٢- عقد البيع بالتقسيط:
اصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ، ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م القرار رقم ٥٣ / ٢ / ٦ بشأن البيع بالتقسيط جاء فيه:
٥- يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، مادام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد (١) .
وجاء أيضًا في القرار رقم ٦٦ / ٢ / ٧ بشأن البيع بالتقسيط الصادر في دورة المؤتمر السابع بجدة من ٧ – ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ ـ - ٩ – ١٤ مايو ١٩٩٢ م ما يلي:
٥- يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه، ما لم يكن معسرًا.
٦- إذا اعتبر الدين حالًا لموت المدين، أو إفلاسه، أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي (٢) .
هذا المثال من أمثلة الشرط الجزائي المنصوص عليه في القانون (٣) ، فالشرط الجزائي الأصل فيه أن يكون مبلغًا من النقود، ولكن يصح أن يكون شيئًا أو عملًا أو امتناعاً. . . (٤) .
يلحظ أن المجمع أصدر في الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط قرارين في الدورتين اللتين بحث فيهما عقد البيع بالتقسيط، والقراران يتفقان في جواز الشرط الجزائي في عقد البيع بالتقسيط، ولكنها يختلفان في الآتي:
١- القرار الأول نص على أن الاشتراط يكون في حالة البيع بالأجل، أما القرار الثاني فعبر (باتفاق المتداينين) ، وهذا التعبير يشمل دين البيع كما يشمل دين القرض، وهذا يعني أن المجمع أجاز هذا الشرط الجزائي في القرض، إذا كان أداؤه مقسطًا.
٢- القرار الأول عبر (بتأخر المدين) والقرار الثاني عبر (بامتناع المدين) .
٣- استثنى القرار الثاني من تطبيق الشرط الجزائي حالة إعسار المدين، ولم يتعرض لها القرار الأول.
هذا الشرط الجزائي من الشروط المعروفة عندنا في السودان التي تشترطها البنوك في حالة البيع بالتقسيط، وفي بيع المرابحة للآمر بالشراء، لأن الثمن فيه يكون دائمًا، إما مؤجلًا أو مقسطًا.
٤- زاد القرار الثاني فقرة بين فيها ما يدفعه المدين المماطل الذي حكم عليه بحلول الأقساط الباقية بناء على الشرط الجزائي، هل يدفعها كاملة، أم يحط عنه منها للتعجيل؟
بين القرار أنه يجوز في حالة الحط من المبلغ للتعجيل بالتراضي، وهذا الحكم غير كاف في نظري، وكان الأولى أن يكون القرار باتًا في الحكم بالحط للتعجيل، أو عدمه، لا أن يترك الأمر لتراضي الطرفين (٥) .
стр. 19147
ثانيًّا - عقود منع مجمع الفقه الإسلامي اشتراط الشرط الجزائي فيها:
١-: عقد البيع بالتقسيط
أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ ـ ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ القرار رقم ٥٣ / ٢ / ٦ بشأن البيع بالتقسيط جاء فيه:
٣- إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم.
٤- يحرم على المدين الملئ أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء (١) .
هذا القرار يمنع الشرط الجزائي في حالة تأخر المدين عن الأداء سواء أكان الدين دين قرض أم دين بيع، لأن هذا ربا محرم.
ويفهم من هذا القرار والقرار السابق أن العقد الواحد يجوز أن يشترط فيه الشرط الجزائي من جهة، ولا يجوز اشتراطه فيه من جهة أخرى، وهذا الحكم ينطبق أيضًا على عقد الاستصناع.
٢ - عقد السلم:
أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ – ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، ١ – ٦ نيسان (إبريل) ١٩٩٥ م القرار رقم ٨٥ / ٢ / ٩ بشأن السلم وتطبيقاته المعاصرة جاء فيه:
ز- لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عن التأخير (٢) .
стр. 19148
قرار مجلس هيئة كبار العلماء:
أصدر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية القرار رقم ٢٥ بتاريخ ٢١ / ٨ / ١٣٩٤ الذي ينص على الآتي:
(إن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة، أو لحق من ضرر، ويرجع في تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظرة) (١) .
يتضمن هذا القرار عددًا من الأحكام هي:
١) الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح يلزم الوفاء به.
هذا حكم عام يجوز اشتراط الشرط الجزائي المعمول به في البلاد العربية والبلاد الإسلامية الذي بينا حقيقته في أول بحثنا.
٢) استثنى القرار من لزوم الوفاء بالشرط الجزائي الحالة التي يوجد فيها عذر معتبر شرعًا للإخلال بالالتزام في العقد الأصلي.
هذا الاستثناء متفق في الجملة مع الاستثناء الذي ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٦٧ / ٣ / ٧ بشأن الشرط الجزائي في عقد الاستصناع (٢) ، ومتفق أيضًا مع ما يشترطه القانون المصري لاستحقاق الشرط الجزائي (٣) .
٣) استثنى القرار أيضًا الحالة التي يكون فيها الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي. . . فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر.
هذا الحكم معمول به في القانون، وقد سبق بيانه (٤) .
٤) جواز التعويض عما فات من منفعة.
هذا الحكم يتفق في الجملة مع ما يقرره القانون المصري من أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب (٥) .
٥) جواز التعويض عما لحق من ضرر.
هذا متفق مع القانون من حيث المبدأ، ولكن القانون نص على أنه يعوض عن الضرر المالي والضرر الأدبي، ولم يتعرض القرار لهذه المسألة، فيرجع فيها إلى الفقه الإسلامي، وقد بينا عدم جواز التعويض عن الضرر الأدبي (٦) .
بقيت مسألة هامة يجب التنبيه إليها هي أن القرار نص في أوله على (أن الشرط الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به. . .) (والعقود) لفظ عام يشمل كل عقد، فلو أخذنا بظاهره لجوزنا الشرط الجزائي في كل عقد، وهذا غير مراد قطعًا من النص، لأن من العقود ما لا يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيه باتفاق الفقهاء، فعقد القرض لا يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيه عن التأخير في السداد، لأن هذا ربا صريح، وكذلك اشتراطه في التأخير عن سداد جميع الديون أيا كان سببها، ولو كان التأخير مماطلة من المدين (٧) ، واستدلال بعض العلماء بقرار مجلس هيئة كبار العلماء على جواز وضع شرط جزائي يلزم المدين المماطل بدفع مبلغ من المال في حال المماطلة استدلال في غير محله، لأنه ليس في القرار نص في هذه المسألة، وفهمها من العموم الذي في كلمة العقود غير سليم، لأنه يؤدي إلى جواز الربا (٨) .
стр. 19149
ضابط العقود التي يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيها، والعقود التي لا يجوز اشتراطه فيها:
أستطيع مما ذكرته ومن غيره أن أستخلص ضابطًا للعقود التي يجوز اشتراط الشرط الجزائي فيها هو:
يجوز اشتراط الشرط الجزائي في جميع العقود ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا.
والعقود التي يكون الالتزام فيها دينًا ثلاثة: هي القرض، والبيع بثمن مؤجل، وعقد السلم.
ففي عقد القرض لا يجوز أن يشترط الدائن على المدين شرطًا جزائيًّا بدافع مبلغ من المال في حالة تأخره في السداد.
وفي عقد البيع بثمن مؤجل أو مقسط لا يجوز أيضًا أن يشترط البائع على المشتري شرطًا جزائيًّا بدفع مبلغ من المال في حالة تأخره عن الدفع في الأجل.
وكذلك لا يجوز في عقد السلم أن يشترط رب السلم على المسلم إليه شرطًا جزائيًّا بدفع مبلغ من المال في حالة تأخره عن تسليم المسلم فيه في الأجل.
وذلك لأن هذا الشرط يؤدي في الحالات الثلاث إلى الربا، ولا يتصور في هذه العقود الثلاثة اشتراط شرط جزائي في حالة عدم التنفيذ.
ويجوز اشتراط الشرط الجزائي في سائر العقود الأخرى، سواء أكان اشتراطه في حالة عدم التنفيذ، أما في حالة التأخير في التنفيذ، فيجوز اشتراطه في عقد الاستصناع على الصانع إذا لم ينفذ ما التزم بصنعه، كما يجوز اشتراطه عليه إذا تأخر في التنفيذ، حسب قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بلزوم عقد الاستصناع، ولا يجوز اشتراط الشرط الجزائي على المستصنع إذا تأخر في دفع المال الذي عليه في موعده، لأن المستصنع مدين (١) .
ومثل الاستصناع عقد المقاولة كما تقدم (٢) .
стр. 19150
وعقد المقاولة وعقد التوريد هما العقدان اللذان يكثر فيهما اشتراط الشرط الجزائي في حالة عدم التنفيذ، وفي حالة التأخير في التنفيذ، ولا خلاف بين الفقهاء المعاصرين في جواز الشرط الجزائي فيهما في حالة عدم التنفيذ، ولكن بعض الباحثين نازع في جواز الشرط الجزائي فيهما في حالة التأخير في التنفيذ.
يقول الدكتور رفيق المصري في بحثه عن (مناقصات العقود الإدارية، عقود التوريد ومقاولات الأشغال العامة) ٢ – ١٨ رأينا في الشرط الجزائي: التمييز بين التخلف والتأخير
١- وعلى هذا فإن الرأي في الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون (١) .
٢- وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز، لأنه يكون في حكم ربا النسيئة، والله أعلم.
وبهذا نكون قد ميزنا في الشرط الجزائي بين التخلف (عدم التنفيذ) والتأخير، وبهذا تمتنع غرامات التأخير في عقد التوريد (٢) .
ويؤيد الدكتور رفيق رأيه هذا بقوله:
(إذا اعتبرنا أن المبيع المستحق في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فإن في غرامة التأخير شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (٣) .
ووافق الدكتور رفيقًا كل من الشيخ حسن الجواهري (٤) ، والدكتور على محيي الدين القره داغي (٥) ، ولست معهم في هذا الرأي، لأن ما استدل به الدكتور رفيق غير مقبول عندي، واستدلال الدكتور رفيق هو: (أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدَّيْن)) .
стр. 19151
أقول: كون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساويًّا للدين فغير مسلم، لأن الالتزام أعم من الدين، فكل دين التزام، وليس كل التزام دينًا، والالتزام في عقد المقاولة ليس دينًا، وإنما هو التزام بأداء عمل، والمقاول قد يكون دائنًا لا مدينًا في كثير من الحالات، فالبنوك العقارية تقوم ببناء المساكن مقاولة وتتقاضى المقابل على أقساط بعد تسليم المبنى، وكذلك يفعل كبار المقاولين.
والفرق كبير جدًا بين التزام المقاول والمورد، والتزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل والمسلم إليه، فالتزام هؤلاء الثلاثة دين حقيقي ثبت في ذمتهم وأخذوا مقابله، أما التزام المقاول والمورد فهو التزام بأداء عمل لا يستحقون مقابله إلا بعد أدائه، والله أعلم.
غرامات التأخير غير الشرط الجزائي:
يخضع المتعاقد مع الدولة لغرامة تأخير لا تزيد في مجموعها على ٤ % من قيمة عقد التوريد و١٠ % من قيمة الأشغال العامة والصيانة، وقد تكون هذه الغرامة تصاعدية حسب مدة التأخير (١) .
يخلط بعض الباحثين بين غرامات التأخير هذه، والشرط الجزائي فيعتبرهما شيئًا واحدًا، وهذا غير صحيح، فغرامات التأخير تفرضها الحكومة على المتعامل معها في المناقصات الحكومية، وهي أقرب إلى العقوبة المالية، أما الشرط الجزائي فهو تقدير اتفق عليه المتعاقدان لقيمة التعويض عن الضرر الذي ينشأ عن الإخلال بالعقد كما بينا، ولهذا يطلق عليه بعضهم (٢) (التعويض الاتفاقي) ، وهذه التسمية أولى عندي من تسميته (الشرط الجزائي) ولكن الاصطلاح جرى واستقر على عبارة (الشرط الجزائي) .
وبحثي هذا خاص بالشرط الجزائي – التعويض الاتفاقي – ولا يتناول غرامات التأخير.
стр. 19152
الخاتمة والملخص
واقتراح مشروع قرار بشأن الشرط الجزائي
الشرط الجزائي المعمول به في البلاد العربية والبلاد الإسلامية هو تقدير اتفاقي للتعويض عن الضرر الذي يلحق الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه، أو إذا تأخر في تنفيذ التزامه، يشترط عند العقد الأصلي، أو بعده، وقبل حدوث الضرر، فهو التزام تابع لعقد أصلي، ويكثر اشتراطه في عقد المقاولة وعقد التوريد.
ومصدر الشرط الجزائي القوانين الغربية، أخذه القانون المصري عن القانون الفرنسي، وأدخل بعد التعديلات على أحكامه، وتبعت أكثر القوانين العربية القانون المصري.
بين القانون المصري أحكام الشرط الجزائي في المواد ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، وأهم هذه الأحكام أن الشرط الجزائي لا يستحق إلا إذا تحققت شروط استحقاق التعويض، وهي:
وجود ضرر يصيب الدائن، ووجود خطأ من المدين، ووجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر، وأعذار المدين.
وأخذت بالشرط الجزائي قوانين مستمدة من الفقه الإسلامي: منها القانون المدني الأردني، وقانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ م (السوداني) ، ومشروع قانون المعاملات المالية العربي الموحد مع اختلاف في بعض الأحكام.
وقد بحثت عن حكم هذا الشرط الجزائي فلم أجد دليلًا مباشرًا، على جوازه أو منعه، من قرآن أو سنة أو قول لصحابي أو فقيه من المقدمين، كما لم أجد ما يمكن أن يقاس عليه قياسا سليمًا من العقود الصحيحة، أو الفاسدة.
ولهذا اعتبرته من العقود المستحدثة التي تطبق عليها القاعدة التي اتفق الفقهاء المعاصرون على العمل بها وهي:
الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا، أو قياسًا.
واستعرضت ما يشتبه أن يكون مبطلًا للشرط الجزائي فلم أجد نصًا أو قياسًا يبطله من أساسه، ولكن وجدت ما يبطل بعض أحكامه التي يجيزها القانون مثال ذلك الضرر الذي يعوض عنه، وجدت القوانين تعوض عن الضرر المالي، والضرر الأدبي أو المعنوي، والفقه الإسلامي يعوض عن الضرر المالي، ولا يعوض عن الضرر الأدبي، ومثال آخر هو أن القانون يجيز الشرط الجزائي في جميع العقود، أما الفقه الإسلامي فلا يجيز الشرط الجزائي في العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا، لأن اشتراطه فيها يؤدي إلى الربا.
стр. 19153
وبناءً على هذه الحقائق اقترحت مشروع القرار التالي بشأن الشرط الجزائي:
١- الشرط الجزائي هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شرط له، عن الضرر الذي يلحقه، إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه.
٢- يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي، كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحق، قبل حدوث الضرر.
٣- يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا.
٤- الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي، وما لحق المضرور من خسارة، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.
٥- لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد.
٦- يجوز للمحكمة، بناءً على طلب أحد الطرفين أن تعدل في مقدار التعويض، إذا وجدت مبررًا لذلك.
والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الصديق محمد الأمين الضرير
أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون
جامعة الخرطوم
стр. 19154
ملحق رقم (١)
أولًا – قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ م (السوداني)
طريقة تقدير التعويض
١٥٤ – (٣) يجوز دائما أن يتفق الأطراف على قيمة التعويض، ولا يكره شخص على التنازل عن حقه في التعويض.
١٥٣- (١) يشمل التعويض الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته أو عرضه، أو في شرفه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي يوجب مسؤولية المتعدي عن التعويض.
١٥٢- تقدر المحكمة التعويض بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب....
ثانيًّا – مشروع قانون المعاملات المالية العربي الموحد
٣١٦ – يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدمًا مقدار التعويض بالنص عليه في العقد، أو في اتفاق لاحق، ويراعى في الحالين أحكام القانون , ولا سيما المواد ٢٨٢ – ٢٨٧.
٣١٨ – (١) لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقًا إذا اثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر.
(٢) يجوز للمحكمة أن تخفض التعويض إلى ما يساوي الضرر، إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغًا فيه، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه.
(٣) إذا جاوز الضرر مقدار التعويض الاتفاقي، نتيجة لغش أو خطأ جسيم من المدين، جاز للدائن أن يطالب بزيادة التعويض إلى القدر المساوي للضرر.
(٤) يقع باطلًا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرات السابقة.
٢٧٠ – يقدر التعويض في جميع الأحوال بقدر ما لحق بالمضرور من ضرر، وما فاته من كسب. . .
٣٧١ – يتناول حق التعويض الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه، أو شرفه، أو سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي يجعل المعتدي مسؤولا عن التعويض.
стр. 19155
ملحق رقم (٢)
ما عليه العمل في المملكة العربية السعودية
العمل في المملكة العربية السعودية لا يأخذ بالتعويض الاتفاقي للضرر – الشرط الجزائي – وإنما يفرض غرامة محددة في النظام على من أخل بالالتزام.
جاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودية، ص ١٠٧ ما يلي (١) :
إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملًا في المواعيد المحددة، ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعيًّا لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى تنبيه للمقاول، ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي:
١ % عن الأسبوع الأول.
١.٥ % عن الأسبوع الثاني.
٢ % عن الأسبوع الثالث.
٢.٥ % عما زاد عن ثلاثة أسابيع.
٣ % عن أي مدة تزيد عن أربعة أسابيع.
стр. 19156
ب بسم الله الرحمن الرحيم
تعليق على المادة (١٥٣) في قانون
المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤ التي تنص على الآتي
١٥٣ (١) يشمل التعويض الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه، أو في شرفه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي يوجب مسؤولية المتعدي عن التعويض.
هذه الفقرة من المادة مأخوذة من القانون الأردني المادة ٢٦٧ (١) وهذا نصها:
(يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته، أو في عرضه، أو في شرفه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي، يجعل المعتدي مسؤولا عن الضمان) .
والقانون الأردني أخذها من القانون العراقي المادة (٢٠٥) وهي تقابل المادة (٢٢٩) في القانون المصري.
جاء في أول الكلام في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة في القانون الأردني ما يلي:
(تتناول هذه المادة الضرر الأدبي وتقرر التعويض عنه، وقد استقر الرأي في العصر الحاضر على وجود التعويض عن الضرر الأدبي بوجه عام، بحد أن زال ما خامر الأذهان من عوامل التردد في هذا الصدد، وقد عمدت بعض التقنينات القديمة، كالتقنين الهولندي، وغالبية ساحقة من التقنينات الحديثة إلى إقرار هذا الحكم في نصوص التشريع، وقد بلغ من أمره هذه النزعة أن أورد المشرع الفرنسي الإيطالي بعض أمثلة تطبيقية في هذا الشأن فنص في المادة (٨٥) على ما يأتي:
(يجوز للقاضي بوجه خاص أن يحكم بتعويض المضرور عما يصيبه من ضرر في جسمه أو مساس بشرفه أو سمعته أو سمعة عائلته أو حريته الشخصية، أو انتهاك حرمة مسكنه أو حرمة سر يحرص عليه، وله كذلك أن يحكم للأقارب والأصهار والأزواج بالتعويض عما يصيبهم من ألم عند موت المضرور) .
واضح من هذا أن القانون الأردني متأثر بالقوانين الغربية في إقرار مبدأ التعويض عن الضرر الأدبي، بل في بعض جزئياته، والذي أريد الحديث عنه هو المبدأ وليس الجزئيات.
стр. 19157
تقرر المادة التعويض عن الضرر الأدبي، ويراد به في القانون الضرر الذي لا يصيب الشخص في ماله وقد أرجعه الدكتور السنهوري إلى أربعة أنواع:
١- ضرر أدبي يصيب الجسم كالجروح والتلف الذي يصيب الجسم والألم الذي ينجم من ذلك وما قد يعقب من تشويه، كل هذا يكون ضررًا ماديًّا وأدبيًّا إذا نتج عنه إنفاق المال في العلاج، أو نقص في القدرة على الكسب المادي، ويكون ضررًا أدبيًّا فحسب إذا لم ينتج عن ذلك.
٢- ضرر أدبي يصيب الشرف والاعتبار والعرض كالقذف والسب وهتك العرض. . . إلخ.
٣- ضرر أدبي يصيب العاطفة والشعور والحنان كانتزاع الطفل من حضن أمه وخطفه والاعتداء على الأولاد والأم والزوجة. . . إلخ.
٤- ضرر أدبي يصيب الشخص في مجرد الاعتداء على حق ثابت له، كدخول شخص أرضًا مملوكة لآخر بالرغم من معارضة المالك (١) .
كل هذه الأنواع من الضرر الأدبي يعوض عنها في القانون كما يعوض على الضرر العادي.
ويجوز التعويض عن الضرر الأدبي في كل من المسؤوليتين التقصيرية والعقدية حسب نص هذه المادة (٢) .
التعويض في الفقه الإسلامي يكون عن الضرر المالي الواقع فعلًا، ولا تقبل قواعد الفقه الإسلامي، التعويض عن الضرر الأدبي على النحو الذي يقرره القانون (٣) .
وإذا نظرنا إلى أمثلة الضرر الأدبي الواردة في القانون نجد بعضها جعل له الشارع عقوبة جنائية محددة كحد القذف، وبعضها فيه الجزاء المالي كما في الديات والأروش وحكومة العدل، وهذا النوع فيه شبه التعويض وشبه العقوبة وهو إلى العقوبة أقرب.
стр. 19158
وبعض الأمثلة ليس فيه جزاء مالي ولا عقوبة محددة ولكن يجوز فيه التعزير بما يراه الحاكم (١) .
وقد حاول بعض الباحثين تأصيل التعويض عن الضرر الأدبي من الفقه الإسلامي، وساقوا لذلك بعض الأدلة:
ومن ذلك ما ذهب إليه واضعوا المذكرات الإيضاحية للقانون الأردني.
جاء في المذكرة الإيضاحية للمادة ٢٦٧:
(وفي الفقه الإسلامي ما يفيد التعويض عن الضرر الأدبي:
ففي الفقه الحنفي جاء في مبسوط السرخسي (٢٦ / ٨١) :.
أنه روى عن محمد بن الحسن الشيباني في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى له أثر أنه (تجب حكومة العدل بقدر ما لحقه من الألم) .
وفي الفقه الزيدي جاء في البحر الزخار (٥ / ٢٨٠)
(ومن أصاب سنًا فاضطربت انتظر برؤها المدة التي يقول أهل الخبرة تبرأ فيها، فإن سقطت فدية، وإن بقيت فحكومة. . . وفي الألم حكومة. . . وفي الإيلام ... وفي السن الزائدة على العد حكومة إذ لا منفعة ولا جمال) .
وفيه أيضًا ص ٢٨٢: ولا شيء في قطع طرف الشعر إذ لا يؤثر في الجمال فإن أثر بأن أخذ النصف فما فوق فحكومة لما فيه من الزينة.
وفي فقه الشيعة جاء في شرائع الإسلام للحلي (القسم الرابع ص ٢٢٦) :
ولو أنبت الإنسان في موضع السن المقلوعة عظمًا فنبت فقلعه قالع. . أن فيه الأرش لأنه يستصحب ألمًا وشينا.
وفي المغنى الحنبلي (٦ / ٦٢٣ – ٦٢٤) : وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما. . . وقال مالك والثوري: إن ذهب اللبن وجبت ديتهما وإلا وجبت حكومة بقدر شينه.
وظاهر من هذه النصوص أن الألم يعرض عنه كذا الشين وتفويت الجمال، وهذه كلها تنطوي على أضرار أدبية لما يحدثه الفعل في نفس المضرور من ألم حسي أو نفسي) (٢) .
стр. 19159
وهذا الاستظهار غير ظاهر عندي، لأن هذه النصوص تدل على الجراحات التي تترك شيْنًا، أو تفوت جمالًا أو منفعة، أو تحدث ألمًا فيها حكومة العدل. وحكومة العدل، وإن كان فيها معنى التعويض فهي في الحقيقة عقوبة على الجاني كالدية، ويؤيد هذا أن بعض فقهاء المالكية يوجب مع الحكومة أجرة الطبيب وثمن الدواء (١) ، وهذا هو التعويض عن الخسارة المالية التي تحملها المضرور (٢) .
ثم إن النصوص الفقهية التي تدل على منع التعويض في الضرر الأدبي أوضح من هذه النصوص التي استدل بها واضعو المذكرات الإيضاحية على جوازه:
من ذلك ما أورده واضعو المذكرات أنفسهم نقلًا عن (المغنى) لابن قدامة (٦ / ٦٦٥) : وإن لطمه على وجهه فلم يؤثر في وجهه فلا ضمان عليه لأنه لم ينقص به جمال ولا منفعة، ولم يكن له جمال ينقص فيها فلم يضمنه كما لو شتمه (٣) .
وقد أورد واضعوا المذكرات الإيضاحية على ما استدل به مانعو التعويض في الضرر الأدبي من أن (التعويض يقوم على إحلال مال محل مال فاقد مكافئ ليقوم مقامه ويسد مسده، أم الضرر الأدبي فلا يتمثل في فقد مال كان موجودًا) ردوا على هذا الاستدلال بثلاثة ردود هذا نصها (٤) .
١- السند في الباب هو حديث رسول الله ﷺ أنه قال ((لا ضرر ولا ضرار)) وهو نص عام فقصره على الضرر المادي تخصيص بغير مخصص.
ويرد على هذا بأن هذا النص عام في الضرر المنهي عنه الواجب دفعه أو إزالته، وليس نصًا عامًا في الضرر الذي يجوز التعويض عنه بالمال، فكل ما يصدق عليه: لفظ الضرر منهي عنه بعموم هذا الحديث، وواجب دفعه أو إزالته، وبناءً على هذا الحديث وضع الفقهاء قاعدة: (الضرر يدفع بقدر الإمكان) (٥) . وقاعدة (الضرر يزال) (٦) وليس في الحديث ما يدل على أن التعويض المالي مشروع لإزالة كل ضرر، هذا فضلًا عن أن التعويض المالي لا يدفع الضرر الأدبي ولا يزيله.
٢- ليس المقصود بالتعويض مجرد إحلال مال محل مال، بل يدخل في الغرض منه المواساة إن لم تكن المماثلة ومن أظهر التطبيقات على ذلك الدية والأرش فليس أحدهما بدلًا من مال ولا عما يقوم بمال. ويرد على هذا بما قلناه سابقًا من أن الدية ليست تعويضًا وإنما هي عقوبة من الشارع ومثلها الأرش.
٣- إن القول بعدم التعويض عن الضرر الأدبي يفتح الباب على مصراعيه للمعتدين على أعراض الناس وسمعتهم، وفي هذا من المفسدة الخاصة والعامة ما فيه ما يجعل من الواجب معالجته، ومن أسباب العلاج تقرير التعويض.
ويرد على هذا بأن هذه الحجة مقبولة على أن المانعين للتعويض المالي لم يعالجوا ما يترتب على الضرر الأدبي من مفسدة، ولكن الواقع أنهم عالجوه بعلاج أنجع من علاج القانون وهو التعزير، ولنأخذ مثلًا الضرر الأدبي الذي يصيب الشرف والاعتبار والعرض كالقذف والسب. . . فإن القانون يعالج ما لحق المضرور بالتعويض المالي، والفقه الإسلامي يعالجه بالحد ثمانين جلدة أو بالتعزير بما يراه الحاكم، والعلاج الفقهي أشد درعًا للمفسدين من العلاج القانوني (٧) .
وبناءً على هذا فإني لا أجد لمبدأ التعويض الأدبي على النحو الذي يقرره القانون أصلًا يعتد عليه في الفقه الإسلامي، ولا أرى مصلحة في الأخذ به.
البروفيسور الصديق محمد الأمين الضرير
стр. 19160
ملحق رقم (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المملكة العربية السعودية رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
قرار رقم (٢٥) وتاريخ ٢١ / ٨ / ١٣٩٤ هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناءً على ما تقرر في الدورة الرابعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين ٢٨ / ١٠ و١٤ / ١١ /٩٣ هـ من الرغبة في دراسة موضوع الشرط الجزائي، فقد جرى إدراجه في جدول أعمال الهيئة في دورتها الخامسة المنعقدة فيما بين ٥ و٢٢ / ٨ / ١٣٩٤ هـ في مدينة الطائف.
ثم جرى دراسة الموضوع في هذه الدورة بعد الاطلاع على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبعد مداولة الرأي والمناقشة، واستعراض المسائل التي يمكن أن يقاس عليها الشرط الجزائي، ومناقشة توجيه قياسه على تلك المسائل والإيراد عليه، وتأمل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، ما روي عنه ﷺ من قوله: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) ولقول عمر ﵁: (مقاطع الحقوق عند الشروط) والاعتماد على القول الصحيح من أن الأصل في الشروط الصحة، وأنه لا يحرم منها أو يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا أو قياسًا.
واستعراض ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة وتقسيم الصحيحة إلى ثلاثة أنواع أحدها: شرط يقتضيه العقد كاشتراط التقابض وحلول الثمن، الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به أو صفة في المثمن ككون الأمة بكرًا. الثالث شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته ولا منافيًّا لمقتضاه كاشتراط البائع سكنى الدار شهرًا، وتقسيم الفاسدة على ثلاثة أنواع أحدها: اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدًا آخر كبيع أو إجارة أو نحو ذلك. الثاني: اشتراط ما ينافي مقتضى العقد كأن يشترط في المبيع ألا خسارة عليه أو ألا يبيع أو يهب ولا يعتق. الثالث: الشرط الذي يتعلق به العقد كقوله بعتك إن جاء فلان. وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له والاستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلًا قال لكريه أدخل ركباك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه، وقال أيوب عن ابن سرين: أن رجلًا باع طعامًا وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجيء، فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه، وفضلًا عن ذلك فهو في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
стр. 19161
لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وبقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الخامسة
عبد العزيز بن عبد الله الباز
عبد الله بن حميد عبد الله خياط عبد الرزاق عفيفي
محمد الحركان عبد المجيد حسن عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون إبراهيم بن محمد آل الشيخ سليمان بن عبيد محمد بن جبير عبد الله بن غديان راشد بن خنين
стр. 19162
الشرط الجزائي
إعداد
الأستاذ الدكتور علي أحمد السالوس
أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة – جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله تعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعزِّ سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله خير البشر، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم القيامة.
أما بعد: فقد قمت بهذا البحث تلبيًة لدعوة كريمة من سماحة الأمين العام للمجمع، حفظه الله تعالى ورعاه، وقسمت البحث إلى ثمانية مباحث، جعلت الأول للتعريف بالشروط وأقسامها، والأربعة التالية لبيان الشروط عند المذاهب الأربعة، أما جوهر البحث ولبه فهو في المباحث الثلاثة الأخيرة.
ففي المبحث السادس نظرت في الأحاديث الشريفة التي أستدل بها الأئمة الأعلام؛ تخريجها ودرجتها وفقهها، وناقشت الأقوال المختلفة مع الترجيح.
والمبحث السابع جعلته لما أظهرته الدراسة السابقة من ترجيح ما يتصل بالشروط الوضعية ومنها الشرط الجزائي.
والمبحث الأخير جعلته للحديث عن الشرط الجزائي في المعاملات المعاصرة.
وإذا كان البحث زاد على الحد الأقصى للصفحات فإن ذلك يرجع إلى المباحث الخمسة الأولى، وهي ضرورية للوصول إلى الثلاثة الأخيرة.
والخمسة الأولى تقرير ما هو واقع، وليس فيها مجال للاجتهاد، ولذلك يمكن أن تكون بين يدي القارئ الكريم يرجع إليها متى شاء عند الإشارة أو الإحالة إليها، ويبدأ القراءة بالمبحث السادس، هذا ما أعاننا الله عليه، وهدانا إليه، فنسأله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 19163
المبحث الأول
الشروط وأقسامها
المطلب الأول
تعريف الشرط
الشرط – في اللغة – إلزام الشيء والتزامه، والجمع شروط، وقد شرط له وعليه كذا من باب ضرب ونصر، واشترط عليه والشريطة كالشرط، وجمعها شرائط.
والشرط – بالتحريك – أي بفتحتين: العلامة، والجمع: أشراط، وأشراط الساعة: علاماتها (١) .
والشرط – في الاصطلاح – ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، لذاته.
وهذا التعريف جاء دون شرح أو بيان في مطالب أولي النهي (٢) ، وفي جمع الجوامع، وعلى الأخير جاء شرح الجلال المحلي، وحاشية البناني حيث ذكر أن التعريف فيه ثلاثة قيود:
القيد الأول هو قوله: (يلزم من عدمه العدم) ، احترز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء.
والقيد الثاني هو قوله: (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم) ، احترز به من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود، وهذا القيد يخرج المانع أيضًا لأنه يلزم من وجوده العدم.
والقيد الثالث: هو قوله: (لذاته) ، احترز به من مقارنة الشرط للسبب فيلزم الوجود، كوجود الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة، مع النصاب الذي هو سبب للوجوب، ومع مقارنته للمانع، كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة، فيلزم العدم، فلزم الوجوب والعدم في ذلك لوجود السبب والمانع لا لذات الشرط.
стр. 19164
فهذا القيد للبيان ودفع توهم لزوم الوجود من وجود الشرط إذا قارن السبب، لأنه ترتب الوجود حينئذ على السبب لا على الشرط، ودفع توهم لزوم العدم من وجود الشرط إذا قارن المانع، لأن ترتب العدم حينئذ على وجود المانع لا على وجود الشرط (١) .
وقال الآمدي: (قال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره، لا في ذاته.
وهو فاسد: فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى، وكونه عالمًا، ولا تأثير ولا مؤثر.
والحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببًا لوجوده، ولا داخلًا في السبب) (٢) .
وأخذ يبين رأيه، وقال بعد ذلك:
(وهو منقسم إلى شرط عقلي، كالحياة للعلم والإرادة، وإلى شرعي، كالطهارة والصلاة، والإحصان للرجم، وإلى لغوي، وصيغه كثيرة، وهي: (إن) الخفيفة، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، أينما، وإذ ما، وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية) (٣) .
стр. 19165
الفرق بين الشرط والسبب والمانع:
فيما سبق إشارة إلى الفرق بين الشرط والسبب والمانع:
وقد فصل الشاطبي حيث قال: الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها، أو توضع فتقتضيها على الجملة ضربان: أحدهما خارج عن مقدور المكلف، والآخر ما يصح دخوله تحت مقدوره.
فالأول: قد يكون سببا، ويكون شرطًا، ويكون مانعًا، فالسبب مثل كون الاضطرار سببًا في إباحة الميتة، وخوف العنت سببًا في إباحة نكاح الإماء، والسلس سببًا في إسقاط وجوب الوضوء لكل صلاة مع وجود الخارج، وزوال الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر سببًا في إيجاب تلك الصلوات – وما أشبه ذلك. والشرط ككون الحول شرطًا في إيجاب الزكاة، والبلوغ شرطًا في التكليف مطلقًا، والقدرة على التسليم شرطًا في صحة البيع، والرشد شرطًا في دفع مال اليتيم إليه، وإرسال الرسل شرطًا في الثواب والعقاب، وما كان نحو ذلك، والمانع ككون الحيض مانعًا من الوطء والطلاق والطواف بالبيت ووجوب الصلوات وأداء الصيام، والجنون مانعًا من القيام بالعبادات وإطلاق التصرفات، وما أشبه ذلك.
وأما الضرب الثاني فله نظران،: نظر من حيث هو مما يدخل تحت خطاب التكليف مأمورًا به أو منهيًّا عنه، أو مأذونًا فيه، من جهة اقتضائه للمصالح أو المفاسد جلبًا أو دفعًا، كالبيع والشراء للانتفاع، والنكاح للنسل، والانقياد للطاعة لحصول الفوز، وما أشبه ذلك، وهو بين. ونظر من جهة ما يدخل تحت خطاب الوضع إما سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أما السبب فمثل كون النكاح سببًا في حصول التوارث بين الزوجين وتحريم المصاهرة، وحلية الاستمتاع، والذكاة سببًا لحلية الانتفاع بالأكل، والسفر سببًا في إباحة القصر والفطر، والقتل والجرح سببًا للقصاص، والزنى وشرب الخمر والسرقة والقذف أسبابًا لحصول تلك العقوبات، وما أشبه ذلك، فإن هذه الأمور وضعت أسبابًا لشرع تلك المسببات.
وأما الشرط فمثل كون النكاح شرطًا في وقوع الطلاق أو في حل مراجعة المطلقة ثلاثًا، والإحصان شرطًا في رجم الزاني، والطهارة شرطًا في صحة الصلاة، والنية شرطًا في صحة العبادات، فإن هذه الأمور وما أشبهها ليست بأسباب ولكنها شروط معتبرة في صحة تلك المقتضيات.
وأما المانع فككون الأخت مانعًا من نكاح الأخرى، ونكاح المرأة مانعًا من نكاح عمتها وخالتها، والإيمان مانعًا من القصاص للكافر، والكفر مانعًا من قبول الطاعات، وما أشبه ذلك.
وقد يجتمع في الأمر الواحد أن يكون سببًا وشرطًا ومانعًا؛ كالإيمان هو سبب في الثواب، وشرط في وجوب الطاعات أو في صحتها، ومانع من القصاص منه للكافر، ومثله كثير، غير أن هذه الأمور الثلاثة لا تجتمع للشيء الواحد، فإذا وقع سببًا لحكم شرعي فلا يكون شرطًا فيه نفسه ولا مانعًا له لما في ذلك من التدافع، وإنما يكون سببًا لحكم وشرطًا لآخر ومانعًا لآخر. ولا يصح اجتماعها على الحكم الواحد، ولا اجتماع اثنين منها من جهة واحدة؛ كما لا يصح ذلك في أحكام خطاب التكليف (١) .
стр. 19166
المطلب الثاني
أقسام الشروط
١- الشروط الشرعية:
قال الشاطبي: الشروط المعتبرة في المشروعات شرعًا على ضربين:
أحدهما: ما كان راجعًا إلى خطاب التكليف _ إما مأمورًا بتحصيلها – كالطهارة للصلاة، وأخذ الزينة لها، وطهارة الثوب وما أشبه ذلك – وأما منهيًّا عن تحصيلها – كنكاح المحلل الذي هو شرط لمراجعة الزوج الأول، والجمع بين المفترق والفرق بين المجتمع خشية الصدقة، الذي هو شرط لنقصان الصدقة، وما أشبه ذلك، فهذا الضرب واضح قصد الشارع فيه، فالأول مقصود الفعل؛ والثاني مقصود الترك، وكذلك الشرط المخير فيه – إن اتفق – فقصد الشارع فيه جعله لخيرة المكلف: إن شاء فعله فيحصل المشروط، وإن شاء تركه فلا يحصل.
والضرب الثاني ما يرجع إلى خطاب الوضع؛ كالحول في الزكاة، والإحصان في الزنى، والحرز في القطع وما أشبه ذلك. فهذا الضرب ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو شرط، ولا في عدم تحصيله، فإبقاء النصاب حولًا حتى تجب الزكاة فيه، ليس بمطلوب الفعل أن يقال يجب عليه إمساكه حتى تجب عليه الزكاة فيه، ولا مطلوب الترك أن يقال يجب عليه إنفاقه خوفًا أن تجب فيه الزكاة. وكذلك الإحصان لا يقال إنه مطلوب الفعل ليجب عليه الرجم إذا زنى، ولا مطلوب الترك لئلا يجب عليه الرجم إذا زنى (١) .
٢- الشروط الجعلية أو الوضعية:
الشروط المعتبرة في المشروطات شرعًا، سواء ما كان راجعًا إلى خطاب التكليف وما كان راجعًا إلى خطاب الوضع، كلها شروطًا شرعية؛ فالشرع هو الذي اشترطها وليس المكلف.
أما الشروط الجعلية فهي الشروط التي يشترطها المكلف، كشروط المتعاقد في العقد، وشروط الواقف، وشروط الموصي.
إذن ما اشترطه الشرع فهو شرط شرعي، وكل ما اشترطه المكلف فهو شرط جعلي.
فمثلًا اشتراط أن يكون محل العقد متقومًا، والأهلية وعدم الغرر، شروط شرعية.
واشتراط الكفيل لضمان الثمن، والرهن، وخيار الشرط، شروط جعلية.
ومن المعلوم أن الشرط الجزائي – موضوع البحث – من الشروط الجعلية. ولذلك نبحث هذه الشروط بالتفصيل في المذاهب المختلفة المعتبرة.
تعريف الشرط الجزائي:
عرفنا المراد بالشرط، فالمراد بالجزائي:
الجزاء: المكافأة على الشيء، جزاه به وعليه جزاء، والجزاء يكون ثوابًا ويكون عقابًا ويستعمل في الخير والشر (٢) .
والمراد بالجزاء هنا العقاب لا الثواب، والشرط الجزائي يعني الجزاء المترتب على الإخلال بالشرط، والمكافأة على الإخلال بالشرط لا تكون ثوابًا.
وستأتي أمثلة كثيرة متنوعة عند الحديث عن الشرط الجزائي في المعاملات المعاصرة في المبحث الثامن (٣) .
стр. 19167
المبحث الثاني
الشروط عند الحنفية
قال المرغياني:
" ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه أو أمة على أن يستولدها فالبيع فاسد " لأن هذا بيع وشرط، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط.
ثم جملة المذهب فيه أن يقال: كل شرط يقتضيه العقد كشرط الملك للمشتري لا يفسد العقد لثبوته بدون الشرط، وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق يفسده كشرط أن لا يبيع المشتري العبد المبيع لأن فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدي إلى الربا، أو لأنه يقع بسببه المنازعة فيعرى العقد عن مقصوده إلا أن يكون متعارفًا لأن العرف قاض على القياس، ولو كان لا يقتضيه العقد ولا منفعة فيه لأحد لا يفسده، وهو الظاهر من المذهب، كشرط لا يبيع المشتري الدابة المبيعة، لأنها انعدمت المطالبة فلا يؤدي إلى الربا ولا إلى المنازعة. إذا أثبت هذا فنقول: إن هذه الشروط لا يقتضيها العقد لأن قضيته الإطلاق في التصرف والتخيير لا الإلزام حتمًا، والشرط يقتضي ذلك، وفيه منفعة للمعقود عليه.
وقال:
" وكذلك لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا، أو دارًا على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهمًا، أو على أن يهدي له هدية " لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، ولأنه ﵊ نهى عن بيع وسلف، ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﵊ عن صفقتين في صفقة.
ثم قال:
الكتابة والإجارة والرهن بمنزلة البيع لأنها تبطل بالشروط الفاسدة.
والهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عند دم العمد هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة (١) .
стр. 19168
وقال البابرتي في شرحه:
قال: (ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري) شرع في بيان الفساد الواقع في العقد بسبب الشرط، وذكر أصلًا جامعًا لفروع أصحابنا، وتقريره أن الشرط ينقسم أولًا إلى ما يقتضيه العقد وهو الذي يفيد ما يثبت بمطلق العقد: كشرط المالك للمشتري، وشرط تسليم الثمن، أو المبيع، وإلى ما لا يقتضيه وهو ما كان بخلاف ذلك، وهذا ينقسم إلى ما كان متعارفًا وإلى ما ليس كذلك، وهذا ينقسم إلى ما فيه منفعة لأحد المتعاقدين وإلى ما ليس فيه ذلك، وهذا ينقسم إلى ما فيه منفعة للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق وإلى ما هو بخلافه في القسم الأول جاز البيع، والشرط يزيده وكادة. لا يقال: نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط، وهو بإطلاقه يقتضي عدم جوازه، لأنه في الحقيقة ليس بشرط حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق.
وفي الأول من القسم الثاني، وهو ما كان متعارفًا، كبيع النعل مع شرط التشريك، كذلك، لأن الثابت بالعرف قاضٍ على القياس، لا يقال فساد البيع شرط ثابت بالحديث، والعرف ليس بقاضٍ عليه، لأنه معلول بوقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به وهو قطع المنازعة، والعرف ينفي النزاع فكان موافقًا لمعنى الحديث فلم يبق من الموانع إلا القياس على ما لا عرف فيه بجامع كونه شرطًا، والعرف قاضٍ عليه، وفيما إذا لم يكن متعارفًا وفيه منفعة لأحد المتعاقدين كبيع عبد بشرط استخدام البائع مدة يكون العقد فاسدًا لوجهين؛ لأنه فيه زيادة عارية عن العوض لأنهما لما قصدًا المقابلة بيع المبيع والثمن خلا الشرط عن العوض وهو الربا. لا يقال: لا تطلق الزيادة إلا على المتجانسين للمزيد عليه والمشروط منفعة فكيف يكون ربا؛ لأنه مال جاز أخذ العوض عليه ولم يعوض عنه بشيء فكان ربا، ولأنه يقع بسبب المنازعة في مقصوده فيعرى العقد عن مقصوده من قطع النزاع لما عرف في بيان أسباب الشرائع.
وفيما إذا كان فيه منفعة للمعقود عليه كشرط أن لا يبيع المشتري العبد المبيع فإن العبد يعجبه أن لا تتداوله الأيدي وتمام العقد بالمعقود عليه حتى لو زعم أنه حر كان البيع باطلًا، فاشتراط منفعته كاشتراط منفعة أحد المتعاقدين فهو فاسد بالوجهين.
وفيما إذا لم يكن فيه منفعة لأحد فالبيع صحيح والشرط باطل، كشرط أن لا يبيع الدابة المبيعة لأنه لا مطالب له بهذا الشرط فلا يؤدي إلى الربا ولا إلى المنازعة، فكان الشرط لغوًا، وهو ظاهر المذهب، وفي رواية عن أبي يوسف أنه يبطل البيع به، نص عليه في آخر المزارعة لتضرر المشتري به من حيث إنه يتعذر عليه التصرف في ملكه، والشرط الذي فيه ضرر كالشرط الذي فيه منفعة لأحد المتعاقدين.
والجواب أن المعتبر المطالبة وهي تتوجه بالمنفعة في الشرط دون الضرر، وإذا ثبت هذا ظهر أن بيع العبد بشرط أن يعتقه المشتري , يدبره أو يكاتبه، أو أمة على أن يستولدها المشتري، فاسد لأنها شروط لا يقتضيها العقد، وفيها منفعة للمعقود عليه، لأن قضيته الإطلاق في التصرف والتخير لا الإلزام، والشرط يقتضي الإلزام حتمًا، والمنافاة بينهما ظاهرة، وليس أحدهما من العقد والشرط أولى بالعمل من الآخر، فعملنا بهما وقلنا إنه فاسد، والفاسد ما يكون مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه؛ فبالنظر إلى وجود ركن العقد كان مشروعًا، وبالنظر إلى عروض الشرط كان غير مشروع فكان فاسدًا (١) .
стр. 19169
والكاساني تحدث عن الشروط الفاسدة وقال:
هي أنواع، منها: شرط في وجوده غرر، وذكر عددًا من المسائل، ثم قال: وإن شئت أفردت لجنس هذه المسائل شرطًا على حده، وخرجتها إليه فقلت: ومنها أن لا يكون المشروط محظورًا فافهم.
ثم قال: (ومنها شرط) لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو المشتري أو للمبيع إن كان من بني آدم كالرقيق، وليس بملائم للعقد، ولا مما جرى به التعامل بين الناس، نحو ما إذا باع دارًا على أن يسكنها البائع شهرًا ثم يسلمها إليه، أو أرضًا على أن يزرعها سنة، أو دابة على أن يركبها شهرًا، أو ثوبًا على أن يلبسه أسبوعًا، أو على أن يقرضه المشتري قرضًا، أو على أن يهب له هبة، أو يزوج ابنته منه، أو يبيع منه كذا، ونحو ذلك. أو اشترى ثوبًا على أن يخيطه البائع قميصًا، أو حنطة على أن يطحنها، أو ثمرة على أن يجذها، أو ربطة قائمة على الأرض على أن يجذها، أو شيئًا له حمل ومؤنة على أن يحمله البائع إلى منزله، ونحو ذلك، فالبيع في هذا كله فاسد، لأن زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون ربا لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وهو تفسير الربا. والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة الربا وإنها مفسدة للبيع كحقيقة الربا على ما نقرره إن شاء الله تعالى.
وكذا لو باع جارية على أن يدبرها المشتري أو على أن يتسولدها فالبيع فاسد؛ لأنه شرط فيه منفعة وأنه مفسد. وكذا لو باعها بشرط أن يعتقها المشتري، فالبيع فاسد في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروى الحسن عن أبي حنيفة – ﵄ – أنه جائز.
وبين ما يؤيد كلا من الرأيين في شرط الإعتاق، ثم قال:
(وأما) فيما سوى الرقيق إذا باع ثوبًا على أن لا يبيعه المشتري، أو لا يهبه، أو دابة على أن لا يبيعها، أو يهبها، أو طعامًا على أن لا يأكله ولا يبيعه، ذكر في المزارعة ما يدل على جواز البيع فإنه قال: لو شرط أحد المزارعين في المزارعة على أن لا يبيع الآخر نصيبه ولا يهبه فالمزارعة جائزة والشرط باطل. وهكذا روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة ﵀. وفي الإملاء عن أبي يوسف: البيع بهذا الشرط فاسد (ووجهه) أنه شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا جرى به التعارف بين الناس فيكون مفسداً كما في سائر الشرائط المفسدة، والصحيح ما ذكر في المزارعة، لأن هذا شرط لا منفعة لأحد، فلا يوجب الفساد، وهذا لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض ولم يوجد في هذا لأنه لامنفعة فيه لأحد، إلا أنه شرط فاسد في نفسه لكنه لا يؤثر في العقد فالعقد جائز والشرط باطل.
ولو باع ثوباًعلى أن يحرقه المشتري أو داراً على أن يخربها فالبيع جائز والشرط باطل. لأن شرط المضرة لايؤثر في البيع على ما ذكرنا.
(وأما) الشرط الذي يقتضيه العقد فلا يوجب فساده. كما إذا اشترى بشرط أن يمتلك المبيع أو باع بشرط أن يمتلك الثمن ونحو ذلك فالبيع جائز؛ لأن البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط فكان ذكرها في معرض الشرط تقريراً لمقتضى العقد فلا توجب فساد العقد. وكذلك الشرط الذي لا يقتضيه العقد لكنه ملائم للعقد لا يوجب فساد العقد أيضًا، لأنه مقرر لحكم العقد من حيث المعنى مؤكد إياه، فيلحق بالشرط الذي هو من مقتضيات العقد وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشتري بالثمن رهنًا أو كفيلًا والرهن معلوم والكفيل حاضر فقبل وجملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن أن الرهن لا يخلو إما أن يكون معلومًا أو مجهولًا، فإن كان معلومًا فالبيع جائز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز، لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسدًا، إلا أنّا استحسنا الجواز لأن هذا الشرط لو كان مخالفًا مقتضى العقد صورة فهو موافق له معنى، لأنه الرهن بالثمن شرع توثيقًا للثمن، وكذا الكفالة، فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة فكان كل واحد منهما مقررًا لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن وأنه لا يوجب فساد العقد فكذا هذا.
стр. 19170
ثم قال: ولو شرط المشتري على البائع أن يحيله بالثمن على غريم من غرمائه، أو على أن يضمن الثمن لغريم من غرماء البائع، فالبيع فاسد؛ لأن شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد، والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل إلا إذا كان فيه تقرير موجب العقد وتأكيده، والحوالة إبراء عن الثمن وإسقاط له فلم يكن ملائمًا للعقد بخلاف الكفالة والرهن، وكذلك إن كان مما لا يقتضيه العقد ولا يلائم العقد أيضًا لكن للناس فيه تعامل فالبيع جائز، كما إذا اشترى نعلًا على أن يحذوه البائع، أو جرابًا على أن يخرزه له خفًا أو ينعل خفه. والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر ﵀ (وجه) القياس أن هذا شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين وأنه مفسد كما إذا اشترى ثوبًا بشرط أن يخيطه البائع له قميصًا ونحو ذلك. (ولنا) أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع كما تعاملوا الاستصناع فسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع (١) .
стр. 19171
الخلاصة
الشروط الصحيحة:
مما سبق نرى أن الشروط تكون صحيحة عند الحنفية في ثلاثة حالات:
الحالة الأولى:
الشرط الذي يقتضيه العقد، كشرط البائع تسليم الثمن، وشرط المشتري تملك المبيع، وشرط المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، وهذا في الحقيقة ليس بشرط؛ حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق بغير الشرط، فالشرط لا يزيده إلا تأكيداً.
الحالة الثانية:
الشرط الذي لا يقتضيه العقد لكنه ملائم للعقد: وهذا الشرط أجازوه بالاستحسان، ويرون أنه بالقياس يعتبر فاسدًا، كاشتراط الرهن والكفيل لضمان الثمن، والكاساني وضح هذا، وذكر أن الحوالة ليست كفالة، فشرطها يفسد العقد. غير أنا نجد ما يخالف هذا الرأي، فالسرخسي ذكر أن الكفالة والحوالة والرهن كلها مما يلائم العقد حيث قال:
وشرط الحوالة في هذا كشرط الكفالة لأنه لا ينافي وجود أصل الثمن في ذمة المشتري فإن الحوالة تحويل، ولا يكون ذلك إلا بعد وجود الثمن في ذمة المشتري بخلاف ما لو شرط وجوب الثمن ابتداءً على غير المشتري بالعقد فإن ذلك ينافي وجوب العقد فكان مفسدًا للعقد.
ثم قال:
وإن شرط أن يرهنه هذا المبتاع بعينه ففي القياس العقد فاسد لما بينا أنه شرط عقد في عقد وفي الاستحسان يجوز هذا العقد، لأن المقصود بالرهن الاستيفاء، فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء، وشرط استيفاء الثمن ملائم للعقد، ثم الرهن بالثمن للتوثق بالثمن فاشتراط ما يتوثق به كاشتراك صفة الجودة في الثمن (١) .
الحالة الثالثة:
الشرط الذي لا يقتضيه العقد، وليس بملائم له، ولكن للناس فيه تعامل، وفيه عرف ظاهر.
وهذا الشرط فاسد بالقياس عندهم، ورأوا جوازه استحسانًا لأن الثابت بالعرف قاضٍ على القياس، ويسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع.
بل قال السرخسي:
الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي النزوع عن العادة الظاهرة جرح بين (٢) .
стр. 19172
الشرط غير الصحيح:
الشرط الذي لا يقتضيه العقد، وليس بملائم له، وليس فيه تعامل للناس ولا عرف ظاهر، يكون شرطًا غير صحيح.
فإن كان فيه منفعة لأحد المتعاقدين؛ أو للمعقود عليه في حالة بيع الرقيق: فالشرط فاسد ومفسد للعقد.
وإن لم يكن فيه منفعة فالعقد صحيح والشرط باطل في ظاهر المذهب، وفي رواية عن أبي يوسف أن العقد يبطل؛ وقد وضحوا أن الشرط الفاسد ما يؤدي إلى الغرر، أو الربا، فيجب ألا يكون المشروط محظورًا.
ومن هذا المحظور ما يقع تحت النهي عن بيع وسلف، وبيعتين في بيعة أو صفقتين في صفقة.
وقالوا: الكتابة والإجارة والرهن بمنزلة البيع؛ لأنها تبطل بالشروط الفاسدة.
وقال ابن الهمام في شرحه:
(والأحسن أن يقال تبطل بالشروط الفاسدة لأنها عقود معاوضة، فيجعل بطلانها بالشروط الفاسدة أثر المشابهة، وتعلل المشابهة بأنها عقود معاوضات) (١) .
أما الهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فإن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة، بل يصح العقد ويبطل الشرط، ومثلها الوصية؛ لأن الفساد باعتبار إفضائه إلى الربا، وذلك لا يتحقق إلا في المعاوضات، وهذه تبرعات وإسقاطات (٢) .
* * *
стр. 19173
المبحث الثالث
الشروط عند المالكية
في الجزء الرابع من المدونة الكبرى نقرأ ما يلي:
(قلت) : أرأيت لو بعت عبدًا من أجنبي بمائة دينار، وقيمته مائتا دينار، على أن أسلفني المشتري خمسين دينارًا؟ (قال: البيع فاسد، ويبلغ به قيمته إذا فات مائتي دينار. (قلت) : لِمَ؟ (قال) : لأن العقدة وقعت فاسدة؛ لأن فيها بيعًا وسلفًا، ولأن البائع يقول: أنا لم أرض أن أبيع عبدي بمائة دينار وقيمته مائتًا دينار إلا بهذه الخمسين التي أخذتها سلفًا (١) .
وقال مالك في البيع والسلف: إذا ترك الذي اشترط السف ما اشترط صحت العقدة (٢) .
(قلت) : أرأيت لو أن رجلًا اشترى جارية على أن البائع متى ما جاء بالثمن فهو أحق بالجارية، أيجوز هذا في قول مالك؟ (قال) : لا. (قلت) : لم؟ (قال) : لأن هذا يعتبر كأنه بيع وسلف (٣) .
(قلت) : أرأيت إن اشتريت عبدًا على أن أعتقه، أيجوز هذا الشراء في قول مالك؟ (قال) : نعم. (قلت) : لم أجزته وهذا البائع لم يستقص الثمن كله للشرط الذي في العبد (قال) : لأن البائع وضع من الثمن للشرط الذي في العبد فلم يقع فيه الغرر (٤) .
العتق إلى أجل غرر، وبتات العتق ليس بغرر (٥) .
(قلت) : أرأيت الدار التي يشتريها الرجل على أن للبائع سكناها سنة أيجوز هذا في قول مالك؟ (قال) : قال مالك: ذلك جائز إذا اشترط البائع سكناها الأشهر، والسنة ليست ببعيد، وكره ما تباعد من ذلك (٦) .
(قلت) : أرأيت إن بعت دابتي هذه على أن لي ركوبها شهرًا أيجوز هذا في قول مالك؟ (قال) : قال مالك: لا خير فيه، وإنما يجوز من ذلك في قول مالك اليوم واليومين وما أشبهه، وأما الشهر والأمر المتباعد فلا خير فيه (٧) .
(قال ابن وهب) : قال مالك: إن اشترط ركوبها إلى قريب فلا بأس به، فأما إن اشترط بائع الدابة أن يركبها إلى البعد الذي يخالفه أن تدبر فيه دبرًا يهلكها ولا ترجع منه فذلك بيع الغرر، ولا يحل (٨) .
وقال ابن رشد الحفيد في بيوع الشروط والثنيا:
والأصل في اختلاف الناس في هذا الباب ثلاثة أحاديث: أحدها حديث جابر قال: ابتاع مني رسول الله ﷺ بعيرًا وشرط ظهره إلى المدينة) وهذا الحديث في الصحيح. والحديث الثاني حديث بريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط)) والحديث متفق على صحته، والثالث حديث جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا، ورخص في العرايا) وهو أيضًا في الصحيح خرجه مسلم. ومن هذا الباب ما روي عن أبي حنيفة أنه روى أن رسول الله ﷺ ((نهى عن بيع وشرط)) .
стр. 19174
فاختلف العلماء لتعارض هذه الأحاديث في بيع وشرط:
وذكر الاختلاف ثم قال: وأما مالك، فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام:
شروط تبطل هي والبيع معًا، وشروط تجوز هي والبيع معًا، وشروط تبطل ويثبت البيع، وقد يظن أن عنده قسمًا رابعًا وهو أن من الشروط ما إن تمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا والغرر وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصًا في الملك فما كان دخول هذه الأشياء به كثيرًا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان قليلًا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطًا أبطل الشرط وأجاز البيع، ويرى أصحابه أن مذهبه هو أولى المذاهب، إذا بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها، والجمع عندهم أحسن من الترجيح (١) ، وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات متقاربة، وأحد من له ذلك جدي والمازري والباجي، وتفصيله في ذلك أن قال: إن الشرط في المبيع يقع على ضربين أولين:
أحدهما: أن يشترطه بعد انقضاء الملك مثل من يبيع الأمة أو العبد، ويشترط أنه متى عتق كان له ولاؤه دون المشتري، فمثل هذا قالوا: يصح فيه العقد ويبطل الشرط لحديث بريرة.
والقسم الثاني أن يشترط عليه شرطًا يقع في مدة الملك وهذا قالوا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يشترط في المبيع منفعة لنفسه، وإما أن يشترط على المشتري منعًا من تصرف عام أو خاص، وإما أن يشترط إيقاع معنى في المبيع.
وهذا أيضًا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون معنى من معاني البر.
والثاني: أن يكون معنى ليس فيه من البر شيء. فأما إذا اشترط لنفسه منفعة يسيره لا تعود بمنع التصرف في أصل المبيع، مثل أن يبيع الدار ويشترط سكناها مدة يسيرة مثل الشهر، وقيل السنة، فذلك جائز على حديث جابر. وإما أن يشترط منعًا من تصرف خاص أو عام، فذلك لا يجوز لأنه من الثنيا، مثل أن يبيع الأمة على أن لا يطأها أولا يبيعها، وإما أن يشترط معنى من معاني البر مثل العتق، فإن كان اشترط تعجيله جاز عنده، وإن تأخر لم يجز لعظم الغرر فيه (٢) .
ثم قال: وأما إن اشترط معنى في المبيع ليس ببر مثل أن لا يبيعها، فذلك لا يجوز عند مالك، وقيل عنه البيع مفسوخ، وقيل بل يبطل الشرط فقط، وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت على المبيع فإنه لا يجوز عند مالك، لأنه يكون مترددًا بين بيع المبيع والسلف وإن جاء بالثمن كان سلفًا، وإن لم يجيء كان بيعًا (٣) .
стр. 19175
وقال الصاوي:
قوله: (وكبيع وشرط) : علم أن الشرط الذي يحصل عند البيع إما أن ينافي المقصود أو يخل بالثمن أو يقتضيه العقد أو لا يقتضيه ولا ينافيه، فالمضر الأولان دون الأخيرين، فالذي يناقض المقصود مثله بقوله كأن لا يركبها أو لا يبيعها. . . إلخ، والذي يخل بالثمن بقوله: كبيع بشرط سلف، والذي لا يقتضيه العقد كشرط تسليم المبيع ولم يمثل له هنا وإن كانت أحكامه معلومة، والذي يقتضيه ولا ينافيه أفاد بقوله: كشرط رهن وحميل، فهذا الأخير إن اشترط عمل به وإلا فلا، والشرط الذي قبله لازم له على كل حال، وهذا التفصيل لمالك (١) .
والخرشي بعد أن بين شرط الشرط الذي يناقض المقصود من البيع، أو يخل بالثمن، قال:
بقى شرط يقتضيه العقد، وهو واضح كشرط تسليم المبيع، وهو لازم دون شرط، فشرطه تأكيد.
وشرط لا يقتضيه العقد ولا ينافيه، وهو من مصلحته، جائز لازم بالشرط ساقط بدونه كالأجل والخيار والرهن (٢) .
وقال ابن رشد الجد:
الشروط المشترطة في البيوع على مذهب مالك – ﵀ – تنقسم على أربعة أقسام.
أحدها: يفسخ به العقد على كل حال، ولا خيار، في الربا والغرر في الثمن أو المثمون وما أشبه ذلك.
والثاني: يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكًا بشرطه، فإن رضي بترك الشرط صح البيع.
والثالث: يجوز فيه البيع والشرط وذلك إذا كان الشرط صحيحًا ولم يؤول البيع به إلى غرر، ولا فساد في ثمن ولا مثمون، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار ويشترط سكناها أشهر معلومة. . .
والرابع: يجوز فيه البيع ويفسخ الشرط، وذلك ما كان الشرط فيه غير صحيح إلا أنه خفيف فلم يقع عليه حصة من الثمن، وذلك مثل أن يبيع السلعة ويشترط إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوها فلا بيع بينهما، ومثل الذي يبتاع الحائط بشرط البراءة من الجائحة (٣) .
ثم قال:
فلا يخرج شيء من البيوع من هذه الأقسام، وإن وجد بين أصحاب مالك – رحمه الله تعالى – اختلاف في بيع من البيوع فإنما ذلك لاختلافهم من أي قسم هو من الأقسام المذكورة (٤) .
стр. 19176
وقال الشاطبي:
الشروط مع مشروطاتها على ثلاثة أقسام:
(أحدهما) أن يكون مكملًا لحكمة المشروط وعاضدًا لها بحيث لايكون فيه منافاة لها على حال؛ كاشتراط الصيام في الاعتكاف عند من يشترطه، واشتراط الكف، والإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان – في النكاح، واشتراط الرهن والحميل والنقد أو النسيئة في الثمن – في البيع، واشتراط العهدة في الرقيق، واشتراط مال العبد، وثمرة الشجرة، وما أشبه ذلك. وكذا اشتراط الحول في الزكاة، والإحصان في الزنى، وعدم الطول في نكاح الإماء، والحرز في القطع فهذا القسم لا إشكال في صحته شرعًا لأنه مكمل لحكمة كل سبب يقتضي حكمًا.
(والثاني) أن يكون غير ملائم لمقصود المشروط ولا مكمل لحكمته، بل هو على الضد من الأول؛ كما إذا اشترط في الصلاة أن يتكلم فيها إذا أحب، أو اشترط في الاعتكاف أن يخرج عن المسجد إذا أراد – بناءً على رأي مالك، أو اشترط في النكاح أن لا ينفق عليها أو أن لا يطأها وليس بمجبوب ولا عنين، أو شرط في البيع أن لا ينتفع بالمبيع، أو إن انتفع فعلى بعض الوجوه دون بعض أو شرط الصانع على المستصنع أن لا يضمن المستأجر عليه إن تلف، وأن يصدقه في دعوى التلف، وما أشبه ذلك. فهذا القسم أيضًا لا إشكال في إبطاله، لأنه مناف لحكمة السبب، فلا يصح أن يجتمع معه.
(والثالث) أن لا يظهر في الشرط منافاة لمشروطه ولا ملاءمة، وهو محل نظر: هل يحلق بالأول من جهة عدم المنافاة؟ أو بالثاني من جهة عدم الملاءمة ظاهرًا؟ والقاعدة المستمرة في أمثال هذا، التفرقة بين العبادات والمعاملات، فما كان من العبادات لا يكتفي فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة، لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا بإذن إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات، فكذلك ما يتعلق بها من الشروط وما كان من العاديات يكتفي فيه بعدم المنافاة؛ لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه. والله أعلم (١) .
стр. 19177
المبحث الرابع
الشروط عند الشافعية
قال الشافعي – ﵀:
وإذا باع الرجل العبد على أن لا يبيعه، أو على أن يبيعه من فلان، أو على أن لا يستخدمه، أو على أن ينفق عليه كذا، أو على أن يحارجه، فالبيع كله فاسد لأن هذا كله غير تمام ملك ولا يجوز الشرط في هذا إلا في موضع واحد وهو العتق اتباعًا للسنة ولفراق العتق لما سواه فنقول: إن اشتراه منه على أن يعتقه فأعتقه في البيع جائز، إن قال رجل ما فرق بين العتق وغيره؟ قيل: قد يكون لي نصف العبد فأهبه أو أبيعه وأصنع فيه ما شئت غير العتق ولا يلزمني ضمان نصيب شريكي فيه ولا يخرج نصيب شريكي من يده، لأن كلا مالك لما ملك، فإن أعتقه وأنا موسر عتق على نصف شريكي الذي لا أملك ولم أعتق وضمنت قيمته، وخرج من يدي شريكي بغير أمره، وأعتق الحمل فتلده لأقل من ستة أشهر فيقع عليه العتق، ولو بعته لم يجز البيع مع خلافه لغيره في هذا وفي أم الولد والمكاتب وما سواه (١) .
وقال الشيرازي:
إذا شرط في البيع شرطًا نظرت – فإن كان شرطًا يقتضيه البيع كالتسليم والرد بالعيب وما أشبهها – لم يبطل العقد؛ لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد فلم يبطله، فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة كالخيار والأجل والرهن والضمين لم يبطل العقد؛ لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في مواضعه إن شاء الله وبه الثقة، ولأن الحاجة تدعو إليه فلم يفسد العقد. فإن شرط عتق العبد المبيع لم يفسد العقد، لأن عائشة – ﵂ – اشترت بريرة لتعتقها، فأراد أهلها أن يشترطوا ولاءها فقال رسول الله ﷺ : ((اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق)) .
وإن اشتراه بشرط العتق فامتنع من إعتقاه ففيه وجهان (أحدهما) يجبر عليه لأنه عتق مستحق عليه، فإذا امتنع أجبر عليه، كما لو نذر عتق عبد ثم امتنع من إعتقاه (الثاني) لا يجبر، بل يثبت للبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه ملكه بالعوض، وإنما شرط للبائع حقًا فإذا لم يف ثبت للبائع الخيار كما لو اشترى شيئًا بشرط أن يرهن بالثمن رهنًا فامتنع من الرهن (٢) .
ثم قال:
فإن شرط ما سوى ذلك من الشروط التي تنافي مقتضى البيع بأن باع عبدًا بشرط أن لا يبيعه أو لا يعتقه، أو باع دارًا بشرط أن يسكنها مدة، أو ثوبًا بشرط أن يخيطه له أو فلعة بشرط أن يحذوها له بطل البيع، لما روي عن النبي ﷺ : " أنه نهى عن بيع وشرط ". وروي أن (أن عبد الله بن مسعود اشترى جارية من امرأته زينب الثقفية وشرطت عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن، فاستفتى عبد الله بن عمر –﵄ – فقال: لا تقربها، وفيها شرط لأحد) (٣) .
стр. 19178
وقال النووي في شرحه:
أما الأحكام فقال أصحابنا: الشروط خمسة أضرب:
(أحدها) ما هو من مقتضى العقد؛ بأن باعه بشرط خيار المجلس أو تسليم المبيع أو الرد بالعيب أو الرجوع بالعهدة أو انتفاع المشتري كيف شاء وشبه ذلك، فهذا لا يفسد العقد بلا خلاف لما ذكره المصنف، ويكون شرطه توكيدًا وبيانًا لمقتضاه.
(الضرب الثاني) أن يشترط مالا يقتضيه إتلاف العقد لكن فيه مصلحة للعاقد، كخيار الثلاثة والأجل والرهن والضمين والشهادة ونحوه، وكشرط كون العبد المبيع خياطًا أو كاتبًا ونحوه، فلا يبطل أيضًا بلا خلاف بل يصح ويثبت المشروط.
(الضرب الثالث) أن يشترط ما لا يتعلق به غرض يورث تنازعًا كشرط ألا يأكل إلا الهريسة، أولا يلبس إلا الخز والكتان، قال إمام الحرمين: وكذا لو شرط الإشهاد بالثمن وعين شهودًا وقلنا: لا يتعينون، فهذا الشرط لا يفسد العقد؛ بل يلغو ويصح البيع، هذا هو المذهب، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما، وقال المتولي: لو شرط الالتزام ما ليس بلازم بأن باع بشرط أن يصلي النوافل، أو يصم غير رمضان أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها، بطل البيع لأنه ألزم ما ليس بلازم، قال الرافعي: مقتضى هذا فساد العقد في مسألة الهريسة ونحوها، والله أعلم.
(الضرب الرابع) أن يبيعه عبدًا أو أمة بشرط أن يعتقه المشتري ففيه ثلاثة أقوال (الصحيح) المشهور الذي نص عليه الشافعي في معظم كتبه وقطع به المصنف وأكثر الأصحاب، أن البيع صحيح والشرط لازم يلزم الوفاء به (والثاني) يصح البيع ويبطل الشرط، فلا يلزمه عتقه (والثالث) يبطل الشرط والبيع جميعًا كغيره من الشروط، والمذهب صحتهما (١) .
стр. 19179
(الضرب الخامس) أن يشترط ما سوى الأربعة من الشروط التي تنافي مقتضى البيع، بأن باعه شيئا بشرط ألا يبيعه ولا ينتفع به، أولا يعتقه أو لًا يقبضه أو لا يؤجره أو لا يطأها أو لا يسافر به أو لا يسلمه إليه، أو بشرط أن يبيعه غيره، أو يشتري منه أو يقرضه أو يؤجره أو خسارة عليه إن باعه بأقل، أو أنه إذا باعه لا يبيعه إلا له أو ما أشبه ذلك، فالبيع باطل في جميع هذه الصور أشباهها لمنافاة مقتضاه، ولا فرق عندنا بأن يشرط شرطًا واحدًا أو شرطين.
وحكى إمام الحرمين والرافعي وغيرهما قولًا غريبًا حكاه أبو ثور، عن الشافعي أن البيع لا يفسد بالشروط الفاسدة بحال، بل يلغو الشرط ويصح البيع لقصة بريرة ﵂، وهذا ضعيف. وحينئذ البيع عكس النكاح، فإن المشهور أنه لا يفسد بالشروط الفاسدة، وفيه قول شاذ ضعيف أنه يفسد بها (١) .
وتحدث الغزالي عن النهي عن بيع وشرط فقال:
فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع، والمفهوم من تعليله أنه إذا انضم شرط إلى البيع، بقيت معه علقه بعد العقد، يتصور بسببها منازعة، ويفوت بفواتها مقصود العاقد، وينعكس على أصل العقد، فيحسم الباب، ولم يكن محذور هذا النهي منفصلًا عن العقد، فيدل على فساده، أو فساد الشرط لا محالة.
ويستثنى من هذا الأصل حال الإطلاق ستة شروط:
الأول: أن يشترط ما يوافق العقد.
الثاني: شرط الخيار ثلاثة أيام فما دونه.
الثالث: شرط المهلة في الثمن إلى ميقات معلوم.
الرابع: شرط الوثيقة في الثمن بالرهن، أو الكفيل، أو الشهادة.
الخامس: شرط العتق في المبيع.
السادس: إذا شرط في المبيع وصفًا ناجزا، ليس يتوقف على أمر بعده. وفصل الغزالي القول في كل شرط من هذه الشروط الستة (٢)
والنووي تحدث في البيوع المنهي عنها؛ عن النهي عن بيع وشرط، وعقد فصلًا في ضبط صحيح الشروط في البيع وفاسدها، وذلك في كتابه روضة الطالبين (٣) ولعل ما نقلت عنه في المجموع فيه ما يكفي.
* * *
стр. 19180
المبحث الخامس
الشروط عند الحنابلة
قال ابن قدامة:
الشروط تنقسم إلى أربعة أقسام:
(أحدها) ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال. فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكمًا، ولا يؤثر في العقد.
(والثاني) تتعلق به مصلحة العاقدين، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع كالصناعة، والكتابة ونحوها. فهذا جائز يلزم الوفاء به. ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافًا.
(الثالث) ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان، أحدهما، اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ذكره. الثاني، أن يشترط عقدًا في عقدٍ، نحو أن يبيعه شيئًا بشرط أن يبيعه شيئًا آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
(الرابع) اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ضربين، أحدهما، اشتراط ما بني على التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع على المشتري عتق العبد، فهل يصح؟ على روايتين؛ إحداهما: يصح. والثانية: الشرط فاسد. الضرب الثاني: أن يشترط غير العتق مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، ولا يطأ. أو يشترط عليه أن يبيعه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، أو إن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة، وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين؛ قال: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح. وهو ظاهر كلام الخرقي هاهنا، وهو قول الحسن، والشعبي والنخعي، والحكم، وابن أبي ليلى، وأبي ثور. والثانية: البيع فاسد. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع كما لو شرط فيه عقداً آخر. ولأن الشرط إذا فسد، وجب الرجوع مما نقصه الشرط من الثمن، وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولًا (١) .
وقال ابن قدامة:
المذهب أنه يصح اشتراط منفعة البائع في المبيع، ثم أن يشتري ثوبًا، ويشترط على بائعه خياطته قميصًا، أو فلعة ويشترط حذوها نعلًا، أو جرزة حطب ويشترط حملها إلى موضع معلوم، نص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره، حتى قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي رواية في أنه لا يصح (٢) .
وقال أيضًا:
ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، مثل أن يبيع دارًا ويستثني سكناها شهرًا، أو جملًا يتشرط ظهره إلى مكان.. . . نص عليه أحمد.
стр. 19181
وجاء في مطالب أولى النهى، وفي الروض المربع:
الشرط الصحيح في البيع ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقتضيه بحكم الشرع، ولا أثر له؛ لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد.
النوع الثاني: ما كان من مصلحة العقد: كالرهن والضمان.
النوع الثالث: اشتراط المشتري نفعًا معلومًا في المبيع كسكنى الدار المبيعة شهرًا مثلًا.
والشرط الفاسد ثلاثة أنواع:
أحدها: يبطل العقد من أصله كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلف أو بيع أو إجارة، فهذا بيعتان في بيعة.
الثاني: شرط فاسد في نفسه غير مفسد للبيع كشرط في العقد ينافي مقتضاه، إلا إذا شرط البائع العتق على المشتري، فيصح الشرط أيضًا، لكونه قربة التزمها المشتري فأجبر عليه كالنذر.
الثالث: أي شرط لا ينعقد معه بيع، وهو المعلق عليه البيع، كبعتك كذا إن جئتني، أو إن رضي زيد، لأنه عقد معاوضة يقتضي نقل الملك حال بالعقد، والشرط يمنعه (١) .
وفي مجموع الفتاوي ذكر ابن تيمية قواعد جامعة في العقود، ننقل شيئًا منها يبين آراء الإمام أحمد، وآراء أصحابه في الشروط حيث نجد ما يخالف أو يكمل ما سبق.
قال شيخ الإسلام (٢) :
القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًا.
والذي يمكن ضبطه فيها قولان.
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلا ما ورد الشرع بإجازته، فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحيانًا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل.
стр. 19182
وبين رأي أهل الظاهر وأبي حنيفة ثم الشافعي، ثم قال:
وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ونحو ذلك من المصالح: فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين.
وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي، فقد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل، ويستثنى أكثر مما يستثنى للمعارض.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معنى النصوص التي ينفردون بها على أهل الظاهر.
وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة.
وذكر الحديث ثم عقب بقوله: ولهم من هذا الحديث حجتان.
إحداهما: قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) . فكل شرط ليس في القرآن، ولا في الحديث. ولا في الإجماع، فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة، أو في الإجماع.
فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع.
ومن قال بالقياس – وهم الجمهور – قالوا: إذ دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة، أو بالإجماع بالمدلول عليه بكتاب الله، فهو في كتاب الله.
стр. 19183
والحجة الثانية: أنه يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه: كونه مخالفًا لمقتضى العقد. وذلك: لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فيعتبر تغييرها تغييرًا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات، وهذا نكتة القاعدة، وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضياتها تغيير للمشروع.
ثم قال: واحتجوا أيضًا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: " إن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط " وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه، وأجمع الفقهاء المعروفون – من غير خلاف أعلمه من غيرهم – أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتبًا أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصًا أو قياسًا، عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه.
وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط في ما يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعًا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطًا يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص , وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك، وبما في معناه قياسًا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه، أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة والتي سنذكرها في تصحيح الشروط: كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقًا، فمالك يجوزه بقدر الحاجة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضًا. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق. فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط، والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع، فيجوز للبائع أن يستثنى بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، إتباعًا لحديث جابر لما باع النبي ﷺ جمله، واستثنى ظهره إلى المدينة.
стр. 19184
ثم قال:
ويجوز أيضًا – على قياس قوله – استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة، والصداق وفدية الخلع، والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك، سواء كان بإسقاط كالعتق، أو تمليك بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة.
ويجوز أحمد أيضًا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج)) . ومن قال بهذا الحديث قال: إنه يقتضي أن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة، وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح، فيجوز أحمد أن تستثنى المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق، فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق، فتشترط أن تكون مخلية به، فلا يتزوج عليها ولا يتسرى.
ويجوز – على الرواية المنصوصة عنه المصححة عن طائفة من أصحابه – أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة، كاليسار والجمال ونحو ذلك، ويملك الفسخ بفواته، وهو من أشد الناس قولًا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب، كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف في الصفة على الصحيح، كما لو شرط الزوج أن له مالًا فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية المقصودة كالتوقيت، واشتراط الطلاق.
وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلًا أو تركًا في المبيع مما هو مقصود للبائع، أو للمبيع نفسه، وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلا بالعتق، وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي جامع الخلال عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها، ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به.
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به، ولكن لا يطأها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأن ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط.
стр. 19185
وقال حنبل: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته، وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب، فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا: والشرط الواحد في البيع جائز، إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنه شرط لامرأته الذي شرط، فكره عمر أن يطأها وفيها شرط.
وقال الكرماني سألت أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن، فلا يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب، حين قال لعبد الله بن مسعود.
فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى البائع بالثمن الأول، كالمقابلة، وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط، وربما تأولوا قوله: (جائز) أي العقد جائز، وبقية نصوصه تصرح بأن مراده (الشرط) أيضًا. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه، ولا يهبه، أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد؛ كما روى عمر ابن شيبة في أخبار عثمان: أنه اشترى من صهيب دارًا، وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده.
وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضًا استثناء بعض التصرفات.