أسئلة بنك التنمية تحدد المشكلة:
وجه البنك الإسلامي للتنمية بجدة خطاباً أوضح فيه العقبات التي تتطلب حلاً جذرياً بخصوص الصيانة وطالب مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في شهر المحرم عام ١٤٠٧هـ بالإجابة عن أسئلته موضحاً له أن أنواع الصيانة ثلاثة هي:
النوع الأول: التشغيل السليم، ويشمل قراءة معدات قياس الحرارة، والمياه، والزيوت، ومتابعة ذلك للتأكد من سلامتها طوال فترات التشغيل.
النوع الثاني: الصيانة الوقائية، وتتمثل في أعمال محددة تتم في آجال معلومة يحدث فيها تغيير بعض الأجزاء وضبط البعض الآخر.
النوع الثالث: الصيانة الطارئة، وهي أعمال يجب القيام بها عند حدوث عطل فني غير متوقع مما قد يترتب عليه تغيير أجزاء هامة، وتتطلب مهارة فنية فائقة، وهذا النوع من الصيانة يمكن التقليل منه بالتشغيل السليم والصيانة الوقائية.
وقد طلب البنك في خطابه هذا الإجابة عن أسئلته حول الإيجار المنتهي بالتمليك وكيفية الصيانة فيه، وصدر عن المجمع في دورة مؤتمره الثالث عدة مبادئ بهذا الصدد منها: "أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكاً للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد، أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذٍ عليه".
ومنها: "أن نفقات التأمين لدى الشركات الإسلامية كلما أمكن ذلك يتحملها البنك".
ثم عرض البنك هذا الموضوع على مجموعة من الفقهاء الذين استشارهم البنك في بيان أفضل وسيلة لوضع المبادئ الستة التي أقرها المجمع موضع التنفيذ فأشارت عليه بما يأتي:
١-يجوز للبنك أن يبرم عقداً مع المستأجر يقوم بموجبه المستأجر بصيانة العين المؤجرة مقابل مبلغ مقطوع.
٢-لا مانع شرعاً من توكيل البنك للجهة المراد تأجير المعدات لها بإجراء التأمين على المعدات محل الإيجار على نفقة البنك.
غير أن بنك التنمية –وهو حريص على عدم مخالفة الشريعة في جميع عملياته- أوضح بأنه يواجه بعض الصعوبات العملية في تطبيق تلك المبادئ السابقة على أسلوب الإيجار المنتهي بالتمليك مبيناً بأن البنك مؤسسة تمويلية تمتد عملياته إلى أربع وأربعين دولة، وأن المعدات والآلات والأجهزة التي يقوم بتأجيرها تختلف مواصفاتها وتتعدد بأنواعها وتتباين أغراضها مما يجعل التزام البنك بصيانتها أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً.
стр. 19007
وأضاف البنك قائلاً: إن طبيعة الصيانة المطلوبة تختلف من شيء إلى آخر، فبالنسبة للعقارات –مثلاً –فإن أعمال الصيانة واضحة محددة وتتسم بالطابع الموسمي، وتتم في فترات محددة ما عدا الأضرار التي تنجم عن الحوادث الطارئة، أما المعدات والآلات فإن صيانتها تتسم بالاستمرارية، ويصعب لذلك تقديرها مسبقاً لارتباطها بطبيعة التشغيل ونوعه وكفاءة الكوادر الفنية التي تقوم بهذا النوع الفني الشائك من الصيانة الذي يتطلب أن يكون لدى البنك فريق كامل من الخبراء والفنيين في كافة التخصصات وهو أمر يفوق طاقة مؤسسات التمويل الإسلامية، ويضعف مركزها في مواجهة مؤسسات التمويل غير الإسلامية (١) ، وقد طلب البنك البحث عن صيغة تحقق مصالحه، وتتفق مع أحكام الشريعة ومقاصدها، وتجيب بصفة خاصة عن الأسئلة الثلاثة الآتية:
١-هل يمكن تصنيف أعمال الصيانة المختلفة، كما تقدم وصفها، لمعرفة ما يمكن أن يتحمله المستأجر منها، دون أن يتعارض ذلك مع مقتضى عقد الإيجار؟
٢-وإذا بقي من أنواع الصيانة ما يقضي الفقه بإلزام مالك العين به، فهل لذلك المالك أن يتفق مع المستأجر على أن يقوم المستأجر بتلك الصيانة مقابل تخفيض الأجرة؟
٣-هل بالإمكان من الناحية الشرعية أن يتم الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على أن يقوم الأخير بإجراء التأمين على العين موضوع الإيجار تأميناً شاملاً على نفقته؟
هذا وقد أجابت الفتاوى الصادرة عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي عن بعض ما تتضمنه هذه الأسئلة الثلاثة، وهذا نصها:
صيانة العين المأجورة:
أولاً: لا يلزم المؤجر القيام بشيء من الإصلاحات الإنشائية، أو التحسينية إلا بشرط في العقد.
ثانياً: يلزم المؤجر القيام بالإصلاحات الضرورية لتمكين المستأجر من الانتفاع، إذا حدث الخلل بعد التعاقد، أو كان موجوداً عند التعاقد ولم يطلع عليه المستأجر، أما إذا كان موجوداً قبل التعاقد واطلع عليه المستأجر فلا يلزم المؤجر القيام بإصلاحه إلا بشرط في العقد، فإذا قام المؤجر بالإصلاحات التي تلزمه بمقتضى البند السابق لم يكن للمستأجر حق فسخ العقد.
стр. 19008
ثالثاً: الأصل أنه لا يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر صيانة العين مما قد يحصل بها من الخلل، فإن وقع العقد بهذا الشرط فسد، للجهالة.
ويستثنى من ذلك الحالات التالية:
١-الصيانة التشغيلية وهي ما يستلزمه استعمال العين المستأجرة لاستمرارية استخدامها (كالزيوت المطلوبة للآلات والمعدات) .
٢-الصيانة الدورية، وهي ما يتطلبه استمرار قدرة العين على تقديم المنفعة.
٣-الصيانة المعلومة، بالوصف والمقدار في العقد، أو العرف، سواء كانت الصيانة مجرد عمل أو مع استخدام مواد أو قطع غيار معلومة، لأن ما كان من هذا القبيل فإنه بمثابة أجرة مأخوذة في الاعتبار.
رابعاً: إن أذن المؤجر للمستأجر في العقد أو بعده أن يقوم بإصلاحات معينة في العين فله أن يفعل ذلك ثم يكون له أن يرجع على المؤجر بما أنفقه عنه، ما لم يكن المؤجر قد اشترط أن لا رجوع عليه، أما إن قام المستأجر بعمل صيانة للعين المستأجرة بدون إذن المؤجر فليس له أن يرجع عليه بشيء، بل يكون متبرعاً. "انتهى نص القررا".
الصيانة في الفقه الإسلامي:
تدخل هذه المسألة ضمن ما يلزم به شرعاً المؤجر، أو المستأجر، ولذلك تحدث الفقهاء عن التزامات المؤجر، والمستأجر، فقالوا على المؤجر ما يتمكن به من الانتفاع كتسليم المفتاح، وعليه بناء حائط إن سقط، وإبدال خشبه إن انكسر، وعليه تبليط الحمام وعمل الأبواب ومجرى الماء، لأنه بذلك يتمكن من الانتفاع.
وأما ما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبكرة في إجارة البئر فعلى المكتري (١) .
وقال النووي: "ما تحتاج إليه الدار المكراة من العمارة ثلاث أضرب:
أحدها: مرمة لا تحتاج إلى عين جديدة كإقامة جدار مائل وإصلاح منكسر، وإغلاق مفتوحة.
الثاني: ما يحوج إلى عين جديدة كبناء، وجذع جديد، وتطيين سطح.
الثالث: عمارة يحتاج إليها لخلل قارن العقد بأن أجر داراً ليس لها باب ولا ميزاب.
ولا يجب شيء من هذه الأضرب على المستأجر، بل هي من وظيفة المؤجر، فإن بادر إلى الإصلاح فلا خيار للمستأجر، وإلا فله الخيار إذا نقصت المنفعة.. وإنما يثبت الخيار في الضرب الثالث" (٢) .
وجاء في الذخيرة "على رب الدار كنس المرحاض، وإصلاح الواهي حتى يتمكن من المنفعة" (٣) .
وجاء في الدر المختار: "وعمارة الدار المستأجرة وتطيينها (أي تطيين سطحها) وإصلاح الميزاب، وما كان من البناء على رب الدار، وكذا كل ما يخل بالسكنى، فإن أبي صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها إلا أن يكون المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب، وإصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج على صاحب الدار" (٤) .
стр. 19009
وذكر ابن عابدين أنه جاء في البزازية "أن تسييل ماء الحمام وتفريغه على المستأجر وإن شرط نقل الرماد والسرقين رب الحمام على المستأجر لا يفسد العقد" (١) .
والمعيار عند الفقهاء في هذه المسألة هو أن ما كان يخص تحقيق الهدف من الإجارة فعلى المؤجر، أو بعبارة أخرى "ما يتمكن به من الانتفاع بالعين المؤجرة، فعلى المؤجر، وما كان لاستيفاء المنافع فهو على عاتق المستأجر، فالواجب على المؤجر أن يزيل كل العقبات أمام المستأجر لتمكينه من الانتفاع بما أجره على الوجه الذي هو مقصوده (٢) ، أما ما يخص استيفاء المنفعة فهو على المستأجر".
وأعتقد أن هذا الميزان والمعيار الفقهي يفتح أمامنا مجالاً للنظر والاجتهاد في مسائل الصيانة اليوم، حيث إن ما يلزم لاستيفاء منافع العين المؤجرة يقع على عاتق المستأجر، وعلى ضوء ذلك فالصيانة اللازمة لتشغيل المحركات ونحوها مثل تبديل الزيت والفلتر والعجلات ونحوها مما يحتاج إليها العمل، وتستهلكه العين المؤجرة تكون على المستأجر (٣) ، لأن هذه الأمور بمثابة العلف للدابة المستأجرة حيث يقع على المستأجر.
وكذلك الصيانة التي تكون للأجزاء الصغيرة غير الجوهرية التي تستهلك أو تتلف في فترات دورية معينة بسبب التشغيل فهذه أيضاً تقع على عاتق المستأجر لأنها تلزم لاستيفاء المنافع وهي أشبه ما تكون بآلات رفع الماء من البئر التي تقع على المستأجر، وقد قال ابن قدامة: "وما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبكرة (في إجارة البئر) فعلى المكتري" (٤) أي المستأجر، وجاء في الروضة: "إذا اكترى للركوب قال الأكثرون: على المؤجر الإكاف والبرذعة.. وفي السرج إذا اكترى الفرس أوجه، ثالثها اتباع العادة، قلت: صحح الرافعي في المحرر اتباع العادة، والله أعلم. وقال أبو الحسن العبادي في (الرقم) لا يلزم مكري الدابة إلا تسليمها عارية، والآلات كلها على المستأجر" (٥) .
стр. 19010
دور العرف في هذا الباب:
للعرف في تحديد التزامات المؤجر، والمستأجر دور كبير، فقد رأينا أن الشافعية الذين لا يعتبرون العرف دليلاً أو مصدراً من مصادر الفقه يولون هنا عناية به ويصححون اتباع العادة والعرف فيما يلزم المؤجر والمستأجر (١) ، ويقول ابن قدامة: "يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطأ به المركوب للراكب" (٢) ، وقال السرخسي: "ولأن المرجع في هذا إلى العرف" (٣) .
فعلى ضوء ذلك يمكن الاعتماد على العرف الجاري السائد.
اشتراط الصيانة على المستأجر:
لا خلاف بين الفقهاء –من حيث المبدأ- بأن الأشياء التي لا تجب على المؤجر لو اشترطها على المستأجر ووافق عليها فإن هذا الشرط ملزم ما دام لا يخالف نصاً من نصوص الكتاب والسنة.
وإنما الحديث هنا عن اشتراط المؤجر ما يجب عليه من أعمال الصيانة، ثم يشترطها على المستأجر ويوافق عليها، فهل يعد هذا الشرط باطلاً أو صحيحاً؟
وللإجابة عن ذلك نحتاج إلى تحديد نوعية هذا الشرط هل هو مما خالف نصاً من نصوص الكتاب والسنة؟ أو هو يخالف مقتضى العقد؟
إنه من خلال التقصي لا نجد نصاً شرعياً ثابتاً يمنع هذا الشرط هنا، وإذا لم يثبت ذلك فإن الأصل –على الراجح عند المحققين كما سبق- هو الإباحة في العقود والشروط كما أثبت ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (٤) .
وهل هو مخالف لمقتضى عقد الإجارة؟
للإجابة عن ذلك نقول: إن مقتضى عقد الإجارة هو تملك المستأجر للمنفعة، وتملك المؤجر للأجرة، وتسليم محل المنفعة بشكل يستطيع المستأجر أن ينتفع به، ويحقق غرضه المنشود من الإجارة، أما القيام بأعمال الصيانة التي يقتضيها استيفاء المنفعة فليس من مقتضى العقد.
стр. 19011
ويدل على ذلك أن الفقهاء ذكروا أن الواجب على المؤجر أن يسلم مع الدابة المستأجرة حزامها وإكافها ونحو ذلك، ومع ذلك أجازوا اشتراط نفي ذلك، قال النووي: "هذا إذا أطلقا العقد، أما إذا قال: أكريتك هذه الدابة العارية بلا حزام ولا إكاف ولا غيرهما فلا يلزمه شيء من الآلات" (١) .
ثم إن هناك فرقاً بين تسليم العين المؤجرة سليمة وصالحة، وهذا بلا شك واجب على المؤجر إلا إذا اتفقا على عين معيبة وهذا أيضاً جائز، وبين أن يفرض على المؤجر الصيانات التي تحتاج إليها العين المؤجرة بسبب العمل، فالذي يظهر لي رجحانه أن جميع أنواع الصيانات التي يعود سببها إلى العمل والتشغيل ليست من مقتضيات العقد، بل هي مما يجوز فيها الاشتراط والاتفاق.
قد يقال: إن بعض انواع الصيانة يتوقف عليها تشغيل المعدات؟
نقول: لا ضير في ذلك فهي مثل العلف للدابة المستأجرة، حيث لا تستطيع بدونه أن تعمل، أو تحمل، بل قد تموت، ومع ذلك فهو على المستأجر، لأنه يتعلق باستيفاء المنفعة، وليس بالتمكن من الانتفاع، وكذلك الحال في المعدات حيث إن المهم فيها هو أن يسلمها طبقاً للأوصاف المتفق عليها، أو برضا المستأجر بعد رؤيتها، أما ما تحتاج إليه هذه الآلة أو الطائرة من صيانة فيما بعد بسبب طبيعة العمل والاستهلاك فهذا يعود إلى العرف الجاري، أو الاشتراط.
بل إن بعض الفقهاء أجازوا ضمان العين المستأجرة كلها، وهذا مروي عن أحمد، وقول مرجوح للمالكية.
جاء في المغني: "فإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى العقد.. ولأن ما لا يجب ضمانه لا يصيره الشرط مضموناً، وما يجب ضمانه لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه، وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: المسلمون على شروطهم، وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه، ووجوبه بشرطه لقوله ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) (٢) .
وذكر الإمام القرافي قولاً مرجوحاً للمالكية بأن يد المستأجر يد ضمان على العين المستأجرة كما في الأجير المشترك (٣) .
стр. 19012
شروط المرمة على المستأجر:
وقد أجاز جماعة من الفقهاء منهم المالكية اشتراط الترميم (الصيانة) من الأجرة نفسها (١) ، وأجازوا كذلك أن تكون أعمال المرمة زيادة على الأجرة إذا كانت معلومة علماً يرفع الجهالة المؤدية إلى النزاع، جاء في الشرح الكبير: "وجاز شرط مرمة على المكتري، أي إصلاح ما تحتاج إليه الدار أو الحمام مثلاً من كراء وجب، وشرط تطيين الدار أي جعل الطين على سطحها إن احتاجت على المكتري من كراء وجب.."وعلق عليه الدسوقي بقوله: "اعلم أنهما –أي المرمة والتطيين- إن كانا مجهولين فلا يجوز اشتراطهما على المكتري إلا من الكراء لا من عند نفسه كأن يقول كلما احتاجت لمرمة، أو تطيين فرمها أو طينها من الكراء، وأما إن كانا معلومين كأن يعين للمكتري ما يرمه، أو يشترط عليه التطيين مرتين، أو ثلاثاً في السنة فيجوز مطلقاً سواء كان من عند المكتري، أو من الكراء بعد وجوبه، أو قبله وهذا النص يساعدنا في مجال الصيانة على أن تحمل على المستأجر" (٢) .
وهذا النص الفقهي يدل بوضوح على جواز اشتراط الصيانة المعهودة في عصرهم على المستأجر ما دامت معلومة علماً لا يؤدي إلى النزاع، ويقاس عليها الصيانة المعهودة في عصرنا للآلات والمعدات والدور ونحوها، ولكن ينظم ذلك عن طريق المرات المطلوبة أو للأجزاء المحدودة.
والمرمة تعني إصلاح التالف، فيجوز على ضوء ما سبق أن تكون على المستأجر وهي تشمل الصيانة الضرورية لاستيفاء المنفعة، وتشمل إصلاح الآلات التالفة بسبب التشغيل، أو استبدالها، لأن المرمة قد تتطلب شراء الجص ومواد البناء، وقد أجاز الفقهاء أن تكون على المستأجر إذا اشترط عليه، وهكذا الأمر في إصلاح العطل وتبديل ما تحتاج إليه المعدات من أدوات وآلات تستبدل في كل فترة، والشرط الوحيد في ذلك هو أن تحدد المرمة، أو الصيانة بفترات محددة، أو بأي وسيلة ترفع الجهالة المؤدية إلى النزاع.
ويقرب من هذا ما أجازه جماعة من الفقهاء من المالكية من شرط تكريب الأرض الزراعية وتزبيلها (٣) على المستأجر، مع أنه من مسؤولية المؤجر عند إطلاق العقد، فقد جاء في المدونة: "قلت أرأيت إن أكريتك أرضي هذه السنة بعشرين ديناراً وشرطت عليك أن لا تزرعها حتى تكريها ثلاث مرات فتزرعها في الكراب الرابع، وفي هذا منفعة لرب الأرض، لأن أرضه تصلح على هذا؟ قال: نعم هذا جائز، قلت: أرأيت إن أكريته أرضي وشرطت عليه أن يزبلها؟ قال: إذا كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً فلا بأس بذلك، لأن مالكاً قال: لا بأس بالكراء والبيع أن يجمعا في صفقة واحدة، قلت: أرأيت إن استأجرت منك أرضاً بكذا وكذا على أن على رب الأرض حرثها أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: يجوز" (٤) .
стр. 19013
فهذه النصوص تدل بوضوح أن باب الشروط في الإجارة واسع، وأن اشتراط الصيانة على المستأجر من ماله، أو من الأجرة جائز.
مخرج عند من لا يجيز ذلك:
بعض الفقهاء منهم الحنفية لم يجيزوا اشتراط المرمة على المستأجر، حتى لو اشترطها عليه فسدت الإجارة وقالوا: إن هذا شرط مخالف لمقتضى العقد، وأنه يؤدي إلى الجهالة (١) ، وهكذا الشافعية حيث لم يجيزوا اشتراط العمارة على المستأجر (٢) ، ولكنهم أجازوا أن يشترط المؤجر مبلغاً زائداً على الأجرة للترميم بأن يقول: أجرتك داري كل شهر بعشرين ديناراً، وعشرة دراهم للترميم، وأذن له أن ينفقها عليه فهو جائز، لأنه معلوم المقدار ووكله في ذلك، جاء في الفتاوى: قال محمد: الأصل أن شرط المرمة على المستأجر يجعل الإجارة فاسدة، لأن قدر المرمة يصير أجراً وأنه مجهول، وإن أراد الحيلة فالحيلة أن ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه في المرمة، ويضم ذلك إلى الأجرة، ثم يأمر صاحب الحمام المستأجر بصرف ما ضم إلى الأجر للمرمة إلى المرمة حتى إذا كان الأجر عشرة والقدر المحتاج إليه للمرمة أيضاً عشرة فصاحب الحمام يؤجر منه بعشرين ويأمره بصرف العشرة إلى المرمة فيصير المستأجر وكيلاً من جهة صاحب الحمام بالإنفاق عليه من ماله، وأنه معلوم فيجوز" (٣) .
إذن دون اشتراط:
ذكر بعض الفقهاء أن المؤجر لو أذن للمستأجر أن يقوم بالصيانة على نفقته، بأن يقول: أجرتك هذه الطائرة، أو السيارة، أو الباخرة، وأذنت لك بصيانتها كلما احتاجت إلى ذلك على حسابك الخاص دون أن ترجع علي بشيء، لصح ذلك، وأصبح المستأجر متبرعاً بما ينفقه عليها فلا يكون له حق الرجوع على المؤجر، وذكر البهوتي أن شرط التعمير لا يجوز للجهالة لكن الإذن بذلك جائز (٤) .
قيام المستأجر بالصيانة دون إذن المؤجر:
إذا قام المستأجر دون إذن ولا اشتراط بأعمال الصيانة والإصلاح فإن فقهاء المذاهب الأربعة –ما عدا وجهاً مخرجاً ضعيفاً للحنابلة- على أنه لا يرجع بنفقات الصيانة على المؤجر، لأنه بمثابة المتبرع بها (٥) .
стр. 19014
وحل آخر ذكروه وهو أن يقول رب الدار، أو الحمام للمستأجر: قد تركت لك أجر شهرين لمرمة الحمام، أو الدار، فهذا لا يفسد الإجارة (١) .
ويفهم من هذه النصوص أن المدار هو الجهالة، ومن هنا فلو أمكن عن طريق العرف أو الوصف تحديد أعمال الصيانة للزم القول بالجواز.
أما كون ذلك مخالفاً لمقتضى العقد فهذا غير مسلم، وذلك لأن مقتضى عقد الإجارة هو التسليم والتسلم وتملك المنفعة والأجرة، أما هذه الالتزامات فهي ليست على المؤجر بمقتضى العقد بدليل أن جماعة من الفقهاء أجازوا اشتراطها على المستأجر كما سبق، كما أنها من الشروط التي لم يرد فيها نص خاص فتبقى على الإباحة، وحينئذ يجوز تحديدها بمقتضى الشروط.
وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين العقد المطلق، وبين المعنى المطلق من العقود فقال: "فإذا قيل: هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فإن أريد به ينافي العقد المطلق فكذلك كل شرط زائد وهذا لا يضر، وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد احتاج إلى دليل على ذلك، وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد، فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره" (٢) .
فعلى ضوء ذلك نجد أن مقتضى العقد هو مقصوده الأساسي، وهو في الإجارة تملك المنفعة، والأجرة، وأن المراد بالشرط المخالف لمقتضى العقد هو الذي يتناقض مع مقصوده فيبطل، لأنه يؤدي إلى الجمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه، ومن هنا فاشتراط الصيانة ليس من هذا القبيل.
والخلاصة أن جميع أنواع الصيانة التي يتطلبها استيفاء المنفعة من الصيانة التشغيلية، ومن إصلاح الخلل للأجزاء التي تتلف بسبب التشغيل يجوز اشتراطها على المستأجر، لأن القاعدة العامة هي أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه بأن يكون مخالفاً لنص من الكتاب والسنة (٣) .
стр. 19015
الصيانة وتحمل تبعة الهلاك للعين المستأجرة:
لاشك أن تبعة هلاك العين المؤجرة تقع على عاتق المؤجر –كما سبق- فلماذا لا يقاس عليها أعمال الصيانة في عدم جواز اشتراطها على المستأجر؟
للجواب عن ذلك نقول:
أولاً: إن الإمام أحمد في رواية –كما سبق- أجاز أن يكون ضمان العين المستأجرة على المستأجر بالاشتراط، واستنبط منه ابن قدامة ضابطة فقهية وهي: جواز نفي الضمان بشرطه، ووجوبه بشرطه.
ثانياً: إن الصيانة تختلف من هلاك العين المستأجرة، إذ أن هلاكها يؤدي إلى عدم إمكانية الانتفاع بها، في حين أن الصيانة في معظم أحوالها للتشغيل، والوقاية، وأما ما فيها من إصلاح لتلف بعض الأجزاء فهو بمثابة الترميم (المرمة) ولذلك لا يجوز اشتراط أن تكون هلكة الأجزاء الكبيرة الجوهرية على عاتق المستأجر إلا على رواية لأحمد، وقول مرجوح في المذهب المالكي –كما سبق-.
ونستطيع القول بعد هذا العرض للموضوع بأن الصيانة بأنواعها الثلاثة التي طرحها البنك الإسلامي للتنمية ليست من مقتضى عقد الإجارة، وبالتالي يجوز للمؤجر أن يشترطه على المستأجر، فإذا وافق على ذلك فقد التزم به (١) ، ولكن يلزم أن تكون هذه الصيانة معلومة بالوصف، أو المرات، أو بالعرف أو حسب الخبرة القائمة على الدراسات الفنية التي قاموا بها، أو بعبارة أخرى تكون معلومة علماً يرفع الجهالة الفاحشة الموجبة للنزاع.
فأعمال الصيانة وإن كانت واجبة على المؤجر باعتبارها من أحكام العقد، لكنه لا يلزم أن تكون من مقتضى العقد الأساسي الذي لا يجوز مخالفته، وبالتالي يجوز شرطها على المستأجر.
والثاني: لا يقبل، لأنه قبضه لنفع نفسه، أشبه المستعير" (٢) .
стр. 19016
ثالثاً: أن نظرة الفقهاء إلى الأجير تختلف عن نظرتهم إلى المضارب والوكيل، والشريك، حيث إن جمهورهم يرون تضمين الأجير المشترك، وبعضهم يضمنون حتى الأجير الخاص –كما سبق- وأن تعليلهم لذلك يفهم منه نوع الخصوصية للإجارة، فلنذكر ما قاله الإمام القرافي في هذا المجال في رده على من قال بعدم تضمين الأجراء (كالخياط ونحوه) فقال: "والجواب عن الأول –أي حديث ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)) (١) المعارضة بقوله ﵇ ((على اليد ما أخذت حتى ترده)) (٢) .
وعن الثاني (أي القبض لمنفعة الغير) بأننا لا نسلم أنه لم يقبض لحق نفسه بل لمستحق الأجرة، فوجب أن يضمن كالفرض (٣) .
ثم رد القرافي على قياس الأجير على المضارب والمساقي والمودع والوكيل فقال: "سلمنا صحة القياس لكن المودع لم يؤثر في العين تأثيراً يوجب التخمة على أخذ بسبب التغيير، وهو الفرق في الوكيل، وأما المساقي فكذلك أيضاً، لأن الله تعالى هو منمي الثمار، وأما المقارض فلو ضمن مع أن المال بصدد الذهاب والخسارة في الأسفار لامتنع الناس منه فتتعطل مصلحته بخلاف السلع عند الصناع فظهر الفرق، ثم يتأكد ما ذكرناه أن الخلفاء الراشدين ﵃ قضوا بتضمينهم وإن لم يتعدوا.. ولأنه من المصالح فوجب أن يكون مشروعاً" (٤) .
وهذا النص يدل بوضوح على أن نظرة الفقهاء إلى الإجارة –بصورة عامة- تختلف عن غيرها من العقود التي لا تقوم على مبنى الضمان، فالإجارة لها طبيعة خاصة تختلف عن غيرها حتى في كيفية استفادة المستأجر من العين المؤجرة، ولذلك فإذا سلمها المؤجر بالشكل الذي يحقق الغرض المنشود من الإجارة، أو حسب الاتفاق فإنه قد أدى ما عليه، ثم إذا احتاجت بعد ذلك إلى أية صيانة تخص جانب التشغيل، أو ما سماه الفقهاء باستيفاء المنفعة، فإنها يمكن أن تشترط على المستأجر حسب مواصفات معلومة بالعرف أو المرات أو نحو ذلك مما يؤدي إلى رفع جهالة فاحشة عنه.
يقول القرافي: "يجوز كراء الدابة على أن عليك رحلها أو نقلها، أو علفها وطعام ربها، أو على أن عليه طعامك ذاهباً وراجعاً، وإن لم توصف النفقة، لأنه معلوم عادة" (٥) ، فهذا النص وغيره من النصوص الفقهية تسعفنا في عدم التشدد في موضوع العلم بالصيانة، وإرجاعها إلى العرف والعادة وأن المعيار في ذلك هو أن لا تكون الجهالة مؤدية إلى النزاع.
стр. 19017
آثار عدم قيام المؤجر بالصيانة:
ذكرنا السابق أن جمهور الفقهاء في العقد المطلق على أن الصيانة الضرورية لحفظ العين، ولتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة تقع على كاهل المؤجر، ولكنهم اتفقوا على أنه لا يجبر على ذلك، لأن الإنسان لا يجبر على إصلاح ملكه (١) ولكن المستأجر له الحق في فسخ العقد بشرط أن يكون هذا قد وجد بعد العقد، أو كان موجوداً ولم يعلم به، أما إذا كان قديماً وعلم به أو حادثاً فأصلحه فوراً فليس له حق الفسخ، جاء في الدر المختار: "فإن لم يخل العيب به –أي بالنفع – أو أزاله المؤجر، أو انتفع بالمخل –أن يرضى به- سقط خياره لزوال السبب.. فإن أبي صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها إلا أن يكون المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها، لرضاه بالعيب، وإصلاح بئر الماء والبالوعة، والمخرج على صاحب الدار لكن بلا جبر عليه، لأنه لا يجبر على إصلاح ملكه، فإن فعله المستأجر فهو متبرع، لكن لو كانت وقفاً يجبر الناظر على ذلك حماية لأموال الوقف" (٢) .
إذن الجزاء على الإخلال بذلك هو حق الفسخ والخروج من العين المستأجرة دون الإجبار قضاء، وهذا ما أخذت به مجلة الأحكام العدلية في مادتها (٥٢٩) ومرشد الحيران في مادته (٦٤٥) ، وذهب بعض الفقهاء (ابن حبيب من المالكية والغزالي من الشافعية) إلى أن المؤجر يجبر على ما يطيقه من الصيانة، وإصلاح العيوب اليسيرة (٣) .
لكن القوانين الوضعية ذهبت إلى أن الصيانة على المؤجر مطلقاً وأنه ملزم بها قضاء، كما في المادة (٥٧٦) من القانون المدني المصري، والمادة (٥٧٢) من القانون المدني الكويتي، بل للمستأجر الحق في التنفيذ العيني –كما سبق-.
ورأي الجمهور هو الراجح لأنه يحقق العدالة للطرفين، ولا يؤدي إلى تعسف بحق المؤجر الذي يجحف بحقه إلزامه بالإصلاحات التي قد تكلفه مبالغ باهظة، إضافة إلى أن هذا التشدد في حق المؤجر يؤدي بالنهاية إلى الإضرار بالقطاع التأجيري، لأنه يترتب عليه امتناع الكثيرين من الولوج في الاستثمار التأجيري خوفاً من تعسف يطالهم في هذا المجال.
ثم إن هذا الرأي لم يغفل حق المستأجر حيث له الخيار في فسخ العقد والخروج من العين المؤجرة (٤) .
стр. 19018
وهل للمستأجر الحق في إنقاص الأجرة؟
ذهب جماعة من الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة في قول) (١) إلى جواز إنقاص الأجرة في مقابل حدوث خلل في العين المؤجرة وعدم قيام المؤجر بالإصلاح، أو بعبارة أخرى إذا لم يقم بالصيانة اللازمة وبقي الخلل فإن للمستأجر الحق في إنقاص الأجرة، والمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة.
وذهب الحنفية، والحنابلة على المذهب إلى عدم جواز إنقاص الأجرة، وإنما له حق الفسخ فقط (٢) .
وقد أخذت القوانين العربية بحق إنقاص الأجرة بحكم من المحكمة –كما سبق-.
والذي يظهر لي رجحانه هو الرأي الأخير، وذلك لما يأتي:
أولاً: إن عقد الإجارة من عقود الرضا، وهذا يقتضي أن لا يجبر أحد العاقدين إلا برضاهما ولما يترتب على رضاهما، ومن هنا فإجبار المؤجر على القبول بإنقاص الأجرة دون رضاه إجبار على شيء لم يذكر في العقد، ولا اقتضاه العقد فيكون أكلاً لأموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
ثانياً: بالقياس على البيع حيث يكون المشتري بالخيار عند العيب بين الفسخ والقبول بالمبيع بثمنه المتفق عليه –كمبدأ-.
ثالثاً: إن هذا يحقق العدالة للعاقدين، إذ أن إجبار المؤجر على القبول بإنقاص الأجرة لا يخلو من ظلم وتعسف يفرض عليه، في حين أن حق الفسخ وحده يحقق المطلوب للطرفين، فإن شاء المستأجر فسخ، وإن شاء بقي على الأجرة المتفق عليها، وإذا أراد الطرفان إنقاص الأجرة فيكون ذلك برضى جديد من الطرفين.
هذا والله أعلم بالصواب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العاملين.
стр. 19019
الإجارة المنتهية بالتمليك
دراسة اقتصادية وفقهية
إعداد الدكتور شوقي أحمد دنيا
أستاذ الاقتصاد – جامعة الأزهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الإجارة أداة من أدوات التمويل المعتد بها في الاقتصاد الوضعي وفي الاقتصاد الإسلامي، وهي أداة ذات مقومات وخصائص تميزها عما عداها من أدوات التمويل الأخرى (١) ، وقد تعرضت هذه الأداة القديمة إلى الكثير من التعديلات كي تتلاءم ومتطلبات الحياة المعاصرة، وحتى تتمكن من تلبية أكبر قدر ممكن من احتياجات المؤجر في المقام الأول والمستأجر في المقام الثاني.
وقد وصلت هذه التعديلات إلى درجة جعلت من صيغة الإجارة صيغتين، الصيغة القديمة أو التقليدية المعروفة، والصيغة الحديثة التي هي من حيث الجوهر قد لا تمت للإجارة بصلة، أو بعبارة أخرى لا تأخذ من الإجارة إلا اسمها، والتطبيق المعاصر (٢) أصبح يعرف جيداً مصطلحين متمايزين تماماً، مصطلح الإجارة التشغيلية operating lease ومصطلح الإجارة المالية Financial lease.
وبحثنا هنا منصب على الإجارة المالية، والتي من فصيلتها الإجارة المنتهية بالتمليك، بحكم أنها الصيغة الأحدث من جهة، والتي تداعب مصالح أجهزة التمويل المعاصرة من جهة ثانية.
لكننا لن نغفل التعرض السريع للإجارة التشغيلية، لعوامل عديدة، من أهمها:
أنها أمكن من الناحية الشرعية، ثم إنها لم تفقد صلاحيتها بل وفعاليتها التمويلية حتى في عصرنا هذا، خاصة إذا ما طورت من ناحية التصكيك (Securitization) بمعنى إيجاد (سندات) أو صكوك لها قابلة للتداول (٣) ، ومن ناحية استخدامها من خلال صيغ أخرى كالوكالة والمضاربة ... الخ. وبغض النظر عن ذلك فإنها في ظل البيئة الإسلامية المعاصرة ومالها من خصائص اقتصادية، ما زالت لها مكانتها التمويلية.
стр. 19020
أما بالنسبة للإجارة المالية فلنا معها وقفات طوال نغطي فيها بقدر الإمكان أهم محاورها، والتي منها قضية المفاهيم والمصطلحات والصور المتعددة التي تتبدى فيها، والتي تضفي على الموضوع قدراً كبيراً من الغموض، بل واللبس، ثم تبريرات ظهور هذه الصور المتعددة، والدوافع وراءها، وهل كان وراء ذلك عجز الإجارة التشغيلية عن تلبية متطلبات جديدة؟ أم عجز صيغ أخرى جعلت الفكر المالي يلجأ إلى الإجارة مستخدماً لها، لكن مع خروج بها عن مألوفها؟ ثم ما هي الفوائد التي تحققها هذه الصيغة أو هذه الأداة لكل من المؤجر والمستأجر والاقتصاد القومي عموماً؟
وما هي الثغرات أو المشكلات التي تثيرها هذه الأداة من الناحية العملية؟ ثم ما هو موقعها على خريطة التمويل لمصارف الإسلامية؟ وأخيراً موقف الفقه الإسلامي منها.
١ - الإجارة التشغيلية – مفهومها وأهمية التمويل بها:
أ-مفهومها: لو نظرنا لها من الناحية الشرعية والقانونية فهي عقد بين طرفين على تمليك منفعة (١) . يستوي في ذلك أن تكون المنفعة منفعة أصل مالي مثل الآلة والعقار ... الخ، وأن تكون منفعة إنسان ما.
والمهم في الموضوع أن تكون المنفعة مباحة شرعاً، وأن تكون قابلة للانفصال عن الأصل دون هلاكه مباشرة، وأن تكون معروفة محددة بشكل يمنع الجهالة المفضية إلى النزاع، إلى آخر ما هنالك من اشتراطات شرعية تستهدف جميعها قيام هذا العقد بإنتاج آثاره وتحقيق مقصوده على الوجه الأمثل.
ولو نظرنا لها من الناحية الأقتصادية فهي نشاط اقتصادي تبادلي قد يدخل في نطاق التجارة إذ هي قرينة البيع أو أحد فروعه.
ولو نظرنا لها من الناحية المالية فهي نشاط تمويلي، وإن كان البعض يتحفظ على ذلك ناظراً لها على أنها نشاط تجاري (٢) ، لكنها عند التحقيق لا تخلو من عناصر تمويلية بارزة، إذا ما فهمنا التمويل بمعناه الواسع ويزداد بروز الجانب التمويلي فيها بتأجيل الأجرة أو الأجر، وكذلك بإيجاد صكوك لها.
стр. 19021
وبخصوص مدة الإجارة لم يضع الفقه في ذلك شروطاً حاسمة، اللهم إلا شرطاً واحداً هو أن تظل العين خلالها صالحة لتقديم هذه المنفعة طالت المدة أو قصرت (١) ، ومن الواضح أن هذا الأمر ظني، متوقف على غلبة الظن والتوقع، وإلا فهناك عوامل متعددة لا يمكن التأكد منها، لها دورها الحاسم في تحديد العمر الإنتاجي للأصل المنتج، إذن هي قابلة لامتداد المدة امتداداً طويلاً بطول عمر الأصل المنتج للمنفعة، وهذه قضية مهمة نتعرف عليها بعد استعراضنا للإجارة المالية.
ومن الجوانب الفقهية أو الشرعية ذات الأهمية هنا ما يتعلق باللزوم والجواز في عقد الإجارة. فهل الإجارة عقد لازم أم عقد جائز؟ أم هي عقد لازم.
لطرف جائز للطرف الثاني؟ (٢) وأيضاً فإن لهذه الزاوية أهمية كبرى في عصرنا الحاضر، كما سنرى عند دراستنا للإجارة المالية.
وأخيراً فإن مسألة الصيانة والنفقة والضمان من المسائل بالغة الأهمية في ضوء التطور الحديث الذي جاء لنا بالإجارة المالية. والمدون في فقه الإجارة أنه لا ضمان على المستأجر إلا بالتفريط أو التعدي، وما عدا ذلك فاشتراطه منافٍ لمقتضى العقد، ومن ثم فلا يصح. والمعروف كذلك لدى جميع الفقهاء أن صيانة الأصل المؤجر على المؤجر وليس على المستأجر، ولو اشترطه على المستأجر فهو شرط فاسد لا أثر له، لكن حقيقة الصيانة وبنودها كل ذلك راجع إلى العرف السائد، والتأمين على سلامة الأصل مسؤولية المؤجر، لكن من حقه أن يوكل المستأجر في القيام بذلك، على أساس أنه أصبح جزءاً من الأجرة المقررة (٣) ، والمهم في الأمر كله ألا يؤدي شيء من ذلك إلى جهالة الأجرة، ومن ثم الغرر والإفضاء إلى النزاع، وبالتالي عدم قيام عقد الإجارة بتحقيق المقصد منه.
стр. 19022
ب-أهمية التمويل بالإجارة: يوفر التمويل بالإجارة للحياة الاقتصادية خدمات عديدة لا ينهض التمويل بغيرها بتوفيرها لما هنالك من تمايز في الخصائص والطبائع بين كل أداة تمويلية وأخرى، فليس كل فرد في حاجة إلى منفعة ما قادر على تملك الأصل المنتج لهذه المنفعة، ومن ثم يقف عاجزاً عن إشباع هذه الحاجة، مما قد يرتب المزيد من المضار الاقتصادية. فهل كل مزارع لديه المقدرة على امتلاك جرار زراعي أو طلمبة مياه أو محراث؟ وهل كل صانع لديه المقدرة على امتلاك محل لصناعته؟ وكذلك الحال في التاجر، وفي الطبيب وغيرها، بل هل كل فرد قادر على أن يؤمن بنفسه ولنفسه كل الخدمات المحتاج إليها من علاج وغيره مما يحتاجه من حلاجات غير محدودة في أنواعها ونوعياتها؟ من هنا تظهر أهمية الإجارة على مستوى المستأجر، وعلى مستوى الاقتصاد القومي، ولا تقل أهميتها على مستوى المؤجر عن هذه الأهمية. فليس كل صاحب مال بقادر على استغلال ماله وتوظيفه بنفسه أو براغب في ذلك، وهو في الوقت ذاته غير مستغني عنه. فلا هو بقادر أو راغب في تشغيله، ولا هو براغب في نفس الوقت في التخلص منه بالبيع، وبذلك يبقى المال معطلاً من جهة، ويبقى صاحبه محروماً من عائده من جهة أخرى، ونفس الكلام ينطبق على صاحب الخبرة والصنعة والحرفة. وهنا تجيء الإجارة لتواجه هذه الوضعية (١) ، ومما هو جدير بالإشارة أن فقهاءنا القدامى قد أشاروا إلى ذلك ونبهوا إليه في تراثنا الفقهي العريق، يقول ابن قدامة:
"إن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعاً وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن كل أحد عمل ذلك، ولا يجد متطوعاً به، فلابد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقاً للرزق حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع" (٢) ويقول الكاساني: "إن الله تعالى إنما شرع العقود لحوائج العباد، وحاجتهم إلى الإجارة ماسة، لأن كل واحد لا يكون له دار مملوكة يسكنها أو أرض مملوكة يزرعها أو دابة مملوكة يركبها، وقد لا يمكنه تملكها بالشراء لعدم الثمن ولا بالهبة والإعارة، لأن نفس كل واحد لا تسمح بذلك فيحتاج إلى الإجارة فجوزت لحاجة الناس كالسلم ونحوه" (٣) .
стр. 19023
وقد يكون من المفيد صياغة أهمية التمويل بالإجارة صياغة فنية مالية وذلك على النحو التالي (١) :
أولاً – بالنسبة للمستأجر:
١-الاستفادة من الأصول الرأسمالية في نشاطه دون الحاجة إلى تخصيص جزء من سيولته لشرائها، مما يتيح له فرصة أوسع في توظيف أمواله واستخدامها في تحقيق مقصوده، فهي كما يقال تمويل من خارج الميزانية، وتظهر أهمية ذلك بشكل بارز كلما كبر ثمن هذه الأصول وكلما غلبت حالة الكساد.
٢-الحماية من آثار التضخم، ويبدو ذلك جلياً كلما كانت مدة الإجارة طويلة وكانت الأجرة محددة وشاعت حالة التضخم.
٣-تتيح له التمويل بنسبة ١٠٠? حيث لا يتحمل عادة بأية نسبة من قيمة الأصول، عكس ما هو عليه الحال في العديد من أدوات التمويل الأخرى.
٤-تحقيق إمكانية التوسع في مشروعه وسرعة الحصول على المعدات المطلوبة والمتطورة دون الاضطرار إلى التوسع في عدد الملاك أو طرح أسهم جديدة، وما قد ينجم عن ذلك من مشكلات.
٥-تهيئ للمشروع فرصة جيدة لبرمجة نفقاته في المستقبل، والتعرف عليها سلفاً، مع عدم تحميله لمشكلات الاستهلاك والمخصصات.
٦-الاستفادة من ميزات ضريبية، حيث إن الأجرة تخصم من الأرباح قبل فرض الضريبة عليها، عكس ما لو كانت حصة مشاركة فهي توزيع للربح وليست عبئاً عليه، ومن ثم فلا يستفيد من تخفيض الضرائب، مما يجعل التمويل بهذه الأداة غالباً أقل كلفة من غيره، خاصة وأن المؤجر، نظراً لما يتمتع به من ميزات ضريبية فإنه يعرض معداته بسعر منخفض.
٧-ثم هي في النهاية تعد أداة مغايرة لغيرها من الأدوات التمويلية، ما يتيح لطالب التمويل الحصول على احتياجاته تحت أفضل الشروط.
стр. 19024
ثانياً- بالنسبة للمؤجر:
١-تتيح له فرصة توظيف ماله مع عدم التعرض لقيود الائتمان الداخلي.
٢-وجود ضمان قوي، عكس ما لو تم التمويل من خلال البيع الآجل أو المنجم، حيث إن الأصل المؤجر ما زال على ملكيته، ومن ثم يستطيع استرداده عند الحاجة دون قدرة المستأجر على التصرف فيه، أو مشاركة الغرماء له عند إفلاس المستأجر.
٣-الاستفادة من بعض الميزات الضريبية التي يوفرها له الكثير من القوانين السائدة.
٤-تتيح له إمكانية تخطيط إيراداته المستقبلية، وفي بعض صور التأجير يضمن المؤجر استمرارية التأجير إلى نهاية العمر الإنتاجي للأصل، وكذلك تحميل المستأجر بعض الضمانات والمخاطر.
٥-يمكن التمويل بهذا الأسلوب المؤسسات الإسلامية من الاشتراك مع المؤسسات المالية التقليدية في تقديم التمويل المطلوب، مثل اشتراك شركة الراجحي مع بنك (تشيز مانهاتن) في تقديم تمويل لتأجير طائرات لشركة طيران الإمارات، مما يحقق للمؤسسات المالية مجالات أرحب وفرصاً أوسع للاستفادة من خبرات الغير.
٦-في بعض الحالات تكون مخرجاً جيداً لتوظيف الأموال دون التفريط في ملكيتها مثل أموال الوقف وبضع الأموال الحكومية.
ثالثاً- بالنسبة للاقتصاد الدولي:
١-تسهم بفاعلية في توظيف ما لدى المجتمع من موارد وطاقات وخبرات.
٢-تسهم في إقامة المشروعات دون تباطؤ كبير في انتظار الحصول على التمويل اللازم، ومن ثم عدم التعرض للتضخم والارتفاع المستمر في أسعار المعدات، كما أنه يتيح للمشروعات الوطنية فرصة الاستفادة من المعدات الحديثة.
٣-كما يعمل على المزيد من تراكم رؤوس الأموال.
٤-لا يتسبب في إرهاق الميزان التجاري للدولة إذا ما كان القائم بالتمويل شركة أجنبية، حيث لا يضطر المستثمر الوطني إلى شراء هذه المعدات من الخارج.
стр. 19025
٢ - الإجارة المالية – صور ومفاهيم:
بداية تجدر الإشارة إلى أن التطبيق المعاصر لأداة الإجارة قد استحدثت صوراً وأساليب متعددة، ومن ثم فقد ظهر في القاموس التجاري الحديث وكذلك القاموس المالي العديد من المصطلحات والتي تحمل مفاهيم متغايرة بدرجة أو بأخرى، فكثيراً ما نطالع مصطلحات: التأجير التمويلي، التأجير الساتر للبيع، التأجير الشرائي، التأجير المنتهي بالتمليك، الإجارة والاقتناء، التمويل الإيجاري ... إلخ.
هذا التعدد الواسع في المصطلحات هو في حد ذاته مدعاة للغموض، خاصة إذا ما علمنا أننا إذا بحثنا في مفاهيم ومضامين هذه المصطلحات، وهل هي مفاهيم واحدة وبالتالي تكون هذه المصطلحات معبرة عن صور عديدة متنوعة الخصائص، إذا ما أردنا ذلك فإننا لا نستطيع الحسم في المسألة، مما يزيد الموقف غموضاً، حيث نجدها –أو بالأحرى بعضها- يعامل عند البعض على أنها مترادفات، بينما لا يراها البعض الآخر كذلك.
ثم إننا لا نملك اتفاقاً بين الكتاب والتطبيقات حول ماهية كل صورة وخصائصها. وهكذا يجد القارئ لهذا الموضوع قدراً كبيراً من العناء في البحث والتحري وتجلية موضوعه ومقصوده، وربما كان مرجع ذلك كله أن هذه الاستحداثات الجدية في استخدام صيغة أو أداة الإجارة التقليدية التي يعرفها الإنسان حق المعرفة منذ آماد وعصور بعيدة قد نشأت في ظل أنظمة وقوانين وضعية مختلفة ومتغايرة في نظراتها وتوجيهاتها، كما أنها جاءت بهدف تلبية رغبات متنوعة من مكان لآخر، فبعض القوانين الوضعية تعطي حقوقاً للمؤجر والمستأجر لم تعطها لهما قوانين وضعية أخرى، وبعض القوانين تشترط في بعض الصور شروطاً لم تر اشتراطها قوانين أخرى وربما تمنعها، وبعضها اهتم أكثر بعنصر التأجير، بينما الآخر اهتم بعنصر التمويل أكثر ... إلخ (١) .
стр. 19026
وفي ضوء هذا الغبش الفكري نجد من أنسب المناهج التي يمكن استخدامها في دراسة الموضوع جمع كل هذه الصور المستحدثة تحت مصطلح كبير جامع هو الإجارة المالية ليكون في مقابلة المصطلح الآخر المعروف بالإجارة التشغيلية، وعلى أساس أنه يندرج تحته كل الصور المستجدة وكل هذه المصطلحات المستحدثة، والتي سلفت الإشارة إليها (١) وربما كان أفضل تعريف للإجارة المالية هو تعريف لجنة الأصول المحاسبية الدولة، والذي يذهب إلى أنها: " عقد الإجارة الذي تتحول من خلاله كل مخاطر ونفقات ملكية الأصل من المؤجر إلى المستأجر، سواء تحولت ملكية الأصل للمستأجر في النهاية أم لا" (٢) وفيما يلي نعرض بعض الصور المشهورة للإجارة المالية (٣) .
١-الإجارة بدون خيار الشراء أو تجديد الإجارة: معنى ذلك أنه في نهاية مدة الإجارة يكون للمؤجر الحق الكامل في التصرف في الأصل المؤجر والاستفادة منه، وهذه الصورة ليس بها رصيد واقعي كبير، لأنها غالباً ما لا تشبع للمؤجر رغباته، خاصة إذا كانت مدة الإجارة لا تقل عن العمر الإنتاجي المفترض للأصل المالي، كما أنها لا تحقق للمستأجر ميزة على الإجارة التشغيلية مع تحميلها إياه لعبء النفقات والصيانة ومخاطر الملكية.
ب-الإجارة التي يمتلك فيها المستأجر بنص العقد الأصل المؤجر دون أي ثمن، بمعنى أنه بسداد القسط الأخير يصبح الأصل موضع الإجارة ملكاً للمستأجر دون الحاجة إلى أية إجراءات جديدة ودون الالتزام بدفع أي شيء جديد، وهذه الصورة لها أكثر من مصطلح، فهي تسمى التأجير الشرائي أو البيعي، كما تسمى البيع عن طريق التأجير، وكذلك التأجير الساتر للبيع، وأيضاً البيع الإيجاري.
وأياً كان المصطلح فهو مترجم عن (Hire – Purchase) ومن الواضح أن هذه الصورة هي من حيث الجوهر والحقيقة بيع وليست إجارة، فهو بيع مقسط تؤول الملكية فيه إلى المشتري (المستأجر) بسداده لأقساط الثمن (الأجرة) (٤) ، ومن الواضح أن قسط الإيجار مراعى فيه سداد جزء من ثمن الأصل وتحقيق قدر من العائد (٥) وصياغة العقد تحت بند الإجارة وليس البيع مرجعه تحقيق العديد من المزايا للمؤجر، ومن ذلك ما يتعلق بالضرائب، والاحتفاظ بحق الملكية أياً كانت الظروف. وهذه الصورة من الإجارة غالباً ما تكون ثنائية الطرفين، ولا تتطلب طرفاً ثالثاً، كما هو الحال في بعض الصور الأخرى.
стр. 19027
ج-الإجارة التي يمتلك فيها المستأجر الأصل في نهاية المدة بثمن رمزي.
ويعني ذلك أن ينص في العقد على أن المستأجر إذا سدد ما عليه دون تأخير فله حق تملك السلعة ملكية تامة بثمن رمزي مقداره كذا، وبالتأمل في هذه الصورة نلاحظ أن الأقساط الإيجارية هنا تعادل ثمن الأصل مع هامش ربح ارتضاه المؤجر، وإنما وضع هذا الثمن الرمزي الذي لا يمثل ثمن الأصل، بل ولا جزءاً ذا بال منه ليظهر العقد في صورة عقد إجارة، وليس عقد بيع، حتى يتحقق للمؤجر ما يصبو إليه من ضمان لحقوقه في الأصل كاملة، وحتى يسدد المستأجر كل ما عليه من أقساط.
د-الإجارة مع تملك المستأجر للأصل بعد سداد القسط الأخير ودفع ثمن حقيقي، والفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة أن الثمن هنا ثمن حقيقي، ومن الواضح أننا هنا أمام عقد إجارة حقيقي وليس عقداً صورياً قد اقترن به عقد بيع حقيقي، وهذا الثمن المتفق عليه قد يجري تحديده عند إبرام عقد الإجارة أو يتفق على أن يحدد عند انتهاء عقد الإجارة، ومما يترتب على ذلك اختلاف واضح قي مقدار القسط الإيجاري في الصورة عنها في الصورة السابقة.
هـ-الإجارة ذات الوعد بالبيع في حالة سداد القسط الأخير، وهنا احتمالات عديدة وقد يكون البيع بغير ثمن بعد دفع الأقساط، وقد يكون الثمن رمزياً، وقد يكون الثمن حقيقياً، وتكييف هذه الصورة من الناحية القانونية يتوقف على نوعية الثمن، فهل هو ثمن حقيقي أم هو رمزي أم هو بغير ثمن كلية؟ وكل حالة من هذا تلحق بالصورة المتفقة معها السالفة، غاية الأمر أن هنا (وعداً بالبيع) وفي الصور السابقة كان هناك (عقد بيع) .
والإجارة ذات الخيار المتعدد للمستأجر حيث يبرم عقد الإجارة على أساس أن للمستأجر في نهاية مدة الإجارة الحق في أحد ثلاثة أمور:
-إما مد مدة الإجارة.
-وإما إعادة الأصل للمؤجر.
-وإما تملك الأصل من خلال ثمن محدد عند بداية التعاقد أو ثمن يحدد عند نهاية مدة الإجارة في ضوء الأسعار السائدة في ذلك الحين.
ويلاحظ أن هذه الصيغة تعتبر عملياً أحدث تطوير طرأ على صيغة الإجارة وتسمى عادة لدى القانونيين بـ (عقد الليزنج) (Leasing) الذي يعني عربياً: عقد تمويل المشروعات أو عقد التمويل الائتماني، وهو عقد ثلاثي الأطراف، فهناك المؤجر، وهناك المستأجر، وهناك المورد أو البائع، معنى ذلك أن هذه الصورة تقوم على أطراف ثلاثة وليس على طرفين، كما هو المعتاد، والملاحظ كذلك أن هنا عدة عقود مقرونة بعدة وعود، ويشيع إطلاق مصطلح التأجير التمويلي على هذه الصورة، وهناك خلاف شديد بين القانونيين على تكييف هذا العقد (١) .
وأبسط تصوير لعقد التأجير ثلاثي الأطراف، أن هناك المستأجر الذي يطلب الأصل الإنتاجي وهو عادة يطلبه من المؤجر، الذي هو في تلك الحالة قد يكون إحدى شركات التأجير المتخصصة أو أحد المصارف أو غير ذلك، ومهمة هذا الطرف هنا تمويلية محضة، بمعنى أن يلجأ إلى طرف ثالث يسمى المورد أو البائع والذي مهمته تصنيع الأصل للمؤجر أو بيعه له، وبالتالي فإن الاتفاق يبدأ بين المؤجر والمستأجر على أن يقوم المؤجر بتملك الأصل المعين المحدد من قبل جهة ما قد تكون محددة معينة على أن يقوم بتأجيره المستأجر مدة كذا بإيجار كذا وأقساط كذا واتفاق بينهما على ما يؤول إليه الحال في نهاية مدة الإجارة، وعادة فإن الذي يمارس المفاوضة مع المورد هو المستأجر، بتوكيل وتفويض من المؤجر.
стр. 19028
٣ -الإجارة التشغيلية والإجارة المالية- مقارنة:
من خلال هذا العرض السريع للعديد من صور الإجارة المالية، بالإضافة إلى التعرف على مفهومها لدى الفكر الوضعي، وما هو معروف عن الإجارة التقليدية، أو بالتعبير الحديث الإجارة التشغيلية فإنه يمكن التعرف على أهم الفروق القائمة بين الصيغتين، ويمكن القول إن هناك العديد من الفروق بينهما، بعضها تعد فروقاً جوهرية وأخرى أقل جوهرية، وبعضها لا يختلف في أي صورة من صور الإجارة المالية مخالفاً بذلك الإجارة التشغيلية، وبعضها يظهر في بعض صورها دون البعض الآخر، وقد تعرض الكثير من الكتاب لهذه المقارنة الأمر الذي يجعلنا هنا في غير حاجة ملحة إلى التعرف المفصل لها (١) .
وقد يكون من أهم الفروق بينهما ما يتعلق بمسألة المخاطر وتحمل النفقات، فهي في التشغيلية مسؤولية المؤجر بغير خلاف، لكنها في المالية مسؤولية المستأجر في كل صورها، وقد كان ذلك من أهم الدوافع وراء ظهور الإجارة المالية بصورها المختلفة.
كذلك نلاحظ أنه في معظم صور الإجارة المالية أنها تنتهي بالتمليك، مهما كانت الصورة، سواء من خلال الوعد أو العقد، وسواء كان ذلك بغير ثمن محدد بعد أقساط الإجارة أو بثمن محدد، رمزياً أو حقيقياً، أو بثمن يحدد حسب سعر السوق عند انتهاء الإجارة، وسواء كان من خلال منح الحق للمستأجر في اختيار خيار الشراء عند انتهاء الإجارة، وبالتالي فإنه في غالب الحالات نجد المآل انتقال ملكية الأصل إلى المستأجر.
ونجد البداية هو القصد إلى ذلك، فكل منهما في غالب الأمر يدخل على التعاقد بنية انتهاء الإجارة بالتمليك العيني للأصل، أي بالبيع بعبارة أخرى، بينما لا مجال لذلك في الإجارة التشغيلية، يضاف إلى ذلك أنه في غالب الأمر نجد أن مدة الإجارة المالية من الطول بمكان بحيث تصل أو تقارب العمر الإنتاجي للأصل المؤجر، بينما الحال في الإجارة التشغيلية هو إمكانية قصر المدة إلى حد كبير عن العمر الإنتاجي للأصل، وكذلك إمكانية تطويلها بحيث تصل إلى عمر الأصل.
كما نجد أن الإجارة المالية طابعها الإلزام وعدم إمكانية الإنهاء قبل المدة المتفق عليها لا من قبل المؤجر ولا من قبل المستأجر، وإلا تحمل الشرط الجزائي، حيث إن ذلك يتنافى ومقصود وطبيعة هذه الإجارة، بينما في الإجارة التشغيلية وإن كانت لازمة شرعاً إلا أنه من الممكن إنهاؤها في بعض الحالات دون تحمل شروط جزائية.
стр. 19029
٤ -الإجارة المالية واحتياجات المؤجر والمستأجر (١) :
بعد استعراضنا لصيغتي الإجارة بصورها المختلفة يطرح علينا تساؤل له أهميته: ما الذي حققته الإجارة المالية من ميزات للمؤجر؟ أو بعبارة أخرى ما هو الجديد في الإجارة المالية من وجهة نظر المؤجر؟
أ-سبق أن أشرنا إلى أن التطوير الذي أدخله التطبيق المعاصر على صيغة أو عقد الإجارة كان وراءه في المقام الأول رغبات واحتياجات للمؤجر لا ينهض بتلبيتها عقد البيع الآجل من جهة ولا عقد الإجارة التشغيلية من جهة أخرى، فما هي هذه الرغبات التي تلبيها الإجارة المالية؟
إن التمويل من خلال التأجير له ميزاته وخصائصه، وله كذلك سلبياته، وبدراسة الإجارة المالية نجد أنها من وجهة نظر المؤجر تحقق له أموراً ما كان للإجارة التشغيلية أن تحققها، ومن ذلك قضية نقل مخاطر وأعباء الملكية إلى المستأجر، فهو المسؤول عن أي خطر يلحق بالأصل، فنياً كان أو غير فني، وهو المسؤول عن صيانته والإنفاق عليه بحيث يظل صالحاً لتقديم المنفعة.
ولا شك أن ذلك يمثل أهمية كبرى لدى المؤجر لما يرفع عن كاهله من مخاطر قد تكون جسيمة ومن نفقات قد تكون كبيرة، وبالتالي تجعله يقدم بقوة على القيام بهذا النشاط ذي الأهمية التجارية من جهة والتمويلية من جهة أخرى، عكس ما هو عليه الحال لو كانت الصيغة المستخدمة هي الإجارة التشغيلية، ثم إنها تضمن له في غالب الصور التأجير إلى نهاية عمر الأصل، وبالتالي يكون التوظيف والتشغيل مستمراً غير منقطع ولا متوقف، كما أنها تحقق له التخلص من ملكية الأصل في النهاية، ومعنى ذلك أنه قد وظف ماله توظيفاً مستمراً محققاً له العائد الذي يرجوه، مع عدم تحمل مخاطره ونفقاته.
كذلك فإن الأنظمة الضريبية في بعض الدول الغربية تقدم ميزات جيدة للاستثمار في الأصول الثابتة جعلت الشركات تقوم على الاستثمار في هذه الأصول، فتقل الضرائب عليها من جهة وتستفيد من تأجيرها للغير من جهة ثانية، مع الاحتفاظ بحق الملكية إلى أن يتم سداد الثمن.
ب-إلى أي مدى راعت الإجارة المالية احتياجات ومطالب ومصالح المستأجر؟ من الواضح أن الإجارة المالية ظهرت في الأساس لتلبية رغبات المؤجر، ومن المعروف أن رغبات المؤجر قد لا تتمشى مع رغبات واحتياجات المستأجر، فهما طرفان متقابلان، ولذلك لا نعجب إن وجدنا أن الإجارة المالية لم تحقق للمستأجر حاجات ورغبات بقدر ما سلبت منه من ميزات قدمتها له الإجارة التشغيلية، مثل تحمل المخاطر والنفقات، وكذلك إلزامه بالتأجير لفترات طويلة، قد لا يكون في حاجة ملحة إليها، وأيضاً فقد لا يكون من مصلحته تملك الأصل في النهاية إضافة إلى ما قد يكون هناك من مغالاة في قيمة الأقساط حيث لا تخضع للسعر السائد في السوق للأصول المناظرة، ومع ذلك فلم تعدم الإجارة المالية أن تقدم بعض الميزات للمستأجر حتى وإن كان من خلال ما تقدمه من ميزات للمؤجر، وبالتالي يجد المستأجر بسهولة سوقاً متاحة للتأجير، عكس ما لو لم تكن هناك ميزات فيها للمؤجر، ومع ذلك فهي توفر للمستأجر فرصة التملك للأصل بثمن مقسط يستطيع تحمله من خلال ما يحققه من إيراد من تشغيل هذا الأصل، كما أنها تتيح له فرصة الحصول على احتياجاته المحددة بسرعة وبدون الاضطرار إلى البحث عمن لديه هذه الأصول ويرغب في تأجيرها.
стр. 19030
٥ -الإجارة المالية والمصارف الإسلامية:
رغم ما للتمويل بالإجارة من أهمية لما يحققه لكل من طالب التمويل ومقدمه من فوائد ومنافع، فإن استخدام المصارف الإسلامية له لم يكن على الوجه الذي يتفق وهذه الأهمية، ومرجع ذلك اعتبارات عديدة، منها ضعف الوعي بهذه الأداة وما تحققه من مزايا، إضافة إلى الانبهار ببعض الأدوات التمويلية الأخرى وخاصة أداة المرابحة، وأيضاً ما هناك من قيود وعقبات قانونية ومؤسسية، وعدم انتشار المؤسسات المتخصصة في هذا النشاط، هذا كله مع ما للتمويل بالإجارة من خصائص قد لا تتمشى غالباً وطبيعة العمل المصرفي والقائم أساساً وحتى في ظل المصارف الإسلامية على إبداعات قصيرة الأجل مع أن التأجير عادة ما يكون متوسط أو طويل الأجل، يضاف إلى ذلك عدم توفر الخبرة الكافية لدى المصارف في شراء المعدات والأصول الإنتاجية وكذلك ما تتطلبه من صيانة وتخزين إضافة إلى ما تتعرض له من مخاطر الركود وعدم التشغيل، وما تستدعيه من استهلاكات ومخصصات، وما تتعرض له من مخاطر سوء استخدام المستأجر لهذه المعدات واحتمالات التوقف عن سداد الأقساط، وغير ذلك.
ومن الواضح أن الإجارة المالية تزيل الكثير من هذه العقبات، فترفع عن المصارف المخاطر والأعباء والنفقات، كما أنها لا تحملها مؤونة الشراء والتخزين، حيث يتولى ذلك نيابة عنها المستأجر، وتقيها مخاطر التعطل، ولا تمكن المستأجر من المماطلة أو إنهاء العقد لأن ذلك في غير صالحه، وبرغم هذا فلم تخل من مشكلات وتحديات، منها ما يرجع إلى طول مدة التأجير، ومن ثم فإن هناك احتمالية تغير الأسعار والذي قد يغري المودعين بسحب إيداعاتهم مما قد يسبب أزمة للمصارف، وقد حاولت المصارف التغلب على ذلك بالاتفاق على تغيير القسط الإيجاري كل فترة محددة من الزمن مع وضع شروط جزائية تجعل من العسير على أي من الطرفين الإقدام على فسخ العقد (١) .
ومن الناحية العملية فإن هناك من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية من مارس التمويل بهذه الصيغة وقد ظهر ذلك بوضوح لدى مصرف فيصل – البحرين، وشركة الراجحي والتي قامت باستخدامه في تمويل صفقات عديدة من الطائرات والسفن والعقارات، وطبقاً لصيغ بعض العقود التي أبرمتها الشركة في هذا الصدد نجد أنها من أقرب التطبيقات المعاصرة إلى القبول الشرعي، وكل ما لوحظ عليها أنها تتعامل بالوعد الملزم بالبيع (٢) .
ولم يصرح البنك المركزي للمصارف الإسلامية في مصر بممارسة هذا النشاط.
стр. 19031
٦ -الإجارة المالية من نظرة شرعية:
الإجارة التشغيلية سواء نظرنا لها كنشاط تجاري أو كنشاط تمويلي هي أداة تجارية تمويلية مقبولة شرعاً طالما التزمت بالشروط والأحكام الشرعية المعروفة.
أما الإجارة المالية فهي موضع خلاف كبير بين الفقهاء المعاصرين، ولا ينجو من ذلك معظم صورها، وقد عقد لها مجمع الفقه الإسلامي جزءاً من دوراته السابقة وقدمت فيها أبحاث عديدة لم تكن نتائجها متفقة إلى حد كبير (١) ، وقد توصل إلى القول بجواز بعض الصور ورفض بعضها وتأجيل الحكم على بعضها الآخر لمزيد من الدراسة والبحث، وهذا نص قراره في دورته الخامسة (٢) :
أولاً: الأولى الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى منها البديلان التاليان:
١- البيع بالتقسيط مع الحصول على الضمانات الكافية.
٢- عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية:
-مد مدة الإجارة.
-إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.
-شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.
ثانياً: هناك صور مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك تقرر تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة.
ولنا ملاحظات عديدة على هذا القرار من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، فهو في (أولاً) يقول (الأولى) وليس في ذلك حسم للمسألة إذ معناه أن صور الإيجار المنتهي بالتمليك مقبولة شرعاً لكنها ليست الأولى، ثم إن البديل الثاني هو داخل في عرف الاقتصاديين والماليين في صور الإجارة المنتهية بالتمليك، فكيف يكون بديلاً عنها؟ وثالثاً: فإن (أولاً) قد غطت كل صور الإجارة المنتهية بالتمليك كما هو نص الصياغة ثم تجيء (ثانياً) فتعارض ذلك وتقرر لها حكماً أو موقفاً مغايراً.
وبالنظر في صور الإجارة المالية نجد أن مواطن النظر الفقهي قد انصرفت في معظمها إلى النواحي التالية:
١-مسألة الصيانة وتحمل المخاطر، فمن الملاحظ أن كل الصور فيها تقوم على تحميل ذلك على المستأجر، وهذا مغاير للأصل القائمة عليه الإجارة التشغيلية الذي يحملها على المؤجر، طالما أن الأصل المالي ملكه، وطالما أنه قد أجر منفعته لطرف آخر، فهو مسؤول عن تأمين هذه المنفعة، وقد خرجت الإجارة المالية على هذا الأصل، وعموماً فإن أعمال الصيانة المعلومة يمكن قيام التأمين على العين المؤجرة، وتحميله للمستأجر بضوابط معينة (٣) .
стр. 19032
وبالتالي فإن هذه الشبهة قد لا تقف حائلاً أمام شرعية هذا البند في الإجارة المالية.
٢-مسألة تأجير ما ليس عندك، ففي كثير من الحالات يبرم عقد الإجارة بين المؤجر والمستأجر دون أن يكون المؤجر قد امتلك الأصل المؤجر بعد، والمعروف أن هناك نهياً عن بيع ما ليس عندك، والإجارة نوع من البيوع، وإذن فلا مجال شرعاً لقيام مثل ذلك، وقد حاول بعض الفقهاء الخروج من ذلك بإيجاد وعد بالتأجير وليس عقداً للتأجير، لكن ذلك يدخلنا في مشكلة هل الوعد ملزم أم غير ملزم؟
فإن كان ملزماً فهو بمثابة العقد، وإن لم يكن ملزماً فقيمته قليلة وأثره في إغراء المؤجر يكاد يكون معدوماً، وقدم بعض الباحثين مخرجاً قد يكون قبوله والعمل به أكبر بكثير من فكرة الوعد، وهو الشراء مع الخيار لمدة محددة، فإذا أنجز المستأجر ما وعد وإلا رد البيع على صاحبه (١) .
٣-مسألة اجتماع أكثر من عقد، فهناك على الأقل في بعض الصور عقد تأجير وعقد بيع وقد يضاف عليهما عقود أخرى، وجمهور الفقهاء على جواز اجتماع عقد الإجارة مع عقد البيع (٢) ، وبالتالي فلا تقف هذه الشبهة عائقاً حيال القبول الشرعي لبعض صور الإجارة المالية، طالما أن كل عقد منهما قد استوفى أركانه وشروطه.
٤-مسألة وجود شروط في عقد الإجارة المالية، مثل اشتراط عدم تصرف المؤجر في السلعة طوال فترة الإجارة بما يضر بمصلحة المستأجر، وأن يبيع المؤجر للمستأجر السلعة في نهاية المدة، وأن يكون للمستأجر الخيار بين كذا أو كذا، وقد اختلف الفقهاء في تقرير شرعية ذلك، فمنهم من ذهب إلى جوازه ومنهم من رفض (٣) .
стр. 19033
٥-مسألة تعليق البيع، في صورة ما إذا كان تملك المستأجر يتم بعد سداد القسط الأخير دون دفع أي ثمن، فمعنى ذلك أن الأقساط الإيجارية هي في الحقيقة أقساط ثمن الأصل. وقد كيف القانون الوضعي هذه الصورة بأنها بيع بالتقسيط دون الالتفات إلى الصيغة المدونة. لكن قبول ذلك شرعاً تحول دونه صعاب عديدة، فالأقساط التي دفعت: دفعت على أنها أقساط إيجارية بحكم صيغة العقد، وبالتالي فهي أجرة، فكيف تحول إلى ثمن للأصل بعقد لاحق؟ إن ذلك لا يتماشى والأصول والقواعد الحاكمة والضابطة للعقود في الفقه الإسلامي. والمخرج من ذلك هو التحول من عقد الإجارة إلى عقد بيع مقسط، مع اشتراط عدم نقل الملكية إلا بعد السداد لجميع الأقساط، وفي تلك الحالة لو توقف المشتري عن سداد بعض الأقساط فإن العقد يفسخ يأخذ البائع الأصل. وما سبق أن دفعه المستأجر يسوى من خلال القيمة الإيجارية الحقيقية وما قد يكون هنالك من تعويض نتيجة الإخلال بالشروط (١) . وتعليق عقود المعاوضات على بعض الشروط –كما هو واضح في الإجارة المالية حيث إن عقد البيع معلق على الوفاء بجميع الأقساط- قال بعض الفقهاء بجوازه، وقال بعضهم بمنعه. وبالتالي فيمكن الأخذ برأي من قال بالجواز (٢) .
٦-مسألة الثمن الرمزي: سبق أن رأينا أن بعض صور الإجارة المالية ينص في عقدها على تملك المستأجر للأصل المالي بثمن رمزي. فهل يصح البيع بثمن رمزي؟ من حيث الأصل: لا مانع على الطرفين، البائع والمشتري في تحديد ما يريانه من ثمن للسلعة. لكن المسألة هنا ليست هكذا بوضوح، فهي مرتبطة بإجارة وبأقساط سبق دفعها، وهي في الغالب أكبر بكثير من الأقساط الإيجارية الحقيقية.
ومعنى ذلك أن الثمن الرمزي المحدد ليس هو الثمن في الحقيقة بل هو جزء تافه من الثمن وبقيته ممثلة في الأقساط الإيجارية. وإذن فنحن كما لو كنا أمام انتقال الملك بمجرد سداد الأقساط. وقد رأينا سلفاً أن الصواب في ذلك هو الابتعاد عن عقد الإجارة إلى عقد بيع منجم مشروط بعدم التصرف إلا بعد السداد لجميع الأقساط. وبعض المصارف واجهت ذلك عن طريق (الهبة) حيث ينص في عقد الإجارة أنه بسداد جميع الأقساط يهب المصرف الأصل الإنتاجي للشريك، ومن المعروف أن اجتماع عقد الإجارة مع عقد (الهبة) لا غبار عليه شرعاً عند الكثير من الفقهاء. والمشكلة هنا أن عقد الهبة غير لازم في الكثير من القوانين الوضعية، ومعنى ذلك تعرض المصرف لمخاطر قد تكون جسيمة فيما لو أخل المستأجر بالاتفاق، ومع ذلك فهي من الناحية الشرعية محل تحفظ، حيث إن حقيقتها ليست بهبة خالصة، وإنما هي عملية معاوضة (٣) . يضاف إلى ذلك أن حالة السلعة محل البيع عند إبرام عقد الإجارة –والذي هو في حقيقته عقد بيع - لا تعرف لدى المتعاقدين عند انتهاء مدة الإجارة، ومن شروط صحة البيع المعرفة الجيدة بالسلعة محل التعاقد.
стр. 19034
٧ -الإجارة المالية- تقويم ختامي:
مما سبق يمكن القول بإيجاز إن الإجارة التشغيلية مقبولة شرعاً طالما استوفت أركانها وشروطها وهذه لا إشكال فيها، لكن المشكلة أنها في كثير من الحالات قد لا تشبع رغبة المؤجر أساساً، وكذلك رغبة المستأجر في أحيان قليلة، كما إذا كان له رغبة في تملك الأصل وليس معه ثمنه كاملاً، ولا يجد من يبيعه إياه بالتقسيط، لما قد يواجهه من مخاطر وأعباء.
والإجارة المالية قد كفلت للمؤجر تلبية رغباته التي لم توفرها الإجارة التشغيلية، وكذلك البيع بالتقسيط. لكنها مع هذا كله تواجه بصعوبات شرعية تتطلب الحلول والمخارج، بعضها ممكن وبعضها غير ممكن إلا بالتحايل. كما أنها في التطبيق العملي ورغم مزاياها المتعددة فإنها تولد الكثير من المشكلات، مما جعل القانون الوضعي منقسماً على نفسه في تكييفها من جهة، وفي إجازة العمل بها من جهة ثانية. وكما يلاحظ فإن المصارف الإسلامية لم تمارس التمويل من خلالها إلا بنسب متواضعة وبعضها لم يمارسها على الإطلاق وبعضها محظور عليه ممارستها قانوناً.
وفي ضوء ذلك كله فإننا نرى التوسع في استخدام الإجارة التشغيلية والعمل على تطويرها بكل ما يمكن مع المحافظة وعلى أصولها الشرعية وذلك مثل إيجاد سندات إيجارية. وكذلك فك الارتباط بينها وبين المصارف الإسلامية، بمعنى الترويج لها كوسيلة تمويلية مباشرة، لا تتطلب –أو بالأحرى- لا تتوقف في معظم مجالاتها على قيام وسيط مصرفي، بل تقوم بذلك شركات تأجير متخصصة، وهي أقدر على ذلك من المصارف. إضافة إلى التعرف على النماذج المختلفة التي يمكن من خلالها ممارسة عملية التمويل، مثل الإجارة من خلال الوكالة، والإجارة من خلال المضاربة، والإجارة بطريقة المشاركة، وغير ذلك ما يمكن التعرف عليه واستخدامه. وقد تناول هذه النماذج بقدر من التفصيل الدكتور سعود الربيعة. مع ملاحظة قد تكون لها أهميتها، وهي أن استخدام صيغة الإجارة المالية بصورها المختلفة حدث أولا في المجتمعات الغربية بدافع أساسي يتمثل في علاج مشكلات في التعامل بالبيع بالتقسيط، ولم يكن الدافع بصفة عامة هو تطوير الإجارة التقليدية لتواجه ظروفاً مستجدة.
وليس معنى ذلك إغلاق الباب أمام استخدام الإجارة المالية بكل صورها.
فهذا أمر غير مقبول شرعاً كما أنه قد يكون غير مقبول عملياً، حيث إن السوق المالي في حاجة إليها. وإنما معناه أن نتحرى جيداً ما يمكن قبوله شرعاً من صورها العديدة، وما كان له رصيد عملي كبير في الحياة الاقتصادية حيث لا يثير من القضايا والمشكلات ما يجب ما لها من فوائد. وتجدر الإشارة إلى أن التعامل بالتأجير التمويلي أخذ في التناقص في الفترة الأخيرة لما يثيره من مشكلات عملية وقانونية.
стр. 19035
الإيجار المنتهي بالتمليك
وصكوك التأجير
إعداد
الدكتور محمد جبر الألفي
أستاذ الفقه المقارن ونائب عميد كلية الشريعة والقانون جامعة اليرموك – الأردن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
" الإيجار تمليك المؤجر للمستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة لقاء عوض معلوم" (١) .
وعقد الإيجار من أكثر العقود أهمية "ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك – الإجارة - فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعاً ... فلابد من الإجارة" (٢) .
وقد أصبح عقد الإيجار –في عصرنا الراهن- عصب الحياة الاقتصادية، ويؤدي إلى إشباع الحاجات المتزايدة، فهو –بالنسبة للمستأجر- يجعل منفعة الأعيان في متناول يده إذا كان في حاجة إليها ولا يمكنه شراؤها أو لا يرغب في ذلك لاستثمار رأس ماله فيما يعود عليه بنفع أكبر.
وهو بالنسبة للمؤجر يعتبر من المجالات الاستثمارية للأعيان المملوكة له مع احتفاظه بملكية هذه الأعيان. ولهذا أقبل المستثمرون على شراء المعدات الصناعية والأجهزة المتنوعة ووسائل النقل البري والبحري والجوي والأراضي والوحدات المعدة للسكنى أو الاستثمار، وتأجيرها للغير لقاء أجر مناسب مما جعلها من أحدث الوسائل الاستثمارية وأكثرها ربحاً (٣) .
وكلامنا عن الإيجار المنتهي بالتمليك يتناول –في مطلب أول- بيان ماهية هذا العقد وصوره التي أفرزها التطبيق العملي. ثم نبحث –في مطلب ثان- موقف القانون الأردني من الإيجار المنتهي بالتمليك. وفي المطلب الثالث والأخير نحاول استخلاص حكم الإيجار المنتهي بالتمليك في الفقه الإسلامي.
المطلب الأول
ماهية عقد الإيجار المنتهي بالتمليك وصوره
الإيجار المنتهي بالتمليك:
لا يختلف الفقه ولا القضاء في تحديد ماهية العقد إذا اتفق المتعاقدان على نقل ملكية شيء معين مقابل أقساط محددة تدفع خلال مدة معلومة، فهذا هو البيع بالتقسيط (Ventea Temperament) ، الذي أجازه الفقه الإسلامي واعتبره أحد صور بيع النسيئة (٤) ، ولكن يقع اللبس في تحديد ماهية العقد الذي يسميه الطرفان (عقد إيجار) ، مع أن نيتهما تكون قد انصرفت إلى حقيقة البيع، ليتمكن البائع من ترويج بضاعته حيث يبيعها بأقساط يسهل على المشتري دفعها، وفي نفس الوقت يحتفظ بملكية المبيع، حتى يحصل على القسط الأخير من ثمنه. وقد اتخذ هذا العقد عدة صور في الحياة العملية، نكتفي منها بثلاثة نماذج: البيع الإيجاري، والإيجار المقترن بوعد بالبيع، والتمويل الإيجاري.
أ-البيع الإيجاري (٥) (Hire – Purchase) أو (Location – Vente) :
تتلخص فكرة (البيع الإيجاري) في التعاقد على شيء، يتفق الطرفان على أنه مؤجر لمدة معلومة لقاء أجر دوري محدد، بحيث إذا دفع المستأجر هذا الأجر كله أصبح الشيء مملوكاً له في نهاية المدة، أما إذا أخل بشروط التعاقد فإن العقد ينفسخ، ويعود الشيء إلى المؤجر، ولا يسترد المستأجر شيئاً مما دفعه.
стр. 19036
وقد ظهر هذا العقد في إنجلترا عام ١٨٤٦م، ولما زادت أهميته في الحياة العملية تدخل المشرع لتنظيمه عام ١٩٣٨م ثم عام ١٩٥٤م و١٩٥٧م. وفي ظل هذه التشريعات ظهر اتجاهان في تحليل هذا العقد:
يرى الاتجاه الأول أن هذا العقد أقرب إلى الإيجار منه إلى البيع، لأن الحائز يحصل على الشيء باعتباره مستأجراً له، وله الحق في أن يتملكه بعد انتهاء مدة الإيجار مقابل دفع ثمن إضافي، ويرى الاتجاه الآخر أن هذا العقد أقرب إلى البيع منه إلى الإيجار، لأنه ينتهي بتملك الشيء، إذا رغب المشتري، مقابل ثمن يدفع على أقساط، بمجرد دفع القسط الأخير، ودون حاجة إلى إبرام عقد جديد (١) .
فلما انتقلت فكرة (البيع الإيجاري) إلى فرنسا، برزت في العمل تفرقة بين التعاقد على المنقول والتعاقد على العقار (٢) : ذلك أن الانتفاع بالمنقول لمدة طويلة –وخاصة إذا كان من الأجهزة والمعدات – يفقده كثيراً من قيمته الاقتصادية ويقربه من نهاية عمره الافتراضي، مما يجعل المنتفع يزهد في تملكه بعد طول الاستعمال. لذا تدخل المشرع في ١٠/١/١٩٧٨م لتنظيم هذا التعامل لحماية المستهلكين، وإبطال بعض شروط العقد باعتبارها شروطاً تعسفية.
أما القضاء فقد أكد أن البيع الإيجاري الوارد على المنقول يتضمن عملية قانونية لا تقبل التجزئة، تتكون من البيع والإيجار معاً وكذلك المقابل الموحد، فتكييف العقد –إذن- يجعله ذا طبيعة تعاقبية: يبدأ إيجاراً وينتهي بيعاً، ولا يجوز اعتباره بيعاً منذ انعقاده لأن المؤجر –البائع- يظل مالكاً للعين، ويتحمل تبعة هلاكها طوال مدة الإيجار، إلا إذا كان هناك اتفاق مخالف (٣) .
والأمر يختلف إذا كان محل (البيع الإيجاري) عقاراً، فمع أنه يسمح (للمستأجر –المتملك) بالحصول على عقار مقابل دفعات منجمة، ودون دفع تقدمة مالية، إلا أنه يحرمه من كافة الضمانات إذا أعسر (المؤجر – المالك) أو أفلس، ثم إنه لا يملك أي سلطة لإدارة هذا العقار، على الرغم من أن التزاماته تتجاوز التزامات المستأجر العادي، بل يمكن اعتباره (المالك المستتر) . أما طبيعة العقد فتظل كما هي في المنقول: العقد مختلط، ومحله على التعاقب: الانتفاع بالشيء مدة محددة، يعقبها تملك هذا العقار. وقد تدخل المشرع بقانون: ١٢/٧/١٩٨٤م، لتنظيم العلاقة بين المتعاقدين، فأنشأ عقداً جديداً أسماه – (location – accession) أي: الإيجار المقترن بوعد بالبيع.
стр. 19037
ب-الإيجار المقترن بوعد بالبيع (١) (location – accession) :
العقد المسمى بالإيجار المقترن بوعد بالبيع، ومن ثم يخضع لأحكام قانون ١٢/٧/١٩٨٤م، هو العقد الذي تتوافر فيه ثلاثة عناصر:
١-وعد بالبيع يلتزم به (المؤجر – المالك) لصالح (المستأجر – المتملك) إذا أبدى هذا الأخير رغبته في شراء العقار خلال مدة معينة.
٢-الانتفاع بالعقار –مقابل عوض- لمدة سابقة على انتقال الملكية.
٣-الوفاء –حتى وقت مزاولة حق الخيار - بالأجرة ومقابل (الحق الشخصي لنقل ملكية المال) .
فإذا تخلف أحد هذه العناصر الثلاثة، فإن العقد لا يخضع لأحكام قانون ١٢/٧/١٩٨٤، بل يعتبر مجرد بيع إيجاري، أو إيجاراً مقترناً بوعد بالتمليك، تطبق عليه أحكام قانون: ١٣/٧/١٩٧٩م، السابق الإشارة إليه. أما إذا توافرت هذه العناصر الثلاثة، فإن قانون ١٩٨٤م يمنح (المستأجر – المشتري) سلطة إدارة العقار طوال مدة الانتفاع، وإذا لم يبد رغبته في شرائه خلال المدة المعينة يلتزم (المؤجر – البائع) برد المبالغ المستحقة له، ولا يحتفظ إلا بتعويض يساوي ١? من ثمن المبيع (٢) .
جـ- التمويل الإيجاري (leasing) أو (٣) (credit – bail) :
ظهر هذا العقد في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي عام ١٩٥٣م تحت اسم (leasing) ، ثم انتقلت فكرته إلى فرنسا حوالي عام ١٩٦٢م، تحت اسم (credit – bail) وبعد ذلك ظهر في مصر تحت اسم (التأجير المالي) (٤) . وتتلخص فكرة هذا العقد في وجود علاقة ذات أطراف ثلاثة: الطرف الأول يسعى لاستئجار معدات وتجهيزات وآلات وعقارات لاستخدامها في مشروع إنتاجي.
والطرف الثاني يتمثل في الشركات المتخصصة في إنتاج وبيع هذه الأجهزة.
أما الطرف الثالث فهو مؤسسة ائتمان لتمويل المشروعات، تشتري هذه الأجهزة أو العقارات من الشركات المتخصصة، وتؤجرها لصاحب المشروع الإنتاجي لمدة تقارب العمر الافتراضي لهذه الأجهزة بأجر مرتفع يضمن لها استرداد ثمن الأجهزة أو العقارات مع هامش ربح مناسب، وبانتهاء مدة الإيجار يستطيع المستأجر: إما إنهاء العقد ورد الأشياء المؤجرة، وإما تملك العقار والأجهزة، نتيجة وعد انفرادي سابق وبثمن غالباً ما يتفق عليه عند بداية التعاقد، وإما تجديد عقد الإيجار لمدة أخرى بأجر أقل (٥) .
وإزاء انتشار هذا العقد بصورة مذهلة، تدخل المشرع الفرنسي لتنظيمه في: ٢/٧/١٩٦٦م ثم في ٦/١/١٩٨٦م، وراقبت محكمة النقض بدقة تطبيقاته المختلفة، حتى إنها حكمت في ١٩/١١/١٩٩١م بأن التمويل الإيجاري لا يمكن أن يمارسه بصفة معتادة إلا المؤسسات الائتمانية، وإلا اعتبر العقد باطلاً (٦) ، أما تكييف هذا العقد فلا يزال الفقه القانوني مختلفاً عليه نظراً لطبيعته المركبة، ولو أن القضاء قد اعتبره إيجاراً يتضمن كثيراً من الشروط الجزائية، وليس بيعاً ائتمانياً (٧) .
стр. 19038
المطلب الثاني
موقف القانون الأردني من الإيجار المنتهي بالتمليك
الفرع الأول: القانون المدني.
لم يتعرض القانون المدني الأردني لحكم الإيجار المنتهي بالتمليك لا في النظرية العامة للعقد، ولا في عقد البيع أو عقد الإيجار، إلا ما جاء في المادة (٤٨٧) من أنه:
١-يجوز للبائع إذا كان الثمن مؤجلاً أو مقسطاً أن يشترط تعليق نقل الملكية إلى المشتري حتى يؤدي جميع الثمن ولو تم تسليم المبيع.
٢-وإذا تم استيفاء الثمن تعتبر ملكية المشتري مستندة إلى وقت البيع.
وقد جاء في المذكرات الإيضاحية – تعليقاً على هذه المادة – (هذا الحكم يعرف من مراجعة المواد (١٨٧ – ١٨٨) من المجلة وشرحها لعلي حيدر، و (٤٥٤- ٤٥٥) من مرشد الحيران، وهي تقابل المواد (٣٩٧) مشروع أردني، و (٣٩٨) سوري، و (٥٣٤) عراقي) (١) .
أما الإحالة إلى المواد (١٨٧ –١٨٨) مجلة، (٤٥٤ – ٤٥٥) مرشد الحيران، فهي محل شك، لأن اشتراط البائع تعليق نقل الملكية إلى المشتري حتى يؤدي جميع الثمن لم يكن جائزاً في ظل مجلة الأحكام العدلية، ولأن المادتين (٤٥٤-٤٥٥) من مرشد الحيران تتعلقان بحق البائع في حبس المبيع لاستيفاء جميع الثمن ولو قدم المشتري رهناً أو كفيلاً.
стр. 19039
وأما أن هذه المادة تقابل المادة (٣٩٨) سوري، والمادة (٥٣٤) عراقي، فالأمر مختلف، ذلك أن المشرع في كل من مصر وسورية والعراق واجه بحزم موضوع البيع الإيجاري الذي قصد به حقيقة البيع بالتقسيط ولكن تم إظهاره في صورة عقد إيجار، فنص في المواد المذكورة على ما يلي (١) :
١-إذا كان البيع مؤجل الثمن، جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوفاً على استيفاء الثمن كله، ولو تم تسليم المبيع.
٢-فإذا كان الثمن يدفع أقساطاً، جاز للمتعاقدين أن يتفقا على أن يستبقي البائع جزءاً منه تعويضاً له عن فسخ البيع، إذا لم توف الأقساط، ومع ذلك يجوز للقاضي تبعاً للظروف أن يخفض التعويض المتفق عليه وفقاً للفقرة الثانية من المادة (٢٢٤)(٢) .
٣-وإذا وفيت الأقساط جميعاً، فإن انتقال الملكية إلى المشتري يعتبر مستنداً إلى وقت البيع.
٤-وتسري أحكام الفقرات الثلاثة السابقة ولو سمى المتعاقدان البيع إيجاراً.
أما إذا اتجهت نية المتعاقدين إلى إبرام عقد إيجار مقترن بوعد بالبيع، فإنه يخضع لأحكام الإيجار ولا تنتقل الملكية إلى المستأجر، إذ أبدى رغبته في ذلك، إلا بعد انتهاء عقد الإيجار، ولا يكون لانتقال الملكية أثر رجعي. وهذا ما جرى عليه القضاء في مصر، حيث قرر أن تكييف البيع الإيجاري وتقرير ما إذا كان بيعاً أم إيجاراً يرجع إلى قصد المتعاقدين الذي تستخلصه محكمة الموضوع مستهدية بنصوص العقد (٣) . وهو ما نرى الأخذ به في ظل القانون المدني الأردني، تطبيقاً لنص المادة (٢١٤/١) : "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني" (٤) ، ونص المادة (٢٣٩/٢) "إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقاً للعرف الجاري في المعاملات" (٥) .
стр. 19040
الفرع الثاني- مشروع قانون التأجير التمويلي:
تضمن مشروع قانون التأجير التمويلي الأردني لسنة ١٩٩٧م إحدى وثلاثين مادة تتعلق بتحديد النشاط الخاضع لمشروع القانون، وتبين الأحكام الواجب تطبيقها على هذا النشاط، وأرفقت بهذا المشروع (الأسباب الموجبة لقانون التأجير التمويلي) .
فالمادة الثالثة من المشروع تضع تعريفاً مفصلاً لعقد التأجير التمويلي وتأخذ بعين الاعتبار عدة أمور للدلالة على كون عقد الإيجار عقد تمويل تأجيري تمييزاً له عن عقد التأجير التشغيلي.
والمادة الخامسة تخضع عقود التأجير التمويلي إلى أحكام المشروع، وإلى أحكام القانون المدني وقانون التجارة في كل ما لا يتعارض مع أحكامه.
أما المادة السادسة فإنها تقرر تنظيم هذا العقد بموافقة المؤجر والمستأجر، مع مراعاة عدة عناصر ينبغي أن يتضمنها العقد.
وتخضع المادة السابعة من المشروع عمليات التأجير التمويلي للتسجيل والقيد في السجل الخاص الذي تعده وزارة الصناعة والتجارة لهذه الغاية.
وتجيز المادة العاشرة لشركات التأجير التمويلي أن تتولى عمليات التأجير مباشرة مع المستأجر، أو أن تسمح له بالتفاوض مع المورد أو المقاول في المسائل التي تحددها للتفاوض.
وفي المواد (من ١١ إلى ٢٠) ينظم المشروع أحكام استلام الأصل المأجور، وصيانته، وتبعة هلاكه، والتزام المستأجر بأداء الأجرة، وحق كل من المؤجر والمستأجر في التنازل عن العقد، وحالات الفسخ، وما يترتب على انقضاء عقد التأجير التمويلي.
وتتناول المواد (من ٢١ إلى ٢٣) أحكاماً تتعلق بالرسوم الجمركية والضرائب وتأجير المركبات وتضع المواد (من ٢٤ إلى ٢٦) القواعد المحاسبية والمعاملة الضريبية.
وتنظم المادتان (٢٧-٢٨) حق المؤجر في الحفاظ على ملكية الأصل والتأكد من حالته، وأثر التصاق الأصل بأي عقار آخر.
وتنص المواد (من ٢٩ إلى ٣١) على بعض الأحكام الختامية.
стр. 19041
المطلب الثالث
حكم الإيجار المنتهي بالتمليك في الفقه الإسلامي
تمهيد:
تلجأ البنوك الإسلامية إلى الائتمان الإيجاري أو التمويل التأجيري للاستثمارات الإنتاجية، لامتصاص زيادة المدخرات والودائع لديها، نتيجة زيادة الوعي الديني والاجتماعي، ورغبة في التعامل على أسس اقتصادية جديدة. ومما ساعد على نجاح هذه العمليات أن المبادئ التي تحكم الائتمان الإيجاري تتفق تماماً مع أغراض المؤسسات المالية الإسلامية.
فالقاعدة التي تقرر أن (مدة الائتمان تعادل العمر الاقتصادي) تتناسب مع مبدأ (المشاركة المؤقتة في التوظيف أو الاستثمار) .
والقاعدة التي تقرر أن (الآلة تدفع قيمتها من دخولها وعوائد استغلالها) تؤكد مبدأ (المشاركة في الأرباح) واتخاذ العوائد المتغيرة ثمناً للائتمان بدلاً من سعر الفائدة الثابت.
والقاعدة التي تقرر مبدأ (الاحتفاظ بالملكية طوال مدة الائتمان) تقر مبدأ (المشاركة في الاستغلال) .
والقاعدة التي تقرر مبدأ (التلازم الزمني بين النفقة والعائد) تنسجم مع مبدأ (السيولة الدائمة والاستثمار المتكرر) (١) .
الحكم الشرعي للإيجار المنتهي بالتمليك:
القاعدة الفقهية التي يمكن تكييف صور هذا العقد على أساسها أن (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني) (٢) . بمعنى أن ينبغي استقراء ملابسات التعاقد للوصول إلى النية المشتركة لطرفيه، فإذا كشفت هذه النية عن عقد بيع بالتقسيط عد العقد بيعاً ولو سماه المتعاقدان إجارة. وبناء على ذلك:
أ-البيع الإيجاري (hire – purhase) أو (location – vent) الذي يتفق فيه الطرفان على أن الشيء المؤجر لمدة معلومة لقاء أجر دوري محدد بحيث إن المستأجر إذا دفع الأجرة كلها يصبح مالكاً له في نهاية المدة، يعتبر بيعاً ساتراً لعقد إيجار، وتعتبر (الأجرة) ثمناً للمبيع يدفع على أقساط محددة. ويترتب على هذا التكييف الفقهي للعقد انتقال ملكية الشيء من (المؤجر – البائع) إلى (المستأجر –المشتري) بمجرد العقد – على رأي جمهور الفقهاء- لأن حكم العقد ثبت بجعل الشارع ولا دخل لإرادة العاقدين في تعديله (٣) . أما على رأي غير الجمهور – كالقاضي شريح وابن شبرمة وابن سيرين وبعض المالكية وكثير من الحنابلة – فإنه يمكن تكييف هذا العقد على أنه بيع أدرج فيه شرط جزائي مؤداه عدم انتقال الملكية إلى المشتري إلا بعد الوفاء بكافة الأقساط، حينئذ يصبح مالكاً بأثر رجعي (٤) .
стр. 19042
ب- الإيجار المقترن بوعد بالبيع (location – accession) يلزم المؤجر بتمليك العين للمستأجر إذا رغب في ذلك خلال فترة محددة، يمكن تكييفه على أنه عقد بيع بالتقسيط إذا ثبت أن الأقساط المدفوعة لا تتناسب وأجر المثل وكانت نية الطرفين منصرفة إلى انتقال الملكية إلى المستأجر بأثر رجعي. أما إذ كانت الأقساط المدفوعة تتناسب وأجر المثل وكانت نية الطرفين منصرفة إلى انتقال الملكية للمستأجر بعد انتهاء الإيجار، فإنه يكون عقد إيجار مصحوب بوعد بالبيع، وهذا الوعد لا يلزم البائع قضاء – على رأي جمهور الفقهاء –ولكن يستحب الوفاء به.
أما على رأي ابن شبرمة، الذي يرى أن (الوعد كله لازم ويقضي به على الواعد ويجبر) (١) ، فإن عقد الإيجار يستمر حتى نهاية مدته، ثم يبدأ عقد بيع بالشروط التي تضمنها الوعد (٢) .
جـ- التمويل الإيجاري (leasing) أو (credit – bail) يمكن تكييفه، من حيث العلاقة بين مؤسسة الائتمان المالكة للأشياء المؤجرة والمستأجر صاحب المشروع الإنتاجي، بأنه عقد إيجار يتضمن كثيراً من الشروط غير المألوفة في الإيجارات ولكن ارتضاها الطرفان ليحقق كل منهما منفعة مشروعة، وخاصة أن المستأجر لا يلتزم بشيء بعد انتهاء مدة الإجارة، بل هو مخير بين رد ما استأجره إلى مؤسسة الائتمان لتؤجره لآخرين أو لتبيعه، أو تجديد عقد الإيجار لمدة أخرى بشروط جديدة، أو تملك الأشياء المستأجرة نتيجة وعد سابق التزمت به المؤسسة المالكة وتحددت شروطه من قبل، ويكون انتقال الملكية بدون أثر رجعي (٣) .
أما حقيقة هذا العقد من الناحية الاقتصادية فإنها تتمثل في أن الشركات الخاصة بإنتاج وبيع هذه الأجهزة أو ملاك العقارات، يبيعونها لصاحب المشروع الإنتاجي بالتقسيط، وتقوم مؤسسة الائتمان المالي بدفع ثمنها واعتباره قرضاً، على أن تمثل تلك الأجهزة أو العقارات تأمينات عينية لصالح هذه المؤسسة، إلى أن يتم سداد القرض (٤) .
وقد لجأت بعض البنوك الإسلامية إلى (حيلة شرعية) تسوغ بها جواز عمليات (التأجير المنتهي بالتمليك) فقالت: "إذا وقع التعاقد بين مالك ومستأجر على أن ينتفع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة بأقساط موزعة على مدد معلومة، على أن ينتهي هذا العقد بملك المستأجر للمحل، فإن هذا العقد يصح إذا روعي فيه ما يأتي:
أ-ضبط مدة الإجارة، وتطبيق أحكامها طيل تلك المدة.
ب-تحديد مبلغ كل قسط من أقساط الأجرة.
جـ- نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه، تنفيذاً لوعد سابق بذلك بين المالك والمستأجر (٥) .
стр. 19043
موقف مجمع الفقه الإسلامي الدولي
قرار رقم: ٤٤ (٦/٥) (١) بشأن
الإيجار المنتهي بالتمليك
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١-٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ الموافق ١٠-١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم ١٣ (٣/١) في الدورة الثالثة، بشأن الإجابة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية، فقرة (ب) بخصوص عمليات الإيجار.
قرر ما يلي:
أولاً: الأولى الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى، منها البديلان التاليان:
(الأول) : البيع بالأقساط مع الحصول على الضمانات الكافية.
(الثاني) : عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية:
-مد مدة الإجارة.
-إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.
-شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.
ثانياً: هناك صور مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك تقرر تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة، بعد تقديم نماذج لعقودها وبيان ما يحيط بها من ملابسات وقيود بالتعاون مع المصارف الإسلامية لدراستها وإصدار القرار في شأنها.
стр. 19044
العرض – التعقيب والمناقشة
العرض
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
أفتتح كلمتي بتهنئتي المجددة لمعالي الرئيس وقد حظيت بأن كنت أول مقدم للبحوث في ولايته الجديدة.
والبحوث التي عملت على التأمل فيها والاطمئنان أكثر ما يمكن على الوفاء بما جاء فيها هي ستة بحوث بلغت صفحاتها سبعاً وستين ومائتي صفحة، وهي في طولها ما بين أربع عشرة صفحة، وخمس عشرة صفحة ومائة. ولذا أرجو من سادة الرئيس أن يتسع صدره إذا ما اضطررت إلى شيء من أخذ الوقت، أو أقل ما يمكن من الوقت لأكون أميناً في إبلاغكم ما توصلت إليه وأنا أنظر في هذه البحوث المقدمة والجهود الكبيرة التي قام بها السادة الباحثون، وأريد قبل أن أدخل في الموضوع أن أذكر بالموضوع وعناصره كما جاء من الأمانة العامة:
* الإيجار المنتهي بالتمليك وصكوك التأجير حسب العناصر التالية:
-تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك.
-صور الإيجار المنتهي بالتمليك.
- التكييف الشرعي للإيجار المنتهي بالتمليك.
-حالات الوعد بالتمليك.
-البيع بالقيمة المتبقية للعين المؤجرة.
-البيع بثمن رمزي أو حقيقي.
- الهبة بعقد هبة عند انتهاء الإجارة.
-حكم الدفعة المقدمة في الإيجار المنتهي بالتمليك.
-توكيل المستأجر بشراء العين.
-تسجيل العين المؤجرة صورياً باسم المستأجر لتفادي الإجراءات والرسوم.
-تعديل أقساط الإجارة في حالة فوات التملك.
فهذه أحد عشر عنصراً هدتنا الأمانة العامة للنظر فيها.
والبحوث المقدمة بعضها قد عُني بمعظم هذه، وبعضها قد أهمل بعضها.
стр. 19045
أبدأ على حسب الترتيب الذي جاء في برنامج العمل فأؤخر نفسي وأقدم الشخصية الثانية التي هي شخصية سماحة الشيخ محمد علي التسخيري. بحثه أولا ابتدأ بتعريف الإجارة، ثم قرر بأن الإجارة تتم باللفظ المفهم وبالإشارة من الأخرس، والمعاطاة، وأن الإجارة عقد لازم، لا تنفسخ إلا بالتقايل ولا تبطل بموت أحدهما. ثم ذكر شروط الإجارة المعلومة بما ينفي الجهالة والغرر. في الشروط: قاعدة قبول الشرط: ألا يحل حراماً وألا يحرم حلالاً، ثم استدل لوجوب الوفاء بالشرط بأدلة من المعقول والمنقول. ثم ذكر أنه يشترط لصحة الشرط شروط هي: أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف وأن يكون حلالاً، وأن يتعلق به غرض صحيح، وألا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، وألا ينافي متقضى العقد وأن تنتفي الجهالة، وألا يستلزم محالاً، وأن يكون في صلب العقد لا سابقاً عليه.
ثم تحدث عن حكم الشرط الصحيح، وحكم الشرط بالعقل، وأنه واجب الوفاء به ويجبر عليه من أبى، ثم إنه هل للمشروط له الفسخ عند الامتناع أو لا يجوز له الفسخ إلا مع التعذر؟ وعند تعذر تنفيذ الشرط فليس للمشروط له إلا الخيار إذا تعذر الشرط الظاهر جواز الفسخ للمشروط له بإسقاط شرطه. ثم تعرض للملكية ومفهومها، وأنها ماهية اعتبارية متقومة باعتبار العقلاء.
ونتيجة البحث أن الإيجار المقرون بشرط تملك المستأجر العين أياً كان المشترط المستأجر أو الأجير ويصح عقد الإجارة ويصح الشرط، إلا أنه إذا كان التملك اشترط بتمليك المؤجر فإنه يجب على المؤجر الوفاء بالشرط. وذكَّر بالقواعد التي جاءت بالبحث، ويستدل على أنه لو لم يقبل ذلك شرعاً لنص عليه الشارع ونقل، لأنه مما تعم به البلوى، وعموم أمر آية الوفاء بالعقود يدل على صحة الشرط الداخل في العقد.