الإجارة مع شراء تدريجي للعين المؤجرة:
قد يتفق البنك في الاتفاق المبدئي (الوعد، أو المواعدة) على أن العميل يشتري مباشرة من البنك (الممول المؤجر) ٥٠ % من الشيء المستأجر، أو أية نسبة منه بمبلغ نقدي أو مؤجل عن طريق المرابحة، ثم يؤجر البنك ما يملكه للمستأجر على أن ينتهي بالتمليك حسب الصور التي ذكرناها.
وقد يتم التوافق على أن يكون تمليك النصف، مثلاً بعد سنة، ثم بعد سنتين يتم تمليك نصف الباقي (أي ربع الكل) ، ثم في السنة الثالثة تمليك الكل، ويبقى البنك مالكاً مؤجراً لحصته، وكلما قلت نسبته من العين المؤجرة قلت أجرته لحصته، وتوزع حسب النسب منها.
كل هذه الصور لا مانع منها شرعاً إذا توافرت الشروط المطلوبة من أهمها:
١-أن تتم عملية التمليك الجزئي بعقد مستقل في وقته ولا يتضمن عقد الإيجار نفسه ذلك، ولكن لا مانع أن يصاغ ذلك عن طريق الوعد، أو المواعدة، منفصلاً عن عقد الإجارة.
٢-إبرام عقد جديد مع المستأجر السابق عند شراء المستأجر نسبة من الشيء المستأجر تحدد فيه الأجرة الجديدة على ضوء تغير نسبة الملكية.
والبنوك الإسلامية تلاحظ في الإجارة المنتهية بالتمليك نوعية السلع من حيث إنها هل هي من السلع التي تتحسن قيمتها بل تزداد مع مرور الزمن كما في العقارات، أو السلع التي تقل قيمتها مع مرور الزمن كما في السيارات والطائرات ونحوها؟ ففي النوع الأخير تحتاط لعدم استرجاعها إليها أكثر من النوع الأول الذي حتى لو استرجع لا تتضرر بل قد تربح.
المبادئ الأساسية للإيجار المنتهي بالتمليك:
وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي في دورته الثالثة بخصوص ما يجري في البنك الإسلامي للتنمية وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه،
стр. 18972
قرار رقم (١)
بشأن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨-١٣ صفر ١٤٠٧هـ/١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦.
-بعد دراسة مستفيضة ومناقشات واسعة لجميع الاستفسارات التي تقدم بها البنك إلى المجمع، انتهى إلى ما يلي:
ب-بخصوص عمليات الإيجار:
قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية فيها:
-المبدأ الأول: أن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعاً.
-المبدأ الثاني: أن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعاً، والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.
-المبدأ الثالث: أن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات وأن يبرم بعقد منفصل عن عقد الوكالة والوعد.
-المبدأ الرابع: أن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل.
-المبدأ الخامس: أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكاً للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعية عندئذٍ عليه.
-المبدأ السادس: أن نفقات التأمين لدى الشركات الإسلامية كلما أمكن ذلك، يتحملها البنك.
جـ-بخصوص عمليات البيع بالأجل مع تقسيط الثمن:
قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية فيها:
المبدأ الأول: أن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية ببيع المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعاً.
المبدأ الثاني: أن توكيل البنك أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك، بغية أن يبيعه البنك تلك الأشياء بعد وصلها وحصولها في يد الوكيل، وهو توكيل مقبول شرعاً. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.
المبدأ الثالث: أن عقد البيع يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات والقبض لها، وأن يبرم بعقد منفصل.
стр. 18973
فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، ص٦٤٠:
السؤال: يقوم بيت التمويل الكويتي بشراء أصول مثل السيارات والطائرات والسفن، وعند تملكها يؤجرها لشركات محلية ودولية، مقابل أجرة شهرية أو ربع سنوية، وفي هذه الحالة هناك أسلوبان متبعان في تحديد أسلوب التسجيل المحاسبي، الأول التأجير التشغيلي، والثاني التأجير التمويلي، فيرجى إفادتنا عن الجانب الشرعي لهذا الموضوع؟
نص المذكرة المقدمة لهيئة التفوى:
السيد أمين سر هيئة الفتوى والرقابة الشرعية المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
برجاء عرضه على الهيئة الشرعية.
مقدمة: تعتبر المحاسبة شرحاً رقمياً لأعمال المؤسسات، بحيث تظهر رأسمال الشركة وأصولها وخصومها وإيرادها ومصروفها وصافي الناتج من أعمالها.
ويحرص محاسبو الشركات والمدققون الخارجيون على أن تكون حسابات الشركة تشرح بصورة واقعية أعمال الشركة، حيث إن هذه الحسابات (الميزانية السنوية) تعتبر من أهم وسائل معرفة ملاك الشركة (المساهمين) والمشاركين (أصحاب الودائع الاستثمارية) والدائنين لحقيقة أوضاع الشركة من حيث المتانة الاقتصادية ونوعية الاستثمارات ودرجة المخاطر التي تتعرض لها هذه الشركة.
وتوجد معايير محاسبية لإظهار العمليات الاستثمارية بصورة تبين واقعها والتي يجب الالتزام بها ما أمكن ذلك، بما لا يخالف الشريعة بالنسبة للمؤسسات الإسلامية.
يقوم بيت التمويل الكويتي بشراء أصول مثل السيارات والطائرات والسفن وبعد تملكها يؤجرها على شركات محلية ودولية مقابل أجرة شهرية أو ربع سنوية، وفي هذه الحالة هناك أسلوبان متبعان في تحديد أسلوب التسجيل المحاسبي.
الأسلوب الأول: (التأجير التشغيلي) :
في هذه الحالة يكون المؤجر متحملاً لمخاطر الملكية، ومسؤولاً عن الأصل، والتسجيل المحاسبي في هذه الحالة يكون بقيد الاستثمار كأصل ثابت، مثل (سيارات –سفن) ويقوم بتسجيل الإيجار كإيجار محصل (عائد إيجار) كما يحتاط لتناقص قيمة الأصل بمرور السنين بتكوين مخصص استهلاك.
إن هذا الأسلوب ممكن من الناحية الشرعية والعملية، إلا أنه لا يمكن اتباعه في جميع أنواع عقود الإجارة، حيث إنه لا يطبق في عقود الإجارة التي تتضمن اتفاقاً بنقل ملكية الأصل في نهاية فترة العقد، أو تحمل المستأجر لكل المخاطر المترتبة على استخدام الأصل، سواء كانت بسبب المستأجر أو كوارث عامة.
стр. 18974
الأسلوب الثاني: (التأجير التمويلي) :
في حالة تحمل المستأجر لجميع المخاطر والمنافع الناتجة من ملكية الموجود، سواء انتقلت الملكية فعلاً في نهاية المدة أم لا، فإن الأصل المؤجر لا يظهر في دفاتر المالك (المؤجر) وإنما يسجل مديونية على المستأجر، وتشمل هذه المديونية تكلفة الأصل والعوائد.
وعند تسلم الإيجار الشهري، يتم تخفيض قيمة الدين بالجزء المسلم، بينما يظهر الأصل المستأجر في دفاتر المستأجر، وهذا الأسلوب في التسجيل يجب اتباعه إذا كان هنالك ترتيب بنقل الملكية في نهاية عقد الإيجار وذلك وفقاً لمعايير المحاسبة الدولية.
إن اتباع هذه الطريقة في التسجيل ينتج عنه معالجة عملية التأجير بأسلوب مشابه إلى حد كبير لعقود البيع، حيث يختفي الأصل من الدفاتر وتنشأ مديونية على المستأجر، وقد رأينا أن نعرض هذا الموضوع على هيئة الرقابة الشرعية الموقرة، لإفادتنا عن الجانب الشرعي حيث إن هذا الأسلوب قد لا يتفق وطبيعة أو حقيقة العقد كعقد إجارة، كما أن مدقق الحسابات الخارجي يلزمنا باتباع هذا الأسلوب ما لم يكن هنالك فتوى شرعية بعدم استخدام هذه الطريقة في التسجيل.
جزاكم الله خيراً. والله ولي التوفيق.
الجواب: بعد أن اطلعت الهيئة على المذكرة المقدمة من الإدارة المعنية توضح بها الطريقتين (التأجير التشغيلي والتأجير التمويلي) ترى الهيئة أن الطريقتين كلتيهما صحيحتان، وتعتبران عقد إجارة، ولهما أحكام الإجارة ولا يجوز العدول عن التسجيل المطابق لواقع العقود، إذ أن الأعيان المؤجرة لم تزل على ملك بيت التمويل الكويتي، والواقع يقتضي أن تسجل أصولها لبيت التمويل الكويتي، أما إذا سجلت للمستأجر (وكالة) فإن بدل الإيجار الذي يتقاضاه المؤجر سيكون فائدة ربوية وأكل لأموال الناس بالباطل.
стр. 18975
التأصيل الفقهي للإجارة المنتهية بالتمليك
القسم الأول: أسئلة وملاحظات وشبهات مع محاولة الإجابة عنها:
يثور حول عقد الإجارة المنتهي بالتمليك من حيث الجملة عدة أسئلة وملاحظات ينبغي الإجابة عنها، وتوضيحها حتى تكون الصورة واضحة من الناحية الفقهية.
ومن هذه الملاحظات ما يأتي:
أولاً: أليس هذا العقد جديداً أم أنه تطوير لعقد الإجارة؟
ثانياً: أليس هذا العقد داخلاً في العناية بالألفاظ والعبارات؟ وبعبارة أخرى: ما علاقته بقاعدة: العبرة في العقود بالقصود والمعاني لا بالألفاظ والمباني؟ وهل الغالب في الفقه الإسلامي العناية بالدلالات وما يفهم من العبارة أو بظاهر الألفاظ؟
ثالثاً: وما حكم الشرع في الجمع بين صفقتين في صفقة واحدة، ألم يرد فيه نهي؟
رابعاً: إن هذا العقد يتضمن الوعد فهل هو ملزم أم لا؟
خامساً: إن هذا العقد في معظم حالاته يتضمن التأمين على الأشياء والمعدات المستأجرة؟
سادساً: إن هذا العقد يتضمن شروطاً قد تفسد العقد منها اشتراط البيع في الأخير بعد انتهاء عقد الإجارة؟ أي اشتراط البيع في الإجارة في بعض صوره.
سابعاً: إن في بعض صوره إجارة قبل التملك وإجارة قبل القبض؟
ثامناً: ما الحكم في أن الثمن الذي يحدد في بعض صوره يكون رمزياً، أو هبة؟
وكل هذه الأسئلة لها علاقة بهذا العقد، فإذا أجيب عنها بأجوبة مقنعة فإن التأصيل الفقهي له يكون ميسوراً.
١-الإجابة عن السؤال الأول:
إن الإيجار المنتهي بالتمليك ليس عقداً جديداً في حقيقته، وإنما هو نوع من التطوير الذي اهتدت إليه المؤسسات المالية للاستفادة منه كوسيلة مربحة وأقل مخاطر لتمويل المشروعات والصناعات والمعدات يستفيد منها المتعاملون معها لشراء تلك المعدات في المستقبل عبر عقد الإجارة – كما سبق.
стр. 18976
ثم إنه حتى لو كان عقداً جديداً فلا مانع منه شرعاً ما دام لا يصطدم مع نص شرعي من الكتاب والسنة والإجماع، وذلك لأن الأصل في العقود والشروط هو الإباحة، وليس هناك مانع شرعي من إحداث أي عقد جديد بشرط واحد وهو أن لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة أو الإجماع (١) .
٢-للإجابة عن السؤال الثاني، نقول: إن المقصود بالقاعدة هو أنه ينظر في العقود إلى المعنى العام المفهوم من الجملة، ولا يقتصر النظر على كلمة واحدة منها، وإلى المقصد العام منها، فلو قال شخص وهبتك هذه الدار بألف دينار مثلاً فهل ينظر إلى لفظ الهبة التي يتناقض معناها مع تقييدها بألف دينار، حيث إن معناها العطاء دون مقابل، وحينئذ يلغى تماماً العقد، أو يلغى القيد فتكون هبة، أو ينظر إلى المعنى المفهوم من الجملة وهو الدفع في مقابل شيء فيكون بيعاً لأن البيع هو مبادلة المال بالمال، وحينئذٍ لا قيمة لمعنى لفظ مجرد، وإنما العبرة بالمعنى العام المفهوم من الجملة بكاملها، وبالقصد العام منها، وهو البيع (٢) .
وأما القصد من الشيء فهو معتبر عند الجميع لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٣) ، وقد انبثقت منه القاعدة المعروفة: "الأمور بمقاصدها" (٤) .
قال ابن القيم: "ومن تدبر مصادر الشرع تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه، ومن قواعد الشرع التي لا يجوز هدمها أو هدرها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، ودلائل هذه تفوق الحصر ... " (٥) .
لكن هذه القاعدة بهذا المعنى لا تنطبق على موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك، إذ إن عقدها لا يذكر فيها ألفاظ البيع، وإنما يذكر منفصلاً ومستقلاً عن العقد الوعد بالبيع، أو حتى العقد كملحق، ولكن الذي تنطبق على الإجارة المنتهية بالتمليك هو مدى رعاية القصود والنيات أم رعاية الألفاظ والعبارات، فهذا العقد وإن كان قد صيغ بصياغة الإيجار وشروطه لكن مقصود العاقدين هو التملك والتمليك، فالمؤجر لا يريد أن يحتفظ بالعين المؤجرة إلا لفترة زمنية محددة يسترجع فيه ثمنها مع الأرباح، والمستأجر لا يريد الإجارة لذاتها وإنما يريد تملكها ولكن بما أنه لا يمتلك السيولة الكافية أو لأي سبب آخر يختار الإجارة المنتهية بالتمليك، وحتى هذه النية ليست مما يمكن الاستدلال عليها بل تدل عليها الظروف المحيطة بالعقد، ونوعية أقساط الإجارة – حيث تكون أكثر من الأجرة العادية – وبيع العين المستأجرة الذي يتم بثمن رمزي في الغالب لا يمثل قيمتها السوقية.
فقد ثار خلاف بين الفقهاء حول تغليب النيات والقصود على الألفاظ والعبارات ودلالاتها على رأيين:
الرأي الأول: هو الاعتناء بالألفاظ والعبارات، ولذلك صححوا – بيع العينة ونحوه، وهذا رأي الشافعية وأبي يوسف من الحنفية، في حين ذهب الجمهور إلى عدم صحة بيع العينة (٦) ، والجميع متفقون على حرمتها إذا أراد عاقدها التحايل على الربا، وإنما الخلاف فيما عدا ذلك وفي الصحة والبطلان.
وقد استدل المجيزون بالكتاب والسنة والآثار والقياس:
أما الكتاب فهو الآيات الواردة بخصوص وجوب الوفاء بالعقود، وهي ليست إلا الإيجاب والقبول مع توافر بقية الأركان والشروط، وليس في هذه الآيات ما يشير إلى وجوب الكشف عن نية العاقد، وغرضه ما دام الظاهر مشروعاً.
وأما السنة فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما بسنديهما أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم)) (٧) ، والحديث واضح في دلالته على أن المعتبر هو القول، أو الفعل، قال الشافعي: إن الله تعالى أمره –أي النبي محمداً ﷺ أن يحكم على الظاهر.. (٨) .
стр. 18977
وأما الآثار فهي مروية عن زيد بن أرقم حيث يرى جواز ذلك (١) .
وأما القياس فهو يقتضي صحة هذا العقد لأنه تتوافر فيه الشروط والأركان، وأيضاً لو فتح باب الباطن لأدى إلى الفوضى والاضطراب.
واستدل المانعون بقول النبي ﷺ : ((إن ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم)) (٢) . كما استدلوا بأحاديث أخرى تدل بوضوح على بطلان بيع العينة ونحوها مما فيه نوع من التحايل، وهي بمجموعها تخصص الآيات والأحاديث التي استدل بها الشافعية ومن معهم، ولذلك فالراجح هو قول الجمهور (٣) في أن القصد معتبر في المعاملات أيضاً ولاسيما إذا ظهر ذلك من خلال القرائن والظروف المحيطة به، وكلام الشافعي –﵀ – محمول على النية الكامنة في النفس التي لا يدل عليها دليل، أما إذا كانت الظروف والقرائن كلها تدل بشكل واضح على أن البائع لم يرد البيع، وإنما جعله وسيطاً للحصول على الزيادة، ووسيلة إلى الربا فهو بلا شك ينبغي القول ببطلانه وحرمته.
لكن علاقة هذه القاعدة بالإجارة المنتهية بالتمليك يمكن أن تكون محل نظر من حيث إن النية في بيع العينة نية سيئة، يراد من خلالها الوصول إلى الربا، أما القصد وراء الإجارة المنتهية بالتمليك فهو البيع وهو مشروع كالإجارة، -إذن- لا يبقى حرج في هذا المجال، وذلك قد يقال إن في ذلك حيلة لأن العلماء قالوا في باب الحيل إنما تكون محرمة إذا كانت وسيلة إلى محرم، أو إلى التخلص عن مقتضيات نص شرعي، أما إذا كانت الغاية مشروعة، والوسيلة مشروعة فإن ذلك جائز وقد ذكر ابن القيم أنواعاً كثيرة من الحيل المشروعة فقال:
"القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق، أو على دفع الظلم بطريقة مباحة لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقاً إلى هذا المقصود الصحيح.. ونذكر لذلك أمثلة منها: إذا استأجر منه داراً مدة سنتين بأجرة معلومة فخاف أن يغدر به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإيجار، أو أنه كان مؤجراً قبل إيجاره.. فالحيلة في التخلص من هذه الحيلة أن يضمنه المستأجر درك العين المؤجرة له، أو لغيره، فإذا استحقت، أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه، أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأنه لاحق في العين، وأن كل دعوى يدعيها بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلاً، ثم يصارفه كل دينار بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها العقد ...
ومنها أنه لا يجوز استئجار الشمع ليشعله لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أواقي معلومة، ثم يؤجرها إياها فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها، قال ابن القيم: "وأحسن هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم، قل المأخوذ منها أو كثر، وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا، وهو الصواب ... ، بل عمل الناس في أكثر بيوعاتهم عليه، ولا يضر كمية المعقود عليه عند البيع، لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدي إلى القمار والغرر، ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد قليلاً أخذ، والبائع راض، وإن أراد كثيراً أخذ والبائع راض، والشريعة لا تحرم مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمح من ذلك وأحكم".
ثم صرح ابن القيم بأنه لا محذور في الجمع بين الإجارة والبيع، فقال: فإن قيل لكن في العقد على هذا الوجه محذوران:
أحدهما: تضمنه للجمع بين البيع والإجارة، والثاني أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه، أو بعضه بالإشعال.
قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده كما لو باعه سلعة وأجره داره شهراً بمائة درهم، وأما ذهاب أجزاء المستأجر بالانتفاع فإنما لم يجز، لأنه لم يتعوض عنه المؤجر، وعقد الإجارة يقتضي رد العين بعد الانتفاع، أما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له وأجره وانتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها، فدعونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرم هذا؟ وأين هو من كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال الصحابة أو القياس الصحيح " (٤) .
стр. 18978
ولكن تبقى علاقتها بهذه القاعدة من حيث إنه إذا اعتمدنا على القصد فيعتبر العقد من حيث القصد والمآل عقد بيع وحينئذٍ تطبق عليه أحكام البيع، كما هو الحال في القانون، وإذا اعتمدنا على الألفاظ فيعتبر العقد عقد إجارة فتطبق عليه أحكام الإجارة، غير أنه مما يجدر التنبيه عليه أن الفقه الإسلامي يشترط بجانب القصد الصيغة الدالة على العقد، فإذا لم توجد فلا يمكن أن يتحقق العقد لعدم توافر أركانه الأساسية، ومن هنا فلا يعتبر ما ذكرناه عقد بيع تطبق عليه أحكامه. هذا والله أعلم.
٣-والجواب عن الإجارة المنتهية بالتمليك تدخل في باب صفقتين في صفقة واحدة وهي منهي عنها حيث ورد في حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صفقتين في صفقة واحدة. (١) .
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا إنما ينطبق في صورة واحدة يذكر في الإجارة المنتهية البيع والإجارة معاً، وفي حين أن معظم صورها لا يذكر في نفس العقد إلا الإجارة فقط.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث مرفوعاً بهذا اللفظ ضعيف (٢) ، وإنما الثابت هو الموقوف على ابن مسعود ﵁، كما ثبت أيضاً حديث ((لا يحل بيع وسلف)) (٣) ، وحديث "النهي عن بيعتين في بيعه" (٤) ، وعلى ضوء ذلك لا يدخل عقد الإجارة في الموضوع لأن النهي عن البيع، والسلف، أو عن البيعتين، فلا يشمل الإجارة والبيع.
стр. 18979
الوجه الثالث: أن التفسير الراجح لهذا الحديث هو ما ذكره راوي الحديث نفسه، وهو ابن مسعود ﵁ حيث ثبت أنه قال: "لا تصلح الصفقتان في الصفقة: أن يقول هو بالنسيئة بكذا وكذا، وبالنقد بكذا وكذا" (١) ، وهذا التفسير أيضاً مروي عن سفيان الثوري، وسماك.
وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي عبيد وابن سيرين، والنسائي، وابن حبان، ومالك، وبعض أهل العلم حسب تعبير الترمذي (٢) .
وقد حققنا في بحث لنا أن المراد بهذه الأحاديث هو ذلك التفسير السابق إضافة إلى النهي عن الجمع بين السلف والبيع في عقد واحد وذلك لأنه يؤدي إلى السريان، وإلى استغلال عقد القرض، أو السلم للوصول إلى زيادة لم تكن تتحقق لولاه، فحرم الإسلام ذلك قطعاً لكل وسيلة تحايل تؤدي إلى المحرمات من ربا وغيره (٣) .
قال ابن القيم: "هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية"، ثم قال: "وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة فقد جعل البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رداً لمثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك ... " (٤) ، ويلحق في الحرمة بما سبق كل عقد من عقود المعاوضات المالية كالإجارة إذا اقترن بالسلف، بأن يجمعهما عقد واحد (٥) .
والخلاصة أن الجمع بين الإجارة والبيع جائز، لا يدخل في هذه الأحاديث الواردة في النهي عن الصفقتين في صفقة واحدة، لما ذكرناه، ومن هنا فلو تضمنهما العقد لما كان عقداً منهياً عنه ولا عقداً فاسداً أو رباً باطلاً، وقد نص جماعة من الفقهاء منهم المالكية على جواز الجمع بين الإجارة والبيع في صفقة واحدة (٦) ، ومنهم الشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) .
٤-الإجابة عن مدى إلزامية الوعد والمواعدة:
فالوعد (أو العدة) هو الإخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل (٩) ، فهو تصرف شرعي قولي يتم بإرادة منفردة.
وأما المواعدة –فهي المشاركة في الوعد من شخصين، وذلك بأن يعلنا عن رغبتهما في إنشاء عقد في المستقبل تعود آثاره عليهما، وقد ذكر الفقهاء المواعدة في عدة أماكن منها المواعدة على بيع النكاح في العدة، والمواعدة في الصرف، والمواعدة على بيع الطعام قبل قبضه، والمواعدة على بيع الإنسان ما ليس عنده وغير ذلك (١٠) .
стр. 18980
والمواعدة تختلف عن العقد الذي هو إنشاء للالتزام في الحال في حين أن المواعدة عبارة عن وعد بين طرفين بإنشاء العقد في المستقبل.
وقد ثار الخلاف بين الفقهاء في إلزامية الوعد على عدة آراء:
١-منها رأي الجمهور القاضي بعدم إلزامية الوعد.
٢-ومنها رأي ابن شبرمة وبعض المالكية الذين يقولون بأن الوعد كله لازم، وهو رأي القاضي سعيد بن أشوع الكوفي الهمذاني، قال البخاري: "وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب "وأن ابن راهويه يقول به (١) .
٣-ومنها القول المشهور والراجح في مذهب مالك الذي عزاه القرافي إلى مالك، وابن القاسم، وسحنون حيث يقولون بأن الوعد ملزم قضاء وديانة إذا كان مرتبطاً بسبب، ودخل الموعود في السبب، قال سحنون: "الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أخلفته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق.."ثم قال القرافي: "بذلك قضى عمر بن عبد العزيز " (٢) .
بل إن هذا الرأي التجأ إليه متأخرو الحنفية على الرغم من أن قدماءهم لا يقولون بذلك فقد جعل متأخروهم عدة مواعيد لازمة، جاء في حاشية ابن عابدين في مطلب الشرط الفاسد: "قلت وفي جامع الفصولين: لو ذكر البيع بلا شرط، ثم ذكر الشرط على وجه العقد جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة فيجعل لازماً لحاجة الناس.."ثم نقل عن الفتاوى الخيرية للرملي أن علماء الحنفية صرحوا بأن العاقدين لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد (٣) . وأيد ذلك العلامة خالد الأتاسي في شرح المجلة وعلل ذلك بحاجة الناس (٤) .
ونحن هنا لا نريد الخوض في تفاصيل ذلك، لكن الذي يظهر لنا رجحانه هو القول بإلزامية الوعد ديانة مطلقاً إلا لعذر مشروع، وبإلزامية الوعد قضاءً أيضاً إذا ارتبط بسبب أو ترتب عليه ضرر
فهذا هو المناسب مع مقاصد الشريعة، وأدلتها الكثيرة في الكتاب والسنة القاضية بوجوب الوفاء بالعهود والوعد والعقود، وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق، ولذلك استشكل الحافظ ابن حجر قول جماعة من الفقهاء حينما قالوا: "يجب الوفاء بالوعد ديانة لا قضاء، وقول بعضهم: إنه يجب الوفاء بالوعد ديانة لا قضاء"، وقول بعضهم: "إنه يجب الوفاء تحقيقاً للصدق وعدم الإخلاف"فقال الحافظ: "وينظر: هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف، ولا يجب الوفاء، أي يأثم الخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك" (٥) أي في القضاء.
وقد صدرت عدة فتاوى جماعية بهذا الصدد: منها فتوى المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي الذي عقد بدبي عام ١٣٩٩هـ مفادها أن وعد عميل المصرف بشراء البضاعة بعد شرائها، ووعد المصرف بإتمام هذا البيع ملزم للطرفين.
ومنها فتوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي عام ١٤٠٣هـ مفادها "وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر، أو المصرف، أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً، وكل مصرف مخير في أخذ ما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.
وأخيراً صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة هذا نصه:
стр. 18981
قرار رقم ٤٠ –٤١ (٢/٥و٣/٥)
بشأن الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأول ١٤٠٩هـ/ ١ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م.
بعد اطّلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوعي (الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء) واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما.
قرر:
أولاً: أن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعاً، هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.
ثانياً: الوعد (وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقاً على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد. ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض على الضرر الواقع فعلاً بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
ثالثاً: المواعدة (وهي التي تصدر من الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز، لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذٍ أن يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده.
٥-الإجابة عن التأمين على الأشياء والمعدات المستأجرة:
لا مانع شرعاً من التأمين على هذه الأشياء المستأجرة إذا كان عن طريق شركات التأمين الإسلامية، وأجاز بعض المعاصرين وبعض هيئات الرقابة الشرعية على التأمين التجاري إذا لم يتمكن من التأمين عن طريق التأمين الإسلامي، وكان هناك حاجة إلى ذلك، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة ذلك، وإنما نناقش هنا هو أن الذي يجري العمل عليه في بعض البنوك أن العميل هو الذي يقوم بالتأمين على العين المؤجرة لصالح البنك حفاظاً على أموال البنك وضماناً لرأس ماله، والذي نراه أن التأمين ليس من أعمال المستأجر بمقتضى عقد الإجارة، ولا يجب عليه، ولذلك ينبغي أن يقوم البنك نفسه به، أو يوكل العميل للقيام به، ثم يخصم المبلغ من الأجرة، ولا مانع هنا من زيادة الأجرة لتغطي ذلك أيضاً، وإذا قام المستأجر بعد العقد بذلك بأمر من البنك أو بموافقته فإنه يرجع عليه بما أنفقه، أما إذا قام بذلك دون إذن أو موافقة، فإنه يعتبر متبرعاً.
стр. 18982
وهنا يثور التساؤل فيما لو اشترطه البنك على العميل؟
فالذي يظهر لنا رجحانه هو جواز ذلك (١) ، لأنه شرط لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة والإجماع، فيعتبر العميل متبرعاً بحمله لتحقيق مصالحه في عقد الإجارة، يقول العلامة ابن القيم: "وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد يدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة فلا يستغنى عنه المكلف، وههنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث به رسوله ﷺ .
إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان.
والثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه –وهو ما يجوز تركه وفعله، بدون الشرط – فهو لازم بالشرط ... " (٢) وسيأتي لذلك مزيد من التفصيل.
ولكن الأفضل والأحرى هو أن يخصم المبلغ من الإجارة أو يضم أساساً إلى الإجارة، ثم يخصم خروجاً من الخلاف، ودرءاً للشبهات، وقد أفتت هيئة الرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي بجواز أن يلزم البنك المستأجر بالتأمين لصالح البنك (المؤجر) وفق النظام التعاوني (٣) .
٦-الإجابة عن وجود شرط البيع في عقد الإجارة تم من خلال ما يأتي:
أ-أنه يمكن فصل الوعد بالبيع عن عقد الإجارة، ويكون وعداً مستقلاً غير مشروط، وهذا أولى وأحوط.
ب-أن اشتراط البيع في الإجارة غير مفسد للعقد عند جماعة من الفقهاء منهم المالكية، قال العلامة الخرشي: "إن الإجارة إذا وقعت مع الجعل في صفقة واحدة، فإنها تكون فاسدة لتنافر الأحكام بينهما، لأن الإجارة لا يجوز فيها الغرر وتلزم بالعقد، ويجوز فيه الأجل ولا يجوز شيء من ذلك في الجعل ... بخلاف اجتماع الإجارة مع البيع في صفقة واحدة فيجوز سواء كانت الإجارة في نفس المبيع، كما لو باع له جلوداً على أن يخرزها البائع للمشتري نعالاً، أو كانت الإجارة في غير المبيع كما لو باع له ثوباً بدراهم معلومة على أن ينسج له ثوباً آخر" (٤) .
стр. 18983
جـ- إن اشتراط الشروط التي لا تخالف نصاً من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ أو الإجماع ليس هناك دليل صريح مقبول يمنع ذلك، فقد فصلنا القول في رسالتنا الدكتوراه ووصلنا إلى أن الأصل في ذلك الإباحة وليس الحظر (١) .
وقد أطال شيخ الإسلام (٢) وتلميذه ابن القيم النفس فيه، نذكر هنا بعض ما قاله العلامة ابن القيم: "وقد شرع الله تعالى لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ –لضباعة بنت الزبير- وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: ((حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك)) (٣) .
فهذا شرط مع الله في العبادة وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التملك وسقوط الهدي.
وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف، وقد صح تعليق النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب، وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن، وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاح على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه بل أتت مقررة له.. ثم بعد أن ذكر أدلة من الكتاب والسنة وأثار الصحابة الكرام –﵃ قال: "والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود ومما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم.
يوضحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله تعالى، والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر.
وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجاً مما يخاف منه، ومما يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وههنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان، والثانية أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه –وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط- فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة، ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع، فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بدله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط، وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق (٤) .
стр. 18984
ولا أعتقد بعد هذا القول الرائع المؤصل أننا نحتاج إلى المزيد، فالمعيار في عدم شرعية الشروط المقترنة بالعقد هو المخالفة لنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأجمل من هذا ما أوجزه الخليفة الفاروق عمر ﵁ حيث قال: " مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت" (١) وقال تلميذه القاضي شريح: "من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه" (٢) .
وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه كتاب الشروط وترجم باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، والأحكام والمبايعة، ثم أورد حديث شروط الصلح في الحديبية وفيها "كان فيما اشترط (سهيل بن عمرو) على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه" فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى (سهيل) ذلك فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، ثم بين البخاري التزامه ﷺ بهذا الشرط التزاماً دقيقاً حيث رد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً (٣) .
ثم ترجم البخاري باب الشروط في البيع، وباب الشروط في المعاملة، وباب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، وباب الشروط في المزارعة، وباب الشروط في الطلاق، وباب الشروط مع الناس بالقول، وباب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط، وباب الشروط في القرض، وباب الشروط في الوقف (٤) .
٧-الإجابة عن الإجارة قبل التملك، أو القبض:
فالموضوع الأول أن يتفق البنك مع عميله على تأجير المعدات قبل شرائها، وهذا شبيه ببيع ما لا يملك المنهي عنه.
وقد أجبنا عن ذلك مع ذكر الحلول المناسبة له فيما سبق.
والموضوع الثاني هو أن يشتري البنك فعلاً المعدات المطلوبة (طائرة، باخرة، عقاراً ... ) ولكن قبل تسلمها وتركيبها يؤجرها للعميل فهذا يحتاج إلى تفصيل:
أ-أن يؤجرها بعد الشراء مباشرة وقبل التسليم والتركيب، وذلك بأن يحسب الأجرة من يوم العقد مباشرة، فهذا لا يجوز، لعدم التسلم والقبض وعدم تمكن المستأجر من الانتفاع، ومن المعلوم أن الإجارة تمليك المنفعة، وهذا لم يتحقق، ومن جانب آخر فهذا يدخل في باب النهي عن ربح ما لم يضمن (٥) .
стр. 18985
وذلك لأن المؤجر (المشتري) لم تدخل المعدات في ضمانه بعد، فكيف يربح بالأجرة التي يحصل عليها، قال أبو الخطاب: "الأجر يملك بالعقد، ويستحق بالتسليم ويستقر بمضي المدة" (١) .
ب-أن يؤجرها على أن يبدأ عقد الإجارة بعد شهر، أو شهرين أو سنة مثلاً يتوقع أن كل الإجراءات تكتمل خلال تلك المدة فهذا جائز عند جمهور الفقهاء ما عدا الشافعية (٢) ، جاء في الذخيرة: "يجوز كراؤها –أي الأرض- قابلاً وفيها زرع الآن لربها ولغيره، وكراء الدار على أن لا يقبضها إلا بعد سنة، ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد.. واشترطه الشافعي حتى يتمكن من التسليم في الحال، ونحن نقول: تكفي القدرة على التسليم في الجملة" (٣) .
جـ-أن يؤجر شيئاً يمكن الاستفادة منه بعد القبض ولا يحتاج إلى التركيب مثل الدار، والسيارة، والطيارة ونحوها، فهذا يكفي فيه بالقبض الحكمي أي التمكن من التسلم ولا يحتاج إلى القبض الحقيقي (٤) ، أما إذا لم يمكن الاستفادة منه إلا بعد التركيب فإن عقد الإجارة إنما يصح إذا كان مراعىً فيه الوقت الذي يحتاج إليه للتركيب، وذلك بأن تحسب الأجرة بعد التركيب، وإن كان العقد صحيحاً قبل ذلك كما ذكرنا في فقرة (ب) .
٨-الإجابة عن الثمن الرمزي، أو الهبة:
من الناحية الفقهية المحضة فإن ذلك جائز لأن الإنسان حر في تصرفاته فيجوز أن يبيع بثمن رمزي، أو يهب ما يشاء ما لم يكن مريضاً مرض الموت حيث تحدد تبرعاته بالثلث (٥) ، غير أن العدالة مطلوبة في العقود وهي تتحقق بالتساوي بين الثمن والمثمن، ولذلك شرع الله تعالى الخيارات في العقد لدفع الغبن، وتحقيق العدل.
стр. 18986
هذا إذا كان المؤجر شخصاً طبيعياً يتصرف في ماله، أما بخصوص إدارة البنوك والشركات (الشخصية المعنوية) فهل لها الحق في التبرع أو الثمن الرمزي؟
للإجابة عن ذلك نقول إن مجلس الإدارة (أو الإدارة) هو يمثل المساهمين ويعبر عن آرائهم فهو وكيل عنهم فيجوز له أن يتصرف أي تصرف مشروع يحقق المصلحة لهم أو لا يضرهم، والتصرفات التي في ظاهرها ضرر كهذا يعرضها على الجمعية العمومية لإقرارها.
هذا إذا كانت المعدات قد اشتريت من أموال المساهمين، أما إذا اشتريت من خلال صناديق خاصة بها ونص نظامها الخاص على ذلك أو حصلت موافقة أصحابها على ذلك فلا مانع شرعاً من ذلك.
هذا وقد أفتت هيئة الرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي بمثل هذا حيث قالت: "وليس لبيت التمويل الكويتي أن يهب من أموال المؤسسين والمستثمرين إلا بإذنهم ولا أن يبيع السيارة بسعر رمزي، ثم يشتريها بيت التمويل بسعر السوق حتى ولو كان ذلك مراعى في ثمنها عند العقد الأول وذلك سياسة دفعاً للشكوك والريبة" (١) .
وأما مقاصد العاقدين في هذه الحالة فهي: أنهما يريدان إظهار الاتفاق في البداية على أنه عقد إيجار، وفي النهاية عقد بيع، حيث يستفيدان من هذا التكييف، فالمؤجر (البائع) يستفيد من خلال الحفاظ على العين، حيث لا تنتقل ملكيتها إلى المستأجر على خلاف ما لو كان عقد بيع، وفي ذلك مصلحة معتبرة له، والمستأجر (المشتري) لا يملك السيولة الكافية للشراء فيستفيد من هذه العملية، غير أنه يثور التساؤل حول تكييف العقد في حالة كون الثمن رمزياً هل يظل إجارة، أم يتحول إلى بيع مقسط؟
فقد قال الفقهاء: إن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، وأنه لو قال: وهبتك هذا بدينار فهو بيع، ولو قال: ملكتك هذه الدار كل شهر بكذا كان إجارة وهكذا، فعلى ضوء ذلك هل يعتبر هذا العقد بيعاً مقسطاً؟
لهذه الاعتبارات جعله القانون بيعاً مقسطاً –كما سبق- أما في الفقه الإسلامي فالذي يحول بينه وبين اعتباره بيعاً هو عدم وجود صيغة دالة على البيع داخل العقد، أو في صلب العقد، وأن العاقدين لم يريدا حقاً البيع ابتداء، وإنما إجارة ابتداء وبيعاً انتهاء.
стр. 18987
ولذلك يظل تكييف هذه الصور التي فيها وعود بالبيع، وأن الثمن رمزي على أساس الإجارة ابتداء والبيع انتهاءً.
٩-إشكال آخر:
قد يثور التساؤل حول الثمن العادل، أو الأجرة العادلة في الإجارة المنتهية بالتمليك، حيث إن الأجرة فيها ليست أجرة المثل، وإنما يلاحظ فيها قيمة العين المستأجرة مع الأرباح الخاصة بالممول أو المؤجر، وهي تختلف باختلاف قصر المدة، أو طولها، في حين أن العدالة مطلوبة وأن الزيادة الخارجة عن العرف عن أجرة المثل تدخل في الغبن المنهي عنه، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنه في هذه الحالة لم يقم المستأجر بشراء العين المؤجرة فإن الظلم الواقع عليه واضح جداً، والضرر الذي وقع عليه بين، فكيف الخروج عن ذلك؟
للإجابة عن ذلك نقول إنه في الحالة الأولى –أي تمام عملية الشراء فيما بعد- لم يعد هناك ظلم، وأن الضرر قد زال، كما أن الأجرة وإن كانت أكثر قد تم الاتفاق عليها بين الطرفين، أو بعبارة أخرى: أن التراضي قد تحقق، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] .
وأما الحالة الثانية –أي عدم إتمام عملية الشراء - فإن العدالة تقتضي أن يرد المؤجر على المستأجر مقدار ما يدفع عنه الضرر الواقع عليه، وذلك لقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) ، بل إنه إذا وجد وعد فإن آثار القول بإلزاميته تكمن في إجبار المخلف وعده إما بإتمام عملية العقد، أو بتحمل الأضرار التي ترتبت على ذلك.
ولكننا نرجح عدم اللجوء إلى هذه الصور، وإنما الاكتفاء بالصور التي يتم فيها التعاقد على أساس الإجارة الحقيقية من حيث الأجرة وبقية شروط الإجارة، ثم إعطاء الحق، أو الخيار للمستأجر بشراء العين المستأجرة بسعر السوق، أو بالسعر المتفق عليه.
стр. 18988
القسم الثاني- التكييف الفقهي:
بعد الرد على تلكم الشبهات، والملاحظات التي أثيرت حول الإجارة المنتهية بالتمليك نستطيع القول بأنها عقد صحيح من حيث المبدأ، ولكن حكمها يختلف حسب صورها، وقد رأينا أنه في القانون الوضعي يختلف تكييفه عن الفقه الإسلامي لا من حيث الصحة، وإنما من حيث تكييفه بأنه عقد بيع نظراً إلى المآل والقصد، إلا في صورة واحدة كما ذكرنا فيما سبق.
وأعتقد إن إجابتنا عن الأسئلة والملاحظات والشبهات الثماني قد ساهمت في إعطاء صورة لهذا النوع من الإيجار، لكن تكييفه الكامل يتحقق من خلال النظر والتحليل لكل صورة بحد ذاتها، ولا يسع المجال لذكرها مفصلة ونكتفي بما ذكرناه عند حديثنا عن صور الإجارة المنتهية بالتمليك، ولكن نعلق على:
فالصورة الأولى: تعتبر عقد إجارة صحيحاً، لما أنه لم يذكر في صلب العقد شيء يخص البيع، وكون الوعد ملزماً أم لا؟ سبق ذكره في جواب السؤال الرابع، وهكذا الحكم في الصورة الثانية.
والصورة الثالثة: يتضمن صلب العقد فيها البيع في النهاية فكأن العاقدين أرادا الإجارة ابتداء، والبيع انتهاء لتحقيق مصالحهما المعتبرة التي ذكرناها في جواب السؤال الثامن، فالمؤجر أراد أن يكون العقد إجارة ابتداء ضماناً لحقوقه، وبيعاً في النهاية لأنه يريد أن يحتفظ بالعين المؤجرة، وليس بحاجة إليها، وقد قضى وطره من خلال ما تحقق له من أرباح، والمستأجر يريده أن يكون عقد إجارة في الابتداء حتى لا يظهر أنه مدين أو بعبارة أخرى حتى لا تظهر مديونيته في ميزانيته، أو أنه ليس له المال الكافي لشرائه، أو أنه ليس مطمئناً في قدرته على الشراء فيضع لنفسه هذه الفرصة، ويريده أن يكون بيعاً في الأخير، لأنه بحاجة إليه ويريد أن يكون مالكاً للعين المستأجرة.
وكون العقد إجارة ابتداءً وبيعاً انتهاءً لا مانع منه في الشريعة الإسلامية، وله نظائره في الفقه الإسلامي منها ما ذكره الفقهاء في المضاربة أنها إذا دفع المال إلى المضارب فهو في حكم الوديعة، لأنه قبضه بأمر المالك، لا على طريق البدل والوثيقة، فإذا اشترى به فهو وكالة، لأنه تصرف في مال الغير بإذنه، فإذا ربح صار شركة، لأنه ملك جزءاً من المال، فإذا فسدت المضاربة صارت إجارة يجب فيها أجر المثل، وإن خالف المضارب صار غاصباً (١) .
غير أن هذا التصرف قد احتوى على عقدين عقد إجارة ناجز اقترن به شرط فاسخ، وعقد بيع معلق على شرط (٢) ، ولذلك لابد من بيان حكم تعليق البيع على شرط، وجمع صفقتين في صفقة واحدة، فبخصوص الجمع بين البيع والإجارة فإن جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية في القول الراجح، والحنابلة) أجازوا الجمع بين الإجارة والبيع، جاء في شرح الخرشي: "بخلاف اجتماع الإجارة مع البيع في صفقة واحدة، فيجوز سواء كانت الإجارة في نفس المبيع كما لو باع له جلوداً على أن يخرزها البائع للمشتري نعالاً، أو كانت الإجارة في غير المبيع كما لو باع له ثوباً بدراهم معلومة على أن ينسج له ثوباً آخر، وما أشبه ذلك على المشهور" (٣) .
стр. 18989
قال الخطيب الشربيني الشافعي: "ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع كأن يقول: أجرتك داري شهراً وبعتك ثوبي هذا بدينار؛ أو إجارة وسلم كأن يقول: أجرتك داري شهراً أو بعتك صاع قمح في ذمتي سلماً بكذا صحاً في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمتهما أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة، وقيمة المبيع أو المسلم فيه" (١) .
والمقصود بمختلفي الحكم هو أن حكم البيع مختلف عن الإجارة من حيث التأبيد فيه، فالإجارة تقوم على التأقيت، ومن حيث إن المعقود عليه (المبيع) في البيع تنتهي علاقته بالبائع، في حين أن العين المؤجرة تبقى مملوكة للمؤجر، فالبيع ينقل ملكية الرقبة والمنفعة، والإجارة تنقل ملكية المنفعة لمدة زمنية فقط.
وجاء في المغني: "وإذا جمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض واحد كالصرف وبيع ما يجوز التفرق فيه قبل القبض، والبيع، والنكاح، أو الإجارة نحو أن يقول: بعتك هذه الدار وأجرتك الأخرى بألف.. صح العقد فيهما، لأنهما عينان يجوز أخذ العوض عن كل واحدة منهما منفردة، فجاز أخذ العوض عنهما مجتمعتين.." (٢) .
وحتى الحنفية قالوا: وإن شرطا شرطاً لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولأحدهما فيه منفعة إلا أنه متعارف بأن اشترى نعلاً وشراكاً على أن يحذوه البائع جاز استحساناً.. لتعارف الناس كما في الاستصناع، لكنهم قالوا في هذا النوع إذا لم يكن متعارفاً عليه بين الناس لا يجوز (٣) ، فالمثال المتعارف عليه الذي ذكره يجمع بين البيع والإجارة فأجازوه لكنهم اشترطوا أن يكون متعارفاً عليه.
فعلى ضوء ذلك فالجمع بين الإجارة والبيع جائز من حيث المبدأ، والسبب الذي ذكره الفقهاء يصلح لإجارة هذه الصورة من الإجارة المنتهية بالتمليك، وذلك لأنهم قالوا: إن كل تصرف من الإجارة والبيع جائز على الانفراد فلا يمنع من الجمع بينهما، ولاسيما أنه لا يترتب عليه محظور شرعي من الربا وشبهته كما في الجمع بين البيع والسلف، ولأن محل العقد هنا يجوز بيعه، كما يجوز إجارته.
وإذا صحح هذا الجمع بصورته الحالية فإنه من الضروري لصحة كل من العقدين أن يتوافر فيه أركانه وشروطه، فإذا توافر ذلك كله بأن كان الشيء المستأجر، أو المبيع مملوكاً مقبوضاً والعاقدان على أهليتهما الشرعية ولم يوجد مانع شرعي في ذلك فإن العقدين صحيحان عند بعض المعاصرين (٤) .
وأما ما يتضمنه هذا العقد من تعليق البيع على شرط دفع الأقساط فهو محل خلاف كبير بين الفقهاء؛ فجمهور الفقهاء لم يجيزوه في حين أن الإمام مالكاً أجازه في قول (٥) ، وكذلك الإمام أحمد أجازه في رواية رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية ودافع عنها (٦) .
وما يقال في هذه الصورة يمكن أن يجري على الصورة الرابعة.
стр. 18990
وأما الصورة السادسة فتدخل في قرار مجمع الفقه، وكذلك الصورة الخامسة وهما تكيفان على أساس عقد الإجارة الحقيقية ثم يتم البيع بعقد مستقل.
ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن وجود وعد بالبيع، أو حتى اشتراط البيع في العقد لا يحول العقد إلى بيع كما هو الحال في القانون، لأن العاقدين أرادا الإجارة فعلاً، لا البيع في الأول، ولأن الأجرة دفعت شهرياً كأجرة وليست كقسط لبيع فكيف تتحول الأجرة إلى ثمن؟ لذلك فتكييف العقد بأنه بيع بثمن مقسط تكتنفه صعوبات كثيرة في إطار الفقه الإسلامي (١) ، ولهذا النوع صور في الفقه الإسلامي منها الهبة بشرط العوض حيث لم يجعلها الجمهور بيعاً لأن مآلها إلى البيع كما سيأتي.
وكل ما يمكن قوله في التكييف الفقهي لهذه الصورة هو أن هذا العقد إجارة ابتداء وبيع انتهاء، وهذا التكييف له نظائر في الفقه الإسلامي كما سبق.
إصدار صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك:
إن من أفضل العقود وأكثرها ملاءمة لإصدار الصكوك عليها هو عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، حيث إن أقساط الإجارة تحدد تماماً نسبة الربح فتكون معلومة لمشتري هذه الصكوك، فمصدر الصكوك الخاصة بالإجارة المنتهية بالتمليك يستطيع أن يعلن عن نسبة الربح المتوقع في العملية كلها، فمثلاً لو أن المؤسسة المالية اشترت طائرات أو مصانع بمائة مليون دولار وأجرتها لمدة عشر سنوات مثلاً مع ملاحظة قيمتها التي تباع بها من خلال الوعد، وظهر من خلال ذلك أن الربح هو (١٠ %) فإن الصكوك يمكن أن تصدر بها (٢) .
بدائل عن الإجارة المنتهية بالتمليك:
١-ذكر قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة عام ١٤٠٩ هـ بديلاً عن الإجارة المنتهية بالتمليك وهو البيع بالتقسيط مع الحصول على الضمانات الكافية.
ولكن هناك بدائل أخرى منها:
٢- عقد بيع مع اشتراط عدم نقل الملكية أو عدم التصرف في المبيع إلا بعد سداد جميع الثمن المؤجل.
стр. 18991
وفي هذا البديل معظم المقاصد التي يتوخاها العاقدان في الإجارة المنتهية بالتمليك.
وهذا البديل أجازه بعض الفقهاء حيث نص المالكية على أنه يجوز بيع شيء مع اشتراط منع المشتري من التصرف في العين المبيعة بأي نوع من أنواع التصرفات –معاوضة أو تبرعاً- حتى يؤدي المشتري الثمن كاملاً، وإلا انفسخ العقد، واعتبروه بمثابة الرهن (١) ، وهذا الرأي هو رأي ابن شبرمه، وابن تيمية، وابن القيم (٢) الذين يصححون كل شرط إلا شرطاً خالف نصاً من الكتاب والسنة.
٣-عقد بيع بالتقسيط مع إعطاء الخيار (أي خيار الشرط) للبائع، أو المشتري، أو لكليهما وذلك بأن يقول: بعت لك هذه الطيارة بمبلغ كذا على أن تقسط المبلغ على عشرين شهراً كل شهر تدفع كذا، ولي الخيار لمدة عشرين شهراً.
وهذا العقد بهذه الصورة جائز عند من أجاز أن تكون مدة الخيار مدة طويلة معلومة وهو مذهب أحمد، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، صاحبي أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمه، والثوري، وابن المنذر، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، حيث ذهبوا إلى تفويض مدة الخيار إلى العاقدين (٣) .
٤-صيغة العقد على أساس الهبة بثواب (أي بعوض) بأن يقول صاحب الدار، أو المعدات: "وهبتك هذه الدار على أن تعطيني أو بشرط أن تعطيني في كل شهر مبلغ كذا لمدة عشرين شهراً مثلاً".
وهذه أيضاً جائزة عند الفقهاء، فقد ذكر صاحب الدر المختار أن البيع لا يشمل الهبة بعوض، وعلق على ذلك ابن عابدين بقوله: "فإنه: (أي المذكور أي الهبة بعوض) ليس ببيع ابتداءً وإن كان في حكمه بقاءً.. وكذا لو وهبه شيئاً على أن يعوضه عنه شيئاً معيناً فهو هبة ابتداءً مع وجود المبادلة المشروطة" (٤) .
ثم ذكر أن الهبة بشرط العوض وإن كانت في معنى البيع، لكنه يشترط فيها شروط الهبة وليست البيع، فقال صاحب الدر المختار: "ولذا يشترط فيه شرائط الهبة كقبض، وإفراز، وعدم شيوع"ولو كان العوض يسيراً كما أن العوض يمنع جواز رجوع الواهب عن هبته (٥) .
وقال الحطاب المالكي: "إذا قال: وإن أعطيتني.. دارك فقد التزمت لك بكذا، أو ملك بكذا.. فهذا من باب الهبة" (٦) ، وجاء في الشرح الكبير: "وجاز للواهب شرط الثواب أي العوض على هبته.. نحو وهبتك هذا بمائة، أو على أن تثيبني، ولزم الثواب بتعيينه إن قبل الموهوب له فيلزمه دفع ما عين، وأما عقد الهبة المشروط فيها الثواب فلازم للواهب بالقبض عين الثواب أم لا"، وعلق عليه الدسوقي فقال: وأما الموهوب له فلا يلزمه إلا بالفوات، وما ذكره الشارح من لزومها بالقبض للواهب عين الثواب، أم لا غير ظاهر، فإن توقف لزوم العقد على القبض وإنما هو إذا كان الثواب غير معين، وأما إذا عين الثواب عند عقد الهبة ورضي الموهوب له فلا يتوقف اللزوم على قبض بل يلزم العقد كلاً منهما بسبب تعيينه كالبيع ... ، ولذا قال البساطي: "ولزم العقد بتعيينه أي الثواب" (٧) .
стр. 18992
وذكر النووي أن الهبة المقيدة بالثواب –أي بالعوض- إما أن يكون الثواب معلوماً، أو مجهولاً.
فالحالة الأولى: المعلوم، فيصح العقد على الأظهر، ويبطل على قول، فإن صححنا فهو بيع على الصحيح، وقيل: هبة، فإن قلنا: هبة لم يثبت الخيار والشفعة، ولم يلزم قبل القبض، وإن قلنا: بيع ثبتت هذه الأحكام.
الحالة الثانية: إذا كان الثواب مجهولاً، فإن قلنا: الهبة لا تقتضي ثواباً بطل العقد، لتعذر تصحيحه بيعاً وهبة، وإن قلنا: تقتضيه صح، وهو تصريح بمقتضى العقد، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ... " (١) .
وجاء في المنهاج وشرحه للمحلى: "ولو وهب بشرط ثواب معلوم فالأظهر صحة العقد ويكون بيعاً على الصحيح نظراً إلى المعنى، والثاني يكون هبة نظراً إلى اللفظ فلا يلزم قبض" (٢) .
وجاء في المغني: "فإن شرط في الهبة ثواباً معلوماً صح نص عليه أحمد، لأنه تمليك بعوض معلوم فهو كالبيع، وحكمها حكم البيع في ضمان الدرك وثبوت الخيار والشفعة وبهذا قال أصحاب الرأي" وقال أبو الخطاب: "وقد روى عن أحمد ما يقتضي أن يغلب في هذا حكم الهبة فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به" (٣) .
стр. 18993
والخلاصة:
أن هذا العقد صحيح وهل يعتبر بيعاً أو بمثابة البيع نظراً إلى المعنى والمؤدى، أم هل يعتبر هبة نظراً للفظ والتعبير على خلاف بين الفقهاء، وإذا اعتبر بيعاً تطبق عليه أحكام البيع وضوابطه، في حين إذا اعتبر هبة تطبق عليه أحكام الهبة وضوابطها، وهذا النوع أقرب شيء إلى الإيجار المنتهي بالتمليك.
ونلاحظ أن جماهير الفقهاء لم يقولوا ببطلان الهبة بشرط العوض بسبب أنها في حقيقتها ومآلها بيع لكنها صيغت بصياغة الهبة، وألبست لباسها، كما أنهم لم يقولوا: إنها داخلة في الحيل، وذلك لأن كلا العقدين صحيح، وأن العاقدين أرادا هذه الصياغة لمصلحة يريدانها.
٥-صياغة العقد على أساس الهبة المعلقة:
إذا علق الهبة على شرط سداد جميع الأقساط المتفق عليها خلال مدة يتفق عليها بأن يقول: إذا قمت بسداد جميع الأقساط المتفق عليها خلال عشرين شهراً مثلاً فإني وهبتك هذه الدار، ووافق عليها الطرف الآخر، فهذا مجال خلاف كبير بين الفقهاء، حيث أجازه بعض الفقهاء منهم المالكية وقول في المذهب الحنفي بناء على صحة تعليق الهبة على شيء في المستقبل، في حين لم يصححها الأكثرون بناء على عدم صحة ذلك (١) .
وقد دل على صحة تعليق الهبة ما رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن أم كلثوم بنت أبي سلمة، قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال: ((إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواني مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت فهي لك)) ، قالت: "فكان ما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة" (٢) .
فهذا الحديث يدل على صحة تعليق الهبة على شيء قد يتحقق في المستقبل، وهو نص في الموضوع.
стр. 18994
تلف العين المؤجرة، وحدوث عيب فيها، وصيانتها:
تلف العين المؤجرة (١) .
إذا تلفت العين المؤجرة فترد عليها عدة مسائل نذكرها هنا لأهميتها وهي:
١-التلف قبل القبض، أو بعده:
أ-إذا تلفت العين المؤجرة تلفاً كلياً قبل القبض وبعد العقد فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه كما قال ابن قدمة (٢) .
ب-إذا تلفت بعد القبض مباشرة وقبل استيفاء المنفعة فإن الإجارة تنفسخ على ضوء التفصيل الذي يذكر آنفاً، قال ابن قدامة في هذه الحالة: "إن الإجارة تنفسخ، ويسقط الأجر، في قول عامة الفقهاء إلا أبا ثور حكي عنه أنه قال: يستقر الأجر لأن المعقود عليه أتلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط، لأن المعقود عليه المنافع، وقبضها باستيفائها، أو التمكن من استيفائها، ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين" (٣) .
جـ-أن تتلف بعد مضي شيء من المدة فتنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى فيستحق المستأجر الأجرة بقدر ما استوفى من المنفعة، وإذا حدث نزاع فالمرجع في تقويم المقدار هو أهل الخبرة، جاء في الروضة: "وفي الماضي طريقان: أحدهما القول بالفسخ في الماضي وحينئذٍ يسقط المسمى وتجب أجرة المثل، والطريق الثاني: أنه لا ينفسخ فيه، وحينئذٍ فهل له خيار الفسخ؟ وجهان أصحهما عند الإمام والبغوي: لا، لأن منافعه استهلكت، والثاني: نعم وبه قطع ابن الصباغ وآخرون، لأن جميع المعقود عليه لم يسلم، وحينئذٍ وجب قسط ما مضى من المسمى والتوزيع على قيمة المنفعة وهي أجرة المثل، لا على نفس الزمان وذلك يختلف فربما تزيد أجرة شهر على أجرة شهرين لكثرة الرغبات في ذلك الشهر، فإن كانت مدة الإجارة سنة ومضى نصفها، وأجرة المثل فيه مثلا أجرة المثل في النصف الباقي وجب من المسمى ثلثاه، وإن كانت بالعكس فثلثه" (٤) .
стр. 18995
٢ -أثر التلف في العقد:
لاشك أن محل عقد الإجارة هو المنفعة، فمادامت المنفعة باقية، فالعقد باقٍ ومستمر إلى مدته أو الاتفاق على إنهائه.
أما إذا لم يكن الانتفاع بالعين المؤجرة بسبب تلفها أو هلاكها فإن الفقهاء ذكروا تفصيلات حول أثر ذلك على فسخ العقد:
أ-إذا كانت الإجارة واردة على الذمة وليست على عين معينة فإن العقد يظل صحيحاً، ولا يؤثر تلف العين المؤجرة أو هلاكها بإنهاء العقد، وذلك لأن على المؤجر القيام بالبديل المضاهي للعين المستأجرة التي هلكت ليحل محلها، وعلى المستأجر قبول ذلك (١) .
ب-أما إذا كانت الإجارة واردة على عين معينة مثل الدار الفلانية، أو تلك السيارة المعينة، أو نحو ذلك فإن العقد ينفسخ إذا لم يبق هناك مجال للفائدة مطلقاً، وذلك مثل أن تموت الدابة المستأجرة، أو تحترق السيارة فلا تبقى إمكانية الانتفاع حتى بأجزائها، أما إذا بقي احتمال الانتفاع بها فقد اختلف الفقهاء في تقدير إمكانية المنفعة مع تلف العين المؤجرة.
فمثلاً اختلف الفقهاء في انهدام الدار المؤجرة هل يؤدي إلى فسخ العقد أم لا؟
فذهب جمهور الفقهاء –الحنفية في الرأي المرجوح عندهم، والمالكية، والشافعية، في القول الراجح، والحنابلة على الوجه الراجح عندهم، والظاهرية (٢) – إلى أن عقد الإجارة ينفسخ مباشرة بالانهدام، لأن محل العقد لم يعد صالحاً لتحقيق المنفعة المنشودة وهي السكنى.
стр. 18996
وذهب الحنفية في الأصح عندهم، والشافعية في قول مرجوح، والحنابلة في وجه، إلى عدم الانفساخ، وذلك لأنه يمكن الانتفاع بالعرصة بعد انهدام الدار بنصب خيمة، أو جمع حطب، أو بيع الأشياء فيها، أو نحو ذلك فلم تبطل المنفعة جملة، ولذلك يكون المستأجر بالخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ كان عليه أجرة ما مضى على ضوء ما سبق، وإن أمضاه ورضي به فعليه جميع الأجر، لأن ذلك بمثابة عيب رضي به فسقط حكمه (١) ، والأول أرجح لعدم بقاء المعقود عليه الذي أراده العاقدان، قال ابن قدامة في ترجيح رأي الجمهور: "لأنه زال اسمها –أي الدار- بهدمها وذهبت المنفعة التي تقصد منها، ولذلك لا يستأجر أحد عرصة دار يسكنها" (٢) .
غصب العين المؤجرة:
إذا غصبت فقد ثبت للمستأجر حق الفسخ، لأن فيه تأخير حقه، فإن فسخ فالحكم فيه كحكم الفسخ عند هلاك العين من حيث احتساب الأجرة لما مضى.
وإن لم يفسخ حتى مضت مدة الإجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى، وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل، لأن المعقود عليه لم يفت مطلقاً بل إلى بدل، وهو القيمة فأشبه ما لو أتلف آدمي الثمرة المبيعة قبل قطعها، ويتخرج انفساخ العقد بكل حال على الرواية التي تقول: إن منافع الغصب لا تضمن وهو قول الحنفية (٣) .
عدم الانتفاع بالعين المستأجرة لظروف قاهرة أي خارجة عن إرادة العاقدين، وذلك كحدوث حرب في منطقة خاف أهلها من البقاء فيها فتركوها، وبينهم المستأجرون، فقد ذكر ابن قدامة أن هذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ، لأنه –أي الخوف العام- أمر غالب يمنع المستأجر استيفاء المنفعة فأثبت الخيار كغصب العين، ولذلك لا يستوجب الخوف الخاص الخيار، فلو أن المستأجر يخاف من السكنى في الدار لخوف خاص به مثل أن يخاف وحده لقرب أعدائه من منزله المستأجر، أو حلولهم في طريقه لم يملك الفسخ، لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية، حيث يستطيع تأجيره لغيره (٤) .
стр. 18997
العيب في العين المستأجرة:
إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً (١) لم يكن يعلم به أثناء العقد، فإن العقد لا ينفسخ، وإنما يكون للمستأجر حق الفسخ "بغير خلاف نعلمه"كما قال ابن قدامة (٢) فهو بالخيار إن شاء فسخ العقد وإن شاء قبل بالعقد كما هو الحال في العيب في البيوع، لكن جماعة من الفقهاء قالوا: لو بادر المؤجر بإصلاح العيب سقط الخيار (٣) .
وكذلك الحكم إذا وجد عيباً فيها بعد العقد، وحتى بعد القبض –خلافاً لما في البيع- وذلك لأن الإجارة عقد على المنافع، وهي تتجدد، ويحتاج إليها طوال فترة الإجارة، كما أنها لا يحصل قبضها إلا شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب فهو خلل يسبق البقية الباقية من المنافع المطلوبة إلا إذا قام بإصلاحه فوراً فلا يحق له الفسخ.
وإن اختلفا في كون الشيء عيباً أم لا، فالمرجع في ذلك أهل الخبرة.
وفي كلتا الحالتين فالمستأجر إذا فسخ فالحاكم فيه كحكم ما سبق من الانفساخ بتلف العين.
وإذا رضي بالعين المؤجرة مع وجود العيب فما الذي يلزمه من الأجرة، هل كلها؟ أم ينقص منها بقدر العيب؟
هذا ما ثار فيه الخلاف بين الفقهاء:
فذهب جمهور الفقهاء (منهم الحنفية، والشافعية في وجه، والحنابلة) (٤) إلى أنه إذا رضي بالعين المؤجرة فتجب عليه الأجرة كاملة، لأنه رضي به ناقصاً فأشبه لو رضي بالمبيع معيباً حيث ليس له إلا الثمن.
стр. 18998
وذهب المالكية، والشافعية في وجه (١) ، إلى أن جميع الأجرة لا تجب عليه، لأنه لم يستوف جميع ما استحقه من المنفعة المقصودة بمقدار العيب، فلو أن العيب قد أثر في الانتفاع بالعين المؤجرة بنسبة (١٠ %) مثلاً فإن هذه النسبة تحسم من الأجرة.
والذي يظهر رجحانه هو رأي الجمهور، إذ أن الرأي الثاني قد يؤدي إلى الإجحاف بحق المؤجر، إذ أنه قد يجد مستأجراً لبيته مثلاً يدفع له مثل الأجرة السابقة، كما أن إعطاء حق الخيار للمستأجر يفسح له المجال للنظر فيما هو يحقق مصلحته، ويدرأ عنه المفسدة والمضرة، فهو إما أن يرد العين المؤجرة، أو يقبلها كما تم الاتفاق عليه، أما أن يرضى بالعين المؤجرة ويطالب بتقليل الأجرة فهذا فيه شيء من الإجحاف بحق المؤجر، كما أن الأجرة عقد رضائي لا يمكن لأحد العاقدين أن يفرض شيئاً على الآخر إلا برضاه، ورضا المؤجر تم على الأجرة كلها وليست على بعضها، والعيب أثبت له حق الفسخ فقط وليس حقاً آخر كما هو الميزان في البيع ونحوه.
ثم إن هذه الأحكام خاصة بما إذا كان عقد الإجارة واقعاً على شيء معين، أما إذا كان وارداً على العين الموصوفة في الذمة فإن عقد الإجارة لا ينفسخ بالعيب مطلقاً، بل يجب على المؤجر أن يأتي بما تم الاتفاق عليه سليماً، وبعبارة أخرى يغيرها إلى الشيء المتكامل فيه الأوصاف المتفق عليها (٢) ، قال ابن قدامة: "هذا إذا كان العقد يتعلق بعينها، فأما إن كانت موصوفة في الذمة لم ينفسخ العقد، وعلى المكري إبدالها لأن العقد لم يتعلق بعينها فأشبه المسلم فيه إذا سلمه على غير صفته، فإن عجز عن إبدالها أو امتنع عنه ولم يمكن إجباره عليه فللمكتري الفسخ أيضاً" (٣) .
على من تقع تبعة الهلاك؟ وهل يمكن أن يتحملها المستأجر؟
اتفق الفقهاء –من حيث المبدأ- على أن المستأجر يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي والإتلاف، والتقصير والإهمال، ومخالفة الشروط المتفق عليها في العقد، ومخالفة العرف السائد في إجارة كل شيء، بحيث يكون استعماله استعمال الرجل الحريص على أموال الآخرين فلا يزيد على ما يتحمله الشيء فوق طاقته وإلا أصبح ضامناً (٤) .
стр. 18999
وفي المذهب المالكي رأي مرجوح أنه ضامن، قال القرافي: "وقيل ضامن" (١) ، ونحن هنا لا ندخل في تفاصيل هذا المبحث، ولكنه بلا شك يعتبر هذه المسألة من أهم القضايا التي تفكر فيها المصارف الإسلامية وتسعى جاهدة لإيجاد ضمانات كافية من خلال الشروط، والتأمين ونحو ذلك.
والخلاصة أن تبعة الهلاك تقع من حيث المبدأ على المؤجر (البنك) ما دام العقد قد صيغ صياغة عقد الإجارة، حتى القانون المدني يحمله تبعة الهلاك على الرغم من أنه يكيفه على أساس البيع بالتقسيط –كما سبق- وأما الأجير بشقيه (الخاص والمشترك) فقد سبق أن الأجير العام أو المشترك ضامن على الراجح، أما الأجير الخاص فغير ضامن.
هل يمكن أن يتحملها المستأجر؟
لتحمل المستأجر تبعة الهلاك في الإجارة بصورة عامة وفي الإجارة المنتهية بالتمليك بصورة خاصة طريقتان:
الطريقة الأولى: أن يتحملها طوعاً دون أن يذكر ذلك في العقد، وذلك بأن يتعهد تعهداً مستقلاً عن عقد الإجارة –مكتوباً أو شفهياً- بأنه يتحمل تبعة الهلاك فيما لو هلكت العين المستأجرة، أو تلفت تلفاً كلياً أو جزئياً، وهذا يدخل في الوعد من طرف واحد اعتبره جماعة من الفقهاء منهم المالكية في قول لهم، وابن شبرمة وغيرهم كما سبق.
الطريقة الثانية: أن يكتب ذلك في العقد كشرط من الشروط المقترنة بالعقد، وهذا غير جائز عند جمهور الفقهاء، لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، غير أنه يفهم من كلام ابن رشد في المقدمات والممهدات ومن كلام القرافي في الذخيرة أنه على قول أشهب يجوز اشتراط ما يخالف مقتضى العقد، فمثلاً يد الأجير المشترك على سلعة يؤثر فيها يد ضمان في بيته أو حانوته، ومع ذلك لو اشترط عدم الضمان ففيه ثلاثة أقوال.. قال أشهب: ينفع، لأن الأصل اعتبار العقود –أي الشروط-، ولأنه كان قادراً على عدم التزامه، وإنما رضي المسمى أي من الأجر لسقوط الضمان عليه، وكذلك ينفع شرط عدم الضمان في المستعير والمرتهن، لأن هذا الشرط زيادة معروف، ولكن القول المشهور هو أن هذا الشرط لا ينفعه "لأنه خلاف مقتضى العقد" (٢) .
بل أكثر من ذلك، فقد رأيت أن الإمام أحمد يرى في أحد قوليه جواز اشتراط الضمان على المستأجر، جاء في المغني: "فإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى العقد، وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: المسلمون على شروطهم، وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه ووجوبه بشرطه، لقوله ﷺ : ((المسلمون على شروطهم)) (٣) وهذا القول للإمام أحمد في غاية من الأهمية، إذ أنه يحقق الأمن والأمان للبنوك الإسلامية حيث لا تخاف من ضياع رأسمالها على أقل تقدير، وهذا رأي وجيه مستند على حديث صحيح ممكن الاعتماد عليه في الظروف الحالية التي نعيشها من حيث انعدام الثقة ونحوها.
ومن جانب آخر يمكن التخفيف من آثار ذلك على البنوك الإسلامية وغيرها، من خلال اشتراط أن يكون عبء الإثبات لحالات عدم الضمان على المستأجر، وتوضيح ذلك هو أنه غير ضامن إلا في حالات التعدي والتقصير ومخالفة الشروط والعرف –كما سبق- وأن عبء الإثبات لهذه الحالات يقع على المؤجر عند جمهور الفقهاء، وبعبارة أخرى أن الأصل هو عدم الضمان، وإذا ادعى المؤجر الضمان بسبب التعدي أو التقصير فإن عبء الإثبات يقع عليه وهو ليس بأمر هين ولا سيما أنه غائب عن العين المستأجرة، وبالأخص في تأجير السيارات والطائرات والبواخر، فلو اشترط المؤجر على المستأجر بأنه في حالة التلف أو الهلاك الكلي، أو الجزئي فإن عبء الإثبات يقع عليه وبعبارة أخرى إذا لم يثبت أنه غير متعد، وغير مقصر، وغير مخالف للشروط والعرف فإنه يجب عليه الضمان.
стр. 19000
فهذا الشرط إن صح يحقق العدالة للطرفين، ويتوافق مع عصرنا الحاضر، وطبيعته القائمة على فساد معظم الذمم وعدم تقوى الله تعالى إلا ما رحم ربي، وهو موافق لمذهب بعض الصحابة الكرام الذين قالوا بضمان الأجير المشترك وقالوا: "لا يصلح الناس إلا ذلك" (١) ، وقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال:
قد ذهب إلى تضمين القصار شريح، فضمن قصاراً احترق بيته، فقال: "تضمنني وقد احترق بيتي"؟ فقال شريح: "أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك؟ " وروى أيضاً بسنده عن أبي هيثم أنه قدم دهن له من البصرة وأنه استأجر حمالاً يحمله، والقارورة ثمنها ثلاثمائة، أو أربعمائة، فوقعت القارورة وانكسرت فأردت أن يصالحني فأبى فخاصمته إلى شريح، فقال له شريح: "إنما أعطى الأجر لتضمن فضمنه شريح، ثم لم يزل الناس حتى صالحته" (٢) .
والمقصود أن الفقهاء كيف غيروا فتاواهم السابقة من عدم الضمان إلى الضمان لسوء أخلاق البعض، وللحفاظ على الأموال وعدم الاستهانة بها.
ومن جانب آخر فإن هناك شبهاً بين المستأجر وبين الأجير المشترك بجامع الإجارة، فلو قلنا بأن عبء الإثبات يقع عليه لما أخطأنا الهدف وهو أقل بكثير من القول بالضمان الواقع على الأجير المشترك، حتى ولو لم يكن له دخل وأثر في التلف والهلاك.
وأيضاً فإن قياس المستأجر على المضارب والشريك قياس مع الفارق حيث إن المستأجر لا يخسر شيئاً بتلف العين المؤجرة إذا انفسخ العقد، بل قد يستفيد فيما لو كانت الأجرة مرتفعة في وقت التلف لأي سبب من الأسباب، وحينئذٍ إذا انفسخ العقد بتلف العين المؤجرة فإنه يستفيد من خلال تأجير عين أخرى من نفس الجنس وبأقل من الأجرة التي كان يدفعها.
أما المضارب، أو الشريك فإنه في حالة الخسارة فقد خسر الجهد، كما خسر رب المال ماله، فهناك نوع من التعادل، كما أن الربح يعود على الطرفين، أما المستأجر فلا يخسر شيئاً بل قد يستفيد من هذا التلف –كما سبق-.
стр. 19001
وفي الإجارة المنتهية بالتمليك يكون الأمر أكثر تعقيداً وذلك لأن المستأجر قد لا يريد تنفيذ جميع بنود الإجارة بسبب أن الأجرة حسب السوق الحالية مرتفعة، وإن كانت عند العقد غير مرتفعة، أو أنه لا يريد أن يلتزم بشراء هذه الطائرة، أو الباخرة لأي سبب معقول أو غير معقول، ومن هنا يرد احتمال التهمة، وقد قال جماعة من الفقهاء بأن الوكيل ونحوه لا يصدقون إذا كان هناك مجال للتهمة (١) .
ولذلك فالذي يظهر لي رجحانه أنه في الإجارة بصورة عامة، وفي الإجارة المنتهية بالتمليك بصورة خاصة، لا يصدق المستأجر في تلف العين المستأجرة، ولا في إدعاء عدم التعدي والتقصير ومخالفة الشروط والعرف إلا ببينة مقنعة، فإذا لم يأت بها فيجب عليه الضمان، ولا أرى أي مانع من تثبيت هذا الشرط من الشروط المقترنة بالعقد للأسباب التي ذكرناها آنفاً.
وسيلة أخرى لحماية المؤجر:
يستطيع المؤجر (البنك أو نحوه) أن يطلب من المستأجر بأن يهيئ له طرفاً ثالثاً يضمن العين المؤجرة، وهذا أجازه مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة، وبقراره رقم (٥) في ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م حيث نص على أنه "ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار، أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين على أن يكون التزاماً مستقلاً".
стр. 19002
الهلاك الكلي والجزئي للعين المستأجرة في القانون:
وتتفق القوانين المدنية على أن هلاك العين المستأجرة هلاكاً كلياً يترتب عليه انفساخ العقد تلقائياً، أما هلاك العين جزئياً، أو إذا أصبحت العين في حالة لا تصلح معها للانتفاع الذي أجرت لأجله، أو نقص هذا الانتفاع نقصاً كبيراً ولم يكن للمستأجر يد في شيء من ذلك، فيجوز له –إذا لم يقم المؤجر في ميعاد مناسب بإعادة العين إلى الحالة التي كانت عليها- أن يطلب تبعاً للظروف إما إنقاص الأجرة أو فسخ الإيجار ذاته دون إخلال بما له من حق في أن يقوم بنفسه بتنفيذ التزام المؤجر وفقاً لأحكام المادة السابقة (أي المادة ٥٦٨م م) وفي هاتين الحالتين لا يجوز للمستأجر أن يطلب تعويضاً إذا كان الهلاك أو التلف يرجع إلى سبب لا يد للمؤجر فيه (١) .
ونصت المادة ١١ من قانون (٢) لسنة ١٩٧٥م في شأن إيجار الأماكن والمباني بقطر على أنه "إذا هلكت العين المؤجرة أثناء الإيجار هلاكاً كلياً انفسخ العقد من تلقاء نفسه.
أما إذا كان هلاك العين المؤجرة جزئياً، أو أصبحت في حالة غير صالحة للانتفاع، أو نقص هذا الانتفاع نقصاً كبيراً، أو كان من شأنها أن تعرض صحة المستأجر، أو من يعيشون معه أو يعملون لديه لخطر جسيم ولم يكن للمستأجر يد في شيء من ذلك كله جاز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد ".
وهذه الأحكام كما ترى لا تجد فيها مخالفة لما ذكرناه سابقاً، ويلاحظ في هذا المقام أن معظم القوانين العربية ألزمت المهندس المعماري والمقاول متضامنين بضمان ما يحدث خلال السنوات العشر اللاحقة لتسلم العمل من تهدم كلي، أو جزئي فيما شيدوه من مبان، أو أقاموه من منشآت ثابتة أخرى، ولو كان التهدم ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها، أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة ما لم يكن المتعاقدان في هذه الحالة قد أرادا أن تبقى هذه المنشآت مدة أقل من عشر سنوات (المادة ٦٥١م م) وإذا كان المالك هو الذي أقام البناء ولم يعهد به إلى مقاول فإن مدة الضمان تبدأ من تاريخ إنهاء جميع الأعمال اللازمة لإقامة المبنى وإعداده صالحاً للاستعمال (٢) .
стр. 19003
صيانة العين المؤجرة:
إن من أهم المسائل التي تثار في موضوع الإجارة بصورة عامة، وفي موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك بصورة خاصة، موضوع الصيانة للعين المؤجرة على من تكون هذه الصيانة؟ وهل يمكن تحميلها للمستأجر برضاه؟
قبل الإجابة عن ذلك أرى أنه من الأفضل أن نذكر بإيجاز موقف القانون من ذلك.
فالقانونان المدني المصري والفرنسي يلزمان المؤجر بتعهد العين المؤجرة بالصيانة وبالقيام بجميع الترميمات الضرورية حتى يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين طيلة فترة الإجارة.
فقد قرر القانون المدني المصري في مادته ٥٦٧ الفقرة (١) التزام المؤجر بتعهد العين بالصيانة لتبقى على الحالة التي سلمت بها، وأن يقوم في أثناء الإجارة بجميع الترميمات الضرورية، دون الترميمات التأجيرية.
ونصت الفقرة ٢ على أنه: "عليه أن يجري الأعمال اللازمة للأسطح من تجصيص، أو بياض، وأن يقوم بنزح الآبار والمراحيض ومصارف المياه".
وفي الفقرة ٣ نص على أنه: "يتحمل المؤجر التكاليف والضرائب المستحقة على العين المؤجرة ... ".
وفي الفقرة ٤ على أن: "كل هذا ما لم يقض الاتفاق بغيره".
فالفقرة الأخيرة أعطت الحق للعاقدين على الاتفاق على خلاف ذلك بأن تكون جميع أعمال الصيانة على المستأجر، أو عليهما (١) ومعظم التقنينات العربية على هذا المنوال (٢) .
والصيانة والترميم على ثلاثة أنواع:
١-ترميمات ضرورية لحفظ العين المؤجرة، مثل إصلاح الحائط الذي يريد أن ينقض، وترميم الطوابق السفلية إذا غمرتها مياه فأوهنتها، وترميم الأسقف التي توشك على الانهيار، كل ذلك من الترميمات الضرورية للانتفاع بالعين، وكما أن المؤجر ملزم بإجرائها فإن له كذلك الحق في إجرائها ولو عارض المستأجر ذلك (م ٥٧٠ م م) .
٢-ترميمات تأجيرية مثل إصلاح البلاط، والنوافذ، والأبواب، والمفاتيح، ونحو ذلك، مما يقتضي به العرف، وهذا النوع يلتزم بها المستأجر ما لم يكن هناك اتفاق على غير ذلك (م ٥٨٢ م م) .
٣-ترميمات ضرورية للانتفاع بالعين على الوجه المطلوب، مثل إصلاح السلم، أو المصعد أو دورة المياه، أو نحو ذلك مما هو مطلوب للانتفاع بالعين على الوجه المطلوب وهذا النوع يقع على عاتق المؤجر إلا إذا وجد اتفاق على خلاف ذلك (٣) .
стр. 19004
جزاء الإخلال بالصيانة:
إذا لم يقم المؤجر بالصيانة اللازمة في النوعين الأول والثالث فإن المادة (٥٦٨ م م) نصت على أن المستأجر له الحق في أن يحصل على ترخيص من القضاء في إجراء ذلك بنفسه، وفي استيفاء ما أنفقه خصماً من الأجرة، وهذا دون إخلال بحقه في طلب الفسخ، أو إنقاص الأجرة، بل إن له الحق في القيام بإجراء الترميمات المستعجلة، أو البسيطة مما يلتزم به المؤجر دون الحاجة إلى ترخيص من القضاء وذلك إذا لم يقم المؤجر بعد إعذاره بتنفيذ هذا الالتزام في ميعاد مناسب على أن يستوفي المستأجر ما أنفقه خصماً من الأجرة، ويقابل هذا النص في القانون المدني العراقي المادة (٧٥٠ م م) وفي السوري المادة (٥٣٦ م س) (١) .
حق الفسخ أو إنقاص الأجرة بسبب عدم الصيانة:
وإذا لم يشأ المستأجر التنفيذ العيني على النحو السابق جاز له أن يطلب فسخ الإيجار إذا كان حرمانه من الانتفاع بالعين المؤجرة بسبب حاجتها إلى الترميمات حرماناً جسيماً يبرر الفسخ، وللمحكمة حق التقدير طبقاً للقواعد العامة، كما أن له الحق في طلب إنقاص الأجرة، وللمحكمة أن تجيبه فتنقص الأجرة بالقدر المناسب إذا رأت أن هناك مبررات لذلك (المادة ٥٦٨م م) .
стр. 19005
وفي جميع الأحوال أعطى القانون المصري الحق للمستأجر بأن يطالب بالتعويض عن الضرر الذي أصابه بسبب نقص الانتفاع بالعين المؤجرة، والتعويض عما أصابه من ضرر في شخصه أو ماله بسبب ذلك، كل ذلك بشرط إعذار المستأجر المؤجر بإجراء الترميمات الضرورية، إذ المسؤولية هنا مسؤولية عقدية وليست مسؤولية تقصيرية (١) .
غير أنه صدرت عدة قوانين في مصر تنظم بعض أمور الإجارة منها القانون رقم (١٣٦) لسنة ١٩٨١م حيث ألغى التفرقة بين أعمال الإصلاح المعتاد، وأعمال الصيانة المعتادة وغير المعتادة، وجعلها كلها موزعة بين المالك وشاغل المبنى، فهي تشمل إصلاح درج السلم المكسور، أو المتآكلة، وكسوة الأرضية في السلالم والمداخل، وأعمال البياض والدهانات لواجهات المبنى والشبابيك من الخارج وكذلك الأعمال التي تتطلبها إعادة الحال إلى ما كانت عليه في الأجزاء التي تناولها الترميم والصيانة، واستبدال الزجاج المكسور للسلم والمناور والمداخل، ونزح الآبار والبيارات ومصارف المياه.
وقد اعتبر القانون المصري أن نفقات الترميم والصيانة إذا التزم بها المستأجر تعتبر في حكم الأجرة، ولذلك يستطيع المؤجر رفع دعوى الإخلاء على المستأجر عند عدم الوفاء بهذه النفقات (٢) .
стр. 19006
أسئلة بنك التنمية تحدد المشكلة:
وجه البنك الإسلامي للتنمية بجدة خطاباً أوضح فيه العقبات التي تتطلب حلاً جذرياً بخصوص الصيانة وطالب مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في شهر المحرم عام ١٤٠٧هـ بالإجابة عن أسئلته موضحاً له أن أنواع الصيانة ثلاثة هي:
النوع الأول: التشغيل السليم، ويشمل قراءة معدات قياس الحرارة، والمياه، والزيوت، ومتابعة ذلك للتأكد من سلامتها طوال فترات التشغيل.
النوع الثاني: الصيانة الوقائية، وتتمثل في أعمال محددة تتم في آجال معلومة يحدث فيها تغيير بعض الأجزاء وضبط البعض الآخر.
النوع الثالث: الصيانة الطارئة، وهي أعمال يجب القيام بها عند حدوث عطل فني غير متوقع مما قد يترتب عليه تغيير أجزاء هامة، وتتطلب مهارة فنية فائقة، وهذا النوع من الصيانة يمكن التقليل منه بالتشغيل السليم والصيانة الوقائية.
وقد طلب البنك في خطابه هذا الإجابة عن أسئلته حول الإيجار المنتهي بالتمليك وكيفية الصيانة فيه، وصدر عن المجمع في دورة مؤتمره الثالث عدة مبادئ بهذا الصدد منها: "أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكاً للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد، أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذٍ عليه".
ومنها: "أن نفقات التأمين لدى الشركات الإسلامية كلما أمكن ذلك يتحملها البنك".
ثم عرض البنك هذا الموضوع على مجموعة من الفقهاء الذين استشارهم البنك في بيان أفضل وسيلة لوضع المبادئ الستة التي أقرها المجمع موضع التنفيذ فأشارت عليه بما يأتي:
١-يجوز للبنك أن يبرم عقداً مع المستأجر يقوم بموجبه المستأجر بصيانة العين المؤجرة مقابل مبلغ مقطوع.
٢-لا مانع شرعاً من توكيل البنك للجهة المراد تأجير المعدات لها بإجراء التأمين على المعدات محل الإيجار على نفقة البنك.
غير أن بنك التنمية –وهو حريص على عدم مخالفة الشريعة في جميع عملياته- أوضح بأنه يواجه بعض الصعوبات العملية في تطبيق تلك المبادئ السابقة على أسلوب الإيجار المنتهي بالتمليك مبيناً بأن البنك مؤسسة تمويلية تمتد عملياته إلى أربع وأربعين دولة، وأن المعدات والآلات والأجهزة التي يقوم بتأجيرها تختلف مواصفاتها وتتعدد بأنواعها وتتباين أغراضها مما يجعل التزام البنك بصيانتها أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً.
стр. 19007
وأضاف البنك قائلاً: إن طبيعة الصيانة المطلوبة تختلف من شيء إلى آخر، فبالنسبة للعقارات –مثلاً –فإن أعمال الصيانة واضحة محددة وتتسم بالطابع الموسمي، وتتم في فترات محددة ما عدا الأضرار التي تنجم عن الحوادث الطارئة، أما المعدات والآلات فإن صيانتها تتسم بالاستمرارية، ويصعب لذلك تقديرها مسبقاً لارتباطها بطبيعة التشغيل ونوعه وكفاءة الكوادر الفنية التي تقوم بهذا النوع الفني الشائك من الصيانة الذي يتطلب أن يكون لدى البنك فريق كامل من الخبراء والفنيين في كافة التخصصات وهو أمر يفوق طاقة مؤسسات التمويل الإسلامية، ويضعف مركزها في مواجهة مؤسسات التمويل غير الإسلامية (١) ، وقد طلب البنك البحث عن صيغة تحقق مصالحه، وتتفق مع أحكام الشريعة ومقاصدها، وتجيب بصفة خاصة عن الأسئلة الثلاثة الآتية:
١-هل يمكن تصنيف أعمال الصيانة المختلفة، كما تقدم وصفها، لمعرفة ما يمكن أن يتحمله المستأجر منها، دون أن يتعارض ذلك مع مقتضى عقد الإيجار؟
٢-وإذا بقي من أنواع الصيانة ما يقضي الفقه بإلزام مالك العين به، فهل لذلك المالك أن يتفق مع المستأجر على أن يقوم المستأجر بتلك الصيانة مقابل تخفيض الأجرة؟
٣-هل بالإمكان من الناحية الشرعية أن يتم الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على أن يقوم الأخير بإجراء التأمين على العين موضوع الإيجار تأميناً شاملاً على نفقته؟
هذا وقد أجابت الفتاوى الصادرة عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي عن بعض ما تتضمنه هذه الأسئلة الثلاثة، وهذا نصها:
صيانة العين المأجورة:
أولاً: لا يلزم المؤجر القيام بشيء من الإصلاحات الإنشائية، أو التحسينية إلا بشرط في العقد.
ثانياً: يلزم المؤجر القيام بالإصلاحات الضرورية لتمكين المستأجر من الانتفاع، إذا حدث الخلل بعد التعاقد، أو كان موجوداً عند التعاقد ولم يطلع عليه المستأجر، أما إذا كان موجوداً قبل التعاقد واطلع عليه المستأجر فلا يلزم المؤجر القيام بإصلاحه إلا بشرط في العقد، فإذا قام المؤجر بالإصلاحات التي تلزمه بمقتضى البند السابق لم يكن للمستأجر حق فسخ العقد.
стр. 19008
ثالثاً: الأصل أنه لا يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر صيانة العين مما قد يحصل بها من الخلل، فإن وقع العقد بهذا الشرط فسد، للجهالة.
ويستثنى من ذلك الحالات التالية:
١-الصيانة التشغيلية وهي ما يستلزمه استعمال العين المستأجرة لاستمرارية استخدامها (كالزيوت المطلوبة للآلات والمعدات) .
٢-الصيانة الدورية، وهي ما يتطلبه استمرار قدرة العين على تقديم المنفعة.
٣-الصيانة المعلومة، بالوصف والمقدار في العقد، أو العرف، سواء كانت الصيانة مجرد عمل أو مع استخدام مواد أو قطع غيار معلومة، لأن ما كان من هذا القبيل فإنه بمثابة أجرة مأخوذة في الاعتبار.
رابعاً: إن أذن المؤجر للمستأجر في العقد أو بعده أن يقوم بإصلاحات معينة في العين فله أن يفعل ذلك ثم يكون له أن يرجع على المؤجر بما أنفقه عنه، ما لم يكن المؤجر قد اشترط أن لا رجوع عليه، أما إن قام المستأجر بعمل صيانة للعين المستأجرة بدون إذن المؤجر فليس له أن يرجع عليه بشيء، بل يكون متبرعاً. "انتهى نص القررا".
الصيانة في الفقه الإسلامي:
تدخل هذه المسألة ضمن ما يلزم به شرعاً المؤجر، أو المستأجر، ولذلك تحدث الفقهاء عن التزامات المؤجر، والمستأجر، فقالوا على المؤجر ما يتمكن به من الانتفاع كتسليم المفتاح، وعليه بناء حائط إن سقط، وإبدال خشبه إن انكسر، وعليه تبليط الحمام وعمل الأبواب ومجرى الماء، لأنه بذلك يتمكن من الانتفاع.
وأما ما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبكرة في إجارة البئر فعلى المكتري (١) .
وقال النووي: "ما تحتاج إليه الدار المكراة من العمارة ثلاث أضرب:
أحدها: مرمة لا تحتاج إلى عين جديدة كإقامة جدار مائل وإصلاح منكسر، وإغلاق مفتوحة.
الثاني: ما يحوج إلى عين جديدة كبناء، وجذع جديد، وتطيين سطح.
الثالث: عمارة يحتاج إليها لخلل قارن العقد بأن أجر داراً ليس لها باب ولا ميزاب.
ولا يجب شيء من هذه الأضرب على المستأجر، بل هي من وظيفة المؤجر، فإن بادر إلى الإصلاح فلا خيار للمستأجر، وإلا فله الخيار إذا نقصت المنفعة.. وإنما يثبت الخيار في الضرب الثالث" (٢) .
وجاء في الذخيرة "على رب الدار كنس المرحاض، وإصلاح الواهي حتى يتمكن من المنفعة" (٣) .
وجاء في الدر المختار: "وعمارة الدار المستأجرة وتطيينها (أي تطيين سطحها) وإصلاح الميزاب، وما كان من البناء على رب الدار، وكذا كل ما يخل بالسكنى، فإن أبي صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها إلا أن يكون المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب، وإصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج على صاحب الدار" (٤) .
стр. 19009
وذكر ابن عابدين أنه جاء في البزازية "أن تسييل ماء الحمام وتفريغه على المستأجر وإن شرط نقل الرماد والسرقين رب الحمام على المستأجر لا يفسد العقد" (١) .
والمعيار عند الفقهاء في هذه المسألة هو أن ما كان يخص تحقيق الهدف من الإجارة فعلى المؤجر، أو بعبارة أخرى "ما يتمكن به من الانتفاع بالعين المؤجرة، فعلى المؤجر، وما كان لاستيفاء المنافع فهو على عاتق المستأجر، فالواجب على المؤجر أن يزيل كل العقبات أمام المستأجر لتمكينه من الانتفاع بما أجره على الوجه الذي هو مقصوده (٢) ، أما ما يخص استيفاء المنفعة فهو على المستأجر".
وأعتقد أن هذا الميزان والمعيار الفقهي يفتح أمامنا مجالاً للنظر والاجتهاد في مسائل الصيانة اليوم، حيث إن ما يلزم لاستيفاء منافع العين المؤجرة يقع على عاتق المستأجر، وعلى ضوء ذلك فالصيانة اللازمة لتشغيل المحركات ونحوها مثل تبديل الزيت والفلتر والعجلات ونحوها مما يحتاج إليها العمل، وتستهلكه العين المؤجرة تكون على المستأجر (٣) ، لأن هذه الأمور بمثابة العلف للدابة المستأجرة حيث يقع على المستأجر.
وكذلك الصيانة التي تكون للأجزاء الصغيرة غير الجوهرية التي تستهلك أو تتلف في فترات دورية معينة بسبب التشغيل فهذه أيضاً تقع على عاتق المستأجر لأنها تلزم لاستيفاء المنافع وهي أشبه ما تكون بآلات رفع الماء من البئر التي تقع على المستأجر، وقد قال ابن قدامة: "وما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبكرة (في إجارة البئر) فعلى المكتري" (٤) أي المستأجر، وجاء في الروضة: "إذا اكترى للركوب قال الأكثرون: على المؤجر الإكاف والبرذعة.. وفي السرج إذا اكترى الفرس أوجه، ثالثها اتباع العادة، قلت: صحح الرافعي في المحرر اتباع العادة، والله أعلم. وقال أبو الحسن العبادي في (الرقم) لا يلزم مكري الدابة إلا تسليمها عارية، والآلات كلها على المستأجر" (٥) .
стр. 19010
دور العرف في هذا الباب:
للعرف في تحديد التزامات المؤجر، والمستأجر دور كبير، فقد رأينا أن الشافعية الذين لا يعتبرون العرف دليلاً أو مصدراً من مصادر الفقه يولون هنا عناية به ويصححون اتباع العادة والعرف فيما يلزم المؤجر والمستأجر (١) ، ويقول ابن قدامة: "يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطأ به المركوب للراكب" (٢) ، وقال السرخسي: "ولأن المرجع في هذا إلى العرف" (٣) .
فعلى ضوء ذلك يمكن الاعتماد على العرف الجاري السائد.
اشتراط الصيانة على المستأجر:
لا خلاف بين الفقهاء –من حيث المبدأ- بأن الأشياء التي لا تجب على المؤجر لو اشترطها على المستأجر ووافق عليها فإن هذا الشرط ملزم ما دام لا يخالف نصاً من نصوص الكتاب والسنة.
وإنما الحديث هنا عن اشتراط المؤجر ما يجب عليه من أعمال الصيانة، ثم يشترطها على المستأجر ويوافق عليها، فهل يعد هذا الشرط باطلاً أو صحيحاً؟
وللإجابة عن ذلك نحتاج إلى تحديد نوعية هذا الشرط هل هو مما خالف نصاً من نصوص الكتاب والسنة؟ أو هو يخالف مقتضى العقد؟
إنه من خلال التقصي لا نجد نصاً شرعياً ثابتاً يمنع هذا الشرط هنا، وإذا لم يثبت ذلك فإن الأصل –على الراجح عند المحققين كما سبق- هو الإباحة في العقود والشروط كما أثبت ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (٤) .
وهل هو مخالف لمقتضى عقد الإجارة؟
للإجابة عن ذلك نقول: إن مقتضى عقد الإجارة هو تملك المستأجر للمنفعة، وتملك المؤجر للأجرة، وتسليم محل المنفعة بشكل يستطيع المستأجر أن ينتفع به، ويحقق غرضه المنشود من الإجارة، أما القيام بأعمال الصيانة التي يقتضيها استيفاء المنفعة فليس من مقتضى العقد.