من حلال وحرام، مما عني بجمعه وترتيبه على توالي مدونة سحنون، الشيخ الفقيه أبو علي حسن بن زكون، وتوجد منه الأجزاء ٧ / ٨، ٩، ١٠ في مجلد ضخم بالخزانة العامة بالرباط ٤١٣ ق، ومؤلف هذه المسائل مذكور في هذه النوازل التي بين أيدينا.
١٠ - نوازل ابن عياض: موضوع هذا العرض، وهي أصغر حجماً من نوازل أبي الأصبغ ابن سهل، وأبي الوليد ابن رشد، ولكنها لا تقل عنهما فائدة وقيمة، وتتميز عنهما بطابعها المزدوج، أي أنها نوازل مغربية أندلسية.
إن ظهور هذه النوازل في عصر واحد وزمن متقارب يدل على حركة الفقه ورواجه في عصر المرابطين، الذي كان عصر الفقهاء أو عصر (قال مالك) ، كما عبر الشاعر الأعمى التطيلي في كافيته التي يشكو فيها من كساد بضاعة الشعر ونفاق سوق الفقه.
стр. 18069
مسائل من النوازل عند فقهاء الحنفية
أ- وجوب العشاء وإن لم يغبْ الشفق.
ب- التأمين البحري – ابن عابدين.
ج – النوازل المستجدة. . . ورأي بعض الفقهاء المعاصرين (حق التأليف والنشر) .
أ- نازلة وجوب العشاء وإن لم يغب الشفق
إن أهالي قازان وبلغار، وما يقاطرهما من القرى والأمصار، افترقوا في هذه القضية زمراً واختلفوا فيها.
منهم: من يساهم بالكلية، ويزعم سقوط هذه الفريضة في تلك الأيام من السنة، وأبعدهم عن الحق وأضلهم عن سواء السبيل هذا البعض.
ومنهم: من يحتاط ويأخذ بالأحوط في مواضع الخلاف، فيصليها فرادى، ويترك الجماعة فيها مخافة الوقوع في البدعة وهي: التنقل بالجماعة وذلك باطل؛ لأنه لا مساغ للشك في وجوبه ولو سلم، فلما صلاها بظن الوجوب على الفرق فالمعتبر ذلك الظن، ولا يكون الجمع مكروهاً كما في صلاة الجمعة مع الخلاف في وجوبها، لعدم تحقق شرائط وجوبها أو صحتها في أكثر المواضع.
ومنهم: من يصليها أخذاً بمذهب مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة.
ومنهم: من يقول: إن الوقت يدخل لأن الشفقَ هو الحمرة على الأصح وهي تغيب، وإنما يبقى البياض والصفرة وهي غيرها. .. ومن ذلك ذهب أبو المعالي من الشافعية إلى أن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق وهو الصفرة دون البياض والحمرة.
ومنهم: من يقول: إن الشفق يغيب من جهة الغروب ومحل الأفول؛ وأما ما يبقى من الجانب الآخر وجهة الطلوع بعد وصول الشمس إلى خط نصف النهار في انحطاطها فهو محسوب من الصبح.
стр. 18070
ومنهم: ومن يتكلف وينوي في كل يوم قضاء عشاء اليوم السابق.
ومنهم: من يقول بالتقدير، ويعتبر غيبة الشفق في أقرب البلاد إليهم، فإذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلدان إليهم دخل وقت العشاء وخرج وقت المغرب، ومقتضى ذلك أن لا يصلوها إلا في نصف الليل بالغيبوبة في أقرب البلدان إليهم، ثم الأقرب فالأقرب حتى يغيب عندهم. وهذه جملة آراء انتحلوها في هذا الباب.
وبعد سرد هذه الأقوال تزييفها قال:
وقد عرفت أن الحق في المسألة أن الوقت ليس بسبب لوجوب الصلاة وتحقيقه ليس بمشروط بالغيبوبة أو غيرها من العلامات المذكورة.
ثم على تقدير سببيته فليس هو من الأسباب والشروط التي لا تحتمل السقوط، فإذا مضى بعد المغرب زمان يغيب فيه الشفق في الأقطار الاستوائية والأيام الاعتدالية دخل وقت العشاء.
وهؤلاء الذين يدينون بإسقاط هذه الفريضة لا يراعون غيبة البياض، ولا يحافظون على غيبة الحمرة كما ينبغي في أيام الشتاء، ثم يتعللون في إسقاط فريضة من أعظم فرائض الله تعالى بزخارف الشبهات (١) .
شذ شرذمة قليلة من أحداث الأمة، وأخلاف المتفقهة؛ وزعموا أن العشاء ساقطة عن سكان بعض الأقطار في عدة من أيام السنة ينتهي اقتصار لياليها إلى غاية لا يغيب الشفق فيها، متوهماً منهم أن الوقت هو سبب لوجوب الصلاة، وظرف لها وشرط لتحققها يتوقف على غيبوبة الشفق. وهو زعم ساقط وتوهم لا مساغ له قط.
وذلك لأن سببية الوقت غير مسلمة بل غير صحيحة، لأن أدنى مراتب السبب أن يكون ملائماً للمسبب، وهو منتفٍ بين الصلاة والوقت قطعاً.
ولأن السبب لا يجوز أن يكون كل الوقت لوجوب الصلاة لمن صار أهلاً لها في آخر الوقت، ولا البعض المعين منه لصحة الأداء ممن أقامها في غير ذلك الجزء المعين مطلقاً لعدم وجوب أدائها ولا قضائها ولا الفدية عنها على من اعترضه عدم الأهلية في آخر الوقت، من موت أو جنون مطبق أو حيض أو نفاس، ولا الجزء المقارن للأداء لوجوب قضائها المساهل الذي لم يشرع فيها قط، بل تعطل في الوقت كله. . .
مع أن الجزء المقارن ليس له تقدم على الصلاة أصلاً، فكيف يكون سبباً موجباً لها ومؤديا إليها (٢) .
وبالجملة جعل الوقت سبباً للعبادة، بما هو وقت؛ غير معقول.
ثم لا شك أن الوقت متحقق في حق من ليس بأهل للصلاة لاشتماله على أحواله، مع عدم الوجوب عليه، فينقدح من ذلك: أن السبب أو مرور الوقت. . .
- فقد ذهب الفقهاء المتقدمون والعلماء المحققون من مشايخنا إلى أن سبب وجوب العبادات تتالي نعم الله تعالى، وتواتر إنعامه وإحسانه إلينا في كل وقت، ومن كل وجه، وعلى كل حال.
فإنه سبحانه أسدى لعباده من أنواع البر والنعم وأصناف الفضل والكرم ما يعجز العقول عن عده والإحصاء عن الوصول إلى حده، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، فأوجب سبحانه عليهم العبادات بعد إتيانهم بما يجب تقديمه من الإيمان والإقرار بالصانع القادر المختار شكراً لما منحهم من باهر نعمه، وغمرهم بعظيم فضله ووافر كرمه، ليفوزوا بجواره وينقذوا من ناره. . . إلى أن قال: ثم النعم لما كانت غير داخلة تحت الضبط والإحصاء والوقت ظرفاً لحدوثها، أديرت الصلوات معه ووزعت على أوقاتها تيسيراً للعبادة، وإقامة للظرف مقام المظروف، وهو مراد من قال: إن الوقت سبب لها نسبة لما هو للحال إلى المحل على طريق المجاز العقلي، كقوله: سار الركب، وسال الوادي، وليس أنه سبب حقيقة. . .
ثم إن الوقت مقدار محدود من زمان غير محدود، وهو أمر بديهي الأنية وإن كان خفي اللمية. إن الزمان هو مقدار متجدد غير قار، فلتجعله ما شئت وسمه به. . .
стр. 18071
وليكن ما كان لا يدخل في حقيقته شيء من الألوان من الحمرة والصفرة والبياض، ولا الطلوع والزوال والعشي والغروب، ولا يتوقف على وجودها، وإنما هي أعلام معرفات لمضي الأزمان، وانقضاء المقدار المعين من الأوقات يتعرف بها حضور الأوقات التي جعلت بحكم الشرع مداراً لأداء الصلوات ووجوبها، لا ينتفي بانتفائها وانتفاء الأعلام المعرفة بها.
- هذا وإن سبب وجوب الصلوات الخمس. . . النعم المتواردة على التوالي، ولكنها لما كانت غير منضبطة ولا داخلة تحت الإحصاء أديرت الصلوات مع الأوقات، وجعل الطلوع والزوال والغروب والغيبوبة وأمثالها علامات لوجودها، ومعرفات لها، يتمكن بها العامة والخاصة من العلم بحضور الأوقات المعينة للصلوات. .
قلت: وهذا كلام النفيس.
وإن وجوب نفس الصلاة موزعة على أوقاتها من الظهيرة والعشي والمساء والزلفة والصباح بالبرهان القطعي. . . لكن داخله الظن وآراء الناس في بيان أول الوقت وآخره فيما نحن فيه. فإن ذكر غيبوبة الشفق في دخول وقت العشاء؛ إنما ورد في رواية عائشة وأبي موسى وعبد الله بن عمر وأنس وأبي هريرة وبريدة. .
وحديث الإمامة، وهو كما أنه خبر الواحد ظني الثبوت كذلك ظني الدلالة. فلو شرط غيبة الشفق لدخول وقت العشاء، لزم نسخ عمومات الكتاب ومحكمات الأدلة الواردة في إيجاب الصلوات الخمس على كل مؤمن ومؤمنة بالنسبة إلى سكان الأقطار التي لا يغيب فيها الشفق، بخبر الواحد الظني الثبوت والدلالة، أو تخصيصها بغيرهم بهذا الخبر.
ولذلك اختلف في مفاده فقهاء وعلماء الأمة، فإن أصحابنا وسفيان الثوري وأحمد ومالكاً في رواية، والشافعي في قوله القديم؛ ذهبوا إلى أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق مع اختلافهم في الشفق. . . وذهب الأوزاعي وابن المبارك والشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية إلى أن وقت المغرب قدر ما يصلى خمس ركعات متوسطات بوضوء وأذان وإقامة فحسب، ويدخل وقت العشاء بعده.
والشفق: هو البياض عند أبي حنيفة وأحمد بن حنبل والمزني.
والشفق: هو الصفرة فيما اختاره أبو المعالي الجويني، والحمرة عند آخرين.
وذهب أبو سعيد الأصطخري من الشافعية إلى أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل.
وقال الحسن بن زياد: آخر وقت العصر إلى اصفرار الشمس فقط.
ومن ذهب من المخالفين إلى أن وقت الظهر والعصر واحد، وكذا وقت المغرب والعشاء وجواز الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر، ولو كان قطعياً لزمه الإجماع، ولما ساغ هذا الخلاف فيما بين هؤلاء الأئمة العظام والفقهاء الفخار، العارفين بموارد النصوص ومعانيها، ومواقع الإجماع ومبانيها، ولما وقع منهم ذلك وقوعاً متوسعاً شائعاً. .
ولكن المسألة لما كانت في محل الاجتهاد مال هؤلاء إلى هذا، وهؤلاء إلى ذلك، بما لاح لهم من الأمارات الظنية في ترجيح بعض الأدلة على بعض، وحمل غيره إلى ما ترجح عنده بحسب غالب الظن، فصار إلى ما أدى إليه رأي كل واحد منهم مذهباً له، ولمن تابعه من غير تضليل لصاحبه، ولا إسقاط لقوله من الاعتبار، بل أجمعوا على تقرير حكم المجتهد، وعلى تقليد العامي له في ذلك الحكم فإنه دليل شرعي. والمذهب أن العلامات حيثما تحققت يجب مراعاتها، ولا يجوز المساهلة في تحقيقها تحصيلاً لليقين وسلوكاً لطريق الاحتياط، وعملاً بقوله ﵊: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .
فيقدر وقت صلاة المغرب بمدة مغيب الشفق في الأيام الاعتدالية، والأقطار الاستوائية.. . ثم يدخل وقت العشاء إن أمكن ذلك.
стр. 18072
وإلا فبقدر ما يغيب فيه أسرع من غيبته في هذه الأيام والأقطار، ثم الأسرع فالإسرع، فإن لم يمكن ذلك – بأن لايكون بين غروب الشمس وطلوعها إلا زمان قليل لا يسع التقدير فيه بشيء – فالواجب إذن إيقاع المغرب والعشاء والفجر بين المغرب والطلوع.
فإن لم يكن بينهما مدة يسع فيها تلك الفرائض فيسقط اعتبار العلامات بالكلية ويرجع الأمر إلى التقدير على منوال ما سبق في كل صلاة للضرورة، ويكون أداء لما ثبت فرضيته بالأدلة المطلقة في الوجوب.
وتلخيص البيان: أن كون الأوقات أسباباً لوجوب الصلوات ووجودها مشروط بتحقق العلامات مما لا مساغ له قط، فلا نسلم فقد الأوقات بانتفائها، ولا سقوط الصلوات بفقدانها. وقال: وقد تقرر في مقره أن الأسباب والشرائط إنما تعتبر بحسب الإمكان، ولا يسقط الممكن بسقوط ما ليس بممكن، هذا والله المستعان. . .
وقال: واعلم أنه لو انتفت تلك العلامات المعرفة للمدة الفاصلة بين أوقات الصلوات أصلاً، بأن لا يتحقق غروب الشمس ولا طلوعها مدة مديدة نصف سنة أو أقل. .. بأن تطلع الشمس كما تغرب، فإن مثل هذه المعمورة متحقق لا محال.
وأقصى المنطقة الباردة لا تغرب الشمس أكثر من ستة أشهر، فإنه لا تطلع الشمس فيها ولا تغرب إلا بحركتها الخاصة الشرقية.
وقال: وإذ قد ثبت لنا ذلك ثبوتاً لا مرد له عقلاً بالعلم الضروري، ونقلاً بالخبر المتواتر، بحيث لا يمكن إنكاره إلا من جاهل معاند.
فهل تجب الصلوات الخمس والصوم وسائر العبادات المتعلقة بالأوقات على سكان هذه الأقطار؟
لم يُرَ فيه كلام في كتب المتقدمين، ولم يُروَ فيه خبر عنهم في تصانيف واحد من العلماء الكبار المتبحرين من أهل القرن السادس وبعده؛ في وجوب العشاء والوتر وعدمه على من لم يجد وقتهما. . . بأن لا تتحقق المدة الفاصلة التي هي مدة غروب الشمس في الأيام المعتدلة والأقطار المتوسطة.
- ففي الفتاوى الظهيرية والمضمرات والتتارخانية وغيرها، أفتى الإمام الأجل برهان الدين الكبير في أهل بلد كما تغرب الشمس يطلع الفجر – أن عليهم صلاة العشاء، والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء.
وقال ابن الهمام: وأفتى الإمام البرهان الكبير بوجوبها (١) .
وفي التبيين: شرح الكنز للزيعلي: ذكر المرغيناني أن الشيخ برهان الدين الكبير أفتى بأن عليهم صلاة العشاء.
وقال محمد بن عبد الله التمرتاشي الغزي في كتاب تنوير الأبصار: وفاقد وقتهما مكلف بهما.
وقال الشيخ سري الدين عبد البر – المعروف بابن الشحنة – في الذخائر الأشرفية: إن الصحيح خلاف ما اختاره صاحب الكنز في هذه المسألة.
وقال في الكنز: إن الفتوى على الوجوب.
وفي المحيط البرهاني: ورد فتوى في زمن الصدر الكبير برهان الأئمة.
وكان فيها: إنا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا؛ فإن الشمس كما تغرب يطلع الفجر من الجانب الآخر، هل علينا لصلاة العشاء؟
فكتب في الجواب: إنه ليس عليكم صلاة العشاء، وهكذا كان يعني ظهر الدين المرغيناني (٢) .
стр. 18073
وفي الظهيرية: وأفتى الشيخ الإمام برهان الدين الكبير في أهل بلد كما تغرب الشمس يطلع الفجر. . . إن عليهم صلاة العشاء، والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء (١) .
وفي خلاصة الفتاوى: ولو كانوا في بلدة إذا غربت الشمس طلع الفجر لا يجب عليهم صلاة العشاء. (٢)
وفي الكافي لأبي البركات النسفي: ولا يجب العشاء لقوم لم يجدوا وقته بأن يطلع الفجر كما غربت الشمس، لعدم سبب الوجوب وهو وقته.
وفي الكنز له: ومن لم يجد وقتهما لم يجب.
وذكر الزاهدي في المجتبى شرح المختصر عن البدر الطاهر قال: وردت فتوى في زمن الصدر الكبير برهان الأئمة: إنا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا هل علينا صلاته؟
فكتب: ليس عليكم صلاة العشاء، وبه أفتى ظهير الدين المرغيناني.
وفي الجواهر: إن كانوا في بلدة يقال لها: بلغار – إذا غربت الشمس طلع الفجر: لا يجب عليهم صلاة العشاء. . . كذا أفتى الصدر الكبير برهان الأئمة وظهير الدين المرغيناني.
وقد نسب الفتوى بالوجوب إلى ظهير الدين المرغيناني في غير واحد من الشروح وغيرها.
وبالجملة:
- فمأخذ القول بالوجوب هو برهان الدين الكبير.
- ومأخذ القول بعدمه هو الصدر الكبير برهان الأئمة.
- واختلف القول: عن ظهير الدين المرغيناني. (٣)
ثم خلص إلى القول: بأن طائفة من أحداث الجهال المتعصبين على الحق، المنهمكين في التقليد، المتهالكين في إضاعة الصلاة قد حرفوا عبارة الظهيرية والمضمرات وغيرهما، وزادوا فيها كلمة (ليس) النافية، وسلطوها على الوجوب، زعماً منهم أنها لو لم تكن موجودة في العبارة لكان آخر الكلام منافيًّا لأوله، حيث قال: والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء، وهو زعم سقيم ووهم عقيم، فإن عبارات تلك الكتب محكمة في عدم هذه الكلمة، والنسخ مضطردة عليه، فإنه لو كانت موجودة فيها لم يرتبط بها قوله: والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء.
- لأن مفاده أن هذا الذي وجب عليه العشاء لا ينوي القضاء، لأن التقدير: فقد وقت الأداء، والقضاء تسليم ما وجب بعد انقضاء الوقت، ولأنه لا حاجة إلى نفي وجوب القضاء بعد قوله: ليس عليهم صلاة العشاء.
- على أن حق العبارة على ذلك التقدير أن يقول: والصحيح أنهم لا يجب عليهم قضاؤها.
وقد عرفت أن الخلاف فيمن لا يجد الوقت أصلاً.
ومن أفتى بالوجوب لم يبالِ بعدم الوقت وذهب إلى وجوبه مع عدمه، لأن الوقت غير مقصود بالذات ولا بسبب حقيقة، ويسقط اعتباره بأدنى سبب، كما في عرفة ومزدلفة وأيام الدجال بالاتفاق. ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وكذا المغرب والعشاء عند مالك والشافعي ومن وافقهما.
وقد قالوا: إن العبادات متى دارت بين الوجوب وعدمه أوجبها الاحتياط، لأن مبناها على التكثير، لأن الإنسان إنما خلق للمعرفة وإظهار العبودية، فكيف لا، إذا قام الدليل على وجوبها قياماً لا مرد له، وثبت ثبوتاً لا ريب فيه، بخلاف أمر العقوبات فإنها تندرئ بالشبهات.
стр. 18074
فقولهم: الصحيح أنه لا ينوي القضاء متفرع على وجوب الأداء مع عدم تحقق وقت العشاء، ولا تنافي بين أطراف الكلام أصلاً.
ألا ترى العلامة ابن الهمام رحمه الله تعالى بعد ما بسط الكلام في الوجوب، وزين القول بالسقوط قال: الصحيح أنه لا ينوي القضاء، لفقد وقت الأداء (١) .
ب- نازلة التأمين البحري (السوكرة) :
جاء في تحرير المسألة ما نصه:
قال ابن عابدين: جرت العادة – في زمن المصنف – أن التجار إذا استأجروا مركباً من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده، ويسمى ذلك المال (سوكرة) ، مع أنه مهما هلك من المال الذي في المركب – بحرق أو غرق أو نهب أو غيره – فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذ منهم – ولو وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان – يقبض من التجار مال السوكرة.
وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماماً.
قال ابن عابدين: والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، ووجه هذا القول لأن هذا التزام ما لا يلزم.
ثم مضى بأسلوب الجدل الفقهي يحرر المسألة بإيراد الاعتراضات المحتملة والرد عليها فقال:
فإن قلت: إن المودع إذا أخذ الأجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت.
قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل – وجهه: لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة بل بيد صاحب المركب. وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيراً مشتركاً، فقد أخذ أجرة على الحفظ وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق ونحو ذلك.
فإن قلت: لو قال الآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه وأخذ ماله لم يضمن.
ولو قال: إن كان – الطريق – مخوفاً وأخذ مالك فأنا ضامن، بعلة أنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصاً. أي بخلاف الأولى فإنه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن.
وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة، أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور، فيصار كقول الطحان لرب البر: اجعله في الدلو فجعله فيه، فهذب من النقب إلى الماء – وكان الطحان عالماً به – يضمن إذا غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة.
قلت: لا بد من مسألة التغرير أن يكون الغار عالماً بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم، إذ لا شك أن رب البر لو كان عالماً بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره، ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا؟
- وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار، لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف، طمعاً في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضاً. . .
نعم، قد يكون للتاجر شريك حربي في بلاد الحرب، فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة بين حربيين في بلاد الحرب. . . وقد وصل إليه ما لهم برضاهم، فلا مانع من أخذه.
وقد يكون التاجر في بلادهم، فيعقد معهم هناك ويقبض البدل في بلادنا أو بالعكس. .
ولا شك أنه في الأولى: إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا يقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحل له أخذه، لأن العقد الذي صدر في بلادهم لا حكم له، فيكون قد أخذ مال حربي برضاه.
وأما في صورة العكس، بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنه لا يحل له أخذه ولو برضى الحربي، لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام فيعتبر حكمها (٢) .
стр. 18075
والشاهد في هذه النازلة أنه أفتى بحرمة التأمين البحري وخرجه على أنه التزام ما لا يلزم، ومنع تخريجها على تضمين المودع الوديعة إذا أخذ أجراً عليها لوجود الفارق بينهما. . .
هذا، وقد اختلفت تكييفات وتخريجات العلماء المعاصرين لهذه النازلة، واختلفت بناء على ذلك أحكامها بشأنها، فمنهم من أجازها ومنهم من منعها (١) ، فالذين قالوا بالتحريم اختلفت تخريجاتهم؛ فخرجها بعضهم على أنها من باب أكل أموال الناس بالباطل، فيدخل في النهي الوارد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] (٢) .
وخرجها الشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالته السوكرتاه) بالقياس على القمار، حيث قال: عقد التأمين عقد فاسد شرعاً، وذلك لأنه معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار معنى (٣) .
ومما علل به المنع في هذه الواقعة: أن ضمان الأموال شرعاً، إما أن يكون بطريق الكفالة، أو بطريق التعدي، أو الإتلاف، ولا يوجد أي من هذه الأسباب في عقد التأمين.
وخرجها آخرون على أنها من عقود الغرر؛ إذ هي عقد احتمالي (٤) .
أما المجيزون للتأمين التجاري فقد اختلفوا أيضاً في تخريجه:
١- فمنهم من خرجه على أنه من التعاون المحبب، وأنه محقق لمساندة الإنسان لغيره ومساندة الغير له (٥) ، وهو متضمن في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
٢- ومنهم من خرجه على أنواع التبرعات وليس من البيوع (٦) .
٣- ومنهم من خرجه على قاعدة أن الأصل في العقود الإباحة، وأن التأمين عقد جديد. . . وأنه لا غرر فيه، وأنه محقق للفائدة، ولا نص يمنع منه (٧) .
٤- ومنهم من خرج ذلك بالقياس على عقد المضاربة في الشريعة الإسلامية، وقد تطرق صاحب هذا القول حتى رخص بالتأمين على الحياة (٨) .
٥- ومنهم من خرجه على عقد الموالاة وعلى تحمل العاقلة الدية.
٦- ومنهم من خرجه على أنه من باب المصالح المرسلة.
٧- ومنهم من خرجه على مبدأ العرف. . . (نظرية التأمين للدكتور محمد زكي السيد) .
٨- ومنهم من نزله على الضرورة، (التأمين الإسلامي للدكتور عبد السميع المعري) .
ج – ومن النوازل المستجدة:
حق التأليف والطبع والنشر:
وهو ما أطلق عليه مجمع الفقه الإسلامي (الحقوق المعنوية) ، فقد اختلف العلماء في تكييفه وتخريجه. . . وبالتالي اختلفت وجهات النظر في حكمه. . . ومن تلك التخريجات:
١- قياسه على المصنوعات، لأن الكتاب المؤلف كالمصنوع، والمؤلف كالصانع، وممن خرجه على ذلك الشيخ أبو الحسن الندوي (٩) .
٢- قياسه على ما ورد في الفقه الحنفي بشأن (النزول عن الوظائف بمال) (١٠) ، وممن خرجه على ذلك بعض علماء الهنود، باعتبار أن كلاً منهما من الحقوق، وقد رفض الشيخ الندوي هذا التخريج لطائفة من الأسباب أهمها:
أ- إن الحكم المذكور ليس متفقاً عليه عند فقهاء الأحناف، بل أكثرهم على المنع.
ب- الفرق بين التنازل عن الوظيفة، وأخذ العوض على حق الطباعة، لأن الوظيفة شيء قد تأكد استحقاقه لصاحبه. . . بخلاف حق الطباعة (١١) .
стр. 18076
نماذج مختارة من النوازل عند فقهاء المالكية
تطبيقات فقهية عامة لتحقيق المناط عند المالكية:
يضم هذا المبحث تطبيقات فقهية عامة لتحقيق المناط في نوازل وقعت بالفعل، وليست مفترضة الوقوع، فجاءت النوازل معروضة على المجتهد أو المفتي كما هي في الواقع، بكل ما يحف بها من عوارض وملابسات، مما اقتضى من المفتي تحقيق المناط فيها، قبل التصريح بالحكم، وقد تختلف في ذلك الأنظار بين مفت وآخر، فيختلف تبعاً لذلك الحكم.
والوقائع النازلة المعروضة في هذا المبحث يغلب عليها تحقيق المناط الخاص الملائم لمثلها، وهو من أدق وأصعب أنواع تحقيق المناط، لما يتطلبه من علم وبعد نظر عند المجتهد، حتى يصادف كل حكم شرعي محله من الوقائع عند التطبيق.
النازلة الأولى – المسح على العمامة:
سئل ابن رشد (١) من حاضرة مراكش عن رجل ضعيف الجسم والدماغ متى أراد المسح على رأسه في الوضوء يزيد مرضه، وأصابته نزلة شديدة كذلك أبداً، هل يكون فرضه المسح على العمامة أم لا؟ وهو مع ما هو سبيله من هذه الحال المذكورة، تنتابه نوب من أمراض تنضاف إلى الضعف المتقدم الذكر الذي لا ينفك عنه، فإذا أصابته النوب المذكورة لم يقدر على الوضوء بالماء وإن كان حاراً ويخاف من الهواء، هل يتيمم في هذه الحال الموصوفة ويكون فرضه فيها التيمم؟ أم كيف يفعل؟ وكيف لو أصاب أهله في هذه الحال، هل يتيمم لجنابته ما دام على هذه الحال ويجزئه ذلك؟ ومتى أصابته جنابة من مماسة أهله في الحال الأولى المتقدمة الذكر لا يقدر على غسل رأسه بالماء، وربما احتاج إلى الاغتسال من الوجه المذكور من الثلاثة الأشهر إلى الأربعة، أو أقل من ذلك أو أكثر لضعفه، فإن صب الماء على رأسه كان حاراً أو بارداً مرض أو خاف على نفسه، فهل يكون فرضه الغسل في هذه الحال؟ أو المسح على رأسه وغسل جسده بالماء؟ أو كيف يفعل؟ راجعنا على ذلك فصلاً مأجوراً إن شاء الله تعالى.
لقد رأى ابن رشد بعد تحقيق المناط الخاص في هذه النازلة؛ أنها لا تدخل تحت حكم نظائرها من رفع الحرج والمشقة عن المكلف، وإنما ينطبق عليها مناط الحكم العام من الوضوء والغسل، وذلك لأن كل ما رآه صاحب النازلة مبرراً للتخفيف عنه، لم يكن إلا من وسوسة الشيطان ليفسد عليه دينه. ولم يكن هذا الحكم إلا بعد النظر في الأعذار، هل هي نوع من أنواع الأعذار الموجبة للتخفيف والأخذ بالرخصة أم لا؟ فبعد تحقيق المناط في النوع، ظهر لابن رشد أن تلك الأعذار ليست داخلة تحت نوع الأعذار الموجبة للتخفيف، بدليل أن له القدرة على إصابة أهله، ومن كانت حاله كذلك لم يصل بعد ضعف جسده ودماغه إلى الحالة التي لا يقدر معها على المسح على رأسه بالماء، سواء أكان بارداً أو حاراً في الوضوء والغسل.
стр. 18077
النازلة الثانية – العاجز عن استعمال الماء البارد:
وسئل مفتي بجاية الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم المشذالي (١) عن العاجز عن استعمال الماء البارد لمرض به ويقدر على استعماله سخناً، فهل يجب عليه تسخينه ليصل به إلى تحصيل الطهارة المائية إن تيسرت عليه أسباب ذلك؟ أو لا يجب عليه ذلك، ويتيمم لعجزه عن استعماله؟ فإذا قلتم: يجب عليه تسخينه فخاف خروج الوقت إن اشتغل بذلك، فهل يكون ذلك حكم الصحيح الذي خاف خروج الوقت إن تشاغل بالماء فيدخله الخلاف المعلوم فيه؟ أو يقال ليس هذا كالصحيح ويتيمم اتفاقاً لوجود المرض، فهو داخل في الآية ولا يطلب منه التسخين إلا مع فسحة الزمان؟ بينوا لنا ذلك ولكم الأجر.
فأجاب: المسألة تكلم عليها العوفي (٢) ونصه: لو كان الماء بارداً لا يقدر على استعماله لمرض به إلا بتسخينه، وهو لو سخنه أوبعث إليه من الحمام لخرج الوقت، فهل يتيمم أو لا؟
ذهب بعض المعاصرين إلى أنه يدخله الخلاف فيمن لو تشاغل بالماء ذهب الوقت، وهو عندي خطأ، فإن كونه لا يقدر لمرض فهو مريض له حكم المرض فيباح له التيمم لاندراجه في الآية (٣) ، بخلاف من لا يعوقه إلا قدر زمان الاستعمال فإنه صحيح فيدخله الخلاف، هذا إذا كان لمرض وإن كان لمشقة تلحقه، فإن قلنا إن المشقة من غير مرض توجب الترخص كان كالمريض وإلا فكالصحيح، انتهى كلام العوفي.
وفي تخطئته لبعض المعاصرين نظر، لاحتمال أن يقال إن المريض الذي يندرج في مضمون الآية هو الذي لا يقدر على مس الماء مطلقاً، وهذا ليس كذلك، وإنما تعذر عليه مس الماء البارد فقط، وأما المسخن فهو الذي يقدر على استعماله، لأنه باعتبار ذلك الوجه من القادرين على استعمال الماء وبه يخرج عن مضمون الآية.
فإذا كان تشاغله بتحصيل ذلك الوجه لا يفيته الوقت فواضح، وإن كان يفيته صح إجراء الخلاف فيه مما ذكر بعض العصريين، والله تعالى أعلم (٤) .
стр. 18078
لقد رأى العوفي أن المكلف في هذه النازلة يدخل تحت حكم الآية فينطبق عليها حكمها، بينما يرى أبو القاسم المشذالي، أنه لا يندرج في مضمون الآية، لأن المريض المعني في الآية، هو الذي لا يقدر على مس الماء مطلقاً، بينما هو ليس كذلك، فلم يتعذر عليه إلا مس الماء البارد فقط، وبذلك يطالب باستعمال الماء من الوجه الذي يقدر عليه وفرضه الوضوء لا التيمم.
النازلة الثالثة – الصلاة بالتيمم لمن ينتقض وضوؤه عند مس الماء:
وسئل أيضاً (أبو القاسم البرزلي) (١) عن قول اللخمي: سئلت عن رجل إن توضأ لم تسلم له صلاته حتى تنتقض طهارته، وإن تيمم لا يحدث له شيء حتى تنقضي صلاته، فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى. فأشكل ذلك على السائل بسبب أن خروج الحدث عند الملاقاة للماء وعدم خروجه مع ترك الملاقاة دليل على أنه خارج على غير الصحة والاعتياد، وكل ما كان هكذا فكيف ينقض على أصل المذهب؟ نعم جوابه يجري على قول ابن عبد الحكم في الذي لا يملك خروج الريح منه إن صلى فإنما يصلي جالساً.
فأجاب: الذي ثبت كونه من السلس غير ناقض هو السلس الذي لا انفكاك للمكلف عنه، على الوجوه التي ذكروها، ولا حيلة في رفعه ولا طهارة تسلم معه، وأما مسألة اللخمي فليس الكائن فيها بهذه الحيثية لأن المكلف إن لم يتسبب فيه لم يقع فيمكن له ثبوت الطهارة الترابية مع سلامته منه، والسلس الذي ذكروه لا يمكن ذلك فيه ولا أقل من أن يكون هذا مرجحاً لما ذكروه إن لم يكن تاماً، ولا يمكن قياس مسألته على المسألة المشهورة لقيام الفارق الذي ذكرناه والله تعالى أعلم (٢) .
عندما قام الفارق لدى البرزلي بين هذه الحالة والسلس لم يرَ أنها تندرج تحت حكم السلس، وذلك لأن هذه الحالة إن لم يتسبب فيها المكلف لم تقع، بينما في السلس لا يمكن ذلك فيه، لذلك عدل بها عن حكم السلس إلى حكم التيمم، فأثبت له الطهارة الترابية مع سلامته من انتقاض وضوئه، وذلك لعدم تحقق مناط السلس فيه.
стр. 18079
النازلة الرابعة – تعطى الزكاة للفقير ولو كان له ولد غني:
وسُئل السيوري (١) عن أحد الأبوين فقير له ولد غني يأبى أن يطلب نفقته منه، هل يعطى من الزكاة؟
فأجاب: بأنه يعطى من الزكاة، قيل لأنها لا تجب له إلا بالحكم فإذا، ترك الطلب فكأنه لم يكن له ولد (٢) إن الحكم العام يقتضي وجوب نفقة الابن الغني على أبيه إذا كان فقيراً، إلا أن هذه الصورة يرى السيوري أنها لا تندرج تحت ذلك الحكم العام، لقيام خصوصية في الأب أخرجته من ذلك، وهو إباؤه طلب النفقة، والحال أن النفقة لا تجب إلا بالحكم، فأصبح الأب بذلك كأنه لم يكن له ولد، وعد من جملة الفقراء، ومن ثم جازت له الزكاة لفقره وهو ملحظ دقيق من السيوري.
النازلة الخامسة – تدفع الزكاة لأهل البيت إن خيف عليهم الضياع:
سئل سيدي محمد بن مرزوق (٣) عن رجل شريف أضر به الفقر، هل يواسي بشيء من الزكاة أو صدقة التطوع؟ وقد علمتم ما في ذلك من الخلاف، وحالة هذا الرجل وغيره من الشرفاء عندنا، لا سيما من له عيال تحت فاقة.
فالمراد ما نعتمده في ذلك من جهتكم، فإني وقفت على جواب الإمام ابن عرفة (٤) قال فيه: المشهور من المذهب أنهم لا يعطون من الزكاة، وبذلك احتج علي من تكلمت معه في ذلك من طلبة بلدنا، فقلت له: إن وقفنا مع هذا وشبهه مات الشرفاء وأولادهم وأهاليهم هزالاً، فإن الخلفاء قصروا في هذا الزمان في حقوقهم ونظام بيت المال، وصرف ماله على مستحقه فسد. والأحسن عندي أن يرتكب في هذا أخف الضررين، ولا ينظر في حضرة رسول الله ﷺ حتى يموتوا جوعاً، فعارضني بما قلت لكم، وبما قاله الشيخ ابن رشد في الأجوبة.
فأجاب: المسألة اختلف العلماء فيها كما علمتم، والراجح في هذا الزمان أن يعطى، وربما كان إعطاؤه أفضل من إعطاء غيره، والله تعالى أعلم (٥) .
стр. 18080
الأصل في أهل البيت أنهم لا يعطون من الزكاة، ولكن بالنظر إلى ما آلوا إليه من فاقة وفقر بسبب فساد نظام بيت المال، وصرف ماله على مستحقيه كان الأولى إعطاءهم، لذلك رأى محمد بن مرزوق أن يعطى ذلك الرجل الشريف – بما وصف من حاله – الزكاة، لأن تطبيق حكم الأصل عليه يؤدي إلى الضرر به، ومنافٍ لقصد الشارع في إعفاف أهل البيت بتنزيههم عن أخذ مال الزكاة.
النازلة السادسة – الجهاد أفضل من الحج في حق الأندلسيين:
وسئل ابن رشد عمن لم يحج من أهل الأندلس في هذا الوقت؛ هل الحج أفضل له أو الجهاد، وكيف لو حج الفريضة؟
فأجاب: فرض الحج ساقط في زماننا هذا عن الأندلس لعدم الاستطاعة، وهي القدرة على الوصول مع الأمن على النفس والمال، وإذا سقط الفرض صار نفلاً مكروهاً للضرر، فبان أن الجهاد الذي لا تحصى فضائله أفضل، وهو أبين من أن يسأل عنه، وموضع السؤال فيمن حج الفريضة والسبيل مأمونة، هل الحج أفضل أو الجهاد؟
واختار الجهاد لما ورد فيه من الفضل العظيم، وأما من لم يحج وسبيله مأمونة فيتخرج على الفور أو على التراخي، وهذا ما لم يتعين فرض الجهاد، فإن تعين فهو أفضل من حجة الفريضة قولاً واحداً.
وأما غير أهل الأندلس كالعدوتين، فإن خافوا على أنفسهم وأموالهم فهم كالأولين، وإن لم يخافوا فالجهاد عندي لهم أفضل من تعجيل الحج، إذ هو على التراخي على الصحيح مما تدل عليه مسائل المذهب، وهذا في غير من يقوم بفرض الجهاد، وأما من قام بفرضه من أجناد المسلمين فالجهاد واجب عليهم، إذ لا يجب تعجيل الحج عليهم.
وأجاب الأستاذ أبو بكر الطرطوشي (١) بأنه حرام على أهل المغرب، فمن خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر (٢) .
هكذا قد يكون الشيء واجباً في الحالة العادية، فينقلب في حق مكلف ما، في حالة ما، حراماً يأثم على إتيانه وكل ذلك يعرف بعد تحقيق المناط في حالة المكلف، وما هو الفرض عليه باعتبار الوقت والحال، وما هذه المسألة إلا دليلاً على ذلك، إذ نظر فيها حال ذلك الزمان وأهله، لذلك أفتوا بما يناسب حالهم، وما هو فرض الوقت في حقهم هل الجهاد أم الحج.
стр. 18081
النازلة السابعة – جواز بناء المسجد على القبور الدائرة:
وسئل أبو سعيد بن لب (١) عن البناء على المقابر، مثل أن يبنى عليها مسجد أو صومعة؟.
فأجاب: أما مسألة البناء على المقابر؛ بناء مسجد أو صومعة، فقد قال مالك في مقبرة داثرة بني فيها مسجد يصلى فيه: لا بأس به، وإنما أباحوه في الداثرة دون الجديدة، لأنها يخاف في الجديدة نبش العظام، وذلك لا يجوز، فإن أمن من ذلك بأن يكون البناء فوق القبور دون حفر يصل إلى مواضع العظام فذلك جائز، وما في الحديث من النهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإنما ذلك مخافة أن تعبد القبور، كما كان اتفق لمن سلف قبل هذه الأمة، أما إذا كان المقصود عبادة الله مع الأمن من ذلك الخوف في هذه الأزمنة، فلا حرج إلا من ناحية نبش العظام خاصة (٢) .
إن هذه الصورة من بناء المساجد على القبور الداثرة، لا يتعدى إليها حكم أصلها في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لعدم تحقق العلة فيها وهي مخافة أن تعبد القبور، فإذا كان المقصود عبادة الله مع الأمن من ذلك الخوف، جاز ذلك، بالإضافة إلى أن الداثرة لا يخاف فيها نبش العظام بخلاف الجديدة، وكل ذلك يعرف بعد تحقيق المناط بمعنى العلة.
стр. 18082
النازلة الثامنة – حكم القيام للناس:
سئل ابن رشد عن القيام للناس هل يباح أو يكره؟ وهل يستوي في حكمه الوالد والفقيه والصالح؟ وصار الأمر فيه اليوم إلى أنه إذا دخل شخص على قوم أو اجتاز بهم، فمن لم يقم له عده متهاوناً به منكراً عليه وحقد عليه، فما الحكم بهذا الاعتبار؟
فأجاب: لا بأس بقيام الإكرام والاحترام، وقد قال ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (١) .
يعني سعد بن معاذ (٢) وكذلك لبني قريظة، فلا بأس بالقيام للوالدين والعلماء والصالحين، وأما في هذا الزمن فقد صار تركه مؤدياً إلى التباغض والتقاطع والتدابر، فينبغي أن يفعل رفعاً لهذا المحظور، لأن تركه قد صار وسيلة إلى هذا.
وقد قال ﷺ : ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله)) (٣) ، فهذا لم يؤمر به لعينه، بل لكونه صار تركه وسيلة لهذه المفاسد في هذا الوقت، ولو قيل بوجوبه لمن يكن بعيداً، لأنه قد صار تركه إهانة واحتقاراً لمن جرت العادة بالقيام له، ولله أحكام تحدث عند أسباب لم تكن موجودة في الصدر الأول والله أعلم.
- وسئل عن القيام والإكرام والاحترام لمن ينبغي أن يفعل أو يترك من المسلمين والكفار، وحكم الألقاب وتنكيس الرؤوس في السلام؟
فأجاب: لا بأس بالقيام لمن يرجى خيره ويخاف شره من أهل الإسلام، وأما الكفار فلا يقام لأحد منهم، لأنا أمرنا بإهانتهم وإلزامهم بإظهار الصغار، وكيف لا ينفعل ذلك بمن يكذب الله ورسوله، فإن خفنا من شرهم ضرراً عظيماً فلا بأس من ذلك، لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز عند الإكراه، وأما إكرامهم بالألقاب الحسان فلا يجوز إلا لضرورة أو حاجة ماسة، وينبغي أن يهان الكفرة والفسقة زجراً عن كفرهم وفسقهم وغيرة لله ، وما يفعله الناس من تنكيس الرؤوس، فإن انتهى إلى حد أقل الركوع فلا يفعل، كما لا يفعل السجود لغير الله ، ولا بأس بما قصر عن حد الركوع لمن يكرم من أهل الإسلام، وإذا تأذى مسلم أمرنا بإكرامه بترك القيام، والأولى أن يقام له، فإن تأذيه بذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء، وكذلك التلقيب بما لا بأس به من الألقاب (٤) .
стр. 18083
وهذا تحقيق للمناط في الأحكام بالنظر إليها باعتبار حال دون حال، ووقت دون وقت، أي بإدخال عنصر الزمان والمكان والحال، فقد يكون الشيء حكمه الأصلي الإباحة فينقلب إلى واجب أو حرام، مثلاً باعتبار تحقق مقصده منه، أو عدمه، وكذلك في نازلتنا هذه دخلت عوامل أخرى اقتضت من المجتهد أن ينظر إليها باعتبار مآل الحكم فيها عند التطبيق.
هذه جملة من التطبيقات الفقهية أوردناها كما هي، حتى تكون نموذجاً لكيفية إعمال أصل تحقيق المناط عند ابتغاء تنزيل الأحكام الشرعية العامة المجردة على الوقائع النازلة في حياة الناس، أفراداً وجماعة، وهو منهج في التنزيل كثيراً ما يغفل عنه من أوكل إليه هذا الأمر، فيعمد إلى تطبيق الحكم الشرعي العام المجرد على الوقائع دون التفات إلى ملابسات الواقعة، وما تقتضيه من استثنائها من حكمها الأصلي، أو اندراجها تحت حكم آخر أكثر مناسبة لها في تحقيق مقصود الحكم فيها، إلى غير ذلك من أنظار قد يتطلبها الاجتهاد بالقضاء، أو الفتوى، أو غير ذلك من أغراض تطبيق الأحكام الشرعية في واقع الناس، بما يؤدي إلى ضبط أقوالهم، وأفعالهم، ومختلف تصرفاتهم، وفق ضوابط الشريعة ومقاصدها، بما يجعل حياة الناس على استقامة، وصلاح في الدنيا، وفوز ونعيم في الآخرة، وهذا ما تبتغيه الشريعة السمحة من تشريع مختلف أحكامها، سواء أكانت اعتقادية أم عملية.
стр. 18084
التأسيس لفقه النوازل
ومنهج الإمام الشاطبي
النوازل وفتح باب الاجتهاد:
إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصلح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من قياس وغيره. فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد.
وعند ذلك: فإما أن يترك الناس فيها من أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي – وهو أيضاً اتباع للهوى – وذلك كله فساد.
فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية – وهو معنى تعطيل التكليف، وهو مؤدٍّ إلى تكليف ما لا يطاق. . .
فإذاً: لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان (١) .
وهذا الاجتهاد الذي يتوجه إلى ما يعرف (بتحقيق المناط) أي تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله.
ومعناه: أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي. . . أي الكتاب أو السنة أو الإجماع، لكن يبقى النظر في تعيين محله؛ أي تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية.
فإذا أوصى بماله إلى الفقراء:
فلا شك أن من الناس من لا شيء له فيتحقق فيه اسم الفقر فهو من أهل الوصية.
- ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصاباً. . وبينهما وسائط.
كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه:
هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغنى؟
كذلك في فرض نفقات الزوجات والقرابات:
إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق، وحال الوقت، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استفتاء القول في آحادها.
ولأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها، لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلابد من النظر فيها بالاجتهاد.
وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها، فلابد من النظر في كونها مثلها أولاً، وهو نظر اجتهاد أيضاً. وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات وقيم المتلفات.
стр. 18085
هذا وإن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست لغيره ولو في نفس التعيين.
فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يتحقق تحت أي دليل تدخل.
ومن القواعد القضائية: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ؛ فالقاضي لم يمكن الحكم في واقعة إلا بعد فهم المدعى من المدعى عليه؛ وهو أصل الفقهاء.
ولا يتعين ذلك إلا بنظر واجتهاد ورد الدعاوى إلى الأدلة.
وهو تحقيق المناط بعينه.
فالحاصل: أنه لابد من تحقيق المناط بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفتٍ، بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه.
فإن العامي إذا سمع في الفقه: أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهواً – من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها – إن كانت يسيرة فمغتفرة، وإن كانت كثيرة فلا.
فوقعت في صلاته زيادة؟ فلا بد له من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر. . . فإذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم فأجراه، وكذلك سائر تكليفاته (١) .
ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك. . . والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة وإنما تقع معينة مشخصة؛ فلا يكون الحكم واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام. . . وقد يكون ذلك سهلاً، وقد لا يكون، وكله اجتهاد.
وعليه: فلابد من الاجتهاد في كل زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفاً بالمحال وهو غير ممكن شرعاً، كما أنه غير ممكن عقلاً.
стр. 18086
المصلحة الجزئية – والمصلحة الكلية في المسائل:
ثبت أن الشريعة تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة.
أما المصلحة الجزئية: بما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته.
وأما المصلحة الكلية: فهي أن يكون الملف داخلاً تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته، اعتقاداً وقولاً وعملاً (١) .
وقال ابن القيم:
والمفتي مخبر عن الحكم الشرعي، وهو إما مخبر عما فهمه عن الله ورسوله. . .
وإما مخبر عما فهمه عن كتاب أو نصوص من قلده دينه. وهذا لون، وهذا لون.
فكما لا يسع الأول أن يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه؛ فكذا لا يسع الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلده دينه إلا بما يعلمه (٢) .
ما يشترط في الاستنباط من النصوص أو من المعاني:
الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص – فلا بد من اشتراط العلم بالعربية.
وإن تعلق بالمعاني – من المصالح والمفاسد – إنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة.
وجه هذا القول:
لأن المعاني المجردة، العقلاء مشتركون في فهمها فلا يختص بذلك لسان دون غيره. إذاً من فهم مقاصد الشرع من وضع الأحكام، وبلغ رتبة العلم بها، وإلى هذا النوع يرجع الاجتهاد المنسوب إلى أصحاب الأئمة المجتهدين كابن القاسم وأشهب في مذهب مالك.
وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة.
والمزني والبويطي في مذهب الشافعي.
فإنهم – على ما حكي عنهم – يأخذون أصول إمامهم وما بني عليه في فهم ألفاظ الشريعة، ويفرعون المسائل ويصدرون الفتاوى على مقتضى ذلك – وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم وعملوا على مقتضاها – خالفت مذهب إمامهم أو وافقته.
وإنما كان كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع في وضع الأحكام (٣) .
تعلق الاجتهاد بالمناط:
وقد يتعلق الاجتهاد بتحقيق المناط؛ فلا يفتقر في ذلك إلى العلم بمقاصد الشارع، كما أنه لا يفتقر فيه إلى معرفة علم العربية.
والوجه في ذلك:
لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو فيه، وإنما يفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة، فلابد أن يكون المجتهد عارفاً ومجتهداً من تلك الجهة التي ينظر فيها؛ ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى (٤) .
стр. 18087
والحاصل: أنه إنما يلزم في هذا الاجتهاد المعرفة بمقاصد المجتهد فيه. فالحكم الشرعي أن من يعتريه المرض، أو يتأخر برؤه بسبب استعمال الماء، يرخص له التيمم.
فإذا أردنا معرفة الحكم الشرعي لمريض يرخص له أو لا يرخص. . . فإننا لا نحتاج إلى اللغة العربية، ولا مقاصد الشرع في باب التيمم فضلاً عن سائر الأبواب، إنما يلزم أن نعرف بالطريق الموصل، هل يحصل ضرر فيتحقق المناط؟ أم لا؟. .
ما يجوز النظر فيه وما لا يجوز:
ضابطه: إنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله.
فإن لم يقد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلها فلك أن تتكلم فيها:
إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم.
وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ – فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية (١) .
فيما يتعلق بالمجتهد من جهة فتواه:
المجتهد في فتواه مخبر عن الله كالنبي، ونائب عن النبي في تبليغ الأحكام، وهو شارع من وجه لأن ما يبلغه من الشريعة، إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغاً.
والثاني يكون فيه قائماً مقام صاحب الوحي في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع.
فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه على وفق ما قاله. . .
- وبالجملة فالمفتي – في فتواه – مخبر عن الله كالنبي (٢) .
وعليه، فالمفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسير من غير معاناة تعلم، وإنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
إحداهما: فهم مقاصد الشريعة.
الثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها (٣) .
المنهج في الفتوى والاجتهاد:
قال الشاطبي: المفتي البالغ ذروة الدرجة: هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يتعلق بالجمهور.
- فلا يذهب مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرق الانحلال.
стр. 18088
والدليل على صحة هذا: أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، وأن قصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط لا تفريط – وهذا المذهب – كان المفهوم من شأن رسول الله ﷺ وأصحابه الأكرمين. .
وقد رد رسول الله على جماعة من أصحاب التبتل لما طلبوا منه ذلك. وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: ((أفتان أنت يا معاذ؟)) . (أخرجه في التيسير عن الخمسة إلا الترمذي) .
وقال: ((إن منكم منفّرين)) (رواه البخاري في صلاة الجماعة) .
وقال: ((سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا)) (رواه البخاري في كتاب الإيمان) .
فعلى هذا: يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاقه مضاداً للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضاً.
وإذا ثبت أن الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الذي كان عليه السلف الصالح. . . فلينظر المقلد أي مذهب كان أجرى على هذا الطريق فهو أخلق بالاتباع وأولى بالاعتبار – وإن كانت المذاهب كلها طرقاً إلى الله تعالى، ولكن الترجيح فيها لا بد منه، لأنه أبعد عن اتباع الهوى، وأقرب إلى تحري قصد الشارع في مسائل الاجتهاد (١) .
التوسعة في اجتهاد الرأي:
إن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك.
قال القاضي إسماعيل: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ توسعة في اجتهاد الرأي.
فإما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا.
قال ابن عبد البر: كلام إسماعيل هذا حسن جداً.
هذا وإن الشريعة قد كملت، فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام الشريعة فتحرى أصحاب رسول الله ﷺ أقرب الوجوه عندهم إلى أنه المقصود الشرعي والفطر والأنظار تختلف، فوقع الاختلاف من هنا، لا من جهة أنه مقصود الشارع.
فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم في تحري الصواب الاختلاف، سهل على من بعدهم سلوك الطريق؛ فلذلك – والله أعلم – قال عمر بن عبد العزيز:
ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. وقال: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا (٢) .
стр. 18089
الخاتمة
ضرورة الاجتهاد الجماعي في فقه النوازل
وأخيراً.. فلأنه تكون عملية الاجتهاد صادرة عن جماعة مؤهلين لها تأهيلاً علميا رصيناً موزوناً، يصدرون عن وعي سديد بمقاصد الوحي وسبل تحقيقها على أرض الواقع، ولا يتوقف الأمر عند أدوات فهم النصوص فحسب، ولكن يشتمل على ضرورة التمكن من أدوات فهم الواقع.
لذلك كان لابد من ضبط مسار الاجتهاد في اتجاهين رئيسين يكمل بضعهما بعضاً، وهذا المساران هما:
أ- مسار فهم معاني نصوص الوحي – كتاباً وسنة واستنباط الأحكام من تلك النصوص.
ب- مسار تطبيق وتنزيل نصوص الوحي على الواقع اعتماداً على علوم ومعارف مساعدة على حسن التنزيل والتطبيق الاجتهاد بناءً على هذا التصور – يستهدف تحقيق أمرين هما:
الأول: فهم النص (أو الاجتهاد النظري) ، وغايته التوصل إلى حسن فهم معاني نصوص الوحي.
الأمر الثاني: تنزيل النص وتطبيقه على الواقع، والذي يمكن أن يسمى (الاجتهاد والتنزيل التطبيقي) . . . وهدف هذا الاجتهاد التوصل إلى حسن تنزيل وتطبيق معاني نصوص الوحي المجسمة والمصورة في ذهن المجتهد على الواقع.
стр. 18090
أصالة الاجتهاد الجماعي:
اعتماد الاجتهاد الجماعي بدلاً من الاجتهاد الفردي في قضايا الأمة المصيرية:
فقد روى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط عن علي – ﵁ – قال: قلت: يا رسول الله إن عرض لي ما لم ينزل فيه قضاء في أمره ولا سننه كيف تأمرني؟ قال: ((تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقضِ فيه برأيك خاصة)) (١) ؛ ولهذا فلا غرو أن تكون طريقة الخليفة الأول أبي بكر الصديق – ﵁ – وخليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – ﵁ – في الحكم والفتوى دعوة رؤوس المسلمين وعلمائهم، واستشاراتهم في النوازل والقضايا. وفي ذلك يقول الدارمي في مسنده عن المسيب بن رافع: كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أمر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا (٢) .
وإن المنهج الجماعي في الاجتهاد قد عصم الأمة من الزلات والهفوات والأخطاء القاتلة، وكان ملاذاً في استكشاف واستنباط الحلول المناسبة لمشاكلها الطارئة، وقضاياها المصيرية الكبرى.
ولذلك كان تأسيس المجامع الفقهية لمناقشة قضايا الأمة الكبرى ومستجدات العصر التي عمت بها البلوى، بغية التوصل إلى موقف إسلامي يرقى إلى درجة الإجماع يتفق فيه المجتمعون على رأي معين.
والله من وراء القصد.
الشيخ خليل محيي الدين الميس
стр. 18091
سبل الاستفادة من النوازل "الفتاوى "
والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة
إعداد الدكتور
عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه
أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية الآداب
جامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه.
(سبل الاستفادة من النوازل الفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة) .
تحت هذا العنوان طلب مني أن أكتب هذا البحث الذي أقدمه اليوم إلى أصحاب الفضية، طالباً بين يدي الموضوع المعذرة عن الاختصار الذي قد يعتبره البعض مخلاً في موضوع متسع الأرجاء مترامي الأطراف لا يسعه إلا كتاب كامل، وليس ذلك من طبيعة هذا النوع من الأعمال.
ومع ذلك فقد حاولت أن أقدم بحثاً مفيداً غير مستوعب، وقسمته إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف النوازل والفتوى – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره – وفي هذا الفصل أوضحنا معنى النازلة والفتوى لغة واصطلاحاً ومن هو المفتي، وأصناف المفتين.
الفصل الثاني: تعرضنا للعمل الإقليمي عند المالكية، فعرفناه بالحد مع النقول المتعلقة بتقديمه على الراجح والمشهور، وتعرضنا لشروط إجراء العمل والمجالات التي يدخل فيها، وذلك في سلسلة من المسائل تجيب عن كل ما يتعلق بالعمل.
الفصل الثالث: ذكرنا فيه تصورنا للاستفادة من الفتاوى والعمل الفقهي في ثلاثة طرق، وليس هذا العدد حصرياً، ولكنه توجيه للبحث في هذا الاتجاه الذي لم يتطرق إليه كثيراً إلى الآن على حد علمي:
- الطريق الأول: هي التعرف على ضوابط الإفتاء عن طريق استقراء نماذج معتمد أهل الفتوى قديماً وحديثاً.
- الطريق الثاني: هو استخلاص القواعد الكلية والجزئية التي اعتمدوا عليها للفتاوى، مع ملاحظة سياقها والتخريج عليها، لتكون أساساً نستفيد فيه من التطبيقات المعاصرة.
- الطريق الثالث: كان عن أمثلة من الفروع والفتاوى تمكن استفادة من عباراتها أو إشارتها في القضايا المعاصرة.
وختمنا بحثنا بخاتمة، أوجزنا فيها نتيجة البحث ومساره.
وبالله التوفيق، وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق.
стр. 18092
النوازل
النازلة: في اللغة هي اسم فاعل من نزل به ينزل إذا حل، تنزل الوصف منزلة للموصوف فأصبح اسماً (للشدة من شدائد الدهر) ، كما ذكر صاحب المحكم واقتصر عليه في التاج، وتجمع على نوازل، وهو جمع مقيس في كل فاعله، سواء كانت أسماً أو وصفاً، قال ابن مالك فواعل لفوعل وفاعل – إلى قوله – وحائض وصاهل وفاعله.
ويجمع على نازلات قياساً أيضاً، قال أبو الطيب المتنبي:
قد عرض السيف دون النازلات له
وطاهر الحزم بين النفس والغيل
وأطلقت النازلة على الفتوى الفقهية، ويبدو لي أنها إنما تطلق عليها إذا كانت جواباً على قضية واقعة، وليست على قضية مفترضة يطرحها الطلبة على الفقيه لاقتناص الفائدة، وكثير استعمال فقهاء الغرب الإسلامي للفظ النوازل إلى جانب الفتوى والأجوبة بنسبة أقل، واستعملت النوازل في المشرق، مثل نوازل أبي الليث السمرقندي، كما استعمل الأحناف كلمة الواقعات، وهو مصطلح يخصهم يستعمل مع النوازل كرديف مؤكد؛ كنوازل وواقعات الناطقي.
فالنوازل من النزول أي الحلول، لأنه مسألة يجهل حكمها تحل بالفرد أو المجتمع أو للمح معنى الشدة لما يعانيه الفقيه في استخراج حكم النازلة، ولما كان السلف لشدة ورعهم يتحرجون من الفتوى ويسألون هل نزلت؟
فالنوازل إذن: هي وقائع حقيقية تنزل بالناس فيتجهون إلى الفقهاء بحثاً عن الفتوى، فهي تمثل جانباً حياً من الفقه متفاعلاً مع الحياة المحلية لمختلف المجتمعات.
- أما الفتوى: فهي اسم مصدر من أفتاه في الأمر إذا أبانه له، وهي الإجابة على ما يشك فيه حسب عبارة الراغب، كما في التاج يقال: استفتى الفقيه فأفتاه والاسم الفتيا والفتوى ويجمع على فتاوى، وقد يفتح تخفيفاً كما نص عليه مرتضى.
стр. 18093
وهي اصطلاحاً: تبين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه (١) :
قال القرافي: إنها إخبار عن الله تعالى فالمفتي كالمترجم، قال المنهج بعد تعريف الحكم:
لأجل ما يصلح من دنيا وقد
اختص بالفتيا جميع ما ورد
من العبادات وما قد منعا
منها وأسباب شروط جمعا
وما للآخرة فيه اختلفا
ورسمها إخبار من قد عرف
بأنه أهل بحكم شرعاً
والحكم وهي في سواه اجتمعا
(٢)
قال في التكميل:
إخبار الفتوى كمن يترجم
والحكم وإلزام كنائب اعلموا
وعند ابن القيم: بمنزلة الوزير الموقع عن الملك.
- فمن المفتي؟ وبأي شيء يفتي؟
- إنه معترك الأقلام ومزدحم الأفهام.
- فالمفتي الأول في الشرع هو النبي ﷺ ، مبلغاً عن الله تعالى:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] ، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] .
وبعده ﵊ تعاقب على الفتوى أصحابه الكرام وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، وحفظت الفتوى عن مائة وثلاثين ونيف من الصحابة كما ذكر الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (٣) ، كما كان سبعة من الصحابة من المكثرين من الرواية، فإن سبعة منهم كانوا من المكثرين من الفتيا؛ وهم عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وابن عباس ﵃.
стр. 18094
وقد أشرعت فتاوى الصحابة أبواباً عظيمة للتابعين ومن تبعهم بإحسان بينت المنهج السديد والطريق الملحّب لكيفية تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة، فسلك سبيلهم أئمة أعلام ساروا على دربهم وانسابوا في سربهم. ومر الزمان واتسعت الحادثات وتكاثرت الفتاوى وتنوعت الردود وتعددت المذاهب، فمن مقتف لخطا الرعيل الأول شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وقد سميت هذه المدرسة بمدرسة أهل الحديث أو أهل الأثر. ومنهم من توسع في الفهم والتأويل وافترع أبكار المسائل، وولد النوازل فأعمل رأيه وركب مطية الاستنباط، ووسع جيوبه وجر ذيوله، وهذه المدرسة تسمى بمدرسة الرأي. بالإضافة إلى أن كلتا المدرستين كان منها من أخذ بنصيب من أساليب ومفاهيم المدرسة الأخرى، حتى نشأت أصول تجمع بين الأثر والرأي ووضعت ضوابط الاستنباط، فكانت رسالة الشافعي في أصول الفقه في أواخر القرن الثاني نتاج الجدل الدائر بين مدرسة الأثر ومدرسة الرأي، وخطوة عظيمة نحو تأصيل التعامل مع النصوص وإقامة ميزان للاستدلال، ومع أن مدرسة الرأي تأخرت طويلاً في تقديم نظرتها الخاصة لتظهر في القرن الرابع مع أبي الحسن الكرخي والجصاص، فكانت إضافة مفيدة وفرت قاعدة للمقارنة الخصبة بين المدرستين، فكانت كتب أصول الفقه التي ألفت في القرون اللاحقة ميداناً للمقارنة الخصبة بين المدرستين، فقد ألف الساعاتي البغدادي (٦٩٤هـ) كتابه بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والأحكام للآمدي وكانت أسس الفتوى وصفات المفتي تشغل حيزاً لا بأس به في مؤلفات هذه المدارس.
فالفتوى لها شأن عظيم في الإسلام فهي خلافة للنبي ﷺ في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد، ففي حديث الدارمي عن عبيد الله ابن جعفر مرسلاً: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)) .
والفتوى أعم من الحكم، إذ أن الأحكام قسمان: منها ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى فيجتمع الحكمان، ومنها ما لا يقبل إلا الفتيا (١) .
أما القسم الثاني فهو العبادات والمشار إليها بأمور الآخرة، وقد بين القرافي خير بيان في الفرق بين قاعدة الفتوى وبين قاعدة الحكم، فالفتوى تدخل في الأحكام الاعتقادية، وتدخل في الأحكام العملية جميعها من عبادات ومعاملات وعقوبات وأنكحة، وتدخل في الأحكام التكليفية من واجبات ومحرمات ومندوبات ومكروهات ومباحات، وتدخل في الأحكام الوضعية من أسباب وشروط وموانع وصحة وفساد (٢) .
الفرق بين علم الفقه وعلم الفتوى والقضاء:
إن علم الفتوى والقضاء أخص من علم الفقه، وقد أوضح ذلك الإمام ابن عرفة، حيث قال: "علما القضاء والفتوى أخص من العلم بالفقه، لأن متعلق الفقه كلي من حيث صدق كليته على جزئيات، فحال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم بكبرى قياس الشكل الأول فقط، وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه ولا خفاء أن العلم بها أشق وأخص، وأيضاً فقها القضاء والفتوى مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكامنة فيها، فيلغى طريدها ويعمل معتبرها " (٣) .
стр. 18095
قال محرر هذا البحث: ويعني بكبرى قياس الشكل الأول القضية الثانية التي يكون فيها الحد الوسط موضوعاً، وهو نفسه المحمول في الصغرى التي تكون أولى في الترتيب.
وموضوع الصغرى هو الجزئي المقصود للتعرف على حكمه في النتيجة. وهاتان القضيتان تعتبران مقدمتين تنشأ عنهما النتيجة المطلوبة في الشكل الأول من الأشكال الأربعة المنتجة، أما قوله الأوصاف الطردية والمعتبرة؛ فيعنى بالطريدية الأوصاف التي لا تصلح مناطاً للحكم، فهي مطرودة عن العلية أو التي لا تنبني على وجودها أو فقدها ثمرة. أما الوصف المعتبر فهو المناسب الذي تترتب عليه الأحكام ويصلح للعلية.
وهذا الكلام نفيس جداً، فهو ينبه على أن المفتي لا بد أن يكون بصيراً بالواقع، مدركاً لجزئيات الوقائع، حتى يستطيع تطبيق الأحكام والقواعد الفقهية، فحفظ المسائل الفقهية لا يكفي إذا لم يكن الفقيه قادراً على تطبيقها على الواقع، وقادراً على الاستنباط من القواعد، وقد شبه حفيد ابن رشد الفقيه الذي يحفظ المسائل ببائع الخفاف الذي عنده خفاف كثيرة لكنه ليس خفافاً؛ لأنه لا يحسن أن يصنع خفافاً لمن لا يوافق قدمه ما عنده من الخفاف (١) .
ومعرفة الواقع تارة يعبرون عنها بالعرف حتى لا يطبق الحكم في غير محله، حيث إن الحكم مبني على عرف تدور معه الفتوى فيغفل عنه، فيخطئ في التطبيق. وتارة يعبرون عنه بتحقيق المناط وهو حسن تطبيق القاعدة على أحاد صورها، ولذلك نقول كلمة عن هذين الدليلين اللذين يشترك فيهما المجتهد والمقلد.
بأي شي تكون الفتوى؟
- الأصل في الفتوى أن تكون بالكتاب أو بالسنة الثابتة نصاً أو ظاهراً أو اقتضاء أو إيماء – أو إشارة إلى مفهوم موافقة أو مخالفة عند الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة، وتكون الفتوى بالقياس على أصل قائم من الكتاب والسنة والقياس، الذي لا يختلف فيه القائلون بالقياس هو قياس العلة منصوصة أو مستنبطة لوجود مناسب معتبر مؤثراً أو ملائماً، وكذلك عن طريق السبر والتقسيم والدوران طرداً وعكساً على الأصح.
стр. 18096
كما تستند إلى الإجماع الذي لا يعرو عن أصل من كتاب وسنة على الصحيح، كما – تستند عند بعض العلماء على الاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وقول الصحابي، وشرع من قبلنا عند من يقول بهذه الأدلة الثانوية على التفصيل المعروف – في كتب الأصول، فلا نطيل به كل هذا بالنسبة للمجتهد، إلا أنه يوجد دليلان يشترك فيهما المجتهد والمقلد، وهما العرف والقياس المعتمد على تحقيق المناط؛ لهذا فلابد من كلمة تختص بهذين الدليلين.
العرف: هو ما يتعارف عليه الناس كالمعروف والعارفة، وحجية العرف مستفادة من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ، ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وفي الحديث ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ، ومن ما يستدل به لحجية العرف السنة التقريرية؛ كتقرير النبي ﷺ للناس على صنائعهم وتجاراتهم. و "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين " (١) .
وقد أقر ﷺ – القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٢) .
قال القرافي: "وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها " (٣) .
ولهذا اعتبرته المذاهب الفقهية، فقد ورد عن الأحناف رحمهم الله تعالى حمل بعضهم قوله ﵊: "الطعام بالطعام "على البر؛ لأنه كان طعامهم ذكر ذلك إمام الحرمين في البرهان (٤) .
وعن مالك أنه خصص قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بالعرف قائلاً: إن المرأة الشريفة لا ترضع بناء على العرف وهو يوجب الرضاع على غيرها (٥) .
أما الشافعي: (فالذي رآه أن عرف المخاطبين لا يوجب تخصيص لفظ الشارع) (٦) . ولكن الشافعي قد يأخذ بالعرف في ترتيب الأحكام على كلام الناس؛ قال الرافعي: "الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة وذلك عند ظهورها وشمولها وهو الأصل، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد. وقال ابن عبد السلام قاعدة الإيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة " (٧) .
أما الإمام أحمد فإنه يقول في الجائحة: "إني لا أقول في عشر ثمرات ولا في عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع"، وقال ابن قدامة أنه ظاهر المذاهب (٨) .
ما نقل يدل على أن العرف قد يكون أساساً لاستنباط الحكم فيخصص العام في دليل الاستحسان، إلا أن العرف قد يكون أساساً لتغير الفتوى، لهذا فإن العلماء فيما يتعلق بالعرف لم يفرقوا بين مجتهد ولا مقلد.
قال في مراقي السعود في تعريف الاستحسان: "أو هو تخصيص بعرف ما يعم ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم".
ومن الواضح أنهم يرون أن المقلد يتصرف طبقاً للعرف، فيمكن أن يراجع مذهب إمامه على ضوئه، بل إنه يخالف ظاهر النص بسبب اختلاف العرف الذي كان قائماً عليه على خلاف في هذه المسألة لأنه من باب تحقيق المناط، وبهذا الصدد نذكر اختلافهم في تغير العرف بالنسبة لضمان ما أتلفته الماشية، كما في حديث ناقة البراء، فإن على أهل الحوائط حفظ حوائطهم بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظ ماشيتهم بالليل، وفي حال تغير العرف بأن كان أهل الحوائط يحفظونها ليلاً وأهل الماشية يحفظونها نهاراً.
стр. 18097
قال السيوطي: "كما لو جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلاً ومواشيهم نهاراً فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام في العكس وجهان والأصح نعم " (١) .
كذلك نجد أن أبا يوسف يرى جواز معيار العد فيما معياره الوزن عند تغير العادة مع ورود النص. قال الدر المختار: "وما نص الشارع على كونه كلياً: كبر وشعير وتمر وكل وملح، أو وزنيّا: كذهب وفضة فهو كذلك لا يتغير أبداً. . . إلى قوله: لأن النص أقوى من العرف، فلا يترك الأقوى بالأدنى، وما ينص عليه حمل على العرف وعن الثاني اعتبار العرف مطلقاً ورجحه الكمال ".
قوله: ورجحه الكمال حيث قال: عقب ما ذكرناه ولا يخفى أن هذا لا يلزم أبا يوسف، لأن قصاره أنه كنصه على ذلك وهو يقول يصار إلى العرف الطارئي بعد النص بناء على أن تغير العادة يستلزم تغير النص، حتى لو كان ﷺ حيًّا نص عليه، وأطلل ابن عابدين حيث أوضح "أن النص معلول بالعرف فيكون هو المعتبر في أي زمن كان " (٢) .
قال ابن القيم في (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) : "هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ (٣) .
قال القرافي في (الأحكام) : "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهليه الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد " (٤) .
وتحقيق المناط:
والمناط: هو العلة من النوط إلى التعليق، فالحكم معلق بها تقول ناط به نوطأ؛ أي علقه قال حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
ويقال: هو منه مناط الثريا أي بعيد، وهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع علة حكم ما في محله بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع (٥) . قال في مراق السعود: تحقيق علة عليها ائتلفا في الفرع تحقيق مناط عرفاه؛ كتحقيق الطوافة في الفأرة فيحكم لها بحكم الهرة. وهو تطبيق القاعدة الشرعية المتفق عليها أو المنصوص عليها.
стр. 18098
وتحقيق المناط لا ينقطع فيه الاجتهاد إذ لا يمكن التكليف به، كما قال الشاطبي، وأمثلته كثيرة وهي التي ركز عليها الفقهاء (١) .
وقال الشاطبي: "الاجتهاد على ضربين؛ أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف، وذلك عند قيام الساعة، والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا.
فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهذا الذي لا خلاف بين الأمة في قبلوه، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله " (٢) .
فمن هو المفتي؟
قال في الدر المختار: "المفتي عند الأصوليين هو المجتهد؛ أما من يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت، وفتواه ليست بفتوى بل هو ناقل" (٣) .
وأصل المفتي في اصطلاح علماء الأصول – كما في تحرير الكمال – هو المجتهد المطلق وهو الفقيه. قال الصيرافي: هو موضوع لمن قام الناس بأمر دينهم وعلم عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها. وقال – أي السمعاني -: هو من استكمل فيه ثلاثة شرائط: الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل.
ولكن بعض العلماء في العصور المتأخرة عزفوا عن اشتراط الاجتهاد في الفتوى؛ فقال السبكي: فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب؛ إحداها: أن يصل إلى درجة الاجتهاد المقيد فيستقل بتقدير مذهب إمام معين ونصوصه أصولاً يستنبط منها، نحو ما يفعل بنصوص الشارع، وهذه صفة أصحاب الوجوه، والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فتيا هؤلاء، وأنت ترى علماء المذهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد من الفتوى أو منعوا هم أنفسهم منها؟
- الثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ للمذهب قائم بتقديره، غير أنه لم يرتضِ في التخريج والاستنباط كارتياض أولئك وقد كانوا يفتون ويخرجون، وما زال العلماء، يتدرجون حتى قال المازري في كتاب الأقضية: الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الشيوخ لها، وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب، وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها، وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها إلى غير ذلك مما بسطه المتأخرون في كتبهم وأشار إليه المتقدمون من أصحاب مالك في كثير من رواياتهم، فهذا لعدم النظر يقتصر على نقله على المذهب.
ولكنهم نزلوا درجات أخرى لعموم الجهل، فاكتفوا بمعرفة تقييد مطلقات روايات المذهب، بأن تكون المسألة موجودة في التوضيح أو في ابن عبد السلام، كما يقول الحطاب وقد أشار في مراقي السعود إلى ذلك بقوله: بذل الفقيه الوسع أن يحصل ظناً بأن ذاك حتم مثلاً فذاك للمجتهد الرديف. قال في شرحه: يعني أن الفقيه والمجتهد مترادف في عرف أهل الأصول، والفقيه في عرف الفقهاء من تجوز له الفتوى من مجتهد ومقلد. ومن تجوز له الفتوى المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد مجتهد مذهب كان أو مجتهد فتيا، وغير المجتهد إذا كان عالماً بالأصول أو جاهلاً لها بشرطه الآتي (٤) .
- وبعد أن استكمل أوصاف المجتهد المطلق الذي هو أول من تجوز له الفتوى في قائمة المفتين شرع في بيان الآخرين بقوله
: هذا هو المطلق والمقيد
منسفل الرتبة عنه يوجد
ملتزم أصول ذاك المطلق
فليس يعدوها على المحقق
مجتهد المذهب من أصوله
منصوصه أم لا حوى منقوله
وشرطه التخريج للأحكام
على نصوص ذلك الإمام
مجتهد الفتوى الذي يرجح
قولاً على قول وذاك أرجح
لجاهل الأصول أن يفتي بما
نقل مستوفي فقط وأمما
(٥)
стр. 18099
- ذلك حال تطور نظرتهم إلى المفتي من مجتهد مطلق إلى مجتهد مذهب أو فتوى، إلى فقيه النفس حافظ متبحر في الاطلاع على الروايات، عارف بتخصيص عمومها وتقييد مطلقها إلى من يكتفي بحفظ ذلك من كتاب يوثق به.
وهكذا نجد أن الفتاوى تغيرت مرجعيتها من حيث صفة القائم عليها في كونه مجتهداً مطلقاً في الصدر الأول، إلى مقلد تتفاوت رتبته بحسب الزمان، وكذلك من حيث الدليل المعتمد الذي كان كتاباً وسنة أو قياساً، إلى أن أصبح الدليل أقوال الإمام المقلد وقواعده، أو التخريج على أقواله ورواياته.
ونعني بالتخريج: القول في المسألة التي لا نص فيها للإمام، بمثل قوله في مسألة تساويها إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بينها فمذهبه في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة كمذهبه فيها.
قال في المراقي:
إن لم يكن لنحو مالك ألف
قول بذي وفي نظيرها عرف
فذلك القول هو المخرج
وقيل في الأخذ عليه حرج
وظهرت في كل مذهب إلى جانب كتب الفقه كتب الفتاوى والنوازل؛ كفتاوى السبكي وابن الصلاح في مذهب الشافعي والفتاوى الهندية وفتاوى قاضيخانه في المذهب الحنفي، وقد ذكر في (كشف الظنون) أكثر من مائة وخمسين تأليفاً من الفتاوى وفي المذهب المالكي كفتاوى ابن رشد والبرزلي وغيرهما. وسنتعرض بإشارة خاصة إليها، وإلى المذهب الحنبلي مع فتاوى ابن تيمية.
- وقد حاولت مختلف المذاهب ضبط الفتاوى عندما لم تعد من خصائص المجتهد المطلق، والفتاوى قد لا تكون نتيجة نازلة ولكنها تكون نتيجة توليد للمسائل.
وقد كان من السلف من يكره افتراض المسائل وتوليد الوقائع، وقد كانوا يسألون عن المسألة هل نزلت؟
وكان مالك يكره ذلك ويكره أرأيت؟
إلا أن أصحاب أبي حنيفة سلكوا منحى آخر في افتراض الصور الذهنية، وهكذا وسعوا جيوب الفتوى، وجروا ذيولها على مسائل وقعت وأخرى لم تقع، وربما لم تقع أبداً، إلا أنهم أثروا الفقه بتأليفهم ما سموه مسائل الأصول المروية عن الإمام وأصحابه، وقد تضمنت كتب محمد بن الحسن الستة: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الكبير والصغير، وهي التي تعرف بظاهر الرواية. وبقيت مسائل النوادر التي ليست في الكتب الستة، ولكنها في غيرها وهناك مسائل الفتاوى والواقعات التي عرضت لعلماء الأحناف من غير الطبقة الأولى، وهي ما استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهم وهلم جرًّا وهم كثيرون.
- فمن أصحابهما مثلاً: عصام وابن رستم ومحمد بن سماعة، وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت، وأول كتاب جمع في فتواهم – فيما بلغنا – كتاب (النوازل) للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر كمجموع النوازل والواقعات للناطفي (١) .
وحاول الأحناف ضبط الفتاوى، فقال صاحب تنوير الأبصار، "يفتى بقول أبي حنيفة على الإطلاق"، علق عليه ابن عابدين بقوله: أي سواء كان معه أحد أصحابه أو انفرد، لكن سيأتي قبيل الفصل أوالفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لزيادة تجربته. وعلق على قول صاحب الدر بقوله: (وهو الأصح) قائلاً: ما يأتي عن الحاوي وفي جامع الفصولين من أنه لو معه أحد صاحبيه أخذ بقوله، وإن خالفاه قيل كذلك، وقيل يخير إلا فيما كان الاختلاف بحسب تغير الزمان؛ كالحكم بظاهر العدالة وفيما أجمع المتأخرون عليه؛ كالمزارعة والمعاملة فيختار قولهما (٢) .
стр. 18100
وتوجيه هذا الكلام أن الأحكام تبتنى في كل إقليم وفي كل عصر على عرف أهله وهو مأخوذ من الفتح. (١)
وقال بعد ذلك: وفي فتاوى ابن الشلبي لا يعدل عن قول الإمام إلا إذا صرح أحد المشايخ بأن الفتوى على قول غيره، وبهذا سقط ما بحثه في البحر من علينا الفتوى بقول الإمام وإن أفتى المشايخ بخلافه، وقد اعترضه محشية الخير الرملي (٢) ، وقال في تنوير الأبصار مع الدر المختار في بيع المعدوم، ومنه بيع ما أصله غائب؛ كجزر وفجل، أو بعضه كورد وياسمين ومرصاد، وجوزه مالك لتعامل الناس وبه، أفتى بعض المشايخ عملاً بالاستسحان (٣) . "ومقدار الوزن لا يعلم بالعد كما العكس وكذا قال العلامة البركوي في أواخر الطريقة المحمدية: أنه لا حيلة فيه إلا التمسك بالرواية الضعيفة. لكن شارحها سيدي عبد الغني النابلسي بأن العمل بالضعيف مع وجود الصحيح لا يجوز، وفي الكافي الفتوى على عادة الناس" (٤) .
وقال الأحناف: إن المتون مقدمة على الشروح والشروح مقدمة على الفتاوى، والعمل على ما في المتون إذا تعارض ما في المتون والفتاوى فالمعتمد ما في المتون، كما في أنفع الوسائل، وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوى (٥) .
لكن مراجعة كتب الفتاوى؛ كالهندية وقاضيخانه، تبرز بوضوح تأثير المتأخرين في ترجيح كفة الفتاوى وما يفتى به في بلخ وخوارزمة وغيرهما. وأما المالكية فإنهم مع كراهية إمامهم رحمه الله تعالى لافتراض المسائل وتقدير الوقائع فإنهم في وقت مبكر اقتصوا آثار المدرسة العراقية الحنفية في افتراض المسائل عندما سلك أسد بن الفرات مسلك الأحناف في توليد المسائل بعد ملازمته لمحمد بن الحسن، فكان يطرح على ابن القاسم تلميذ مالك تلك المسائل فيجيبه عليها، فدون منها مدونة كبيرة عرفت باسم (الأسدية) عاد بها إلى أفريقيا وقفا أثره سحنون بن سعيد الذي راجع المدونة على ابن القاسم وصححها فأسقط الكثير وأثبت فتاوى أخرى لابن القاسم، ودون ما أملاه عليه ابن القاسم وعاد به إلى بلاده ليصبح المرجع في الفتوى لدى أمة المذهب في تونس وإفريقيا بخاصة، حيث اختصره ابن أبي زيد القيرواني في مختصره، ولخصه أبو سعيد البرادعي في تهذيبه الذي ألا اعتمده العلماء كما قال في طليحيته: واعتمدوا التهذيب للبرادعي، والمدونة في البرادعي، وقد شرحت المدونة وكثر التعليق عليها.
وإن كان أهل الأندلس أكثر اهتماماً بالعتبية وقد بينها ابن رشد في بيانه وتحصيله يراجع ابن خلدون في المقدمة.
فكانت هذه المدونات والمستخرجات وكتب ابن يونس واللخمي وابن أبي زيد وابن المواز مرجع النازل والفتاوى في أقطار الشمال الأفريقي والأندلس. إلا أن علم الفتاوى والنوازل كان له رواج كبير إلى جانب علم القضاء والتوثيق، فقد كانت لكل علم من أعلام الفقه نوازله وفتاويه الخاصة في مسائل ترد عليه، سواء في حضرة تونس أو القيروان أو فاس أو قرطبة.
ولعل أقدم النوازل بالغرب الإسلامي: نوازل القرويين ونوازل ابن رشد (الجد) وابن الحاج القرطبي ومذاهب الحكام في نوازل الأحكام لمحمد بن القاضي عياض قد جمعها من بطائق والده التي دونها تحت عنوان (أجوبة القرطبين) ، ويرى بعض الباحثين أن فتاوى القاضي عياض كانت تشكل مدونة العمل السبتي الذي كان رائداً للعمل الفاسي والعمل الرباطي والعمل السوسي والعمل التطواني الذي استفيد من نوازل في الأحكام الشرعية بتطوان للفقيه الحائك، وقد أدمجها المهدي الوزاني في نوازله الصغرى (٦) .