وجاء في مطالب أولى النهى، وفي الروض المربع:
الشرط الصحيح في البيع ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقتضيه بحكم الشرع، ولا أثر له؛ لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد.
النوع الثاني: ما كان من مصلحة العقد: كالرهن والضمان.
النوع الثالث: اشتراط المشتري نفعًا معلومًا في المبيع كسكنى الدار المبيعة شهرًا مثلًا.
والشرط الفاسد ثلاثة أنواع:
أحدها: يبطل العقد من أصله كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلف أو بيع أو إجارة، فهذا بيعتان في بيعة.
الثاني: شرط فاسد في نفسه غير مفسد للبيع كشرط في العقد ينافي مقتضاه، إلا إذا شرط البائع العتق على المشتري، فيصح الشرط أيضًا، لكونه قربة التزمها المشتري فأجبر عليه كالنذر.
الثالث: أي شرط لا ينعقد معه بيع، وهو المعلق عليه البيع، كبعتك كذا إن جئتني، أو إن رضي زيد، لأنه عقد معاوضة يقتضي نقل الملك حال بالعقد، والشرط يمنعه (١) .
وفي مجموع الفتاوي ذكر ابن تيمية قواعد جامعة في العقود، ننقل شيئًا منها يبين آراء الإمام أحمد، وآراء أصحابه في الشروط حيث نجد ما يخالف أو يكمل ما سبق.
قال شيخ الإسلام (٢) :
القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًا.
والذي يمكن ضبطه فيها قولان.
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلا ما ورد الشرع بإجازته، فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحيانًا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل.
стр. 19182
وبين رأي أهل الظاهر وأبي حنيفة ثم الشافعي، ثم قال:
وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ونحو ذلك من المصالح: فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين.
وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي، فقد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل، ويستثنى أكثر مما يستثنى للمعارض.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معنى النصوص التي ينفردون بها على أهل الظاهر.
وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة.
وذكر الحديث ثم عقب بقوله: ولهم من هذا الحديث حجتان.
إحداهما: قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) . فكل شرط ليس في القرآن، ولا في الحديث. ولا في الإجماع، فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة، أو في الإجماع.
فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع.
ومن قال بالقياس – وهم الجمهور – قالوا: إذ دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة، أو بالإجماع بالمدلول عليه بكتاب الله، فهو في كتاب الله.
стр. 19183
والحجة الثانية: أنه يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه: كونه مخالفًا لمقتضى العقد. وذلك: لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فيعتبر تغييرها تغييرًا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات، وهذا نكتة القاعدة، وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضياتها تغيير للمشروع.
ثم قال: واحتجوا أيضًا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: " إن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط " وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه، وأجمع الفقهاء المعروفون – من غير خلاف أعلمه من غيرهم – أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتبًا أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصًا أو قياسًا، عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه.
وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط في ما يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعًا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطًا يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص , وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك، وبما في معناه قياسًا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه، أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة والتي سنذكرها في تصحيح الشروط: كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقًا، فمالك يجوزه بقدر الحاجة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضًا. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق. فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط، والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع، فيجوز للبائع أن يستثنى بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، إتباعًا لحديث جابر لما باع النبي ﷺ جمله، واستثنى ظهره إلى المدينة.
стр. 19184
ثم قال:
ويجوز أيضًا – على قياس قوله – استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة، والصداق وفدية الخلع، والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك، سواء كان بإسقاط كالعتق، أو تمليك بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة.
ويجوز أحمد أيضًا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج)) . ومن قال بهذا الحديث قال: إنه يقتضي أن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة، وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح، فيجوز أحمد أن تستثنى المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق، فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق، فتشترط أن تكون مخلية به، فلا يتزوج عليها ولا يتسرى.
ويجوز – على الرواية المنصوصة عنه المصححة عن طائفة من أصحابه – أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة، كاليسار والجمال ونحو ذلك، ويملك الفسخ بفواته، وهو من أشد الناس قولًا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب، كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف في الصفة على الصحيح، كما لو شرط الزوج أن له مالًا فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية المقصودة كالتوقيت، واشتراط الطلاق.
وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلًا أو تركًا في المبيع مما هو مقصود للبائع، أو للمبيع نفسه، وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلا بالعتق، وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي جامع الخلال عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها، ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به.
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به، ولكن لا يطأها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأن ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط.
стр. 19185
وقال حنبل: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته، وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب، فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا: والشرط الواحد في البيع جائز، إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنه شرط لامرأته الذي شرط، فكره عمر أن يطأها وفيها شرط.
وقال الكرماني سألت أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن، فلا يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب، حين قال لعبد الله بن مسعود.
فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى البائع بالثمن الأول، كالمقابلة، وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط، وربما تأولوا قوله: (جائز) أي العقد جائز، وبقية نصوصه تصرح بأن مراده (الشرط) أيضًا. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه، ولا يهبه، أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد؛ كما روى عمر ابن شيبة في أخبار عثمان: أنه اشترى من صهيب دارًا، وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده.
وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضًا استثناء بعض التصرفات.
стр. 19186
ثم قال:
إن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد: صح ذلك في ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما؛ لحديث بريرة، وإن كان عنهما قول بخلافه.
ثم هل يصير العتق واجبًا على المشتري، كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله الحاكم إذا امتنع، أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه عن العتق، كما يملك الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع على وجهين في مذهبهما، ثم الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجًا عن القياس؛ لما فيه من منع المشتري من التصرفات في ملكه بغير العتق، وذلك مخالف لمقتضى العقد، فإن مقتضاه الملك الذي يملك صاحبه التصرف مطلقًا.
قاولوا: وإنما جوزته السنة؛ لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره؛ ولذلك أوجب فيه السراية، مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره، وإذا كان مبناه على التغليب والسراية والنفوذ في ملك الغير لم يلحق به غيره فلا يجوز اشتراط غيره.
وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح، وإن كان فيه منع من غيره. قال ابن قاسم، قيل لأحمد: الرجل يبيع الجارية على أن يعتقها؟ فأجازه. فقيل له: فإن هؤلاء – يعني أصحاب أبي حنيفة – يقولون: لا يجوز البيع على هذا الشرط. قال: لم لا يجوز؟ قد اشترى النبي ﷺ بعير جابر واشترط ظهره إلى المدينة. واشترت عائشة بريرة على أن تعتقها، فلم لا يجوز هذا؟ قال: وإنما هذا شرط واحد. والنهي إنما هو عن شرطين. قيل له: فإن شرط شرطين أيجوز؟ قال: لا يجوز.
فقد نازع من منع منه، واستدل على جوازه باشتراط النبي ﷺ ظهر البعير لجابر، وبحديث بريرة، وبأن النبي ﷺ إنما نهى عن شرطين في بيع، مع أن حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع، وهو لموجب العقد المطلق، واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد المطلق.
فعلم أنه لا يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك، واستدلاله بحديث الشطرين دليل على جواز هذا الجنس كله، ولو كان العتق على خلاف القياس لما قاسه على غيره، ولا استدل عليه بما يشمله وغيره.
وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان: سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكًا واشترط: هو حر بعد موتي؟ قال: هذا مدبر، فجوز اشتراط التدبير بالعتق.
стр. 19187
رأي ابن يتيمة:
بعد أن نقلت ما بينه شيخ الإسلام من آراء الإمام أحمد وأصحابه أنقل هنا ما ذكره مبينًا به رأيه، حيث قال: (١) .
من قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق، أو مقتضى العقد مطلقًا؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنما المحذور: أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط الطلاق في النكاح، أو اشتراط الفسخ في العقد، فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار، مع الاستصحاب، وعدم الدليل المنافي.
وأفاض ابن تيمية في ذكر الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، التي تؤيد رأيه، ثم قال:
فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة، والتشديد على من يفعل ذلك.
وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده. ومقصود العقد: هو الوفاء به. فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة.
وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال، حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، والمسلمون على شروطهم)) . وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في رواية: هو ثقة. وضعفه في رواية أخرى.
وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروى ابن ماجة منه اللفظ الأول؛ لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه في المسند، فلم يحدث به، فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضًا عن محمد بن عبد الرحيم بن السلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس على شروطهم ما وافقت الحق)) وهذه الأسانيد – وإن كان الواحد منها ضعيفًا – فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا.
стр. 19188
وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة المذهب، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا يحرم ما أباحه الله. فإن شرطه حينئذ يكون مبطلًا لحكم الله. وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله؛ وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه. فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا ولا حرامًا، وعدم الإيجاب ليس نفيًّا للإيجاب، حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع، وكل شرط صحيح فلابد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبًا، فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم يكن واجبًا، ويباح أيضًا لكل منهما ما لم يكن مباحًا، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حرامًا وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع، أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها؛ فإنه يجب، ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك.
وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصول فساد الشروط، قال: لأنه إما أن تبيح حرامًا، أو تحرم حلالا؛ أو توجب ساقطًا، أو تسقط واجبًا، وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع، وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حرامًا بدون الشرط، فالشرط لا يبيحه، كالربا.
وأما ما كان مباحًا بدون الشرط، فالشرط يوجبه، كالزيادة في السعر والثمن والمثمن والرهن، وتأخير الاستيفاء، فإن الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار، ونحو ذلك فإذا شرطه صار واجبًا.
وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقًا، فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله، وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة، ولم يحرمه مطلقًا،: لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله، إن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم؛ ولكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب، وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب.
стр. 19189
فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب، لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع، وآثار الصحابة توافق ذلك، كما قال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.
وأما الاعتبار فمن وجوه:
أحدهما: أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية. والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم. كما أن الأعيان: الأصل فيها عدم التحريم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] عام في الأعيان والأفعال؛ وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة، لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم، وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة.
وأيضًا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت حله بعينه، وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة، وإن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم، فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم، فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوًا؛ كالأعيان التي لم تحرم.
وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة، والاستصحاب العقلي، وانتفاء الحكم لانتفاء دليله، فإنه يستدل أيضًا به على عدم تحريم العقود والشروط فيه سواء سمى ذلك حلالًا أو عفوًا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم، فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي، كنا محرمين ما لم يحرمه الله؛ بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله؛ فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين ما لم يأذن به. فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا حرم عادة إلا بتحريم الله، والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر، وإن كان فيها قربة من وجه آخر، فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع، كالعتق والصدقة.
стр. 19190
وأيضًا فإن الأصل في العقود رضي المتعاقدين. وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة، أو طابت نفس المتبرع بتبرع: ثبت حله بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله، كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.
وأيضًا فإن العقد له حالان: حال إطلاق، وحال تقييد، ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود، فإذا قيل: هذا شرط ينافي مقتضى العقد إن أريد به: ينافي العقد المطلق. فكذلك كل شرط زائد. وهذا لا يضره، وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد: احتاج إلى دليل على ذلك؛ وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد.
فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين: بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطل بالإتفاق؛ بل هو مبطل للعقد عندنا.
والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع، مثل اشتراط الولاء لغير المعتق؛ فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده، فإن مقصوده الملك، والعتق قد يكون مقصودًا للعقد. فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرًا فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد، ,إنما ينافي كتاب الله وشرطه. كما بينه النبي ﷺ بقوله: ((كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)) . فإذا كان الشرط منافيًّا لمقصود العقد كان العقد لغوًا، وإذا كان منافيًّا لمقصود الشارع كان مخالفًا لله ورسوله فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما، فلم يكن لغوًا، ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله، فلا وجه لتحريمه، بل الواجب حله؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه؛ فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه. ولم يثبت تحريمه، فيباح؛ لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج.
стр. 19191
المبحث السادس
المناقشة والترجيح
نبدأ أولًا بالأحاديث الشريفة التي استدل بها الأئمة الأعلام، فننظر في تخريجها ودرجتها وفقهها، ونناقش الأقوال المختلفة، ونتبع ذلك بالترجيح.
والأحاديث التي سبق ذكرها هي ما يأتي:
١- حديث جابر في بيع بعيره وشرط ظهره.
٢- حديث بريرة.
٣- حديث النهي عن الثنيا.
٤- حديث النهي عن بيع وشرط.
٥- حديث النهي عن شرطين في البيع.
حديث جابر متفق على صحته، رواه السبعة كلهم وغيرهم، وإنما الخلاف حول ألفاظه، حيث وجدنا من يرى أن فيه اضطرابًا، وأنه معارض بحديث النهي عن الثنيا، وحديث النهي عن بيع وشرط، ولذلك لم يأخذ به الحنفية والشافعية.
والاضطراب – كما يرون – لأن رواته منهم من ذكر شرط ظهره، ومنهم من ذكر ما يدل عليه، ومنهم من سكت عنه، ومنهم من ذكر ما يدل على أنه كان تبرعًا وعارية من الرسول ﷺ ، فلم يكن الركوب شرطًا، بل وجدنا من يقول بأنه لم يكن في الحديث دلالة على البيع.
فلننظر إذن في كتب الحديث
في مسند الإمام أحمد (١) جاءت روايات عن جابر، في الأولى قال: كنت أسير على جمل لي فأعيا ... . .
وفيها: قال – أي الرسول ﷺ : " بعنيه "، فبعته منه واشترطت حملانه إلى أهلي.
стр. 19192
وفي الفتح الرباني (١) ذكر الحديث في أبواب الشروط في البيع – باب اشتراط منفعة المبيع وما في معناه.
والإمام أحمد استدل بهذا الحديث على جواز البيع مع الشرط (٢) ، أي أنه يرجح الروايات التي تثبت الشرط مع البيع، ولا يرى فيها اضطرابًا.
وفي صحيح البخاري ورد الحديث كاملًا أو قطعة منه في خمسة كتب هي: البيوع، والوكالة، والاستقراض، والشروط، والجهاد.
والروايات التي ذكرت في هذه الكتب إما أن تنص على الشرط في البيع، أو أنها لا تذكره لكن دون ذكر ما يتعارض معه (٣) .
والرواية التي وقف عندها الإمام البخاري طويلًا، وأشار إلى الخلاف، وبين رأيه، هي ما جاء في كتاب الشروط، وهي التي تناولها الحافظ ابن حجر بالشرح المفصل، وأشار إلى غيرها.
ويظهر رأي الإمام البخاري من البداية في عنوان الباب، حيث جعل الحديث تحت باب: (إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز) .
ومما جاء في الحديث. . . ((فبعته فاستثنيت حملان إلى أهلي)) (٤) .
وقال ابن حجر بعد أن ذكر الباب:
(هكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده، وهو مما اختلف فيه وفيما يشبهه كاشتراط سكنى الدار) (٥) .
وبعد الحديث المتصل ذكر البخاري تعليقًا سبع روايات، بعضها يدل على الاشتراط، وبعضها لا يدل عليه، وعقب بقوله: (الاشتراط أكثر وأصح عندي) ، أي أكثر طرقًا وأصح مخرجًا كما قال ابن حجر (٦) .
وفي صحيح مسلم ذكر الروايات في كتاب المساقاة تحت باب (بيع البعير واستثناء ركوبه) .
وذكر الرواية الأولى، وفيه: ((واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي)) ، وذكر سندًا آخر لها وذكر الثانية، وفيها: ((على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة)) . ثم ذكر سبع روايات منها روايتان تدلان على الاشتراط، وخمس لا تذكر الاشتراط ولا تنفيه، وليس منها ما ينفي البيع أو الاشتراط (٧) .
стр. 19193
وصنيع الإمام مسلم يدل على أنه يتفق مع الإمام البخاري.
وفي سنن أبي داود ذكر حديثًا واحدًا تحت (باب في شرط في بيع) ، وهو: " بعته – يعني بعيره – من النبي ﷺ ، واشترط حملانه إلى أهلي " (١) .
وفي سنن الترمذي ذكر حديثًا واحدًا تحت باب (ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع) ، وفيه " أنه باع من النبي ﷺ بعيرًا، واشترط ظهره إلى أهله ".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن جابر (٢) .
وفي سنن النسائي ذكر خمس روايات في باب (البيع يكون في الشرط فيصح البيع والشرط) (٣) .
وفي الرواية الأولى: ((واستثنيت حملانه إلى المدينة)) .
وفي الثانية: ((بعنيه ولك ظهره حتى تقدم)) فبعته ".
والروايتان الثالثة والخامسة لا تشيران إلى الشرط.
أما الرواية الرابعة ففيها: ((وقد أعرتك ظهره إلى المدينة)) .
وعنوان الباب يبين أن النسائي يتفق مع غيره ممن ذكر من الأئمة المحدثين , ولكن هذه الرواية تنفي الشرط حيث تذكر لفظ " أعرتك ".
ورواية واحدة لا تثبت أمام ما ذكره الشيخان وغيرهما، ونذكر ما قاله البخاري من قبل: (الاشتراط أكثر وأصح عندي) . وقال الحافظ ابن حجر في شرحه:
أي أكثر طرقا وأصح مخرجًا، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي ﷺ بعد شرائه على طريق العارية؟
وأصرح ما وقع في ذلك رواية النسائي المذكورة، لكن اختلف فيها حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب من سفيان (٤) والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح.
стр. 19194
ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغ الاشتراط معهم زيادة، وهم حفاظ فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره (١) .
ثم قال: (وما جنح إليه المصنف من تجريح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب الذي يرويه الخبر، وهو مفقود هنا مع إمكان التجريح) (٢) .
وبعد شرح الحديث قال:
(وما جنح إليه البخاري من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد، فليعتمد ذلك، وبالله التوفيق) (٣) .
ويبقى من الجماعة ابن ماجة، وقد ذكر رواية واحدة لم يذكر فيها الشرط، وهي تتفق مع الرواية الأخيرة للنسائي في أن الراوي عن جابر هو أبو نضرة، وقريبة منها في المعنى (٤) .
والحديث الثاني وهو حديث بريرة: متفق على صحته أيضًا، وهو مشهور عالي الإسناد، رواه مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن خالته عائشة أم المؤمنين، كما رواه بالسلسلة الذهبية، وله طرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
وروايات الحديث تبين أن بريرة كاتبت أهلها، وجاءت إلى أم المؤمنين تستعينها في كتابتها، فرأت أن تشتري بريرة فتعقتها فيكون لها الولاء، فأبى أهلها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال الرسول ﷺ : ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن اعتق)) ، وفي رواية: ((لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن اعتق)) ، وفي أخرى: ((اشتريها وأعتيقها)) , وفي بعض الروايات: ثم قام رسول الله ﷺ فقال: ((ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل)) (٥) .
стр. 19195
والحديث يدل على الشراء مع الالتزام بالعتق، والعتق خروج المبيع من الملك، ومنع المالك من حرية التصرف، ولو أن أم المؤمنين أعانتها دون أن تشتريها، وأعتقها أهلها، لكان لهم الولاء، ولكنها أرادت أن يكون لها الولاء، ولا يتم هذا إلا بالشراء والعتق، فالشراء هنا مرتبط بالعتق وما يترتب عليه من الولاء (١) .
والالتزام بالعتق يتنافى مع مقتضى العقد، ومع ذلك أجازه الجمهور، وهذا الذي يتفق مع فقه الحديث، أما الحنفية فقد سبق قول الكاساني: (لو باعها بشرط أن يعتقها المشتري فالبيع فاسد في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروى الحسن عن أبي حنيفة – ﵄ – أنه جائز) (٢) .
ومع أن فقه الحديث يؤدي رأي الجمهور، غير أنهم اختلفوا في بيان سبب الجواز:
فقال المالكية بأن السبب هو أن العتق عمل من أعمال البر كم سبق بيانه، وفي المدونة: (قلت) : أرأيت إن اشتريت عبدًا على أن أعتقه، أيجوز هذا الشراء في قول مالك؟ (قال) : نعم. (قلت) : لم أجزته وهذا البائع لم يستقص الثمن كله للشرط الذي في العبد؟ (قال) : لأن البائع وضع من الثمن للشرط الذي في العبد فلم يقع فيه الغرر (٣) .
стр. 19196
وهذا يرجح أن صحة مثل هذا الشرط لا يقف عند العتق وحده دون غيره، فأعمال البر كثيرة منها ما يفضل العتق، فيكون الحديث دالًا على صحة الشرط المنافي لمقتضى العقد إذا كان لمعنى من معاني البر. وما جاء في المدونة ينطبق على غير العتق؛ فمثلًا من باع أرضًا لتكون وقفًا، أو لبناء مسجد، أو لأي مشروع خيري، يمكن أن يضع من الثمن للشرط الذي في العقد، ولولا الشرط لما رضي.
أما الشافعية فإنهم يأخذون بحديث النهي عن بيع وشرط، وسيأتي في موضعه، وجعلوا الشروط خمسة أضرب كما سبق بيانه، ورأوا فساد الشرط الذي لا يقتضيه مطلق العقد ولا يتعلق بمصلحته، غير أنهم وقفوا عند البيع بشرط العتق، ففيه ثلاثة أقوال، الصحيح المشهور أن البيع صحيح والشرط لازم، وهو المذهب.
وجواز شرط العتق دون سواه عندهم اتباعًا للسنة، ولفراق العتق لما سواه كما ذكر الإمام الشافعي، وقال: (فإن قال رجل ما فرق بين العتق وغيره؟ قيل: قد يكون لي نصف العبد فأهبه أو أبيعه وأصنع به ما شئت غير العتق، ولا يلزمني ضمان نصيب شريكي فيه؛ ولا يخرج نصيب شريكي من يده، لأن كلاً مالك لما ملك. فإن أعتقته وأنا موسر عتق على نصف شريكي الذي لا أملك ولم أعتق، وضمنت قيمته، وخرج من يدي شريكي بغير أمره) (١) .
والاستدلال بالسنة واضح، ولكن عدم إلحاق شيء بالعتق فيه نظر، لأن ما ذكره من السراية شرع مثله في غير العتق، وبيان هذا يأتي في مناقشة رأي الحنابلة.
стр. 19197
وقال النووي: ولو اشترى دارًا بشرط أن يجعلها وقفًا، فالأصح أن البيع باطل، وقيل: إنه كشرط الإعتاق (١) .
والوقف قد يكون أولى من العتق، فكيف لا يلحق به؟
هذا موقف الشافعية من البيع بشرط العتق، فما موقف الحنابلة؟
معظم كتب الحنابلة تشير إلى روايتين: إحداهما: صحة الشرط، والثانية: الشرط الفاسد.
وبعض الكتب تطلقهما، وبعضها تذكر أن الصحة هي الصحيح والمذهب، وبعضها لا تشير إلى الرواية الثانية (٢) .
والعتق ينافي مقتضى البيع، فلماذا أجازوه؟
ذكر من قبل قول بعض الحنابلة بأن العتق قربة التزامها المشتري فيجبر عليه، وليس معنى ذلك أنهم يجيزون كل قربة، ولذلك نص بعضهم على عدم جواز شرط الوقف (٣) ، وقيل: الوقف كالعتق (٤) .
وذكر ابن قدامة وغيره أن العتق أجيز لأنه مبني على التغليب والسراية، ولذلك لا يلحق به غيره.
وقد بين ابن تيمية فيما سبق أن هذا رأي طائفة من أصحاب أحمد، وأصول أحمد ونصوص تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح، وإن كان فيه منع من غيره، ثم ذكر استدلاله بالحديث الأول حديث جابر، وهذا الحديث على صحة الشرط الواحد (٥) .
إذن استدلال الإمام أحمد بحديث بريرة ليس على جواز العتق فقط وإنما على جواز الشرط الواحد، وإن كان يتنافى مع مقتضى العقد، غير أنه يتفق مع مقصوده، فمقصود العقد هنا ليس مجرد الملك وكل ما يترتب عليه من آثار، وإنما الملك للعتق.
ووضح ابن تيمية رأي القائلين بالتغليب والسراية فقال: قالوا: وإنما جوزته السنة لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره، ولذلك أوجب في السراية، مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره، وإذا كان مبناه على التغليب والسراية، والنفوذ في ملك الغير، لم يلحق به غيره، فلا يجوز اشتراط غيره (٦) .
стр. 19198
ثم رد بقوله:
(وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه الشارع: فضعيف؛ فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه) .
وذكر عددًا من هذه الأنواع، ثم قال:
(وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية. وقد شرع مثل ذلك في الأموال، وهو حق الشفعة، فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع، لما في الشركة من الضرر، ونحن نقول:
شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة، فإن أمكن قسمة العين وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك.
فتكميل العتق نوع من ذلك؛ إذ الشركة تزول بالقسمة تارة، وبالتكميل أخرى) (١) .
وفي الحديث شرط باطل، وهو شرط الولاء لغير المعتق، حيث قال الرسول ﷺ : ((إنما الولاء لمن أعتق)) .
وبطلان الشرط هنا لمخالفته للشرع وليس لمقتضى العقد، فلو لم يمنعه الشرع لجاز، أو لكان من المسائل الخلافية؛ فهو لا يتنافى مع مقصود العقد.
ولا خلاف حول صحة العقد وبطلان الشرط، ولكن الخلاف فيما يلحق بهذا الشرط، وسبق بيان هذا في المباحث السابقة عند الحديث عن الشروط غير الصحيحة في كل مذهب، وتفسير ابن تيمية لما جاء في هذا الحديث من قول الرسول ﷺ : ((من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل)) .
والحديث الثالث: النهي عن الثنيا:
روى مسلم في صحيحه أن الرسول ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا (٢) .
والثنيا هنا ذكرت مطلقة غير مقيدة، أي أن الحديث يتعارض مع حديث جابر: " واستثنيت حملانه إلى المدينة ". وذكر أيضًا أن البخاري روى أن الرسول ﷺ نهى عن الثنيا، أي أن الحديث متفق عليه. وهذا غير صحيح؛ فالبخاري لم يروه، ولكن جاء في كتاب الشروط باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، وذكر حديثًا واحدًا وهو: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)) (٣) .
وأما حديث مسلم فقد رواه النسائي؛ وذكر رواية قبل هذه الرواية، ومنها: ((وعن الثنيا إلا أن تعلم)) ، وجعل الروايتين تحت باب " النهي عن الثنيا حتى تعلم " (٤) .
وأبو داود روى الروايتين أيضًا (٥) .
أما الترمذي فلم يرو إلا رواية واحدة، وهي " والثنيا إلا أن تعلم " (٦) .
وهذا يؤيد حديث جابر، فالثنيا كانت معلومة.
стр. 19199
والحديث الرابع: حديث النهي عن بيع وشرط:
وهذا يتعارض مع الأحاديث الثلاثة السابقة، ففي كل منها شطر صح مع البيع.
والحنفية والشافعية هم الذين استدلوا بهذا الحديث كما رأينا من قبل، فلننظر في تخريجه:
قال الحافظ الزيلعي: روي أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، قلت – أي الزيلعي – رواه الطبراني في معجمه الأوسط، ورواه الحاكم في كتاب علوم الحديث في باب الأحاديث المتعارضة، ومن جهة الحاكم ذكره عبد الحق في أحكامه، وسكت عنه.
ثم ذكر الزيلعي تضعيف ابن القطان للحديث، ثم قال: واستدل ابن الجوزي في التحقيق على صحة البيع بشرط العتق بحديث بريرة عن عائشة، اشترتها بشرط العتق، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وصحح البيع والشرط، وأقره صاحب التنقيح عليه (١) .
واستدل السبكي بالحديث، فاستغربه النووي (٢) .
وذكر ابن حجر استغراب النووي، وكذلك ابن أبي الفوارس (٣) .
وذكر الشوكاني أيضًا استغراب النووي وابن أبي الفوارس (٤) .
وقال ابن تيمية: (قد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه) (٥) .
والحديث موجود في المعجم الأوسط للطبراني كما قال الزيعلي وغيره، في الجزء الرابع، ص ٣٣٥ رقم ٤٣٦١، وهو:
حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، قال: نا محمد بن سليمان الذهلي، قال: نا عبد الوارث بن سعيد، قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، قلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا. قال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة، فسألته، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم عليَّ في مسألة واحدة.
فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا؛ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط.
البيع باطل، والشرط باطل.
ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا؛ حدثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشترى بريرة، فأعتقها. البيع جائزة، والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال لا أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله، قال: بعت النبي ﷺ جملًا وشرط لي حملانه إلى المدينة، البيع جائز، والشرط جائز. اهـ.
وفي مجمع البحرين في زوائد المعجمين ذكر بالحديث كاملًا، وجاء بعده: لم يروه عن هؤلاء الثلاثة إلا عبد الوارث.
стр. 19200
وقال المحقق في تراجم رجال الإسناد:
- عبد الله بن أيوب بن زاذان أبو محمد الضرير القربي البصري. قال الدارقطني: متروك.
- محمد بن سليمان الذهلي: لم أجد من ترجمة مجهول (١) .
والحديث جاء أيضًا في مجمع الزوائد، وفيه أن في سنده مقالًا (٢) .
وإذا نظرنًا في سند الحديث وجدنا أن شيخ الطبراني متروك كما ذكر المحقق، ولذلك ذكر الذهبي في الضعفاء (٣) ، وذكر قول الدارقطني، وذكر قوله أيضًا في ميزان الاعتدال (٤) .
والقول نفسه جاء في لسان الميزان (٥) .
أما محمد بن سليمان الذهلي فأنا أيضًا لم أجد له ترجمة في الكتب التي رجعت إليها، وليس لاسمه ذكر مع تلامذة عبد الوارث بن سعيد في تهذيب الكمال.
إذن: الحديث لا يصح سندًا ولا متنًا.
والحديث الخامس: النهي عن شرطين في البيع:
روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) .
وقال: هذا حديث حسن صحيح (٦) .
والحديث رواه أحمد (٧) ، وأبو داود (٨) ، والنسائي (٩) ، وغيرهم (١٠) .
ولا حاجة إلى النظر في سند الحديث ورواياته المختلفة، فهو حديث صحيح، ولا ينزل عن درجة الحسن (١١) ، وصححه أيضًا النووي (١٢) ، والإمام أحمد لم يروه فقط وإنما استدل وعمل به (١٣) ومنطوقه لا يتعارض مع الأحاديث السابقة الأربعة، ولكن مفهومه يجزي الشرط الواحد، أي يتعارض مع حديث النهي عن بيع وشرط، وقد ظهر عدم صحته فلا حاجة لإزالة التعارض.
стр. 19201
ولكن ما المراد بالشرطين؟ هذا ما يحتاج إلى النظر
في كتاب مسائل الإمام أحمد، في باب بيعتين في بيعة، قال أحمد عن شرطين في بيع: أن تقول أبيعك إلى شهر كذا، وبنقد بكذا (١) .
أي أن اجتماع الشرطين يؤدي إلى بيعتين في بيعة.
والنسائي روى الحديث تحت باب عنوانه (شرطان في بيع وهو أن يقول أبيعك هذه السلعة إلى شهر بكذا وإلى شهرين بكذا) (٢) .
وذكر الشيخ الألباني حديث النهي عن بيعتين في بيعة، ثم قال: ورواه غيرهم بلفظ ((ولا شرطان في بيع)) .
ثم قال: ويظهر أن اللفظين بمعنى واحد، ورواه بعض الرواة عن عمرو بن شعيب بهذا، وبعضهم بهذا، ويؤيده قول ابن قتيبة في غريب الحديث: ومن البيوع المنهي عنها شرطان في بيع، وهو أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين، وإلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير، وهو بمعنى (بيعتين في بيعة) . وكذلك فسره عبد الوهاب بن عطاء فقال: (يعني يقول: هو لك بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين) . رواه البيهقي (٣) .
وفي عون المعبود ونيل الأوطار جاء في شرح الحديث:
((ولا شرطان في بيع)) : قال البغوي: هو أن يقول بعتك هذا العبد بألف نقدًا أو بألفين نسيئة، فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود فيه باختلافهما، ولا فرق بين شرطين وشروط، وهذا التفسير مروي عن زيد بن علي وأبي حنيفة، وقيل معناه أن يقول بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته، فهذا فاسد عند أكثر العلماء، وقال أحمد، إنه صحيح (٤) .
стр. 19202
وقال ابن القيم في شرحه للحديث:
هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام.
الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرما.
فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوبًا واشترط على البائع حياكته وقاصرته، أو طعامًا واشترط طحنه وحمله: إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل.
واستبعد ابن القيم هذا التفسير، وقال: اشتراط منفعة البائع في المبيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان، وإن كان صحيحًا فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟ لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد جمع بيعًا وإجارة، وهما معلومان لم يتضمنا غررًا، فكانا صحيحين، وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتها على منفعة؟ وأي فرق بين أن يتشرط على بائع الحطب حمله، أو حمله ونقله، أو حمله وتكسيره؟
وبعد أن استبعد هذا التفسير وغيره قال:
فإذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض، فنفسر كلامه بكلامه.
فنقول: نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة.
ووضح ابن القيم أن المراد بالنهي هنا هو مسألة العينة، وأنه هو بعينة الشرطان في بيع، فالشرطان كالصفقتين سواء.
ثم قال:
وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين، وعن سلف وبيع، ورواه احمد، ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف في بيع، فيجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، مع البيعتين في البيعة.
وسر ذلك: أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه.. . . إلخ (١) .
ومن هذا كله نرى أن الراجح أن النهي عن الشرطين في البيع هو نفسه النهي عن البيعتين في بيعة، والله هو الأعلم.
стр. 19203
المبحث السابع
الشرط الجزائي
الشرط الجزائي: من الشروط الوضعية التي يتفق عليها المتعاقدون وهي التي تحدثنا عنها من قبل.
ومن الدراسة السابقة يظهر لنا ترجيح ما يأتي:
١- الأصل في العقود والشروط الوضعية أو الجعلية التي يشترطها المكلف في المعاملات الإباحة لا الحظر، ((فالمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرمًا)) (١) .
٢- لا يصح القول بالنهي عن بيع وشرط، ويلحق بالبيع عقود المعاوضات؛ فقد ثبت عدم صحة حديث النهي عن بيع وشرط، وعارضه ثلاث أحاديث صحيحة بمنطوقها، وحديث رابع بمفهومه.
ومن استدل بالحديث، أيد الاستدلال بما روي أن عبد الله بن مسعود اشترى جارية من امرأته زينب الثقفية، وشرطت عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن، فاستفتى – عبد الله بن عمر ﵄ – فقال: (لا تقربها وفيها شرط لأحد)
وهذا الأثر – فيما يبدو – لا يدل على بطلان الشرط، فلم يأمره بفسخ العقد أو إبطال الشرط، بل على العكس؛ فلو كان الشرط باطلًا لم يمنع من قربانها؛ بل علل ذلك بالشرط، فدل على أن المانع من القربان هو الشرط، وأن قربانها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنها قد تحمل فيمتنع عودها إليها (٢) . وسبق بيان ابن تيمية أن الإمام أحمد صحح العقد والشرط , ولو صح استدلال الحنفية والشافعية بها الأثر فإنه يعارض بالأحاديث الشريفة المذكورة.
стр. 19204
٣- من الواضح صحة قول الحنفية بأن الشرط الفاسد يؤدي إلى الغرر، أو الربا، فيجب ألا يكون المشروط محظورا، ولكن يبدو من الواضح أيضًا أن هذا لا ينطبق على كل شرط لا يقتضيه العقد، وليس بملائم له، وليس فيه تعامل للناس، ولا عرف ظاهر، حيث جعل الحنفية هذا شرطًا غير صحيح، والأحاديث الثلاثة الأولى تبين صحته.
ومن غير الواضح تفسيرهم للربا! فقد جعلوا المنفعة المشروطة لأحد المتعاقدين من الربا! أي أن شرط جابر يعتبر من الربا المحرم!! ومثله كل منفعة إن كانت مشروعة في ذاتها، وقد ذكر الكاساني كثيرًا منها فيما سبق.
والقول بأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وتصحيح الشروط التي جرى التعامل بها بين الناس، هذا فيه نظر، فصحة الشروط ليس ردها إلى العرف وتعامل الناس؛ فما أكثر ما يتعارف الناس على أمور غير مشروعة! وهذا واضح كل الوضوح في عصرنا. وإنما تصح الشروط التي تخلو من الربا والغرر وأي محظور شرعي، سواء أجرى العرف بها أم لم يجر (١) ، والمراد بالربا هو الربا المعلوم من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، وهو أشد تحريمًا من الغرر، ولذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة من الغرر اليسير، وحرم الربا قليله وكثيره، ولهذا لا يجوز الجمع بين الربا والغرر عند الحديث عن القليل الذي يصح معه العقد والشرط كما جاء مثلًا في كلام ابن رشد الحفيد (٢) .
٤- قول المالكية بجواز اشتراط المنفعة إذا كانت يسيرة، وعدم جوازها في غير ذلك فيه نظر، فلعل الأولى أن يقال إذا كانت معلومة، فهذا هو الذي ثبت في حديث النهي عن الثنيا إلا أن تعلم، واشتراط ظهر بعير جابر كان لمسافة معلومة، وهذا هو المذهب الحنبلي، وفيما يبدو هو الراجح.
٥- البيع بشرط العتق: عدم جوازه كما ذهب إليه الحنفية لتعارضه مع النص، وجوازه عند المالكية لأنه عمل من أعمال البر يستلزم جواز شرط كل عمل من أعمال البر، والوقوف عند العتق بحيث لا يتعداه إلى غيره بسبب السراية كما بين الإمام الشافعي، أو سبب التغليب والسراية كما قال أصحاب الإمام أحمد، هذا أمر فيه نظر، وذكرنا ما يدل على عدم ترجيحه.
стр. 19205
٦- ما ذهب إليه الإمام أحمد من عدم جواز الشرطين في البيع يستند إلى حديث صحيح، والراجح أن الشرطين يراد بهما البيعتان في بيعة، فاجتماع الشرطين يؤدي إلى الربا كما بين ابن القيم، أو فيه غرر كما بين غيره. أما الشرطان أو الشروط الصحيحة التي لا يؤدي اجتماعها إلى ربا أو غرر أو محظور شرعي فإنها تبقى صحيحة ويصح معها العقد.
٧- بين ابن تيمية الفرق بين مقتضى العقد، ومقصوده، ومقصود الشرع، وذهب إلى أن الشرط لا يبطل بمخالفة مقتضى العقد وإنما بمخالفة مقصوده أو مقصود الشرع، واستدل بأدلة كثيرة، ووضح رأيه بأمثلة متعددة، فلعل رأيه يعتبر راجحًا.
٨- قول الحنفية بأن الشرط الذي فيه منفعة لأحد المتعاقدين فاسد ويفسد العقد لأنه له مطالب فتحدث المنازعة، وقول الشافعية بأن الشروط الفاسدة تبطل البيع لمنافاة مقتضاه، وهو رواية عند الحنابلة غير المنصوص عن أحمد، هذه الأقوال فيها نظر؛ ففي حديث بريرة صح العقد وبطل الشرط.
وقول المالكية بأن الاشتراط إذا كان بعد انقضاء الملك، يصح العقد ويبطل الشرط لحديث بريرة، أما مدة الملك في غير العتق: فقيل عن مالك: البيع مفسوخ، وقيل: بل يبطل الشرط فقط، هذه التفرقة التي انفرد بها المالكية سببها غير واضح لدي.
وقول المالكية بصحة البيع وفسخ الشرط إذا كان خفيفًا فلم يقع عليه حصة من الثمن قول لعله راجح؛ فلو وقع عليه حصة من الثمن لما أمكن فسخ الشرط دون البيع لأثر ذلك على البائع.
ولعل من الراجح أيضًا قول الحنابلة بأن اشتراط عقد في عقد آخر فاسد يفسد به البيع، فهذا بيعتان في بيعة.
ويمكن القول بأن الشرط الفاسد إذا أمكن إبطاله دون أن يؤثر على العقد: صح العقد وبطل الشرط وذلك مثل حديث بريرة.
أما إذا لم يكن إبطاله إلا بإبطال العقد، كالشرط الذي يؤدي إلى غرر فاحش في الثمن أو المثمون، أو يمكن إبطاله ولكن ذلك يؤدي إلى ضرر أو غبن أو أكل لأموال الناس بالباطل، فعندئذ يبطل العقد والشرط، ومعنى ذلك أن نجعل حديث بريرة هو الأصل الذي نقيس عليه كلما أمكن.
وإذا كان هذا في عقود المعاوضات المالية، فلعل من الأرجح والأولى أن نأخذ برأي الجمهور في النكاح، فلا نبطل العقد بالشروط الفاسدة، بل نبطل الشروط ويبقى العقد صحيحًا، والله هو الأعلم.
بعد هذه الدراسة التي أعاننا الله عليها، ووفقنا إليها، نستطيع في ضوئها أن ننظر إلى الشروط الجزائية في التطبيق العملي، وأن نسترشد بها للحكم على هذه الشروط، وهو ما نتناوله في البحث التالي.
стр. 19206
المبحث الثامن
الشرط الجزائي في المعاملات المعاصرة
أولًا: تأخير الديون والحقوق:
في البنوك الربوية يلتزم المقترض بدفع فوائد على القرض، إن تأخر عن أداء الدين في موعده يلتزم بدفع فوائد مركبة على الدين الأصلي وفوائده.
وفي عقود البيع بالتقسيط نجد في بعض العقود النص على فوائد التأخير.
وفي عقود الإجارة نجد أيضًا في بعض العقود النص على أن المستأجر إذا تأخر في دفع الأجرة يلتزم بدفع فوائد التأخير.
وفي بطاقات الائتمان التي تصدرها البنوك الربوية، وبعض الشركات، نجد النص على فوائد التأخير.
وفي بعض العقود الحكومية كعقود استهلاك المياه والكهرباء في كثير من البلاد نجد النص على فوائد التأخير.
وهكذا ينص على غرامة التأخير في معظم الحالات في الديون، والحقوق التي تصبح دينًا في الذمة.
ومن الواضح أن هذا شرط جزائي باطل، ففوائد التأخير من الربا المحرم. وإذا كان الذين يشترطون فوائد التأخير لا يبالون من أين أخذوا المال: أمن الحلال أو من الحرام فما موقف المصارف الإسلامية من تأخير الديون الناشئة عن بيع آجل أو عن إجارة؟
بالنسبة للتأجير لا أعلم أن مصرفًا إسلاميًّا يشترط فوائد تأخير تحت أي اسم من الأسماء، فالعين المؤجرة في ملك المصرف، ويستطيع أن يفسخ العقد إن لم يلتزم المستأجر، أما في البيع فالذي أعلمه أن عددًا من المصارف الإسلامية – للأسف الشديد – تطبق فوائد التأخير بشرط جزائي منصوص عليه في العقد، أو بدون نص عليه، غير أنها لا تسميها فوائد، وإنما تتخذ أسماء أخرى، أكثرها تداولًا (غرامات التأخير) ، ومنها (تعويض الربحية) ، بل وجدت في أحد المصارف عبارة (تعويض ربحية الربحية) !! وهي الفوائد المركبة!!
وقام أحد الإخوة بعمل استبيان ضم سبعة وعشرين مصرفًا إسلاميًّا، فنظرت فيه فوجدت الآتي:
١- عدد المصارف التي تطبق غرامات التأخير: (١٢) اثنا عشر مصرفًا، وكلها تطبق على المدين المماطل فقط.
٢- غرامات التأخير بقرار من هيئة الرقابة الشرعية: (٩) تسعة مصارف غير أن التطبيق العملي لا يوافق القرار في ثلاثة منها.
٣- النص على شرط الغرامة في العقود: (٩) تسعة مصارف، ومصرف منها النص بدون قرار من الهيئة! .
٤- طريقة حساب الغرامات هي نفسها طريقة حساب الأرباح: (٥) خمسة مصارف.
٥- الإيرادات تضاف لإيرادات المصرف: (٤) أربعة مصارف.
стр. 19207
ومن هذا يتبين أن الهدف من شرط غرامة التأخير هو زجر المدين المماطل وردعه وعقوبته، وإدراك أن هذه الغرامات من الربا المحرم، فتتفق في الصالح العام، ما عدا أربعة مصارف استحلت الغرامات، وأضافتها لإيرادات المصرف، فاختلط الحلال بالحرام، وأحد هذه المصارف الأربعة يقوم بهذا مستندًا إلى قرار من هيئة الرقابة الشرعية!!
فما الذي دفع المصارف إلى وضع هذا الشرط؟ وبم استدلت هيئات الرقابة الشرعية؟ ما حكم هذا الشرط الجزائي؟
في بحث عن البيع بالتقسيط قدمته للمجمع في دورته السادس تناولت هذا الموضوع وألحق بهذا البحث صورة من بحثي السابق، وفي الدورة المذكورة صدر قرار المجمع رقم ٥١ (٢ / ٦) ، ومما جاء فيه:
(ثالثًا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم.
رابعًا: يحرم على المدين الملئ أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخير عن الأداء) .
وجاء في القرار نفسه:
خامسًا: يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها، عند تأخير المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضى بهذا الشرط عند التعاقد) .
وقد طبقت بعض المصارف الإسلامية هذا الشرط، وابتعدت عن الربا.
أما الحقوق إذا لم تكن ديونًا فالأمر فيها مختلف:
فمثلاُ في المقاولات إذا تم التعاقد على الانتهاء من العمل في موعد محدد، مع الاتفاق على شرط جزائي إذا تأخر المقاول دون عذر مقبول، فإن هذا الشرط جائز، ولكن الأولى أن يرتبط هذا الشرط بالضرر الفعلي نتيجة للتأخير، كأن يتأخر تأجير المبنى، فيقدر الإيجار، أو يتأخر الانتفاع بالعين، فيقدر إيجار المثل، أو ترتفع الأسعار يتأثر بها صاحب المبنى، وهكذا.
стр. 19208
وفي عقد الاستصناع كذلك يجوز الشرط الجزائي، وصدر قرار المجمع رقم ٦٥ (٣ / ٧) في دورة مؤتمره السابع، وفيه:
رابعًا: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.
وكما يكون الشرط الجزائي لتأخير النفع المستهدف كما ذكرنا آنفًا في المقاولات، فيجوز أيضًا أن يكون الشرط الجزائي لأصل الإخلال بالنفع المستهدف للمشترط، كأن يتم العمل في المقاولات في الموعد المحدد ولكن مع عدم الالتزام بالمواصفات المتفق عليها، فلا يتحقق الانتفاع بالمبنى بالمستوى المطلوب فيترتب على ذلك ضرر عند التأجير مثلًا، أو يكون الاستصناع لسيارات، فيفاجأ المستصنع بأن نقل السرعات فيها يدوي على خلاف الاتفاق، أو أن عجلة القيادة تتفق مع التزام اليسار في السير وليس اليمين، ففي مثل هذه الحالات يصح الشرط الجزائي.
ثانيًّا – من معاملات المصارف:
١- وعد المرابحة:
الوعد في بيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الإسلامية يكون معه دفع عربون للمصرف، وبيع العربون في الفقه الإسلامي معلوم، منعه الجمهور خلافًا للإمام أحمد، وعرضه ومناقشته ليس هدفنا هنا، وإنما ننظر إلى الشرط الجزائي في هذا الوعد.
حدث خلاف حول الإلزام بالوعد: فإذا لم يكن الوعد ملزمًا فلا يجوز الشرط الجزائي، وإذا كان ملزمًا جاز، ولكن ما الذي يترتب على هذا الشرط؟
لو أخذنا بجواز بيع العربون فإن العربون يصبح ملكًا للمصرف عندما لا يلتزم الواعد بالشراء بوعده، وإن لم يترتب على خلف الوعد أي ضرر، وهذا ما أخذ به القانون الوضعي.
وإن قلنا بعدم جواز بيع العربون مع القول بأن الوعد ملزم، فما الذي يترتب على الشرط الجزائي؟
الجواب لا يحتاج إلى بحث لأن المجمع قد حسم الموضوع.
ففي قرار المجمع رقم ٤٠ – ٤١ (٢ / ٥ , ٣ / ٥) بشأن الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء في دورة مؤتمره الخامس جاء ما يلي:
ثانيًّا: الوعد وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد يكون ملزمًا للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد.
ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
ويؤخذ من هذا القرار ترجيح رأي الجمهور في عدم جواز بيع العربون.
стр. 19209
٢- الاعتماد المستندي:
عند الاستيراد يقوم المصرف بما يعرف بفتح الاعتماد المستندي، فإذا كان الاستيراد للمتعامل مع المصرف أخذ أجرًا من العميل مقابل العمل والتكاليف أما في المرابحات الخارجية فإن الاعتماد يكون باسم المصرف. وأحيانًا يلغى الاعتماد ولا يتم الاستيراد، ففي الحالة الأولى لا يرد الأجر إلى العميل، وقد يرد جزء منه، وفي الحالة الثانية إذا كان المصرف هو الذي ألغى الاعتماد فلا شيء على العميل، أما إذا كان الإلغاء بسبب العميل فمن الشروط الجزائية إلزامه بدفع أجر فتح الاعتماد.
ولعل هذا الشرط صحيح، فالضرر الذي لحق المصرف يجب أن يتحمله العميل المتسبب في هذا الضرر.
وهنا حالة أخرى وهي إذا لم يرسل المصدر السلعة، وألغى الاعتماد فمن الذي يتحمل تبعة الضرر؟
معظم المصارف – فيما أعلم – لا تحمل العميل شيئًا، ولكن وجدت بعض المصارف تضع شرطًا جزائيًّا يحمل العميل تبعة الضرر لأنه هو الذي أرشد المصرف إلى المصدر وعرفه به.
وأظن أن هذا الشرط غير صحيح، فالمشتري من المصدر هو المصرف وليس العميل، ولا شيء على العميل إلا بعد وصول البضاعة والمطالبة بتنفيذ الوعد. بل إن المصرف يتحمل أكثر من هذا، فتقع عليه مسؤولية تلف السلعة قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وذلك كما جاء في قرار المجمع رقم ٤٠ – ٤١ (٢ / ٥ و٣ / ٥) في دورة مؤتمره الخامس.
ثالثاً – عقد المناقصة:
تضمين عقد المناقصة شرطًا جزائيًّا ينص على غرامة مالية على التاجر إذا تأخر عن المواعيد المحددة للإنجاز.
هذا الشرط مثل الشروط التي ذكرناها في المقاولات وفي الاستصناع، واسترشاد بقرار المجمع المذكور آنفًا، يرتبط الشرط بالضرر الواقع فعلًا.
أما تضمين عقد المناقصة شرطًا جزائيًّا ينص على غرامة مالية على المشتري إذا تأخر عن سدد الثمن فإنه غير جائز، لأن هذا مثل غرامة التأخير، من الربا بالمحرم، ولكن يمكن أن تكون الغرامة المالية إذا لم يلتزم بالشراء.
وكذلك يمكن تضمين عقد المناقصة شرطًا جزائيا ينص على غرامة مالية على البائع إذا لم يلتزم بالبيع تبعًا لشروط المناقصة، والله هو الأعلم.
стр. 19210
الخاتمة
بعد الانتهاء من هذا البحث بمباحثه الثمانية بحمد الله تعالى وفضله ومنه ننتهي إلى النتائج التالية:
١- الأصل في العقود والشروط الوضعية التي يشترطها المكلف في المعاملات: الإباحة لا الحظر، ومنها الشرط الجزائي.
٢- لايصح القول بالنهي عن بيع وشرط، ويلحق بالبيع عقود المعاوضات.
٣- المراد بالنهي عن شرطين في بيع البيعتان في بيعة، وتصح الشروط الصحيحة وإن تعددت في العقد الواحد ما لم يؤد اجتماعها إلى محظور شرعي كبيعتين في بيعة.
٤- صنفا الفساد الذي يخل بصحة عقود المعاوضات والشروط هما الربا والغرر، والربا تحريمه أشد، وقليله وكثيره حرام، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما عند الحديث عن القليل أو اليسير الذي لا يؤثره في العقود والشروط، فهذا خاص بالغرر.
٥- لا يجوز تصحيح الشروط التي جرى بها التعامل بين الناس إلا إذا لم تخالف نصًا شرعيًّا، أو قاعدة من قواعد الشريعة.
٦- الشرط الفاسد إذا أمكن إبطاله دون أن يؤثر على العقد: صح العقد وبطل الشرط قياسًا على حديث بريرة.
٧- في المعاملات المعاصرة لا يجوز الشرط الجزائي الذي يؤدي إلى زيادة على الدين كالفوائد وغرامات التأخير، مهما كانت الأسباب؛ فهذا من الربا المحرم، ولكن يجوز الشرط الجزائي في الحقوق والالتزامات – ماعدا الدين – للتعويض عن الضرر الواقع فعلاً.
هذا بعض ما انتهيت إليه في بحثي، فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان (ومن المهم جدًا أن يعلم أنني لا أقول الرأي على سبيل الإفتاء، وإنما ليعرض على المجمع، ما يفتي به هو ما يقرره المجمع) .
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ –١٨٢] .
стр. 19211
تلخيص البحث
يتكون البحث من ثمانية مباحث:
في المبحث الأول: تحدثت على تعريف الشرط، والفرق بينه وبين كل من السبب والمانع، وعن الشروط الشرعية، والشروط الوضعية أو الجعلية التي منها الشرط الجزائي.
وفي المبحث الثاني: بينت الشروط عند الحنفية.
وفي المبحث الثالث: جعلته للشروط عند المالكية، وختمته بذكر رأي الشاطبي.
وفي المبحث الرابع: للشروط عند الشافعية.
والمبحث الخامس: للشروط عن الحنابلة، وختمته برأي ابن تيمية.
والمبحث السادس: جعلته للمناقشة والترجيح: فنظرت في الأحاديث الشريفة التي استدل بها الأئمة الأعلام؛ تخريجها ودرجتها وفقهها، وناقشت الأقوال المختلفة مع الترجيح.
والمبحث السابع: جعلته لما أظهرته الدراسة السابقة مع ترجيح ما يتصل بالشروط الوضعية، ومنها الشرط الجزائي.
والمبحث الثامن: وهو الأخير، جعلته للحديث عن الشرط الجزائي في المعاملات المعاصرة.
стр. 19212
الشرط الجزائي في العقود
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
ب بسم الله الرحمن الرحيم
الشرط الجزائي في العقود:
وينبغي تمحيص البحث أولاً عن الشروط وما يترتب عليها من أحكام وأثار بنحو عام، ثم دراسة الشرط الجزائي بشكل خاص.
مفهوم الشرط وبيان حقيقته:
الشرط يطلق في العرف على معنيين:
١- المعنى الحدثي، يعني الالتزام والتعهد، ففي القاموس: (أنه إلزام الشيء والتزامه في البيع وغيره) . (١)
وقد يطلق الشرط بهذا المعنى على نفس المشروط، كالخلق بمعنى المخلوق، فيراد منه ما يلتزم الإنسان على نفسه.
٢- ما يلزم من عدمه العدم من دون ملاحظة أنه يلزم من وجوده الوجود، كالطهارة للصلاة والحول للزكاة.
وفي لسان الفقهاء يطلق الشرط على كلا المعنيين، فإن إطلاقه على الشروط الوضعية يكون بالمعنى الأول وعلى الشروط الشرعية بالمعنى الثاني.
والظاهر أن الشرط له معنى واحد، وأن الأصل فيه هو نحو من الربط والشد، فإن إطلاق الشرط في جميع موارده إنما هو بلحاظ تقيد أمر بأخر وارتباطه به بنحو تكويني أو جعلي شرعي أو يجعل المتعاقدين واتفاقهما عليه. ففي المنجد:
(الشرط (مص) : إلزام الشيء والتزامه.. . . شرط الشيء: شدة وربطه) . (٢)
هل الشرط مطلق الإلزام والالتزام أو خصوص ما يكون في ضمن عقد آخر؟ الظاهر والمتبادر من الشرط هو الضمني، ولا يطلق على الابتدائي بنحو الحقيقة، فإذا التزم إتيان شيء لا يقال: شرط إتيانه أو شرط عليه ذلك. وأكثر من ذكر الإلزام والالتزام معنى للشرط قيدها بكونهما في بيع ونحوه، بل لم نجد في كلمات أهل اللغة من أطلقهما مقام التعريف، فشمول مفهوم الشرط للالتزامات الابتدائية المستقلة لا يخلو من خفاء بل منع، فإنه بناء على تفسيره بالربط والشد عدم صدقه على التعهد الابتدائي أو ما يسمى في المصطلح بـ (الوعد) أوضح من أن يخفى، إذ الربط من المعاني الحرفية القائمة بالغير والذي لا يمكن فصله عن طرفيه ولحاظه مستقلا ومجردا عنهما، وعلى تقدير تفسيره بالإلزام وللالتزام فهو مقيد بكونهما في ضمن عقد أخر. ومع الشك في الشمول فالأصل يقتضي عدم الشمول، لأن عمومه له وصدقه عليه هو المحتاج إلى الإثبات. ومما يؤيد عدم الشمول: اتفاق الأصحاب على عدم وجوب الوفاء بالتعهدات الابتدائية، والظاهر أنه ليس ذلك إلا باعتبار أن التعهد الابتدائي ليس شرطا في الحقيقة، وإنما هو وعد محض.
стр. 19213
تقسيمات الشرط:
ينقسم الشرط بمعناه العام – ربط شيء بشيء وشده به – إلى تقسيمات عديدة، نستعرضها على نحو الإجمال:
الشرط الحقيقي والاعتباري:
ينقسم الشرط مبدئيا إلى شرط تكويني ذاتي وشرط اعتباري جعلي، ذلك أن الربط بين شيئين تارة يكون ربطاً حقيقياً ذاتياً مأخوذاً فيها في مقام الخلق والتكوين بحيث لا تناله يد الجعل والاعتبار بعد ذلك وضعاً أو رفعاً كالربط بين النار والحرارة، وأخرى يكون اعتبارياً جعلياً يتبع إرادة الجاعل وتحديده.
ثم الشرط الاعتباري الجعلي ينقسم:
تارة بلحاظ جاعله ومصدره إلى:
أ – الشروط العقلية، كاشتراط القدرة في التكليف.
ب – الشروط العرفية والعقلانية، كاشتراط المالية في العوضين.
ج- الشروط الشرعية، وهي ما يتوقف عليه انعقاد التصرف كالقصد في العقود – إذ العقود تابعة للقصود – أو صحته كرضا المتعاقدين، أو ما يتوقف عليه التكليف شرعاً كالبلوغ والعقل.
د- شروط المتعاقدين، وهي ما يتفق عليه المتعاقدان في العقد، وتسمى بالشروط الجعلية أو الوضعية في قبال الشروط الشرعية.
وأخرى بلحاظ مورده وسعة دائرته وضيقتها إلى:
أ- الشروط العامة الثابتة في جميع موارد التكليف، كالبلوغ والعقل والاختيار.
ب- الشرائط الخاصة الثابتة في بعض الموارد بلحاظ دليل ذلك المورد، كاشتراط القبض في بيع الصرف والسلم.
وثالثة بلحاظ تأثيره في متعلقة إلى:
أ- شروط الصحة: وهي ما يعتبر في أصل صحة العقد بحيث لولاه يحكم بفساده رأساً، كاشتراط معلومية العوضين في البيع.
ب- شروط اللزوم: وهي ما يعتبر في الحكم بلزوم العقد بعد وقوعه صحيحاً، كاشتراط عدم الخيار في العقد.
стр. 19214
ورابعة بلحاظ متعلقة إلى:
أ- شرط الوصف، كاشتراط الكتابة في العبد والحمل في الجارية.
ب- شرط النتيجة، كاشتراط انعتاق المملوك أو تملك عين خاصة.
ج- شرط الفعل، كاشتراط الإعتاق والتمليك، أو اشتراط خياطة الثوب أو تعليم الكتابة.
وخامسة بلحاظ استقلالية تعهده أو ارتباطه بغيره إلى:
أ- الشرط الابتدائي، وهو التعهد ابتداء، ويسمى بـ (الوعد) .
ب- الشرط الضمني، هو التعهد المرتبط بعقد آخر.
وسادسة بلحاظ التصريح به وعدمه إلى:
أ- الشرط المصرح به في متن العقد.
ب- الشرط الارتكازي الضمني، كشرط الصحة والسلامة.
ج- الشرط المبني عليه العقد.
وهناك تقسيمات أخر ليست مهمة.
الشروط الوضيعة:
الشروط الوضيعة – كما قلنا – عبارة عن الشروط التي يتفق عليها المتعاقدان ويلتزمان بها أو يتعهدان بها في ضمن العقد، وهي على نحوين:
١- اشتراط الخيار وحق فسخ العقد المتضمن له، وهو ما يصطلح عليه بـ (خيار الشرط) أو (شرط الخيار) باعتبار ثبوته بسبب اشتراطه في العقد.
٢- اشتراط ما عدا الخيار في العقد، وهو ما يصطلح عليه بـ (باب الشروط) أو (الشرط في العقد) والشرط الجزائي من هذا القبيل كما يتضح.
стр. 19215
الإطار العام لصحة الشرط ونفوذه:
يعتبر في صحة الشرط ووجوب الوفاء به عدة أمور:
١- أن يكون سائغا في نفسه فلا يجوز أن يبيعه شيئا بشرط أن يرتكب محرما من المحرمات الإلهية، كأن يبيعه العنب بشرط أن يجعله خمرا، أو يستأجره للعمل في نهار شهر رمضان بشرط أن يفطر، وذلك لعدم نفوذ الالتزام بالمحرم، كما يدل عليه قول الإمام علي: (إن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالاً أو أحل حراماً) (١) ، فإن الشرط إذا كان محرما كان اشتراطه والالتزام به إحلالا للحرام.
٢- أن لا يكون مخالفا للكتاب والسنة فإذا زوجه أمته بشرط أن يكون ولدها رقًا أو باعه أو وهبه مالاً بشرط أن لا يرثه منه ورثته أو بعضهم وأمثال ذلك، فإن الشرط في جميع هذه الموارد باطل، لأن مخالفة الكتاب والسنة لا يسوغهما شيء.
والمستند فيه النصوص المستفيضة أو المتواترة:
منها: ما رواه عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق: قال: سمعته يقول: (من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله (٢) ومنها: ما رواه محمد بن قيس عن الإمام الباقر: (في من تزوج امرأة اشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق؟ فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة) . (٣)
ومنها: ما في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر: قال: قضى أمير المؤمنين في امرأة تزوجها رجل وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوج عليها أو هجرها أو أتى عليها سرية فهي طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه وإن شاء أمسك امرأته وتزوج عليها وتسرى وهجرها إن أبت بسبب ذلك، قال الله تعالى: (فأنكحوا ما طاب من النساء مثنى وثلث ورباع) (أو ما ملكت أيمانكم) (النساء: ٣) (والتي تخافون نشوزهن) (النساء: ٣٤) (٤) .
ومنها: ما رواه ابن زهرة في الغنية: (الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب أو سنة) (٥) .
стр. 19216
٣- أن لا يكون منافيا لمقتضى العقد أو حكمه، كما إذا باعه بشرط أن لا يكون له ثمن أو أجرة الدار بشرط أن لا تكون لها أجرة، فإنه إذا كان الشرط منافيا لمدلول العقد فلا يتحقق قصد إنشاء ذلك المدلول، ومع عدم القصد لا يتحقق العقد، إذ العقود تابعة للقصود، ولا عقد من دون قصد، كما إذا قال: بعتك المال على أن لا يكون المبيع ملكا لك فعلا أو مطلقا، أو وهبتك المال على أن يكون المال لي لا لك، وإذا كان الشرط منافيا لحكم العقد سواء كان حكما إمضائيا أو تأسيسيا فإن كان المشروط عدم ذلك الحكم فلا يصح الشرط أيضا لكونه يخالف الكتاب والسنة الدالين على عدم تخلف العقد عن ذلك الحكم، إذ الشريعة دلت على أن العقد الفلاني حكمه كذا، فإذا شرطنا عدم ذلك الحكم فقد خالفنا الشريعة، كما إذا اشترط البائع على المشتري أن لا يتصرف في المبيع أو اشترطت الزوجة على زوجها أن لا يستمتع بها.
٤- أن يلتزم به في متن العقد، فلو تواطيا عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به على المشهور، لأن المشروط عليه إن أنشأ إلزام الشرط على نفسه قبل العقد كان إلزاما ابتدائيا لا يجب الوفاء به قطعا كما تقدم، وإن وعد بإيقاع العقد مقرونا بالتزامه فإذا ترك ذكره في العقد لم يحصل ملزم له.
٥- أن لا يكون مجهولا جهالة توجب الغرر في البيع، لأن الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين، والجهالة في أحد العوضين غرر في البيع، والنبي ﷺ قد نهى عن بيع الغرر فالالتزام بأمر مجهول كذلك يبطل البيع فيبطل ما التزم فيه من الشرط المجهول، كما لو اشترط المشترى في بيع الأم كونها حاملا.
٦- أن يكون مقدورا للمشروط عليه، بأن يكون متمكنا من تحقيق المشروط أو تحصيله في الخارج، لأن الشرط في المعاملات عبارة عن الإلزام والالتزام كما ذكرنا، ومن الواضح أن الالتزام لا يتعلق بغير المقدور، مثل أن يبيع الزرع على أن يجعله سنبلا أو الرطب على أن يجعله تمرا.
٧- أن يكون فيه غرض عقلاني معتد به نوعا أو للشارط، لأن الشرط إنما يكون حقا للشارط، وما ليس فيه غرض عقلاني لا يعد حقا ولا يعتني به الشارع فيوجب الوفاء به، مثل ما لو باع العبد بشرط أن لا يأكل إلا الهريسة ولا يلبس إلا الخز.
стр. 19217
حكم الشرط الصحيح:
١- كما يجب الوفاء بالعقد اللازم كذلك يجب الوفاء بالشرط المجعول فيه وجوبا تكليفيا شرعيا، لظاهر الحديث النبوي: ((المؤمنون عند شروطهم)) (١) والعلوي: " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما " (٢) . فإن معنى كون المؤمن عند شرطه هو ملازمته إياه وقيامه بمقتضاه وتعين إنهائه عليه شرعا، وهو يعني وجوب الوفاء به تكليفا.
مضافًا إلى عموم وجوب الوفاء بالعقد (٣) بعد كون الشرط كالجزء من العقد.
٢- إذا امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط جاز إجباره عليه، لأن الشرط حق للشارط في ذمة المشروط عليه بمقتضى العقد المقرون بالشرط، فيجبر على تسليمه لكونه ممتنعًا عما يستحقه الغير عليه.
٣- يثبت الخيار للشارط عند عدم سلامة الشرط له، لأن حقيقة الربط القائم بين الشرط والعقد المتضمن له تعود إلى تعليق الالتزام بالعقد على تحقق المشروط في الخارج بحيث لو لم يوجد ما شرطه فلا التزام للشارط بالعقد وله رفع اليد عنه وإبطاله، وهو ما يعبر عنه بـ (خيار تخلف الشرط) .
قال السيد الخوئي (إذا امتنع المشروط عليه من فعل الشرط جاز للمشروط له إجباره عليه، والظاهر أن خياره غير مشروط بتعذر إجباره بل له الخيار عند مخالفته وعدم إتيانه بما اشترط عليه حتى مع التمكن من الإجبار – ثم قال – إذا لم يتمكن المشروط عليه من فعل الشرط كان للمشروط له الخيار في الفسخ....) (٤) .
٤- لا ينبغي الإشكال في قابلية الشرط للإسقاط بمعنى رفع الشارط يده عنه مجانا أو بعوض، وبإسقاطه ينتفي موضوع الحكم الشرعي بوجوب الوفاء به. لأن الشرط حق للمشروط له فله أن يرفع يده عنه.
стр. 19218
حكم الشرط الفاسد:
١- إذا كان الشرط في المعاملة فاسدا فلا ينبغي الإشكال في أنه لا يجب الوفاء به، لأن معنى فساده عدم ترتب حكمه عليه.
٢- هل الشرط الفاسد مفسد للعقد أم لا؟ فإن كان فاسد الشرط موجبا لاختلال العقد نفسه – كالشرط المنافي لمقتضى العقد – بطل العقد، وكذا إذا كان موجبا لاختلال شيء من الأمور المعتبرة في العوضين، كما لو اشترط وجود وصف مجهول في أحد العوضين حيث إنه يوجب الجهالة فيه، إنما الكلام فيما إذا لم يكن مخلا بالعقد ولا بشرائط العوضين.
والأقوال فيه ثلاثة: ١- ما نقل عن الشيخ والإسكافي وابني البراج وسعيد وهو القول بعدم الإفساد، ٢- ما نقل عن جملة من المتأخرين كالعلامة والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم وهو الإفساد، والأولون على قولين: الصحة مع الخيار وبدونه.
قال السيد الخوئي: (الظاهر أن فساد الشرط لا يسري إلى العقد المشروط فيه فيصح العقد ويلغو الشرط) (١) .
تعريف الشرط الجزائي:
المقصود من الشرط الجزائي هو التعويض الذي يحدده المتعاقدان مقدما في العقد جزاء على إخلال أحدهما بما تعاقد عليه أو التزم به أو تعهده في ضمن العقد، وقد يعبر عنه بـ (التعويض الاتفاقي) أو (وجه الالتزام) .
الأمثلة:
أمثلة الشرط الجزائي كثيرة، كما إذا تعهد البائع للمشتري أن يسلمه المبيع في يوم معين وإلا فعليه أن يدفع مبلغ كذا، أو شرط عليه أنه إذا ظهر المبيع مستحقا للغير فعليه أن يدفع كذا غرامة، أو تعهد الزوج لزوجته أن لا يتزوج عليها أو لا يطلقها وإلا كان عليه كذا من التعويض، أو اشتراط الدائن على المدين أنه لو لم يؤد الدين في الأجل المحدد فعليه أن يدفع كل شهر أو كل يوم كذا من المبلغ جزاء على التأخير.
وقد يعد من ذلك: العربون الذي يدفعه المشتري إلى البائع عند نكوله عن الشراء، أو الضمان الذي يشترطه المشتري على البائع عند بيعه مالا غير منقول خارج دائرة الطابو (٢) ... . . إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة للشرط الجزائي.
стр. 19219
حكم الشرط الجزائي:
اتضح أن الغرض من الشرط الجزائي أن يكون ضمانا للناس على العقود التي يعقدونها أو ما يلتزمون أو يتعهدون به ضمن العقود التي عقدوها مخافة نكول أحدهم عما عقد عليه أو التزمه أو تعهد به. وعليه يكون الشرط الجزائي من حيث الصحة والنفوذ مرتبطا بذلك العقد أو الالتزام المتفق عليه، فإن كان العقد أو الالتزام المتضمن للشرط الجزائي صحيحا من حيث الأمور المعتبرة في صحتها كان الشرط الجزائي المبتني عليه نافذا ومستحقا، وإلا فسوف يكون الشرط الجزائي باطلا ببطلان أصله، إذ ليس الشرط الجزائي إلا فرعا من ذلك العقد أو الالتزام، وأن الفرع يتبع الأصل، فإذا كان الأصل غير معتبر وغير ملزم بشيء للطرفين المتعاقدين كان الشرط الجزائي المبتني عليه غير معتبر قهرا وغير ملزم بشيء على المشروط عليه. وكذا يعتبر في صحة الشرط الجزائي أن لا يكون مستتبعا لأمر باطل كالربا، وإلا فيكون باطلا، إذ ما يستلزم الباطل باطل.
وعليه فالضابط العام في صحة الشرط الجزائي هو: أن لا يكون مبتنيا على أمر باطل ولا مستتبعا لما هو باطل، وأنه إذا كان كذلك صح ونفذ ووجب الوفاء به وجوبا تكليفيا شرعيا، لما ذكرنا من أدلة وجوب الوفاء بالشروط، وأن المؤمنين – أو المسلمين – عند شروطهم، مضافا إلى ما دل على وجوب الوفاء بالعقد بعد كون الشرط كالجزء من العقد، وعلى أساس هذا الضابط فلا تصح الشروط الجزائية في الموارد التالية:
١- الشروط الجزائية في المعاملات الباطلة الفاقدة لما يعتبر في صحة العقد من حيث شروط الصيغة أو العوضين أو المتعاقدين، كعقد الصبي إذا تضمن شرطا جزائيا أو المعاملات الربوية المتضمنة لشروط جزائية.
٢- إذا كان الشرط الجزائي مبتنيا على التزام باطل، كالالتزامات غير السائغة في أنفسها أو المخالفة للكتاب والسنة أو التي تكون منافية لمقتضى العقد أو الالتزامات الابتدائية أو ما تكون مجهولة بحيث توجب الغرر في البيع أو الالتزامات غير المقدورة أو ما ليس فيها غرض معتد به. فلو باعه العنب – مثلا – على أن يجعله خمرا وإلا فعليه كذا من المبلغ فهذا الشرط الجزائي باطل لكونه مبنيا على التزام غير سائغ في نفسه أو مخالف للكتاب والسنة. أو باعه شيئا بشرط أن لا يتصرف المشتري فيه وإلا فعليه كذا غرامة، أو اشترطت الزوجة في عقد النكاح أن لا يستمتع الزوج بها وإلا فعليه كذا من المبلغ، فالشرط الجزائي في هذين المثالين باطل لكونه مبنيا على ما هو مناف لمقتضى العقد أو حكمه. ولو وعد رجل امرأة بالزواج منها فإن مجرد الوعد من حيث إنه التزام ابتدائي لا يترتب عليه إلزام أحد الطرفين بالعقد في المستقبل، وكل شرط جزائي يتضمنه هذا الوعد يكون باطلا، وكذا لو اشترط المشتري في بيع الأم كونها حاملا مع جهالة الحمل فهذا الشرط باطل من حيث الجهالة ولزم الغرر، والشرط الجزائي المبتني عليه يكون باطلا قهرا.
وكما لو اشترط البائع في بيع الزرع أن يجعله سنبلا أو الرطب أن يجعله تمرا وإلا كان عليه كذا من المبلغ أو باعه العبد بشرط أن لا يأكل إلا الهريسة ولا يلبس إلا الخز وإلا فعليه كذا. فإن الشرط الجزائي في جميع هذا الصور باطل ببطلان أصله.
٣- إذا كان الشرط الجزائي مستتبعا لباطل، كما لو اشترط الدائن على المدين أن يدفع غرامة عن تأخيره عن أداء الدين، فإن هذا الشرط الجزائي باطل لاستلزامه الربا في القرض، كما سيأتي تفصيل ذلك.
стр. 19220
التطبيقات:
١- من أمثلة الشرط الجزائي – كما ذكرنا – العربون الذي يدفعه المشتري ضمانا على الشراء، وله صور:
أ- ان تنشأ المعاملة ثم يدفع المشتري جزءا من الثمن بعنوان العربون ضمانا على العقد. ففي هذه الصورة يجب على المشتري أن يدفع بقية الثمن لأن المعاملة قطعية ولازمة فيجب الوفاء بها، وإلا كان للطرف الآخر فسخ العقد.
ب- إذا لم تنشأ المعاملة بعد وإنما دفع المشتري مبلغا بعنوان العربون كي يحتفظ البائع بالسلعة للمشتري ولا يبيعها للغير، فحينئذ يكون دفع العربون مجرد التزام ابتدائي لا يلزم بشيء على المشتري، فإذا انصرف المشتري عن الشراء كان على البائع أن يرد العربون إليه لأن أكله حينئذ من دون رضاه أكل للمال بالباطل من دون أن تكون تجارة عن تراض.
وهناك صورة ثالثة وهي أن يعقد العقد ويجعل في ضمنه حق الفسخ للمشتري بإزاء العربون، ومرجعه في الحقيقة إلى اشتراط تملك البائع للعربون عند فسخ المشتري، فلا محذور في هذا الشرط، وبمجرد فسخ المشتري يتنجز ملكية البائع للعربون، وإن لم يفسخ كان العربون جزءا من الثمن وعليه أن يدفع بقية الثمن.
٢- إذا تعاقد بعقد واشترط في ضمنه أنه إذا انصرف أحدهما كان له الحق في الفسخ بشرط أن يدفع كذا من المبلغ لصاحبه، ومرده في الحقيقة إلى جعل حق الفسخ للمتعاقدين بازاء مبلغ معين، فهذا من أمثلة الشرط الجزائي الصحيح وفقا للضابط الذي ذكرناه، فإذا انصرف أحدهما عن المعاملة ودفع الشرط الجزائي المتفق عليه ثبت له الحق في الفسخ، ومن دون أداء الشرط الجزائي لا يجوز له فسخ المعاملة. نعم لو اشترط في ضمن العقد مجرد أنه إذا انصرف أحدهما كان عليه أن يدفع مبلغ كذا بطل الشرط الجزائي لأنه على خلاف الكتاب والسنة، إذ ليس في مقابله شيء له ماليته، فيكون أكله أكلا للمال بالباطل ومن دون صدق " تجارة عن تراض " عليه. وإن أمكنت المناقشة في هذا المثال.
٣- من أمثلة الشرط الجزائي – كما ذكرنا – هو الضمان الذي يشترطه المشتري على البائع عند بيعه مالا غير منقول خارج دائرة الطابو، فهذا الشرط صحيح ولا بأس به بناء على ما ذكرنا من الضابط للشروط الصحيحة.
٤- لو اشترط المشتري على البائع أنه متى ظهر المبيع مستحقا للغير فعليه أن يدفع كذا من المبلغ، فالظاهر أن هذا الشرط ليس بصحيح، لأنه عند تبين كونه مستحقا للغير تبطل المعاملة فيبطل الشرط الذي في ضمنه قهرا، وينقلب إلى كونه شرطا ابتدائيا، اللهم إلا إذا أوجب ذلك ضررا عليه وقد غره البائع في ذلك فيكون ضامنا بمقدار الضرر من باب قاعدتي (نفي الضرر) و (أن المغرور يرجع على من غره) . نعم لو اشترط هذا الشرط في ضمن عقد آخر فالظاهر صحة الشرط ووجوب الوفاء به.