والجدال مشروط أن يكون بالتي هي أحسن حتى تجنى ثمرته، وإلا كان جدالًا مذمومًا.
فالجدال يكون محمودًا لإثبات الحق وإبطال الباطل، وقمع الكفر وإطفاء البدع، وتغيير سبيل المجرمين، وإيضاح منهج المؤمنين، والمناظرة المحمودة التي تكون للتفقه واستخراج الدلائل على المسائل، أو ما كان على معنى الاجتهاد في طلب السلامة وإصابة العدل، وتأدب بآداب الحوار في مناظرته (١) .
والجدال يكون مذمومًا إذا قُصد به الملاحاة وتأجيج نار العداوة في النفوس، وإيغار القلوب، والتعنت، أو كانت المجادلة بغير علم أو بالباطل، أو قصد بالمناظرة رئاء الناس، والعجب، والخيلاء، وحب المدح والثناء، وإشاعة الذكر في البلدان، وطلب الرئاسة، فما ورد في القرآن من ذم للجدال فهو محمول على هذه الوجوه، فقد ذم الله تعالى في القرآن الكريم ثلاثة أنواع من المجادلة:
الأول: ذم صاحب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
стр. 18342
الثاني: ذم المجادلة بغير علم ولا برهان، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] .
الثالث: ذم الجدال في الحق بعد ظهوره، وذلك في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] .
يقول الإمام الجويني: (ثم من الجدال ما يكون محمودًا مرضيًّا، ومنه ما يكون مذمومًا محرمًّا؛ فالمذموم منه ما يكون لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة وطلب الجاه والتقدم ... إلى غير ذلك من الوجوه المنهي عنها، وهي التي نص الله في كتابه على تحريمها، فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] .. وغيرهما من الآيات.
وفي مثله قال ﵊: ((دع المراء وإن كنت محقًّا))
(١) ، وهذا فيمن خرج عن أدب الجدل، أو لم يقطع اللجاج بعد ظهور الحق؛ كدأب الكفار مع الرسل.
стр. 18343
أما الجدال المحمود المدعو إليه، فهو الذي يحقق الحق ويكشف عن الباطل ويهدف إلى الرشد، مع من يرجى رجوعه عن الباطل إلى الحق، وفيه قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقال لرسوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ) (١) .
والجدال جائز بين المسلمين إذا التزمت آداب الحوار، يقول الإمام الجويني: (ومما يدل على حسن الجدال بل على وجوبه من طريق المعنى: ما ثبت من وجوب معرفة الشريعة، على الجملة، فرض على الكافة، وتفصيلها فرض على الكفاية. ولا سبيل إلى ذلك دون معرفة أصولها، من أدلة العقول وأحكامها، فإذا رأى العالم مثله يزل ويخطئ في شيء من الأصول والفروع وجب عليه - من حيث وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - دعاؤه عن الباطل وطريقه إلى الحق، وطريق الرشد والصواب فيه؛ فإذا ألح في خطابه، وقوى على الحق شبهة، وجب على المصيب دفعه عن باطله، والكشف له عن خطئه بما أمكنه من طريق البرهان وحسن الجدال؛ فحصل - إذ ذاك - بينهما المجادلة، من حيث لم يجد بدًّا منه في تحقيق ما هو الحق، وتمحيص ما هو الشبهة والباطل، وصار - إذ ذاك - بهذا المعنى: الجدال، من آكد الواجبات، والنظر من أولى المهمات، وذلك يعم أحكام التوحيد والشريعة) (٢) .
стр. 18344
وأما ما ورد من الأحاديث في ذم الجدل، مثل ما روي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ))
(١) ، فلا يحمل النهي على عمومه في كل مجادل، بل هو خاص فيمن يجادل بغير الحق ولغير الحق (٢) .
أما ما ورد من النهي في الجدال بالقرآن، كالحديث المروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((جدال في القرآن كفر))
(٣) ، فيصح أن يكون الحديث متوجهًا إلى مثل زمانهم، وذلك أن يتعلم الإنسان الآية والآيتين، فيجادله الآخر أن هذا ليس من القرآن؛ فهو كفر أي شرك، ويحتمل ما يصير به المجادل بالباطل كافرًا كفر نعمة (٤) .
ومن التواضع لله ترك الجدل والمناظرة والمحاورة، وذلك ما يدل عليه حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن ترك الكذب وهو باطل بُني له في ربض الجنة، ومَن ترك المراء وهو محق، بُني له في وسطها، ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها))
(٥) ، وذلك إذا لم يخرج في ذلك نفع أكثر مما يخاف فيه الضرر (٦) .
стр. 18345
* * *
المبحث الثالث
آداب الحوار
للحوار آداب لابد من الالتزام بها حتى يكون مثمرًا وبناء، وإلا كان عقيمًا وهادمًا، وهذه الآداب هي:
١ - التقوى: وذلك أن يجعل كل محاور تقوى الله نصب عينيه، فيراقبه في كل بنت شفة يلفظها، فلا يقول إلا حقًّا، ولا ينطق إلا صدقًا متثبتًا من الدليل، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
يقول الإمام الجويني: (والمحافظة على تقوى الله في نظره يغنيه عن كثير من النصيحة، ويبلغه إلى أسهل الطرق في الهداية إلى الحق) (١) .
٢ - الإخلاص: وذلك بأن يخلص النية في جداله وحواره، ويكون قصده في ذلك التقرب إلى الله تعالى، وطلب مرضاته في امتثال أمره فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الحق وإزهاق الباطل، فلا يقصد المباهاة وطلب الجاه والرياء، ولا يكون قصده الظفر بالخصم والسرور بالغلبة والقهر؛ فإن ذلك من دأب الأنعام (٢) .
٣ - الوقار والحلم: وذلك بأن يكون كل محاور وقورًا حليمًا من غير تعبيس ولا تقطيب، ولا يجازي السفيه على أقاويله بأمثالها (٣) .
وذلك لقوله ﷺ : ((العلماء ورثة الأنبياء))
(٤)
٢، وروي عن أبي عبد الله الجدلي أنه قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: ((لم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح))
(٥) .
стр. 18346
٤ - العلم: ويشترط الإمام الغزالي الاجتهاد المطلق؛ حيث يشترط في المناظر أن يكون مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب أحد، حتى إذا أظهر له الحق ترك رأيه وأفتى بما ظهر له، وهكذا كان صحابة رسول الله ﷺ (١) .
٥ - أن تكون المناظرة في المسائل الواقعة، أو ما يقرب وقوعها غالبًا، حتى لا يضيع وقته في المنازعات والمخاصمات (٢) .
٦ - عدم الإعجاب والغرور: وذلك بأن لا يكون معجبًا بكلامه، مفتونًا بجداله، مستخفًا لخصمه، ولا مسامحًا له في نظر، فيتبع منهجًا معتدلًا في الاستيفاء والاستقصاء، وترك التحري والاستظهار يؤدي إلى الضعف والانقطاع (٣) .
يقول صاحب الكافية: (وإياك واستصغار من تناظره والاستهزاء به - كائنًا ما كان - لأن خصمك إن كان ممن المفترض عليك في الدين مناظرته: فهو نظيرك ولا يجمل بك إلا مناظرة النظير للنظير، وإن يكُ من تكلمه غير أهل لأن تناظره: كان الواجب ألا تفاتحه بالكلام؛ فإذا فاتحته ثم استصغرته واستخففت به لم يجتمع ذهنك ولا صفاء قريحتك ... إلخ) (٤) .
٧ - الإقبال على مناظره والاستماع لكلامه، والتنبيه على مواطن الخطأ والزلل في كلامه، وفي ذلك معونة له في جوابه (٥) .
٨ - توقي المداخلة في كلام مناظره وتقطيعه، أو إظهار العجب منه، أو التشنيع عليه والاستخفاف به والصياح الكثير في وجهه (٦) .
стр. 18347
٩ - تمكين خصمه من إبراز حجته، وتفقد كلامه، ولا يتعلق بغرض مناظره وقصده، فإن المعول عليه إبطال ما قصده في كلامه الظاهر وعول عليه واعتمده (١) .
١٠ - عدم ابتداء الكلام في المناظرة إلا بعد فهم كلام مناظره ومراده منه (٢) .
١١ - أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يديه أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق (٣) .
١٢ - أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر، لأن الخلوة أجمع للفهم وأدرك للحق، وحضور الجمع يحرك دواعي الرياء، ويهيج الحرص على نصرة كل واحد منهما لنفسه محقًّا كان أو مبطلًا (٤) .
١٣ - أن لا يجالس المناظر للمناظرة في مجالس الخوف والهيبة، ولا في مجلس لا يسوي بين الخصوم في الإقبال والاستماع (٥) .
١٤ - إبراز الدليل الناصع والبرهان الساطع والمنطق السليم، ولا يدخل في تقاسيم الكلام المعقدة الذي لا يفهمه المناظر، فإن طبقات الناس في العلوم مختلفة (٦) .
١٥ - إفساح المجال أمام المناقش والمعارض لغيره لكي يعبر عن وجهة نظره، دون مصادرة لقوله أو إساءة إلى شخصه (٧) .
١٦ - التزام الموضوعية، بحيث يحرر محل النزاع ولا يخرج عن محل الخلاف (٨) .
стр. 18348
١٧ - أن يكون النقاش قائمًا على الحقائق الثابتة لا على الإشاعات الكاذبة، وعلى المعلومات الصحيحة لا على الأخبار المضطربة، وأن يوثق معلوماته التي يدلي بها (١) .
١٨ - أن لا يلجأ إلى الحيل في الحوار لقطع الخصم: وفي ذلك يقول الجويني: (واعلم أن الحيل في المناظرة لقطع الخصم محظور، يجب الاجتناب عنه، وهو من دأب أهل الفسوق في المناظرة) (٢) . ومن الحيل التي ذكرها:
أ - أن يحتال الخصم على الخصم بالعمق في العبارة حتى لا يفهم الخصم من كلامه إلا القليل، لكثرة ما يكون فيه من الغموض والاحتمال.
ب - أن يحتال المسؤول على السائل فيخرجه عن سؤاله، أو السائل يحتال على المسؤول فيخرجه عن جوابه إلى غيره.
جـ - أن يستمر السائل على سؤال يلزم المجيب من بعض أصوله عنده أن ذلك مذهب المجيب وأصله.
د - أن يورد نوعًا من الإلزام ويطيل فيه.
هـ - إيهام الحاضرين بضعف كلام الخصم؛ وذلك عندما يعرف قوته.
و الالتفات إلى كلام كل من في المجلس عند الشعور بضعفه.
ز - التوجه إلى من يعرف ضعفه في المناقشة ليبعد عن خصمه القوي.
ح - تقسيم كلام الخصم القوي.
ط - أن يوجه كلام السائل إلى وجوه محتملة (٣) .
من الحيل ما يباح؛ مثل أن يوجه إليه السؤال، فلا يحضره الجواب، فيحتال في التغافل عن ذلك السؤال ويجيب عن غيرهِ من الأسئلة، حتى إذا ظهر له جوابه أجاب (٤) .
стр. 18349
المبحث الرابع
منهجية الحوار وأخلاقيات البحث
لابد للحوار من أصول علمية شرعية يبنى عليها حتى يكون هادفًا، ويمكن إيجاز هذه الأصول في النقاط التالية:
١ - الاحتكام إلى كتاب الله تعالى، وإلى أحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة عند الطرفين المتحاورين، وما اختلف في ثبوته من أحاديث؛ فالاحتكام فيه إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
٢ - تحديد الهدف؛ وذلك بتحديد نقاط الاختلاف بين المتحاورين بدقة، فينتقل الحوار من الأصول إلى الفروع، ومن الكليات إلى الجزئيات بتناسق علمي مطرد.
٣ - التفريق بين القطعيات والظنيات في مسائل العقيدة، وعدم التنابز بالألقاب، ورمي أي مذهب أو مدرسة إسلامية بالبدعة، فقد نهانا الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .
هذا، وللأسف الشديد اعتاد أتباع كل مذهب أن يطلقوا على أنفسهم أحب الأسماء، وأن يطلقوا على مخالفيهم أقبح الأسماء، وكان الكثير منهم يفتحون أبواب الجنة على مصاريعها لأتباعهم، ويغلقونها بإحكام أمام أنظار الآخرين، وذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] .
стр. 18350
إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ هم من أهل السنة من أي فرقة كانوا، ولأي مذهب اتبعوا، فقد آن الأوان أن تطلق كلمة أهل السنة على أهل الصلاح من كل فرقة، وكلمة السني على كل فرد متمسك بالإسلام محافظ عليه حسب الأصول التي يرتكز عليها المذهب الذي ينتمي إليه، وأن تطلق كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء على كل مجموعة من الناس غير ملتزمة بالإسلام سلوكًا، وكلمة المبتدع أو صاحب البدعة على كل متهاون بأحكام الإسلام حسب المذهب الذي ينتمي إليه.
إن أهل السنة هم الأتقياء الصالحون من أي مذهب كانوا، والمبتدعة وأهل الأهواء هم الفسقة الفجرة، ولو لبسوا جبة جابر وطيلسان مالك وعمامة أحمد واتخذوا لأنفسهم سمت زيد وجعفر.
لقد آن للمؤسسات العلمية والإسلامية أن تغير مناهجها، وآن لمن يهتم بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أن ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمة الإسلامية ضمن الإطار العام لمبادئ الإسلام.
والجدل الذي بين المسلمين في اللوازم وليس في أصول العقائد، ذلك لأن المسلمين جميعًا باختلاف مذاهبهم متفقون فيما يلي:
أ - أن الله ﵎ متصف بجميع صفات الكمال، متنزه عن جميع صفات النقص، لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه.
ب - أن الله ﵎ عادل في ملكه، لا يجور ولا يظلم الناس شيئًا.
جـ - أن الله ﵎ أعد الجنة لمن أطاعه، وأعد النار لمن عصاه (١) .
стр. 18351
وبجانب هذا كلّه متفقون على أركان الإيمان وأركان الإسلام، إلا أن أصحاب المذاهب إذا ناقشوا التفاصيل اشتد النزاع فيما بينهم، واحتدم الصراع، وأصبح يلزم بعضهم بعضًا، مع أن تلك الفروع في العقيدة الإسلامية جاءت لرد شبه أُثيرت على الإسلام، وكل مدرسة من المدارس الإسلامية ردت على تلك الشبهات بطريقة معينة، والكل هدفهم التوحيد والتنزيه، ولو أنهم تحاوروا بالتي هي أحسن، لعرف كل واحد منهم ما عند الآخر، ولعذر بعضهم بعضًا متى ما أرادوا الإصلاح والاتفاق والوحدة.
واتحاد هذه الأمة مرهون بإخلاص علمائها لهذا الهدف الأسمى، وذلك يكون بترك الألقاب المذهبية، والتسمي باسم الإسلام، ونذكر سؤالًا وجوابًا (استبيانًا) ، صدر إلى الشيخ السالمي (١) من حضرة الباشا سليمان بن عبد الله الباروني (٢) لما كان بمجلس الأعيان في الدولة العثمانية وهذا نصه:
(المرجو من حضرتكم أيها الأستاذ الذي سنعتمد على أقواله وأقوال أمثاله؛ ممن تمسك بالمذهب المحترم، إمعان المقالة المحررة تحت عنوان الجامعة الإسلامية في جريدة الأسد الإسلامي الآتية إليكم مع هذا.
ثم بعد إطلاق الفكر بحثًا وراء عين الحقيقة، نطلب إبداء ما اقتضاه نظركم السامي عن جواب عن الأسئلة الآتية بإيجاز غير مخل بالمراد، خدمة للجامعة والدين، ولحضرتكم الثواب والشكر، ويكون الإمضاء هكذا: حرره فلان، البالغ من العمر كذا سنة، في البلدة الفولانية، شهر كذا، سنة كذا.
стр. 18352
هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟
على فرض عدم الموافقة على ذلك؛ فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟
على فرض الموافقة، فهل يمكن توحيدها، والجمع بين أقوالها المتباينة، وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟
على فرض عدم إمكان التوحيد؛ فما الأمر القوي المانع منه في نظركم، وهل لإزالته من وجه؟
على فرض إمكان التوحيد، فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة، وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر، وفي كم سنة ينتج، وكم يلزم له من المال تقريبًا؟
كيف يكون العمل فيه؟ وعلى كل حال ما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعًا وسياسة.. مسلح أم مفسد؟)
أجابه الشيخ العلامة السالمي بما نصه: (الجواب: قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع، فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق.
نعم، نوافق على أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة الإسلامية، وللتفرق أسباب أخرى منها: التحاسد والتباغض، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية؛ ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب، وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلًا مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرًا كان: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] ، والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحثهم على التسمي بالإسلام، فإن الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أو لا عند آحاد الرجال، ثم يظهر شيئًا فشيئًا فيصير الناس إخوانًا، ومن ضل فإنما يضل على نفسه، ولو استجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبوله، وكفيتم مؤونة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم ثقيل، وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي، ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرم الله الآمن؛ لأنه مرجع الكل، وليس لنا إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل ممن جاء به وإن كان بغيضًا، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيبًا، ونعرف الرجال بالحق؛ فالكبير معنا من وافقه، والصغير من خالفه ... إلخ) (١) .
стр. 18353
٤ - الموضوعية والأمانة؛ فعلى كل واحد من المتحاورين أن لا يزور كلام الآخر، وإذا ألزم أحد المتحاورين الآخر فليرجع إلى الحق، فالحق أحق أن يتبع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (١) .
وفي ختام البحث؛ أرى أن لا سبيل إلى وحدة هذه الأمة إلا بالإسلام، ولنحذر من الفرقة ومما يدعو إليها وممن يدعو لها، والوحدة تكون ببث روح أدب الاختلاف وتطبيقه عندما نختلف، وتجنب القضايا الخلافية ما أمكن، وعدم تصعيد الفروع إلى مستوى الأصول، والخروج من البعد التاريخي على قدر الإمكان، واطلاع كل واحد من المسلمين على ما عند الآخر، فمن جهل شيئًا عاداه، والدعوة إلى ملاحظة الأولويات، وأولى الأوليات وحدة هذه الأمة، فلنسخر كل الطاقات والإمكانات في سبيل ذلك، ونستخدم كل الوسائل لرأب الصدع بين المسلمين، سواء أكان ذلك بالحوار الهادف في المحافل والمؤتمرات حيث يعتبر هذا المجمع أحد هذه الوسائل، أو بالحوار المثمر عن طريق الإذاعة المرئية والمسموعة، أو عن طريق الحاسب الشخصي بما فيه من وسائل متاحة، وبمراعاة آداب الحوار وأخلاقيات البحث يكون الحوار هادفًا.
نسأل الله أن يوحد هذه الأمة على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور سعيد بن عبد الله بن محمد العبري.
стр. 18354
الوحدة الإسلامية
العرض - التعقيب والمناقشة
العرض
كلمة وزير العدل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصحاب الفضيلة؛
يسعدني في هذا اليوم المبارك أن أفتتح أول جلسة من جلساتكم، وقد شرفتموني بهذه الرئاسة. فأشكركم على ذلك وأتمنى لمؤتمركم كل توفيق ونجاح، وأرجو الله أن يعيننا على أن نكون عند حسن ظنكم في رعايتكم والسهر على راحتكم.
فشكرًا لكم وأهلًا وسهلًا بكم، لنبدأ على بركة الله.
الرئيس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
شكر الله لمعالي الشيخ عبد الله آل خليفة تفضله بالحضور وتشريفنا به. بين يدينا الآن جدول أعمال الدورة الذي بلغتم به سابقًا، وأعتقد - إن شاء الله تعالى - أنه مناسب في ترتيبه. ننتقل إلى المقرر العام، أما بالنسبة للمقرر العام فليكن فضيلة الشيخ عجيل النشمي إن رأيتم أن ذلك مناسب.
موضوعنا في هذه الجلسة المسائية هو موضوع: (الوحدة الإسلامية) وفيه أبحاث سبعة. نستمع أولًا إلى كلمة معالي الأمين العام الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة.
стр. 18355
الأمين العام الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة:
سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك جل ثناؤك. أقمت جماعتنا على منهج التوحيد، وجعلتنا خير أمة أخرجت للناس، وبنيت ملتنا على أمتن القواعد وأكملها: إيمان بالله وتقواه، ومراقبة له في كل لحظة من لحظات الحياة، وأخوة صادقة يتساند بها أفراد الأمة، وتنشيء من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية وإقامة هذه الحياة على التقارب والتآلف والتناصح، ذلول بعضها لبعض، محب بعضها لبعض، متآلف بعضها مع بعض. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣] .
وأصلي وأسلم على إمام الأمة نبي الرحمة عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، الذي غرس بيديه الكريمتين غريسة الوحدة في نفوس المؤمنين، فنمت وتغلغلت، وامتدت جذورها وبسقت أغصانها، وينعت ثمارها، فجعل منهم قوة بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداواتهم جاهزة، وبأسهم بينهم شديدًا. فجزاه الله عنا من إمام أفضل الجزاء، وأعطاه الله الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة من الجنة.
سيادة الرئيس؛
أصحاب السماحة والفضيلة؛
أيها السادة العلماء؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
في هذه المناسبة الكريمة التي تجددت بها مظاهر اليقظة الإسلامية، والتقت فيها كلمة المؤمنين والمصلحين على الإشادة بما في ديننا وعقيدتنا ومتمسكنا في دنيانا وآخرتنا، من أصول وثوابت، ومبادئ وقيم، وهدى ونور نحرص كل الحرص على تجلية الوحدة، ونعمل جاهدين على تحقيقها، وندعو إلى القيام بنشرها بين الناس، إشاعة للفضل، وتعميمًا للخير، وتمكينًا للدين الحق من النفوس.
стр. 18356
وقد قامت بهذه الدعوة الإيمانية التآلفية الخيرة، وبالمناداة إلى الوحدة الإسلامية، هيئات كثيرة ومنظمات ومؤسسات ومجامع هنا وهناك في أطراف العالم الإسلامي، نذكر من بينها وفي طليعتها منظمة المؤتمر الإسلامي الجامعة لكلمة الأمة، والقائمة على توحيد صفوفها فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، ومجمع الفقه الإسلامي النابع من هذه المنظمة، والذي يقوم هو أيضًا بالتعاون مع جميع الهيئات العاملة في هذه السبيل.
أصحاب السماحة السادة العلماء:
فى الخطاب الإلهي الخالد، الموجه للمؤمنين كافة دعوة صريحة إلى هذا المهم تنطلق بها الآيات الكريمة من سورة آل عمران:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥] .
ففي هذه الآيات الخمس دستور للمسلمين يضعونه نصب أعينهم، ويعقدون عليه قلوبهم، ودعوة مباركة إلى الالتزام بالإسلام وبتقوى الله، وأمر بالاعتصام بحبل الله واجتناب التفرق، وتنبيه وتنويه بنعمة الأخوة التي مَنَّ الله بها على الجماعة المسلمة وأسبغها عليهم، وحثٌّ لهم على الاضطلاع بالدعوة إلى الخير، والنصيحة لكل مسلم. ولا يتولى عن هذا الدستور أو يصد عنه إلا من ساءت عقيدته وأنكر نعمة الأخوة عليه أو لما في قلبه من دخَل.
стр. 18357
فهذه الآيات البينات من القرآن الكريم تقتضي أن يجتمع المؤمنون تحت لواء الله، وأن ينبذوا الأحقاد التاريخية، والنزاعات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، وقد رأينا تحقق النتائج العظيمة لقيام هذه الوحدة في الرعيل الأول من المسلمين أيام قوتهم وعزتهم وإبداعهم وتأسيس حضارتهم، وصف ذلك الدعاة والمصلحون في حديثهم عن الوحدة الإسلامية. ونوه بذلك الأستاذ الإمام محمد عبده في قوله:
وإنها لأمة أنشأها الله عن قلة ورفع شأنها إلى ذروة العلا حتى ثبتت أقدامها على السنن الشامخة، وانشقت لهيبتها مراحل الضاريات، ودب الرعب منها أعشار القلوب، وتحير في ثباته كل عقل، واهتدى إلى السبب أهل الحق فقالوا: أول كانوا مع الله فكان الله معهم. وبما انحرفوا وتخاذلوا وحادوا عن الاستقامة بالرأي وتفرقت جماعتهم وغفلوا عن السنن العادلة والنواميس الثابتة أخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين، ولكن فضل الله عظيم ورحمته واسعة لأن الميل للوحدة والتطلع للزيادة وصدق الرغبة في حفظ حوزة الإسلام، كل هذه الصفات كامنة في نفوسهم جميعًا، وهم وإن دهاهم ما دهاهم فألهاهم عما يوحي به الدين في قلوبهم وأذهلهم أزمانًا عن سماع صوت الحق يناديهم من بين جوانحهم أرادوا الأوبة إلى الله والثوبان إلى الرشد، حتى إذا بدأت تسري في جموعهم روح اليقظة وتطلعوا للقيام بانطلاقة جديدة تعيد لهم عقيدتهم وتصوراتهم ومبادئهم وقيمهم، وتفقدوا ما في مداخل قلوبهم من بقايا الإيمان والهدى الديني، رجعت إليهم الآمال. وأشرقت نفوسهم بالبشر وأدركوا أنهم سهوا وما غووا، وزلوا ما ضلوا، ولكن دهشوا وتاهوا.
وفي مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة، فيما بين ١٩ - ٢٢ ربيع الأول سنة ١٤٠١هـ دعا جلالة الملك الراحل خالد بن عبد العزيز، ﵀، الأمة الإسلامية وفقهاءها وعلماءها أن يجندوا أنفسهم، ويحشدوا طاقاتهم في سبيل مواجهة معطيات تطور الحياة المعاصرة، ومشكلاتها بالاجتهاد والاسترشاد بالعقيدة، وما تضمنته من مبادئ خالدة قادرة على تحقيق مصلحة الإنسان الروحية والمادية في كل زمان ومكان.
стр. 18358
وفي مؤتمر القمة التأسيسي عند إنشاء مجمع الفقه الإسلامي الذي حضره ممثلون عن إحدى وأربعين دولة، ألقى رئيس المؤتمر خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، حفظه الله، خطابه المنهجي الخالد الذي توجه به إلى الأمة الإسلامية قاطبة من خلال ممثليها من مسؤولين وعلماء وفقهاء وحكماء في مختلف البلاد الإسلامية. وقد جمع هذا الخطاب فرائد جمة أبرزها:
التأكيد على أن بناء الوحدة الإسلامية لا يمكن إقامته ولا تجديده بين أفراد الملة إلا بالتمسك بالعقيدة الإسلامية، جوهر الوحدة وأعظم مقوماتها.
وأن الدين الإسلامي متمسكنا، لهو أكمل الأديان وأجل النعم، وخير ما اختاره ورضيه الله لنا في هذا الوجود لنيل الحسنيين وبلوغ السعادتين. فالإسلام دين يخاطب العقل، ويناهض التخلف، ويشجع على حرية الفكر، ويستوعب منجزات العصر ويحض على متابعتها، كما أنه يضع قواعد السلوك الإنساني، فينظم العلاقات الاجتماعية الدولية على أساس التراحم.
وفي هذا الخطاب الجامع إشارة أولًا إلى ما أصاب الأمة من تفرق وداهمها من أحداث، وواجهها ويواجهها من تحديات ومشاكل، لابد من الانتصار عليها، كما ورد فيه ثانيًا التنبيه إلى سبيل ذلك في هذا الظرف التاريخي الذي نعيشه ونمر به، والذي ينبغي أن يتخطى فيه شرف خدمة الشريعة حدود الجهود الفردية والإقليمية، ويجتاز الحدود السياسية، في أول تنظيم عالمي يتمثل في مجمع الفقه الإسلامي، الذي يلتقي فيه العلماء والفقهاء من مختلف البلاد الإسلامية ليشهدوا منافع لهم، ويقوموا بعرض وجهات نظر المذاهب الفقهية الاجتهادية المختلفة في كل قضية تُبحث، ويجتهدوا في ذلك اجتهادًا جماعيًّا يوحد صفوفهم، وينتهي بهم إلى اكتشاف المنهج الأقوم لبيان الأحكام، ورعاية المصالح المعتبرة شرعًا، فيما يتخذونه من قرارات أو يصدر عنهم من توصيات.
стр. 18359
وإن البداية السليمة لبناء وحدتنا تتمثل في نبذ الخلافات بين المسلمين، وتصفيتها بروح الأخوة الإسلامية، كما أن البداية الحقيقية لقوتنا تعتمد على قدرتنا على مواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية العالمية بحلول إسلامية مستلهمة من روح الشريعة السمحة، ومتجاوبة مع احتياجات العصر. وإن هذا الأمر مهما بدا مشكلًا أو صعبًا يُستطاع تذليله والتغلب عليه بالفهم الدقيق، والتدبر العميق للقضايا المطروحة، وبتجنب التعصب المقيت. فإنه لا معنى للتعصب في الإسلام، وإن طريق الوصول إلى الحكم ليعتمد ما بين أيدينا من أدلة تستمد من كتاب الله وسنة رسوله، طبقًا لضوابط الاستنباط وأصوله الشرعية المرعية لدى العلماء والفقهاء. وهو بما يوجه إليه من ذلك ليأمل من رجال الاختصاص يكون السبيل الأقوم لتحقيق الوحدة بين جميع الشعوب الإسلامية.
وأن الأهداف الأساسية من بعث هذه المؤسسة الفقهية الاجتهادية تقوم أولًا على تحقيق الوحدة الإسلامية نظريًَّا وعمليًّا عن طريق السلوك الإنساني ذاتيًّا واجتماعيًّا ودوليًّا وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وثانيًا على شد الأمة الإسلامية بعقيدتها، ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادًا أصيلًا يمكن من تقديم الحلول المناسبة النابعة من الشريعة الإسلامية.
هذا وإن للمجمع الفقهي الإسلامي الدولي وظيفتين أساسيتين إحداهما عملية نفعية عامة، وثانيتهما علمية أكاديمية خاصة.
ومما يترجم عن وظيفته الأولى ويعرف بها توصية المؤتمر الثالث بعمان، التي تناشد الأمة الإسلامية شعوبًا وحكومات، أن تعمل جهدها لاستنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتحرير الأرض المحتلة بحشد طاقاتها وبناء ذاتها وتوحيد صفوفها، والتسامي على كل أسباب الاختلاف بينها، وتحكيم شريعة الله سبحانه في حياتها الخاصة والعامة.
وكذلك توصية الدورة الرابعة بجدة التي من خلال دراستها لمجالات الوحدة الإسلامية وسبل الاستفادة منها، نوهت برابطة الإسلام بين شعوب الأمة الإسلامية، باعتبارها قاعدة ثابتة لكل بناء حضاري يرمي إلى توحيد صفوفها، وإلى التأليف بين الجهود المبذولة في مجابهة التحديات المعاصرة، وتحقيق العزة والتقدم. كما دعت إلى وجوب تنسيق سياسات الدول الإسلامية في مختلف ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحرص على توثيق علاقات التناصر والتعاون والتراحم بين شعوب الأمة لرفع ما يعوق سيرها من ألوان التبعية، وما يجابهها من تحديات، حرصًا على بلوغ ما تعمل كادحة من أجله من تحقيق الرقي والمنعة والازدهار للأمة الإسلامية.
стр. 18360
أصحاب السماحة السادة العلماء؛
لقد كانت الوحدة والعلم الديني والدعوة إلى الخير والعمل الصالح أساس كل نهضة وسبيل كل رقي وتقدم. ومما ورد في هذا الشأن قول الإمام علي، كرم الله وجهه يخاطب المؤمنين من حوله:
العمل العمل، الاستقامة الاستقامة، الورع الورع، وإن لكم علمًا فاهتدوا بعلمكم، وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته، واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه، واعلموا أن القرآن هو الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عَمَى، فعلى المؤمنين أن يتدبروه، وعلى علمائهم أن ينصحوا به فإن أول صيحة تبعث إلى الوحدة، وتوقظ من الرقدة لهي تلك التي تصدر عن أعلى الناس منزلة، وأعظمهم حرمة، وأقواهم حجة. وليس لهذا غير العلماء العاملين. فإن كلمتهم مسموعة، ودعوتهم مقبولة. وهم الذين لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف، يذكرون الجماعات الإسلامية بسنن الله في كونه، ويتلون عليهم من الآيات ما فيه مزدجر، ويثبتون في قلوبهم ما وعد به الرحمن عباده الصالحين من عزة ونصر في قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .
وقد دعا أحد الأئمة من أجل تحقيق الوحدة بين المسلمين إلى ضرورة الاستعلاء على حالة التمحور حول الذات، شخصية كانت أم مذهبية أم إقليمية، والارتقاء إلى مستوى الاهتمام بالكيان الكلي للأمة.
والوظيفة الثانية، وهي لا تقل شأنًا عن الأولى، فإنها تتمثل في الجانب العلمي الأكاديمي، الذي تقوم به في كل زمن أصحاب الاختصاص من ذوي التكوين العلمي الواسع.
стр. 18361
وقد تهيأ للقيام بشرف خدمة الفقه الإسلامي سراة القوم وكبار علمائهم، فدعوا إلى المجمع من الدول الإسلامية كافة. فهم أعضاء يمثلون دولهم، أو شخصيات لامعة في العلوم الفقهية وفي مجال النظر والاجتهاد، أو ممثلون للمؤسسات الفقهية المنتشرة في العالم الإسلامي، أو خبراء ومراسلون يقدمون في كل دورة من دورات المجمع دراساتهم العميقة، وبحوثهم القيمة، مستمدة من فقه المذاهب المعتبرة الباقية التي ينتسبون إليها. فيعرضون نتائج جهودهم وثمرات بحوثهم على مجلس المجمع، ويجري فيها النقاش. ويكون ذلك هو طريقهم إلى إصدار الأحكام الفقهية والقرارات والتوصيات المجمعية، ولا يعتد من ذلك إلا بما يحظى بإجماع الأعضاء أو باتفاق الأغلبية منهم، مما يكون أقوى حجة ودليلًا، وأوفى بمقاصد التشريع، وأقرب إلى مراعاة المصالح المعتبرة.
وبممارسة هذا المنهج في القضايا التي ذكرها الأئمة من قبل، وبحثوها في مدوناتهم، أو في القضايا المستجدة التي تنتظر فتاوى مجمعية، تكون القرارات المتخذة بشأنها صورة للاجتهاد الجماعي، وطريقًا إلى توحيد المنازع والاتجاهات الفقهية فهي تبرز أولًا حقيقة التشريع الإسلامي من حيث عمومه وسعته، وصلاحيته لكل زمان ومكان وخلوده، وتذكر من أدلة الكتاب والسنة ما يعتبر أساسًا للأحكام، وربما لمسنا في هذا المجال مدى اعتبار الإجماع والقياس في الأحكام الاجتهادية، وأهمية الاعتماد على القواعد العامة الشرعية المتوافرة في كل مذهب، وفي كل مدرسة من المدارس الفقهية الاجتهادية.
وقد حدثت في هذا العصر تطورات عجيبة، واختلفت مناهج السلوك في الحياة وتغيرت، وظهر من الاختراعات والمبتكرات التي يحتاج الإنسان إلى استخدامها والانتفاع بها ما يُذهل العقل، وشهدت علوم الاقتصاد والطب ونحوها تقدمًا كبيرًا في المعاملات والشركات، وفي طريقة العلاج والمداواة، بما لا يخضع في الغالب لروح الشريعة وأصولها. ومن ثم نجد دعوة ملحة من المسلمين عامة، ومن الدول الإسلامية تنادي ببحث هذه القضايا المستجدة، وإيجاد الحلول الشرعية المناسبة لها. ولا جدال في كون الإسلام قد طالب كل قادر على النظر والاجتهاد، وهم بحمد الله كثير، ضمتهم مراكز البحوث والمجامع الفقهية، ببذل الوسع واستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية مع لزوم الاحتياط والتثبت من صحة الأدلة الفقهية والاستدلال بها، والانتهاء بعد الدرس إلى الحد الذي يفيد الظن القوي بإصابة حكم الله تعالى في تلك القضايا.
стр. 18362
والذي يمكن الجزم به من الآن هو أن الشريعة الإسلامية المرنة الطيعة مبنية أساسًا على الإباحة الأصلية. ومن ثم رأيناها في العصور الأولى وعند بناء الحضارة الإسلامية العالمية قد تأثرت بكل ألوان الثقافات التي كانت منتشرة في العالم الإسلامي. فلم تحاربها، ولا قطعت الصلة بها، ولكنها تجاوبت معها تجاوبًا أبقى على المفيد منها، وأخضعت ما دونه إلى الأصول والمبادئ الشرعية التي لا يجوز تجاوزها لكونها المثبتة لهويتنا والمميزة لملتنا. وأهل الاجتهاد هم الذين استنارت عقولهم وبصائرهم بهدي الكتاب والسنة، وامتلأت قلوبهم بالخوف من القول في دين الله بغير حجة، وعرفوا بالرسوخ العلمي، وسلامة الاعتقاد، واستقامة التفكير، واعتدال منهج الاستدلال، والتحرر من تحكم الهوى وسيطرة التعصب، ونقلت عنهم مذاهبهم نقلًا يفيد الثقة والطمأنينة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
ورغم ما تواضع عليه فقهاء المسلمين من ذلك في كل عصر فإنا نجد أصحاب الاتجاه المعادي للفقه الإسلامي يحادون المذاهب الفقهية، ويهاجمونها مدعين أنها لم تكن تعبر إلا عن وجهات نظر أصحابها، وهي تترجم عن آراء شخصية، خاضعة في جملتها لبيئات خاصة وعصور معينة، وهذا وإن صح بالنسبة إلى جزئيات الأقوال والآراء المتصلة بالحوادث اليومية مما لا نص فيه، فإنه غير صحيح بالنسبة إلى مجموع الفقه الإسلامي الذي يمثل ثروة تشريعية ضخمة، شاركت في إنشائها وتنميتها شوامخ العقول الإسلامية ابتداء من عصر الصحابة ﵃، ومَن بَعدهم على توالي القرون مهتدية بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
أما دعواهم الأخرى التي تبرز فيما بين تلك المذاهب من تفارق واختلاف في الأحكام، مما لا تقره وحدة الإسلام ولا شريعته الغراء، فمردود؛ لأن المذاهب الفقهية بريئة من ذلك. ومعلوم أن كل إمام من أئمة الحق له في بحر النبوة ورد وله منه شرب. قال ابن خلدون: إن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية، كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافًا لابد من وقوعه، واتسع في الملة اتساعًا عظيمًا. وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا.
فكلهم من رسول الله ملتمس
غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم
واختلاف المجتهدين ليس تفرقًا في الدين، ولا تجريح فيه للمختلفين، وإنما هو أمر طبيعي فطري يمليه تفاوت الأفهام، كما أنه أثر لاختلاف مناهج البحث وطرق الاستدلال وهذا لا يجري بينهم في القطعيات التي هي أساس التشريع ومحوره، وما يحدد اتجاه الإسلام وأهدافه. وإنما تظهر فقط فيما دون ذلك من أحكام ونظم.
стр. 18363
قال أحد العلماء: فقد يكون في بعض المذاهب الاجتهادية من التيسير ما ليس في البعض الآخر، وكثيرًا ما تتفاوت المذاهب الفقهية شدة ويسرًا، وإن كانت في مجموعها لا تخرج عن دائرة الأصول الشرعية التي بُنيت عليها. ومن الصور الفقهية الناطقة بذلك ما نجده بين الأئمة من اختلاف في الأحكام والفتاوى. وهذا في ذاته مصدر ثروة تشريعية ونظريات فقهية متعددة. ومما يشهد لذلك وينبه إلى الحكمة فيه قول رسول الله ﷺ : ((اختلاف أمتي رحمة)) .
وفي الموافقات للشاطبي تقرير ذلك وبيانه. قال القاسم بن محمد: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمله. وقال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يُقتدى بهم. فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة.
ونحن لا نشك بأن في عودتنا لفقهنا وشريعة ربنا وأصالة تراثنا ما يفتح الآفاق الواسعة لإنقاذنا من التبعية الشائنة، ويحررنا من القوانين الأجنبية الوضعية التي لا تتماشى مع طبيعتنا ولا تتجاوب معنا، كما أن في ذلك تحقيقًا لأمانينا وبلوغًا لحاجاتنا وإننا بما نقوم به في مجمع الفقه الإسلامي نفتح سبيلًا جديدة لا نلتزم فيها بعد عمق النظر والدرس بمذهب واحد. وإنما هو الأخذ بالأقوى برهانًا، والأوفى بمقاصد الشارع وتحقيق المصالح.
стр. 18364
وقد كان من مميزات الأئمة المتقدمين زمانًا وإحسانًا، والعلماء السابقين المتضلعين في الفقه عنايتهم بهذا الشأن واحتفاؤهم بهذا المنهج أمثال القاضي عبد الوهاب في الإشراف، والبيهقي في الخلافيات، وعبد الملك الجويني في الجمع والفرق، وابن الدهان في تقويم النظر، وابن رشد الحفيد في البداية، وابن قدامة في المغني، والقرافي في الذخيرة، ونحوهم. وهم بحمد الله كثر. كما تجلى مثل ذلك لدى الشريف المرتضى في الانتصار، والطوسي في الخلاف، والحلي في التذكرة، وابن المرتضى في البحر الزخار. ومثل هذه القوائم يطول في كل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي بإضافة العدد الكبير من علماء القرون الأخيرة ورجال عصرنا بما ألقاه الشيوخ من دروس في الجامعات الإسلامية، وأشرفوا عليه من رسائل في هذا الغرض. وقد لمسنا أثر ذلك في الموسوعات الفقهية، ووجدناه يتجدد على أيدي دعاة التقريب، أمثال الشيوخ عبد المجيد سليم، ومحمد أبو زهرة، ومحمود شلتوت، ومحمد محمد المدني والأعلام من فقهاء أهل البيت كالبروجردي، ومحمد الحسين كاشف الغطاء ونحوهم.
وإن مما يحقق التقارب بين أهل الملة ما وضعه مجمع الفقه الإسلامي من مشاريع تلتقي فيها آراء الفقهاء والعلماء من كل صوب، كالموسوعة الفقهية الاقتصادية، ومعجم المصطلحات الفقهية، ومعلمة القواعد، ومدونة أدلة الأحكام الفقهية التي دعت إليها جمهرة من فقهائنا وعلماء عصرنا ممن ينتمون إلى المذاهب الأربعة، ومن إخواننا من الإمامية والزيدية والإباضية المسهمين معنا في أعمال المجمع ومشاريعه. وقد كانت الدعوة صريحة إلى هذا التقارب والتوحيد في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر التأسيسي لمجمع الفقه الإسلامي.
وهكذا تلتقي الريادات الإسلامية السامية والتوجهات الصادقة بإذن الله في رحاب دين الله وفي آداب وأحكام وأصول شريعته الخالدة على تحقيق التقارب الإسلامي، وتجديد بناء وحدة الأمة، معتبرة أن القيام بهذه الرسالة فريضة على المسلمين، وخاصة في هذه الظروف الصعبة الحالكة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية. فإنه لا يدرأ عنها الأخطار وشرور الفتنة، ولا يقيها أسباب التصدع وعوامل الفناء والانقراض إلا رجوعها إلى دينها وتمسكها بشريعتها وعملها الجاد في إنقاذ وحدتها وإعلاء كلمتها، وإيجاد الحلول الشرعية لما يجد أو يستشكل من قضايا العصر في كل المجالات.
стр. 18365
(ولقد أدت الشريعة الإسلامية في الماضي وظيفتها العظيمة - كما قال أحد أعلام رجال القانون - وذلك طالما كان المسلمون متمسكين بها، عاملين بأحكامها. تمسك بها المسلمون الأوائل وعملوا بها وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس. فإذا هم في عشرين سنة سادة العالم وقادة البشر. وما أوصلهم لهذا إلا الشريعة الإسلامية التي علمتهم وأدبتهم، ورققت نفوسهم، وهذبت مشاعرهم، وأشعرتهم العزة والكرامة، وأخذتهم بالمساواة التامة والعدالة المطلقة، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وحرمت عليهم الإثم والعدوان، وحررت عقولهم ونفوسهم من الجهالات والشهوات. كان ذلك حال المسلمين طالما تمسكوا بشريعتهم، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي، وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقرى إلى الظلمات التي كانوا فيها يعمهون من قبل، فعادوا مستضعفين مستعبدين لا يستطيعون دفع معتد ولا الامتناع من ظالم) .
ولعمري إن الجهود الكبيرة لخدمة الإسلام وبناء الأمة لا يستطيع أن ينهض بها على أكمل الوجوه غير علماء الملة. فإنهم المسؤولون عن ترشيد السير، وعن النصيحة لكل مسلم، وهم غرس الله الذي لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين عناهم الإمام علي كرم الله وجهه بقوله: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته) .
وإني لأقف في هذه المناسبة، لأحييكم أيتها الصفوة الكريمة من العلماء، السادة النجباء، والأئمة الفقهاء لما صرفتم فيه أوقاتكم من طاعة الله، ودعوتم مخلصين لمنهجه، والتزمتم بأحكامه وآدابه، وطلعتم على الناس بالبحوث العلمية المفيدة، والفتاوى الفقهية النافعة بإذن الله، فمناظرة أمثالكم في الدين فرض، والاستماع لكم ولما تعمرون به مجالسكم أدب. ومذاكرتكم تلقيح للعقول واستزادة من الخير. فجزاكم الله أحسن الجزاء، وآتاكم الحكمة وبوأكم مقامًا عليًّا في معرفة أحكام الشريعة.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد نبي الرحمة، ومنقذ الأمة، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وسلم تسليمًا.
стр. 18366
الرئيس:
قبل أن أعطي الكلمة للعارض الشيخ عبد الستار، الحديث الذي ذكره الشيخ الحبيب جزمًا عن أن النبي ﷺ قال: ((اختلاف أمتي رحمة))
لا أعرفه في كلمة الحفاظ أمثال الحافظ ابن حجر وغيره عن أنه حديث عن النبي ﷺ ، فكون الخلاف فيه هذا شيء ولكن نسبته إلى النبي ﷺ يحتاج إلى توضيح لصحته، فإذا كان عند الشيخ شيء يثبت صحته عن النبي ﷺ فليقل لنا. هذا أمر.
الأمر الثاني: أرجو التفضل بالتزام ما اتفقنا عليه بعدم قراءة البحوث، وإنما يعرض كل رأيه فيما يتوصل إليه فيما لا يتجاوز بضع دقائق. وشكرًا.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه.
لدينا ستة أبحاث سوف أعرض خلاصاتها حسب البرنامج الذي جد.
البحث الأول: عنوانه (الوحدة الإسلامية: معالمها وأعلامها) للشيخ آية الله محمد واعظ زادة الخراساني. ويتكون من مقدمة ثم بيان بمعالم الوحدة الإسلامية وأعلامها.
اشتملت المقدمة على تعريف لخمس مصطلحات شائعة في هذا الموضوع على قدر كبير من الأهمية، وهي: مصطلح الوحدة أو الاتحاد الإسلامي، وقد تفضل الشيخ ببيان تلك المصطلحات، وموجزها أن الوحدة أو الاتحاد الإسلامي يراد بها وحدة الكلمة تجاه القضايا الأساسية والأهداف المشتركة وتوحيد الصف أمام الأعداء.
والمصطلح الثاني: الأمة الإسلامية أو الجماعة الإسلامية ويقصد بها الوحدة الجماعية إلى جانب الأمم الأخرى، ويستحسن فضيلة الشيخ التعبير عنها بـ (القومية الإسلامية) ، وهذه القومية الإسلامية مستوفية لمقوماتها فهناك جنسية للمسلمين هي الإيمان والوطن، وهناك سلطان وقيادة وهناك ثقافة، وهناك تقاليد مستمدة من الكتاب والسنة.
стр. 18367
المصطلح الثالث: الأخوة الإسلامية ويقصد به الجانب العاطفي الروحي لتبادل المحبة كما يحصل بين الإخوة نسبًا، فهذه أخوة إيمانية وقد شبهها بأخوة الرضاع ليس فيها نسب ولكن فيها حقوق.
والمصطلح الرابع: التآلف بين المسلمين، ويقصد به التعبير عن الجانب العاطفي لأن الأخوة لابد من ظهور أثرها بالتآلف.
والمصطلح الخامس: التقريب بين المذاهب الإسلامية، ويقصد به الجهود العلمية لإزالة الفوارق المباعدة بين المذاهب وأئمتها وأتباعها ولاسيما أن الجوانب المشتركة بين المذاهب كثيرة، وقد قدرها بنسبة (٩٠ %) ، وأن ما فيه خلاف هو القليل، وأورد في هذا آيات تدل على ضرورة تحقيق هذه الوحدة مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، والآيات التي استمعنا إليها في كلمات الافتتاح.
ثم تكلم عن معالم الوحدة وأورد تحت هذا خمسة مبادئ، الأول القومية الإسلامية التي نوه بها وأوضح أنها متحققة فقد أشار إليها الكتاب وأشارت إليها السنة، وتحققت من الوثيقة التي صاغها النبي ﷺ عند هجرته إلى المدينة، كما أنها تُلمح من المخاطبات القرآنية بصيغة الجمع دائمًا، فهذا الجمع يدل على أن المخاطبين كأنهم شيء واحد وأمة واحدة. ودعا إلى تدريب الجيل على التباهي والاعتزاز بهذه القومية وعلى كل ذوي الرأي والتدبير من آباء ومعلمين وحكماء وساسة أن يعززوا هذا التصور. وأشار إلى أنه حتى الأطفال يجب أن يبذل معهم ذلك من خلال الأناشيد التي تبين وحدة الأمة الإسلامية وتميزها عن الأمم الأخرى.
стр. 18368
ثم أشار إلى المسؤولية المشتركة والمتبادلة وذلك بالاهتمام بأمور المسلمين؛ فمن لم يهتم بأمور المسلمين ليس منهم، والمسلمون يسعى بذمتهم أدناه، وهذا يتطلب الاطلاع على أحوال المسلمين والتعرف إلى الشعوب الإسلامية، والتدخل لحل النزاعات التي تنشب فيما بينها.
كما أشار إلى عنصر ثالث هو قيام حكم إسلامي؛ لأن الوحدة تتكون من شعور اجتماعي ومن توجه سياسي بحكم إسلامي.
ونوه بما اشتمل عليه الفقه الإسلامي في مجال السياسة، وهناك كتب الأحكام السلطانية المعروفة التي تبين أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا يكفي الاقتصار على الجوانب التعبدية أو المعاملات، وإنما لابد من تحقيق النظم الإسلامية.
وأشار إلى الحضارة والثقافة الإسلامية التي تشمل العلوم الإسلامية والأدب الإسلامي والفن الإسلامي والصنائع والتقاليد، وتشمل أيضًا اللغات الإسلامية.
والحقيقة أن إشارته إلى اللغات كانت عميقة، ولا يخفى أن من الاستعمار استعمارًا لغويًّا تتعرض إليه كل الشعوب الإسلامية التي تترك لغتها العربية واللغات الإسلامية الأخرى تراثية، وتهتم باللغات الأجنبية التي ترتبط بحضارة الغرب ومدنيته وثقافته.
وأخيرًا ختم ببيان السماحة الإسلامية وأنه لابد منها فلا يجوز التفاخر والتعصب والتفرقة المذهبية، وأشار إلى مساهمته في ذلك من خلال بحث قدمه إلى لجنة تنسيق العمل الإسلامي المشترك. وإشارته موجودة في بحثه.
ثم ختم بحثه بالإشادة بأعلام الوحدة الإسلامية من شتى المذاهب، وبدأ بما كان في عهد النبي ﷺ ، فهو إمام الوحدة، ثم الخلفاء الراشدون، ثم أئمة المذاهب، وأشار إلى الأشعري حينما سمى كتابه (مقالات الإسلاميين) فأثبت صفة الإسلام لهذه المذاهب التي تنتمي إلى هذا الدين ولا تخرج عن هذا الاسم فلا ينزع اسم الإسلام عن الشخص إلا إذا تجهم لمبادئه الأساسية. كما أشار إلى الطوسي والشريف الرضي والزمخشري والطبرسي، ونوه أخيرًا بأئمة الوحدة في العصر الحديث من أمثال: الأفغاني ومحمد عبده والمراغي والزنجاني، والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد تقي القمي، والشيخ عبد العزيز عيسى، والشيخ حسين البروجردي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ عبد الحسين شرف الدين والشيخ محسن الأمين.
وهذا عرفان بفضل هؤلاء الذين انتبهوا إلى مكمن الخطورة والتفرق والتشرذم في الأمة الإسلامية ودعوا إلى تجاوز الخلافات وتعزيز الوحدة الإسلامية من خلال مبادئها.
أما البحث الثاني: وهو لفضيلة الشيخ محمد الستري. فقد تكون من ثلاثة مقاصد بعد التمهيد إلى تمزق الوحدة الإسلامية مع أنها ركن في عزة الإسلام. وهذه المقاصد التي بني عليها بحثه تناولت أسباب الاختلاف والفرقة، ثم معوقات الوحدة الإسلامية، وأخيرًا نوه بالطرق إلى الوحدة الإسلامية.
стр. 18369
أما أسباب الاختلافات فقد قسمها إلى أسباب مذهبية وأخرى سياسية؛ فالأسباب المذهبية تبدو في الاختلافات حول المصادر الشرعية، والاختلافات حول العمل بالنص وبالرأي وطرق الاستدلال وطرق إثبات السنة وحجية عدد من مصادر الأحكام.
وهذه إشارات واقعية إلى هذا الاختلاف القائم.
ثم بيَّن أن بإمكان العلماء أن يتلافوا هذا الاختلاف عن طريق عقد المؤتمرات وكتابة الدراسات الموضوعية المنهجية التي لا تهدف ولا تسعى إلى ذوبان مذهب في مذهب آخر، بل تدعو إلى التفاهم والتقارب والتوحد والاجتماع على العناصر المشتركة، وهي كثيرة كما رأينا في البحث السابق.
ثم أشار إلى الأسباب السياسية وأنها قد تعززت بكتابات موجههة عبر التاريخ وممارسات تمييزية، وأن الحل هو الرجوع إلى القرآن والسنة، وضرورة التصدي للتمييز الطائفي حتى تنمحي هذه الفرقة وأسبابها.
أما معوقات الوحدة فقد أشار إلى سبعة أمور:
الجهل بالدين والأمة؛ لأنه لا تتوفر المعرفة بين بعذ المذاهب والبعض الآخر، ولابد من المعرفة الشاملة القائمة على الانفتاح والتواصل.
التطرف مع أن الإسلام دين التسامح، والله يدعو إلى أن يكون سبيل الدعوة في الكلمة والموعظة الحسنة، وأنه يجب استبعاد عنصر الريبة والتشويه.
стр. 18370
حب الزعامة من خلال ممارسات بعض الحركات التي تتولد عن الرغبة في الرئاسة وتعزيز الفرقة للحفاظ على المناصب القائمة لتلك الزعامات. ثم أشار إلى الحزبية، وأن أكثر الويلات منها، وأنها تجعل الأمة شيعًا وأحزابًا، وتكون مقدسات بديلة عن المقدسات الإسلامية.
الطائفية القائمة على أساس مذهبي أو عرقي.
الحدود المصطنعة التي أقامها الاستعمار والتي أدت إلى فصل العرب عن المسلمين وأنه يجب التضافر.
وأخيرًا التمحورات السياسية التي جعلت الدول الإسلامية تندرج في تمحورات سياسية مختلفة بدلًا من أن تكون تمحورًا واحدًا يجمعها.
ثم أشار إلى طرق الوحدة عن طريق التواصل والانفتاح بين المسلمين بالزيارات وتبادل الخبرات والمناقشة المثمرة والمؤتمرات الشبيهة بمؤتمرات هذا المجمع. وأكد على العناصر المشتركة، داعيًا إلى ضمان الحرية المذهبية بمنع محاولات النقل من مذهب إلى آخر. وعلى تحقيق المساواة بين المسلمين والتكامل السياسي والاقتصادي والإعلامي.
البحث الثالث: عنوانه (إنما المؤمنون إخوة) ، وهو من إعداد فضيلة الشيخ عدنان عبد الله القطان، وقد عزز هذا الموضوع حقيقة الأخوة بين المسلمين. ودخل في مضمون هذا الموضوع وهو ما يحقق التكامل بين بعضها البعض، ولم يتعرض إلى الأسباب وغيرها، وإنما بين مفهوم هذه الأخوة وعبر عنها بأنها الآصرة العقدية التي تشد المسلمين بعضهم إلى بعض، وأنها الرباط بين قلوبهم فهي صفة ملازمة للإيمان تورث الشعور بالعاطفة والمجد والثقة.
ثم بين فضائل الأخوة الإسلامية فأورد عشرة أحاديث وتسعة آثار وهي موجودة في البحث وذلك مثل ((سبعة يظلهم الله في ظله ... )) ،
الحديث الذي يبين حلاوة الإيمان والمتحابين في جلال الله . وبعد ذلك أورد حقوق الأخوة الإسلامية وآدابها ليكون هذا المفهوم متمثلًا في عناصر محددة، فبين هذه الحقوق التي جاءت بها النصوص الشرعية والتي تعزز الشعور بالأخوة كواجب السلام، وتشميت العاطس وعيادة المريض، وشهود الجنازة، وإبرار المقسم، والتناصح، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصر أخاه، وأن لا يمسه بسوء، والتواضع، وعدم الهجر، وعدم الغيبة، إلى آخر ما أورده من هذه الحقوق والآداب التي تعمق الأخوة بين المسلمين.
стр. 18371
ثم أوضح أن هذه الأمة أمة واحدة وأنه لابد من الدعوة إلى الإصلاح وأن الإصلاح يجب أن يكون عن طريق المناجاة وليس بالإفصاح والإحراج، وأن الإصلاح أمر أساسي في الشريعة الإسلامية بحيث أبيح الاجتراء على الكذب لأهمية الإصلاح، وأنه إذا كان الإصلاح يتطلب الشدة والعنف فلا مانع منه لأن هذا هو حكم البغاة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، وهذا يدل على أهمية الوحدة واجتماع كلمة المسلمين.
ثم بين معرفة حقوق الأخوة الإسلامية وآداب الخلاف، وفي هذا بحث مستقل. وبين أخيرًا أمثلة ونماذج من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وأمثال ذلك مما جاء في بحثه.
البحث الرابع: هو (منهجية المقارنة بين المذاهب الفقهية) وهو الذي كلفتني أمانة المجمع بإعداده.
وخلاصة هذا البحث أنني أشرت إلى منشأ الاختلاف وأنواعه والحكمة منه وأن هذا الاختلاف إما أن يكون اختلافًا في الأصول أو في الفروع، وأن الاختلاف في الأصول يجب تخفيفه وتقليله لأنه يمس المبادئ الأساسية، وقد جاء في قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي قرار مفصل في هذا الموضوع يتحرز من اختلاف الأصول ويتيح الاختلاف في الفروع إلى أنه في غالبه رحمة ويحقق سعة ورحمة للأمة.
ثم ذكرت أهمية معرفة الاختلاف الفقهي فأوردت عددًا من الآثار والكلمات عن علماء الفقه والحديث في أن الاختلاف الفقهي أمر لابد منه لمن يريد الإفتاء أو الاجتهاد، وأن من يتقحم على الإفتاء أو الاجتهاد دون أن يعرف خلاف العلماء يقع في خط الإجماع ويقع في الأقوال المشذذة التي يخالف فيها جمهور الفقهاء. وأن الاختلاف منه حقيقي معنوي ومنه اختلاف لفظي ليكون المآل واحدًا ولكن تختلف العبارات.
стр. 18372
وأشرت إلى أن هناك من العلماء من فرق بين الخلاف والاختلاف وهو الإمام الشاطبي، فهو يعتبر الخلاف مذمومًا؛ لأنه ينتج عن هوى، وأما الاختلاف فإن ينتج عن أدلة وأسباب معروفة. وأن من الخلاف ما هو زمني ومنه ما هو البلداني، وأن الاختلاف منه ما هو اختلاف تنوع ومنه ما هو اختلاف تغاير. واختلاف التنوع أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ونوه إلى أنه ليس فيه بأس ولا حرج وهو الذي يحصل في كثير من أوضاع وهيئات العبادة أو الأذكار مثل دعاء التوجه فهذا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.
ثم أشرت إلى أسباب الاختلاف بين الفقهاء وأن أول من تناول هذا الموضوع هو ابن السيد البطليموسي الأندلسي، حيث أورد ثمانية أسباب لهذا الاختلاف تتصل بطبيعة النصوص وبخصائص اللغة العربية وبنقل الرواية، وجاء بعده علماء آخرون فبينوا هذه الأسباب بعبارات أخرى مختلفة منهم ابن رشد في بداية المجتهد، ومن المتأخرين الإمام ولي الله الدهلوي، ومن العلماء شبه المعاصرين الشيخ علي الخفيف وأمثاله.
إثر ذلك انتقلت إلى المقارنة بين المذاهب من حيث المسائل الخلافية، فالأمور المجمع عليها ليست مجالًا للمقارنة أو الموازنة ويستحسنه بعض العلماء، وأوضحت ضرورة وجود معيار للموازنة بين الخلافات الفقهية، فإن كان لكل فقيه رأي، فمن الذي يعتبر مخالفًا للآخر؟ المعيار هنا هو النظر إلى جمهور الفقهاء، فالذي يخالف الجمهور هو الذي يعتبر مخالفًا، وهذا الخلاف ليس كله محمودًا، فهناك خلاف مشذذ، وهو الذي يأتي بخلاف غير معتبر، وقد ألف بعض العلماء ومنهم التميمي كتابًا سماه: (نوادر العلماء) أشار فيه إلى هذه الأقوال الشاذة التي يجب الحذر منها واجتنابها.
ثم بينت أن مجال المقارنة هو المذاهب القائمة المتبعة وليس فقط المذاهب الأربعة، وأنه لابد من الحياد في هذه الموازنات.
وأشرت إلى منهج المحدثين وكيف أخذوا عن العلماء من شتى الفرق والمذاهب، ولم يتجنبوا إلا من كان يدعو إلى منهجه ويخشى أن يتأثر فيروي شيئًا يصدر في مذهبه أو رأيه. وقد أخذوا بكثير من هذه وكتب علماء الجرح والتعديل تشهد بذلك.
стр. 18373
ثم أشرت إلى علاقة الفقه بأصول الفقه فإذا لم يتم الالتقاء على مصادر الأحكام الشرعية وتوحيد هذه المصادر فإن الخلاف سيظل عميقًا كبيرًا، ولذلك لابد من التعرف بين علماء المذاهب إلى هذه المصادر، هل هي واحدة أو مختلفة؟ فهناك اختلاف في موضوع السنة، ليس في حجية السنة، وإنما فيما يعتبر من السنة. فبعض المذاهب كالمذاهب الإمامي مثلًا يرى أن أقوال الأئمة نفسها تعتبر جزءًا من السنة، فيجب مراعاة هذا عند الموازنة.
كما أن هناك رجوعًا إلى مصدر الرأي أو الاحتجاج باعتبار العقل مصدرًا، فأشرت إلى هذا في ورقتي ليس على سبيل النقد وإنما على سبيل التعرف إلى مصادر الأحكام؛ لأنه إذا لم يراع اختلاف المصادر تكون الموازنة مختلة.
ثم أشرت إلى نتائج المقارنة وأنها إما أن تكون الترجيح، وقد لا يكون الترجيح عن طريق المذاهب الفقهية فقط، بل الترجيح بالعمل بالحديث وللعلماء في هذا أقاويل كثيرة، فمنهم من يطلق القول على عنانه، ومنهم من يشترط أن يكون هذا الحديث الذي جاء على خلاف المذهب قد عمل به أحد الفقهاء للتثبت من أنه ليس منسوخًا، وأن فهم هذا الحديث قائم على وجهه.
ثم أشرت إلى التلفيق الذي صدرت فيه قرارات من هذا المجمع الموقر وإلى أنَّ المذاهب التي يعمل بها ليست الأربعة فقط، وذلك بعبارات ذكرتها من علماء المذاهب الأربعة أنفسهم، وأن الاقتصار عليها كان لسبب منطقي موضوعي وهو ضبط كتبها وإحصاء خلافاتها، وأن كل مذهب يتحقق فيه هذا فهو قابل للأخذ به والعمل به حتى مذاهب الصحابة؛ لأن علماء الأصول يقولون: لا يعمل بمذاهب الصحابة، والسبب في ذلك أنها لم تنقل نقلًا متقنًا بقيودها وضوابطها، ولكن لو نقل شيء منها بقيوده وضوابطه فالعلماء يقولون: يُعمل به أيضًا.
ثم أشرت إلى سبل تضييق الخلاف ومنها: مراعاة الخلاف أي الخروج من خلاف العلماء بالأخذ بالأحواط، وقد وضع العلماء مبادئ لهذه المراعاة وأمثلتها، فإذا كان الأمر مثلًا بعض العلماء يقول بندبه وبعض منهم يقول بوجوبه فالخروج من الخلاف أن يؤخذ بالوجوب ليس على سبيل أنه الرأي الوحيد، وإنما في العمل فقط، وأما الفقه فيبقى مستقرًا ولا يطغى مذهب على آخر.
стр. 18374
ومن سبل تضييق الخلاف أيضًا خلاف التنوع الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار بعض هذه المذاهب، أي العمل بها في القضاء فهذا يقطع الخلاف، أو بإصدار بعض القوانين فهذا أيضًا يقطع الخلاف، ويبقى الخلاف العلمي قائمًا، ولكن عند العمل لابد من الالتزام بما يقضي به القاضي أو يختاره الإمام من أحكام ويضيق مساحة الخلاف.
كما أشرت إلى بعض أدبيات الخلاف لأنه لابد من التثبت في نسبة الخلاف، فقد وقع في هذا كثير من الأخطاء والأغلاط فنسبت إلى بعض المذاهب ما ليس في كتبها، وهو أمر ينبغي التنبيه له، وقع هذا في بعض كتابات ابن حزم وعلق عليها الشيخ عبد الحسين شرف الدين، وفي بعض الموسوعات فقد نُسب إلى مذهب الإباضية منع الرجم مع أنه موجود في كتبهم الفقهية. لذلك لابد من التثبت من نسبة الخلاف وأنه لا إنكار في الأمور المختلف فيها، وهذه قاعدة قررها العلماء فقالوا: إذا اختلف الفقهاء في أمر فإنه ينتقل من الإنكار إلى الإرشاد مراعاة لهذا الخلاف المعتبر.
وبينت أخيرًا ما جاء في رسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية بعنوان: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) أورد فيها عشرة أسباب يطيل فيه العذر للأئمة في تركهم بعض الأحاديث أو في الخلاف بينهم، وأن هذا كله ليس تنكرًا للنصوص وإنما هو لأسباب، منها: اعتقادهم أن هذا الحديث صحيح أو خلافهم في دلالته أو في نسخه. وهذه الأسباب أوردتها في البحث فلا أطيل ببيانها.
والبحث الخامس: هو (أدب الحوار وأخلاقيات البحث) وقد كتبه الدكتور سعيد بن عبد الله بن محمد العبري، وأورد فيه الآيات في الوحدة الإسلامية، وبيَّن معنى الحوار ومشروعيته وآدابه ومنهجيته وأخلاقيات البحث.
стр. 18375
فبين أن معنى الحوار هو الكلام المتبادل بين طرفين في أسلوب لا يقصد به الخصومة. وبهذا يختلف عن الخصام والتنازع.
وأورد تعريفات لألفاظ ذات صلة بمصطلح الحوار مثل: الجدال والمناظرة والمناقشة والمماراة. وبين أن الحوار مشروع فقد جاءت منه نماذج كثيرة في القرآن الكريم منه حوار الله مع ملائكته الكرام في خلق آدم، ومنه حوار نبي الله إبراهيم ﵊ مع ربه حينما قال: أرني كيف تحيي الموتى، وحوار سيدنا موسى مع ربه في الرؤيا، وحوار سيدنا عيسى مع ربه، وحوار صاحبي الجنتين، وحوار إبراهيم وابنه إسماعيل الذبيح، وحوار قارون مع قومه، وحوار نوح وشعيب، ﵉، وحوار ابني آدم قابيل وهابيل.
وبين أن القرآن يعبر عن الحوار أحيانًا بـ (الجدال) ، وأن مجادلة أهل الكتاب مأمور بها بأن تكون بالحسنى، وأن الجدال منه محمود ومنه مذموم، فيكون محمودًا إذا كان لإثبات الحق وإبطال الباطل ويكون مذمومًا إذا كان للمناحرة والعداوة أو للتعنت والمراءاة.
ثم بين أن القرآن ذم، ثلاثة أنواع من الحوار وهي المجادلة بالباطل لدحض الحق، والمجادلة بغير علم أو برهان، والمجادلة في الحق بعد ظهوره.
وبين بأن آداب الحوار أمور كثيرة تصل إلى ثمانية عشر أمرًا وهي: التقوى والإخلاص والوقار والحلم والعلم، وأن يكون الحوار في المسائل الواقعية وليس في أمور متخيلة، وأن يكون قائمًا على الابتعاد عن الإعجاب والغرور، وأن يكون المحاور مؤمنًا على مناظره محترمًا له متشوفًا إلى ظهور الحق على لسانه.
وأشار أخيرًا إلى استبعاد الحيل في الحوار كأن يستخدم ألفاظًا لا يفهمها الطرف الآخر ولا يقدر على الرد عليها أو أن يخرج عن السؤال أو أن يلزم بأمور ليست لازمة لمن يحاوره، ويلتفت عنه أو يعرض أو أن يتوجه إلى الضعيف من أقواله. فكل هذه حيل يجب استبعادها من الحوار حتى يكون حوارًا وجدالًا محمودًا.
стр. 18376
ثم بين منهجية الحوار بأنه الرجوع إلى كتاب الله وأن تكون ذات هدف، وأن لا يكون فيها نقل للأمور الظنية لجعلها قطعية بل يجب الحفاظ على خصائص هذه الأمور.
وأورد في الأخير خاتمة بعدما تصعيد الفروع إلى الأصول، لأن ذلك يمزق الوحدة، وأنه يجب الخروج عن البعد التاريخي للخلافات بين الأمة الإسلامية فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
وكما قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حينما سئل عم وقع من فتن في صدر الإسلام فقال: تلك أمور طهر الله بها سيوفنا فنطهر بها ألسنتنا. أو كما قال. فيجب البعد عن هذه المعطيات التاريخية لأنها تعزز الفرقة وتزيد من التباعد.
ثم دعا إلى اطلاع كل طرف على ما عند الآخر حتى لا يكون هناك إبهام ولا غموض.
والبحث الأخير: بعنوان (الوحدة الإسلامية) ، كتبه الدكتور حسن بن محمد سفر. بين فيه أهمية الوحدة ومقوماتها ومفمومها ومشكلاتها. وبين أن مفهوم الوحدة الإسلامية مهم جدًّا في الإسلام، فلم تضف الوحدة إلى الأمة، ولم يأتِ نص بوحدة الأمة الإسلامية وإنما جاء صفة لها (إن هذه أمتكم أمة واحدة) . وإن الرسول ﷺ بدأ بتعزيز هذه الوحدة حينما آخى بين المهاجرين والأنصار، وحينما صاغ وثيقة المدينة التي قامت بها الدولة الإسلامية. ثم بين أن الوحدة لا تنافي الاعتراف ببعض الخصائص المميزة للشعوب بما لا يجعل الأمر فرقة، فلكل شعب خصائصه ولكل قبيلة رايتها، فحتى في الجهاد كانت القبائل تحمل راياتها للحفاظ على ما بين هذه القبائل من نخوة ومن عادات في القتال. فلابد من الاعتراف بهذه الخصائص بشكل لا يؤثر على الوحدة. فاجتماع الأسرة الواحدة لا يعني ذوبان أفرادها وكذلك المجتمع، وكذلك الأمة.
стр. 18377
ثم بين أن أهمية الوحدة تكمن بنوعيتها لا بكميتها.
وقد تطرق كذلك إلى الأبعاد المختلفة، بدءًا بالبعد الديني وهو ركيزة في الوحدة الإسلامية ويظهر في العبادات التي فيها مظاهر الوحدة بين المسلمين من الصلاة والحج والصيام والزكاة. والبعد الإنساني وارتباطه بعلاقة وثيقة بالبعد الديني، ثم البعد الاجتماعي من الألفة والتكافل، والبعد الجغرافي وهو إزالة الحواجز. والبعد الحضاري حيث أن حضارة الإسلام أطول حضارة عرفها التاريخ. وانتهاء بالبعد المصيري.
ثم أشار إلى المشكلات التي تعرضت لها الوحدة في عهد النبوة وما بعده وفي عهد الصليبيين والاستعمار. وأخيرًا النعرات الوطنية الضيقة والقومية الجاهلية التي جعلت هناك دويلات في بعض العهود، بحيث تعرضت تلك الدويلات إلى الزوال.
ودعا إلى التطلع إلى آفاق المستقبل لتحقيق الوحدة الإسلامية في الميدان الفكري بتحكيم الشرع، وفي الميادين الأخرى بالتضامن والتلاحم والثقافة والتربية والمناهج والإعلام والدعوة.
وختم بحثه باستذكار أمجاد المسلمين عندما كانت دولتهم منحصرة في مكة ثم أتت على دولة الفرس والروم ورأى أنه لابد من إنقاذ العالم عن طريق توحد المسلمين ورجوعهم إلى دينهم وإلى كتاب ربهم وسنة نبيهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 18378
* * *
التعقيب والمناقشة
التعقيب والمناقشة
الرئيس:
يا شيخ عبد الستار، هل الفرق بين الخلاف والاختلاف ذكره الشاطبي أم القرافي! أنا الذي أعرفه للقرافي؟.
الشيخ عبد الستار:
في الموافقات للشاطبي.
الرئيس:
أما شيخ الإسلام ﵀ في اختلاف التنوع فهو لا يقول: إنه لا بأس به. بل يرى أنه أصدق من طرق الجمع بين السنن، وهو رأي كثير من العلماء ولهذا له قاعدة في أنواع الاستفتاح ذكر فيها ما يزيد عن عشرين نوعًا من أنواع العبادات التي جاءت بطرق متنوعة، مثل الأذان والإقامة والاستفتاح والصلاة على النبي ﷺ وغيرها.
الشيخ عبد الستار:
اختلاف التنوع يقول: إنه لا يجوز أن يسبب فرقة..
الرئيس:
هذا لا يُجمع بين عبادتين جاءت على نوعين أو ثلاثة فأكثر. ولكن هو لا يقول لا بأس به، وإنما هو يراه طريقًا صحيحًا من طرق الجميع بين السنن.
الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18379
معالي الوزير؛
معالي الأمين العام للمجمع؛
أصحاب الفضيلة؛
لقد كانت هذه البحوث التي استمعنا إليها اليوم متميزة في إعدادها وفي موضوعها وفي الآراء والأقوال التي تضمنتها، فإذا كان لي من تعليق فهو يتعلق ببحث الأستاذ محمد واعظ زادة عندما تكلم عن المؤتمرات، انتظرت أن يذكر أجيالنا بالمؤتمر الأول للعالم الإسلامي الذي انعقد في المغرب بالرباط بدعوة من صاحب الجلالة الحسن الثاني سنة ١٩٦٩م وعنه انطلقت منظمة المؤتمر الإسلامي.
التذكرة الثانية عندما ذكر تدريب أبطال الأمة على القومية كنت أيضًا أنتظر أن يشير إلى شبابنا وإلى أجيالنا القادمة على أن نظرة القومية التي وحد بها كثير من الإصلاحيين الغربيين دولهم اقتبسوها من القومية الإسلامية، لأن المقومات التي اشترطوها لقيام أي قومية لا توجد مجتمعة إلا في الإسلام، وهي تتعلق بالعقيدة واللغة والرغبة في العيش المشترك. هذه هي المقومات التي بنى عليها الإصلاحيين - مثل بسمارك وغيره - القوميات الغربية، ولا شك أنهم أخذوها من نظريات الفقه وأصوله في الإسلام.
الملاحظة الثالثة: عندما ذكر أنه ينبغي أن ندرب أطفالنا على الإحساس والشعور بانتمائهم الإسلامي. كان يجب أن يقترح أو يشير إلى ضرورة إدراج هذه المسألة في مناهج التربية الإسلامية في دولة إسلامية، وعليه أقول: إنه لا فائدة من أن نبقى نصعد نظريات أصولنا وأمهات كتبنا وكبار فقهائنا؛ ولا نخرج باقتراحات تنير سبيل أولي الأمر حتى تدفعهم إلى القيام بما نرجوه.
وعليه أرجو أن نشير إلى أنه ينبغي على وزراء التربية في كل الدول الإسلامية أن تكون لديهم قواعد تشكل قاسمًا مشتركًا في تربية أولادنا تربية إسلامية وموحدة.
الملاحظة الرابعة: عندما تعرض إلى الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، كنت أنتظر أيضًا أن يقترح تشكيل لجنة من مجمع الفقه الإسلامى برئاسة الأمين العام، وبمباركة من الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي للوقوف على النزاعات القائمة بين دول الأمة الإسلامية إن أمكن، فإن لم يمكن تحديد الجهة الباغية، ورفع الأمر لأولي الأمر؛ حتى يمكن تطبيق الشطر الثاني من الآية ضد الدولة التي أرادت أن تعرض أمر الأمة ووحدتها للخطر.
وشكرًا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 18380
الشيخ عبيد العقروبي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لي ملاحظة على البحث الذي أعده الأستاذ محمد واعظ زادة، وقد ذكر في ثنايا بحثه التربية القومية الإسلامية، واستشهد بالآية ثم استشهد يقول: وقد جاء في دعاء الإمام السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، حديث طويل: فيه بعض العبارات غير مفهومة (١) . أنا لا أعتقد أن علي بن الحسين يدعو على الأمم وذلك مثل ما قال: اللهم واعمم بذلك أعداءك في أقطار البلاد من الهند والروم والترك والخزر والحبش والنوبة والزنج ... إلخ.
هناك موضوع آخر وهو الوحدة الإسلامية الذي ذكره الشيخ الستري، فقد ذكر الوحدة الإسلامية ومقوماتها، وأشار إلى الحرية المذهبية، فجزاه الله خيرًا بحيث لو كان أكد على موضوع الحرية المذهبية. وشكرًا.
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بعد أن قرأت واستمعت إلى هذا العرض الطيب وجدتني أمام عواطف جيَّاشة في كثير من الأحيان تطغى على البحث العلمي ومنهجيته. والعواطف الجياشة شيء نبيل وكريم، ولكن أرى أن يكون مكانها غير هذا المجمع الموقر من المنابر والمحاضرات والخطب وما إلى ذلك، فنحن بحاجة إلى منهجية علمية دقيقة جدًّا، لأن الوقت قصير ويدركنا دائمًا، وما رأيته بعد الدراسة والتمحيص - ولا أدري إذا كنتم تشاركونني - أن القضية تتلخص في مسألتين اثنتين، هما:
المسألة الأولى: مناهج البحث العلمي أو ما كان يسمى قديمًا بـ (أدب البحث والمناظرة) ، وهو ما يسمى اليوم بأدب الحوار وأدب الخلاف والاختلاف، وما إلى ذلك من تسميات، وهذا كله يدخل عند الغرب ضمن مقولة تسمى مناهج البحث العلمي أو أصول البحث العلمي. ولا مانع من أن يتفق في هذا المجمع الموقر على لجنة تكيف هذه المناهج برسالة أو ببحث علمي - إذا رأيتم ذلك - حتى يكون ذلك عونًا للباحثين في مجمعنا وفي غيره. وهذه مسألة مهمة.
المسألة الثانية: وهي مسألة عقدية أو إيديولوجية كما يقال وهي بيت القصيد في قضية تضييق نقطة الاختلاف بين المذاهب وهي السنة بالذات. فلابد من أن يصار إلى لجنة لتبحث في قوانين أخذ الحديث ورده من جميع المذاهب الفقهية، فهي وإن طال عملها تهون على المسلمين وتسهل لهم وللباحثين وبصورة خاصة للمجمع، وتختصر لهم طريقًا طويلًا.
فالموضوع يدور حول هل هذا حديث أم ليس بحديث؟ هل هذه سنة أم ليست بسنة؟ ما هو المعيار في قبول هذه السنة أو ردها؟
هنا يختلف الأمر، فلا أحد يختلف في القرآن الكريم وإنما الخلاف حول السنة.
فإذا رأى المجمع الموقر والأمر متروك للأمانة العامة ولرئاسة المجمع مشكورة أن تكون لجنة أو ندوة أو جماعة أو هيئة للبحث في هذا الموضوع، حتى ننتهي من هذه الخلافات الطويلة العريضة التي لها أول وليس لها آخر، والمقصود جمع الشمل وتضييق رقع الخلاف والاختلاف حتى نجتمع كلنا على شيء واحد هو الإسلام بجميع قواعده ومناهجه وقضاياه.
والله تعالى أعلم، وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.