الرئيس:
نظراً لأهمية الموضوع وكثرة الذين طلبوا التعليق وانتهاء الوقت فأرى أن نستكمل المناقشة في هذا الموضوع في الجلسة الصباحية.
وبهذا ترفع الجلسة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
لقد كفاني الإخوة الذين تكلموا فيما قبل كثيراً من النقاط التي كنت قد أثبتها للمداخلة فيها ولكنني أريد أن أبين بأن هناك علاقة وثيقة بين الإجارة المنتهية بالتمليك وبين صكوك التأجير.
ولعل الغرض من طرح هذا البحث أصالة هو تسليط الضوء على صكوك التأجير لأنها كما بين الإخوان صيغة مهمة جداً في الاستثمار الإسلامي تمكن الإنسان من استثمار أمواله لأي فترة يريدها في أنشطة كبيرة عظيمة الربح حيث يوجد ما يتيح له الاسترداد والتخارج والتداول. وصكوك التأجير لا تقوم إلا على أساس الإجارة المنتهية بالتمليك، لأن الصكوك من شأنها أن يضرب موعد لإنهائها أو كما يسمى لإطفائها. وهذا الإطفاء لا يتم إلا إذا كانت العين المؤجرة ستنتهي من حيث الإجارة وتصبح مملوكة للمستأجر حتى تنتهي هذه الصكوك. ولذلك فإنه من اللافت للنظر أن صكوك التأجير لم تحظ بما ينبغي لها في هذه الأبحاث حيث لم يهتم بها اهتماماً جيداً إلا الدكتور منذر قحف، وما جاء في بعض الأوراق الأخرى مثل فضيلة الشيخ المختار السلامي حيث إنه نوه بأهميتها ولكنه لم يخض فيها. ولذلك لابد من أن تكون هذه الصكوك محل عناية لأنها تشكل رديفاً لصكوك المضاربة التي عني بها المجمع وأصدر فيها قراراً جدياً كثير النفع انتفعت به المؤسسات المالية لأنه نظم ما يتعلق بالمشاركة والمضاربة والضمان وتوزيع الربح، والتنضيض الحكمي وغيرها من الأبحاث التي جاءت في هذا القرار رقم (٥) للدورة الرابعة في صكوك المضاربة’. فإذا كان هناك اهتمام بصكوك التأجير سيكتمل نوعان من أهم صيغ الاستثمار الإسلامي. صيغة تقوم على الدوام، وصيغة تقوم على التأقيت والتحديد لموعد الاستثمار من حيث الدخول فيه والخروج منه نهائياً.
إن التكييف القانوني الذي تعرضت له الأبحاث للتأجير المنتهي بالتمليك بشتى صوره مملوء بالشوائب التي تخرجه عن مضمونه وتجعل هناك تداخلاً عجيباً بين أحكام البيع وأحكام الإجارة. وهذا التكييف القانوني لا يلزمنا نحن الشرعيين لأننا نواجه كثيراً من الصيغ التقليدية فنزيل منها ما كان مخلاً بقواعد الشريعة ونلحق بها ما كان مطلوباً وجوده فيها من الضوابط الشرعية، فمثلاً هناك عمليات التسهيلات كانت تتم في البنوك التقليدية بالإقراض الربوي وحده، فلما أخذت البنوك الإسلامية هذه الصيغة جردتها من هذا المفهوم الربوي المحرم، وجعلت التسهيلات تقوم على البيوع المؤجلة والتأجير المؤجل الأجرة أو المقسط الأجرة وغير ذلك.
كذلك خطابات الضمان (الاعتمادات المستندية) كان فيها كثير من الشوائب، فالمؤسسات المالية الإسلامية من خلال هيئاتها الرقابية الشرعية لم تلتزم أو لم تلزم بالتكييف القانوني الذي فيه كثير من المخالفات.
стр. 19077
أيضاً التأجير المنتهي بالتمليك حينما استخدمته المؤسسات التقليدية استخدمته ذريعة للفرار من الإلزام الضريبي، لأن الضرائب في التأجير أخف من هذا في المملوكات لأن المستأجر يدفع أجرة، وهذه الأجرة تعتبر عبئاً عليه فيحظى بتخفيف ضريبي، فبدأت المؤسسات التقليدية تفر من البيع بالتقسيط إلى التأجير المنتهي بالتمليك، لذلك حصل التردد بين البيع والإجارة، والسلطات الضريبية وضعت كثيراً من الضوابط لإزالة هذا التحايل أو هذا التملص من العبء الضريبي. هذا الأمر أيضاً لا مجال له ليؤثر على التكييف الشرعي بأن التأجير المنتهي بالتمليك يظل إجارة وتطبق عليه جميع أحكام الإجارة من التزام المؤجر بتقديم المنفعة وبقاء هذه المنفعة صالحة للاستخدام من خلال التزامه بالصيانة الأساسية، وإذا كان هناك تأمين فهو يتحمل تكلفة التأمين، ولا مانع من أن يراعي ذلك أو هذين الأمرين في تحديد الأجرة لأنه يحصل عليها بصفتها أجرة وليس بصفتها تحولاً عن التزاماته وإلقاءً بها إلى الطرف الآخر لأن المستأجر يدفع الأجرة والمؤجر يلتزم بالمنفعة، فإذا حمل الصيانة للمستأجر كأنه جمع بين العوض والمعوض لم يقدم شيئاً وأخذ كل شيء.
أيضاً ما يثار على وجود البيع والإجارة، البيع ليس هو الطريقة الوحيدة لإنهاء الإجارة فإنها قد تنتهي بالهبة سواء كان بوعد يتلوه إبرام عقد هبة، أو كان بهبة معلقة يقع أثرها بعد حدوث ما علقت عليه. فإذن التأجير المنتهي بالتمليك ليس بالضرورة أن يجتمع مع البيع، وحتى لو كان هناك البيع فإنه يكون وعداً ولا يكون بيعاً مضافاً للمستقبل ولا بيعاً مزاحماً لعقد الإجارة.
تساءل فضيلة الشيخ المختار عن مدى أهمية الصكوك. الحقيقة أن الصكوك مهمة جداً وقد حصل تطبيقها في بعض البلاد الإسلامية، في ماليزيا استحدثت كثير من الصكوك لتأمين استمرارية المرافق وإيجاد السيولة المالية التي تحتاج إليها، وفي دولة البحرين أيضاً هناك محاولات جادة برعاية الأمانة العامة للمجمع لإيجاد شتى أنواع الصكوك لتأمين الموارد والمرافق الأساسية وتمكين المستثمرين من توظيف أموالهم في استثمار مرن يتيح لهم الحصول على السيولة عند الحاجة.
طرحت بعض الأفكار لتصحيح التأجير المنتهي بالتمليك بأنه ينبغي أن تراعى أجرة المثل وأن يراعى في البيع ثمن المثل. هذه المراعاة ليس عليها إلزام شرعي وإنما قد تكون من باب الرفق بالمستأجر أو الرفق بالمشتري، ولكن ليس هناك إلزام لمن يؤجر أو لمن يستأجر بأن يراعي أجرة المثل. أجرة المثل يرجع إليها حين فساد تحديد الأجرة، أو حين التغرير والتدليس، أو في مجال الأوقاف حتى لا تضار الأوقاف من تصرفات بعض النظار بأن يؤجروا مستغلات الوقف بأجرة زهيدة لمن يحابونهم.
وإن في طبيعة التأجير المنتهي بالتمليك أن تكون الأجرة أكثر من أجرة المثل لأن هذا يتلاقى مع رغبة المستأجر في التملك، فإذا رغب أن يتملك هذه العين المؤجرة في سنتين فإن الأجرة قد تكون كبيرة أكثر مما لو رغبت أن يتملكها في أربع سنين أو خمس سنين. فهذا شيء دخل عليه المستأجر برضاه وله أمل وتوقع بأن يتملك في وقت محدود وقصير ولكن إذا حصل ضير على هذا المستأجر بأنه فات عليه التملك لأمر لا تدخل له فيه لسبب سماوي هذا ما يسمى (مسألة فوات التملك) فإن هناك حلاً انتهت إليه اللجنة الشرعية لهيئة المحاسبة استئناساً بمبدأ الجوائح بأنه إذا فات تملك المستأجر للعين المؤجرة بسبب لا يد له فيه فإنه يعاد النظر في الأجرة التي دفعها والتي تكون غالباً أكثر من أجرة المثل فترد إلى أجرة المثل تحقيقاً للعدالة ومراعاة للظروف الطارئة التي صدر فيها بعض القرارات الشرعية.
стр. 19078
أخيراً أريد أن أنوه بما جرى التنويه به أكثر من مرة بأن هذا الموضوع بحث في المجمع وصدرت فيه قرارات مؤكدة ومؤيدة، ويبدو أن إعادة طرحه ما هي إلا للتوطئة لصكوك التأجير التي هي المطلب الأساسي والملح والذي كما قلت هناك تلازم بينه وبين التأجير المنتهي بالتمليك، فكان لابد من استعراض أحكام الإجارة لترشح هذه الأحكام في صكوك التأجير ويستفاد منها في تنفيذها وتطبيقها وتوزيع عائدها إلى آخر ما هناك ومن هذه الأمور المهمة.
في موضوع شراء العين من العميل وتأجيرها إليه كيف تكون هذه عينة؟! العينة لا تكون إلا في البيع بأجل والشراء بثمن حال حيث تكون السلعة رجعت إلى مالكها فوراً وكما قال ابن عباس: (أرى دراهم بدراهم بينهما حريرة) ، لكن هنا إذا كان العميل لديه عين يستخدمها واحتاج إلى السيولة فبدلاً من أن يستقرض بالفوائد الربوية يتخلى عن هذه العين ويلجأ إلى الإيجار، لأن الإيجار يكلفه بعبء أقل من الثمن الباهظ الذي هو كامن في هذه السلعة فيحصل على هذه السيولة ثم يستأجر هذه العين إيجاراً يكون فيه سنوات فكيف تتحقق العينة؟ والهيئات الشرعية التي أجازت هذا النوع من التأجير المنتهي بالتمليك اشترطت مرور فترة لا تقل عن سنة، وهذا مما يفقد العينة مفهومها وجوهرها وهذا ما عبر عنه الفقهاء بأنه حوالة الأسواق إذا تخلل بين البيعتين في سلعة واحدة بين طرفين فترة تحصل فيها حوالة الأسواق أو تتغير فيها العين، فهنا العينة من هذه الصورة.
هذا ما أردت إضافته، والله أعلم.
الرئيس:
يعني تكون عينة بلا حريرة.
стр. 19079
الشيخ أحمد بن سعود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكراً سماحة الرئيس شكراً مقرونا بالتهنئة على تجديد العهد لكم، والشكر للعلماء الباحثين على بحوثهم القيمة المعمقة في هذا الموضوع المهم والحساس.
من المعلوم أن التأجير من الأمور المهمة في حياة الناس اليوم حيث إن حركة الحياة قائمة ومعتمدة إلى حد كبير على عملية التأجير دوراً وآلات. ولكن كيف تنقلب العملية التأجيرية إلى ملك؟ طبعاً لا يتصور ذلك إلا أن يكون ذلك بيعاً أو هبة، والبيع سواء كان بيعاً مساوياً أو رمزياً فالجميع بيع. بيد أنه لا بد من تأصيل الإجارة، هل هي بيع أم غير بيع؟ فإذا كانت الإجارة بيعاً فإن العقد يكون مشتملاً على بيعتين في بيعة وهو منهي عنه طبعاً. وإما أن تكون الإجارة ليست ببيع عقد مستقل. وإذا كان عقد البيع قبل انتهاء مدة الإجارة فلا يؤمن من أن تدخله الجهالة ويدخله الغرر أيضاً، بل إن الجهالة لازمة ومتحققة في المبيع نظراً لعدم التيقن من الصفة التي سيؤول إليها المبيع بعد انتهاء مدة الإجارة. أما إذا كان البيع بعد الإجارة فإنه بيع مستقل ولا يمكن أن يعبر عنه بالتأجير المنتهي بالتمليك، وإن كان هناك قول بتردد الإجارة بين المضاربة والبيع كما هو عند الإمام ابن بركة العماني في كتابه (الجامع) حيث ذكر بأن فيها شبهاً بالمضاربة وشبهاً بالبيع. وهذا القول لم أجده لغيره في كتب المذهب عندنا ولا أدري هل هو موجود عند علماء المذاهب الأخرى أم لا؟ بالقول بتردد الإجارة بين المضاربة والبيع.
الظاهر أنه ليس هناك عقد يمكن أن ينزل عليه عقد التأجير المنتهي بالتمليك اللهم إلا أن يقال بأنه عقد جديد وبالتالي ينظر في إنشاء حكم له.
هذا ما أردت أن أقوله، وشكراً لكم، والسلام عليكم.
стр. 19080
الدكتور محمد علي القري بن عيد:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد ﷺ وآله وصحبه.
لعلي أبدأ أولا بتقديم الشكر للباحثين الأفاضل على هذه البحوث المتميزة، والثناء على عرض فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي الذي جاء جامعاً لآراء الباحثين ومقترحاتهم وأفكارهم. ثم أقول: إن العقد المسمى (الإيجار المنتهي بالتمليك) هو اجتماع البيع والإجارة لاشك في ذلك، ولا طائل من وراء السعي لإثبات أنه إجارة فحسب تضمنت وعداً بالبيع أو خياراً بالشراء أو ما إلى ذلك، إذ لا يمكن أن نفسر حقيقة أن هذا المستأجر –في العقد- يدفع مبلغ أجرة يعلم تمام العلم أنها تزيد كثيراً على أجرة المثل وأجرة السوق، إنما يفعل ذلك لعلمه أن الزيادة فيها هي دفعات مقدمة من الثمن، ولا يمكن أن نفسر حقيقة أن أصلين متماثلين يؤجران بأجرة شهرية مختلفة إلا إذا عرفنا أن مدة الإجارة بينهما مختلفة فنعلم أن تلك المدة هي أجل دفع الثمن، فاختلفت الأجرة الشهرية بناء على ذلك لأنها تتضمن قسطاً من الثمن. كل ذلك يدل على انعقاد البيع والإجارة في اتفاقية واحدة. هذه هي مشكلة هذا العقد، وما خلا ذلك من تفاصيل يمكن أن يقوم العقد بدونها ويبقى إجارة منتهية بالتمليك.
والجمع بين البيع والإجارة يختلف عما نهي عنه من بيع وسلف، لأن البيع متضاد متناقض مع السلف، أحدهما يجوز فيه الربح والآخر لا يجوز، فإذا اجتمعا أفضى اجتماعهما إلى الربا حيث تكون الزيادة في القرض جزءاً من ربح البيع. أما ما نحن بصدده فليس بين هذين العقدين –أي البيع والإجارة- تناف أو تضاد، والاسترباح في كليهما جائز، فإذا وقع على محلين مختلفين لم يعد للقول بالمنع وجه. ومعلوم أن البيع واقع على الرقبة. وأن الإجارة واقعة على المنافع، فإن قيل: إذا كان بيعاً حقيقياً لم يستحق المؤجر الأجرة بل هي للمشتري الذي انتقل إليه الملك بالبيع وهو المستأجر في هذا العقد. فلماذا يستمر المؤجر في قبض الأجرة؟ فالجواب عن ذلك أنه بيع مضاف إلى المستقبل، وقد أجاز بعض الفقهاء كابن تيمية –﵀ هذا البيع. ونحن نعلم أنه يجوز لمؤجر عين أن يبيعها إلى طرف ثالث لأن محل عقد الإجارة هو المنافع التي وقع بيعها للمستأجر، ومحل عقد البيع هو الرقبة التي لم تزل ملكاً له. عندئذ يستحق المالك الجديد الأجرة إذا كان عقد بيع ناجز وليس في ذلك تناف أو تضاد بين العقدين. فإذا باع الرجل منافع الأصل لآخر في عقد إجارة ثم باع الرقبة إليه في عقد بيع مضاف لزم أن يكون ذلك جائزاً لعدم التضاد، واستحق المؤجر الأجرة في المدة.
والعقود التي يتعامل بها الناس اليوم لا تكاد تخلو من التركيب واجتماع العقود، وأكثر ما يجتمع في معاملات الناس البيع والإجارة، إذ قليلاً ما يكون العقد بيع محض أو إجارة محضة. يأتي الرجل ليسكن في فندق كهذا الذي نحن فيه فتراه يوقع على عقد جامع لإجارة الغرفة ولبيع الطعام وما إلى ذلك. ويشتري الواحد منا جهاز الكمبيوتر فيدفع مبلغاً من المال جزء منه ثمن الجهاز وجزء منه أجرة لدورة تدريبية عليه، ويدخل الفرد المستشفى فإذا هو يدفع أجرة الطبيب وثمن الأدوية على عقد بيع، وهذا هو أمر اشتراك الناس في الكهرباء والهاتف وعقود الصيانة وما إلى ذلك. وفي كل الأحوال فإن مقدار الأجرة معروف ومستقل عن أثمان الأشياء وإن اجتمع العقدان في اتفاقية واحدة، وهذا ما يجب أن يكون عليه عقد الإيجار المنتهي بالتمليك لأن قواعد العدل تقتضي أن تترتب للمستأجر حقوق خاصة بالمنافع بناء على عقد الإجارة وحقوق خاصة بملكية الأصل مستمدة من عقد البيع المضاف مادام أن يدفعه شهرياً يتضمن أجرة ويتضمن قسطاً من الثمن لأن الملك لم يتحقق. وليس مقبولاً أن يقال بأن تلك كانت أجرة تراضى عليها الطرفان مع العلم باختلافها عن أجرة المثل.
والله أعلم، وشكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19081
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
فمما لاشك فيه أن الإجارة المنتهية بالتمليك والأصح أن يفصل كل واحد منهما عن الآخر وإن اشتركا في التسمية عملاً بأصل النشأة عن القواعد والأنظمة الغربية، وقد نشأ هذا العقد في بريطانيا قبل غيرها من البلدان. هذا التعاقد في الحقيقة أصبح أداة استثمارية ناجحة طويلة الأمد في المصارف الإسلامية، وجرى العمل به ولم يعد هناك أي إشكال –في تقديري- حول تكييف هذا العقد.
أما الذين يمنعونه فإنهم يتأثرون بالصورة الأصلية التي نحن نكاد نتفق على منعها وهي أن ينضم البيع إلى الإجارة ويكون هناك عقدان في عقد واحد.
ينبغي أن نفصل بين هذه الصورة الممنوعة وبين التكييف، والتعديل الذي أدخلناه على هذه الصيغة من الناحية الإسلامية.
نتيجة البحث في هذا الموضوع يتبين أن للإجارة التمليكية تسع صور ثلاثة منها ممنوعة، وستة منها غير ممنوعة بل هي جائزة بالتأكيد. فالممنوع منها: أن ينضم عقد البيع إلى الإجارة، وهذا في الحقيقة لا يخالف فيه أحد. وكذلك يمنع حالة البيع المعلق على شرط أو البيع المضاف إلى وقت في المستقبل في رأي جمهور العلماء. والصورة الثالثة الممنوعة هي ما ذكره أخيراً الدكتور عبد الستار أبو غدة وهي قضية بيع الشيء للمؤجر الأصلي بعد مدة من الزمان، فهل هذا من قبيل العينة أم لا؟ الغالب في الدراسات أن مثل هذا العقد يكون ممنوعاً تحاشياً من الوقوع في النهي عن بيع العينة.
فهذه الصور الثلاث هي الممنوعة. وأما ما عدا ذلك في الصور الستة الباقية فهي في الواقع جائزة خصوصاً أن عقد الإيجار يبدأ بشكل واضح كامل المعالم ومستقل سواء بأجر المثل أو بأكثر من أجر المثل فهذا متفق عليه، وسواء أكان البيع في نهاية الأمر بثمن رمزي أم بسعر السوق أم بهبة كل ذلك أيضاً لا مانع منه.
стр. 19082
حينئذٍ ينبغي أن نصل إلى نتيجة في هذا الموضوع وهو أن هذه الإجارة انضم إليها وعد، ونحن لنا قرار سابق في أن الوعد المنضم إلى المرابحة لا مانع منه وأنه وعد ملزم، كذلك هنا أيضاً لماذا هذا التخوف ونحن لنا قرار سابق في قضية الوعد الذي ينضم إلى عقد آخر مقرراً وهو من العقود المعروفة؟.
إذن كل الصور التي لا تتصادم مع النصوص الشرعية أو مقتضى العقد أو الأصول التي رجحها جمهور العلماء فهذه لا مانع منها. أؤيد إذن ما تفضل به الإخوة الكرام والقضية ليست أن كل متحدث ينبغي أن يضيف جديداً لأن المهم أيضاً أن تتكاثر الأصوات وتبين أرجحية الاتجاه والميل إلى التكييف والجواز أو المنع منه، فأنا أؤيد كل ما ذكره فضية الشيخ محمد تقي العثماني من قسمة هذا العقد إلى قسمين: ممنوع وجائز، وهذا هو رأيي، ولي بحث في هذا الموضوع.
ثم أضيف إلى ذلك أنه ما دام العقد جائزاً في الصور التي ذكرتها فيكون حينئذ قضية تحمل الضمان وقضية التزامات الصيانة هي على المؤجر وليست على المستأجر. فأنا أستغرب أن بعض الإخوة جنحوا إلى أن هذه الالتزامات تكون على المستأجر، فبأي حق؟ القواعد الشرعية كلها تتنافى مع هذا الاتجاه، وحينئذٍ إذا ضمت مثل هذه الشروط تفسد العقد بدون شك وتجعل العقد حينئذ داخلاً في دائرة الحظر وليس في دائرة الجواز.
ما يتعلق بصكوك الإجارة، الحقيقة هذا الذي أريد أن أضيفه وهو أن صكوك الإجارة ينبغي أن نذكر كون هذا الصك ينبغي أن يعمل به فيما يملكه المؤجر وذلك ما دامت مدة الإجارة باقية، فإن انتهت مدة الإجارة فحينئذٍ تكون هذه الصكوك غير مشروعة ولا يصح الاعتماد عليها. وأخشى من كون جعل الأجور داخلة في صفة صكوك أن تتداول بغض النظر عن انتهاء المدة أو بقائها، وحينئذ نقع في المحظور بالتأكيد.
أيضاً قضية البيع الرمزي أو الهبة في نهاية العقد هذه داخلة تحت مبدأ التراضي الذي تقوم عليه كل العقود في الفقه الإسلامي، وأن الأصل تراضي الطرفين ما لم يكن هناك مانع أو تصادم مع أصول الشريعة من النصوص أو مقتضى العقد أو أنه يؤدي إلى مساس بالربا أو بالغرر.
فيما يتعلق بموضوع الإجارة بأجر المثل أو بأكثر من أجر المثل هذا داخل تحت قاعدة التراضي، وما دام المتعاقدان قد اتفقا على هذا النحو فينبغي ألا يكون هناك أي حظر أو تشكك في هذا الموضوع.
إذن خلاصة الأمر أن الذين اتجهوا إلى منع هذا العقد إنما هم يتجهون إلى ما نتفق عليه أو اتفقنا عليه من الصور الممنوعة، وأما الصور التي لا تدخل في دائرة الحظر أو دائرة المنع فهذا هو الذي ينبغي أن يضاف في هذه الدورة، وحينئذٍ القرارات السابقة في هذا الموضوع هي في الحقيقة قرارات ضعيفة لا تدل على الجواز بالصورة التي ينبغي أن يصدر عنها القرار في هذه الدورة.
وشكراً، والله أعلم.
стр. 19083
الشيخ ناجي شفيق عجم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سبقني بعض الإخوة إلى بعض ما كنت أريد أن أقوله ومع ذلك أرى أن هذا العقد أشد على المتمول من المرابحة. ففي المرابحة الآمر بالشراء يملك السلعة رقبة ومنفعة، ملكية تامة، والمستأجر هنا ملكيته ناقصة يملك المنفعة فقط فضلاً عن أن المستأجر قد يعجز عن دفع بقية الأقساط، وهذه الأقساط في الغالب الشائع أكثر من أجرة المثل. أقول: المقصود من اللجوء إلى هذا العقد – الإيجار المنتهي بالتمليك الذي هو بدل للبيع بالتقسيط- المقصود هو حماية رأس المال للممول وحماية ربحه.
هناك بدائل شرعية كثيرة تحمي حق الممول وربحه، وكذلك حق المتمول، ويتحقق هدف الطرفين منها أخذ الرهن من المشتري، أو رهن نفس العين المباعة عند البائع، أو أخذ كفالة، أو الشركة المنتهية بالتمليك، أو يؤخر البائع نقل الملكية الرسمية للعقار مثلاً، ريثما يتم دفع جميع الأقساط. هذا العقد أراه مفضلاً لحماية أحد طرفي العقد، وهو المؤجر أو المؤجر (الممول) ، من المخاطرة. والمستأجر هو الذي يتحمل المخاطرة أكثر من الطرف الآخر، والنبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن. فأرى أن العدل هو من مقاصد هذه الشريعة. والغبن والظلم على أحد طرفي العقد.
والله الموفق.
الشيخ صالح المرزوقي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
بعد شكر الله أشكر رئاسة المجلس وأمانته كما أشكر الباحثين على بحوثهم.
موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك اطلعت على ما عرضه فضيلة الشيخ السلام في بحثه القيم ونقل فيه رأي بعض المشايخ الأفاضل منهم فضيلة الدكتور حسن الشاذلي، حيث ذكر أن له تصورات خمسة أو أن له صوراً خمسة، أحدها أن ينتهي عقد الإيجار بتملك العين المستأجرة مع آخر قسط ولم يرتض هذه الصورة، وقدم لها بديلاً وهو بيع العين المؤجرة مع تقسيط الثمن والحجر على المشتري في التفويت في المبيع قبل سداد جميع الأقساط. وفي نظري أن هذه الصورة مقبولة شرعاً. ثم قال فضيلته –والكلام للشيخ حسن الشاذلي-: أو أن تتم صياغة العقد على أساس أن ينتقل التملك للعين بهبتها للمستأجر هبة معلقة على سداد آخر قسط أو على أن يعده بالهبة، والوعد بالهبة ملزم.
أقول: إن اللجوء إلى تسويغ العقد بالهبة لا يستقيم لأن القول بالهبة هو أسلوب من أساليب التحايل على تسويغ عقود غير جائزة، فصاحب العين المؤجرة لا يقصد هبتها، والهبة لا تكون هبة إلا إذا كانت خالصة لوجه الله الكريم أو تكون هبة بعوض وهذه تأخذ أحكام عقد البيع. ومن أين لرجال الأعمال والمصارف الإسلامية أو غير إسلامية أن يهبوا أعيانهم؟.
الصورة الثالثة: أن ينتهي عقد الإيجار ببيع العين المؤجرة بثمن حقيقي، وهذه يرى جوازها. وهذه الصورة إذا لم يكن متفقاً عليها عند عقد الإيجار فلا بأس بها شرعاً، ولكنها لا تحل مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك.
الصورة الأخرى: أن ينتهي عقد الإجارة بتخيير المستأجر بين مدة الإجارة أو شراء العين أو ردها على صاحبها. وهذه الصورة لم يظهر لي معالجتها لمسألة الإجارة المنتهية بالتمليك، فهذه واضحة الصحة.
стр. 19084
ونقل الشيخ السلامي رأي فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، وملخصه أن هذه المعاملة على الصورة التي تتم بها لا تشبه العقود الجائزة ولا يمكن أن تكون جائزة إلا إذا تمت على أساس أن يكون عقد الإيجار حقيقياً ومعه بيع بالخيار مؤجلاً. وهذا القول أجدني أوافقه عليه.
ثم عقب على قوله السابق فقال: أو أن يلحق عقد الإجارة، يعني إجارة مع الوعد بالبيع. وهنا لم يوضح فضيلته حكم البيع من حيث لزومه أو عدم لزومه، وهل هذا الوعد ملزماً أم لا؟. وأقول: إذا كان ملزماً فهو عقد بيع مع إجارة فوقعنا في الصورة التي منعها فضيلته.
أما الشيخ التسخيري فقد صور المعاملة بصورتين:
الأولى: أن تقوم المؤسسة ببناء مساكن ثم تؤجرها على أن تنتهي الإجارة بتمليك المستأجر للمسكن بمجرد أن يتم دفع أقساط الإيجار. والسؤال هنا: ما هو محل العقد في هذه المعاملة؟ لأنه كما لا يخفى على فضيلته أن كل عقد من العقود له أركان وشروط. فمحل عقد البيع العين المبيعة والثمن، فهل يصح أن يقع البيع والإجارة وهما عقدان على محل واحد؟ هذا لا يصح فيما يظهر لي، فالمعاملة إما أن تكون بيعاً مستوفياً لأركانه وشروطه، وإما أن تكون إجارة مستوفية كذلك لأركانها وشروطها، ولا يمكن أن يقع العقدان على عين واحدة في وقت واحد.
والصورة الثانية التي ذكرها الشيخ التسخيري: أن يعجز عن إتمام بناء بيته فيبيعه للبنك شريطة أن يتم البنك بناءه ثم يؤجره له، وعند تمام الأقساط التي هي ما أنفقه البنك على إتمام البناء مضافاً إليها أرباحه يعود البيت ملكاً للمستأجر. وهذه الطريقة مملوءة بالمشاكل فهل يصح أن يبيعه بيته ويشترط أن يؤجره له، إلى آخره؟.
أورد الشيخ السلامي حديث بيع الجمع بالدراهم ولم يبين لنا وجه الدلالة من الحديث المذكور في موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك، ولم يظهر لي وجه الدلالة.
ومما ذكره الشيخ السلامي أن يهبه بعد تمام عقد الإجارة، وقال: يجوز أن يجتمع عقد البيع والإجارة، واستشهد بما نقله عن المدونة، فقال: أرأيت إن اشتريت عبداً واستأجر راحلة؟ أقول له: إن هذا الاستشهاد أو هذا النقل عن المدونة لا يحقق المراد لأن هذه الصورة عينان، والعقد وقع على عينين، عين مبيعة وعين مستأجرة، ولم يقع العقدان على عين واحدة.
وفي الختام أرى أن يصدر المجمع قراراً" في هذه الدورة في عدم جواز الإجارة المنتهية بالتمليك في صورة الجمع بينهما أو في حالة تعليق البيع على أجل أو هبة العين المؤجرة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
стр. 19085
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
من الصعب أن يأتي المرء بجديد بعد كل ما قيل في هذه القضية.
أعتقد أن الإشكال واضح وهو وقوع العقد على جهالة تتمثل في التردد بين أن يستطيع المستأجر الوفاء فتكون العين مملوكة له، أو لا يستطيع الوفاء فتفوت عليه الملكية وتضيع الأقساط التي هي في حقيقتها أقسام بيع وليست أقساط إجارة. هذه العقدة هي المشكلة في الحقيقة. إننا أمام تردد في حالة الجمع بين عقد البيع والإجارة.
أتفق مع الدكتور الصديق بأن البيع والإجارة لا يتواردان في نفس الوقت على عين واحدة ولكن البيع قد يرد على الإجارة. بمعنى أن الإجارة إذا تمت فيمكن بيع العين المؤجرة على خلاف بين العلماء، هل بمجرد البيع تنفسخ الإجارة أو لا تنفسخ؟ وإذا بيعت العين إلى المستأجر هل يتمتع بالأجرة أو يرد الأجرة إلى بائع على القول بالثنيا التي يقول بها المالكية في الدار السنة والسنتين؟ وذكر كل ذلك (المعيار) للونشريسي. إذن هذه العقد يجب أن نتجاوزها سواء بإجارة حقيقية ثم بيع خيار لاحق، وهذا أعتقد أنه ممكن.
نقطة أخرى وهي أن نوصي المستثمرين أو المتعاملين بهذه المعاملة ألا يستغلوا الناس استغلالاً بشعاً، فقد استغلوا ذوي الحاجات فكثرت الديون وكثرت الخصومات، والجانب الآخر الاجتماعي لهذه المشكلة أيضاً.
بالنسبة للنقطة الأخيرة وهي التي تهمني، لأن قضية الإجارة المنتهية بالتمليك قيل فيها الكثير، ولم يترك الشعراء من متردم كما قال الشاعر القديم. صكوك التأجير. صكوك التأجير كما فهمتها، ومثال ذلك: إذا باع بائع عيناً لشخص ودفع هذا الشخص الثمن ثم استأجرها منه، وظل هذا البائع كما كان واضعاً يده على هذه العين يستغلها، ويدفع أقساط إيجار ثم في نهاية المدة رد ذلك الثمن الذي كان قد دفعه على ذلك الشخص واسترد الملكية التي لم تخرج من ملكيته أصلاً. فهذه الصورة واضح جداً أنها ربا. وهي في الحقيقة دفع مالٍ ليسترد أقساطاً هي الأرباح المعروفة في البنوك التقليدية لا أكثر ولا أقل، فبعد ذلك رد إليه الثمن وبقي الأمر كما كان. وقد أريت الإخوة أن الزرقاني نص على هذه الصورة بعينها وقال: هذا هو الربا الذي لا خلاف فيه. ولعل الدكتور عبد الوهاب يشهد لي ويشهد على هذا. فهذه قضية صكوك الإيجار التي سقطت، وكأنها سقطت من السماء حل جديد وحل إسلامي، ليست إسلامية، هي قضية البنوك التقليدية كمثل مسألة جبر الأضرار بالنسبة للمدين المماطل. إتباع هذه البنوك حذو القذة بالقذة.
فأرجو أن نراجع أنفسنا، هناك وسائل كثيرة للتمويل في الحقيقة نعتقد أنها متاحة ويمكن أن نلجأ إليها وألا نحاول دائماً بجبر أنفسنا للدخول في مضائق لا نستطيع أن ندخلها. وشكراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19086
الشيخ سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
شكراً معالي الشيخ لإتاحة الفرصة ثم الشكر للباحثين الذين قدموا هذه الأبحاث، ولسماحة الشيخ السلامي على عرضه المميز الذي أوضح كثيراً مما يتعلق بموضوع البحث في عرضه.
وفي الحقيقة عندي بعض الأسئلة لعل الإجابة عليها تزيل ما علق بذهني من التشوش من بعض البحوث التي قدمت والتي يسعى كاتبوها إلى تحليل صور الإجارة المنتهية بالتمليك. وهذه الإشكالات التي وجدت عندي بعد قراءة هذه البحوث هي إشكالات متعلقة ومقترنة باقتران عقد الإجارة المنتهية بأمور منها. فالإجارة المنتهية بالتمليك يقترن بها أمور خارجة عن العقد:
أمر التأمين، وأمر التأمين فيه ما فيه مما صدر عن مجمع الفقه سابقاً، وهو التأمين التجاري.
ثم أمر الدفعة الأولى التي تدفع في أول عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، فكيف تكون الدفعة الأولى والأمر إجارة؟
ثم أمر الصيانة. نحن نعلم أن صيانة الملك على مالكه وتلفه إذا تلف عليه، فكيف يكلف المستأجر بالصيانة؟ إلا إذا كانت الصيانة التشغيلية البسيطة مثل تغيير المصابيح أو أشياء بسيطة يسيرة تذهب بالاستعمال هذا أمر آخر.
بودي أن نميز بين الصور التي ذكرت. فصورة الإجارة المنتهية بالتمليك التي جعلت من الصور وهي أن يخير المستأجر بين تمديد الإجارة وبين البيع وبين فسخ العقد، هذه لا تدخل في صور الإجارة المنتهية بالتمليك لأن كل عقد إجارة يتطبق عليه هذا ولا سيما إذا كانت الأجرة بأجرة المثل، شريطة أن تكون الأجرة بأجرة المثل.
وأما بقية الصور فهي مشتركة في هذه الأمور التي اقترنت بها. أما ما هو داخل في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك فعدة أمور ومحظورات منها:
الأمر الأول: الزيادة في الأجرة عن أجرة مثل العين المؤجرة، وفي هذا غبن إذا لم يتم التمليك والبيع لسبب من الأسباب إما تلف العين المؤجرة بآفة سماوية أو بأثر من المستأجر أو بتغير صفاتها تغيراً لا يجعلها قابلة للبيع.
الأمر الثاني: إذا تم عقد البيع عند أول المعاملة –وأرجو أن نركز على هذا الجانب- فهل صفة المبيع معلومة عند نهاية مدة الإجارة؟ لاشك أن الاستعمال مؤثر في الصفة، ونحن نرى أن كثيراً من الأشياء التي تستأجر وخصوصاً في السيارات، فالموديل الواحد قد تتغير صفته بسبب الاستعمال من شخص إلى شخص، فشخص تبقى معه السيارة لمدة عشرين سنة وشخص آخر لا تستمر معه أكثر من سنة أو سنتين، وهذا مؤد لجهالة المبيع، وجهالة المبيع سبب في فساد البيع، إذ أن شرط البيع أن يكون معلوماً للمشتري وللبائع إما برؤية وقت العقد أو بصفة متقدمة على الرؤيا بزمن لا يتغير فيه المبيع غالباً ولاشك أن مدة الاستعمال تغير المبيع غالباً وفي هذا الأمر غرر وجهالة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر والجهالة. فللاستعمال أثر في صفة العين وتغيرها بل في تلفها أحياناً.
стр. 19087
لو رجعنا إلى مقتضى العقود والشروط المصاحبة للعقود، نحن نعلم أن الشروط التي تشترط في العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
-شرط من مقتضى العقد، وهذا لا أثر له.
-وشرط ليس من مقتضى العقد ولكنه من مصلحة أحد العاقدين، وإذا كان من مصلحة أحد العاقدين وهو لا يخالف مقتضى العقد فهو صحيح ومشروع.
الشرط الثالث ما كان كافياً لمقتضى العقد، وهذا الشرط إما مبطل للعقد أوباطل في ذاته والعقد صحيح عند البعض.
فلو تعرضنا لعقد الإجارة ومقتضاها، مقتضى الإجارة ثبوت الأجرة واستحقاقها للمؤجر بعد مضي المدة، وإذا تلفت العين المؤجرة أو لم يمكن الانتفاع بها أو نقصت منفعتها نقصاً بيناً تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة ويرد المؤجر قسط الإجارة الذي لا يستحقه على المستأجر، وصيانة العين المؤجرة على المالك، وتلفها من ضمان المالك إلا إذا كان بسبب تعد أو تقصير من المستأجر.
ومقتضى عقد البيع انتقال ملك المبيع للمشتري، وانتقال الثمن إلى ملك البائع، ومن ملك شيئاً وقبضه ضمنه وله التصرف فيه تصرف الملاك لا يمنعه من ذلك شرط يخالف مقتضى العقد، إلا إذا جعلا لمبيع رهناً في الأقساط المتبقية فليس له بيعه والتصرف فيه بتصرف ناقل للملكية وهذا هو الحل المناسب في مثل هذه الصورة.
إذا جعل الخيار للمستأجر في بعض الصور برد العين أو استئجارها أو شرائها كما قلت سابقاً حسب سعر السوق، فهذه ليست من الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كانت الأجرة بأجرة المثل حيث لا تمليك وإنما خيار في أمور مثل إيجار جديد أو بيع أو فسخ العقد.
إذا كان ثمن العين محدداً حين عقد الإجارة أو عند العقد فهذا فيه غرر حيث إن صفة المبيع غير معلومة عند انتهاء المدة كما قلت سابقاً. أما الذين لم يحدد الثمن عند أول عقد الإجارة بل عند آخرها فلا يكون بيعاً إلا بشرط العلم بالثمن والمثمن وهذا فقد للعلم بالأمرين. والحل أن يجعل وعداً بالبيع حين انتهاء مدة الإجارة بسعر السوق أو ما يتفق عليه المتعاقدان.
فكل من عقدي البيع والإجارة له آثار ومقتضى لا يصح اشتراط ما يخالفها، فإن كان شرط يخالف مقتضى العقد بطل.
هناك عدة أمور يمكن أن تكون بدائل، وبدائل مباحة لهذه الصورة الملفقة، وأول هذه البدائل: البيع بالتقسيط، وانتقال ملكية المبيع للمشتري، ورهن المبيع في ثمنه عند البائع حتى يتم السداد. أو أمر الضمان والكفالة في الثمن، أو تأجيل عقد البيع حتى نهاية عقد الإجارة والمواعدة على ذلك بثمن المثل يوم البيع شريطة ألا يزاد في الإجارة عن أجرة المثل وإلا كان غبناً بيناً وأكلاً لأموال الناس بالباطل. وكثيراً ما يلجأ في بعض الهيئات أو غيرها إلى محاولات تحليل بعض الأمور وإضافة أشياء تضاف إلى العقود ليست من مقتضياتها بل تخالف مقتضى العقود.
وأكتفي بهذا القدر، وشكراً.
стр. 19088
الشيخ حسن الشاذلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين.
أولاً شكراً للسيد الرئيس على إتاحة الفرصة لي للكلمة، وشكراً للسادة الباحثين، وشكراً لفضيلة الشيخ السلامي على عرضه القيم وأمانته التامة فيما نقله من جميع الآراء.
في البداية أود أن أضع نقاطاً متعددة:
أولاً: الإجارة المنتهية بالتمليك لا شك أنها تصرف أو عقد جديد يحقق أهدافاً ومصالح ننظر فيه فيما يجوز وما لا يجوز.
ثانياً: وهذا يقتضى أن نحصر الصور التي يتحقق فيها الإيجار المنتهي بالتمليك صورة صورة، ثم نضع لكل صورة حكمها ولا نعمم الحكم. وبالتالي يسهل علينا الانتقال إلى بيان الرأي في هذا الموضوع.
ثالثاً: أود أن أشير إلى أني حينما قدمت بحثي منذ ثلاثة عشر سنة الذي أشار إليه السادة الباحثون دخلت إلى الموضوع بعدة مداخل حول بيان آراء العلماء في كون السلعة مملوكة للبائع وفي كونها مقبوضة له، وفي رأي العلماء في جواز اجتماع عقدين في عقد، وفي جواز تعليق عقود التمليكات على شرط أو إضافتها إلى شرط، ثم الرأي في كون الوعد ملزماً أو غير ملزم. لأنه على ضوء هذه القواعد يمكن الانتقال بسهولة بين الصور الموجودة أمامنا. وقد أوردت في هذا الوقت صوراً ست تتفرع إلى إحدى عشرة صورة وبينت حكم كل صورة من هذه الصورة في موضعه، ولا أرى داعياً إلى الكلام فيها فقد كفاني الكلام عنها السادة الباحثون.
رابعاً: ما أود الإشارة إليه هو موضوع البيع بثمن رمزي، الذي أنا لم أوافق عليه لسبب. حقاً إن البائع له الحرية في أن يبيع بثمن رمزي أو حقيقي ولكن علينا ألا ننسى أنه إذا كان ثمناً رمزياً فهناك مجالات لمثل هذا الشخص، وهو أن مثل هذا البيع لو تم من غير هذا الإنسان يمكن أن يترتب عليه خيارات معينة تفسد البيع، ويمكن أن يترتب عليه حجر على هذا الإنسان. لاشك أن الأصل في المعاملات أو المعاوضات أن يتساوى العوضان بقدر الإمكان مع التجاوز عن بعض الأمور اليسيرة. ولذلك حينما شكا حبان بن منقذ من أنه كان يُغبن في البياعات أتيح له الخيار.
لذلك أقول إن البيع بثمن رمزي لا نستطيع أن نقول به وبخاصة أن ما سبقه من دفع إيجار هذا الإيجار ليس إيجاراً فقط، هو ثمن للمنفعة وجزء من ثمن العين نفسها، فإذا هلكت العين في الطريق ضاع عليه ما دفع، إذا لم يستطع السداد ضاع عليه ما دفع. لم يفقد إيجاراً فقط لكنه فقد إيجاراً وفقد أيضاً جزءاً من العين التي كان يستأجرها تحت هذا المسمى.
فلذلك القول بأنه بيع صحيح يجعل العقد صورياً (بيع صوري) ، وهذا لا يصح في نظري ولا يصح أن نقول به.
هناك نقطة أثيرت حول تعليق العقد: هل التعليق يدخل على السبب والحكم معاً كما أشار إليه فضيلة الشيخ الضرير، أم يدخل على الحكم فقط؟ وهذا خلاف فقهي، البعض يرى أن التعليق يدخل على الصيغة وعلى الحكم، كله يعلقه إلى وقت حدوث المعلق عليه، والبعض الآخر يجعل السبب يوجد ولكن يظل الحكم معلقاً كما هو في حالة الخيار.
كذلك اجتماع عقدين على عين واحدة، كفاني الحديث عن ذلك فضيلة الشيخ ابن بيه حينما قال: إنه يمكن أن يؤجر الإنسان العين ثم يبيعها لشخص ثلاث أو لذات الشخص نفسه.
أخيراً أرى أنه يجب أن ننظر إلى الصور المعروضة صورة صورة ونبين الحكم فيها حتى ننتهي من هذا الموضوع.
أما الصكوك فأرجو أن يتاح وقت لمزيد من دراستها، وشكراً.
стр. 19089
الشيخ علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
كنت في الحقيقة أريد أن أكتفي بما ذكره الشيخان الجليلان محمد تقي العثماني والدكتور الصديق الضرير مع التحفظ فقط على القول بأن البديل هو الاحتفاظ بالملكية، لأن احتفاظ البائع بملكية المبيع هذا يتعارض مع أهم آثار عقد البيع، ولذلك هنا قرار للمجمع بأن هذا غير جائز. لكن في الحقيقة ما ذكره فضيلة الأخ الأستاذ عبد الستار أبو غدة وما ثنى عليه الأستاذ الدكتور محمد علي القري يبين أن ما ذكر في الأبحاث من الناحية النظرية أو العلمية في الخارج، وقيل بأنها ممنوعة بالنسبة للإخوة الأعزاء الكرام، وقالوا بأنها ممنوعة لأن الإجارة شيء والبيع شيء آخر ولا يمكن أن يجتمعا في عقد واحد -كما بين الإخوة الكرام- على عين واحدة، يمكن أن يجتمعا على عينين كالأمثلة التي ذكرها الأخ الدكتور القري، فيمكن أن أستأجر الغرفة في الفندق وأن أشتري طعاماً من الفندق لكن لا يمكن أن أستأجر الغرفة وأن أشتري الغرفة في نفس الوقت، فلا يمكن أن يجتمعا في عين واحدة.
وهذا يبين أن اتجاه بعض المنشآت الإسلامية وهيئاتها الشرعية تتجه إلى إباحة الإجارة المنتهية بالتمليك التي فيها الإجارة الساترة للبيع أو الإجارة مع البيع في عين واحدة، إجارة وبيع. ولذلك يمكن أن يسترد المستأجر بعض الأقساط التي دفعها، كيف تكون إجارة ويسترد؟ يمكن هنا أن يتحمل تبعة الهلاك، يمكن أن يتحمل كل ما يتحمله المالك.
لذلك –كما تفضل الأستاذ الدكتور حسن- لابد من أن ننظر في كل حالة وأن نبين ما يجوز وما لا يجوز، وأن نتطرق إلى ما ذكره فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الستار، لأن هذا واقع عملي. فإذا انتهينا إلى المنع فإنني أقترح أن يوجه المجمع الموقر توصية إلى المنشآت الإسلامية وهيئاتها الشرعية إلى الالتزام بقرارات المجمع وأن من عنده ما يخالف هذا فليقدمه ويناقش. فإذا انتهى المجمع إلى عدم الجواز فأرى توجيه توصية إلى الإخوة الكرام بأن يلتزموا بهذا لأنه لا يجوز أن نجد من يجيز كذا في منشأة إسلامية ثم نجد المجمع يقول هذا لا يجوز. إذا المسلم في هذه الحالة ماذا يفعل؟ وشكراً.
стр. 19090
الشيخ محمد علي التسخيري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكراً سيادة الرئيس، وشكراً للشيخ السلامي على عرضه الشيق الجميل الأمين.
سيادة الرئيس أعتقد أن البعض عقدوا البحث وشققوه فتاهوا في الشقوق. ما نحتاجه في دراسة كل عقد هو التأكد من وجود مقتضى الصحة وفقدان المانع من هذه الصحة. وما لدي من القواعد وما نستأنس ونعرفه منها أن هناك في هذا العقد مقتضى الصحة موجوداً. فهذا العقد عقد عرفي يكون مورداً لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وكونه مشروطاً يجعله مورداً لـ ((المؤمنون عند شروطهم)) . مقتضى الصحة في هذا العقد بمختلف شقوقه موجود، أما الموانع المذكورة من كون انتقال الملكية لا يمكن أن يتم إلا بلفظ معين أو بسب معين، أو من كونه مصداقاً لصفقتين في صفقة أو بيع وشراء، فقد ثبت لنا أنها لا تشكل مانعاً في هذا المورد.
بقي أن نعرف أن الشرط –كما قلت في حديثي- قد يكون فعلاً، بمعنى أن يشترط البائع على المشتري أن يفعل فعلاً وقد يكون غاية أو نتيجة كالملكية، ولا مانع من ذلك ما نعرفه من القواعد. وهذا نص كلام لأحد كبار فقهائنا الشيخ الأنصاري في المكاسب، يقول: (وكيف كان فالأقوى صحة اشتراط الغايات التي لم يعلم من الشارع إناطتها بأسباب خاصة، كما يصح نذرك مثل هذه الغايات بأن ينذر كون المال صدقة والشاة أضحية، أو كون هذا المال لزيد، وحينئذٍ فالظاهر عدم الخلاف في وجوب الوفاء بها، بمعنى ترتيب الآثار) . فهنا كما أعتقد المقتضى للصحة موجود والموانع مفقودة.
بقي التساؤل عن أي الأحكام تطبق؟، هل أحكام الإجارة أم أحكام البيع الصحيح؟ لأن أحكام الإجارة هي التي تطبق بوفق العقد، فإذا انتهت الإجارة حل البيع ودخلت أحكامه، وبشكل واضح ليس هناك تعارض بين هذه الأحكام لاختلاف الزمان. فمثلاً لو تلف المال بلا تفريط تلف من مال المؤجر، وربما تمت الرأفة بعد ذلك بالمستأجر فأعيد له ما زاد عن أجرة المثل كما أشار الدكتور عبد الستار.
إشكال وحدة المحل في هذين الأمرين أعتقد أنه لا محل له، فالمحل متعدد. أولا بتعدد الزمان، ومتعدد بالفرق بين الرقبة والمنفعة. أما إشكال الغرر بعلة الجهالة عند التنفيذ فجوابه أن الغرر ليس هو كل جهل مهما كان، بل هو كما رأينا وكما ذكره المرحوم الزرقا والآخرون، والحنفية، بل هو الجهالة المفضية للنزاع كما تم تحقيقه وكما يوحي به لفظ الغرر. ولتقريب هذا المعنى للأذهان ما نجده من قبول عرفي بعدم الضرر هنا فلا يتذرع بهذه الحجة أي ذهن عرفي.
أعتقد أننا إذا لم نعقد التشقيق نصل إلى النتيجة، فمقتضى الصحة في هذا العقد موجود ولا أجد أي مانع يقف عقبة أمام تنفيذ ذلك.
وشكراً جزيلاً، وحياكم الله.
стр. 19091
الطيب سلامة:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شكراً سيادة الرئيس، وشكري كذلك للسادة الباحثين على ما بذلوه من جهد في هذا الموضوع الشائك، وشكراً لفضيلة العلامة الأخ محمد المختار السلامي على ما قدمه من تلخيص وافٍ لجميع الأبحاث، ويتميز هذا التلخيص بإعطاء كل ذي حق حقه، وعلى بحثه كذلك الذي استوفى فيه جوانب هذا الموضوع.
ما أريد أن أقوله باختصار هو أن مؤسستنا الإسلامية تحاشياً من الوقوع فيما تقع فيه المؤسسات المالية التقليدية من السلف الذي جر نفعاً وهو ربا بدون شك، أرادت أن يكون لها منهجاً إسلامياً يبعدها عن الوقوع في الربا، فالمقصد الذي يدفعنا للبحث في هذا الموضوع هو كيف نخرج مؤسساتنا الإسلامية من الوقوع في الربا وهي عبارة عن رؤوس أموال تريد أن تستخدم أموالها في التنمية ويريد العلماء أن يستفيدوا من هذه الأموال؟.
فهناك حينئذٍ طرفان: رأس مال وعامل. وعندنا في الفقه الإسلامي العقد الذي يستوعب هذه الغاية هو القراض وليس القرض. والفرق كبير بين القرض والقراض، ولكل من العقدين محله، فالقرض هو عمل بر، ولذلك جاءت حرمة الربا لئلا يكون البر وسيلة إلى امتلاك أموال الناس وابتزازها. كان الربا حراماً، لأن في الإسلام هناك أعمالاً يقوم بها الإنسان مجانية، ولكنها في الواقع ليست مجانية وإنما هي قربى لله ، وهذا مغاير للقراض الذي يقدم فيه صاحب رأس المال ماله للعامل ليعمل ثم ليتقاسم الطرفان الربح. فلماذا نترك القراض ونذهب إلى هذا الإيجار والبيع وهذه الصور التسعة ولم أجد صورة إلا صورة وحيدة سأذكرها تخلو من موانع شرعية؟ يقول قائل ربما القراض فيه أيضاً بعض الشروط التي تعسر المسألة على أصحاب رؤوس الأموال وعلى العملاء. الواقع أن المعاملات هي معقولة المعنى ليست كالعبادات.
الأحكام في العبادات نقول هي تعبدية حيث أمرنا أن نصلي الصلاة أربع ركعات فلا نبحث فيها لماذا أربعة؟ أما في المعاملات فليس عمل من الأعمال إلا وهو معلل إما لدفع مضرة أو لجلب مصلحة إذا كان جائزاً.
الصور التسعة باستثناء واحدة فيها محظورات. ثم الموضوع كله إذا أخذناه بعنوانه الإيجار المنتهي بالتمليك هذا ليس مقصوداً أصلاً لا للمؤسسة ولا للعميل. المؤسسة تعطي مالاً تستثمره والعميل يأخذ مالاً يستعمله ويربح ويعطي قسطاً من هذا الربح يتفق عليه مع المؤسسة. فلماذا ندخل في هذه التركيبات وهذه التعقيدات؟ ولماذا نترك القراض ونذهب إلى كل هذه التعقيدات؟.
ثم إذا كان لابد من تحاشي القراض لأنه لا يكفل للمؤسسات الإسلامية وللبنوك كل ما ترغب فيه من ضمانات ومن جعل الملك تحت يدها ومن عدم اعتبار مصلحة العميل إذا كنا نمشي في هذا الطريق فلنأخذ العصا من الوسط ولنأخذ صور البيع المقسط وليس فيه تعقيداً، ولنترك الإيجار ونترك كل شيء، حينئذٍ يكون العقد مبنياً على بيع، وآنذاك يخرج المصرف المالي عن حدوده ويصبح تاجراً يشتري ويبيع، وهذا غير موجود في الواقع لأن المصارف الموجودة ولو سميت بأسماء مهن فيقال المصرف التجاري أو المصرف الفلاحي هي في الواقع لا تمارس لا تجارة ولا فلاحة ولا شيء من هذا وإنما تتعامل مع التجار والفلاحين والصناع، أما دور المصرف فهو أنه يدفع الأموال ويقبض ماله (رأس المال) مع نصيب من الأرباح.
стр. 19092
فليكن حينئذٍ المصرف بائعاً وليبع العين بالتقسيط، ثم بقية الأسهم التي لم يبعها المصرف تكون على وجه الإجارة، ولضمان حقوق المصرف فلتكن بقية الأسهم التي لم تخرج عن ملكه إلى ملك العميل رهناً للمصرف حتى يتم البيع الكامل.
في الواقع هنالك حالة الآن هي أشبه بالقلقة والاضطراب بين أصحاب المصارف وبين رجال الأعمال، وكثيراً ما وجه لي السؤال التالي: ما تتعامل به المصارف الإسلامية وما تتعامل به المصارف التقليدية في بذل رؤوس الأموال للاستثمار أي فارق سوى بعض الحيل الشرعية أو سوى بعض التلبيسات والصور.
فالمصرف التقليدي يمد الأموال عيناً للعميل ليتصرف فيها بعد دراسة الموضوع وبعد إجراء ما يجري لإيجاد كل الضمانات في حين أن المصرف الإسلامي هو أيضاً يمد الأموال للعميل ولكن على وجه الوكالة والعميل لم يأت للمصرف ليكون له وكيلاً هو أتى للمصرف ليأخذ قسطاً من المال لينتفع به فلنقل أخذ مالاً على وجه القراض، وإذا كانت هنالك بعض الشروط فلنبحث في شروط القراض ونرى معقوليتها ولنجعل التعامل بين المؤسسة المالية وبين العميل على هذا المنهج الذي هو منهج إسلامي ليس فيه تعقيد وليس تركيباً، وشكراً.
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أشكر السيد الرئيس لإتاحة هذه الفرصة لي للحديث، هناك عدد من النقاط الصغيرة أريد أن أذكرها لعلها تساعد على فهم الموضوع.
أولاً: موضوع صكوك الإجارة: صكوك الإجارة في الحقيقة لا ترتبط أبداً بمسألة أن شراء عين من شخص وإعادة تأجيرها له تأجيراً منتهياً بالتمليك، هذا أمر آخر لا علاقة له بصكوك الإجارة.
صكوك الإجارة في تقديري لها أهمية بالغة في تمويل المشروعات الحكومية في تمويل الطرق، والمطارات، والمنافع العامة، والخدمات العامة، كل هذا يمكن أن يستعمل فيه وخاصة في هذا الوقت بعد صدور قرار المحكمة العليا في باكستان بضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية في هذا، تقدم نوعاً من الأداة التمويلية التي تتميز بمسائل مهمة جداً –أرجو أن تلاحظ- ويمكن أن تلخص بقضيتين: خضوع هذه الصكوك لعوامل السوق في تسعيرها وفي تداولها، وقضية مرونة هذه الصكوك بحيث يمكن إصدارها من شخصيات متعددة معنوية أو طبيعية، والأصل أنها معنوية، وأيضاً بأشكال متعددة جداً وبشروط خاصة متعددة.
فأرجو أن تلحظ أهمية هذه الصكوك في النقاش والحوار.
стр. 19093
ثانياً: أهمية موضوع الضريبة: هناك بعض الدول الإسلامية ليس فيها ضرائب، وهذه قلة في الحقيقة بين البلدان الإسلامية، البلدان الإسلامية معظمها فيها ضرائب وبعضها فيها ضرائب باهظة أيضاً على الأعمال، فمسألة الضريبة لا تهمل عند النظر في الاختيارات المناسبة للتمويل الإسلامي، إذا كان اختيار ما يساعد المتعاملين على تجنب الضريبة في مقابل أن اختياراً آخراً لا يساعدهم على ذلك فلا شك ينبغي أن ننظر لذلك الذي يعين طالما أن كليهما مشروعان من الناحية الإسلامية.
ثالثاً: الميزة الأساسية في الإجارة هي احتفاظ الممول بملكية العين المؤجرة، هذا الاحتفاظ أمر أساسي في مسألة التمويل بالإجارة ولا يغني عن هذا القول بالبيع والرهن، لأن الرهن في جميع البلدان له إجراءات، أو بيع الرهن وتصفية الشيء المرهون له إجراءات قانونية كثيرة ومعقدة، بينما أن يتصرف المؤجر بما يملكه أمر أهون بكثير، وأيضاً لا يغني عنها الاحتفاظ بالملكية الرسمية بأن لا تنقل الملكية رسمياً إلى المشتري في بيع التقسيط لأن هذه الشكلية مخالفة للقانون، إن كان بيعاً فينبغي أن يسجل إذا اشترط القانون تسجيله، فأن نقول لا يسجل يعني يستطيع أن يفعل ذلك أي شخص ذو علاقة بالموضوع فيطلب تسجيله من محكمة القضايا السريعة، فلا يغني عنه ذلك، إذن الاحتفاظ بالملكية مسألة مهمة، وتأتي هنا قضية أشار إليها عدد من الإخوان وذكرتها بالتفصيل في بحثي وهي قضية عدم توازن الالتزامات بين المؤجر والمستأجر في الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كانت تنتهي بالبيع بسعر رمزي أو بالهبة في آخر عقد الإجارة، لأنه في هذه الحالة عقد الإجارة هو عقد تمويلي مقصود منه التمويل والقسط في حقيقته وفي واقعه يتألف من جزأين: جزء مقابل الإجارة، والجزء الآخر مقابل التملك، فينبغي أن تتوازن حقوق والتزامات الطرفين بما يعبر عن هذه الحقيقة، ولا يصح أن تهمل هذه الحقيقة من أجل شكليات وهي أنه يمكن أن نحدد الإجارة بتراضي الطرفين كيف ما شئنا ولكنها في حقيقتها هي إجارة وثمن، فينبغي أن يلاحظ هذا وأن يعبر عنه في العلاقة القانونية نفسها.
رابعاً: إن إثارة قضايا لا علاقة لها بأصل ما نناقشه أظن أنها على أهميتها ينبغي ألا تكون هي العقدة، فالتأمين مثلاً، هنالك تأمين تجاري وهناك تأمين تعاوني، وقد أقرت المجامع العلمية التأمين التعاوني على أساس التبرع وبررته، وفي التأمين التعاوني يمكن أن يكون دافع القسط هو المستأجر، ويمكن أن يكون المنتفع –طالما أنه تبرع هو يتبرع بالدفع- من التأمين المؤجر، طالما أن ذلك ممكن وجائز شرعاً، فلا ندخل مسائل جانبية في هذه المسألة، وبالتالي نخرج عن القضية الأساسية.
خامساً: أمر الدفعة الأولى: الدفعة الأولى هي جزء من الأجرة، ولا يشترط في الأجرة أن تكون كلها منجمة على أشهر أو سنوات أو غير ذلك، فهي إما أنها جزء من الأجرة أو أنهما يشتركان في الشراء في الأول، فيكون عقد الإجارة منصباً على الجزء الذي لا يملكه المستأجر، فأمرها هين في الحقيقة.
سادساً: مسألة البيع مع استثناء المنافع: هذه مسألة مهمة ما لاحظت أن كثيراً من الإخوان قد علقوا عليها، قال بذلك الفقهاء في عدد من المذاهب، وقد أشرت إلى ذلك في ورقتي، فيمكن أن تكون الإجارة المنتهية بالتمليك بدلاً من ذلك أن تكون إجارة مبتدئة بالتمليك، فتملك العين ثم تؤجر للمستأجر، فتكون الدفعة الأولى هي ثمن العين والدفعات التالية هي أجرة المنافع المستثناة لمدة الإجارة، فتملك ثم تؤجر مع هذا استثناء المنافع.
أنا أعتقد أنه ليس في هذا النوع من المعاملة ضير أو مشكلة، ليس فيها غرر، وليس فيها جهالة، وقيمة العين بعد عشر سنوات –مثلاً- معلومة لدى المتعاقدين الآن بشكل واضح إذا أدركنا خاصية مهمة لهذا العقد وهي أنه عقد تمويلي وليس عقد إجارة بسيط، والحمد لله رب العالمين.
стр. 19094
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
شكراً لسماحة الرئيس لإتاحة هذه الفرصة، وأكرر ما ذكره الإخوة من تهنئة سماحته بتجديد رئاسته، والواقع أنني أرى أن قول الله : ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ينطبق على سماحته، فأرجو الله أن يوفقه وأن يهديه إلى ما فيه الخير والصلاح وإلى ما فيه صلاح هذا المجمع.
الواقع –حفظكم الله- فيما يتعلق بالإيجار المنتهي بالتمليك لا شك أنه حصل فيه من الإشكال الشيء الكثير ولعل مرد ذلك إلى هذه التسمية.
فأولاً: القول بالإيجار المنتهي بالتمليك هذا في الواقع خطأ، فالإيجار لا ينتهي بالتمليك وإنما ينتهي بانتهاء مدته، والتعبير الصحيح أو التسمية الصحيحة لهذا النوع من التعاقد هو: الإيجار مع الوعد بالتمليك، ولعل من أسباب الإشكال في ذلك أولا هذه التسمية: الإيجار المنتهي بالتمليك، فليس هناك إيجار منتهٍ بالتمليك.
الأمر الثاني: ما صاحب هذا العقد من شروط ليست من خصائص الإجارة، فالقول باشتراط دفعة مقدمة ودفعة مؤخرة، وكذلك تأمين من قبل المستأجر وضمان مطلق من قبل المستأجر، هذا في الواقع ليس من خصائص الإجارة، خصائص الإجارة ما يتعلق بالدفعة المقدمة، إن قيل دفعة مقدمة ضماناً للأجور المستقبلة فهذا ممكن أن يقبل، أما أن تكون دفعة مقدمة يستحقها المؤجر فبأي حق يستأجرها؟ أنا مستأجر ليس لك في ذمتي أيها المؤجر شيئاً أدفع لك دفعة مقدمة أو دفعة مؤخرة.
ما يتعلق بالتأمين فعلى افتراض صحته ففي الواقع على كل حال ليس من مستلزمات المستأجر، العين خاصة للمؤجر، فإن هو الذي يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذه العين.
ما يتعلق بالضمان فكذلك الضمان مطلق، هذا ليس من خصائص الإجارة، فالعين المؤجرة هي أمانة في يد المستأجر لا يتحمل ضماناً في حال تلفها أو تلف بعضها إلا إذا كان ذلك مبنياً على تعد أو تقصير أو إهمال في الحفاظ على هذه العين.
ما قيل في رد هذا النوع والقول بأنه لا يجوز لأنه محل يتوارد عليه عقدان: عقد إجارة وعقد تمليك، هذا في الواقع غير صحيح، فالعقد لا يتوارد، أو كان بقيمة رمزية أو كان بقيمة ما يساويه في السوق، والوعد معروف أنه ليس عقداً وإنما يقتضي أحد أمرين: إما الوفاء به أو تحمل الضرر الناتج عن النكول في الوفاء بهذا العقد، وهذا على القول بأن العقد ملزم.
ما قيل بأن هذا ليس من قبيل الإجارة، لأن الأجرة مرتفعة، صحيح أنها مرتفعة وليست أجرة المثل لكن في الواقع كذلك ينبغي أن نعرف بأن هذه الأجرة المرتفعة هي في مقابلة الأجرة زائد قيمة الوعد، وقد يستشكل بعض الإخوة أن يكون للوعد قيمة، والواقع أنه يجب أن يكون له قيمة لأنه التزام، الآن العربون أليس له قيمة؟ حبس السلعة عن عرضها لصالح مشتيريها ما ثمنه؟ ثمنه هذا العربون الذي قدم، فإذن الأمور المعنوية المبنية على الالتزام لا شك أن لها قيم.
стр. 19095
من آكد ما يدل على أن الإيجار مع الوعد بالتمليك إجارة جائزة أولا رجوع العين إلى مؤجرها في حال تلفها أو في أي حال من الأحوال الموجبة لانفساخ الإجارة، هل هذا من خصائص البيع؟ لو كان بيعاً لكانت العين مملوكة لما يسمى مستأجر وهو مشتر، وليس كذلك، بل العين ترجع بكاملها إلى مالكها.
كذلك فيما يتعلق لو حصل على العين أي تلف أثناء مدة الإجارة، ما هي الطريقة؟ معنى ذلك أنه لو كان بيعاً لكانت هذه العين مملوكة للمستأجر نفسه أو للمشتري، وفي نفس الأمر هو يتولى بيعها إذا كان فيها ما يمكن أن تباع ولكنها ترجع إلى مستأجرها، وفي نفس الأمر إذا كان سبب الفسخ جاء عن غير طريق المستأجر فينبغي للمؤجر أن يرد ما زاد عن قيمة المثل لفوات الوعد، لأنها قيمة أخذت للوعد، والوعد فات وقته، فإذن ما أخذ قيمة له والحال أن وقته فائت، هذا غير صحيح، هذه الشروط التي تشترط في عقد التأجير مع الوعد بالتمليك، الدفعة الأولى والدفعة الثانية والتأمين والصيانة العامة ونحو ذلك إلى آخره، نستطيع أن نقول بأنها شروط باطلة والعقد صحيح، ونستأنس بحديث بريرة: ((اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق)) فرسول الله ﷺ أبطل الشرط وصحح العقد، فلماذا لا نقول بهذا؟ في الواقع على كل حال هذه الشروط ليست من خصائص الإجارة وليست من مقتضي الإجارة وليست من مصلحة الإجارة، فإذا كان كذلك وهي خارجة عن ذلك فهي شروط باطلة والعقد صحيح.
القول بأن الإيجار مبني على أجرة هي أجرة المثل وعلى جزء من الثمن هو الثمن الزائد عن أجرة المثل، هذا قول في الواقع غير صحيح لأن القضية الآن لم يكن هناك بيع وإنما هو وعد، وهذا الوعد في الواقع لا يلزم بالوفاء به وإنما يلزم بأحد أمرين: إما الوفاء به، أو تحمل الضرر الناتج عن النكول عن الوفاء به.
فإذن ليست هذه الزيادة هي جزء من الثمن وإنما هي ثمن الوعد.
أحببت التنبيه لذلك، حفظكم الله، وشكر الله لكم.
الشيخ أحمد محيي الدين:
بسم الله الرحمن الرحيم، أود الحديث عن قضية تكييف عقد الإجارة المنتهية بالتمليك بحسب ما يجري عليه العمل في تطبيقات بعض البنوك الإسلامية وليس احتكاماً للصور التسع النظرية الموجودة في كثير من البحوث وقيلت كثيراً أثناء المداولات.
وتعليقي هذا يعم إذا ما كان الوعد ملزماً أو غير ملزم، مقارناً للعقد أو منفصلاً عنه، سواء تم الوعد بهبة أو بيع بثمن حقيقي أو رمزي، فالحقيقة الواضحة حتى الآن أنه لا يمكن القول وباطمئنان تام أن نصف العقد بأنه بيع، خاصة وأن ملكية المبيع لا تنتقل للمشتري، وفي نفس الوقت لا يمكن القول بأنه إجارة مطلقاً، لعدم وجود أجرة المثل وهي أهم عنصر وعوض، ولكن في نفس الوقت وكنت أتمنى أن توزع بعض العقود المطبقة فعلياً في بعض البنوك على السادة الحضور حتى يكون الحكم صادراً عن شيء عملي وليس عن تصور وبالتالي ما يتبع ذلك من تعميم كثير.
هذه العقود وما حوت من بنود ليس فيها ربا صريح أو شبهة ربا، وليس فيها غرر مؤثر في صحة العقد، وليس فيها جهالة مفضية إلى التنازع، ولا تصادم نصاً صريحاً، ولا دلالة سواء كانت قطيعة أو ظنية، قد تكون هناك بعض الشروط غير الصحيحة والاتفاق على أن مثل هذه الشروط إما أن تهمل أو تصحح، فإذا كان الأمر كذلك وأن هذا العقد مفيد للبنوك الإسلامية لأن فيه درجة كبيرة من الضمان ويحل محل المرابحة ويساعد في ابتكار وإصدار وتداول أدوات مالية وهو ما ينقص الصناعة المصرفية الإسلامية فيمكن أن نركن إلى أن الأصل في العقود الإباحة، وأن هذا العقد من العقود غير المسماة أو العقود ذات الخصائص المشتركة وبالتالي هذا العقد ليس فيه مخالفة شرعية، والقول بضرورة تكييفه على أنه عقد إجارة أو عقد بيع وبالتالي ننقض العقد وتضيع المصلحة، فأنا أميل إلى أن هذا العقد –كما قال الشيخ التسخيري والشيخ عبد الله بن منيع، والدكتور منذر قحف- عقد صحيح ويمكن العمل به، ويمكن أن نبحث له عن تسمية باعتباره من زمرة العقود المستحدثة أو العقود غير المسماة.
стр. 19096
الشيء الآخر هو صكوك الإجارة، يعني جرى تعميم كثير وكلام غير دقيق عن تعريف صكوك الإجارة، ما هي؟ ثم بعد ذلك تم تناول حكمها.
فصكوك الإجارة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: صكوك الأعيان المؤجرة. مثال ذلك: شخص يمتلك عيناً وهذه العين مؤجرة وله الحق في أن يبيع هذه العين مجزأة إلى شهادات وصكوك، وكل من يشتري هذه الشهادة أو هذا الصك له حق في الأجرة المتفق عليها، ولا أعتقد أن هناك أي مشكلة في هذا الأمر، لا في الإصدار ولا في التداول.
لكن القضية تأتي في شهادات المنافع وهي القسم الثاني. وشهادات المنافع وهي شهادات إجارة هي عبارة عن أجرة لاحقة، كثير من الفتاوى صدرت بأنه يجوز للمستأجر أن يعيد تأجير العين المؤجرة –أي يبيع المنفعة- إلى غيره بأجرة أعلى، وبالتالي يمكن أن يشهد غيره في هذه الإجارة الثانية، والحديث هنا لا يتناول أصل القضية وإنما إذا كانت هناك موانع شرعية تأتي على التداول والبعض يقول إنها دين مع أن البعض يؤكد بأن المنفعة تملك في المستقبل يوماً بعد يوم والأجرة تستحق في المستقبل يوماً بعد يوم، فبالتالي حتى الحديث عن الديون هنا حديث دقيق، أو حديث قابل للنقاش، هذا ما أردت أن أبينه، وشكراً.
الشيخ عبد الله الزبير:
بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على سيد المرسلين ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فأنا لا أريد أن أدخل في الحكم الشرعي بالنسبة لهذا العقد ولكن أريد أن أؤكد أنه من العقود والأدوات التي أفادت المصارف الإسلامية إفادة كبيرة وحققت مصالح للطرفين، ولكن أريد أن أوضح طبيعة هذا العقد، وحقيقته في السوق، لا يمكن أن نتصور أن هذا العقد هو عقد إجارة لأن المستأجر أو الداخل في هذا العقد راغب في الحصول على ملكية رقبة هذه العين، فالعبرة بالمعاني والمقاصد، مقصد الشخص الداخل في هذا العقد هو امتلاك رقبة هذا العقد ولم يدخل لأجل المنفعة أو تحقيق المنفعة فقط، والأدل على ذلك أن هناك في السوق مؤسسات موجودة الآن تؤجر إجارة بحتة وتؤجر أيضاً ما يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك. يدخل الفرد لمؤسسة لاستئجار سيارة للحصول على منافعها، فهناك أجرة محددة معلومة، نفس هذه المؤسسة تقدم إجارة منتهية بالتمليك لهذا الشخص بأجرة أو بقسط فيه إضافة كبيرة جداً، فليس من المعقول إطلاقاً أن هذا الشخص إلا أن يكون مغفلاً أن يدخل ليستأجر إجارة منتهية بالتمليك ويدفع هذه الأقساط وقصده الحقيقي مجرد الإجارة. فإذن هذا العقد في طبيعته –والله أعلم- أنه عقد بيع في الأصل والداخل فيه هو لأجل امتلاك رقبة هذه العين. لا أريد أن أدخل في الحكم الشرعي وإنما أريد أن أبين وأوضح طبيعة هذا العقد، فطبيعته –والله أعلم- أنه ليس إجارة وإنما المصدر الحقيقي هو الامتلاك، والقصد البيع في ذلك. الحكم الشرعي متروك للسادة العلماء لحددوه. والله أعلم.
стр. 19097
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما صكوك التأجير فإنه لم يتوفر من المداولات والمناقشات ما يجعل حصيلة لتكوين رأي فيها. والأمر كما ذكره عدد من الذين تكلموا من أنه بحاجة إلى مزيد من البحث، وربما يعقد له ندوة.
أما الإيجار المنتهي بالتمليك فما جاء على لسان بعض المناقشين من أن المجمع قد بت فيه هذا غير صحيح وإنما قرارات المجمع التي صدرت في جزئية متعلقة بالموضوع، أما الموضوع الأم فإنهم اقترحوا البدائل ولم يبتوا في الحكم ولو بت في الحكم لما احتيج إلى عرضه مرة أخرى.
وغير خافٍ أن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية أصدرت قرارها بالمنع على صورته الشائعة المتداولة.
وقد ترون مناسباً أنه بالإضافة إلى العارض والمقرر تكون اللجنة من: الشيخ حسن الشاذلي، الشيخ محمد تقي العثماني، الشيخ وهبة الزحيلي، الشيخ سعود الثبيتي، الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19098
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: ١١٠ (٤/١٢)
بشأن موضوع
الإيجار المنتهي بالتمليك، وصكوك التأجير
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣-٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠م) .
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (الإيجار المنتهي بالتمليك، وصكوك التأجير) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.
قرر ما يلي:
-الإيجار المنتهي بالتمليك:
أولا: ضابط الصور الجائزة والممنوعة ما يلي:
أ-ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان، في وقت واحد، على عين واحدة، في زمن واحد.
ب-ضابط الجواز:
١-وجود عقدين منفصلين يستقل كل منهما عن الآخر، زماناً بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة، والخيار يوازي الوعد في الأحكام.
٢-أن تكون الإجارة فعلية وليست ساترة للبيع.
٣-أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر وبذلك يتحمل المؤجر ما يلحق العين من ضرر غير ناشئ من تعد المستأجر أو تفريطه، ولا يلزم المستأجر بشيء إذا فاتت المنفعة.
٤-إذا اشتمل العقد على تأمين العين المؤجرة فيجب أن يكون التأمين تعاونياً إسلامياً لا تجارياً ويتحمله المالك المؤجر وليس المستأجر.
٥-يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة وأحكام البيع عند تملك العين.
٦-تكون نفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر لا على المستأجر طوال مدة الإجارة.
стр. 19099
ثانياً- من صور العقد الممنوعة:
أ- عقد إجارة ينتهي بتملك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة المحددة، دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعاً تلقائياً.
ب-إجارة عين لشخص بأجرة معلومة، ولمدة معلومة، مع عقد بيع له معلق على سداد جميع الأجرة المتفق عليها خلال المدة المعلومة، أو مضاف إلى وقت في المستقبل.
جـ -عقد إجارة حقيقي واقترن به بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلاً إلى أجل طويل محدد (هو آخر مدة عقد الإيجار) .
وهذا ما تضمنته الفتاوى والقرارات الصادرة من هيئات علمية، ومنها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
ثالثاً- من صور العقد الجائزة:
أ-عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر، معلقاً على سداد كامل الأجرة وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة، (وذلك وفق ما جاء في قرار المجمع بالنسبة للهبة رقم ١٣/١/٣ في دورته الثالثة) .
ب-عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة (وذلك وفق قرار المجمع رقم ٤٤ (٦/٥) في دورته الخامسة) .
جـ-عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة بثمن يتفق عليه الطرفان.
د-عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة، ويعطي المؤجر للمستأجر حق الخيار في تملك العين المؤجرة في أي وقت يشاء، على أن يتم البيع في وقته بعقد جديد بسعر السوق (وذلك وفق قرار المجمع السابق رقم ٤٤ (٦/٥) أو حسب الاتفاق في وقته.
رابعاً: هناك صور من عقود التأجير المنتهي بالتمليك محل خلاف وتحتاج إلى دراسة تعرض في دورة قادمة إن شاء الله تعالى.
- صكوك التأجير:
-يوصي المجمع بتأجيل موضوع صكوك التأجير لمزيد من البحث والدراسة ليطرح في دورة لاحقة.
والله أعلم.
стр. 19100
الشرط الجزائي ومختلف صوره وأحكامه
إعداد
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين
ممثل المملكة المغربية في عضوية المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الشرط الجزائي
ومختلف أحكامه وصوره
تقديم هذا الموضوع من بين العناوين الكثيرة التي أحسن المجمع صنعًا بتقديمها للدراسة، بسبب كثرة تناولها في الحياة العملية، وقلة اطلاع الكثير على استحواذ الشريعة الإسلامية على أحكام كثير من صورها، وتأثير تلك الأحكام على نظريات التشريعات الوضعية إليها.
والذي ينبغي أن يلفت إليه الانتباه بادئ ذي بدء هو: أن هذا الموضوع اهتمت به الدراسات الأصولية غاية الاهتمام فعرفته، وبينت مختلف صوره، وحللت حسب أسلوب دراستها مختلف جوانبه، على أن كلمة (شرط) من حيث مكانتها اللغوية، تبدو حديثة نسبيًّا، إذا لم تجر على الألسنة كثيرًا إلا من عهد النبي ﵊، ولذا تلفى قليلة في شعر الجاهلية، وورث تلك الندرة عنه معاجم اللغة، فلم تستعمل إلا بالقدر اليسير الذي يمكن من التعريف بها فقط.
هذا وإن الشرط بصفة عامة يرتبط ببعض الوقائع أو المواضيع الأخرى مثل السبب والمانع والعلة، ارتباطا يتأثر به وضعه في الالتزام، مما يحتم تبين ذلك لتنجلي خصائصه، ومستلزماته ضمن مجرى أية دراسة مخصصة له، فيبرز من خلال ذلك كيف تعاملت معه أمهات الفقه الإسلامية عبر مختلف المذاهب، وما نتج عن ذلك من تداخل بين ذلك التعامل وبين دراساته من وجهة نظر القوانين الوضعية، ليسوق كل ذلك إلى وضع السؤال التالي وهو: كيف نتعامل مع الشرط الجزائي؟ وما هي النتائج التي يمكن أن نخرج بها من خلال المقدمات والعرض الذي يمكن أن نخصص له؟ هذه التصورات تدفعنا إلى دراسة هذا الموضوع ضمن تقسيم ضمناه للمباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف الشرط الجزائي ومختلف صوره.
المبحث الثاني: الأوضاع التي تترتب على الشرط الجزائي.
المبحث الثالث: الشرط بين الشريعة والقانون.
стр. 19101
المبحث الأول
تعريف الشرط الجزائي ومختلف صوره وأحكامه
هذا المبحث يظهر من خلال عنوانه أنه هو الأساس في هذه الدراسة إذن يكون من الأفيد استعراض ما مكن من التعاريف لتنجلي بها حقائق الموضوع ونتمكن من خلالها من رصد جميع تداخلاته من غيره من أوصاف الالتزام الأخرى.
تعريف الشرط:
الشرط معروف وكذلك الشريطة والجمع شروط وشرائط، والشرط إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، والجمع شروط، وفي الحديث: ((لا يجوز شرطان في بيع)) ، ثم عقب عليه أنه لا فرق عند أكثر الفقهاء بين شرط واحد أو شرطين، وفرق بينهما أحمد، عملًا بظاهر الحديث الآخر وهو: ((نهى عن بيع وشرط)) ، وهي أن يكون الشرط ملازمًا للعقد لا قبله ولا بعده، ومنه حديث بريرة: شرط الله يريد ما أظهره وبينه من حكم الله بقوله: ((الولاء لمن أعتق)) وقيل وهو إشارة لقول الله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقد شرط له وعليه، والأشراط العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] ، والشرط من الإبل: ما يحلب للبيع، وأشراط الأشياء أوائلها كأشراطها وأنشد ابن الأعرابي:
تشابه أعناق الأمور وتلتوي مشاريط ما الأوراد عنه صوادر
[انتهى من لسان العرب لابن منظور] أما حكمًا فقد تعرض إليه علماء الأصول بكثير من التفصيل والتعاريف نقتصر منها على التعريفات الآتية:
يراد بالشرط عند الأصولين: ما كان وصفًا مكملًا لمشروط، وهذا الوصف يطلق سواء كان مكملًا للسبب، أو للعلة، أو المسبب، أو المعلول ويستلزم أن يكون الشرط من غير ماهية المشروط، وتنقسم الشروط إلى ثلاثة أقسام:
١) شرط عقلي كالفهم في التكليف.
٢) شرط عادي كملاصقة النار للجسم المحرق.
٣) الشروط الشرعية أي تلك التي أوقف عليها الشارع مشروطات كالطهارة للعبادة، وسلامة العقد من الربا في المعاملات الصحيحة.
стр. 19102
وهذا الشرط الثالث هو الذي يعني به هذا البحث، من حيث تعلقه بخطاب الوضع، أو خطاب التكليف، وهو يعتبر مثل الصفة من الموصوف بالنسبة لصلته بالمشروط.
واصطلاحًا عرفه الشاطبي بأنه: ما كان وصفًا مكملًا لمشروطه، فيما اقتضاه ذلك المشروط أو فيما اقتضاه الحكم فيه.
وعن التقسيم الثلاثي أعلاه علق كل قسم بالواقعة التي صاحبها، فالعقلي للتكليف، والعادي لحصول الأمر، والثالث هو الذي ترتب عليه الأحكام وعبر عنه بالعادي لعدم طلب الشارع لتحقيقه أو الكف عنه، ويرتبط الشرط بالسبب عند المالكية ارتباطًا وثيقًا يشير إليه الشاطبي بقوله: (الأصل المعلوم أن السبب إذا كان متوقف التأثير على شرط فلا يصح أن يقع السبب دونه ويستوي في ذلك شرط الكمال وشرط الإجزاء، فلا يمكن الحكم مع توقفه على شرط) وسنتعرض لمزيد من التفصيل عند تحليلنا للشرط بصفة أكثر.
وأثناء تعريفه للشرط ميز القرافي بين الشروط اللغوية والعقلية والشرعية والعادية قائلًا بأن الشروط اللغوية قاعدة مباينة لقاعدة الشروط الأخرى، ولا يظهر الفرق بين القاعدتين إلا بيان حقيقة الشرط، والسبب، والمانع، أما السبب فهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، أما القيد الأول فاحتراز من الشرط، فإنه لا يلزم من وجوده شيء إنما يؤثر عدمه في العدم، والقيد الثاني: احتراز من المانع، إن المانع لا يلزم من عدمه شيء، إنما يؤثر وجوده في العدم، والقيد الثالث احتراز من مقارنة وجود السبب وعدم الشرط فهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، ولا يشتمل على شيء من المناسبة في ذاته، بل غيره، إذا تقرر ذلك: يظهر أن المعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه، ومن السبب وجوده وعدمه، والثلاثة تصلح الزكاة مثالًا لها: فالسبب النصاب، والحول شرط وجوبها، والدين مانع من أدائها.
стр. 19103
وإذا ظهرت حقيقة كل واحد من السبب والشرط والمانع، تبين أن الشروط اللغوية أسباب، خلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم، أو الشرعية كالطهارة مع الصلاة، أو العادية كالسلم مع الصعود للسطح، فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط، ولا يلزم من وجودها وجود، ولا عدم والمثال السابق في الزكاة صالح لفهمها، وناقش محمد بن حزم الظاهري بعض تعريفات الشرط نقاشًا نقتبس منه ما يلي:
لقد عزا للغزالي القول بأنه ما لم يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وقال بفساد هذا الرأي قائلًا بأن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط مشتق من الشرط، وأخفى منه، وتعريف الشيء بما هو أخفى منه، يزيده غموضًا.
ثم قال: إنه يلزم عليه جزء السبب، إذا اتحدا فإنه لا يوجد الحكم دونه، ولا يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط، ثم ناقش تعريفًا آخر قائلًا بأن الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره لا في ذاته، وأيضًا أفسد هذا التعريف، معترضًا بأن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري وكونه عالمًا ولا تأثير ولا مؤثر.
ويمكن أن توجه عدة ملاحظات لهذا المثل أهمها أن علم الباري لا يتوقف على شرط فعلمه يجب الإيمان به غير موقوف على شيء، وأيضًا لأن التناسب بين علم الباري وعلاقة الشرط بالالتزام متباينان جدًا، فالشرط الذي يتكلم عنه ابن حزم هنا، هو ذلك الذي رتبه البشر على تعامله وبإمكانه إلغاؤه أو تعديله، وأيضًا يمكن أن تعتريه الاختلالات الكثيرة، ومداره الاحتمالات الظنية في مختلف الأحكام التي توقفت عليه، من حيث التحقيق أو عدمه، وهذا غير جائز أن توصف به الذات العلية، ثم انحاز ابن حزم بعد هذا كله إلى قريب من تعريف الشاطبي السابق وذلك بقوله: والحق في ذلك أن الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما، على وجه لا يكون سببًا لوجوده، ولا داخلًا في السبب، وهذا يعني شرط إبرام العقد وما يترتب عليه من إجراءات وأحكام، ويخرج بذلك شرط السبب لأن الشرط يلزم من انتفائه السبب، وانتفاء السبب ينتج عنه انتفاء الالتزام لأن السبب داخل في العقد ويعتبر جزءًا منه بينما الشرط يعتبر خارجًا عنه أي خارجًا عن الالتزام وليس جزءًا منه، وقسمه إلى ثلاثة أقسام هي:
١) شرط عقلي كالحياة للعلم والإرادة.
٢) شرط شرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم.
٣) شرط لغوي وصيغه كثير منها (إن) الخفيفة، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، وإذ ما، وأصل هذه الصيغ (إن) الشرطية لأنها حرف وما عداها من أدوات الشرط أسماء والأصل في أدوات المعاني للأسماء: الحروف، وفي جميع الصور إما أن يتحد الشرط والمشروط أو العكس، أو يتعددان فاتحاد الشرط والمشروط مثاله: أكرم بني النبي ﷺ إن وجدتهم، هذا الكلام يعني التخصيص بالشرط، وفي موسوعة فقه عبد الله بن عمر تأليف الدكتور محمد قلعة جي عزي لابن عمر تعريفًا للشرط هو: (تعليق وجود شيء على شيء آخر) ، وقسمه أيضًا إلى الأنواع الثلاثة وهي:
١) شروط اشترطها الشرع، فليس لأحد التسامح فيها، ويجب تحقيقها حسب وصف الشارع لها، كالصفات التي اشترطها في الوارث حتى يتحقق الإرث.
٢) الشروط التي يشترطها العباد بعضهم على بعض وهي تهم جميع مجالات التعامل، وهذه معتبرة بحسب الصيغة والوضع الذي تم الاتفاق عليه، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ولذلك أعتق ابن عمر غلامًا واشترط عليه أن له عمله ثلاث سنين، ولما انتهى جزء من السنة الأولى تنازل عن بقية شرطه وأعتقه، وهذا أخذ منه الفقهاء مبدأ وقف تحرير الرقبة على شرط ومبدأ التنازل عن الشرط بصفة عامة.
стр. 19104
٣) الشروط التي ترد على المعاملات، ونسب إلى ابن عمر ﵄ أنه لا يصح شيء منها إلا إذا كان ملائمًا لطبيعة العقد، كاشتراط تعجيل الثمن أو تأجيله، واشتراط أخذ كفيل بالثمن واشتراط رب المال على المضارب ضمان ما نقص من رأس المال أو هلك، أما إذا كان الشرط يناقض طبيعة تكوين العقد أو نفاذه فالشرط فاسد، ومن التعاريف العامة: ما أوقفه مصنف ابن ابي شيبة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من أنه قال: " إن مقاطع الحقوق عند الشروط " (١) .
وهذه الجملة يمكن أن نستخرج منها أحكام الشرط وعلاقته بالمعاملات، وللمالكية تعريف رائع للشرط نقتبسه من كتاب الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، تأليف العلامة محمد بن أحمد الدردير، فقد قال: وشرط شيء: ما كان خارجًا عن حقيقته وركنه ما كان جزءًا من حقيقته، والشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم (٢) .
وفي معرض كلامه عن الموضوع ألمح إلى بعض الأحكام العامة للشرط، وذلك بقوله: " ومراده بالشرط ما يتوقف عليه الشيء من صحة ووجود، أو هما معًا، فيشمل السبب كدخول الوقت " (٣) .
وأشار المحقق في التعليق إلى أن مراده باشتراط الوجود ما تعمر به الذمة، ولا يجب على المكلف تحصيله.
ثم ألمح إلى أن حقيقة شرط الوجود تناقض حقيقة شرط الصحة، فكيف يجتمعان؟ إذ شرط الوجود ما تعمر به الذمة، ولا يجب على المكلف تحصيله، وشرط الصحة ما تبرأ به الذمة ويجب على المكلف تحصيله، فأجاب بقوله: " مراده أنهما إذا اجتمعا يعرفان بما ذكر ".
стр. 19105
المبحث الثاني
الأحكام التي يمكن أن تطبق
على الشرط بصفة عامة
إن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بأن الشرط مقاطع الحقوق يبين لنا أهمية الشرط في جملة المعاملات التي يوقفها أصحابها على شرط ما، ومنه يمكن أن تستخرج أحكام كثيرة، وبالرجوع إلى كتاب أقرب المسالك: نراه في باب البيوع تعرض لعدة مواضيع تجعلنا ندرك الحالات التي اعتمدها المالكية في الشرط والخلافات بينهم في شأنه، من ذلك:
" لو شرط إن لم يأت بالثمن لكذا، نحو لآخر الشهر أو لعشرة أيام (فلا بيع) بيننا، فألغى الشرط، ويصح البيع وغرم الثمن الذي اشترى به، قاله في المدونة، فهذه الحالات يصح فيها البيع بعد الوقوع ويبطل الشرط ".
فمنهم من أفسد البيع من أصله لخلل علق بشرط من الشروط، وقسم يفسد البيع ما دام المشترط متمسكًا بشرطه، كشرط بيع وسلف، وقسم يجوز فيه البيع والشرط، إذا كان الشرط جائزًا لا يؤدي لفساد ولا حرام، وقسم يمضي فيه البيع ويبطل الشرط، وهو ما كان الشرط فيه حرامًا إلا أنه خفيف لم يقع عليه حصة من الثمن.
هذه الصور الثلاثة عالج بها المالكية الشرط، وملخصها أنهم أجازوا البيع وأفسدوا الشرط، وأفسدوا البيع وأجازوا الشرط، وأفسدوا الشرط والبيع معًا.
وهذا يعطي انطباعًا أساسيًّا يسوق إلى الجزم بأن فقهاء الإسلام اعتادوا التساهل في كل معاملة لم تهدم حقًا من حقوق الله أو حقوق أحد من عباده، وهي مرونة تشريعية تكسب الفقه الإسلامية إمكانية استنباط الأحكام العادلة، لكل مستجد من صلب مشاكل الحياة المتجددة.
فإذا كان الشرط تتوقف عليه أوضاع كثيرة بالنسبة للتصرفات، فإن أهم ما يميز حالاته هي الصفة الجزائية التي تصاحب إحدى صوره، وهي تصاحب الشرط، إما باختبار طرفيه، أو تبني أحدهما لها، وقوبل الطرف الآخر بها في الصفات البعيدة عن الإذعان، وإما بإملاءات الطرف: المذعن بكسر العين وقبول الطرف المذعن بفتحها، وإما بإرادة الشارع في بعض الأحكام التكليفية، والتي إن تخلف شرط صحتها بطلبات وردها الشارع على فاعلها لتخلف شرط صحتها.
стр. 19106
وهذا النوع من الشرط تعرض الشاطبي إلى التعريف به وتحليل كثير من أحكامه، التي يستخلص منها أن الشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف، وليس بجزء من العقد، والمستند فيه - الاستقراء في الشروط الشرعية، كالحلول للحول بالنسبة للنصاب والحنث في اليمن وزهوق الروح بالنسبة للقتل، فتوفر هذه الشروط اعتبر ضروريا لتطبيق الحكم الشرعي، جزاء على تصرف من أخل بواحد منها – وسوى الشاطبي في هذا الصدد بين شرط الكمال وشرط الإجزاء، عندما يكون السبب متوقف التأثير على شرط لا يصح أن يقع السبب بدونه، فلا يمكن الحكم بالكمال مع فرض توقفه على شرط.
وهذه الأحكام التي اتبعها علماء الأصول هي التي اعتمدها أصحاب القوانين الوضعية، كما سيتضح من المحور الثالث من هذا البحث، حتى إن عبارة وصف الالتزام التي يدرس تحتها الشرط والأجل هي نفسها التي كانت سائدة قبلهم في بحوث الشاطبي لهذا الموضوع، إذ قال بأن اصطلاح الشرط هو ما كان وصفًا مكملًا لمشروطه، فيما اقتضاه ذلك المشروط، وفيما اقتضاه الحكم فيه.
وهذه العبارة تستخلص منها عدة مبادئ منها أن عبارة الشرط الواردة في العقد، والتي اتفق عليها الطرفان، بمحض إرادتيهما، أو وردت في جملة إملاءات صاحب عقد الإذعان، وقبل بها الزبون بإرادته أيضًا، كل هذه الحالات يجب تطبيقها، مع الجزاء المنصوص عليه في العقد عند حالة الإخلال بالالتزام بما اشترط عليه الطرف الآخر، أو ما يراه القاضي من جزاء له على الإخلال بشرطه كالتوقف أو عدم النفاذ.
стр. 19107
وقسم الشرط بحسب الواقعة التي صاحبها أو أنشئ من أجلها إلى ثلاثة أقسام هي: شرط العقل للتكليف، والثاني شرط ملاصقة النار للجسم لتحقق واقعة الحرق، والثالث الشروط الشرعية، كالطهارة في الصلاة والحول في الزكاة، والإحصان في الزنى، وهذا النوع الثالث هو الذي تهتم به دراسات فقه المعاملات، على أن تعلق الحكم الشرعي بأية واقعة يستلزم تصنيفها في أحد أوجه الخطاب الشرعي كخطاب الوضع، أو التكليف، لأن ذلك يسهل التكييف الشرعي المساعد على إصدار الحكم، وهذا النوع من الشروط يرتبط بالسبب ارتباطًا وثيقًا، وهذا يقتضي القول بأن في المسألة رأيين: الرأي الأول: ذهب أصحابه إلى أن السبب مقتضى لمسببه، فغلبوا اقتضاءه، ولم يراعوا توقفه على شرط، أما أصحاب الرأي الثاني، فقد راعوا الشرط، ورأوا بأن توقف السبب عليه مانع من وقوع مسببه، فلم يراعوا حضور السبب بمجرده بل لابد أن يحضر الشرط.
ولا شك أن هذا التلازم بين الشرط والسبب دقيق إلى درجة تحتم دراسة كل واحد منهما عند التعرض لدراسة الآخر وهي شكلية سنها علماء الشريعة الإسلامية أيضًا بقرون قبل أن يحذو حذوهم فيها علماء القانون، مع طمس آثار البحوث الإسلامية في هذا المجال، حتى لا يشد اهتمام الباحثين بأسبقيات الإسلام، فيكسبه ذلك حضورًا في مجال الساحات القانونية، ومن الأوائل الذين تعرضوا لهذه المسألة، الشاطبي فقد استعرض جملة من الوقائع التي يظهر في كل واحدة منها تداخل بين الشرط والسبب، وضرب لذلك عدة أمثلة سبقت الإشارة إليها.
هذه الحالات بينت لنا كيف يحصل سبب الواقعة حتى يكون ذلك مدعاة لوجودها ثم رأينا كيف تترتب عليها أحكام لتوفر الشرط، وأيضًا تبين لنا أن الشارع رتب الجزاء على الإخلال بالشرط، سواء تعلق بمصاحبته للأحكام التكليفية. أو الوضعية، ومثل الزكاة المتقدم صالح لتوضيح هذه التلازمات، إذ حصول النصاب سبب في وجوبها، ودوران الحول شرطه، وحرمة المال وعذاب الآخرة جزاؤه، واليمين سبب في الكفارة، والحنث شطرها، والصوم أو الإطعام جزاء الإخلال بشرطه وإصابة المقتل سبب القصاص عند العمد والموت شرطه وقتل الجاني جزاؤه، أو الدية في حالة الخطأ، ومفارقة الحياة شرطه.
стр. 19108
وأرجع الأصوليون الشروط المعتبرة شرعًا إلى ضربين:
١) ما كان راجعًا إلى خطاب التكليف وهو إما أمر الشارع بتحصيله، كالطهارة للصلاة أو نكاح المحلل دون نية التحلل والمفارقة العادية، وما يترتب عليه من إمكانية رجوع الزوجة لزوجها الأول، فإذا وقع بنية التحليل كان جزاؤه الفساد على المحلل والمحلل له.
٢) خطاب الوضع، وهذا الذي نظم الشارع أحكامه، أزال عنه صفة الإلزام إذا لم يتداول الطرفان في شأن طبيعة ذلك الإلزام، ثم منح صاحب الإرادة المنفردة حق الاختيار بين بعض الحالات، التي لم تخل بدأ الشرط ذاته، قال الشاطبي في هذا المجال ما مضمونه:
فهذا الضرب ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو شرط، ولا في عدم تحصيله، فإبقاء النصاب حولًا حتى تجب الزكاة، ليس بمطلوب الفعل حتى يقال يجب على صاحبه إمساكه لتجب عليه الزكاة فيه، ولا مطلوب الترك، حتى يقال عليه إنفاقه خوفًا أن تجب فيه الزكاة، ولذا فإذا كان الشرط داخلًا في خطاب التكليف، وجب عليه الفعل، وترتب عليه الجزاء بمجرد الإخلال بالشرط بدون عذر، إن كان داخلًا في خطاب الوضع، كان الخيار ما لم يلتزم تحت نص شرط محدد، فعندئذ يكون الإخلال به سببًا في الجزاء الذي يمكن من تنفيذ الالتزام وفق وصف الشرط الذي أبرمت المعاملة تحت طائلته، وعادة يحمل العقد نفسه صفة الجزاء التي يجب الحكم بها عند الإخلال بالشرط، الذي توقف عليه تنفيذ العقد، وعندها ينحصر دور القاضي في الحكم بضرورة تنفيذ الإرادة السلمية للمتعاقدين، وإلى هذا المبدأ أشار الحديث الشريف: ((لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)) .
وكذلك الحديث الآخر: ((البيعان بالخيار حتى يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)) , وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 19109
ثم حدد الشاطبي دورا أساسيًّا لتوفر شرط الجزاء، وذلك في أحد أمرين:
١) أن ينص المتعاقدان على توفر شرط معين ليتم تنفيذ الاتفاق أو التعهد وفق مقتضياته، فقد يشترط أحد المتعاقدين على الآخر أن هذا العقد لن يكون ساري المفعول إلا أذا تم إجراء معين، وهو ما يعبر عنه باقتران العقد بشرط واقف، فإذا تعمد أحد المتعاقدين العمل على تخلف هذا الشرط، ترتب الجزاء على المتسبب في تعطيل التنفيذ بسبب العمل على تخلف الشرط، ليتهرب من فعل الواجب (١) ، وإليه أشار ابن السبكي والشاطبي قائلين بأن انعقاد السبب احيانًا لا يكفي لسريان المعاملة، إن كانت تم وقفها على شرط، وهذا ما يفسر كون الشارع لم يسن السبب لذاته وإنما ترتب على قصد الشارع للإيقاع أو عدمه حين ارتباطه بالشرط، وعلى الافتراض بني ما قال اللخمي فيمن تصدق بجزء ماله لتسقط عنه الزكاة، أو سافر في رمضان للإفطار، أو أخر الصلاة ليصليها قصرًا، قال فجميع هذه الحالات مكروهة، وإن كان الواجب سقط عنه، ثم إن الشرط الواقف بحكم الممارسات المتكررة، طبقت في شأنه حيل كثيرة أخرجته من الجزاء المادي وإن كان العلماء أجمعوا على أن جزاء الآخرة على الإخلال بالشرط الذي التزم به أو أوقف عليه الشارع صحة بعض التكاليف، وهذا يفهمنا بكنه التعريف الذي أطلقه الأصوليون على الشرط بكونه: وصفًا مكملًا لمشروط، سواء كان مكملًا للسبب أو للعلة، أو المسبب (المعلول) داخل فيه ملحوظ باستقلاله عن الذي توقف عليه.
وقد نستخلص من جميع المراجع التي تعاملنا معها في هذا الشأن، أن الشرط واقعة شرعية، اعترتها بعض الأحكام من جواز أو منع وأن الجواز والمنع يتعلقان بطريقة الشرط نفسه، فيعلق به الفساد أحيانًا بسبب ما حمله من شبهة إما من الربا وإما ببعض المعاملات الداخلة تحت حكم نهي الشارع: كصفقتين في بيعة واحدة، ويكون الشرط مباحًا إن أتى توثيقًا لحق أي من المتعاقدين إذا سلم من شائبة المعاملات التي نهى الشارع عنها، كأن يشترط عليه أن يدفع له مبلغًا زائدًا عن أصل الدين وهو حرام إجماعًا اعتبارًا للمدة التي تأخر فيها عن وقت الأداء، لأن هذا الشرط نوع من ربا الفائدة.
стр. 19110
ويستنتج من هذه الأقوال: أن الشرط اصطلاحًا هو كل أمر ربط به غيره عدما لا وجودًا، وهو خارج عن ماهية المشروط، ولذا فعدم الشرط يستلزم عدم الأمر المشروط، أما وجود الشرط فلا يستلزم عدم المشروط له، ويتشابه الشرط والسبب في بعض الصور، ولكنهما يختلفان من حيث إن الارتباط بين الشرط ومشروطه، إنما هو العدم، أما الارتباط بين السبب ومسببه فهو الوجود، والعدم إذا ترتبط به الواقعة الشرعية عدمًا ووجودًا، ولذلك فالسبب متى وجد، وكان مستوفي الشرائط منتفى الموانع، لابد أن ينتج الحكم المسبب عنه بخلاف الشرط، فإن وجوده لا يوجب وجود المشروط، والشروط بوجه عام إنما هي مكملات للأمور المشروطة في نظر الشارع، كتكميل الصفة للموصوف، بحيث إن عدمها يخل بالمقاصد الشرعية للأحكام، فالقدرة على تسليم المبيع مكملة للبيع الذي هو سبب التملك، ولذا كانت القدرة شرطًا في كمال البيع.
ومن خلال تحليلنا لأحكام الشرط نرى القرافي في كتابه (الفروق) تعرض لهذا الموضوع، بما أزال كثيرًا من الغموض الذي يمكن أن يتسرب إلى ذهن القارئ، فوضح القرافي في (الذخيرة) الفرق الحاصل بين الشرط اللغوي وغيره، قائلًا بأن الشروط اللغوية قاعدة مباينة للشروط الأخرى، وتتجلى تلك الفروق إذا نظرنا تحليله للشرط من خلال بارتباطه بالسبب والمانع، والمقارنة بين هذه المعاني توضح الفرق الشاسع بنيها ضمن ملازمتها للعقد، وطبيعة ارتباط كل واحد منها به ارتباطًا مغايرًا سبق أن أشير إلى تعريفه، وأما الشروط اللغوية عند القرافي فهي التي ينجم عنها الجزاء المقترن بتحقيقها، كقول الزوج لزوجته، إن دخلت الدار فأنت طالق، فيلزم من الدخول الجزاء الذي هو الطلاق، ومن عدم الدخول عدمه، إلا أن يخلفه سبب آخر، كالإنشاء بعد التعليق، وهذا هو شأن السبب إذا ينشأ من عدمه العدم، إلا أن يخلفه سبب آخر.
وغاية القرافي من هذه الأمثلة التي أوجزناها هنا هو أن الترابط في بعض الحالات بين الموضوعين يمكن أن يتم عن طريق الاشتراك لأنه مستعمل فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ويمكن أن يتم عن طريق المجاز في أحدهما وهو أرجح عنده من الاشتراك، ويمكن أن يتم بطريق التواطؤ باعتبار قدر مشترك بينهما وهو توقف الوجود على الوجود مع قطع النظر عما عدا ذلك.
ثم إن الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه، والإخلاف والبدل، كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم يقول لها: أنت طالق ثلاثًا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا من الثلاث المعلقة، فيمكن إبطال شرطيته، كما إذا أنجز الأمر، دون توقف على حصول الشرط.
стр. 19111
ووقع خلاف داخل أعلام المذهب المالكي حول الوقت الذي يعتبر بداية للعمل الموقوف على شرط، فقال اللخمي بلزوم تقديم الحكم على شرطه، ولابن يونس أنه إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا، فإن فئة قالوا باللزوم عند كلامها لمحل الشرط في الوقت الذي حصل فيه الكلام، وقال آخرون بوقوع الطلاق من وقت صدور الشرط من المشترط، ومن هذه الصور عند المالكية أنه إن قال لها: " إن تزوجتك فأنت طالق غدًا، فإن تزوجها قبل الغد طلقت عليه، وإن تزوجها بعد الغد لم تطلق " (١) .
وهذا الحكم وجيه من حيث المبرر الشرعي، فزواجه بها اليوم على شرط طلاقها غدًا، فيه أنه عقد الزواج عليها بما يخالف طبيعته، التي هي نية الاستمرار، وعقده بنية الطلاق غير جائز لدى جميع فقهاء الشريعة، مع أن فوات الوقت الذي أوقف عليه الطلاق وعقده عليها بعده دليل على تراجعه عن شرطه.
ومن الأحكام التي قال بها القرافي هي أن المقدرات لا تنافي المحققات بل تجتمعان، وتثبت مع كل واحدة لوازمها وأحكامها، ويشهد لذلك مسائل:
أحدها: أن الأمة إذا اشتراها شراء صحيحًا أبيح له وطؤها، حتى يظهر العيب، الذي يجب الرد، وعند المالكية الرد بالعيب نقض للعقد من أصله، كما هو الحال بالنسبة لإبطال العقد القابل للإبطال عند أصحاب القوانين المدنية فإذا تم نقضه، ارتفعت الإباحة المترتبة عليه وجميع آثاره في حكم العدم، وإن كانت موجودة ولا تنافي بين وجود الشيء حقيقة، وعدمه حكمًا، كقربات الكفار والمرتدين، إنها موجودة حقيقة ومعدومة حكمًا، والنية في الصلاة من بدايتها إلى آخرها، موجودة حكمًا ومعدومة حقيقة عكس الأول، وكذلك الإيمان والإخلاص وغيرها يحكم بوجودها، إن عدما عدما حقيقيًّا.
النقطة الثانية: من هذه الصور التي درس القرافي تحتها أحكام شرط الجزاء هي: إثبات الشيء يؤدي إلى نفيه، وضرب لذلك مثلًا بمن قال لزوجته: إن طلقت فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا، فالجمهور على أنه يلزمه طلاق الثلاث وذهب الغزالي إلى أنه لا شيء عليه، إذ نسب لابن الحداد أنه لو وقع لوقع مشروطه، وهو تقدم الثلاث ولوقع مشروطه لمنع وقوعه، لأن الثلاث تمنع ما بعدها فيؤدي إثباته إلى نفيه، فلا يقع، وقال أبو زيد: يقع المنجز، ولا يقع المعلق، لأنه علق على محال، وقيل: يقع في المدخول بها، وهذه تسمى مسألة الدور، ويستخلص منها إمكانية شرط الشرط مع حصول السبب لأن حكمة السبب في ذاته، وحكمة الشرط في غيره، فإذا لم يمكن اجتماعه معه لم تحصل فيه حكمته.
стр. 19112
القاعدة الثانية: أن اللفظ إذا دار بين المعهود في الشرع، وبين غيره حمل على المعهود في الشرع، لأنه ظاهر كما لو قال: إن صليت فأنتِ طالق فإنا نحمله على الصلاة الشرعية دون الدعاء، وكذلك نظائره.
القاعدة الثالث: أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك نفذ تصرفه فيما يملك دون ما لا يملك، وعلى هذا فقوله إن طلقتك إما أن يحمل على اللفظ أو على المعنى الذي هو التحريم، فإن حمل على اللفظ فهو خلاف الظاهر والمعهود والشرع وهو مخالف للقاعدة الثانية، وإن حمل على التحريم، وأبقينا التعليق على صورته تعذر اجتماع الشرط مع مشروطه، فيلزم مخالفة القاعدة الأولى، فيسقط الثلاثة التي هي المشروط وما به وقع التباين، إلا أن الجمهور على إبطال هذه التوليدات المعروفة بالسريجية، قال القاضي عز الدين بن عبد السلام: هذه المسألة لا يصح فيها التقليد وإن وقع فهو فسوق، ومن هذه القواعد التي استخلصها القرافي من أنواع الشروط، استعمال المدلول العرفي للكلمة، فإذا قال ﵊: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) حمل على عرفه ﷺ دون الدعاء.
القاعدة الرابعة: الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم مستقبل؛ فإن دخلت الدار فأنت طالق، يحمل على دخول مستقبل، وطلاق لم يقع قبل التعليق إجماعا، فالمشيئة هي التي جعلت شرطًا ولابد لها من مفعول، والتقدير: إن شاء الله طلاقك فأنت طالق، فمفعولها إما أن يكون الطلاق الذي صدر منه في الحال أو طلاق في المستقبل، فإن كان الأول فنحن نقطع أن الله تعالى أراده في الأول، وهذه الشروط أسباب يلزم من وجودها الوجود، فيلزم أن تطلق في وقت الإمكان، وقبول المحل عند أول النكاح، فيكون طلاقك إن شاء الله في المستقبل (١) .
والنتيجة من هذا التحليل أن الشرط لا يتعلق إلا بأمر معدوم، مستقل عن ماهية العقد، وأن جزاءه كذلك لابد أن يكون خاضعًا لنفس الحالات والسبل التي يسلكها الشرط نفسه.
стр. 19113
وذهب القرافي في الذخيرة إلى التسوية بين بعض أنواع الشرط وبين السبب، وذلك عندما قال: " النظر الأول في الأسباب، فأردف قائلًا: السبب الأول الشرط وهو الأصل لأنه صريح، وما عداه ملحق به، تنزيلا للسان الحال منزلة لسان المقال، ثم قال: " مهما شرط وصفًا يتعلق بفواته نقصان مالية ثبت الخيار بفواته، وإن شرط ما لا غرض فيه ولا مالية فيه ولا يثبت الخيار لعدم الفائدة، فيلغى الشرط ويخرج من الخلاف في التزام الوفاء بشرط ".
ووضع ابن السبكي الطريقة التي يترتب بها الجزاء عند تخلف الشرط، من خلال تقسيمه للشرط إلى نوعين:
١) شرط يفرضه أحد أطراف المعاملة فيجعل تحقيقه لازمًا لتحقيق أمر آخر ربط به عدمًا بحيث إذا لم يتحقق الشرط، لم يتحقق ذلك الأمر، ومن ثم يتعطل الالتزام المعلق عليه، ومثل لذلك: بتعليق الكفالة على أمر جائز شرعًا، كأن يقول للدائن: إن سافر مدينك فلان بتاريخ كذا فإن كفالتي تصبح لاغية، فقال: بأن هذا الجزاء جائز، وهذا النوع أطلق عليه بعض الفقهاء الشرط الشرعي.
٢) شرط مصدره إرادة شخص واحد ويسمى في اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية جعلًا، بينما يطلق عليه علماء القانون الإرادة المنفردة، وعن تتبع أحكام الجزاء المضروب على الواقعة عند تخلف شرطها أعطى ابن السبكي في كتابه (الإبهاج في شرح المنهاج) المثل بقول الله عزل وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، فإن المشروط ينتفي بانتفائه قبل تسميته ولأن الشرط دل عليه، ثم تكلم عن مفهوم الشرط الذي هو أقوى من مفهوم الصفة لأن سياق النص في الآية الكريمة: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ، لا ينبغي أن يفهم منه العدول عن تحريم الفعل إن لم يردن تحصنًا، بل المقصود هو بقاء الحرمة مفهومًا من فحوى الخطاب والنص على التشديد.
وتغليظ الجرم لمن تتبع سبل إكراههن على ذلك وعلى من لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج، بالغ إمام الحرمين الجويني في الرد على أولئك، وبين عدم صحة آرائهم.
نستنتج من هذه الأقوال الأهمية التي أعطاها علماء الأصول للشرط الجزائي، إذ تناولوا مختلف صوره بالتحليل والدرس واستخرجوا الأحكام الملائمة لجميع صوره، وعرفوا كل شرط بحسب موقعه في صياغ عبارات حكمه ويعزز هذا ما أشار إليه ابن السبكي بما يدرك منه الخلاف في مفهوم الشرط ليستخدم بحسب دور تلك الدلالة، فإن دلت على العدم اعتبر وقف عدم سريان الالتزام جاريًّا عند تحقق الشرط.
стр. 19114
ثم عارضتهم جماعة أخرى حسب تحليلات ابن السبكي محتجة بثلاثة حجج نلخصها فيما يلي:
١) تسمية حرف الشرط من التسميات المجازية، كتسمية الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب.
٢) لا يسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط بدل يقوم مقامه، أما إذا كان بدل فلا يلزم ذلك كالوضوء، فإنه شرط في الصلاة ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن تؤدي بالتيمم (١) .
٣) لو كان مفهوم الشرط حجة لكان قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ دالًا على أنهن إذا لم يردن التحصن يجوز لهن البغاء، ولا يمكن أن يقبل بذلك أي مسلم، وفي سرد أحكم الشرط بصفة عامة وما يترتب عليها من جزاء قال الكاساني: وأما شرائط الصحة فأنواع بعضها يعم المبيعات كلها، وبعضها يخص البعض، أما الشرائط العامة فمنها:
١) شرائط الانعقاد، فكل شرط تعلق بالانعقاد والنفاذ فهو من شرائط الصحة، مع العلم أنه ليس لزامًا أن يكون كل شرط صحة شرط نفاذ، لأن البيع الفاسد عند الحنفية ينعقد وينفذ عند اتصال القبض به، وإن لم يكن صحيحًا.
٢) أن يكون البيع معلومًا، وثمنه معلومًا علمًا يمنع المنازعة، فإن كان أحدهما مجهولًا جهالة مفضية إلى المنازعة فسد البيع، وإن كان مجهولًا جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا يفسد، لأن الجهالة إذا كانت مفضية إلى المنازعة نتج عن ذلك عند التسليم، وعدم التسليم يفسد البيع، ومعنى هذا أنه إذا اشترى أحد أصنافًا معينة من جنس واحد دون تعيين أي منها عند العقد ففيه خلاف عند الحنفية فمنهم من أفسده، فإذا اشترى مثلًا أحدى الشياه من الغنم ولم يعين أفسد للتفاوت بين شاة وأخرى، لأن الرضا شرط البيع، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم، وحصر الكلام في هذه الحالة في موضعين: أحدهما أن العلم بالمبيع والثمن علمًا مانعًا من المنازعة شرط صحة البيع، والثاني في بيان ما يحصل به العلم بيعًا، فإن كان المعقود عليه مجهولًا فهذا ممنوع إلا أن يكون في شرط خيار، فيقول: خذ أيهما شئت (يعني الشياه) ثم تساءل: وهل يشترط بيان المدة في هذا الخيار؟ فمحمد لم ينص على مدة منحه خيار ثلاثة أيام، وقال بعضهم: لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار الشرط، وهو ثلاثة أيام وما دونها عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين الثلاثة وما زاد عليها بعد أن يكون معلومًا، وهو قول الكرخي، والطحاوي، وقال بعضهم يصح من غير ذكر المدة.
стр. 19115
٣) احترام الشروط في مجال الشفعة ونسب لأبي حنيفة أن النبي ﵊ جعل الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع.
٤) شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو المشتري أو للمبيع إن كان من بني آدم، كالرقيق وليس ملائمًا للعقد ولا مما جرى به التعامل كأن يبيع الدار ويشترط أن يسكن فيها شهرًا، ثم يسلمها إليه، أو أرضا على أن يزرعها سنة، أو دابة على أن يركبها شهرًا أو ثوبًا على أن يلبسه أسبوعًا، لقد أفسد الحنفية حسب رأي الكاساني البيع في جميع هذه الصور، لأن فيه زيادة منفعة مشروطة في البيع، وذلك يعتبر من حالات الربا، بصفتها زيادة لا يقابلها عوض، لأن الشرط الذي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولا جرى به عرف المعاملات، يكون مفسدًا عند الحنفية حسب قول الكاساني.
وعن الشروط الجائزة أورد قائمة طويلة بالحالات التي يشترط فيها شرط لا يناقض تنفيذ الالتزام ومن تلك الحالات:
أ- إذا اشترط أجلًا لتسلم العين المبيعة قبل تسلم الثمن الذي يبعث به فهو جائز قياسًا على أصل جواز التأجيل.
ب- وعنده أن الشرط الموقوف على ثلاثة أيام أو ما دونها ليس بمفسد.
ج- وإن علق البيع على شرط مجهول التحقيق بطل العقد، كأن يعلق على هبوب الريح أو نزول المطر، فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر، وهذا مجمع عليه من فقهاء المذاهب.
ومن هذه الحالات بيع العقار قبل القبض فهو جائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانًا، وعند محمد وزفر والشافعي ﵏ لا يجوز، واحتجوا بأن القدرة على القبض عند العقد شرط صحة هذا العقد.
د- ومن تلك الحالات بيع الدين قبل القبض، وفرقه إلى حالات جوز بيعه في بعضها، وأفسد بيعه في البعض الآخر حسبما يلي:
فأما الذي لا يجوز قبل القبض فمثل رأس مال السلم لعموم النهي الوارد في ذلك، ولأن قبضه في المجلس شرط والبيع يفوت القبض حقيقة.
- وأيضًا لو باع رأس مال السلم بعد الإقالة، قبل القبض، لا يجوز استحسانًا، والقياس أنه يجوز ووجه هذا القياس أن عقد السلم نسخ بالإقالة، لأنها فسخ، وفسخ العقد رفعه من الأصل.
أما عدم الجواز استحسانًا فبناء على ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال لرب السلم: ((لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك)) ، فاستمسكوا استحسانًا بأصل النهي.