بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة في الدين والإيمان، وشبههم في تعاونهم وتضامنهم وتناصرهم بالجسد الواحد والبنيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد أوجب الإسلام على المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين فيما بينهم، وبين مقتضيات هذه الأخوة وملتزماتها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقال ﵊: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه))
(١) ، وكان من نتيجة هذه الأخوة والمحبة في الله أن تعامل أفراد المجتمع الإسلامي عبر التاريخ وخلال العصور على أحسن ما تعامل الناس مواساة وإيثارًا وتعاونًا وتكافلًا، وما أحوج الأمة الإسلامية اليوم جماعات وأفرادًا إلى القيام بحقوق الأخوة، والعودة إلى كامل الوداد وصادق المحبة والنصيحة.
إذن فلابد أن نعرف ما هو مفهوم الأخوة الإسلامية؟ وما هي فضائلها؟ وما هي حقوقها وآدابها؟ وهل نحن مطالبون بالوحدة الإسلامية، والإصلاح بين المسلمين، ومراعاة أدب الخلاف بين المؤمنين؟
هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع هذا البحث المتواضع، ولا أدعي أني قد أحطت بالموضوع من كل زاوية وركن، وإنما أدليت بدلوي بين الإدلاءات المتعددة قدر الإمكان، ومَن بذل من الخير ما لديه فلا لوم بعد ذلك عليه.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، ونبراسًا للأخوة في حياتهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
стр. 18307
المبحث الأول
مفهوم الأخوة الإسلامية
الأخ: مَن جمعك وإياه صلب أو بطن.
الأخ: الصديق والصاحب، والجمع: إخوة وإخوان.
وفي المثل العربي: رُبَّ أخ لك لم تلده أمك.
وأخوة النسب رحم يسأل عنها الإنسان؛ ولاسيما إذا دعمتها روابط الدين والمحبة والإخلاص.
وقد لا يكون بين الأخوين إلا رابطة النسب، وهي ضعيفة إن لم تدعمها معاني الأخوة الأخرى (١) .
ومن الناس مَن يؤاخي آخر لمصلحة شخصية، فإذا انقضت تصرم حبل المودة وانقسمت عرى الأخوة. وأقوى روابط الأخوة رابطة الدين.
والأخوة في نظر الإسلام: هي الآصرة العقيدية التي تشد المسلمين بعضهم لبعض، وهي الرباط الذي يربط بين قلوبهم، وهي من أوثق عرى الإيمان كما يقرر ذلك رسول الله ﷺ بقوله: ((أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)) (٢) .
ولذا كانت الأخوة في الإسلام صفة ملازمة للإيمان، وخصلة مرافقة للتقوى، إذ لا أخوة بدون إيمان، ولا إيمان بدون أخوة، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، كما أنه لا أخوة بلا تقوى ولا تقوى بلا أخوة، والله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
فإن وجدت أخوة ولم تجد من ورائها إيمانًا فهو التقاء مصالح، وتبادل منافع، وإن وجدت إيمانًا ولم تجد أخوة فهو إيمان ناقص يحتاج إلى معالجة.
والأخوة الإسلامية: هي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام والثقة المتبادلة مع كل من تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية وركائز الإيمان والتقوى. فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المسلم أصدق العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكافل، وفي اتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والمساس بكرامتهم.
والأخوة الإسلامية نعمة من نعم الله التي امتن بها على عباده فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
كما امتن بها على نبيه ﷺ فقال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
стр. 18308
المبحث الثاني
فضائل الأخوة الإسلامية
ذكرنا في المبحث الأول أن الأخوة في الإسلام صفة ملازمة للإيمان مقرونة مع التقوى، لذا جعل الله لها من الكرامة والفضل وعلو المنزلة ما يدفع المسلمين جميعًا إلى التحقق بها، والحرص عليها، عسى أن يكونوا من المؤمنين الأطهار، والمتقين الأبرار، والأصفياء الأخيار، وقد وردت في فضائلها أحاديث وآثار كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: أولًا: جاء عن النبي ﷺ : ((أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال أين تريد؟
قال: أريد أخًا لي في هذه القرية.
قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ (أي تقوم بها وتسعى في صلاحها) .
قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى.
قال الملك: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)) (١) .
ثانيًا: وقال ﷺ : ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) (٢) .
ثالثًا: السبعة الذين ورد ذكرهم في الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) (٣) .
رابعًا: قال رسول الله ﷺ : ((إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى)) .
قالوا: يا رسول الله، تخبرنا مَن هم؟.
قال ﷺ : ((هم قوم تحابوا بروح الله بينهم، على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)) (٤) .
стр. 18309
خامسًا: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن يجد حلاوة الإيمان، فليحب المرء لا يحبه إلا لله )
(١) .
سادسًا: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاثت عنهما ذنوبهما، كما تتحاث الورق من الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر)) (٢) .
سابعًا: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))
(٣) .
ثامنًا: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي)) (٤) .
تاسعًا: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل عرى الإيمان)) (٥) .
عاشرًا: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله)) (٦) .
стр. 18310
ومن الآثار (١) الواردة في فضل الإخوة الإسلامية:
- عن عمر ﵁ قال: (إذا رأى أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به فقلما يصيب ذلك
- وعنه ﵁ قال: (عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء) .
- وقال علي ﵁: (عليكم بالإخوان، فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألا تسمع إلى قول أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] ) .
- وقال ﵁ لابنه الحسن: (يا بني، الغريب من ليس له حبيب) .
- وقال عبد الله بن عمر ﵄: (والله لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي غلقًا غلقًا في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله، وبغض لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك شيئًا) .
- وقال ابن مسعود ﵁: (لو أن رجلًا قام بين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب) .
- وقال خالد بن صفوان: (إن أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع مَن ظفر به منهم) .
- وقال محمد بن الحنفية ﵁: (ليس بحكيم مَن لم يعاشر بالمعروف، من لا يجد في معاشرته بدًّا حتى يجعل الله له منه فرجًا) .
وقال ابن المعتز: (مَن اتخذ إخوانًا كانوا له أعوانًا) .
стр. 18311
المبحث الثالث
حقوق الأخوة الإسلامية وآدابها (١)
المسلم يؤمن بما لأخيه المسلم من حقوق وآداب تجب له عليه، فيلتزم بها، ويؤديها لأخيه المسلم، وهو يعتقد أنها عبادة لله تعالى، وقربة يتقرب بها إليه ، إذ هذه الحقوق والآداب أوجبها الله تعالى على المسلم، ليقوم بها نحو أخيه المسلم، ففعلها إذًا طاعة لله، وقربة له بدون شك. ومن هذه الحقوق والآداب ما يلي:
١ -أن يسلم عليه إذا لقيه قبل أن يكلمه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويصافحه، ويرد المسلم عليه قائلًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] .
وقول الرسول ﷺ : ((يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد والقليل على الكثير)) (٢) ، وقوله: ((إن الملائكة تعجب من المسلم يمر على المسلم ولا يسلم عليه)) (٣) ، وقوله: ((وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) (٤) ، وقوله: ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا)) (٥) ، وقوله: ((من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه حتى يبدأ بالسلام)) (٦) .
٢ -أن يُشمته إذا عطس، بأن يقول له إذا حمد الله تعالى: يرحمك الله، ويرد العاطس عليه قائلًا: يهديكم الله ويصلح بالكم، لقوله ﷺ : ((إذا عطس أحدكم فليقل له أخوه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل له: يهديكم الله ويصلح بالكم))
(٧) ، وقال أبو هريرة ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته) (٨) .
стр. 18312
٣ -أن يعوده إذا مرض، ويدعو له بالشفاء، لقوله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) (١) ، ويقول البراء بن عازب ﵁: ((أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام)) (٢) ، ولقوله ﷺ : ((عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني (الأسير)) )
(٣) ، وقول عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يعود بعض أهله فيمسح بيده اليمنى ويقول: ((اللهم رب الناس أذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا)) (٤) .
٤ -أن يشهد جنازته إذا مات، لقوله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس))
(٥) .
٥ -أن يبر قسمه إذا أقسم عليه في شيء، وكان لا محذور فيه، فيفعل ما حلف له من أجله حتى لا يحنث في يمينه، وذلك لحديث البراء بن عازب ﵁: ((أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام))
(٦) .
٦ -أن ينصح له إذا استنصحه في شيء من الأشياء أو أمر من الأمور، بمعنى أنه يبين له ما يراه الخير في الشيء أو الصواب في الأمر، وذلك لقوله ﷺ : ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له))
(٧) ، وقوله: ((الدين النصيحة))
وسئل لمن؟ فقال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٨) ، والمسلم قطعًا من جملتهم.
٧ -أن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، لقوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه))
(٩) ، وقوله ﵊: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))
(١٠) ، وقوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا))
(١١) .
стр. 18313
٨ -أن ينصره ولا يخذله في أي موطن احتاج فيه إلى نصره وتأييده، لقوله ﷺ : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)) ، وسئل ﵊ عن كيفية نصره وهو ظالم، فقال: ((تأخذ فوق يديه - بمعنى تحجزه عن الظلم وتحول بينه وبين فعله - فذلك نصرك له))
(١) ، وقوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)) ، وقوله: ((ما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتهك فيه عرضه، وتستحل فيه حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره، وما من امرئ خذل مسلمًا في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصره))
(٢) ، وقوله: ((مَن رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)) .
٩- أن لا يمسه بسوء أو يناله بمكروه أو أذى، وذلك لقوله ﵊: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه))
(٣) ، وقوله ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا))
(٤) ، وقوله: ((لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه))
(٥) ، وقوله: ((إن الله يكره أذى المؤمنين))
(٦) ، وقوله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))
(٧) ، وقوله ﵊: ((المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم)) (٨) .
١٠ - أن يتواضع له ولا يتكبر عليه، وأن لا يقيمه من مجلسه المباح ليجلس فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] ، ولقوله ﷺ : ((إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد))
(٩) ، ولقوله ﷺ : ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى)) ،
ولما عُرف عنه ﷺ من تواضعه لكل مسلم وهو سيد المرسلين، ومن أنه كان لا يأنف ولا يتكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين ويقضي حاجتهما، وأنه قال: ((اللهمَّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين))
(١٠) ، وقوله ﵊: ((لا يقيمن أحدكم رجلًا من مجلسه حتى يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا))
(١١) .
стр. 18314
١١ - أن لا يهجره أكثر من ثلاثة أيام، لقول الرسول ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))
(١) ، وقوله: ((ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا))
(٢) ، والتدابر: هو التهاجر وإعطاء كل دبره للآخر معرضًا عنه.
١٢ - أن لا يغتابه أو يحقره أو يعيبه أو يسخر منه أو ينبزه بلقب سوء أو ينم عنه حديثًا للإفساد، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقول الرسول ﷺ : ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته))
(٣) ، وقوله ﷺ في حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم))
(٤) ، وقوله: ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))
(٥) ، وقوله ﵊: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم))
(٦) ، وقوله ﵊: ((لا يدخل الجنة قتات))
يعني نمام.
١٣ - أن لا يسبه بغير حق حيًّا كان أم ميتًا، لقوله ﵊: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))
(٧) ، وقوله: ((لا يرمي رجل رجلًا بالفسق أو الكفر إلا ارتد عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)) ،
وقوله ﵊: ((المتسابان ما قالا، فعلى البادي منهما حتى يعتدي المظلوم))
(٨) ، وقوله: ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))
(٩) ، وقوله: ((من الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قيل: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه فيسب أمه))
(١٠) .
стр. 18315
١٤ - أن لا يحسده، أو يظن به سوءًا أو يبغضه أو يتجسس عليه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] ، وقول الرسول ﷺ : ((لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانًا))
(١) ، وقوله: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث))
(٢) .
١٥ - أن لا يغشه أو يخدعه، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] ، وقول الرسول ﷺ : ((مَن حمل علينا السلاح ومن غشنا فليس منا))
(٣) ، وقوله: ((مَن بايعت فقل لا خلابة))
(٤) ، يعني لا خديعة، وقوله ﵊: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة))
(٥) ، وقوله: ((مَن خبب زوجة امرئ أو مملوكة فليس منا))
(٦) ، ومعنى خبب: أفسد وخدع.
١٦ - أن لا يغدره أو يخونه أو يكذبه أو يماطله في قضاء دينه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] ، وقول الرسول ﷺ : ((أربع مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))
(٧) ، وقوله ﷺ في الحديث القدسي: ((قال تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطِه أجره))
(٨) ، وقوله ﷺ : ((مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع))
(٩) .
стр. 18316
١٧ - أن يخالقه بخلق حسن، فيبذل له المعروف، ويكف عنه الأذى، ويلاقيه بوجه طلق؛ يقبل منه إحسانه، ويعفو عن إساءته، ولا يكلفه ما ليس عنده؛ فلا يطلب العلم من جاهل، ولا البيان من عيي، لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وقول الرسول ﷺ : ((اتقِّ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))
(١) .
١٨ - أن يوقره إن كان كبيرًا، ويرحمه إن كان صغيرًا؛ لقول المصطفى ﷺ : ((ليس منا من لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا))
(٢) ، وقوله: ((من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم))
(٣) ، وقوله: ((كبر كبر)) أي ابدأ بالكبير.. ولما عرف عنه ﷺ من أنه كان يؤتى بالصبي ليدعو له بالبركة ويسميه، فيضعه في حجره، فربما بال الصبي في حجره ﵊. وروي أنه إذا قدم من سفر تلقاه الصبيان فيقف عليهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه، فيجعل منهم بين يديه، ومن خلفه، ويأمر الصحابة أن يحملوا بعضهم؛ رحمة منه ﵊ بالصبيان.
١٩ - أن يعفو عن زلته، ويستر من عورته، وأن لا يتسمع إلى حديث يخفيه عنه لقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] ، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] ، ولقول الرسول ﷺ : ((ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا))
(٤) ، وقوله: ((وأن تعفو عمن ظلمك)) ،
وقوله: ((لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة))
(٥) ، وقوله: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ويفضحه ولو كان في جوف بيته))
(٦) ، وقوله: ((مَن استمع لخبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة)) .
стр. 18317
٢٠ - أن يساعده إذا احتاج إلى مساعدته، وأن يشفع له في قضاء حاجته إن كان يقدر على ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ، وقول الرسول ﷺ : ((مَن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))
(١) ، وقوله ﵊: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء))
(٢) .
٢١ - أن يعيذه إذا استعاذه بالله، وأن يعطيه إذا سأله بالله، وأن يكافئه على معروفه أو يدعو له، وذلك لقوله ﷺ : ((مَن استعاذكم بالله فأعيذوه، ومَن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومَن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) .
٢٢ - أن ينصفه من نفسه، ويعامله بما يجب أن يعامل به، لقوله ﷺ : ((لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسه، وبذل السلام))
(٣) ، وقوله ﵊: ((مَن سره أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه))
(٤) .
стр. 18318
المبحث الرابع
(إن أمتكم أمة واحدة) (١)
لقد أرسل الله رسوله محمدًا ﷺ بالحنفية السمحة، أرسله هاديًّا مرشدًا ومعلمًا مصلحًا جامعًا لا مفرقًا، وخلال ثلاث وعشرين سنة تم له ما أراد بإذن ربه، والآيات الآتية توضح منهجه وطريقته ﷺ في جمع العرب المتناحرين والمتفرقين، وتوضح كيف أزال الإسلام الفوارق بين الطبقات وجعلها أمة واحدة، ودعا إلى وجوب الاجتماع وعدم الفرقة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
وقال ﷺ : ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم))
(٢) .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، وقال : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، ومن بعد رسول الله ﷺ سار الصحابة وسار بعدهم السلف الصالح، وكان الاختلاف بينهم يسيرًا، كان سبب ذلك هو التفاوت في فهم النصوص، وجاء الأئمة من العلماء والفقهاء واجتهدوا لتقريب مفهوم الكتاب والسنة إلى أفهام الناس، وكانوا يقولون: (لا يجوز لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم دليلنا) ، ويقول أحدهم ما معناه: ((إذا وجدتم دليلًا يعارض قولي فاضربوه عرض الحائط)) .
стр. 18319
وقصد أولئك الأئمة الأعلام معروف، هو مساعدة الناس على فهم الكتاب والسنة، ولم يكن قصدهم أن يأتي من بعدهم أناس يتعصبون لأقوالهم. وبعد ذلك انتشر التقليد المتعصب، وانسد باب الاجتهاد والبحث والتقصي وراء الأحكام، ودارت الأيام والسنون والله تعالى ييسير لهذه الأمة بين الفينة والأخرى من يوقظها من سباتها، ويعيد لها بإذن ربها أمر رشدها، ويضم شملها، ويطرد الشكوك والتعصب والاختلاف عنها.
وكان بدء البعد والاختلاف بسبب وجود الدعوات المناوئة للإسلام، والتي تريد المسلمين مختلفين في أمرهم، ولا تريد اجتماعهم، ومع علم الكثير بهذا إلا أننا نلاحظ عددًا من الجماعات الإسلامية تمارس الدعوة إلى الله مع وجود تنافر وتباغض بين هذه الجماعات، فما هو المبرر؟ ولماذا لا يتحد هؤلاء تحت راية الدعوة إلى الإسلام، ويتركوا الحزبية الضيقة والتعصب للأشخاص؟ وإذا كان يوجد لدى إحدى هذه الجماعات أخطاء - وجل من لا يخطئ - فعند الأخرى مثلها أو أكثر أو أقل، فلماذا لا يسود التفاهم والتناصح والألفة والمحبة والاجتماع على ضوء الآيات السابقة، حتى يسود مجتمعاتنا جهد مكثف للدعوة، لا تنافر ولا حقد ولا كراهية؟ ولا نقول إن إحدى هذه الجماعات على خطأ، ولكن نخاف أن تفقد الهمة، وتضعف العزيمة، ويولد جيل من المخلصين لا يعرف إلا التعصب والتحزب لهذه أو تلك. وهذا ما يريده أعداء الإسلام عاجلًا أو آجلًا، فماذا ننتظر؟ هل ننتظر اليهود والصليبيين والشيوعيين ليوحدوا صفوف الدعاة إلى الله؟ لماذا لم يختلفوا في باطلهم، ولم يتفرقوا في غيهم؟ والمسلمون تفرقوا شيعًا كل يدعي أن الحق معه. هذه أمنية لأعداء الإسلام، إن الداعية إلى الله لا يحب أن يصرف جهده إلى علم أو طريقة معينة، فلا يصرف مثلًا جهده لعلم من العلوم الإسلامية دون آخر، وإنما يجب أن يصرف جهده لجميع أنواع العلوم الإسلامية، من حديث وفقه وتوحيد وتفسير، ويجب عليه معرفة الأمراض التي تسري في الأمة سريان النار في الهشيم. ومعالجتها وتوضيح بطلانها، وأعود فأقول: يجب ضم جميع الجماعات الداعية إلى الله تحت راية واحدة، حتى يتحقق الأمل المنشود.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 18320
المبحث الخامس
الدعوة إلى الإصلاح بين الناس لاسيما بين الأخوة
إن الإسلام وهو دين الفطرة معني بالحياة الاجتماعية، وأن تكون هذه الحياة قائمة على التواد والتحابب، لهذا تراه يحض على الألفة، يقول ﵌: ((لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)) ،
والقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تحض الإنسانية جمعاء على التعاون والمحبة والسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] ، وقال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، كما قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ، كل هذا يبين للإنسان وجهة الدين، ورغبته في أن يعيش الناس في وئام وتآلف ومحبة وسلام.
وإذا كانت هذه مقاصد الدين الحنيف كان جليًّا أن من يعمل على إفساد هذه الميادين، وإحلال الكراهية محل المحبة، والشقاق محل الوفاق، والتفكك محل الارتباط، مَن يعمل هذا يكون عاملًا على هدم أسس الاجتماع والترابط.
من أجل هذا أمر الحق جماعة المؤمنين أن يجعلوا من أنفسهم جماعة تراقب العلاقات الاجتماعية الأخوية، وتوفر لها ما يلزمها من الصفاء الدائم والصحة التامة، فإذا ما حدث أمر يهدد أخوة المجتمع، من خلاف بين أفراده، أو نزاع على شأن من شؤون الحياة؛ وجب على كل فرد في المجتمع أن يهب ليصلح ما طرأ على العلاقات الأخوية من فساد، ويذود عنها العطب والتلف، من أجل سلامة إيمان المؤمنين، ومن أجل سلامة المجتمع وصيانته من الدمار، وهكذا عقب الله على وصف مجتمع المؤمنين بالأخوة بالأمر بالإصلاح بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ، من أجل هذا كانت إزالة الشحناء من نفوس المسلمين، والعمل على صفاء قلوب بعضهم لبعض، وتنقيتها مما علق بها من أدران الفساد، وعوامل الشقاق، ودواعي الفرقة، من أهم المقاصد التي يحث عليها الشارع الحكيم، ويترتب عليها الثواب العظيم، فقد اهتم الإسلام بإصلاح ذات البين حفاظًا على وحدة المسلمين وسلامة قلوبهم.
стр. 18321
وإن الإصلاح يعتبر من أعظم وأجل الطاعات وأفضل الصدقات؛ فالمصلح بين الناس له أجر عظيم وثواب كريم إذا كان يبتغي بذلك مرضاة الله تعالى، فأجره يفوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخاصة نفسه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة))
(١) ، ومعنى الحالقة أي تحلق الدين. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم، يعدل بين الناس صدقة))
(٢) ، وفي رواية قال: ((تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، قال: والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة))
(٣) ، وقوله: تعدل بين الاثنين، أي تصلح بينهم بالعدل.
إن الإصلاح بين الناس تفضل فيه النجوى، وهي السر دون الجهر والعلانية، ذلك أنه كلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه، لأن الإنسان يتأذى من نشر مشاكله أمام الناس، فالسعي في الإصلاح يحتاج إلى حكمة، وإلا فإن الساعي أحيانًا قد يزيد من شقة الخلاف وحدته، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] .
ولأهمية الإصلاح بين الناس رخص فيه الكذب، وذلك إذا كان سبيلًا للإصلاح ولا سبيل سواه، عن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا))
(٤) ، قوله ينمي خيرًا أي ينقل الحديث على وجه الإصلاح.
стр. 18322
والكذب في الإصلاح بين الناس، مثل: أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل من المتخاصمين وأقوالهما بما يحقق التقارب، ويزيل أسباب الشقاق والخلاف، وأحيانًا ينفي بعض أقوالهما السيئة فيما بينهما، وينسب إلى كل منهما الأقوال الحسنة في حق صاحبه مما لم يقله، مثل أن يقول: فلان يسلم عليك ويحبك، وما يقول فيك إلا خيرًا ونحو ذلك ... فأصلح أيها المسلم ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس، واحذر أسباب الشحناء والبغضاء، وإذا جاء إليك أخوك معتذرًا فاقبل معذرته ببشر وطلاقة، بل ينبغي أن تسعى أنت إلى إنهاء الشحناء وإن كان لك الحق، قال عمر ﵁: أعقل الناس أعذرهم لهم، وقال الحسن بن علي ﵄: (لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه، واعتذر إلي في أذني الأخرى لقبلت عذره)
(١) ، وروي أن الحسين بن علي ﵄ كان بينه وبين أخيه محمد ابن الحنفية خصومة عليهم رضوان الله، وبعد أيام كتب محمد إلى الحسين رسالة ضمنها اعتذاره منه، فما أن وصل الكتاب إلى الحسين حتى قام لساعته وذهب إلى أخيه محمد، فالتقى به في منتصف الطريق فتعانقا وبكيا وتصالحا (٢) .
أما الإصلاح بين الطوائف المتخاصمة أمر حتم، ولو لم يتم ذلك إلا بالعنف محافظة على الكيان العام للجماعة، وإبقاء لعلاقات المودة والإخاء، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] ، وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك والتفرق، والارتكان في هذا كله إلى تقوى الله، ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح.
والقرآن قد واجه - أو هو يفترض - إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين، ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما، ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى، بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب.
стр. 18323
وهو يكلف الذين آمنوا - من غير الطائفتين المتقاتلتين طبعًا - أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين، فإذا بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق، ومثله أن تبغيا معًا برفض الصلح، أو رفض قبول حكم الله في المسائل المتنازع عليها، فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن، وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله، وأمر الله هو وضع الخصومة بين المؤمنين، وقبول حكم الله فيما اختلفوا فيه وأدى إلى الخصام والقتال، فإذا تم قبول البغاة لحكم الله قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق، طاعة لله وطلبًا لرضاه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] . ويعقب على هذه الدعوة وهذا الحكم باستجاشة قلوب المؤمنين الذين آمنوا، واستحياء الرابطة الوثيقة بينهم، والتي جمعتهم بعد تفرق، وألفت بينهم بعد خصام، وتذكيرهم بتقوى الله، والتلويح لهم برحمته التي تنال بتقواه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] .
ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء
الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة، وهو إجراء صارم وحازم (١) .
стр. 18324
المبحث السادس
معرفة حقوق الأخوة الإسلامية
ومراعاة آداب الخلاف بين المؤمنين
اقتضت مشيئة الله أن تتفاوت العقول، وتتباين المدارك، مما يؤدي إلى تعداد الآراء والاجتهادات، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الخلاف بين البشر سنة من سنن الله الكونية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ، ونود أن نشير هنا إلى أن الاختلاف الذي يقع بين الأمة؛ منه ما يكون في أمور العقيدة والأصول، ومنه ما يكون في مسائل الفروع والأحكام.
ولا خلاف في أنه بالنسبة للنوع الأول لابد من الإنكار على مَن خالف العقيدة الصحيحة، ولابد من دحض شبهات أصحابه؛ فهذه الأمور قد بينها الله ورسوله أجلى بيان، والمخالف فيها مخالف لأمور قطعية لا تقبل النقاش والجدال، وأما النوع الثاني فهو الذي نقصده بحديثنا هنا، ونريد أن نبين شيئًا من الأدب الذي كان يلتزمه سلفنا الصالح إذا ما وقع بينهم شيء من هذا الخلاف، يقول الشيخ رشيد رضا ﵀ في مقدمته لكتاب (المغني) لابن قدامة: (ولما كان الاختلاف في الفهم من طبائع البشر؛ خص الاختلاف المذموم بما كان عن تفرقة أو سببًا للتفرق، وجرى على ذلك السلف الصالح فحظروا فتح باب الآراء في العقائد، وجعلوها في الفروع، وكان بعضهم يعذر بعضًا في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهمه) (١) .
وهناك أمور جعل الله فيها سعة، وجعل في الخلاف فيها بين المؤمنين سعة، ووقع الخلاف بين أصحاب النبي ﵌ في مثل هذه القضايا، فلا يجوز لنا أن نهدر الأخوة الإيمانية التي هي من ضروريات الدين.
стр. 18325
يقول الشاطبي عليه رحمة الله: بالأخوة والائتلاف والتعاون يحفظ الدين، وبالتفرق والتخاصم والتنابذ والتدابر يُضاع الدين، وحفظ الدين أول مقاصد هذا التشريع، وجعل الله للاختلاف بين المسلمين - الاختلاف السائغ - جعل له بابًا، فالنبي ﵌ عندما قال لأصحابه في غزوة الخندق: ((مَن كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة))
فأدركهم وقت الصلاة في الطريق بعد الحصار الطويل، وقد غابوا ﵃ عن أزواجهم وأموالهم وعن أولادهم، وكانوا لا يخرجون للخلاء حتى يستأذنوا النبي ﵌ بسبب شدة طاعتهم لله، وحين انقضَّ العدو سارع كل منهم إلى أهله، فأبلغهم النداء، وقد تفاوتوا في عوالي المدينة وأطرافها، فأدرك وقت الصلاة بعضهم في الطريق، فقالوا: ما أراد النبي ﵌ منا أن نؤخر الصلاة إنما أراد استعجالنا؛ فلنصلي، وقال بعضهم الآخر: نحن لا نخالف أمر النبي ﵌ ولا نصلي إلا في بني قريظة، فصلى بعضهم في الطريق، وصلى بعضهم في بني قريظة بعد غروب الشمس.
يقول الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: لم يُنكر النبي ﵌ على هؤلاء، ولم ينكر على هؤلاء، وهذه الحادثة لو وقعت بين المسلمين في زماننا هذا لسالت من أجلها الدماء، وسُلت من أجلها السيوف.
أين نحن من هذا الأدب الرباني العظيم الرفيع الذي يعلمنا به النبي ﵌، بل وقع الخلاف بعد ذلك بين أصحاب النبي ﵌ وكانوا يتناظرون، وكان بعضهم يرد على بعض، وكان بعضهم يبين لبعض، وكان بعضهم يناقش بعضًا، وكان بعضهم يحاور بعضًا، لكن ما كانوا يهدرون هذه الأخوة الإيمانية التي بدونها لن نحفظ ديننا، ولن نحفظ أنفسنا ولن نحفظ أوطاننا، وأن أعلى وأعظم ما يطمع فيه أعداء الإسلام هو أن يكفي المسلمون الأعداء بعضهم في بعض بالمخاصمة والتقاطع والتدابر والقتال.
стр. 18326
وإليكم هاتين الصورتين اللتين توضحان لنا أدب الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم:
الصورة الأولى (١) - بين عمر وابن مسعود ﵄:
كان عبد الله بن مسعود ﵁ من أقرأ أصحاب رسول الله ﵌ لكتاب الله، ومن أعلمهم بالسنة، حتى كان كثير من الصحابة يعدونه من أهل بيت رسول الله ﵌ لكثرة ملازمته له، قال أبو موسى الأشعري ﵁: كنا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﵌ من كثرة دخولهم ولزومهم له، وقال أبو مسعود البدري مشيرًا إلى عبد الله بن مسعود: (ما أعلم رسول الله ﵌ ترك بعده أحدًا أعلم فيما أنزل الله تعالى من هذا القادم، فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا، وعمر ﵁ في الطرف الآخر معروف بفقهه وجلالة قدره، وكان ابن مسعود أحد رجال عمر في بعض الأعمال، وقد وافق عبد الله بن عمر في كثير من اجتهاداته حتى اعتبره الكاتبون في تاريخ التشريع أكثر الصحابة تأثيرًا بعمر، وكثيرًا ما كانا يتوافقان في اجتهاداتهما وطرائقهما في الاستدلال، وربما رجع عبد الله إلى مذهب عمر في بعض المسائل؛ كما في مسألة مقاسمة الجد والأخوة مرة إلى الثلث ومرة إلى السدس، ولكنهما اختلفا في مسائل كثيرة، ومن مسائل الخلاف بينهما: أن ابن مسعود كان يطبق يده في الصلاة وينهى عن وضعهما على الركب، وعمر كان يفعل ذلك وينهى عن التطبيق، كان ابن مسعود يرى في قول الرجل لامرأته أنت علىّ حرام يمين، وعمر يرى أنها طلقة واحدة، وكان ابن مسعود يقول في رجل زنا بامرأة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر لا يرى ذلك، ويعتبر أوله سفاحًا وآخره نكاحًا.
стр. 18327
وقد أوصل ابن القيم ﵀ المسائل التي جرى الخلاف فيها بين عمر وابن مسعود ﵄ إلى مائة مسألة وأكثر، ومع هذا الخلاف المدون فإن اختلافهما هذا ما نقص من حب أحدهما لصاحبه، وما أضعف من تقدير ومودة أي منهما للآخر، فهذا ابن مسعود يأتيه اثنان أحدهما قرأ على عمر والآخر على صحابي آخر، فيقول الذي قرأ على عمر: أقرأنيها عمر بن الخطاب. فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى يبتل الحصى بدموعه ويقول: اقرأ كما أقرأك عمر، فإنه كان للإسلام حصنًا حصينًا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن.
ويُقبل ابن مسعود يومًا وعمر جالس، فلما رآه مقبلًا قال: ((كنيف مليء فقهًا وعلمًا)) ،
وفي رواية: ((كنيف مليء علمًا آثرت به أهل القادسية)) . هكذا كانت نظرة عمر لابن مسعود ﵄. ولم يزده الاختلاف بينهما في تلكم المسائل إلا محبة وتقديرًا واحترامًا، ولنا أن نستنبط من تلك الأحداث ما شئنا من آداب تكون نبراسًا في معالجة القضايا الخلافية.
الصورة الثانية- بين ابن عباس وزيد بن ثابت ﵄: كان ابن عباس ﵁ يذهب - كأبي بكر الصديق وكثير من الصحابة - أن الجد يسقط جميع الأخوة والأخوات في المواريث كالأب، وكان زيد بن ثابت - كعلي وابن مسعود وفريق من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - يذهب إلى توريث الأخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يومًا: (ألا يتقي الله زيد؛ يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا) ، وقال: (لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) .
إن ابن عباس ﵄ الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد حد طلب المباهلة، رأى زيد بن ثابت يومًا يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تنح يا ابن عم رسول الله ﵌، فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك، فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﵌، وحين توفي زيد قال ابن عباس، هكذا يذهب العلم، وفي رواية للبيهقي في سننه: هكذا ذهاب العلم لقد دُفن اليوم علم كثير.
هذه نماذج من الاختلافات الفقهية ومواقف المختلفين.
стр. 18328
المبحث السابع
أمثلة ونماذج خالدة من سيرة السلف الصالح
في تفاعل أخوة الإيمان
إن أخوة الإسلام يوم كانت على أوجها صنعت نماذج فريدة عبر التاريخ، وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرات أخرى، فالبشر هم نفس البشر والإيمان نفس الإيمان، ولو استعرضناها لطال بنا المكان والزمان، ولكن حسبنا أن نذكر بعضًا من آلاف النماذج، بل من الملايين، على سبيل المثال:
أولًا: لما آخى الرسول ﵌ بين المهاجرين والأنصار، كان الأنصار يتسابقون في مؤاخاة المهاجرين حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع، وكانوا يعطونهم البيوت والأثاث والأموال والأرض والخيل والبغال والحمير ويؤثرونهم على أنفسهم، ويقول الأنصاري للمهاجر: انظر شطر مالي فخذه، ويقول المهاجر: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق.. فكان من الأنصار الإيثار، ومن المهاجرين التعفف وعزة النفس وعدم الطمع، وهكذا تكون الأخوة: عزة نفس وتعفف، وفي المقابل إيثار وكرم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا)) (١) .
وعن جابر ﵁ قال: كانت الأنصار إذا جزوا نخلهم قسم الرجل ثمرة قسمين أحدهما أقل من الآخر، ثم يجعلون السعف مع أقلهما، ثم يخيرون المهاجرين فيأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السعف حتى فُتحت خيبر، فقال رسول الله ﷺ : ((قد وفيتم لنا بالذي كان عليكم، فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر ويطيب ثماركم فعلتم)) ، قالوا: قد كان لك علينا شروط بأن لنا الجنة، فقد فعلنا الذي سألتنا بأن لنا شرطنا، قال: ((فذاكم لكم)) (٢) .
وعن أنس ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله: ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ((لا، ما أثنيتم ودعوتم لهم)) (٣) .
стр. 18329
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم))
(١) .
ثانيًا: قال العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك.. فأشار برأسه أن نعم، فإذا برجل يقول: آه.. آه.. فأشار ابن عمي إلي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك، فأشار أن نعم، فسمع أخر يقول: آه.. آه.. فأشار هشام أن أنطلق إليه، فانطلقت فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات (٢) ، ولم يشرب أحد الماء لإيثار كل واحد منهم صاحبه على نفسه.
ثالثًا: أصاب الناس قحط وشدة وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل، عليها أصناف من الطعام، قد حلت لعثمان بن عفان ﵁، فتراكض التجار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم عثمان: كم تعطوني ربحًا؟ قالوا: خمسة في المائة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، قالوا: ما نعلم من التجار من يدفع أكثر من هذا الربح، فقال عثمان: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله تعالى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] . أشهدكم يا معشر التجار أن القافلة وما فيها من برّ ودقيق وزيت وسمن وثياب قد وهبتها لفقراء المدينة، وإنها لصدقة على المسلمين.
стр. 18330
رابعًا: روى الحاكم في المستدرك أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ بعث بثمانين ألف درهم إلى عائشة أم المؤمنين ﵂، وكانت صائمة وعليها ثوب خَلِق (أي قديم) ، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين.. ولم تُبقِ منه شيئًا، فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم تفطرين عليه، فقالت: يا بنية لو ذكرتني لفعلت.
نسيت نفسها في سبيل إسعاد أبناء مجتمعها المسلم.
خامسًا: روى مالك بن أنس في الموطَّأ عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا وكثير التبسم، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، قيل: هذا معاذ بن جبل ﵁، فلما كان من الغد بكرت إلى المسجد مسرعًا، فوجدته قد سبقني ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك، فقال ﵁: آلله؟ فقلت: آلله، فأخذني في بحبوة ردائي فجذبني إليه فقال: أبشر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: ((وجبت محبتي للمتحابين والمتباذلين فيّ)) .
سادسًا: كان بين الحسن بن علي ﵄ وأخ له كلام، فقيل له: ادخل على أخيك فهو أكبر منك سنًا، فقال الحسن: إني سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: (( ... وخيرهم الذي يبدأ بالسلام))
- (من حديث: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) متفق عليه - وأنا أكره أن يكون أخي الأكبر خيرًا مني.
سابعًا: كان أناس بالمدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون؟ ومَن يعطيهم؟ فلما مات زين العابدين بن الحسين ﵄ فقدوا ذلك، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين.
стр. 18331
ثامنًا: روى الطبراني في الكبير أن عمر بن الخطاب ﵁: أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال لغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تشاغل في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها الغلام إليه.. فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في بعض حاجتك، فقال أبو عبيدة: وصل الله عمر ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية: اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فذهب بها إليه فقال الغلام: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في بعض حاجتك، فقال معاذ: رحم الله عمر ووصله، تعالي يا جارية: اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ على ما فعل معاذ في إنفاق المال، وقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الصرة إلا ديناران فرمى بهما إليها.
ورجع الغلام إلى عمر فأخبره بما رأى، فسُرَّ بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
وهكذا والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى على أن السلف الصالح كانوا يعيشون في ظلال الأخوة الإسلامية الوارفة، متحابين متكاتفين متفانين رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين من إخوانهم، أشداء على الكفار وأعزة عليهم.
إنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.. الإيمان والاتحاد والأخوة، فإلى الأخوة الإسلامية حتى نتحد.. حتى نتعاون.. حتى ننتصر على أعدائنا.. حتى نسعد في الدنيا والآخرة، ويرضى عنا ربنا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 18332
الخاتمة
وفي ختام هذا البحث أسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من المتحابين بجلاله، المستظلين بظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يجعل هذه الكلمات حجة لنا لا علينا، وأن نكون بكلماتنا عاملين، ولجمع شمل المسلمين ساعين ولإصلاح ذات البين مشمِّرين، وبذلك على الله متوكلين، ولأكف الدعاء رافعين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم، ولم شعثهم، وسدد آراءهم وسهامهم، وثبت أقدامهم واربط على قلوبهم واحقن دماءهم، وأصلح ذات بينهم.. إنك على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله أولًا وآخرًا.
الشيخ عدنان عبد الله القطان.
стр. 18333
قائمة المراجع
١ - القرآن الكريم.
٢ - رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين (النووي) .
٣ - تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان.
٤ - الأخوة الإسلامية، عبد الله ناصح علوان.
٥ - الأخوة، للشيخ جاسم المهلهل.
٦ - منهاج المسلم، للشيخ أبي بكر الجزائري.
٧ - تآلفوا ولا تخالفوا، جمال الأحمر.
٨ - جولة مع الرعيل الأول من أمة الإسلام، شريدة المعوشرجي.
٩ - الصحوة الإسلامية وكيف نحافظ عليها، عوض بن محمد القرني.
١٠ - حين يجد المؤمن حلاوة الإيمان، عبد الله علوان.
١١ - أخوة الإسلام فوق مستوى الخلافات وتباين الأفهام، محمد بن عبد الله الحكمي.
١٢ - إنما المؤمنون إخوة، حسن زكريا فليفل.
١٣ - الأخوة الإسلامية، عامر سعيد الزيباري.
١٤ - أدب الخلاف، صالح بن عبد الله بن حميد.
١٥ - فقه الاختلاف، عمر سليمان الأشقر.
١٦ - الأخوة والحب في الله، حسني أدهم جرار.
١٧ - طريق النجاة دستور إسلامي للداعية المسلم، محمد عفيفي.
١٨ - الأخوة الإسلامية وآثارها، عبد الله الجار الله.
١٩ - الأمر بالاجتماع والائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف، عبد الله الجار الله.
٢٠ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي.
٢١ - المغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة.
стр. 18334
الوحدة الإسلامية
أدب الحوار وأخلاقيات البحث
إعداد
الدكتور سعيد بن عبد الله بن محمد العبري
الأستاذ بكلية التربية والعلوم الإسلامية
جامعة السلطان قابوس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد؛
فإن الاختلاف سنة الحياة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ، والإسلام هو الدين الوحيد الذي استطاع أن يؤلف بين المسلمين، ويوحد صفوفهم، وينتشلهم من ضعفهم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] ، ويجعلهم خير أمة أخرجت للناس، يؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فأصبحوا رعاة أمم بعد أن كانوا رعاة غنم.
وقد نهانا الله عن التنازع؛ لأنه يؤدي إلى التشتت والضياع والفشل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، كما نهانا عن الفرقة والاختلاف اللذين كانا دأب غيرنا من أتباع الشرائع السابقة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] .
وأمرنا بالاعتصام بحبله المتين وبعروته الوثقى التي لا تلين، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، واعتبر الله الاختلاف الذي يسبب الافتراق والتمزق ابتعادًا عن هدي النبوة حين قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ، وأخبرنا بأن أمة الإسلام أمة واحدة فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، وقال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] .
стр. 18335
فإذا اختلفنا في أمر من الأمور أمرنا بالاحتكام إلى كتابه، وإلى رسوله محمد ﷺ في حياته، وسنته الصحيحة الثابتة بعد وفاته، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
إن الاختلاف لا يفسد الود والألفة والإخاء متى لم يكن هذا الاختلاف في صميم الإيمان، فقد اختلف الصحابة ﵃ والرسول ﷺ على قيد الحياة، ولم يكن ذلك سببًا لافتراقهم، لأنهم سلموا من العلل النفسية التي تورث العوج في الفهم، ومتى كان الاختلاف مشروعًا ففيه رياضة للأذهان، وتلاقح للآراء، وفتح لمجالات التفكير للوصول إلى حلول متعددة في الواقعة الواحدة؛ فإننا لابد لنا من مراعاة آداب الحوار وأخلاقيات البحث للوصول إلى الاتفاق في القضية المختلف فيها، وإنني حاولت أن أبرز في هذا البحث ما يلي:
أولًا: معنى الحوار لغة واصطلاحًا.
ثانيًا: مشروعية الحوار.
ثالثًا: آداب الحوار.
رابعًا: منهجية الحوار وأخلاقيات البحث.
والله أسأل أن يعينني على ذلك، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل.
стр. 18336
المبحث الأول
معنى الحوار لغة واصطلاحًا
الحوار لغة: من المحاورة، والمحاورة معناها: مراجعة المنطق والكلام والمخاطبة، وذلك مشتق من الحور، وهو الرجوع، ويأتي بمعنى النقصان، وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم، والتحاور: التجاوب، واستحاره: استنطقه (١) .
وقد ورد لفظ الحوار ومشتقاته في القرآن الكريم في ثلاث آيات:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] .
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] .
الحوار في الاصطلاح: هو الكلام المتبادل بين طرفين في أسلوب لا يقصد به الخصومة (٢) .
المصطلحات ذات الصلة:
١ - الجدال: وهو المنازعة فيما وقع فيه خلاف بين اثنين (٣) ، والجدال يأتي بمعنى الحوار كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود.
٢ - المناظرة: وهي تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهم تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق (٤) .
وهي نوع من أنواع الحوار.
٣ - المناقشة: وهي الاستقصاء في الكشف عن الشيء، وهي نوع من أنواع الحوار.
٤ - المماراة: من المراء، يقال ماريته؛ أي جادلته ولاججته، وهي من الحوار المذموم.
стр. 18337
المبحث الثاني
مشروعية الحوار
الحوار جائز في الإسلام متى كانت المصلحة المتوقعة منه أعظم من المفسدة المترتبة عليه، ومتى ثبت أن نفعه أكثر من ضرره، وقد عني القرآن الكريم عناية بالغة بالحوار، وذلك أمر لا غرابة فيه أبدًا، فالحوار هو الطريق الأمثل للاقتناع الذي ينبع من أعماق صاحبه، والاقتناع هو أساس الإيمان الذي لا يمكن أن يُفرض فرضًا، وإنما ينبع من داخل الإنسان.
نماذج للحوار من القرآن الكريم:
يقدم لنا القرآن الكريم نماذج كثيرة من الحوار، منها:
١ - ما دار بين الله وملائكته في خلق آدم ﵇:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٢] .
٢ - ما دار بين الله وبين إبراهيم ﵇ عندما طلب من ربه أن يريه كيف يحيي ويميت:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
٣ - قصة موسى ﵇ حين طلب من ربه أن يسمح له برؤيته:
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
١٠ - قصة ابني آدم ﵇:
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٩] .
والقرآن الكريم ذكر هذا الحوار الذي دار بين الأنبياء ﵈ وبين قومهم في آيات أخرى بلفظ الجدال، مما يدل دلالة واضحة أن الجدال نوع من أنواع الحوار، ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] .
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] .
كما أنه ورد الأمر للنبي ﷺ بمجادلة أهل الكتاب، فهو أسلوب من أساليب الدعوة:
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فالآيات السابقة تدل دلالة واضحة على جواز الحوار والجدال والمناظرة (١) ، بل على وجوبه إذا تعين أنه السبيل الوحيد لإبلاغ الدعوة، يقول الإمام الغزالي: (فعلم أن المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم، وبالموعظة قوم، وبالمجادلة قوم، والخطاب يجب أن يتمايز وأن يتقن تصنيفه حسب هذه الأصناف، لأن الحكمة إذا غذي بها أهل الموعظة أضرت كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير) (٢) .
стр. 18341
والجدال مشروط أن يكون بالتي هي أحسن حتى تجنى ثمرته، وإلا كان جدالًا مذمومًا.
فالجدال يكون محمودًا لإثبات الحق وإبطال الباطل، وقمع الكفر وإطفاء البدع، وتغيير سبيل المجرمين، وإيضاح منهج المؤمنين، والمناظرة المحمودة التي تكون للتفقه واستخراج الدلائل على المسائل، أو ما كان على معنى الاجتهاد في طلب السلامة وإصابة العدل، وتأدب بآداب الحوار في مناظرته (١) .
والجدال يكون مذمومًا إذا قُصد به الملاحاة وتأجيج نار العداوة في النفوس، وإيغار القلوب، والتعنت، أو كانت المجادلة بغير علم أو بالباطل، أو قصد بالمناظرة رئاء الناس، والعجب، والخيلاء، وحب المدح والثناء، وإشاعة الذكر في البلدان، وطلب الرئاسة، فما ورد في القرآن من ذم للجدال فهو محمول على هذه الوجوه، فقد ذم الله تعالى في القرآن الكريم ثلاثة أنواع من المجادلة:
الأول: ذم صاحب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
стр. 18342
الثاني: ذم المجادلة بغير علم ولا برهان، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] .
الثالث: ذم الجدال في الحق بعد ظهوره، وذلك في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] .
يقول الإمام الجويني: (ثم من الجدال ما يكون محمودًا مرضيًّا، ومنه ما يكون مذمومًا محرمًّا؛ فالمذموم منه ما يكون لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة وطلب الجاه والتقدم ... إلى غير ذلك من الوجوه المنهي عنها، وهي التي نص الله في كتابه على تحريمها، فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] .. وغيرهما من الآيات.
وفي مثله قال ﵊: ((دع المراء وإن كنت محقًّا))
(١) ، وهذا فيمن خرج عن أدب الجدل، أو لم يقطع اللجاج بعد ظهور الحق؛ كدأب الكفار مع الرسل.
стр. 18343
أما الجدال المحمود المدعو إليه، فهو الذي يحقق الحق ويكشف عن الباطل ويهدف إلى الرشد، مع من يرجى رجوعه عن الباطل إلى الحق، وفيه قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقال لرسوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ) (١) .
والجدال جائز بين المسلمين إذا التزمت آداب الحوار، يقول الإمام الجويني: (ومما يدل على حسن الجدال بل على وجوبه من طريق المعنى: ما ثبت من وجوب معرفة الشريعة، على الجملة، فرض على الكافة، وتفصيلها فرض على الكفاية. ولا سبيل إلى ذلك دون معرفة أصولها، من أدلة العقول وأحكامها، فإذا رأى العالم مثله يزل ويخطئ في شيء من الأصول والفروع وجب عليه - من حيث وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - دعاؤه عن الباطل وطريقه إلى الحق، وطريق الرشد والصواب فيه؛ فإذا ألح في خطابه، وقوى على الحق شبهة، وجب على المصيب دفعه عن باطله، والكشف له عن خطئه بما أمكنه من طريق البرهان وحسن الجدال؛ فحصل - إذ ذاك - بينهما المجادلة، من حيث لم يجد بدًّا منه في تحقيق ما هو الحق، وتمحيص ما هو الشبهة والباطل، وصار - إذ ذاك - بهذا المعنى: الجدال، من آكد الواجبات، والنظر من أولى المهمات، وذلك يعم أحكام التوحيد والشريعة) (٢) .
стр. 18344
وأما ما ورد من الأحاديث في ذم الجدل، مثل ما روي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ))
(١) ، فلا يحمل النهي على عمومه في كل مجادل، بل هو خاص فيمن يجادل بغير الحق ولغير الحق (٢) .
أما ما ورد من النهي في الجدال بالقرآن، كالحديث المروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((جدال في القرآن كفر))
(٣) ، فيصح أن يكون الحديث متوجهًا إلى مثل زمانهم، وذلك أن يتعلم الإنسان الآية والآيتين، فيجادله الآخر أن هذا ليس من القرآن؛ فهو كفر أي شرك، ويحتمل ما يصير به المجادل بالباطل كافرًا كفر نعمة (٤) .
ومن التواضع لله ترك الجدل والمناظرة والمحاورة، وذلك ما يدل عليه حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن ترك الكذب وهو باطل بُني له في ربض الجنة، ومَن ترك المراء وهو محق، بُني له في وسطها، ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها))
(٥) ، وذلك إذا لم يخرج في ذلك نفع أكثر مما يخاف فيه الضرر (٦) .
стр. 18345
* * *
المبحث الثالث
آداب الحوار
للحوار آداب لابد من الالتزام بها حتى يكون مثمرًا وبناء، وإلا كان عقيمًا وهادمًا، وهذه الآداب هي:
١ - التقوى: وذلك أن يجعل كل محاور تقوى الله نصب عينيه، فيراقبه في كل بنت شفة يلفظها، فلا يقول إلا حقًّا، ولا ينطق إلا صدقًا متثبتًا من الدليل، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
يقول الإمام الجويني: (والمحافظة على تقوى الله في نظره يغنيه عن كثير من النصيحة، ويبلغه إلى أسهل الطرق في الهداية إلى الحق) (١) .
٢ - الإخلاص: وذلك بأن يخلص النية في جداله وحواره، ويكون قصده في ذلك التقرب إلى الله تعالى، وطلب مرضاته في امتثال أمره فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الحق وإزهاق الباطل، فلا يقصد المباهاة وطلب الجاه والرياء، ولا يكون قصده الظفر بالخصم والسرور بالغلبة والقهر؛ فإن ذلك من دأب الأنعام (٢) .
٣ - الوقار والحلم: وذلك بأن يكون كل محاور وقورًا حليمًا من غير تعبيس ولا تقطيب، ولا يجازي السفيه على أقاويله بأمثالها (٣) .
وذلك لقوله ﷺ : ((العلماء ورثة الأنبياء))
(٤)
٢، وروي عن أبي عبد الله الجدلي أنه قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: ((لم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح))
(٥) .