أود كذلك أن أتحدث في نقطة بسيطة جدًا، وسأترك الحديث بعد ذلك لإخواني الكرام وذلك حول الفحص الطبي قبل الزواج.
أنا كنت حذرًا في بحثي حول الفحص الطبي قبل الزواج لما رأيته من بعض الدول الإسلامية والعربية في اتجاهها إلى فرض هذا الفحص أولاً وجعله إجباريًّا، واتجاه بعض الفقهاء الأجلاء إلى أنهم فهموا هذا الفحص طبعًا يقينا من الأمراض، وبالتالي لابد أن يكون إجباريًّا. ثم الخطوة التالية لنتيجة هذا الفحص رغم بعض عيوبه ومثالبه التي ذكرتها. الخطوة التالية هي أن نجعل هذا الشخص الذي يريد أن يتزوج من تلك الفتاة وكلاهما يحمل صفة وراثية ليسا مرضين على الإطلاق، ولكن عندهم احتمال لإصابة ذريتهما، هما كلاهما صحيحان سليمان تمامًا، ولكن هناك احتمال أن يكون ربع الذرية قد يصابون بمرض وراثي، ربع الذرية بمعنى احتمال حسابي ليس بمعنى أنه إذا تزوج رجل امرأة سيكون ثلاثة من أولاده أو أطفاله سليمين وواحد مريض، قد يكون الأربعة كلهم سليمون، وقد يكون ثلاثة من الأربعة مصابين بالمرض، فهذه نقطة هي حسابية فقط.
كان الاتجاه لدى بعض الدول والحكومات قد تحضر بعض الندوات والمؤتمرات وفيها وزراء صحة لنفرض قسرًا الفحص قبل الزواج، ثم لنفرض قسرًا منع الزواج، هذا هو الذي أثارني، وقد بدأت بعض الدول فعلاً منع هذا الزواج، لا أُخفيكم أنتم علماء أجلاء في المملكة العربية السعودية قد بدأ على نطاق ضيق إذا تزوج سعودي من غير سعودية والعكس، فالشخص غير سعودي فقط هو الذي يفحص من ناحية بعض الأمراض الوراثية، وإذا وُجد أن هذا الشخص يحمل صفة وراثية من المرض كالأميبيا البحر الأبيض المتوسط يُمنعان من الزواج، لماذا يُمنعان من الزواج الشخص الذي يتزوج هذه المرأة قد لا تحمل الصفة الوراثية المرضية، ولن يكون أحد من الذرية مصابًا بهذا المرض، فالناحية حتى الفنية في صياغة الأمر الذي صدر من وزارة الصحة أو التنظيم الذي صدر من وزارة الصحة ما كان منضبطًا علميًّا، وهذا الذي جعلني أتردد كثيرًا، وكتبت لمعالي وزير الصحة أنبهه إلى بعض الخطوات التي اتخذت أنها علميًّا ليست سليمة، بل متناقضة تمامًا.
стр. 18622
وكما تعلمون سادتي الأمراض الوراثية أنواع الآن فيه حوالي (٨٠٠٠) ألف مرض وراثي، منها حوالي ألفان على الأقل تنتقل بما يسمى الصفات الوراثية المتنحية يمكن أن تكون الصفة الوراثية سائدة أو متنحية أو متنقلة كروموزوم (AY) ينقل عددًا قليلاً جدًا من الأمراض، فالصفات الوراثية السائدة لابد أن تنتقل، ولو كان أحد الأبوين فقط به هذه الصفات أو المرض الوراثي. نحن الآن نتحدث عن الأمراض، فإن مَنْ به هذا المرض الوراثي لابد أن ينتقل إلى ذريته، ولكن قد تكون هناك تعديلات في هذا المرض الوراثي، ثم حتى الصفات الوراثية المنتقلة بهذه الصفة السائدة قد تكون هناك طفرات جينية لا الأب عنده ولا الأم عندها هذا المرض، ثم تحدث طفرات وراثية داخل البويضة الملقحة هذه وتحدث فيه الطفرة الوراثية، أو الحيوان المنوي تحدث فيه، أو في البييضة نفسها إما قبل التلقيح، أو بعد التلقيح وتحدث نتيجة لذلك هذه الصفة الوراثية، وينتج عنها مرض وراثي، وهذا حادث في كثير من الأمراض، وأنا نبهت عليه في البحث، حتى لا يظن أن مجرد الفحص الطبي قبل الزواج سيلغي الأمراض الوراثية، هذا غير صحيح، حتى إن هناك الأمراض الوراثية غير المتنحية، والمتنحية بمعنى أنها غير سائدة، مثل حديث الرجل من بني فزارة الذي أتى إلى الرسول ﷺ وقال له: أنا أبيض وزوجته بيضاء وهي أنجبت طفلاً أسود، وأراد أن ينفيه، فقال له النبي ﷺ : ((ألك إبل؟)) قال: نعم. قال: ((ما ألوانها؟.)) قال: حمر. قال النبي: ((هل فيها من أورق؟.)) قال: نعم. قال النبي: ((وما به؟.)) قال: لعله نزعه عرق. قال: ((فلعل ابنك نزعه عرق)) .
стр. 18623
يعني كلا الأبوين ما عندهم مرض ظاهر، ولكن إذا تزوج، وهذا ظاهر في مرض التلاسيميا أو المنجلية، أو بعضًا من الأمراض الوراثية وهي أعداد كبيرة جدًا، هذه الأمراض الوراثية المنتشرة في مجتمع معين هنا تظهر الفائدة، لأنه مثلاً في حوض البحر الأبيض المتوسط في قبرص يمكن (٢٥ %) من السكان يحملون هذه الصفات الوراثية المتنحية، سواء كانوا أقارب أو غير أقارب، في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وفي البحرين والإمارات النسبة تتراوح ما بين (١٥ %) يحملون هذه الصفة الوراثية، في الرياض وما حولها النسبة قليلة جدًا واحد في الألف، عدد بسيط في المنطقة الجنوبية في المملكة تختلف في جيزان وما حولها حوالي (٢٠ %) وخاصة السكلسا المنجلية، فهي تختلف من منطقة إلى أخرى، ولهذا الجهة الرسمية أو الطبية وزارة الصحة عندما تقرر إجراء فحص من هذه الأنواع هي لا يمكن أن تقرر إجراء الفحص لثمانمائة ألف، لأن هذا يستغرق ميزانية الدولة لمدة عشر سنوات أخرى، فحص شخص واحد سيستغرق ميزانية الدولة، هذا لا يصح، ولكن المطلوب هو فحص الأمراض المنتشرة في مجتمع معين.
فحتى لا يُساء استخدام الفحص، الفرض من الدول يؤدي إلى تحايل كبير جدًا، ونتائج غير سليمة، وإفشاء أسرار، ومشاكل أخرى، فكان الاقتراح أن يكون هذا الفحص الطبي ينبغي التشجيع عليه وكانت الندوة تؤكد هذا المعنى بتوعية الجمهور، بتوعية الناس، بتوعية العلماء، أو التدريس في المدارس، أي توعية على نطاق واسع بأجهزة الإعلام دون فرضه، لأن فرضه يستتبع مشاكل أخرى كثيرة إلى آخره، ثم يستتبع بعد ذلك مثل ماذا يفعل هذا الشخص، عنده هذه الصفة الوراثية التلاسيميا، وهذا الشخص الآخر يريد أن يتزوج هذه المرأة وعندها صفة وراثية مرضية هناك حلول موجودة وهما مقبلان على الزواج، هو ما يريد امرأة أخرى، وهي ما تريد إلا هذا الشخص، لماذا نمنعهما من الزواج والمرض مجرد احتمال لا يرقى إلى أكثر من (٢٥ %) .
ثم إن هناك حلولاً مثلاً بعد تلقيح البييضة مشاريع أنابيب الأطفال، ممكن تلقيح البييضة بزوجها ثم يُنظر بعد أن تنمو البييضات هذه فإذا كان البييضة معيبة لا تعاد، نعيد فقط البييضات السليمة، وفي هذه الحالة يكون الطفل بإذن الله سليمًا من هذا المرض، فقط أنا لا أعني الأمراض التي لم تُفحص، وهذا الفحص موجود الآن في أمريكا وسيوجد الآن في السعودية يمكن خلال العام القادم يعني خلال أشهر (هو موجود يعني الآن في مختبر خاص، أخبرني واحد لما كنا في ندوة الأسبوع الماضي أنه سيكون عندهم موجود العام القادم) ، فالفحص هذا سيعمم خلال سنوات سيعمم ممكن!!.
стр. 18624
هناك بدائل أخرى لهذه الأسرة إذا أرادت الاستمرار، وأن تتزوج وتكون الأسرة الكاملة هذه النقاط الأساسية:
موضوع تحسين السلالة البشرية هو موضوع خطير حقيقة يعني الدكتور علي القرداوي قال لماذا يعني طبيب، يعني فيه خير كثير، تحسين السلالة البشرية يعني هو استخدم من الناس، من هتلر ومجموعته، وكان في بداية القرن فكرة السلالة تحسين السلالة البشرية في العالم الغربي بالذات في أوروبا وأمريكا وكان لها دعاية قوية ثم استخدمت استخدامًا سيئًا كبيرًا جدًا، وأدى هذا الشخص الأسود المصاب بمرض السكلسا المنجلية لا يعمل ممنوع عليه جملة من الأعمال معينة يميز ثم كان بعد ذلك قتل الأشخاص كثيرين قُتلوا لمجرد ما يحملونه من أمراض وراثية لماذا يُقتلون ويُعدمون، يعني عمليات إجرامية نتجت أو تمييز عنصري أو تمييز ضد هذا الشخص بسبب أنه يحمل بعض الصفات الوراثية.
وقفت الندوة وقفة قوية رائعة، في ظني أنها وقفة رائعة وسليمة وصحيحة وإسلامية، لأنها ضد تعاليم الإسلام أولاً، وبعد ذلك ضد حقوق الإنسان. ثم الإشارات التي جاءت حول الأمم المتحدة وحقوق الإنسان جاءت كما قال سيدي الشيخ شيخ الجميع مختار السلامي إنها جاءت في إطار معين الجملة ليست مطلقة، ينبغي أن تقرأ كل الجملة ما أقول الأسرة ... إلخ قرارات الأمم المتحدة في نطاق معين محدد ليست مطلقة، وأكتفي بهذا القدر، وأترك الكلمة لأخي الدكتور حسان باشا يمكن عنده بعض النقاط الأخرى، وشكرًا.
стр. 18625
الدكتور حسان باشا:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
شكرًا لسيدي الرئيس للسماح لي بالتكلم، وشكرًا لأخي الدكتور محمد علي البار، في الحقيقة لدي بعض الملاحظات القليلة.
الملاحظة الأولى تكلم فيها أستاذنا الشيخ عبد الله بن بيه في ص (٦) ، وكذلك إيداع جين في جين آخر، وقال: إن المقصود بذلك هو الخنزير لا شك أنه قد يكون، ولكن أريد أن أبين شيئًا أنه ليس دائمًا هو الخنزير، إن هناك بعض الجراثيم التي استخدمها الإنسان في صناعة الأنسولين، وهذا الجرثوم وفي أكثر من هرمون أكثر من مادة دوائية معينة هذا الجرثوم يدعى الأشبيشية القلونية أكُولاَي (Acolay) وهذا الجرثوم لا بأس باستخدامه من أجل صناعة هرمون الأنسولين بل بالعكس، لأن في ذلك الخلاص من استخدام أنسولين الخنزير، التي كان الكثير من مرضى الأنسولين في العالم يستخدمونه، فلا شك أن هذه خطوة جيدة ومشجعة.
نعود إلى الصفحة السادسة من المقطع الأول، الواقع أن هذه الفقرة الأولى من أهم المقاطع في هذا البيان والتوصيات، رأت الندوة جواز استعمالها في منع المرض، أو علاجه، أو تخفيف أذاه؛ سواء بالجراحة الجينية التي تبدل جينًا بجين أو تولج جينًا في خلايا مريض، الواقع أن هذه الفقرة لابد لها من شرح.
في الصفحة السادسة لابد من التنبيه إلى أننا في الحقيقة لا نعلم في الوقت الحالي ما إذا كانت المعالجة الجينية تؤدي إلى أمراض في المستقبل أم لا، يعني مثلها مثل أي علاج جديد، قد يترافق في المستقبل بحدوث اختلاطات أو أعراض جانبية، في الواقع إن العلاج الجيني يحتاج إلى قطع ووصل للقطع الجينية، وهذه القطع الجينية تدخل إلى الجينات أثناء المعالجة الجينية عن طريق استخدام فيروسات في الوقت الحالي، يرى الباحثون أن من أسلم هذه الفيروسات فيروس يدعى (سيست رفايرز) لكن لا نستطيع أن نجزم في الوقت الحالي أنه لن تحدث مشاكل على المدى البعيد من جراء استخدام هذا الفيروس أو غيره من الفيروسات، وبالتالي الضابط الذي يؤخذ في هذا المجال هو أن تكون الفائدة أعم أو أغلب من الضرر، أي احتمال الفائدة أعم وأغلب من احتمال حدوث الضرر، وهذا ما يفعل الأطباء في كثير من معالجاتهم.
стр. 18626
النقطة الثالثة نظرت إلى هذه الفقرة نظرتُ إليها مليًّا، أقترح أن تُقسم إلى ثلاث فقرات. الفقرة الأولى: رأت الندوة جواز استعمالها في منع المرض وعلاجه إلى آخره. السطر الثالث ينبغي أن يكون هناك ثانيًا، لأن هذا منفصل عن السابق. إيداع جين في كائن آخر هذا يعني التشجيع على إفرازات أو على هرمونات معينة من جراء هذا الإجراء لاستعماله دواء في بعض الأمراض.
الفقرة الثانية هي منع استخدام الهندسة الوراثية في علاج الأمراض على الخلايا الجسدية.
أما في الفقرة الأخيرة هنا فنتكلم على الخلايا الجنسية، التي لو استُخدمت الهندسة الوراثية فيها لأدى ذلك إلى احتمال تغيير خلق الإنسان وتغيير جنسه، وهذا مرفوض من الناحية الشرعية.
أمر أخير أريد أن أذكره في الواقع هو الأمراض الوراثية وزواج الأقارب، النسب العالمية تقول: إن نسبة حدوث مرض خلقي هي واحد في المائة في زواج الأقارب ترتفع هذه النسبة إلى (٢ %) أو (٣ %) أو (٤ %) لا ترتفع إلى (٤٠ %) أو إلى (٥٠ %) فحين نقول بمعدل أعلى كما ورد في التوصيات في الحقيقة هذا ينبغي أن يُعلم أن الزيادة وإن كانت من (١ %) إلى (٢ %) أو (٣ %) أو (٤ %) لكن لا ينبغي أن يُفهم أنها زيادة (٥٠ %) أو (٧٠ %) وهذه النقطة مهمة ينبغي تبيانها وشكرًا.
стр. 18627
الشيخ صالح الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
قبل أن ننطلق إلى الملاحظات نريد أن نعرِّف مصطلح الهندسة الوراثية: الهندسة الوراثية تتكون من كلمتين: الهندسة والوراثة؛ الهندسة هنا تعني التحكم في وضع المورثات التي هي الجينات، وترتيب الصيغة الكيميائية فكًا، أي بقطع الجينات بعضها عن بعض، ثم وصلاً بوصل المادة الوراثية المضيفة بالجينات المتبرع بها باستخدام الطرق المعملية.
أما الكلمة الأخرى هي الوراثية وهي مادة استخدام الهندسة الوراثية كلها، وهي عبارة عن الجينات والصيغ الكيميائية التي يتكون منها الإنسان أو الكائن الحي، والجينات أو مصطلح الجين ليس حديثًا استخدم من عام ١٩٠٩ فهو مصطلح قديم، وهو يستخدم لوصف الوحدات القاعدية للوراثة، عندما نأتي لنرى المادة الوراثية أو الحقيبة نجد أنها تسكن في النواة وهو جزء بسيط موجود داخل الخلية، هذه المادة تسكن على هيئة شريط يسمى (DNA) وهو شريط يحمل هذه الجينات أو هذه المورثات، وتتحكم الجينات في الصفات الوراثية المختلفة في الإنسان من طول الجسم وقصره وشكله ولونه بل ونبرة الصوت ولون العين وشكل الأنف، فكل هذه الصفات والخصائص والمميزات يتحكم فيها من داخل الخلية. طبعًا هناك تفصيل علمي أنا ذكرته في بحثي.
أريد أن نعود إلى النقاط الأساسية حول بعض الملاحظات التي سمعناها من بعض المشايخ حول التوسع في استخدام الهندسة الوراثية في التطبيقات بين الحيوانات المختلفة، وقد ذكر الدكتور منذر ما كان يستخدم سابقًا بين الحصان والحمار فينتج البغل، هذا طبعًا ليس للإنسان فيه تدخل، هذا يحدث والشيء الوحيد الذي يحدث علميًّا بين الحيوانات المختلفة بين الحمار والحصان فينتج البغل، ويكون في هذه الحالة لا سلالة له عقيم، لماذا لأنه يحمل مجموعة فردية من الكروموزمات، ووجد عمليًّا أنه لا يستطيع الفصل بين الفصائل المختلفة إلا في الفصائل المتقاربة في الثديَّات، الثديات فقط يمكن دمج بعض الكروموزمات القريبة العدد، بمعنى أنه لا يستطيع الإنسان أن يستخدم، وهذا طبعًا فيه بعض الكلام الوراثي صحفي، ليس له سند علمي، وليس منشورًا في مجلات علمية، وأنا ذكرت هذا الكلام في كتاب الهندسة الوراثية وتكوين الأجنة يمكن دمج نواة الإنسان وبين نواة الكلب فينتج شيء آخر، وهذا علميًّا غير صحيح، لأن الله أودع في النواة مستقبلات خاصة وهي الكروموزمات، وهي النواة فإذا كانت غير متماثلة ومن غير جهات واحدة، لا يمكن أن يحدث التلقيح، ولا يتم إلا في حالات تجري الآن، وهي دقيقة جدًا، وهي شاقة ومكلفة جدًا بالنسبة للعلماء، وهو سحب المادة الوراثية، والتلاعب في عدد الكروموزمات، وبالتالي التلقيح، وتتكون الأجنة، غير ذلك.
стр. 18628
معظم التجارب في هذا المجال تنتج فيها أجنة مشوهة إذا طلعت بعض الأجنة تكون مشوهة ولا تعيش، وتكون ميتة، وهذه من الأشياء الفطرية التي أودعها الله في النواة.
الشيء الآخر الذي أود ذكره هو ما ذُكر من سرية هذه الأبحاث، هذه الأبحاث على نوعين نوع متعلق بالخلايا الجرثومية كالبكتيريا والفطريات والفيروسات، ونوع آخر متعلق بالعلاج البشري.
أما النوع الذي يتعلق بالخلايا الجرثومية فإلى الآن الأبحاث فيه سرية جدًا، وفيه دعم مال كبير.
وفيما يخص العلاج البشري فإنه ينشر في ندوات ومؤتمرات علمية مختلفة.
الشيء الآخر الذي ذُكر في هذه الندوة هو العمل اللا أخلاقي الأول النقل الجيني هو في الخلايا الجنسية (سيكسيل) هذه الخلايا ستولد خلايا لدى البالغين حيوانات منوية وبييضات والتلاعب في هذه الخلايا بهذه الحقيبة الوراثية لهذه الخلايا يوجد نسل جديد غامض الهوية، ضائع النسب، وإن كان تطبيق هذه التقنية قد تحقق بنجاح في الحيوانات الثدية، وأظهر فاعلية كاملة، إلا أن تطبيقه على الإنسان يجب أن يُحكم بالفتوى الشرعية الواضحة الصريحة جدًا، لأنه تلاعب، وأنا أرى في التوصية التي بين أيدينا أن نوصي بقضية الخلايا الجنسية أو الخلايا أو الجهة التي تعطي الصفات أو الخصائص أن لا يكون فيه تلاعب على الأخلاق أيضًا، هناك عمل أخلاقي آخر يجري، ألا وهو الدمج الخلوي بين الخلايا الأجنة في الأطوار المبكرة، وهذا أيضًا بحاجة إلى تطور علمي وفتوى شرعية منفصلة عن السابق.
ما يخص المعالجة الجينية بالنسبة للخلايا الجسدية ما ذكر يتوسع في هذه التوصية، وأنا أظن أن السادة الفقهاء والعلماء لو درسوا الموضوع بتوسع قد يصلون إلى نوع من التفريج على البشر في معالجة بعض الأمراض الوراثية في نفس الخلايا.
لكن هناك ضوابط ومعايير يعرفها العاملون في هذا المجال أكثر، إن احتمالية الضرر أو الوفاة بسبب الفيروسات التي تستخدم في النقل الجيني وارد، أيضًا الفشل في تحديد موقع الجين على الشريط الصبغي للمريض قد يسبب ضررًا، أشد من هذا هناك احتمالية أن تسبب الجينات المزروعة نموًا سرطانيًّا عند استخدام المنظار الجينى في معالجة الأجنة قبل ولادتها، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على حياة الأم والجنين، والأدهى من ذلك عدم توفر أخصائيين على درجة عالية من التدريب في مجال الهندسة الوراثية، ويجعل الباب مفتوحًا أمام الأطباء، وبالتالي ارتفاع النتائج السلبية الخطيرة، يعني بدلاً من أن نعالج مرضًا نجد أنه يمكن أن تكون أمراض أخرى كثيرة، فما يخص المعالجة الجينية يجب أن يوضح أكثر ولو في جلسة في المستقبل. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد.
стр. 18629
الرئيس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في الواقع أن ما يتعلق بالبصمة الوراثية لم يكن له حظ كثير في المداولة هنا، وكانت المداولة كلها انصبت على الزواج من الأقارب، وعلى هذه الفقرة وهي تشجيع إجراء الاختبار الوراثي قبل الزواج، وذلك بنشر الوعي من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والندوات والمساجد، وهذا في الحقيقة قضية تعميق هذه المسألة في نفوس الناس كأنه نوع من التحذير الشديد، وخلق هذه الأوهام في نفوسهم، على كل حال الأمر أن تكون اللجنة مناسبة من الأطباء الثلاثة الموقرين ومن المشايخ الشيخ عبد الله البسام، الشيخ علي السالوس، الشيخ علي القره داغي، والشيخ عبد الستار، كل من أراد أن ينضم الباب مفتوح.
стр. 18630
* * *
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرار رقم: ١٠٥ (٨/١١)
بشأن
الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم
البشري الجيني - رؤية إسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) .
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص الموضوع المذكور أعلاه، والاطلاع على قرارات وتوصيات الندوة الطبية الفقهية الحادية عشرة، التي عقدت بين مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في الإسكندرية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في الفترة من ٢٣ - ٢٥ جمادى الآخرة ١٤١٩هـ (١٣ - ١٥ أكتوبر ١٩٩٨م) بدولة الكويت.
رأى المجمع تأجيل النظر في الموضوع لمزيد من البحث والدراسة.
стр. 18631
(٢)
ندوة الخبراء حول
دور المرأة في تنمية المجتمع المسلم
العرض والمناقشة
الرئيس:
لدينا الآن ما يتعلق بالمرأة في المجتمع المسلم.
الشيخ علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
السيد الرئيس هذا الموضوع قدم من قبل المؤتمر الثاني والعشرين، من قبل وزراء الخارجية للمجمع الفقهي، للنظر فيه، والآن عُقد المؤتمر الثالث والعشرون والرابع والعشرون، والخامس والعشرون، والآن عقد مؤتمر القمة في طهران، والكل كانوا يطلبون منا أن نبدي رأينا، ولكن حسنًا فعل المجمع الفقهي الإسلامي حين تريث في الأمر، واحتاط له، لأنه يركز على مسألة مهمة جدًا، ولذلك فأنا شخصيًّا أؤيد هذا التريث، الذي قام به المجمع الفقهي في هذا الأمر، لجنة الفتوى في الدورة العاشرة وفي هذه الدورة درست هذه القرارات الثلاثة التي أصدرتها ندوة طهران حول المرأة ودورها في تنمية المجتمع الإسلامي:
قرار توصي به الدول الإسلامية للتنسيق فيما بينها في المحافل الدولية وصورة عن حقوق المرأة ومسؤولياتها كما يراها العالم الإسلامي. الذي أمامكم بعد التعديل هو ما وصلت إليه لجنة الفتوى، أعتقد أن التوضيحات الماضية التي طرحت في الندوة تغنيني عن كثير من الشرح، ولكن الذي أود أن أقوله: إنني شخصيًّا ملزم بالذهاب إلى المطار، لأن طائرتي سوف تقلع من المطار الساعة الثانية أنا وإخواني من الوفد الإيراني، وآسف لأنني لا أستطيع المشاركة في مناقشة مطولة حول هذا الموضوع، ولا أدري والوقت كما ترون ماذا نفعل؟ الأمر إليكم وإلى السادة الكرام.
стр. 18632
الرئيس: في الواقع يا مشايخ تعلمون أن هذا الموضوع اجتمعت له لجنة الفتوى مشكورة في جدة في العام الماضي، وغيروا فيه وبدلوا، وعملوا جهدًا مشكورًا، ثم إنه أُجِّل إلى هذه الدورة، واجتمعت لجنة رباعية أو خماسية في هذه الأيام، وكذلك حصلت تعديلات في عديد من العبارات، وحذف بعض العبارات وإضافات أخرى، وهذه كما تعلمون وثائق لها صداها الدولي في المحافل الدولية، وفي المجامع، وفي الجهات الأخرى، وتمشي على ضوئها الدول، واتصل بي عدد كبير من الأعضاء منهم الشيخ تقي العثماني كتب لي خطابًا يطلب التريث في هذا الموضوع، وفي الحقيقة بالتشاور قد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة مختصرة تنعقد في الشهور القريبة القادمة إن شاء الله تعالىمن الشيخ علي التسخيري والشيخ تقي العثماني، وإذا رغبتم أن أكون معهم بشرط أن يأتي كل واحد وعنده من دراسة وملاحظة هذا المشروع، ثم يعرض إن شاء الله، لعلها تكون نهائية في الدورة القادمة.
تدخل من الشيخ مختار:
كل ما عُرض يعاد إذا كانت ثمة نية للرفض فلنرفضه البات أم كأن قضية المرأة لا تولد إلا بعد هذه السنوات، كل ما جاء المخاض، ما سمعنا بقرار وصل إلى هذه الدرجة، قد تكون هناك مواقف خاصة، لكل إنسان أن يقف ما يشاء، ولكن على الإخوان أن ينظروا في الموضوع ويقرأ عليهم الآن وأن يبحثوا بعد ذلك يتخذ الإرجاء. أما الإرجاء قبل أن يبدؤوا بالقراءة، فهذا غير معقول أصلاً.
الرئيس: الشيخ مختار أنتم تعلمون أن وثيقة حقوق الإنسان استمرت جلستها مدة أطول ولا ضرها شيء والحمد لله، فقد خرجت بصفة مُرضية، وأُقرت وأخذت طريقها للتطبيق، ونسأل الله تعالى أن يكتب الثواب للجميع، ويسدد الخطا، فهل ترون أن هذا الاقتراح مناسب أو تستمر، وبهذا تُرفع الجلسة وصلى الله على سيدنا ونبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.
تدخل مختار: من فضلك السيد الرئيس نقطة نظام ما سمعت شيئًا، وما هكذا تعطى الأمور، القضايا الهامة، إلا أن يقول لا يقول لا بالواضح لا يوجد شخص أجبر على هذا أو على هذا.
الرئيس: على كلٍّ التصويت إما بالإجماع أو بالأكثرية، والأكثرية حصلت يا شيخ.
стр. 18633
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرار رقم: ٩٧ (٩/١١)
بشأن
ندوة الخبراء حول دور المرأة في تنمية المجتمع الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨م) .
بعد التداول في الموضوع وأخذ الرأي فيه.
قرر المجمع: تأجيل النظر فيه لمزيد من الدراسة وشكل لهذا الغرض لجنة من فضيلة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع، وفضيلة الشيخ علي التسخيري، وفضيلة الشيخ تقي عثماني؛ على أن يرفع تقريرها للعرض على الدورة القادمة للمجمع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18634
الجلسة الختامية
والبيان الختامي
كلمة معالي وزير العدل والشؤون الإسلامية
بدولة البحرين
الشيخ عبد الله آل خليفة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ١ - ٣] .
نحمده أن جعل الإنسان حاملاً للأمانة فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وهادينا محمد بن عبد الله الصادق الوعد، الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛
أصحاب السماحة والفضيلة؛
إخواني ولا أقول ضيوف، لأنكم بين أهليكم في البحرين فحياكم الله.
الإخوة الحضور؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد شرُفَت دولة البحرين باستضافة أعمال الدورة الحادية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي على أرضها الطيبة، أرض الإسلام والسلام.
стр. 18635
إننا وقد أزفت أعمال هذا اللقاء المبارك بالختام لتملؤنا السعادة ونحن نستعرض ما دار فيه من نقاش وحوار، وما قُدم فيه من آراء هي بدون أدنى شك إسهام متميز وفريد للعمل الإسلامي الجاد الذي يتعرض له من أهم أركان هذا الدين الخالد. هذه الإسهامات التي انعكست بكل وضوح على عملكم وعرض الفكر الذي انطلقتم منه وعِظَم الفائدة التي ستجنى من ورائه. كما أكدت عِظَم الدور الكبير الذي يقوم به مجمعكم الموقر ضمن المنظومة المباركة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي يتواصل عطاؤها كل يوم في خدمة العمل الإسلامي العظيم.
أصحاب الفضيلة؛
إن أعظم العلوم العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل هو أجل العلوم قدرًا وأعلاها شأنًا؛ إذ هو العلم الذي يُعرف به ما شرعه الله لعباده وأمرهم باتباعه وذلك توقيرًا منه جل شأنه للعالم بدلالة الآيات البينات وعمل الرسول المصطفى ﷺ وقوله وتقريره.
ومن هنا فإن التفقه في الدين من أعظم ما يتقرب به العبد إلى خالقه. ويؤيد هذا المعنى الدعوة المباركة التي خص بها الرسول ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ بقوله: ((اللهمَّ فقهه في الدين وعلمه التأويل)) .
ومن فضل الله على أمة محمد ﷺ أن وفق كثيرًا من علماء الأمة العاملين ومجتهديها المجدين إلى حمل لواء هذا العلم، فأصلوا قواعده، وفصلوا مسائله، وتصدوا لإبلاغ الأحكام ما جد من الحاجيات والواقعات في الأزمان المتعاقبة والأماكن المختلفة، وحرصوا كل الحرص على أن تكون مؤلفاتهم مشاعل تضيء طريق السائلين، ومنارات هداية لمن يكونون في الخير راغبين وطالبين.
стр. 18636
أصحاب السماحة والفضيلة؛
الإخوة الكرام؛
لقد حرصتم أشد الحرص على أن تكون مواضيع بحوثكم المطروحة للمناقشة على جدول أعمال هذه الدورة خالية من النقائص رغبة منكم في أن يخضع عملكم في الدنيا من الله بالقبول، ولقد كان اجتماعكم هذا أصدق تعبير عن وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها، وكذلك حاجتها الماسة إلى مثل هذه التجمعات المباركة لتقوية وتثبيت هذه الأسس.
أصحاب الفضيلة؛
الإخوة الحضور؛
لقد أصبحت الأمة الإسلامية تنظر إليكم بعين الأمل والدعاء، متطلعة إلى ما تمخضت عنه هذه الدورة من قرارات وتوصيات تلبي طموحها وتحقق رجاءها في علمائها وفقهائها ومفكريها الأجلاء، فهي أحوج ما تكون إلى جهدكم الخيّر، فموضوعات أبحاثكم باتت متنوعة وهامة مثَّلَت وحدة الفكر والغاية والكلمة. وكذلك جمع الصف وهو جُلّ ما تصبوا إليه أمتنا الإسلامية في هذا الوقت الذي نرى فيه الأمة مستهدفة في هويتها ودينها ووحدتها الإسلامية.
وإنني، ومن هذا المنطلق، أهيب أعضاء المجمع الموقر وبكافة العلماء والفقهاء والدعاة والمفكرين ألا يدخروا وسعًا في سبيل العمل على تحقيق هذه الأهداف الخيرة والإنسانية العامة للمجمع. وأوجه بأن دولة البحرين حكومة وشعبًا تؤيد وتناصر وتؤازر دومًا ودعمًا إلى كل ما فيه رفعة الإسلام وعزة المسلمين، والخير للناس أجمعين. فليكن ما خرجتم به من قرارات وتوصيات في هذه الدورة بمثابة الدعوة للعمل متضامنين في هذا السبيل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .
إن البحرين أميرًا وحكومة وشعبًا يدعوكم في ختام عملكم الميمون بكل الحب والإعزاز والتقدير والشكر الذي استقبلوكم به راجين أن نكون قد قدمنا بإسهامنا المتواضع شيئًا يساعد على أداء المهمة العظمى التي تتصدون لها، وسائلين لكم الله - جل وعلا - التوفيق والسداد فيما نذرتم أنفسكم له، ومؤكدين على الدور المؤثر والفاعل الذي يمكن أن تقوموا به في جمع الكلمة ووحدة الصف ونبذ الخلاف وجمع المسلمين على كلمة سواء وفقكم الله.
وختامًا أتقدم بالشكر الجزيل إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى على تفضله وتكرمه برعاية هذه الجورة، وإن صاحب السمو - حفظه الله - قد أمرني أن أعلن أنه أمر بتمويل مشروع إحياء التراث لمؤلفات ابن القيم - رحمه الله تعالى - ضمن نشاطات المجمع.
كما أشكر الحكومة الرشيدة برئاسة صاحب السمو رئيس مجلس الوزراء الموقر، وصاحب السمو ولي العهد الأمين، على دعمهم ومؤازرتهم لإنجاح هذه الدورة.
والشكر كل الشكر لكم يا أصحاب الفضيلة على ما تفضلتم به في خدمة العلم. وكذلك الشكر لجميع من شارك وساهم معنا في إنجاح هذا التجمع الإسلامي الكبير داعين المولى جلت قدرته أن يجعل عملنا جميعًا خالصًا لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18637
كلمة معالي رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمد الله تعالى ونشكره ونثني عليه الخير كله على ما أولانا ووفقنا وهدانا إلى إتمام أعمال الدورة الحادية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي أنتجت ثمانية قرارات إيجابية، قرار عن الوحدة الإسلامية، وقرارات لتحذير الأمة الإسلامية من العلمانية والحداثة وتبصيرها فيما يحاك حولها. وقرارات أخرى اقتصادية وطبية. وقد أُجِّل من هذه القرارات قراران، وأرى أن في تأجيلهما الإيجابية الكاملة للتحري والدقة في إصدار الحكم، وهذا من النصح للمسلمين ومن النصح لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم.
والمجمع في هذه الدورة - بحمد الله تعالى - جرى على ما عُهد به من الاعتدال والوسطية في قراراته وتوصياته، فلله الحمد والمنة، ونسأله دوام التوفيق، وأن يغفر لنا ولكم الزلل والخطأ.
- صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة،
وزير العدل والشؤون الإسلامية بدولة البحرين،
- صاحب المعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي،
الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة،
- أيها العلماء الأجلاء،
- أيها الجمع الكريم؛
اجتمع في هذه الدورة المباركة على أرض البحرين فضائل ومحاسن لابد من إبراز شيء منها.
أولاً: تكرم صاحب السمو أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة نصر الله به الحق وأيده، آمين؛ استضافة هذه الدورة.
стр. 18638
ثانيًا: الترتيب الدقيق والتنسيق الموفق لتمشي هذه الدورة وتؤدي أعمالها على خطوات ثابتة، وتؤدي أعمالها على وجه وافٍ، وذلك من رجال حكومة هذه البلاد المباركة وأخص بالذكر وزارة العدل والشؤون الإسلامية ممثلة في صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، وزير العدل والشؤون الإسلامية، فإنه حفظه الله ورعاه تابع هذا المجمع من قدوم أول وفدٍ إلى هذه البلاد المباركة، يأتي لحضور جلسات هذا المجمع وفي جميع جلساته وأيامه، وفي جميع مناسباته، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء وأوفاه.
وكان من توفيق الله لنا أن اللجنة التحضيرية التي قامت بالأعمال الدقيقة المشكورة برئاسة صاحب السعادة الشيخ عبد الرحمن آل خليفة، وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية، وفقه الله لكل عمل صالح مبرور.
كما أخص بالشكر والتقدير سعادة وكيل الوزارة المساعد الشيخ خليفة آل خليفة، جزاه الله خيرًا، ووفقنا وإياه جميعًا لصالح الأعمال.
ومن الفضائل والتوثيقات التي حصلت في هذه الدورة اجتماع الرأي وتوحد الكلمة في القرارات، فإنه - ولله الحمد - لم يحصل قرار واحد فيه خلاف.
стр. 18639
وإنني نيابة عن نفسي وعن زملائي رجال هذا المجمع وأمانته نُقدِّم خالص شكرنا وتقديرنا لصاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين - أجزل الله له الأجر والثواب ورده سالمًا معافى - على هذه الاستضافة الكريمة، ولا غرابة فهو الحاكم العربي المسلم العريق في المجد:
وهل يَنْبتُ الْخَطِيَ إلاَّ وشِيجُه
وهل تُغْرَسُ إلاَّ في مَنابتها النَّخْل
ولا نملك إلا الدعاء له بأن يوفقه الله ويسدد خطاه وأن ينصر به الحق وأن يعيده سالمًا معافى إلى بلده، وأن يبسط علينا وعلى هذه البلاد نعمة الأمن والأمان والاستقرار والخير والمعافاة في أمر الدين والدنيا.
كما نبدي شكرنا وتقديرنا لصاحب السمو رئيس الوزراء، وصاحب السمو ولي العهد لدولة البحرين، جزاهم الله عنا أحسن الجزاء وأوفاه.
ونبدي خالص الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذا المجمع من الإعلاميين والموظفين في حكومة هذه البلاد، وندعو لنا ولهم بالتوفيق والتسديد والمعافاة.
أيها الجمع الكريم؛ جزى الله رجال هذا المجمع أعضاءه وخبراءه وباحثيه على تكلفهم بالحضور ومعاناة الجلسات والمناقشة والمداولة وتحمل هذه المسؤولية، فلهم منا الدعاء الخالص بالتوفيق والتسديد.
كما نبدي شكرنا وتقديرنا لصاحب المعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، وحاشيته من المديرين وسائر الموظفين، على جهده المتميز في الإعداد المسبق على مدى عام لهذه الدورة والتي مشت أمورها - ولله الحمد - بدقة وانتظام، فجزاه الله أحسن الجزاء وأوفاه.
هذا وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا وأن يختم بالصالحات أعمالنا.
وإنني في ختام هذه الكلمة بالأصالة والنيابة عن جميع رجال هذا المجمع، بل وعن كل مسلم حفظًا للعلم وأهله وللخير وأهله نرفع خالص الشكر والتقدير والدعاء لصاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة على هذه المكرمة الأميرية الموفقة بالمشاركة في طبع مجموعة من التراث الذي هو من ضمن نشاطات مجمع الفقه الإسلامي المتمثلة في مؤلفات الإمام ابن قيم الجوزية، والتي تبلغ أربعة وثلاثين كتابًا قد تصل إلى نحو ستين مجلدًا، فجزاه الله خيرًا، وتقبَّلَ الله مِنَّا ومنه، والله يحفظنا وإيَّاكم بالإسلام ويثبتنا عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18640
العدد الثاني عشر
стр. 18641
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
معالي الدكتور عبد الواحد بلقزيز
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين.
يسعدني أن أنتهز هذه الفرصة الطيبة التي منحها لي فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، وذلك بتفضله بالطلب مني تقديم هذا العدد من المجلة التي تعكس نشاطات هذا المجمع الموقر الذي لعب خلال هذه الحقب الأخيرة دوراً أساسياً في تعريف حضارة الإسلام وتوضيح مبادئ شريعته، وإيجاد الآليات المعتمدة لإصدار فتاواه الشرعية، فكانت الدراسات والأبحاث التي قام بها علماؤه الأجلاء ولجانه المتخصصة والتي تهم مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمسلمين، موضوع المناقشات والمداولات بين أعضاء هذا المجلس خلال الدورات التي يعقدها المجمع الفقهي في كل سنة للبت فيها وإصدار الفتاوى والأحكام الشرعية بشأنها.
كما امتازت هذه الدراسات والأبحاث بجدتها وبمستواها العالي، حيث جمعت بين المعرفة الدقيقة بأصول الفقه ومقاصد الشريعة السامية والإطلاع- إلى جانب ذلك- على الحضارة المعاصرة والمعارف الجديدة التي أتت بها في مختلف الميادين والتحولات الجذرية التي أحدثتها في المجتمعات البشرية، فكانت نتيجة ذلك ظهور قضايا جديدة في المجتمعات الإسلامية لم يعهدها الإنسان المسلم من قبل في العصور الإسلامية الماضية، مما فرض على مجمع الفقه الإسلامي متابعتها ودراستها لإصدار فتاوى شرعية بشأنها تمشياً مع ضرورات العصر واستجابة لرغبة المسلمين في معايشة زمانهم بإيجاد الحلول المناسبة شرعاً للمشاكل التي تطرحها ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقاً لمبادئ دينهم الحنيف وقيم حضارتهم الرفيعة.
ويمكن الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى القضايا التي عالجها مجمع الفقه الإسلامي ووجد لها حلولاً بعد أن طرحت إشكالات متعددة على المسلم المعاصر مثل ربا قروض البنوك، والبيع المؤجل، واستثمار الأوقاف، والتضخم، وتغيير قيمة العملة، وعقود التصدير والمناقصات، وزرع الأعضاء، وبطاقات الائتمان غير المغطاة إلى آخر ما هنالك من القضايا المستجدة التي أفرزتها تعقيدات الحضارة المعاصرة، وطرحت عدداً من الشبهات الفقهية أمام المسلمين مما فرض على مجمع الفقه وعلمائه وباحثيه دراستها وإيجاد الفتاوى الشرعية المناسبة لها.
ومن هنا يدرك القارئ ضخامة المهمة التي اضطلع بها مجمع الفقه الإسلامي في حياة المسلمين والمسؤولية المعنوية التي تحملها تمكيناً للمجتمعات الإسلامية من العيش عيشة عصرية تأخذ بأسباب العلم والعصرنة والحداثة، مع الحفاظ على عقيدتهم وهويتهم، وذلك بفضل جهود علماء المجمع وفقهائه الأجلاء، وبفضل اجتهاداتهم حتى أعطوا للشريعة والفقه الإسلامي صفة الديمومة والصيرورة، يساير تطورات الحياة ومتطلبات العصر، فأثبتوا مرة أخرى مقولة أئمتنا: " إن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان".
الدكتور عبد الواحد بلقزيز
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
стр. 18642
كلمة
مجمع الفقه الإسلامي
الدورة الثانية عشرة / الرياض
من ٢٥جمادي الآخرة إلى غرة رجب ١٤٢١هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على عظيم آلائه، والشكر له على جسيم نعمائه، والصلاة والسلام على السراج المنير، الهادي البشير، نبينا وحبيبنا وقرة أعيينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
ها هي الرعاية السامية الكريمة المتتالية المتجددة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز- حفظه الله- تتجدد وتتعهد هذا المجمع، حرصاً منه- أعزه الله- على رعايته ودعمه للمجمع بكافة ضروب الدعم المادي والمعنوي، مجلياً ومؤكداً على عهده ووعده للعلم وأهله وللمجمع وأعضائه بالعناية والرعاية، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
فمع إطلالة اليوم الخامس والعشرين من جمادى الآخرة عام ١٤٢١هـ وفي مهد البطولات والمآثر حضنت عروس الجزيرة وعاصمة الثقافة العربية الرياض اسماً ومعنىً هذه الدورة الثانية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي، لترفع لواء العلم وتنشر الثقافة الأصلية وتجلي المآثر والمفاخر.
ومما أطاب اللقاء وعطرة قيام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز- حفظه الله- نيابة عن خادم الحرمين الشريفين- أيده الله- بافتتاح الدورة وتشريفه الحفل الافتتاحي، وإلقائه الكلمة الغالية الفياضة بالعناية والمحبة للعلم وأهله.
كما نود إبلاغ شكرنا وتقديرنا لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وإلى أعضاده ومساعديه وكل العاملين في الوزارة لما بذلوه من جهود لتحقيق النتائج الطيبة لهذه الدورة.
وإن هذه الدورة المتميزة بمشاركة ثلة من علماء الأمة وخبرائها، من فقهاء واقتصاديين وأطباء وباحثين، إضافة إلى أعضاء المجمع المنتدبين، قد استمرت جلساتها بين صباحية ومسائية على مدى ستة أيام، وقدمت فيها مجموعة من الأبحاث القيمة، بلغ عددها (٣٨) بحثاً، وكانت الموضوعات الأحد عشر المخصصة للبحث والدراسة فيها:
١- عقود التوريد والمناقصات.
٢- بطاقات الائتمان غير المغطاة.
٣- الشرط الجزائي.
٤- الإيجار المنتهي بالتمليك وصكوك التأجير.
٥- استثمار موارد الأوقاف (الأحباس) .
٦- الإثبات بالقرائن أو الأمارات.
٧- حقوق الأطفال والمسنين.
٨- دور المرأة المسلمة في تنمية المجتمع.
٩- توصيات ندوة التضخم وتغير قيمة العملة.
١٠- ترجمة القرآن الكريم.
١١- إنشاء هيئة إسلامية للقرآن الكريم.
стр. 18643
كما تم النظر في توصيات الندوة التي عقدها المجمع بالتعاون مع هيئات أخرى.
وقد اتخذ مجلس المجمع بصدد كل موضوع من هذه المواضيع قراره الشرعي ما خلا موضوعين أرجأ البتّ فيهما لدورات قادمة بإذن الله.
وحري بنا أن نذكر في مقدمتنا لهذه المجلدات الأربع الممثلة للعدد الثاني عشر من (مجلة مجمع الفقه الإسلامي) بأن هذه القرارات المتخذة إنما هي تلاقح للمذاهب الفقهية الإسلامية، وتمازج للآراء والعقول والأفكار والمفاهيم، واستناد إلى الدليل الشرعي الصادر من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، مع مراعاة جلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبار مقاصد الشريعة الغراء.
والله نسأل أن يجعل في هذا العدد النفع الخاص والعام، وأن يكتب له البركة والقبول، وأن يمدنا بالتوفيق والتسديد والإخلاص في جميع أمورنا، إنه سميع قريب مجيب، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
رئيس مجلس المجمع
الدكتور بكر عبد الله أبو زيد
الأمين العام للمجمع
الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
стр. 18644
كلمة
خادم الحرمين الشريفين
الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود
ألقاها نيابة عن صاحب السمو الملكي
الأمير سلمان بن عبد العزيز
أمير منطقة الرياض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سماحة المفتي العام للملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء.
أصحاب الفضيلة العلماء والمعالي الوزراء
معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي
أيها الحفل الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أشارككم افتتاح اجتماعات الدورة الثانية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التي تنظمها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد تعاوناً مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي، بمناسبة اختيار الرياض عاصمة الثقافة العربية لهذا العام ٢٠٠٠ ميلادية.
أيها الإخوة الحضور:
إن تبوء الرياض مكانة مرموقة في الثقافة العربية والإسلامية والدولية إنما هو ناتج عن اهتماما أهلها بالثقافة ونشر العلم بجميع أشكاله وفروعه، ذلك أن الثقافة التي نعتز ونفتخر بها ونسعى لنشرها، وهي ثقافة معينها كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ .
ومدادها إخلاص العبادة لله وحفظ الأمن والمحافظة على حرية الإنسان وكفالتها.
ثقافة تقوم على قول الحق جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
ثقافة تنأى بالإنسان عن النفاق والرياء وتدعو إلى حسن الخلق والبعد عن مواطن الردى أسوة بنبينا محمد ﷺ .
أجل إن ثقافتنا ثقافة التوحيد والبناء وضع أسسها وحدد أطرها ومعالمها وشيد مؤسساتها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ وأسكنه فسيح جناته منذ وضع اللبنة الأولى لبناء هذا الكيان على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى اكتمل البناء وبدأت مسيرة الوطن الواحد قبل مائة عام.
أيها العلماء الأفاضل إن المسؤولية والأمانة التي تحملتموها مسؤولية جسيمة – وأنتم أهل لها- نسأل الله أن يعينكم على حملها وأدائها على الوجه الذي يرضي الله .
كما أسأله سبحانه أن يوفقكم وأن يعينكم ويسدد آراءكم؛ لتسهموا في جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، وتبيين أحكام الله لتكون عبادة الناس وطاعتهم له على بصيرة وهدى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18645
كلمة
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف
والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالإنابة
معالي الدكتور علي بن إبراهيم النملة
وزير العمل والشؤون الاجتماعية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء، الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء.
أصحاب الفضيلة العلماء، أصحاب المعالي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أما بعد: فيطيب لي أن أرحب بكم ترحيباً مفعماً بمشاعر الامتنان والتقدير نيابة عن أخي معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الذي أنابني في هذه المهمة المباركة، لانشغاله بوجهٍ من وجوه الدعوة إلى الخير والهدى في موقع آخر من أرض الله الواسعة. ويسرني أن أنقل تحياته وتقديره لكم جميعاً، وتمنياته لهذه الدورة الثانية عشرة المباركة التي تعقد في مدينة الرياض بالتوفيق والسداد واعتذاره في الوقت نفسه عن عدم تمكنه من أن يكون بيننا في هذا الجمع المبارك، وكأن لسان حاله يقول لكم ولمن تصله هذه الكلمات إنه في خضم الاحتفاء بالرياض عاصمة للثقافة، فإنه يأتي في قمة الثقافة، ثقافة الإسلام التي تتكئ على العلم الشرعي والفقه بأمور الدين.
إن في علوم الشرع الإجابة الشافية لكل ما يهم الإنسان على هذه الأرض، وهذا ما تجتمعون عليه أصحاب الفضيلة لتتداولوا في أمور الدين ومستجدات الحياة لتصلوا إلى رؤية واضحة تطمئن لها النفوس ويقبلها المجتمع المسلم الذي يتطلع إلى هذه الرؤية، بحيث تطوع القضايا للمفهوم الشرعي، ولا يطوع المفهوم الشرعي للقضايا المستجدة في ظل من الوسطية التي تتسم بها هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وإنني في هذا المقام المبارك أتوجه بالشرك لله تعالى على أن هيأ هذا اللقاء الموفق – بإذنه تعالى – ثم إني أشكر قيادة هذا البلد الطيب، التي تسعى إلى ما فيه رفعة الإسلام والمسلمين بمتابعة مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ابن عبد العزيز منيباً عنه أخاه صاحب السمو الملكي الأمير سليمان بن عبد العزيز، ليلقي الكلمة التي قيلت على مسامعكم. ثم ولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران والمفتش العام. كما أشرك بالنيابة عن هذا الجمع المبارك صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بصفته نائباً لخادم الحرمين الشريفين، وبصفته أميراً لهذه المدينة الطيبة، على استضافة الرياض عاصمة الثقافة لهذه الدورة الموفقة بإذن الله.
أعانكم الله جميعاً ووفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين، وسدد خطاكم، وأرانا وإياكم الحق حقاً ورزقنا اتباعه، وأرانا وإياكم الباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على الهادي البشير محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18646
كلمة
رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي
معالي الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ولي الخلق والأمر والتدبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله رحمة من الله وسراج منير. اللهم صل وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد،
فأجدني اليوم مضطراً إلى كلمات معدودات في خطبة جمعية لا مجمعية، لا على جادة الخطباء التي يحركون بها أعواد المنابر في صناعة الكلام وصياغة الكلم، ولكن على جادتهم في المعاني والإعداد للغايات التي يؤمونها والأهداف التي يقصدونها، يجمعهما أمران: نشر شريعة رب العالمين، والدفاع عن هذا الدين، حتى تعيش أمة محمد ﷺ في حياة آمنة مطمئنة يتوفر لها الأمن بجميع أنواعه: الأمن العقدي فلا إلحاد، والأمن الأخلاقي فلا إباحية، والأمن السياسي فلا فوضى ولا اضطراب، ومنه قول حسان – ﵁:
وما الدين إلا أن تقام شرائع
وتؤمن سبل بيننا وهضاب
وكيف لا يكون ذلك مني وأنا أنطلق من كلامي هذا من سدة مجمع جامع لعد من علماء الأقطار الإسلامية الذين تقاطروا إلى هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية، أثابهم الله. يتصدر الحضور جمع مبارك من علماء المملكة العربية السعودية من رجال الفُتيا والقضاء والتعليم ومرافق الدولة الأخرى، وكيف لا يكون ذلك:
أنا على أرض بلاد نيطت بها تمائمي
وأول أرضٍ مس جلدي ترابها
إنها أرض المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين دار الكتاب والسنة، قلعة الإسلام وقبة المسلمين، التي لا يكون فيها دينان إلا ديناً واحداً وهو دين الإسلام، ولا يكون فيها قبلتان إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام. وكيف لا يكون ذلك والمجمع يعقد دورته الثانية عشرة في ضيافة ملك العرب وأهل الإسلام خادم الحرمين الشريفين سليل بيت المجد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود نصر الله به الحق وأهله، آمين. مفتتحاً –حفظه الله- هذا المؤتمر نيابة عنه صاحب السمو الملكي الأمير الموفق المسدد سلمان بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة الرياض، أيد الله به الحق وأهله، آمين.
صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض سلمان بن عبد العزيز آل سعود.
سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء.
صاحب المعالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالإنابة.
صاحب المعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي.
والآن آن لي أن أقول:
يعيش الناس في ضجيج النظام العالمي الجديد وفي خطى متسارعة إلى العولمة والشوملة، وقد ألقيت السمع وهو شهيد، والبصر وإن كان غير حديد، على مراكز المعلومات والبحث في داخل المملكة وخارجها وتلقيت ما شاء الله من ركائب أهل العلم. هل لهاتين المظلتين والكهفين المظلمين من نظام له مواده ولوائحه؟ لم أُحس لذلك ذكراً ولم أسمع له ركزاً. الأمر أعظم من ذلك وفوق ذلك، فهما كهفان مظلمان تديرهما المؤتمرات الحاقدة على الإسلام والمسلمين، وهي في جملتها في أنواع ثلاثة:
المؤتمرات التي تعقد لوحدة الأديان والتقريب بينها، ومعاذ الله أن يجتمع الحق والباطل، ورحمة الله على إمام أهل السنة الجماعة في زمانه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، أنه في عام ١٣٢٦هـ لما أقيم مجمع الإخاء الديني بين الموسوية والعيسوية والمحمدية في بعض البلدان العربية أتى إليه مندوب من هذا المجمع في حدود خمسين بعد الثلاثمائة والألف لتمثيل المملكة في ذلك، فقال رحمة الله تعالى عليه: إذا آمنتم بمحمد وشريعته فنحن إخوة، وإلا فلكم دينكم ولي دين.
стр. 18647
أما المؤتمر الثاني فهو مؤتمر المرأة والإسكان. فإذا كان مؤتمر وحدة الأديان يدعو إلى الإلحاد، فإن مؤتمر المرأة والإسكان يدعو إلى الإباحة. ولله در هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فقد أصدرت بيانًا مهمًّا نُشر عبر وسائل الإعلام في اجتناب هذا المؤتمر وعدم الانضمام إليه.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
أما المؤتمر الثالث: التعليم المنتسب تحت شعار: (نحن عالم واحد في التعليم واحد في دين واحد) .
صاحب السمو الملكي،
أيها العلماء الأجلاء:
من رد أعجاز الكلم إلى صدورها فإن هذا المجمع المبارك أصدر نحو مائة قرار، وهي تشتغل على هذين الهدفين العظيمين: نشر شريعة رب العالمين، والدفاع عن هذا الدين. وكان من قراراته الدفاعية ما صدر بحق البهائية والقاديانية وبحق العلمانية والحداثة، وأنهما مذهبان إلحاديان يأباهما الله ورسوله والمؤمنون.
فلا بد من صوت جهير وقرار مكين يصدر للعالم الإسلامي لا من هذا المجمع فحسب، بل من جميع الهيئات العلمية تبين الخطط المهينة التي يقصد بها الإسلام، ويقصد بها المسلمون في هذه المؤتمرات وفي أمثالها نصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وما ذلك بكثير على علماء المسلمين الذين عرفوا الكتاب والسنة وفقهوا فقه الكتاب والسنة ويبلغون عن الله وعن الرسول رسالته.
هذا؛ وإنني أبدي بالأصالة عن نفسي ونيابة عن أمانة المجمع وإخواني رجال المجمع من أعضائه وخبرائه وباحثيه الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين على هذه المكرمة التي تفضل بها وهي تمثل الدورة السابعة للمجمع التي تعقد في المملكة العربية السعودية، وليس هذا بغريب على حكومة إسلامية تحتضن القضايا الإسلامية وتنادي بها ويخفق ولاتها في الآفاق لنصرتها، فجزاهم الله عنا وعن المسلمين أحسن الجزاء وأوفاه.
كما أشكر صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض الأمير الموفق المسدد سلمان بن عبد العزيز –حفظه الله– على كلمته الضافية وتجشمه الحضور رغم مشاغله العظيمة، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء وأوفاه.
وأبدي شكري لأمانة المجمع التي ما فتئت تعمل على القيام بأعمال هذا المجمع وسيرها في خطى مسددة.
والله تعالى يحفظنا وإياكم بالإسلام ويثبتنا جميعًا عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18648
كلمة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي
معالي الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجاً، قيماً. ظاهره أنيق، وباطنه عميق، حارت العقول الناصعة في رصفه، وكلت الألسن البارعة عن وصفه. فهو الواقي بإفهامه إياك إليك، العالم بغيوبه وأسراره عليك.
وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه. دعا الله به عباده إلى الهداية، وصرف بسنته الشريفة أتباعه المؤمنين عن الغواية. فهو بما أمر ونهى، ووجه ودعا، وعلم وهدى، السبيل الواضح، والنجم اللائح، والقائد الناصح، والعلم المنصوب، والأمم المقصود، والغاية في البيان، والنهاية في البرهان، والفزع عند الخصام، والقدوة لجميع الأنام. جزاه الله الكريم خير ما جازى به نبياً عن أمته، وأعلى في عليين درجته، ورزقنا الاعتصام بكتابه وبسنة نبيه، وحشرنا تحت لوائه يوم لقائه.
حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز.
أمير منطقة الرياض، زاده الله رفعة وكمالاً وسنىً وسناءً.
حضرة صاحب السماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن آل الشيخ،
المفتي العام للمملكة العربية السعودية.
حضرة صاحب المعالي الدكتور علي بن إبراهيم النملة،
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالإنابة.
حضرة صاحب المعالي الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد،
رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
أصحاب السماحة والفضيلة، أصحاب المعالي والسعادة،
السادة الأعضاء والخبراء والشيوخ العلماء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
يُسعدني في مطلع هذه الكلمة، في هذه الليلة المباركة الغراء، التي يتجدد فيها الاعتزاز باليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، أن أرفع على كاهل الإجلال والتقدير أكمل آيات الشكر والامتنان للمقام السامي خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية، على ما طوق به أعناقنا من فضل، ودعم جهودنا به من توجيه نعتد به، نطق به خطابه المنهجي الشريف الذي ألقاه في المؤتمر التأسيسي للمجمع في شعبان ١٤٠٣هـ/ يوليو ١٩٨٣م بمكة المكرمة.
ولا يفوتني أن أنوه بصنويه الكريمين الجليلين: حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي عهده الأمين، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وأخيه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وبحضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض. بارك الله لهم وبارك جهودهم التي يسيرون بها في عزم وحزم، مع قائد المسيرة من أجل دعم صروح هذه الدولة، والعناية بالإسلام، والرعاية الشاملة للمسلمين، والاهتمام البالغ بالحركات الدينية والعلمية والمؤسسات العربية والإسلامية خدمة لأمتهم ولملتهم.
تتابعوا كأنابيب القنا، ولهم
مفاخر ومزايا تعجز العربا
ويشرفني هنا في هذا المقام أن أنوه بما تحقق من تعاون صادق بين وزارة الأوقاف بالرياض وبين مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة. فكم عقدنا من لقاء، وشهدنا من جلسات، وأعددنا إمكانات لنجاح هذه الدورة. ولقد وجدنا من صاحب المعالي الدكتور الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، ومن ديوانه وأعضاده كل ما نحن في حاجة إليه من ترتيب وتنظيم لا نقدر على الوفاء بشكره، جزاه الله وجزاهم عنا كل خير، وأمدهم بالحسنى، وبما يؤملون عند ربهم من أجر وثواب في هذه الدنيا وفي الآخرة.
стр. 18649
حضرة صاحب السمو الملكي، حضرات السادة الأكارم،
من رحاب قصر الحكم بخضراء حجر، فيما بين البطحاء ووادي حنيفة، أين تقوم مدينة الرياض العزيزة الشامخة، قاعدة اليمامة، وعاصمة المملكة العربية السعودية جئنا محيين عروس الجزيرة عاصمة الثقافة العربية، التي ما ذكرت إلا ذكر معها صادق الوعد وحافظ العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز. فهو الرجل الذي عرف كل شيء عن الرياض، عرف تاريخها فأقام بها علاقة مشهودة بين أصالة الماضي وروعة الحاضر. إنا لسعداء اليوم بإشرافكم، حضرة صاحب السمو الملكي، على دورتنا الثانية عشرة، وقيامكن نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، أعزه الله، بإلقاء كلمته الحكمية والتوجيهية الخالدة بيننا.
هذا وإن مجمعكم بعد انبعاث معلمة القواعد إثر تعثر غير متوقع، وانطلاق الموسوعة الفقهية الاقتصادية من جديد، ليعالج في هذه الدورة المتميزة، إن شاء الله، عدداً من القضايا، من مستجدة وغيرها، مما عُرض من قبل. وهكذا نعود إلى قضية تغير قيمة العملة بعد أن أذن مجلسكم الموقر بعقد ندوة لها. وقد استجاب مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين إلى رغبتنا مشكوراً، فعقد المجمع بالتعاون معه ندوة حول التضخم، تجسمت موضوعاتها في ثلاث حلقات بأماكن مختلفة: بجدة، وبكوالالمبور، وبالمنامة. وبعد درس المُشكل من طرف الفقهاء الشرعيين وفقهاء الاقتصاد الإسلامي، وإحاطة الدارسين من الجانبين بكل أطراف القضية صدرت عن الندوة المذكورة توصيات بشأن الموضوع المطروح، هي التي نود عرضها عليكم لاتخاذ القرار المناسب بشأنها. وإن بجانب ذلك قضايا فقهية هامة، وأخرى تمس الإجراءات الشرعية نتولى النظر في نتائج ندوات اجتماعية وعلمية تخصصية ونحوها، يتضمنها جدول أعمال هذه الدورة الموزع على حضراتكم والموجود بين أيديكم.
стр. 18650
ونحن، بفضل الله، ثم بفضل جهودكم وثباتكم، ماضون في تجلية الشريعة وبيان أحكامها بما يصدر عن المجمع من قرارات فقهية وتوصيات، في كل دورة وندوة. وكما كان أسلافنا الميامين يواجهون المستجدات في عصورهم بالوقوف أمام التحديات المختلفة، معتمدين المصادر الأساسية للفقه وبعض الأصول التابعة لها، أو الملحقة بها، راجعين إلى القواعد العامة الفقهية والمقاصد الشرعية، وإلى فن الأصول الذي نجد فيه تحدي المنهج لاستنباط الأحكام الشرعية، على النحو الذي التزم به عامة الفقهاء من بعد رسول الله ﷺ حتى اليوم، وتحقق به لأمتنا الكشف عن هذه الثروة العظيمة الفقهية القانونية. والله أحمد أن استجاب هذا التراث الخالد إلى حاجات الناس في كل أوضاعهم وجميع تصرفاتهم، سواء أكان ما سعوا إلى ضبطه حكماً شرعياً أم فتوى.
ولقد اعتمدوا في ذلك أساساً النصوص الشرعية واستنبطوا منها الأحكام، وحملوا الواقعات على الإباحة مع تفاوت بينها، وأعطوا المصالح حظاً من الاعتبار جعلهم حريصين على مراعاتها والسير على مقتضى ما صح منها. وإلى هذا المنهج يشير شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية ﵀ إلى أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما (١) .
وقد فصل هذا الرأي أكمل تفصيل وأبدعه العز بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام) ، وتبع هذين؛ الإمامان الجليلان الشاطبي في موافقاته، وابن عاشور في مقاصده.
واعتقادي أن مواجهة التحدي في عصرنا الحاضر الذي بلغ التطور فيه حد انقلاب الأوضاع، والثورة عليها جميعاً، وكان به ظهور النوازل والواقعات مما لا تعرف له سابقة في الفقه الإسلامي، يقتضي وجود الفقيه المؤهل لخوض مواجهة التحدي. ولا يكون ذلك إلا بفقه مشكلات العصر، والعلم بمصادر التشريع، واستخدام مناهج الاستنباط، واعتماد مقاصد الشريعة، والمعرفة الواسعة بمقالات الأئمة المجتهدين يُستأنس بها، وتكون للمجتهد معواناً على بلوغ الحق، مع التوجه العام الذي ينبغي أن يراعيه الفقيه في فتواه واجتهاده من مخاطبة العقل والفطرة، وإيثار اليسر على العسر، ولا أحسب حضارتكم إلا خلاصة الصفوة الممثلة لهذا الاتجاه، الناطقة به، والداعية له، القادرة على الترجيح بين آراء المجتهدين والحرص على اختيار أكملها وأهمها وأجداها وأنفعها.
زادنا الله وزادكم من فضله، ووفقنا وسدد خطانا وجعلنا وجعلكم ممن عناه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18651
كلمة
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض.
أصحاب الفضيلة العلماء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في بداية حديثي هذا أشكر الله قبل كل شيء على هذا الاجتماع المبارك، ثم أشكر لقيادة هذا البلد ما أولته وتوليه من عناية تامة لقضايا الأمة الإسلامية عموماً، وما أولته من عناية للأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي وعقد هذه الدورات المتتابعة وهذه الدورة الثانية عشرة لمؤتمر الفقه الإسلامي، إن هذه العناية تمثلت فيما تبذله الدولة حيال هذا المؤتمر ليسير حثيثاً حتى يبلغ غايته بتوفيق من الله.
وإن حضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز في هذه الليلة المباركة لدليل على ما توليه الدولة وفقها الله من عناية بهذا، لا مجرد تكريم لهؤلاء، ولكنها دلالة على حرصها على الدعوة إلى الله، وحل مشاكل الأمة، والقيام بذلك مضى على ذلك سلفهم، ونرجو الله أن يجعل خلفهم على هذا المنوال الكريم بفضله وكرمه.
أيها الإخوة الكرام؛
إن الله – جل وعلا- أكمل شريعة الإسلام فجعلها شريعة كاملة شاملة محتوية على كل خير يعود على الأمة في دينها ودنياها، تحل مشاكل الحياة على اختلافها أفراداً وجماعة في منهج كامل لا يلحقه نقص ولا خلل، بعث الله به محمداً ﷺ وأمره بتبليغ هذا الدين ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أنزل الله عليه في آخر حياته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . فالحلال ما أحل والحرام ما حرم والدين ما شرع صلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين.
стр. 18652
أيها العلماء الكرام، أيها العلماء الأفاضل؛
إن العلم شرف لأهله وسبب لرفعتهم وعزتهم، يقول الله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وهم أهل خشية الله ومخافته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، ((العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)) ، وعلماء الأمة ورثة الأنبياء، علماء أمة محمد ﷺ قاموا في هذه الأمة مقام الأنبياء في الأمم قبلهم ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨] ، والله ذو الفضل العظيم.
إن اجتماع العلماء والتقاءهم لهو خير عظيم يتدارسون مشاكل الأمة ويحاولون حلها بما يتفق مع شريعة الإسلام التي جاءت بكل خير ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
أيها العلماء الأفاضل؛
إن نبينا ﷺ يقول: ((مثل ما بعثني الله به من النور والهدى كمثل غيث أصاب أرضاً منها أجادب، أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذاك مثل ما بعثني الله به من الهدى، فذاك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما جئت به، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي بعثت به)) .
стр. 18653
أيها العلماء الكرام؛
بمرور الزمان والعصور تجد قضايا، وتحدث أمور تحتاج من أهل العلم لدراستها على وفق هذه الشريعة التي لا يعجزها حل أي مشكلة ولا يحول بينها وبين أي مشكلة أن تحلها. إذن فاجتماع علماء الإسلام لحل هذه المشاكل، دراستها وتحقيقها ثم تنزيلها على قضايا ((من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين)) ولما دعا لعبد الله بن عباس قال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) ، ولاشك أن الفقهاء متفاوتون ما بين مقل ومستكثر وذلك قسمة رب العالمين وهو أحكم الحاكمين.
فيا علماء الأمة إن اجتماعكم خير، وإن دراستكم لما يعرض عليكم والخروج بحلول مناسبة للأمة لتثبتوا للعالم أجمع أن دين الله هو دينه منذ بعث الله به محمدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، دين جاء بما يسعد الأمة في حياتها وآخرتها.
وختاماً أيها الإخوة الوصية بتقوى الله الإخلاص لله في القول والعمل، إن العلم رحم بين أهله، وإن التقاء العلماء وتفاهمهم وإجماعهم له الأثر، بتوفيق الله في نصرة هذا الدين، وهذه بلاد التوحيد بلاد الحرمين التي من الله عليها بهذه النعم العظيمة من الله عليها بهذا الدين ومن الله عليها بهذا الأمن والاستقرار وبتلك القيادة الحكيمة التي جعل الله على يديها خيراً كثيراً فهي حريصة على الأمة الإسلامية من خلال مراكز الدعوة من خلال الجمعيات العظيمة والمساعدات للعالم الإسلامي، فهي ولله الحمد ساعية في كل هذا من خلال قيادتها الموفقة التي نرجو الله أن يؤيدها بنصره، ويحفظها بحفظه، ويكلأها ويعيذها من كل شر، ويحفظها من كل سوء، ويوفق قيادتها لكل خير، ويهديهم سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 18654
استثمار موارد الأوقاف
(الأحباس)
إعداد
أ. د. خليفة بابكر الحسن
رئيس قسم الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فهذا بحث عن: استثمار موارد الأوقاف (الأحباس) أعددته للدورة الثانية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي، وقد جعلت بحثي في:
تمهيد عن تعريف الوقف ولزومه وأقسامه ومشروعيته وتاريخه وآثاره.
مبحث أول عن العلاقة بين الوقف والاستثمار.
مبحث ثان عن: طرق استثمار الوقف في الفقه الإسلامي.
مبحث ثالث: عن حكم استخدام النظم المعاصرة في إدارة الوقف واستثماره.
أسأل الله التوفيق والسداد فيما أنا بصدده، كما أسأله أن يجعل جهدي في بحثي هذا في حسناتي يوم الدين ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] .
стр. 18655
تمهيد
في تعريف الوقف
ولزومه، ومشروعيته، وأقسامه، وتاريخه وآثاره
ينطلق الإسلام صوب أحكامه وتشريعاته من عقيدته التي تنهض على التوحيد إيماناً بالله الواحد الأحد، وبالرسل والأنبياء، وبالبعث والثواب والعقاب، والقدر خيره وشره، وهي في مجملها عقيدة سهلة ومباشرة وبعيدة عن التعقيد والتشاكس: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، كما ينطلق من الخلق الفاضل الذي تقوم ركائزه على الفضيلة، والخير، والحب، والتسامح والرحمة، والمروءة، والمؤاساة، والعدالة، والمساواة، والإنصاف، والوفاء ... وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي كانت –منذ أن شرعت – مرعية وغير قابلة للنسخ حتى في عصر الوحي نفسه.
ومن مقتضيات الإيمان بالله الرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، والإقبال على طاعته، والاهتمام بدور عبادته، ومن مقتضيات مكارم الأخلاق البر بالأرامل، واليتامى، والمساكين، والعجزة، وكبار السن وسواهم من ذوي الظروف الخاصة الذين قعدت بهم ظروفهم تلك – طبيعة كانت أو طارئة – عن الكسب وتحقيق مستوى الكفاية في المعيشة لأنفسهم بجهدهم وحده.
من هذه المعاني انبثق (الوقف) في الإسلام كما انبثقت غيره من وجوه البر والإنفاق، والصدقات.
والوقف في اللغة العربية – وهي الأصل الذي استمد منه المصطلح – مصدر وقف بمعنى حبس ومنع، تقول: وقف الدابة والسيارة بمعنى حبستها ومنعتها من السير، وتقول: وقفت عن السير بمعنى منعت نفسي عنه، وتستعمل مجازاً بمعنى الإطلاع أو الإحاطة، تقول: وقفت على معنى كذا بمعنى اطلعت عليه، ووقفته على ذنبه بمعنى أطلعته عليه، وكما تستخدم في الحسيات تستخدم في المعنويات، تقول: وقف جهوده على فعل الخير بمعنى حصرها فيه وهكذا.
стр. 18656
والفعل يستعمل في العربية لازماً ومتعدياً، أما أوقف فاستعمال غير فصيح (١) ، وقد جاء استعمال المادة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] ، كما اشتهر استعمال المصدر (الوقف) في اسم المفعول، تقول: هذا وقف –أي موقوف- مثلما أطلق الرأي وهو مصدر على المرئي وهو اسم مفعول، تقول: هذا رأي فلان بمعنى ما يراه.
أما في الاصطلاح فقد اختلف الفقهاء في تعريف الوقف (٢) ، اختلافاً بيناً تبعاً لاختلاف نظرتهم وتكييفهم له من جهة اللزوم وعدمه.
فالإمام أبو حنيفة –الذي يرى أن الوقف غير لازم - يعرفه بأنه: حبس العين عن ملك الواقف والتبرع بمنفعتها بمنزلة الإعارة (٣) .
ومقتضى تعريفه هذا أن الوقف هو التبرع بالمنفعة فقط، أما العين فمحبوسة على ملك الواقف وغير خارجة عنه، وهذا الوضع يتيح له التصرف فيها بأي تصرف ناقل للملكية، فله بيعها وهبتها والوصية بها، كما أنه إذا مات تكون جزءاً من تركته كسائر أملاكه إلا في صور ثلاث نص الإمام أبو حنيفة على منع الواقف من الرجوع فيها لاعتبارات خاصة بها (٤) .
وتنزيل الوقف منزلة الإعارة عند الإمام أبي حنيفة لا من كل الوجوه وإنما من حيث أن كلاً منهما غير لازم، وأنه تبرع بالمنفعة لأن طبيعة العارية تختلف عن طبيعة الوقف.
أما الصاحبان – أبو يوسف ومحمد اللذان يريان أن الوقف لازم- فيعرفانه بأنه: (حبس العين على حكم الله والتصدق بمنفعتها في الحال أو في المال) (٥) .
стр. 18657
ومقتضى تعريف الصاحبين هذا لزوم الوقف وعدم جواز الرجوع فيه للواقف، وعدم جواز التصرف فيه بأي تصرف ناقل للملكية، وعدم أيلولته ميراثاً لورثته إذا مات، لأن الوقف قد خرج عن ملكه وغدا على حكم ملك الله تعالى، ولهذا لا يتأتى له التصرف فيه أو الرجوع عنه، أما المنفعة فهي محل التصدق سواء كان التصدق بها في الحال لجهة من جهات البر الدائمة كالفقراء مثلاً، أو في المال بأن يتصدق بها ابتداءً على ذريته ومن بعدها على جهة البر الدائمة (١) .
ويوافق الصاحبين في هذا التعريف-من حيث لزوم الوقف وكونه على حكم ملك الله تعالى- الإمامان الشافعي وأحمد في أحد قولين لهما وهو الأصح (٢) حيث يعرفه صاحب (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج) بأنه: (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود) (٣) .
ويؤكد ذلك في موضع آخر فيقول: (الأظهر أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى) (٤) كما يعرفه صاحب (الإقناع) في فقه الإمام أحمد بن حنبل بأنه: (تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته يصرف ريعه إلى جهة بر تقرباً إلى الله تعالى) (٥) .
يقول ابن قدامة في (المغنى) : (إن الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه في الصحيح من المذهب) (٦) ، والقول الثاني للإمامين الشافعي وأحمد أن العين تدخل في ملك الموقوف عليهم إلا أن هذا الملك لا يبيح لهم التصرف فيها بأي تصرف ناقل للملكية، كما أنها لا تورث عنهم إذا ماتوا، فملكهم لها ملك غير تام أو ملك صوري (٧) ، وفي هذا يقول صاحب المغني: (وينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليهم في ظاهر المذهب) (٨) .
أما المالكية فيعرفون الوقف بأنه: (جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو غلته لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبس) (٩) .
ومن تعريفهم هذا يتضح أن الوقف عندهم لازم كما أنه يكون في العقار الذي له غلة، وفي المنافع كالأجرة، وأنه يمكن أن يكون مؤقتاً، وأن ملكية العين تكون للواقف ولكنه يمنع من التصرف فيها بأي تصرف ناقل للملكية، ولا يجوز الرجوع في وقفه؛ لأنه ملزم بالتصدق بالمنفعة كل مدة الوقف مؤبدة أو مؤقتة (١٠) .
стр. 18658
وللشافعية والحنابلة قول يوافق المالكية في أن الموقوف يكون على ملك الواقف، قال ابن قدامة في المغني: (عن أحمد: لا يزول ملكه، وهو قول مالك، وحكي قولاً للشافعي ﵁ لقول النبي ﷺ : ((حبس الأصل وسبل الثمرة)) (١) .
محصلة ما سبق أن الاتجاهات في شأن الوقف أربعة:
اتجاه الإمام أبي حنيفة الذي يرى أن الوقف غير لازم.
اتجاه الصاحبين وهو المفتى به في المذهب الحنفي، والإمام الشافعي وأحمد في الأصح أن الوقف لازم، وأن ملكيته تكون على حكم الله تعالى.
جـ- اتجاه المالكية أن الوقف لازم لكنه يكون في ملك الواقف مع تقييد حريته في التصرف فيه وعدم إرثه إذا مات، وقد حكي اتجاههم هذا عن الإمام الشافعي والإمام أحمد.
د- اتجاه الإمام الشافعي والإمام أحمد في ظاهر مذهبه أن العين الموقوفة تدخل في ملك الموقوف عليهم.
ولكل أصحاب اتجاه أدلتهم التي استدلوا بها على مذهبهم (٢) .
، والراجح: القول بلزوم الوقف وهو اتجاه الصاحبين المفتي به في المذهب الحنفي، وهو أيضاً اتجاه المذاهب الثلاثة، كما أن الراجح –فيما أراه- في ملكية العين الموقوفة أنها تكون على حكم ملك الله تعالى وهو رأي الصاحبين، والإمام الشافعي وأحمد في القول الأصح، لأن بقاءها على ملك الواقف، وهو رأي المالكية والمحكي أيضاً عن الإمامين الشافعي وأحمد، يحوج إلى قيد، وهو عدم جواز التصرف للمالك في العين، ومثله القول بأنها تكون على ملك الموقوف عليهم؛ لأنه هو الآخر يحوج إلى قيد وهو عدم جواز التصرف للمالكين في ملكهم، أما الاتجاه الأول فعلى الأصل، فلا يحوج إلى قيد، ولاشك أن ما لا يحتاج إلى قيد أولى مما يحتاج إليه والله أعلم (٣)
стр. 18659
مشروعية الوقف:
الوقف مشروع بالقرآن والسنة وإجماع الصحابة، أما مشروعيته بالقرآن فتأتي من جهة دخوله في عموم الصدقات والتبرعات التي ندب إليها القرآن وحث عليها في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] ، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، يروى أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا عن أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله، قال رسول الله ﷺ : ((اجعلها في قرابتك؛ حسان بن ثابت وأبي بن كعب)) (١) .
ومثله فعل زيد بن حارثة فجاء إلى رسول الله ﷺ بفرس كانت أحب أمواله إليه، فقال: هذا في سبيل الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه لأسامة: ((اقبضه)) . فكأنه وجد من ذلك في نفسه، فقال رسول الله: ((إن الله قد قبلها منك)) (٢) .
وفي هذا يقول القرطبي وهو يتناول تفسير هذه الآية: "ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، فإن الصحابة –رضوان الله عليهم أجمعين- لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك، ألا ترى أن أبا طلحة حين سمع الآية لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك" (٣) .
стр. 18660
وأما دليل الوقف من السنة فأحاديث صحاح كثيرة منها ما رواه عبد الله بن عمر، قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ فقال: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث)) ، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقاً بالمعروف غير متأثل فيه أو غير متمول فيه (١) ، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٢) .
ومن السنة الفعلية وقف الرسول ﷺ لأراضي (مخيريق) الذي كان يهودياً ثم أسلم، وقاتل مع الرسول ﷺ في غزوة أحد، وقال لقومه عند خروجه للغزوة (إن أصبت مالاً فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء) . ثم خرج فقاتل حتى قتل، فقال فيه رسول الله ﷺ : ((مخيريق خير يهود)) وجعل أملاكه وقفاً، وهي عبارة عن سبعة بساتين بالمدينة (٣) .
يأتي –بعد ذلك- إجماع الصحابة على العمل بالوقف حيث وقف سيدنا أبو بكر رباعاً له بمكة، ووقف عمر أرضه بخيبر التي سلفت الإشارة إليها، ووقف عثمان أموالاً له بخيبر، وعلي أراضيه (بينبع) التي بلغ ناتجها في ذلك الزمن ألف وسق، كما وقف الزبير بن العوام ومعاذ بن جبل، وبعض زوجات الرسول ﷺ ، وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن الزبير، وهكذا تتابع الصحابة في الوقف حتى قال جابر: (لم أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى أبداً ولا توهب ولا تورث) (٤) .