← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19111–19150 · переход к 19116.

стр. 19111

ووقع خلاف داخل أعلام المذهب المالكي حول الوقت الذي يعتبر بداية للعمل الموقوف على شرط، فقال اللخمي بلزوم تقديم الحكم على شرطه، ولابن يونس أنه إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا، فإن فئة قالوا باللزوم عند كلامها لمحل الشرط في الوقت الذي حصل فيه الكلام، وقال آخرون بوقوع الطلاق من وقت صدور الشرط من المشترط، ومن هذه الصور عند المالكية أنه إن قال لها: " إن تزوجتك فأنت طالق غدًا، فإن تزوجها قبل الغد طلقت عليه، وإن تزوجها بعد الغد لم تطلق " (١) . وهذا الحكم وجيه من حيث المبرر الشرعي، فزواجه بها اليوم على شرط طلاقها غدًا، فيه أنه عقد الزواج عليها بما يخالف طبيعته، التي هي نية الاستمرار، وعقده بنية الطلاق غير جائز لدى جميع فقهاء الشريعة، مع أن فوات الوقت الذي أوقف عليه الطلاق وعقده عليها بعده دليل على تراجعه عن شرطه. ومن الأحكام التي قال بها القرافي هي أن المقدرات لا تنافي المحققات بل تجتمعان، وتثبت مع كل واحدة لوازمها وأحكامها، ويشهد لذلك مسائل: أحدها: أن الأمة إذا اشتراها شراء صحيحًا أبيح له وطؤها، حتى يظهر العيب، الذي يجب الرد، وعند المالكية الرد بالعيب نقض للعقد من أصله، كما هو الحال بالنسبة لإبطال العقد القابل للإبطال عند أصحاب القوانين المدنية فإذا تم نقضه، ارتفعت الإباحة المترتبة عليه وجميع آثاره في حكم العدم، وإن كانت موجودة ولا تنافي بين وجود الشيء حقيقة، وعدمه حكمًا، كقربات الكفار والمرتدين، إنها موجودة حقيقة ومعدومة حكمًا، والنية في الصلاة من بدايتها إلى آخرها، موجودة حكمًا ومعدومة حقيقة عكس الأول، وكذلك الإيمان والإخلاص وغيرها يحكم بوجودها، إن عدما عدما حقيقيًّا. النقطة الثانية: من هذه الصور التي درس القرافي تحتها أحكام شرط الجزاء هي: إثبات الشيء يؤدي إلى نفيه، وضرب لذلك مثلًا بمن قال لزوجته: إن طلقت فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا، فالجمهور على أنه يلزمه طلاق الثلاث وذهب الغزالي إلى أنه لا شيء عليه، إذ نسب لابن الحداد أنه لو وقع لوقع مشروطه، وهو تقدم الثلاث ولوقع مشروطه لمنع وقوعه، لأن الثلاث تمنع ما بعدها فيؤدي إثباته إلى نفيه، فلا يقع، وقال أبو زيد: يقع المنجز، ولا يقع المعلق، لأنه علق على محال، وقيل: يقع في المدخول بها، وهذه تسمى مسألة الدور، ويستخلص منها إمكانية شرط الشرط مع حصول السبب لأن حكمة السبب في ذاته، وحكمة الشرط في غيره، فإذا لم يمكن اجتماعه معه لم تحصل فيه حكمته.

стр. 19112

القاعدة الثانية: أن اللفظ إذا دار بين المعهود في الشرع، وبين غيره حمل على المعهود في الشرع، لأنه ظاهر كما لو قال: إن صليت فأنتِ طالق فإنا نحمله على الصلاة الشرعية دون الدعاء، وكذلك نظائره. القاعدة الثالث: أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك نفذ تصرفه فيما يملك دون ما لا يملك، وعلى هذا فقوله إن طلقتك إما أن يحمل على اللفظ أو على المعنى الذي هو التحريم، فإن حمل على اللفظ فهو خلاف الظاهر والمعهود والشرع وهو مخالف للقاعدة الثانية، وإن حمل على التحريم، وأبقينا التعليق على صورته تعذر اجتماع الشرط مع مشروطه، فيلزم مخالفة القاعدة الأولى، فيسقط الثلاثة التي هي المشروط وما به وقع التباين، إلا أن الجمهور على إبطال هذه التوليدات المعروفة بالسريجية، قال القاضي عز الدين بن عبد السلام: هذه المسألة لا يصح فيها التقليد وإن وقع فهو فسوق، ومن هذه القواعد التي استخلصها القرافي من أنواع الشروط، استعمال المدلول العرفي للكلمة، فإذا قال ﵊: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) حمل على عرفه ﷺ دون الدعاء. القاعدة الرابعة: الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم مستقبل؛ فإن دخلت الدار فأنت طالق، يحمل على دخول مستقبل، وطلاق لم يقع قبل التعليق إجماعا، فالمشيئة هي التي جعلت شرطًا ولابد لها من مفعول، والتقدير: إن شاء الله طلاقك فأنت طالق، فمفعولها إما أن يكون الطلاق الذي صدر منه في الحال أو طلاق في المستقبل، فإن كان الأول فنحن نقطع أن الله تعالى أراده في الأول، وهذه الشروط أسباب يلزم من وجودها الوجود، فيلزم أن تطلق في وقت الإمكان، وقبول المحل عند أول النكاح، فيكون طلاقك إن شاء الله في المستقبل (١) . والنتيجة من هذا التحليل أن الشرط لا يتعلق إلا بأمر معدوم، مستقل عن ماهية العقد، وأن جزاءه كذلك لابد أن يكون خاضعًا لنفس الحالات والسبل التي يسلكها الشرط نفسه.

стр. 19113

وذهب القرافي في الذخيرة إلى التسوية بين بعض أنواع الشرط وبين السبب، وذلك عندما قال: " النظر الأول في الأسباب، فأردف قائلًا: السبب الأول الشرط وهو الأصل لأنه صريح، وما عداه ملحق به، تنزيلا للسان الحال منزلة لسان المقال، ثم قال: " مهما شرط وصفًا يتعلق بفواته نقصان مالية ثبت الخيار بفواته، وإن شرط ما لا غرض فيه ولا مالية فيه ولا يثبت الخيار لعدم الفائدة، فيلغى الشرط ويخرج من الخلاف في التزام الوفاء بشرط ". ووضع ابن السبكي الطريقة التي يترتب بها الجزاء عند تخلف الشرط، من خلال تقسيمه للشرط إلى نوعين: ١) شرط يفرضه أحد أطراف المعاملة فيجعل تحقيقه لازمًا لتحقيق أمر آخر ربط به عدمًا بحيث إذا لم يتحقق الشرط، لم يتحقق ذلك الأمر، ومن ثم يتعطل الالتزام المعلق عليه، ومثل لذلك: بتعليق الكفالة على أمر جائز شرعًا، كأن يقول للدائن: إن سافر مدينك فلان بتاريخ كذا فإن كفالتي تصبح لاغية، فقال: بأن هذا الجزاء جائز، وهذا النوع أطلق عليه بعض الفقهاء الشرط الشرعي. ٢) شرط مصدره إرادة شخص واحد ويسمى في اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية جعلًا، بينما يطلق عليه علماء القانون الإرادة المنفردة، وعن تتبع أحكام الجزاء المضروب على الواقعة عند تخلف شرطها أعطى ابن السبكي في كتابه (الإبهاج في شرح المنهاج) المثل بقول الله عزل وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، فإن المشروط ينتفي بانتفائه قبل تسميته ولأن الشرط دل عليه، ثم تكلم عن مفهوم الشرط الذي هو أقوى من مفهوم الصفة لأن سياق النص في الآية الكريمة: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ، لا ينبغي أن يفهم منه العدول عن تحريم الفعل إن لم يردن تحصنًا، بل المقصود هو بقاء الحرمة مفهومًا من فحوى الخطاب والنص على التشديد. وتغليظ الجرم لمن تتبع سبل إكراههن على ذلك وعلى من لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج، بالغ إمام الحرمين الجويني في الرد على أولئك، وبين عدم صحة آرائهم. نستنتج من هذه الأقوال الأهمية التي أعطاها علماء الأصول للشرط الجزائي، إذ تناولوا مختلف صوره بالتحليل والدرس واستخرجوا الأحكام الملائمة لجميع صوره، وعرفوا كل شرط بحسب موقعه في صياغ عبارات حكمه ويعزز هذا ما أشار إليه ابن السبكي بما يدرك منه الخلاف في مفهوم الشرط ليستخدم بحسب دور تلك الدلالة، فإن دلت على العدم اعتبر وقف عدم سريان الالتزام جاريًّا عند تحقق الشرط.

стр. 19114

ثم عارضتهم جماعة أخرى حسب تحليلات ابن السبكي محتجة بثلاثة حجج نلخصها فيما يلي: ١) تسمية حرف الشرط من التسميات المجازية، كتسمية الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب. ٢) لا يسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط بدل يقوم مقامه، أما إذا كان بدل فلا يلزم ذلك كالوضوء، فإنه شرط في الصلاة ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن تؤدي بالتيمم (١) . ٣) لو كان مفهوم الشرط حجة لكان قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ دالًا على أنهن إذا لم يردن التحصن يجوز لهن البغاء، ولا يمكن أن يقبل بذلك أي مسلم، وفي سرد أحكم الشرط بصفة عامة وما يترتب عليها من جزاء قال الكاساني: وأما شرائط الصحة فأنواع بعضها يعم المبيعات كلها، وبعضها يخص البعض، أما الشرائط العامة فمنها: ١) شرائط الانعقاد، فكل شرط تعلق بالانعقاد والنفاذ فهو من شرائط الصحة، مع العلم أنه ليس لزامًا أن يكون كل شرط صحة شرط نفاذ، لأن البيع الفاسد عند الحنفية ينعقد وينفذ عند اتصال القبض به، وإن لم يكن صحيحًا. ٢) أن يكون البيع معلومًا، وثمنه معلومًا علمًا يمنع المنازعة، فإن كان أحدهما مجهولًا جهالة مفضية إلى المنازعة فسد البيع، وإن كان مجهولًا جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا يفسد، لأن الجهالة إذا كانت مفضية إلى المنازعة نتج عن ذلك عند التسليم، وعدم التسليم يفسد البيع، ومعنى هذا أنه إذا اشترى أحد أصنافًا معينة من جنس واحد دون تعيين أي منها عند العقد ففيه خلاف عند الحنفية فمنهم من أفسده، فإذا اشترى مثلًا أحدى الشياه من الغنم ولم يعين أفسد للتفاوت بين شاة وأخرى، لأن الرضا شرط البيع، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم، وحصر الكلام في هذه الحالة في موضعين: أحدهما أن العلم بالمبيع والثمن علمًا مانعًا من المنازعة شرط صحة البيع، والثاني في بيان ما يحصل به العلم بيعًا، فإن كان المعقود عليه مجهولًا فهذا ممنوع إلا أن يكون في شرط خيار، فيقول: خذ أيهما شئت (يعني الشياه) ثم تساءل: وهل يشترط بيان المدة في هذا الخيار؟ فمحمد لم ينص على مدة منحه خيار ثلاثة أيام، وقال بعضهم: لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار الشرط، وهو ثلاثة أيام وما دونها عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين الثلاثة وما زاد عليها بعد أن يكون معلومًا، وهو قول الكرخي، والطحاوي، وقال بعضهم يصح من غير ذكر المدة.

стр. 19115

٣) احترام الشروط في مجال الشفعة ونسب لأبي حنيفة أن النبي ﵊ جعل الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع. ٤) شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو المشتري أو للمبيع إن كان من بني آدم، كالرقيق وليس ملائمًا للعقد ولا مما جرى به التعامل كأن يبيع الدار ويشترط أن يسكن فيها شهرًا، ثم يسلمها إليه، أو أرضا على أن يزرعها سنة، أو دابة على أن يركبها شهرًا أو ثوبًا على أن يلبسه أسبوعًا، لقد أفسد الحنفية حسب رأي الكاساني البيع في جميع هذه الصور، لأن فيه زيادة منفعة مشروطة في البيع، وذلك يعتبر من حالات الربا، بصفتها زيادة لا يقابلها عوض، لأن الشرط الذي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولا جرى به عرف المعاملات، يكون مفسدًا عند الحنفية حسب قول الكاساني. وعن الشروط الجائزة أورد قائمة طويلة بالحالات التي يشترط فيها شرط لا يناقض تنفيذ الالتزام ومن تلك الحالات: أ- إذا اشترط أجلًا لتسلم العين المبيعة قبل تسلم الثمن الذي يبعث به فهو جائز قياسًا على أصل جواز التأجيل. ب- وعنده أن الشرط الموقوف على ثلاثة أيام أو ما دونها ليس بمفسد. ج- وإن علق البيع على شرط مجهول التحقيق بطل العقد، كأن يعلق على هبوب الريح أو نزول المطر، فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر، وهذا مجمع عليه من فقهاء المذاهب. ومن هذه الحالات بيع العقار قبل القبض فهو جائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانًا، وعند محمد وزفر والشافعي ﵏ لا يجوز، واحتجوا بأن القدرة على القبض عند العقد شرط صحة هذا العقد. د- ومن تلك الحالات بيع الدين قبل القبض، وفرقه إلى حالات جوز بيعه في بعضها، وأفسد بيعه في البعض الآخر حسبما يلي: فأما الذي لا يجوز قبل القبض فمثل رأس مال السلم لعموم النهي الوارد في ذلك، ولأن قبضه في المجلس شرط والبيع يفوت القبض حقيقة. - وأيضًا لو باع رأس مال السلم بعد الإقالة، قبل القبض، لا يجوز استحسانًا، والقياس أنه يجوز ووجه هذا القياس أن عقد السلم نسخ بالإقالة، لأنها فسخ، وفسخ العقد رفعه من الأصل. أما عدم الجواز استحسانًا فبناء على ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال لرب السلم: ((لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك)) ، فاستمسكوا استحسانًا بأصل النهي.

стр. 19116

وبعدما تكلم الكاساني عن الشرط بصفة عامة في ركن البيع، بين مختلف أنواع الشروط ثم قال تحت عنوان: وأما شرائط جريان الربا فمنها: أن يكون البدلان معصومين، فإن كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، ويتحقق عنده الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرًا فباع حربيًّا درهمًا بدرهمين أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة، في حكم الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز، وعلى هذا الخلاف المسلم الأسير في دار الحرب، أو الحربي الذي أسلم هنالك ولم يهاجر إلينا، فبايع أحداً من أهل الحرب ببعض الصفقات المتداولة عندهم، وفيه شبهة ظنية اعتبر مما ألجأته إليه الضرورة. ووجه قول أبي يوسف أن حرمة الربا، كما هي ثابتة في حق المسلمين، فهي ثابتة في حق النصارى، لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال فاشتراطه في البيع يوجب فساده، كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الإسلام، ولهما - يعني أبا حنيفة ومحمد – أن مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه، إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا أبدله باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، فكأن الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مفيد بالملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش، وبه يتبين أن العقد ليس بتملك بل هو تحصيل شرط التملك. وأنا أرى أن هذا التصور غير صحيح لأن النص في حرمة الربا ورد على عمومه، ولم يخصص فيه حكم ولم يرد عليه استثناء، ولذا فلا يباح للمسلم لا الخمر ولا الخنزير إذا كان في دار الحرب بل إن واجبات الدين وأخلاقيات الإسلام تحتم تجنب المحرمات في كل مكان، وفي أي ظرف وجد فيه المسلم لتجنب النهي من جهة، وليكون قدوة من جهة أخرى، ولا نجاري الكاساني في هذه الأقوال، وفي قوله: إن ملك الحربي لا يزول بدونه، وإذا لم يزل ملكه لا يقع الأخذ تملكًا، لكنه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء، لا بالعقد، فلا يتحقق الربا لأن الربا اسم للفضل، يستفاد بالعقد، بخلاف المسلم إذا باع حربيًّا داخل دار الإسلام بأمان، لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان، والمال المعصوم لا يكون محلًا للاستيلاء، فتعين التملك فيه بالعقد وشرط الربا في العقد مفسد، وكذلك الذمي إذا دخل دار الحرب فباع حربيًّا درهما بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الإسلام، فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا لأن ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة ويبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم، إلا الخمر والخنزير.

стр. 19117

وذهب أبو حنيفة إلى أبعد من ذلك إذ قال في الذي نسب إليه الكاساني أنه إذا باع مسلم لمسلم آخر أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهمًا بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام فإن يجوز، وخالفه الصاحبان فقالا: لا يجوز، لأن كل واحد منهما لا يملك عصمة نفسه، ولا سبيل إلى تطبيق أحكام الإسلام، وعندهما أن نفس المسلم وماله معصومان متقومان، ونحن نؤيد قول الصاحبين، لأن مال المسلم ونفسه معصومان بالإسلام مهما كان الظرف الذي يوجد فيه، وفي حاشية عبد الله الشهير بالشرقاوي على تحفة الطلاب، تحرير تنقيح اللباب لشيخ الإسلام في زمنه يحيى بن زكريا الأنصاري قال: مدة الشرط في العقود التخييرية تتم بمدة معلومة يبقى الالتزام فيها مرتبطًا بشرطه متصلًا بمشروطه خلال مدة متوالية، في المصراة ثلاثة أيام متوالية تبدأ من وقت إبرام العقد، ثم قال بأنه إذا زاد عن ذلك بطل العقد في هذا النوع من المعاملات لأن الأصل منع الخيار في العقد، إلا ما أذن فيه الشارع، وهذا يسوق إلى القول بأن الخيارات منصوصة وليست اجتهادية وفرق السيوطي بين الشرط والتعليق بقوله: التعليق ما دخل على أصل الفعل فيه بأداته: كإن، وإذا والشرط ما جزم فيه بالأول وشرط فيه أمرًا آخر، واستنبط قاعدة هي: الشرط إنما يتعلق بالأمور المستقبلية، أما الماضية فلا مدخل له فيها، ولذا لا يصح تعليق الإقرار بالشرط لأنه خبر عن ماض ونص عليه، ثم حدد من الشريعة أربعة أقسام: بعضها لا يقبل الشرط ولا التعليق: كالإيمان بالله والطهارة والصلاة والصوم، والضمان، والنكاح، والاختيار والفسوخ. (١) . والثاني: ما يقبلها؛ كالعتق، والتدبير، والحجر. والثالث: ما لا يقبل التعليق: ويقبل الشرط؛ كالاعتكاف والبيع في الجملة. والرابع: عكسه كالطلاق والإيلاء، والظهار والخلع (٢) . واستنتج من هذا أن التعليق لا فرق فيه بين الماضي والمستقبل إلا في مسألة واحدة وهي، إن كان زيد محرمًا أحرمت فإنه يصح، لأنه ليس لنا خروج عن عبادة بشرط، إلا في الاعتكاف والحج، ثم إن الشروط الفاسدة، تفسد البيع، إلا بشرط البراءة من العيوب، والقرض بشرط رد مكسور عن صحيح، أو أن يقرضه شيئًا آخر على الأصح فيهما (٣) . وفي كتاب الجمل على شرح المنهج قال بأن انصراف أثر الشرط لأجنبي جائز، بعكس صدور الشرط منه وذلك بقوله ليس لشارطه للأجنبي خيار، ثم ركز على أن أثر شرط الخيار يمكن أن ينصرف إلى الأجنبي على المعاملة (٤) .

стр. 19118

المبحث الثالث الشرط الجزائي بين الشريعة الإسلامية والقانون تعرفنا في المبحثين السابقين على تعريف الشرط بصفة عامة، والصيغ التي يرد عليها، كما رأينا أن المتعاقدين يمكن أن يختارا صيغة مباحة لتنفيذ اتفاقهما عليهما، كما يمكن في ظل دائرة المباح أن ينصا على تعويض يناله من جعل الشرط لصالحه حتى في حالة ما إذا أخل الطرف الآخر بمقتضيات الشرط، وحتى نتمكن من تسجيل سابقة البحوث الإسلامية في هذا الموضوع سننظر في الشرط الجزائي هنا من وجهة نظر القوانين الوضعية، معتمدين أساسًا على النظريات التي كتبها عبد الرزاق السنهوري لكونه تبنى طريقة مقارنة القوانين العربية مع التشريع الفرنسي، علمًا بأن المبادئ العامة تكاد تكون موحدة في مختلف القوانين الوضعية، وخصوصًا فيما يرجع لمصادر الالتزام، والتي اعتبرت الشرط وصفًا من أوصافها. إن الشرط الجزائي يأتي نتيجة إرادة مشتركة تولد لدى أطراف العقد يهدفان من خلالها إلى جعل مراحل تنفيذ العقد لا تنتظر حكم القاضي عند الاختلاف حتى في التعويض الذي يمكن أن يطالب به الدائن إذا لم يف المدين بالتزامه، ويطلق عليه التعويض عن عدم التنفيذ، ثم أطلق عليه الشرط الجزائي لمصاحبته لتكوين العقد فتوضع شروطه ضمن التداول العام لتكوين العقد، فيستحق التعويض على هذا الأساس وضرب السنهوري أمثلة لهذا الإجراء منها: ١) يتفق مالك أرض مع مقاول على إنجاز بناء عليها خلال فترة محددة، وإذا تقاعس عن إتمام البناء في تاريخ معين، حتم عليه أن يدفع له تعويضًا بمبلغ كراء ذلك البناء، وقد عرفت حالات كثيرة وقعت في الدول الإسلامية فأيد القضاء فيها هذا الإجراء، في غالب أحواله. وعلى هذا الإجراء نصت المواد ٢٣٣ مصري و٢٢٤ من التقنين العراقي و١٧٠ و٢٢٦ من قانون الموجبات والعقود اللبناني و١٠٨ مغربي.

стр. 19119

ندرك من هذا أن الشرط الجزائي يتولد عن التزام تبعي يقدر من خلاله التعويض بمبلغ معين، ثم إن شروط استحقاقه هي نفس شروط الالتزام الأصلي وسبب استحقاق هذا التعويض هو خطأ من المدين، وعدم قيامه بالتزامه الناشئ عن العقد الأصلي، ويترتب على الشرط الجزائي تعويض اتفق عليه المتعاقدان عند إبرام العقد الذي نشأ عن الالتزام بالشرط الجزائي، ولابد لكي يكون هذا الجزاء مستحقًا من حصول خطأ من المدين وضرر نتج عن هذا الخطأ للدائن، وبما أن جل القوانين العربية استندت في كثير من أحكامها على القانوني الفرنسي حتى في المعاملات التي تبرز أحكامها جلية في كتب الفقه الإسلامي، فيجدر بنا أن نذكر أن القانون الفرنسي نص في المادة ١١٥٢ على أنه إذا ذكر في الاتفاق أن الطرف الذي يقصر في تنفيذه يدفع مبلغًا معينًا من النقود على المثال، فلا يجوز أن يعطي الطرف الآخر مبلغًا أكثر أو أقل من المبلغ الذي نص عليه العقد. أيضًا من الشروط الأساسية لاستحقاق التعويض الذي نص عليه الشرط الجزائي هو أن تتم العلاقة السببية بين الخطأ والضرر على أن يتم إعذار المدين بضرورة التنفيذ وإلا فأن الشرط الجزائي سيطبق عليه. وعند محاولة تكييفه للشرط جعله تابعًا تبعية تامة للعقد الأصلي ومعنى هذا أن الشرط الجزائي ليس هو السبب في استحقاقه التعويض، ولذا فلا يتولد عنه التزام بالتعويض، فالذي يتولد عنه هو التزام تبعي بتقرير التعويض بمبلغ معين مع أن شروط هذا الاستحقاق هي نفس شروط الالتزام الأصلي. شروط استحقاق الشرط الجزائي: هذه الشروط أهمها أنه لا يثبت استحقاق التعويض الناجم عن تحقق الشرط الجزائي إلا إذا وقع خطأ من المدين نتج عنه ضرر يصيب الدائن وعلاقة سببية بين الضرر والخطأ، كما لا يثبت استحقاقه إلا بعد إعذار المدين، وهذه هي الشروط التي حددها القانون على مختلف نصوصه للشرط الجزائي، فإذا لم يتم كل واحد من هذه الشروط لم يمكن الحكم باستحقاق التعويض الناجم عن الشرط الجزائي وهذا التعويض عادة لا يترك السلطة التقديرية للقاضي، إذ في الغالب يتم النص عليه أثناء إبرام العقد وربطه بالشرط الجزائي، وبما أن الالتزام بين الاثنين ناشئ عن العقد الأصلي، فلا يستطيع الدائن مطالبة المدين إلا بما نص عليه الالتزام الأصلي، وهذا يجعل الشرط الجزائي يسري عليه كل ما يسري على الالتزام الأصلي من بطلان وإبطال، وينشأ عن هذا أن الشرط الجزائي – كالتعويض – لا يعتبر التزامًا تخييريًّا، ولا التزامًا بديلا فكونه ليس التزامًا تخييريًّا يفوت على الدائن فرصة المطالبة بتنفيذ أي الالتزامين أراد، بل لا يمكن أن يطالب إلا بتنفيذ الالتزام الأصلي، ما دام ذلك ممكنا، ونفس الشيء أيضًا يقال في حق المدين الذي لا يملك هو أيضًا حق هذا الاختيار.

стр. 19120

ثم إن بطلان الالتزام الأصلي ينتج عنه بطلان الشرط الجزائي، فلو أن شخصًا تعاقد مع فاقد الأهلية على ارتكاب جريمة، أو تعهد شخص بارتكاب جريمة، على أن يدفع قسطًا من المال إن لم ينفذ ما تعهد به، فإن لهذا الالتزام يعتبر باطلًا، وبطلانه يجر إلى بطلان الشرط الجزائي، في حين إذا أبطل الشرط الجزائي فلا يجر إلى إبطال الالتزام الأصلي، وكذلك إذا وقع اتفاق الطرفين على فسخ العقد عند الأداء أدى ذلك إلى نهاية الشرط الجزائي بالتبعية التي هي ميزته الأساسية. وشبه السنهوري الشرط الجزائي ببعض الصور القانونية الأخرى مثل العربون، والتهديد المالي، فإذا كان كل واحد منهما يعتبر تعويضًا ماليًّا يأخذه الدائن عند عدم وفاء المدين بالتزامه، وعدم استحقاق له عند تنفيذ العقد حسب الصيغة التي أبرم عليها، فإنهما مختلفان في كون: ١) العربون هو المبلغ الذي يأخذه الدائن بسبب عدول المدين عن إتمام إبرام العقد الذي تم الاتفاق في شأنه، علمًا بأن العربون يستحقه من دفع إليه عند عدم إتمام الطرف الآخر لما اتفق عليه حتى ولو لم يقع أي ضرر بمن استلم العربون، أما الشرط الجزائي فلا يستحق إلا إذا وقع ضرر نتج عن خطأ، وتوفرت علاقة سببية بين الخطأ والضرر. ٢) يمكن اعتبار العربون مصاحبًا لبديل ذلك أن من دفع العربون إذا شاء نفذ العقد ودفع بقية الثمن، وإذا شاء عدل عن الالتزام مقابل السكوت عن العربون، وليست هذه البدلية متوفرة لصاحب الشرط الجزائي، إذ لا يستحق التعويض الناشئ عنه إلا إذا توفرت شروطه السالفة، ولا يستطيع استبداله بغيره. ٣) ويختلف الشرط الجزائي مع التهديد المالي من مفارقة أساسية هي أن التهديد المالي يحكم به القاضي، أما الشرط الجزائي، فيتفق عليه الطرفان يحددان المبلغ الناجم عنه ومهمة القاضي هي إلزام من ثبت عليه الشرط الجزائي بأن ينفذ ما التزم به.

стр. 19121

آثار الشرط الجزائي: ١) لا يكون التعويض المستحق بسبب الشرط الجزائي مستحقًّا إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر. ٢) يجوز للقاضي تخفيض مبالغ هذا التعويض إذا أثبت المدين أن تقرير التعويض كان مبالغًا فيه بالنسبة لقيمة الالتزام الأصلي، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من قيمة الالتزام الأصلي. ويمكن للقاضي أن يخفض قيمة التعويض إذا تبين أن المدين نفذ جزءًا من التزامه، والثاني كما سلف إذا أثبت المدين أن المبلغ الأصلي كان مبالغًا فيه. وتجوز زيادة الشرط الجزائي في الآتي: ١) حالة زيادة الضرر على التعويض المقرر بسبب ارتكاب المدين خطأ أو غشًّا جسيمًا تسبب في ضرر لا يمكن أن يستجيب لتخفيف عبء التعويض المنصوص عليه في الشرط الجزائي المادة ٢١٧ مصري، والفصل ١١٩ من قانون الالتزامات والعقود المغربي. ٢) يجوز للمدين أن يشترط عدم مساءلته عن الغش أو التدليس الذي يقع من أشخاص يستخدمهم على شرط أن لا يكون على أي علم بأي إجراء من هذا القبيل. ٣) يقع باطلًا كل شرط جزائي أتى تحايلا على النظام العام، ولا يعفى صاحبه من المسؤولية. يتبين من هذه الإشارات القانونية الموجزة جدًا أن الشرط الجزائي، في القوانين المدنية أتى موافقًا إن لم يكن مقتبسًا من صلب نظريات الشريعة الإسلامية، خصوصًا هذه الفقرات الأخيرة التي نصت عليها المادة: ٢٧١ من القانون المصري بقولها: يبطل كل شرط جزائي أتى تحايلا على النظام العام، ومعنى هذا أن كل شرط جزائي في قانون أية دولة من الدول الإسلامية وقع فيه تحايل على أحكام الشريعة يعتبر بحكم القانون باطلًا لأن الإسلام هو النظام العام بالنسبة لكل هذه الدول وعبر عن هذا الحكم الفصل ١٠٨ من القانون المدني المغربي بنصه على بطلان كل شرط يعلق على أمر مستحيل أو مخالف للأخلاق (١) .

стр. 19122

وعلى هذا الأساس لا ينقص قوانين الدول الإسلامية والعربية على الخصوص، إلا أن تصرح بأن نصوص الشرط الجزائي تبقى متقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية، ولا ضير مع ذلك في التمسك بطريقة التقنين المتبعة في هذا المجال، ما دامت لم تتمرد على أحكام الشريعة الإسلامية، ومن الرجوع إلى تاريخ كل من التشريعين يتبين للقارئ المنصف أن نفس المبادئ التي أتت بها القوانين الوضعية، هي نفسها التي قالت بها مصادر الشريعة الإسلامية من بداية عهدها، فكون الشرط وصفًا من أوصاف الالتزام وليس داخلًا فيه، وكونه يضم اتفاقًا مستقلًا عن العقد، وتباعًا له، ويهتم أساسًا بتعويض اتفق عليه المتعاقدان، ليدفعه من تحمل بخطأ في عدم تنفيذ التعويض الذي أطلق عليه جزاء الشرط، ولا يتم إلا إذا توفر خطأ نتج عنه ضرر وثبتت علاقة سببية بين الخطأ والضرر، وأيضًا نصت القوانين المدنية على أن الشرط الجزائي ليس هو السبب، مما يجعله لايتولد عنه التزام تبعي يتطلب تحديد تعويض جديد، وإنما دور القاضي ينحصر في الحكم بتطبيق إرادة المتعاقدين، وكون بطلان الالتزام الأصلي يتسبب في بطلان الالتزام بالشرط الجزائي، وأيضًا كونه يشبه شكلًا العربون والتهديد المالي، من كون كل واد منهما مبلغًا معينًا يستحقه الدائن بسبب عدم وفاء المدين بالتزامه، مع تسجيل النقط التي يختلفان فيها، كالتهديد المالي الذي يفرضه القاضي على الطرف الذي تمادى في ارتكاب ضرر ضد الطرف الثاني في الالتزام، كل هذه المبادئ هي نفسها التي أشير إليها في المبحثين السابقين، ولتتميم الفائدة فسننظر في المسألة من وجهة نظر كتب الفروع، والفقهاء المعاصرين في الفقرات القادمة لندرك مدى تأثير النظريات الإسلامية في شأن هذا الوضع القانوني تأثيرًا يجعل تنظيم جمعها وتلخيصه في فصول قانونية لم يتمكن من إخراجه عن أصله الذي عالجته الشريعة من خلاله، ولعل النظريات الفقهية التالية تقربنا من هذا التشابه بصفة أكثر بروزًا.

стр. 19123

مر معنا في الفقرات السابقة التشابه التام في المبحثين السابقين بين تعريف الفقه الإسلامي للشرط بصفة عامة والشرط الجزائي بصفة خاصة، وهذا الأخير أطلق عليه فقهاء القانون، الشرط الواقف، ثم رأينا كيف أتى التطابق شاملًا بين الفقهيين، فيما يرجع لملاءمة الشرط للعقد، وعدم تمرده على الطريقة التي تمكن من مصاحبة الشرط الجزائي للالتزام وتوقف التصرف على تحقيق الشرط، كما رأينا أن التكييف القانوني للشرط لا يعدو سوى ترتيب دراسة كتب الأصول لهذا الموضوع، وإعطائها تنظيمًا يبعد شكلها عن الأصل الإسلامي، دون إضافة جديد على قواعده. فإذا قارنا بين التعاريف نجد أنها تمسكت بتعاريف الفقه، فكتب القانون عرفت الشرط بأنه أمر يعلق عليه الالتزام وجودًا أو زوالًا ويكون مستقبلًا وغير محقق الوقوع، المادة ٢٦٥ مدني مصري، وأيضًا إلى ذلك إشارة المادة ١٠٧ من قانون العقود والالتزامات المغربي بقولها: الشرط تعبير عن الإرادة يعلق على أمر مستقبل وغير محقق الوقوع، إما وجود الالتزام أو زواله. والأمر الذي وقع في الماضي أو الواقع حالًا لا يصلح أن يكون شرطًا وإن كان مجهولًا من الطرفين.

стр. 19124

ثم أتى نص الفصل ١٠٨ فوضع الصيغ التي لا يصلح الشرط إذا علقت به إحداها، فأبطل تعليق الالتزام على شيء مستحيل، فمثلًا إذا قلت لشخص: أهبك دارًا إذا لمست الشمس بيدك، أو أطلعتها من المغرب، فهذا التزام باطل بحكم هذا النص، لأن الشرط علق بأمر مستحيل وغير قابل للوقوع، وأيضًا كل شرط يخالف أخلاق الإسلام ونصوصه في المغرب يعتبر باطلًا، ويبطل الالتزام الذي علق عليه، لأن الأخلاق العامة والآداب في البلاد الإسلامية لابد أن تراعي مقتضيات الشريعة الإسلامية، ثم أبطل التشريع المغربي جميع الشروط التي تحول بين الإنسان وبين ممارسة حريته في تعاطي الأشياء المباحة كاشتراط عدم الزواج، أو اشتراط عدم ممارسة الحقوق المدنية، فأي شرط من هذا القبيل منعته القوانين المدنية العربية وغيرها من القوانين الأوروبية، وإلى ذلك أشار قانون الالتزامات المغربي في المواد ١٠٩ و١١٠ فالشرط في سياق الدراسات القانونية له مقومات لابد أن ينظر إليه من خلالها وهي: ١) لابد أن يكون الشرط أمرًا مستقبلًا ورأينا القانون المغربي استبعد الأمر الحاضر من أن يبني عليه الشرط، إذن يتضح من هذا أن الشرط أمر يعلق عليه الالتزام، ويتحتم أن يترك للزمن القادم فإذا قلت لولدي أمنحك دارًا إن نجحت بتفوق في امتحان الإجازة، فيكون التزامي له علق على شرط واقف حسب التعبير القانوني، وجزائي حسب التعبير الفقهي المعاصر. ٢) يجب أن يكون الشرط غير محقق الوقوع وهذه هي الميزة الفاصلة بين الشرط والأجل، فهذا الأخير لا يترتب إلا على أشياء محققة الوقوع، فإذا قلت لشخص: التزم لك بأداء مبلغ من النقود إذا مات فلان، أو إذا حل شهر رمضان فإن هذا التزامًا يكون مربوطًا بأجل لحتمية وقوع ما علق عليه، أما إذا قلت له: اشتري داري على أن أسكن فيها إلى أن ينزل المطر، فإننا نكون أمام أمر مستقبل غير محقق الوقوع، ولكنه غير مستحيل وليس محدد الوقت. واستعرض السنهوري في كتابه: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، كثيرًا من الصور للشرط الجائز وغير الجائز واستند إلى كتاب البدائع مبينًا رأي الحنفية فيها مثل: شرط ثلاثة أيام لإنجاز الثمن، فعلى قول زفر جائز ويقول في شأنه الكاساني: " ومنها شرط الأجل في المبيع العين، والثمن العين، وهو أن يضرب لتسليمها أجل ثلاثة أيام، لأن القياس يأبى جواز التأجيل أصلًا، لأنه تغيير مقتضى العقد ".

стр. 19125

وهناك شرط التعليق وهو أمر غير محقق الوقوع يتوقف على حصوله وجود الالتزام أو زواله " وأيضًا شرط الإسقاط كشرط البراءة من العيب، ويفارق شرط الاقتران في أنه إسقاط من مقتضى العقد، بينما شرط الاقتران زيادة فيه، ومن ثم يستبعد شرط الإسقاط أيضًا من دائرة البحث ". وعزا الرملي بأن الشرط هو شيء مستقل عن العين المبيعة، وهذا سبق أن رأيناه في تحليلات القرافي والشاطبي، وهو الذي نصت عليه مواد القوانين الوضعية التي تعرضنا لها، تنقسم الشروط إلى صحيحة وفاسدة، فالصحيحة هي التي يعبر عنها أصحاب القوانين بأنها لا تخالف الأخلاق العامة والآداب، ولا تخالف طبيعة تكوين العقد والغاية من إنشائه، وتتابعت كتب مختلف المذاهب على وصفها، ونقتفي أثر السنهوري في المصادر المختلفة التي تكلمت عنها ذلك لأنه تناولها بتجرد وشمولية، وحول الشروط الصحيحة قال صاحب البدائع: " وأما الشرط الذي يقتضيه العقد فلا يوجب فساده " جزء ٥ ص ١٧١ وقال الشوكاني في فتح القدير: " الشرط الذي يقتضيه موجب العقد يجوز لأنه مؤكد لموجب هذا العقد " جزء ٥ ص٢١٥. وللخرشي: " الشرط من الذي يقتضيه العقد " واضح الصحة جزء ٥ ص٨٠، وأكد المغني هذا المبدأ جزء ٤ ص ٢٨٠ كاشتراط التسليم وخيار المجلس. إذن فالشرط الذي يقتضيه العقد جائز، وذلك الذي يلائم تكوين العقد، هذه المبادئ الثلاثة جائزة، وجرى عمل المسلمين بالتعاقد على وقف العقد على أحدها، وقد شاهدنا في المبادئ القانونية الأخذ بها، إما تأثرًا بنظريات الفقه الإسلامي أو تأسيسًا بالقانون الفرنسي الذي تأثر هو في كثير من فصوله بأقوال جل فقهاء الشريعة الإسلامية، وإن كان ذلك التأثر أخفى عن سوء نية، حتى لا يعلق طلبة الجامعات بالفقه الإسلامي، الذي يترجم عطاء حضارة قادرة على الاستحواذ على جميع تطلعات جهات التشريع مهما كانت الظروف الاجتماعية التي أملت عليهم ضرورة البحث عن سن قواعد تشريعية، وإذا ما استعرضنا أقوال مجموعة من أعلام فقهاء المذاهب لتبين لنا أن جميع صنوف الشرط الجزائي التي لا تصطدم بنص إسلامي ولا تبيح محرمًا، ما هي إلا تطبيق من تطبيقات المباح ما لم يرد نص بالنهي عنها.

стр. 19126

فعند الحنفية أسهب السرخسي في كتابه المبسوط في جواز التعامل بناء على شرط إذا كان هذا الشرط مما يقتضيه العقد، فهو جائز وتعرض لجميع الحالات المباحة التي يمكن أن يوقف فيها الالتزام على شرط جزائي، ونص البدائع كما سلف على أن الشرط الذي يقتضيه العقد، لا يتأتى عنه فساد العقد، وتضمن الخرشي على مختصر خليل بن إسحاق المالكي أن كل شرط يقتضيه العقد فلا خلاف في صحته، كشرط تسليم المبيع والقيام بالعيب، وقسم ابن قدامة الشروط إلى أربعة أقسام أحدها من مقتضى العقد كتسليم المبيع والرد بالعيب، وخيار المجلس. هذه النصوص لم نتوسع في سردها هنا لأن المهم أن مبادئ الشرط الجزائي مدرجة في كتب الفقه الإسلامي من قديم، وأن كتب القوانين وتبعًا لها التقنينات الإسلامية نصت عليها، وأن تتبع الأحكام الواردة عليها والشروط التي تتطلبها يبدو فيها كثير من التطابق بين أحكام الشريعة، وبين أحكام القوانين المدنية الوضعية، لذا فإن الشرط الجزائي يجب أن يقدم إلى المجامع اليوم على أصله الإسلامي، إذا كان يلائم طبيعة العقد، ولا يخالف النصوص الشرعية، ولا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ولا يتضمن وقف الالتزام على مستحيل، ويلاحظ أن كثيرًا من تطبيقاته في جل القوانين العربية تنسجم وروح الشريعة، فلا يخصها إلا إعلان أصلها الإسلامي. ومن أحسن ما قيل في الشرط الواقف ما أتى به مصطفى شلبي في كتابه، التعريف بالفقه الإسلامي حيث قال: " العقد المعلق: هو ما كانت صيغته دالة على إنشائه وإمضائه من وقت صدورها، ولكن بأداة من أدوات التعليق، على تعليق هذا الإنشاء، وربط وجوده بوجود أمر مستقبل بحيث إن وجد الأمر المستقبل وجد العقد حين وجوده، وإن لم يتم ذلك فلا يوجد العقد ". وذهب علي حسب الله في كتابه أصول التشريع الإسلامي إلى أن الشرط الجعلي يأتي مكملًا للسبب، ثم إنه يتوقف نفاذ العقد على تحققه وقد عبر عنه رجال القانون بالشرط الواقف، وإليه أشار القانون المغربي في المادة ١٠٧ بقوله: " الشرط تعبير عن الإرادة يعلق على أمر مستقبل وغير محقق الوقوع، إما وجود الالتزام، أو زواله: " وهذا التعريف ينسجم مع تعريف الشيخ مصطفى الزرقاء بقوله: " ربط حصول أمر بحصول أمر " وهو عكس التنزيل الذي يكون فيه العقد مطلقًا ساري الحكم منذ صدوره (١) .

стр. 19127

وركز على ضرورة جهالة حدوث الأمر، وعدم استحالته فلابد أن يكون محتمل الوقوع، ولا ينفذ الالتزام إلا إذا تحقق الشرط، وبعد سرد عدة أمثلة قال: (فالمقيد هنا هو حكم العقد المنشأ، والقيد هو الشرط الذي التزم به العاقد إذا التزم علاوة على العقد الأصلي) . ونختم بملخص من كلام ابن رشد في بداية المجتهد، إذ تعرض للخلافات التي تمت بين مختلف جميع المذاهب بطريقة تكرس التساهل في أحكام الشرط، وبالأخص تلك التي لا تصطدم بالمباح في أحكام الفقه الإسلامي، ويمكن أن نستنتج من كلامه أن الشرط ينظر إليه من خلال الواقعة التي صاحبها، فالأحاديث التي رأى بعض الفقهاء أنها متضاربة، ليست كذلك حسب نظرنا، وإنما ورد كل حديث منها للحكم على سبب معين بذاته، فيطبق حكمه على ما شبهها اعتبار للقاعدة العامة، ولعلنا سنتبين ذلك من كلام المرجع المذكور (١) فيما يلي: أحدها حديث جابر قال: (ابتاع مني رسول الله ﷺ بعيرًا وشرط ظهره إلى المدينة) ، أما الحديث الثاني فهو حديث بريرة قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط)) ، والثالث حديث جابر قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا، ورخص في العرايا)) ثم استعرض قول أبي حنيفة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط، ثم استشهد باختلاف العلماء بسبب ما يتبين لأول نظرة مما يمكن أن يفهم أنه تعارض بين هذه الأحاديث حول البيع والشرط، فأبو حنيفة والشافعي أفسدا البيع وأجازا الشرط، وأجاز ابن شبرمة البيع والشرط معًا، أما ابن أبي ليلى فعنده أن البيع جائز والشرط فاسد، وقال أحمد: البيع جائز مع شرط واحد، وأما مع شرطين فلا.

стр. 19128

فإبطال البيع والشرط من قال به أخذ بعموم النهي عن البيع والشرط في صيغة واحدة، والذين أجازوهما معًا أخذوا بظاهر حديث عمر الذي أجاز فيه البيع والشرط، ومن أجاز البيع وأبطل الشرط، أخذ بعموم حديث بريرة، واعتماد الشرط الواحد ثم اعتمد أصحاب هذا القول على الحديث الذي رواه أبو داود عن عمرو بن العاص القائل: (لا يحل سلف وبيع، ولا يجوز شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك) . أما المالكية، فلهم أحكام عدة في هذا المضمار ومن ذلك: شروط تبطل هي والبيع إذا اشتملت على نسبة عالية من صور الفساد مثل الربا والغرر، وشروط تجوز هي والبيع، وشروط تبطل ويثبت البيع، ومحاولة المالكية التعامل مع الشرط بحسب تأثير ما تضمنته مقتضيات العقد، فإذا كان دخول هذه الأشياء فيه كثير من قبل الشرط أبطله، وأبطل الشرط، وما كان قليلًا أجازه، ,أجاز الشرط فيه، وما كان متوسطًا أبطل الشرط وأجاز البيع. ومن خلال هذا التطابق الذي تظهره هذه الاستنباطات التي قال بها المالكية هنا، نتمكن من استنتاج نخرج به من هذا البحث، وهو أن الشرط الجزائي دونت كتب الشريعة الإسلامية أحكامه، ودرستها تحت مسميات متعددة، تارة تحت اسم الشرط الواقف، وأخرى تحت الخيار بشرط، وآونة تحت الأحكام العامة لمختلف الشروط، وكل الحالات التي تم تناول أحكام هذا المبدأ تحتها، فإنها تثبت اتساع دائرة أحكامه، وتعدد المجالات التي يمكن أن يطبق فيها، كما تمكننا هذه الدولة في المراجع الإسلامية من حكم لا يقبل البينة المعاكسة بأن القوانين الوضعية ظلت حبيسة نتائج العطاء الإسلامي في هذا المجال، فلم تستطع في جميع صور الشرط الجزائي المتفقة مع ما تفرضه الأخلاق والنظام العام حسب تعبير مصطلحات ذلك الفقه القانوني، لم تستطع أن تخرج عن تراث الفقه الإسلامي، كما يلاحظ أن هذا الموضوع متسع المضامين قابل للاستحواذ على استقطاب جميع المستجدات العلمية للعصر، من خلال أحكام إسلامية في هذا المضمار واختم بأن أحكام القوانين المدنية العربية في شأن الشرط الجزائي تتفق تمامًا مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، إذ لا ينقصها إلا الإعلان عن تمسكها بأصلها الإسلامي. ونشير إلى أن جل الأحكام التي اعتمدها قرار مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية الشقيقة بتاريخ ٢٢ / ٨ / ١٣٩٤، قد تضمن كثيرًا من الأقوال والآراء والفتاوي الشاملة لكثير من أحكام الشرط الجزائي، ثم إن القرار الصادر عن تلك الهيئة في هذا المجال اعتمد الحكم لصالح شرع الله دون تحيز ولا تأثر برأي غير البحث عن وجه الحقيقة الشرعية وعليه فالشرط الجزائي إجراء شرعي يرتبط أحيانًا بالمعاملات وليس فيه حرج ولا شبهة، ما دام لم يخرج عن مقتضى قواعد المباح الواسع في الشريعة الإسلامية الغراء، فهو شرط صحيح كلما احترم استبعاد المعاملات المنهي عنها، وبذلك فكل المستجدات التي يمكن أن تعرفها الساحة الإسلامية يمكن أن يستخدم فيها هذا الإجراء. والله ولي التوفيق

стр. 19129

الشرط الجزائي إعداد الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون جامعة الخرطوم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد: فهذا بحث عن الشرط الجزائي أكتبه استجابة لطلب من الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، مستأنسا بما جاء في التصور الوارد في ورقة الأمانة. والله أسأل أن يوفقني إلى الصواب ويجنبني مواطن الزلل. التعريف بالشرط الجزائي: عبارة الشرط الجزائي غير معروفة في كتب الفقه القديمة، ولكنها معروفة في القوانين الغربية: القانون الفرنسي la clause penale (١) ، وفي القانون الإنجليزي penalty and liquidated damages (٢) وغيرهما من القوانين الغربية (٣) . وقد أخذت قوانين البلاد العربية هذا التعبير عن القوانين الغربية، وأدخلت عليه بعض التعديلات، وأول قانون عربي أخذ به هو القانون المصري، أخذه عن القانون الفرنسي وعبر عنه الدكتور السنهوري بالعبارة التالية: التعويض الاتفاقي أو الشرط الجزائي (٤) : وتبعت أكثر قوانين البلاد العربية القانون المصري. وسأذكر نص القانون المصري لنتبين منه حقيقة هذا الموضوع في القوانين العربية غير الملتزمة بالفقه الإسلامي، ثم أذكر نصوص القانون المدني الأردني لنتبين منها حقيقة الشرط الجزائي في القوانين الملتزمة بأحكام الفقه الإسلامي (٥) ، ثم أبين الحكم الفقهي حسبما يظهر لي من تكييف هذا الموضوع بعون الله.

стр. 19130

الشرط الجزائي في القانون المصري: المادة: ٢٢٣ يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدمًا قيمة التعويض بالنص عليها في العقد، أو في اتفاق لاحق، ويراعى في هذه الحالة أحكام المواد ٢١٥ – ٢٢٠. المادة: ٢٢٤ – (١) لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقًا إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه ضرر. (٢) ويجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض، إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغًا فيه إلى درجة كبيرة، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه. (٣) ويقع باطلًا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين. المادة ٢٢٥ – إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقي فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشا أو خطأ جسيمًا. يفهم من هذه المواد أن الشرط الجزائي هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض، الذي يستحقه الدائن على المدين، إذا لم ينفذ المدين التزامه، أو إذا تأخر في تنفيذ التزامه، وهذا الاتفاق قد يكون عند العقد، وقد يكون بعده، وقبل حدوث الضرر. وسمى هذا الاتفاق بالشرط الجزائي، لأنه يوضع عادة كشرط ضمن شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه، وتكيفه القانوني كما يقول الدكتور السنهوري هو التزام تابع لا التزام أصلي (١) ، وجاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري: ليس الشرط الجزائي في جوهره إلا مجرد تقدير اتفاقي للتعويض الواجب أداؤه (٢) .

стр. 19131

أمثلة للشرط الجزائي: ذكر الدكتور السنهوري أمثلة للشرط الجزائي هي: ١- المقاولة: شروط المقاولة قد تتضمن شرطًا جزائيًّا يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو أسبوع يتأخر فيه المقاول عن تسليم العمل. ٢- لائحة المصنع قد تتضمن شروطًا جزائية تقضي بخصم مبالغ معينة من أجرة العامل جزاء له على الإخلال بالتزاماته المختلفة. ٣- تعريفة مصلحة السكة الحديدية، أو مصلحة البريد قد تتضمن تحديد مبلغ معين هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد معها في حالة فقد طرد أو فقد رسالة. ٤- اشتراط حلول جميع أقساط الدين إذا تأخر المدين في دفع قسط منها هو أيضًا شرط جزائي، ولكن من نوع مختلف، إذ هو هنا ليس مقدارًا معينًا من النقود قدر به التعويض بل هو تعجيل أقساط مؤجلة (١) . شروط استحقاق الشرط الجزائي (٢) : شروط استحقاق الشرط الجزائي في القانون المصري هي شروط استحقاق التعويض، وقد أشارت إليها المادة ٢٢٣ بالإحالة على المواد ٢١٥ – ٢٢٠، وشروط استحقاق التعويض هي: ١- وجود خطأ (٣) من المدين: لا يستحق الشرط الجزائي إلا إذا كان هناك خطأ من المدين، لأن التعويض لا يستحق على المدين إذا لم يكن هناك خطأ من جانبه، وإذا لم يستحق التعويض فلا محل لأعمال الشرط الجزائي، لأنه تعويض لتقدير قد استحق. ٢- وجود ضرر يصيب الدائن: لا يستحق الشرط الجزائي إذا لم يصب الدائن ضرر، لأن الضرر من أركان استحقاق التعويض، وإذا لم يوجد ضرر لا يستحق التعويض فلا محل لأعمال الشرط الجزائي.

стр. 19132

يفهم هذا الشرط من المادة ٢٢٤ (١) ، ويفهم منها أيضًا أن الشرط الجزائي يفترض وقوع الضرر على الدائن، ولهذا جعل عبء إثبات عدم الضرر على المدين. والضرر الذي يعوض عنه هو الضرر المالي، والضرر الأدبي،وما لحق الدائن من خسارة، وما فاته من كسب، وقد نصت على هذه المادة ٢٢١ و٢٢٢ من القانون المصري. ٣- وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر: لا يستحق الشرط الجزائي إلا إذا قامت علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فإذا انتفت هذه العلاقة لوجود سبب أجنبي لحدوث الضرر فلا يستحق التعويض، ولا يعمل الشرط الجزائي، ولكن يجوز الاتفاق على مخالفة هذا الحكم، وتحميل المدين تبعة الحادث الأجنبي. ٤- إعذار المدين: الإعذار شرط لاستحقاق الشرط الجزائي في الأحوال التي يجب فيها، فإذا لم يقم الدائن بإعذار المدين لا يستحق التعويض فلا يكون للشرط الجزائي محل.

стр. 19133

تخفيض مبلغ التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي (١) : يتبين من المادة ٢٢١ – (٢) أنه يجوز للقاضي أن يخفض المبلغ المتفق عليه في الشرط الجزائي في حالتين: الأولى: إذا أثبت المدين أن تقدير التعويض كان مبالغًا فيه إلى درجة كبيرة. وقد بررت محكمة الاستئناف هذا الحكم بأن الشرط الجزائي إذا كان مبالغًا فيه يكون الطرفان على علم بهذه المبالغة بل يكونان قد قصدا إليها وجعلا الشرط الجزائي شرطًا تهديديًّا لحمل المدين على عدم الإخلال بالتزامه، ومؤدى ذلك أن الشرط الجزائي المبالغ فيه ينطوي في الواقع من الأمر على عقوبة فرضها الدائن على المدين فيكون باطلًا، ويعمد القاضي عند ذلك إلى تقدير التعويض وفقًا للقواعد العامة. الثانية: إذا نفذ المدين الالتزام الأصلي في جزء منه: يخفض القاضي الشرط الجزائي بنسبة ما نفذ المدين من التزامه، إذا كان الشرط الجزائي قد وضع لحالة عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه أصلًا. وتنص الفقرة الثانية من المادة ٢٢٤ على أن شرط وقوع الضرر لاستحقاق الشرط الجزائي، وجواز تخفيض مبلغ الشرط الجزائي إذا كان مبالغًا فيه، أو نفذ المدين جزءًا من الالتزام الأصلي، تعتبر من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها. زيادة مبلغ التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي: تبين المادة ٢٢٥ أن التعويض المقدر في الشرط الجزائي إذا كان أقل من الضرر فإنه يكون هو المستحق، وليس للدائن المطالبة بأكثر منه إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشًا أو خطأً جسيمًا، فإنه يجوز للقاضي أن يزيد مقدار التعويض.

стр. 19134

الشرط الجزائي في القانون المدني الأردني: تنص المادة ٣٦٤ على الآتي: ١- يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدمًا قيمة الضمان بالنص عليها في العقد، أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون. ٢- ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال، بناء على طلب أحد الطرفين، أن تعدل في الاتفاق بما يجعل التقدير مساويًّا للضرر، ويقع باطلًا كل اتفاق يخالف ذلك. الفقرة الأولى من المادة الأردنية متفقة مع المادة ٢٢٣ من القانون المصري، غير أن الأردني استعمل كلمة الضمان بدلًا من التعويض. أما الفقرة الثانية من المادة الأردنية فتختلف عما ورد في القانون المصري في أنها تجوز للمحكمة في جميع الحالات بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في الاتفاق بما يجعل التقدير مساويًّا للضرر، وتعتبر كل اتفاق مخالف لهذا باطلًا، وقد رأينا القانون المصري لا يجوز التعديل بالزيادة إلا إذا أثبت المدين أن الدائن ارتكب غشًا أو خطأ جسيما ولا يجوز التعديل بالنقصان إلا في حالتين: إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغًا فيه إلى درجة كبيرة أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه (١) . حكم الشرط الجزائي في الفقه الإسلامي (٢) : لا نتوقع وجود نص في القرآن أو السنة أو قول لصحابي أو فقيه من المتقدمين في حكم الشرط الجزائي الذي بينا حقيقته في القانون على الوجه السابق، ولكن هل يوجد شبيه للشرط الجزائي فيه نص، يمكن أن يقاس عليه الشرط الجزائي؟ هذا ما سأحاول البحث عنه.

стр. 19135

الشرط الجزائي شبيه بالعربون: أول ما يتبادر إلى الذهن أن الشرط الجزائي يشبه العربون، ويمكن قياسه عليه، فما هو العربون؟ العربون يكون في البيع عادة، وقد يكون في غيره وهو في البيع: أن يشتري الرجل السلعة، ويدفع للبائع مبلغًا من المال على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع. وهذا تفسير للعربون اتفق عليه جميع الفقهاء (١) . وتكييف عقد البيع مع دفع العربون كما يتبين من التعريف هو أنه عقد يثبت فيه الخيار للمشتري في إمضاء العقد أو تركه، فإذا أمضى المشتري العقد كان العربون جزءًا من الثمن، وإذا رد العقد فقد العربون، فهو خيار شرط يقابله شيء من المال في حال الرد. وهذا الخيار للمشتري فقط، أما البائع فإن العقد لازم بالنسبة أنه لا يستطيع رده، كما يتبين أيضًا أنه خيار غير محدد بمدة.

стр. 19136

ووجه الشبه بين الشرط الجزائي والعربون هو أن كلا منهما تقدير للتعويض، فالشرط الجزائي تقدير للتعويض في حالة الإخلال بالعقد، والعربون تقدير للتعويض في حالة العدول عن العقد، ولكن هناك فروق بينهما هي: ١- العربون هو المقابل لحق عدول المشتري عن العقد، أما الشرط الجزائي فهو تقدير للتعويض عن الضرر الذي يلحق الدائن بسبب عدم تنفيذ المدين للعقد. ٢- الالتزام بدفع العربون عند عدول المشتري قائم ولو لم يترتب على العدول ضرر، لأنه مقابل العدول، أما الشرط الجزائي فلا يستحق إلا إذا وقع ضرر على الدائن، لأنه تقدير للتعويض عن الضرر. ٣- العربون لا يجوز تعديله من القاضي، والشرط الجزائي يجوز تخفيضه وزيادته كما رأينا (١) . ٤- في بيع العربون المشتري مخير بين تنفيذ العقد وترك العربون، أما في العقد الذي فيه شرط جزائي فلا خيار للمدين، وعليه أن ينفذ التزامه الأصلي ما دام ممكنا (٢) . هذا وقد ورد في البحث المعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ما يلي: (ويمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبه بيع العربون في أن كلا منهما شرط يوجب على من أخل بالشرط عقوبة مالية يجري تعيينها قبل حصول ذلك) (٣) . هذا القول إذا صح بالنسبة للعربون فإنه لا يصح بالنسبة للشرط الجزائي، لأن الشرط الجزائي الذي نتحدث عنه ليس عقوبة، وإنما هو تقدير اتفاقي للتعويض (٤) فإذا اعتبرنا العربون عقوبة ينتفي وجه الشبه الذي ذكرناه في أول الكلام، ثم إن بيع العربون ليس فيه إخلال بالشرط، وإنما هو إعمال للخيار. ويرى الأستاذ مصطفى الزرقاء ﵀ – أن طريقة العربون هي أساس لطريقة التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطيل والانتظار (٥) .

стр. 19137

٢- أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم: روى البخاري في صحيحه في باب ما يجوز من الشروط. . . وقال ابن عون عن ابن سيرين: قال رجل لكريه: ادخل (١) ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه (٢) . أوردت اللجنة التي أعدت البحث لهيئة كبار العلماء هذا النص وقالت: فهذه المسألة صريحة في أنها من أنواع الشروط الجزائية (٣) . وقال الأستاذ مصطفى بالزرقاء – ﵀ – تعليقًا على قول شريح: وهذا النوع من الاشتراط المروي عن القاضي شريح في ضمان التعويض عن التعطل والانتظار ما يسمى في الفقه الأجنبي الحديث: الشرط الجزائي (٤) . وقال في موضع آخر: والشرط الجزائي هذا يتخرج على مذهب القاضي شريح، فقد روي عنه نظيره كما سلف (٥) . ولا أرى وجه شبه بين هذه المسألة والشرط الجزائي يبرر قياسه عليها، وهي أوجه الاختلاف بينها وبين الشرط الجزائي هي أوجه الاختلاف بين العربون والشرط الجزائي، ثم إن حكم شريح في هذه المسألة خالفه فيه جمهور الفقهاء كما يقول ابن حجر (٦) ، وبيع العربون منعه جمهور الفقهاء أيضًا، على أنه لا مانع من الاستئناس فقط بهاتين المسألتين، كما جاء في فتوى مجلس هيئة كبار العلماء.

стр. 19138

الشرط الجزائي شبيه بالرهن والكفيل: الشرط الذي هو من مصلحة العقد شرط صحيح يلزم الوفاء به، ومن أمثلته اشتراط الرهن والكفيل في عقد البيع. وترى اللجنة التي أعدت البحث لهيئة كبار العلماء أن الشرط الجزائي من مصلحة العقد، لأنه حافز لمن شرط عليه أن ينجز لصاحب الشرط حقه، ومساعد له على الوفاء بشرطه، فكان شبيهًا باشتراط الرهن والكفيل في الوفاء لصاحب الشرط بشرطه، وإذن يصح الشرط ويلزم الوفاء به، فإن لم يف، وتعذر استدراك ما فات، تعين لمن اشترط شرطًا جزائيًّا الأرش، وقد اتفق عليه عند العقد بتراضيهما، وإن لم يتعذر الاستدراك فلصاحب الشرط الخيار بين فسخ العقد والأرش مع بقائه. (١) . وجاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء: (أنه ظهر لها أن الشرط الجزائي من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد، إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته) (٢) . كون الشرط الجزائي من مصلحة العقد بالمعنى الوارد في البحث والقرار لا نزاع فيه، ولكن تشبيه بالرهن والكفيل غير واضح، لأن الرهن ليس فيه تعويض عن ضرر، وما جاء في البحث من أنه إن لم يتعذر الاستدراك فلصاحب الشرط الخيار بين فسخ العقد، والأرش مع بقائه، غير وارد في الشرط الجزائي لأن صاحب الشرط الجزائي – الدائن – ليس له إلا الأرش – التعويض – ولا خيار له.

стр. 19139

الشرط الجزائي معاملة مستحدثة: الذي أراه أن الشرط الجزائي الذي بينا حقيقته، والذي يجري عليه العمل في البلاد الإسلامية، هو معاملة مستحدثة، تحكمها قاعدة يكاد الفقهاء المعاصرون يجمعون على الأخذ بها هي: الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منه أو يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا أو قياسًا. هذه العبارة لابن تيمية (١) ولكن القاعدة معروفة قبل ابن تيمية ذكرها ابن حزم، وذكر القاعدة المخالفة لها فقال: أما العقود والعهود والشروط والوعد فإن أصل الاختلاف فيها على قولين لا يخرج الحق عن أحدهما، وما عداهم فتخليط ومناقضات لا يستقر لقائلها قول على حقيقة (٢) ، فأحد القولين المذكورين: أنها كلها حق لازم إلا ما أبطله منها نص، والثاني: أنها كلها باطل غير لازم إلا ما أوجبه منها نص، أو ما أباحه منها نص (٣) . ثم ذكر ابن حزم حجة أصحاب القول الأول، ورده عليها، ولكنه لم ينسب هذا القول إلى أحد (٤) ، وقد وجدت عبارة لأبي بكر الجصاص تدل على أنه يؤيد القول الأول، هي قوله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . واقتضى قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الوفاء بعقود البياعات والإجراءات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم العقد، فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده صح الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات والإجازات والبيوع وغيرها، وقوله ﷺ : ((والمسلمون عند شروطهم)) في معنى قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع ما يشترطه الإنسان على نفسه ما لم تقم دلالة تخصصه (٥) .

стр. 19140

وقد عرف الجصاص العقد بأنه: (ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه. . . ثم قال: فكل شرط شرطه الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد) (١) . وابن تيمية يوافق ابن حزم في تقسيم الشروط إلى قسمين حيث يقول: القاعدة الثالثة في العقود والشروط، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد: ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًا، والذي يمكن ضبطه فيها قولان: أحدهما: أن يقال الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك الحظر إلا ما ورد الشرع بإجازته، فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة ينبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي، وطائفة من أصول أصحاب مالك وأحمد. . . وقول الثاني إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منه ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصًا أو قياساً. . . وأصول أحمد المنصوصة عنه أكثرها تجري على هذا القول، ومالك قريب منه، ولكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه (٢) . هل يوجد دليل على تحريم الشرط الجزائي؟ : إن اعتبار الشرط الجزائي شرطًا مستحدثًا، وتطبيق قاعدة (الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصًا أو قياسًا) يوجب علينا أن نبحث فيما إذا كان هناك دليل على تحريم الشرط الجزائي نصًا أو قياسًا، فهل يوجد هذا الدليل؟ ١) قوله ﷺ في قصة بريرة: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط. وفي بعض الروايات زيادة: شرط الله أحق وأوثق (٣) . قال ابن حزم بعدما ذكر هذا الحديث: (فهذا الأثر كالشمس صحة وبيانًا يرفع الإشكال كله) (٤) . وليس الأمر كما قال ابن حزم، لأن "ليس في كتاب الله " المراد به ما خالف كتاب الله، وليس المراد أن كل من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب يبطل (٥) .

стр. 19141

٢) حديث النهي عن بيع وشرط: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط. هذا الحديث رواه عبد الحق في أحكامه، وقال ابن عرفة: لا أعرف هذا الحديث إلا من طريق عبد الحق (١) وقال ابن رشد: روي عن أبي حنيفة أنه روى أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط (٢) ، وقال ابن قدامة المقدسي: حديث النهي عن بيع وشرط ليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويًّا في مسند، فلا يعول عليه (٣) وقال ابن تيمية: الحديث ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وإن الأحاديث الصحيحة تعارضه (٤) . هذا وقد اختلف الفقهاء اختلافًا كبيرًا في العمل بهذا الحديث، فأخذ به الحنفية والشافعية في الجملة، ولم يأخذ به الحنابلة، وأخذ به المالكية في موضعين: أحدهما: الشرط الذي يناقض مقتضى العقد. والثاني: الشرط الذي يعود بخلل في الثمن (٥) .

стр. 19142

٣) الضرر الذي يعوض عنه في الشرط الجزائي: قلنا إن الشرط الجزائي هو تقدير اتفاقي للتعويض عن الضرر الذي لحق بالدائن، فما حكم التعويض عن الضرر؟ وما الضرر الذي يعوض عنه؟ لا خلاف بين الفقه والقانون في جواز التعويض عن الضرر، سواء كان في المسؤولية التقصيرية – الفعل الضار – أو في المسؤولية العقدية – العقد (١) -، وإنما الخلاف في نوع الضرر الذي يعوض عنه: ففي القانون يعوض عن الضرر المالي، والضرر الأدبي، وما لحق الدائن من خسارة، وما فاته من كسب (٢) . ويوافق الفقه القانون في التعويض عن الضرر المالي، فلا خلاف بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين في جوازه. أما التعويض عن الضرر الأدبي، فإن الفقهاء المتقدمين لم يتعرضوا له بالاسم، واختلف فيه الفقهاء المعاصرون اختلافًا كبيرًا. فالأستاذ على الخفيف – ﵀ – يقول: إن عدم قيام الملتزم بالتزامه يسلتزم شرعًا إلزامه وإجباره عليه، فإن امتنع كان امتناعه معصية يستحق عليها التعزير إلى أن يمتثل، أما إلزامه بمال على وجه التعويض عما أحدثه بامتناع من ضرر، لا يتمثل في فقد المال، فلا تبيحه القواعد الفقهية، والأصول الشرعية التي تقضي بأن أخذ المال لا يكون إلا تبرعًا، أو في مقابلة مال أخذ أو أتلف، وإلا كان أكلًا له بالباطل، وعلى ذلك يكون أخذه تعويضًا عن ضرر لم يترتب عليه تلف لمال غير جائز شرعًا، لأن أساس التعويض في نظر الفقهاء هو مقابلة المال بالمال، فإن قوبل المال بغير مال كان أكلًا للمال بالباطل (٣) . ويقول أيضًا: إن وجوب التضمين بالمال إنما يكون في ضرر مالي أصاب المضرور، وذلك بتلف بعض ماله، أو نقص قيمته بفعل ضار، أما الضرر الذي لا يتمثل في فقد مال كان قائمًا، فلا يرى الفقهاء فيه تعويضًا (٤) .

стр. 19143

فالأستاذ على الخفيف يمنع التعويض عن الضرر الأدبي، ويمنع التعويض أيضًا عما فات المضرور من كسب، ويجيز فقط التعويض عن الضرر المالي القائم فعلًا، فلو أخذنا برأيه هذا فإننا نقفل باب الشرط الجزائي، لأن التعويض فيه يكون غالبًا عما فات المضرور من كسب. ويوافق الأستاذ مصطفى الزرقا – ﵀ – الأستاذ علي الخفيف في منع التعويض عن الضرر الأدبي، ولكنه يجيز التعويض عما فات المضرور من كسب، ويشترط في الكسب الذي يعوض عن فواته أن يكون أكيدًا لا شك فيه، أما المأمول الاحتمالي فلا (١) . ويقول عن التعويض عن الضرر الأدبي: (الحكم بالتعويض المالي عن الضرر الأدبي حكم مستحدث، ليس له نظائر في الفقه الإسلامي. . . والأسلوب الذي اتبعته الشريعة في معالجة الإضرار الأدبي إنما هو التعزير الزاجر، وليس التعويض المالي، إذ لا تعد الشريعة شرف الإنسان وسمعته مالًا متقومًا يعوض بمال آخر إذا اعتدى عليه. . . وخلاصة القول إننا لا نرى مبررًا استصلاحيًا لمعالجة الإضرار الأدبي بالتعويض المالي، ما دامت الشريعة قد فتحت مجالًا واسعًا لقمعه بالزواجر التعزيرية) (٢) . وينص القانون المدني الأردني على جواز التعويض عن الضرر الأدبي، والتعويض عما فات من كسب (٣) موافقًا في هذا القانون المصري، ويوافق قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ م (السوداني) (٤) ومشروع قانون المعاملات المالية العربي الموحد (٥) القانون المدني الأردني، وهذه القوانين الثلاثة مستمدة من الفقه الإسلامي، وقد حاول واضعوا المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني أن يؤصلوا التعويض عن الضرر الأدبي من الفقه الإسلامي فلم يوفقوا في نظري (٦) . هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه القوانين أوردت المواد الخاصة بالتعويض عن الضرر الأدبي، والعوض عما فات من كسب، في الكلام عن المسؤولية التقصيرية – الفعل الضار -، ولم نوردها في الكلام عن المسؤولية، العقدية – العقد – ولكن التعويض عن الضرر الأدبي يجوز في كل من المسؤوليتين: التقصيرية والعقدية، ولكن حصوله نادر في المسؤولية العقدية، كما يقول السنهوري (٧) .

стр. 19144

العقود التي يجوز فيها اشتراط الشرط الجزائي، والعقود التي لا يجوز فيها اشتراطه: أولًا: عقود أجاز مجمع الفقه الإسلامي اشتراط الشرط الجزائي فيها: ١- عقد الاستصناع: أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ، ٩ – ١٤ مايو ١٩٩٢ م القرار رقم ٦٧ / ٣ / ٧ بشأن عقد الاستصناع، وقد جاء فيه: ٤- يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة (١) . عقد الاستصناع هذا يقابل عقد المقاولة في القوانين الوضعية عندما تكون المادة والعمل من المقاول، ويطابقه تمامًا على الرأي القائل إن عقد الاستصناع عقد ملزم للطرفين، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي (٢) . هذا القرار يجيز اشتراط الشرط الجزائي في عقد الاستصناع، ويلزم المتعاقدين بتنفيذ ما اتفقا عليه، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة تمنع تنفيذ العقد. ويلحظ أن القرار يضع شرطًا واحدًا لاستحقاق الشرط الجزائي المتفق عليه في العقد، هو ألا تكون هناك ظروف قاهرة (٣) تمنع تنفيذ العقد الأصلي، وهذا الشرط يقابل شرط وجود الخطأ من المدين الذي يشترطه القانون لاستحقاق الشرط الجزائي، ولكن القرار لم يشر إلى باقي الشروط التي يشترطها القانون والتي أوردناها في بياننا لحقيقة الشرط الجزائي (٤) فهل يفهم من هذا أن القرار لا يشترط حدوث ضرر لاستحقاق الشرط الجزائي، ويحكم بالتعويض المتفق عليه في العقد، ولو لم يصب الدائن ضرر؟ ينبغي ألا يفهم هذا من القرار، لأن القرار لم يصدر بناء على دراسة للشرط الجزائي، ,إنما جاء ذكر الشرط الجزائي عرضًا في بعض البحوث عن عقد الاستصناع، والقرار لم يقصد منه بيان أحكام الشرط الجزائي، وإنما قصد منه جواز اشتراطه في عقد الاستصناع بصفة عامة.

стр. 19145

ويلحظ أيضًا أن القرار لم يفرق بين ما إذا كان الشرط الجزائي على الصانع إذا أخل بالتزامه، أو على المستصنع إذا أخل بالتزامه في دفع الثمن في موعده، والواجب التفرقة بينهما، لأن الشرط الجزائي يجوز اشتراطه على الصانع، ولا يجوز اشتراطه على المستصنع، لأن اشتراطه على المستصنع إذا تأخر في الدفع ربا محرم (١) . هذا وقد جاء في بعض البحوث المقدمة لمجمع الفقه الإسلامي عن الشرط الجزائي في عقد الاستصناع ما يلي: وكذلك لو اشترط أحد العاقدين فرض غرامة مالية على الآخر في عقد الاستصناع إن تأخر الصانع في إكمال السلعة المطلوب صناعتها في ورقته، أو تأخر المستصنع في دفع المال إليه، وترتب على التأخير ضرر، فإن للمتضرر الحق في التعويض بقدر ضرره (٢) . هذا خطأ، لأن الشرط الجزائي يجوز اشتراطه في حالة تأخر الصانع، ولا يجوز اشتراطه في حالة تأخر المستصنع في السداد، لأن هذا ربا محرم كما قلنا.

стр. 19146

٢- عقد البيع بالتقسيط: اصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ، ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م القرار رقم ٥٣ / ٢ / ٦ بشأن البيع بالتقسيط جاء فيه: ٥- يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، مادام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد (١) . وجاء أيضًا في القرار رقم ٦٦ / ٢ / ٧ بشأن البيع بالتقسيط الصادر في دورة المؤتمر السابع بجدة من ٧ – ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ ـ - ٩ – ١٤ مايو ١٩٩٢ م ما يلي: ٥- يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه، ما لم يكن معسرًا. ٦- إذا اعتبر الدين حالًا لموت المدين، أو إفلاسه، أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي (٢) . هذا المثال من أمثلة الشرط الجزائي المنصوص عليه في القانون (٣) ، فالشرط الجزائي الأصل فيه أن يكون مبلغًا من النقود، ولكن يصح أن يكون شيئًا أو عملًا أو امتناعاً. . . (٤) . يلحظ أن المجمع أصدر في الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط قرارين في الدورتين اللتين بحث فيهما عقد البيع بالتقسيط، والقراران يتفقان في جواز الشرط الجزائي في عقد البيع بالتقسيط، ولكنها يختلفان في الآتي: ١- القرار الأول نص على أن الاشتراط يكون في حالة البيع بالأجل، أما القرار الثاني فعبر (باتفاق المتداينين) ، وهذا التعبير يشمل دين البيع كما يشمل دين القرض، وهذا يعني أن المجمع أجاز هذا الشرط الجزائي في القرض، إذا كان أداؤه مقسطًا. ٢- القرار الأول عبر (بتأخر المدين) والقرار الثاني عبر (بامتناع المدين) . ٣- استثنى القرار الثاني من تطبيق الشرط الجزائي حالة إعسار المدين، ولم يتعرض لها القرار الأول. هذا الشرط الجزائي من الشروط المعروفة عندنا في السودان التي تشترطها البنوك في حالة البيع بالتقسيط، وفي بيع المرابحة للآمر بالشراء، لأن الثمن فيه يكون دائمًا، إما مؤجلًا أو مقسطًا. ٤- زاد القرار الثاني فقرة بين فيها ما يدفعه المدين المماطل الذي حكم عليه بحلول الأقساط الباقية بناء على الشرط الجزائي، هل يدفعها كاملة، أم يحط عنه منها للتعجيل؟ بين القرار أنه يجوز في حالة الحط من المبلغ للتعجيل بالتراضي، وهذا الحكم غير كاف في نظري، وكان الأولى أن يكون القرار باتًا في الحكم بالحط للتعجيل، أو عدمه، لا أن يترك الأمر لتراضي الطرفين (٥) .

стр. 19147

ثانيًّا - عقود منع مجمع الفقه الإسلامي اشتراط الشرط الجزائي فيها: ١-: عقد البيع بالتقسيط أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ ـ ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ القرار رقم ٥٣ / ٢ / ٦ بشأن البيع بالتقسيط جاء فيه: ٣- إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم. ٤- يحرم على المدين الملئ أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء (١) . هذا القرار يمنع الشرط الجزائي في حالة تأخر المدين عن الأداء سواء أكان الدين دين قرض أم دين بيع، لأن هذا ربا محرم. ويفهم من هذا القرار والقرار السابق أن العقد الواحد يجوز أن يشترط فيه الشرط الجزائي من جهة، ولا يجوز اشتراطه فيه من جهة أخرى، وهذا الحكم ينطبق أيضًا على عقد الاستصناع. ٢ - عقد السلم: أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ – ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، ١ – ٦ نيسان (إبريل) ١٩٩٥ م القرار رقم ٨٥ / ٢ / ٩ بشأن السلم وتطبيقاته المعاصرة جاء فيه: ز- لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عن التأخير (٢) .

стр. 19148

قرار مجلس هيئة كبار العلماء: أصدر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية القرار رقم ٢٥ بتاريخ ٢١ / ٨ / ١٣٩٤ الذي ينص على الآتي: (إن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة، أو لحق من ضرر، ويرجع في تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظرة) (١) . يتضمن هذا القرار عددًا من الأحكام هي: ١) الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح يلزم الوفاء به. هذا حكم عام يجوز اشتراط الشرط الجزائي المعمول به في البلاد العربية والبلاد الإسلامية الذي بينا حقيقته في أول بحثنا. ٢) استثنى القرار من لزوم الوفاء بالشرط الجزائي الحالة التي يوجد فيها عذر معتبر شرعًا للإخلال بالالتزام في العقد الأصلي. هذا الاستثناء متفق في الجملة مع الاستثناء الذي ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٦٧ / ٣ / ٧ بشأن الشرط الجزائي في عقد الاستصناع (٢) ، ومتفق أيضًا مع ما يشترطه القانون المصري لاستحقاق الشرط الجزائي (٣) . ٣) استثنى القرار أيضًا الحالة التي يكون فيها الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي. . . فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر. هذا الحكم معمول به في القانون، وقد سبق بيانه (٤) . ٤) جواز التعويض عما فات من منفعة. هذا الحكم يتفق في الجملة مع ما يقرره القانون المصري من أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب (٥) . ٥) جواز التعويض عما لحق من ضرر. هذا متفق مع القانون من حيث المبدأ، ولكن القانون نص على أنه يعوض عن الضرر المالي والضرر الأدبي، ولم يتعرض القرار لهذه المسألة، فيرجع فيها إلى الفقه الإسلامي، وقد بينا عدم جواز التعويض عن الضرر الأدبي (٦) . بقيت مسألة هامة يجب التنبيه إليها هي أن القرار نص في أوله على (أن الشرط الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به. . .) (والعقود) لفظ عام يشمل كل عقد، فلو أخذنا بظاهره لجوزنا الشرط الجزائي في كل عقد، وهذا غير مراد قطعًا من النص، لأن من العقود ما لا يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيه باتفاق الفقهاء، فعقد القرض لا يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيه عن التأخير في السداد، لأن هذا ربا صريح، وكذلك اشتراطه في التأخير عن سداد جميع الديون أيا كان سببها، ولو كان التأخير مماطلة من المدين (٧) ، واستدلال بعض العلماء بقرار مجلس هيئة كبار العلماء على جواز وضع شرط جزائي يلزم المدين المماطل بدفع مبلغ من المال في حال المماطلة استدلال في غير محله، لأنه ليس في القرار نص في هذه المسألة، وفهمها من العموم الذي في كلمة العقود غير سليم، لأنه يؤدي إلى جواز الربا (٨) .

стр. 19149

ضابط العقود التي يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيها، والعقود التي لا يجوز اشتراطه فيها: أستطيع مما ذكرته ومن غيره أن أستخلص ضابطًا للعقود التي يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيها هو: يجوز اشتراط الشرط الجزائي في جميع العقود ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا. والعقود التي يكون الالتزام فيها دينًا ثلاثة: هي القرض، والبيع بثمن مؤجل، وعقد السلم. ففي عقد القرض لا يجوز أن يشترط الدائن على المدين شرطًا جزائيًّا بدافع مبلغ من المال في حالة تأخره في السداد. وفي عقد البيع بثمن مؤجل أو مقسط لا يجوز أيضًا أن يشترط البائع على المشتري شرطًا جزائيًّا بدفع مبلغ من المال في حالة تأخره عن الدفع في الأجل. وكذلك لا يجوز في عقد السلم أن يشترط رب السلم على المسلم إليه شرطًا جزائيًّا بدفع مبلغ من المال في حالة تأخره عن تسليم المسلم فيه في الأجل. وذلك لأن هذا الشرط يؤدي في الحالات الثلاث إلى الربا، ولا يتصور في هذه العقود الثلاثة اشتراط شرط جزائي في حالة عدم التنفيذ. ويجوز اشتراط الشرط الجزائي في سائر العقود الأخرى، سواء أكان اشتراطه في حالة عدم التنفيذ، أما في حالة التأخير في التنفيذ، فيجوز اشتراطه في عقد الاستصناع على الصانع إذا لم ينفذ ما التزم بصنعه، كما يجوز اشتراطه عليه إذا تأخر في التنفيذ، حسب قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بلزوم عقد الاستصناع، ولا يجوز اشتراط الشرط الجزائي على المستصنع إذا تأخر في دفع المال الذي عليه في موعده، لأن المستصنع مدين (١) . ومثل الاستصناع عقد المقاولة كما تقدم (٢) .

стр. 19150

وعقد المقاولة وعقد التوريد هما العقدان اللذان يكثر فيهما اشتراط الشرط الجزائي في حالة عدم التنفيذ، وفي حالة التأخير في التنفيذ، ولا خلاف بين الفقهاء المعاصرين في جواز الشرط الجزائي فيهما في حالة عدم التنفيذ، ولكن بعض الباحثين نازع في جواز الشرط الجزائي فيهما في حالة التأخير في التنفيذ. يقول الدكتور رفيق المصري في بحثه عن (مناقصات العقود الإدارية، عقود التوريد ومقاولات الأشغال العامة) ٢ – ١٨ رأينا في الشرط الجزائي: التمييز بين التخلف والتأخير ١- وعلى هذا فإن الرأي في الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون (١) . ٢- وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز، لأنه يكون في حكم ربا النسيئة، والله أعلم. وبهذا نكون قد ميزنا في الشرط الجزائي بين التخلف (عدم التنفيذ) والتأخير، وبهذا تمتنع غرامات التأخير في عقد التوريد (٢) . ويؤيد الدكتور رفيق رأيه هذا بقوله: (إذا اعتبرنا أن المبيع المستحق في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فإن في غرامة التأخير شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (٣) . ووافق الدكتور رفيقًا كل من الشيخ حسن الجواهري (٤) ، والدكتور على محيي الدين القره داغي (٥) ، ولست معهم في هذا الرأي، لأن ما استدل به الدكتور رفيق غير مقبول عندي، واستدلال الدكتور رفيق هو: (أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدَّيْن)) .
следующие страницы →