الثانية: أيضًا جاءت في بحثه القيم وهو أنه أشار في الصياغة التي اقترحها وهي صياغة نفيسة بأنه يشترط لاستحقاق التعويض بالشرط الجزائي أن يلحق المشترط ضرر حيث يقول في البند الخامس: " لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته – وهذا طبعًا لوجود نظرية الظروف الطارئة التي أصلها الشرعي مبدأ الجوائح – أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد ". هذه المسألة تجعل الموضوع عائمًا ومثارًا للجدل وكأنها تبطل مفعول هذا الشرط ولا يتمكن الإنسان من الحصول عليه إلا بعد مراجعة القضاء أو مراجعة الخبراء، وهذا طريق طويل. إذا كان الشرط الجزائي مربوطًا بالتأخير فلا ينظر إلى حصول ضرر أو عدم الضرر، ولا سيما أن النص الفقهي الذي أشرت إليه ربط المسألة بالإنجاز في وقت محدد مبكرًا أو متأخرًا، وقد لا يحصل ضرر من تأخير يوم.
الثالثة: أن بعض الاتفاقيات التي تستخدم الشرط الجزائي تضع نصًا فيه نوع من الرأفة وهو أنه لا يجوز أن يبلغ التعويض حدًا معينًا، لأنه لو فتح الباب على مصراعيه وكان مبلغ المشروع مثلًا مائة ألف والشرط الجزائي خمسة آلاف أو عشرة آلاف مثلًا ومدة المشروع سنة فلو مضى العدد على عدد الأيام قد يزيد عن هذا المبلغ الذي يستحقه الصانع أو المقاول فيقدم هذا العمل مجانًا ويكون ما أخذه المشترط لهذا الشرط كأنه أخذ مالًا بالشرط وليس من خلال سلعة أو تحصيل منفعة مربوطة بزمن، وهذا ربما يكون من باب تطبيق العدل، أو المصلحة بأن يكون هناك حد للشرط الجزائي إما بعدد الأيام – أيام التأخير – أو بمقدار مبلغ التعويض. والله أعلم.
стр. 19287
الرئيس
يا شيخ عبد الستار: النص الذي ذكرتموه عن ابن قدامة – رحمه الله تعالى – في المغنى فيما اعتقد أنه منتشر في كلام الفقهاء لكن يبقى ما هو وجه العلاقة بينه وبين الشرط الجزائي.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
وجه العلاقة واضح وهو أنه ربطه بالزمن. يقول: إذا أنجزت هذا المشروع في موعد كذا فلك كذا.
الرئيس:
في الديون المبتوتة، أما هذا فهو تخيير بين عقدين.
الشيخ علي محيي الدين القره داغي:
هذه في رواية عن أحمد، حتى هذا غير جائز لتردده بين أمرين، والحنفية قالوا بالجواز بنص العبارة، أما الحنابلة فلهم في هذه المسألة روايتان، ومثل ما تفضلتم هذا ترديد بين الثمنين أو بين الأجرتين وليس شيئًا بعد الثمن.
الشيخ عبد السلام العبادي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكرًا معالي الرئيس
حقيقة نحن أمام أبحاث عرضت لهذا الموضوع بشمولية وتفصيل، وفي طرح هذه القضايا كلمة في المنهج. لابد في الواقع من أن تبلور القضايا محل النزاع حتى ينصب النقاش والحوار على القضايا التي هي محل النزاع، وبالتالي نتداول في الجلسة حول هذه القضايا لتنتهي بعد ذلك إلى ما هو مناسب في معالجتها.
نعم، طرح البدائل بصفة عامة مطلوب والأصل أن يكون التوجه إليه، لكن إذا كانت هنالك صيغة من الصيغ موجودة في التعامل الإنساني وكانت هذه الصيغة في تفاصيلها وفي مدلولاتها لا حرج من الناحية الشرعية في تبنيها، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، لكن في القضايا الحضارية الكبرى لابد في الواقع من أن يكون منهج طرح البدائل هو الأساس.
стр. 19288
الذي أثار موضوع الشرط الجزائي على نطاق واسع هو تجربة البنوك الإسلامية. البنوك الإسلامية بعد أن توسعت في عمليات التمويل وفي قواعد المرابحة وغيرها، بات كثير من الناس لا يقومون بسداد الديون التي تترتب في ذممهم، وبما أن الأصل في موضوع الشرط الجزائي – كما أوضح أستاذنا الشيخ الضرير- أنه لا غرامة ولا شروط جزائية في موضوع الديون، الإشكال ما زال ينمو ويتسع ويأخذ أبعادًا كبيرة في التعامل، عندما تطرح تجربة تشريعية شاملة في قضية من القضايا لابد في الواقع أن تلحظ هذه التجربة في التطبيق لتعالج مشكلاتها. وواضح أن هذا الأمر يتطلب من العلماء والباحثين والدارسين العناية بهذه القضية وإذا كانت لجان الرقابة الشرعية في البنوك أو المستشارين الشرعيين قد تصدوا لهذه القضية فهم يتصدون حقيقة لمشكلة عملية باتت تعاني منها البنوك الإسلامية.
لم ألحظ في الدارسات التي أمامنا هذه القضية بشكل واضح. نص على استثناء موضوع الديون وقيل: إن هذا يتعلق بغرامة التأخير، وغرامات التأخير بت في أمرها، لكن لم تقوم التجربة التي قدمتها بعض الاجتماعات الشرعية في هذا المجال. من حيث النظر إلى الأمر ليس من زاوية الربا (ربا النسيئة) وأن التأخير يقود إلى زيادة على رأس المال إنما من زاوية العقوبة المالية، وبالتالي اشترطوا – الذين قالوا بالجواز وذلك ضمن ما اشترطوا – ألا تعود غرامات التأخير التي ينص عليها من خلال الشرط الجزائي في البنك إنما إلى جهات الخير الأخرى وفي ظني أن كثيرًا من العقود التي تقوم الآن في عدد من البنوك الإسلامية تعتمد هذا المبدأ وتقف طويلًا عند حديث: ((مطل الغني ظلم)) وفي الرواية الأخرى: ((لي الواجد ظلم)) ، وفي بعض الروايات: ((يحل عرضه وعقوبته)) واستندوا على أن الأمر من قبيل العقوبة المالية وليس الربا لأن الربا يعود إلى صاحب رأس المال. وكون البنوك الإسلامية لجأت إلى هذا الأمر تحت مظلة الشرط الجزائي على أساس أن المعالجات العامة في القوانين والأنظمة لم تتبن هذا النهج باعتبار أن البنوك الإسلامية لا يتبنى نهجها على نطاق واسع في الدول كتبن كامل، وبالتالي كنت آمل من هذه البحوث أن تتصدى للقضية التي هي في الأساس كانت سببًا في طرح هذا الموضوع على نطاق واسع، ويكثر الحديث عن موضوع الشرط الجزائي من أجل هذا الأمر لكن واضح أن علاقة الشرط الجزائي بكثير من الأمور غير هذا الأمر.
стр. 19289
وأنا مع البحوث الكريمة التي بين أيدينا والتي تأخذ بالكثير من الحالات التي يجوز فيها الشرط الجزائي وما انتهى إليه التطبيق في كثير من القوانين في البلاد العربية وخاصة القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي بالأخذ بمبدأ الشرط الجزائي في شموله، لكن هذا ليس هو الموضوع الملح الذي يحتاج إلى تصدي من هذا المجمع الكبير الجليل لقضية مقتولة بحثًا ومتبناة على نطاق فقهي بشكل لا بأس به في كثير من التشريعات القائمة، وقد بين لنا بحث الشيخ الصديق صورًا من ذلك وكيف أن هذا الأمر متبنى ومأخوذ به.
نحن في تصدينا لهذه القضايا يجب أن نعرض للقضايا التي هي أكثر إلحاحًا والتي فيها مجالًا للخلاف والتي تحتاج إلى استنباط حلول جديدة للمشكلات القائمة وللقضايا الحادثة، أما ما قتل بحثا وتم تبنيه في التشريعات القائمة فهذا حقيقة لا يتطلب منا هذا الجهد وهذا الاستعراض حيث رأينا في بعض البحوث أن معظمها قد تصدى لهذه العموميات ولهذا الأمر المبتوت به، لكن كنت آمل حقيقة أن نأخذ هذا الأمر بشكل تفصيلي خاصة وأنه يقودنا إلى غرامات التأخير بصفة عامة، وأنا قدرت في الواقع الملاحظة الأخيرة التي ختم بها الشيخ الصديق بحثه بقوله: إن بحثه في الشرط الجزائي وليس في غرامات التأخير لكن الشرط الجزائي بات هو المظلة لغرامات التأخير في عقودنا، فلا نكتفي فقط بأنه ليس مما يبحث تحت هذا العنوان، هو في الحقيقة بات يبحث تحت هذا العنوان وبالتالي لابد من التصدي له بشمولية ولابد من الإطلاع على ما كتب في هذا المجال. أذكر أن البحوث التي قدمت لندوة البركة السابعة، والثامنة والتاسعة قد عالجت هذا الموضوع في إطار العمل بالبنوك الإسلامية، وكنا نأمل أن نرى انعكاسات هذه البحوث على البحوث المقدمة والتي هي بين أيدينا. وأرجو على الأقل أن يستكمل هذا البحث تحت مفهوم العقوبة المالية في المستقبل استئناسًا بما ورد في الحديث النبوي.
وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19290
الشيخ حسن الجواهري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين.
أرى الخلط بين الشرط الجزائي وبين التعويض عن الضرر الواقع بسبب عدم الوفاء بالعقد.
طبعًا الشرط الجزائي الذي هو واقع في الخارج في العقود أعم من تعويض الضرر، والدليل عليه هو تحديده عند بدء العقد، بينما إذا كان تعويضًا عن الضرر فلابد ألا يذكر من أول العقد بل يحدده الأخصائيون بعد ثبوت الضرر، ويؤيد ما ذكر من أن الشرط الجزائي أعم من تعويض الضرر قرار المجمع في دورته السابعة قال: " إن الشرط الجزائي يكون بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان "، ومعنى ذلك أنه قد يكون أكثر من الضرر، وقد يكون أقل، أو بقدره، أو ليس في صورة وجود ضرر أصلًا.
إذن صحة الشرط الجزائي عن القول بعدم جواز بيع العربون كما صرح بذلك الدكتور السالوس من القول بأن الوعد ملزم، هذا ليس مما حسمه قرار المجمع بشأن الوفاء بالوعد والمرابحة للآمر بالشراء، لأن قرار المجمع أخص من الشرط الجزائي الذي يراد بحثه هنا. فقرار المجمع يقول: الوعد ملزم للواعد ديانة إلا لعذر، وهو - أي الوعد – ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، وأثر الإلزام يتحدد بصورتين:
- إما الوفاء بالوعد وتنفيذه.
- وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلًا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
أقول: هذه صورة واحدة من الشرط الجزائي أقرت من المجمع، بينما كلامنا في الشرط الجزائي الذي يستحقه المشترط عند عدم التزام المشترط عليه سواء كان هناك ضرر أم لا، وسواء كان الضرر بقدر الشرط الجزائي أو أكثر، وهذا يختلف عن التعويض عن الضرر الذي يتوقف على نقطتين:
أولًا: إثبات أصل الضرر.
ثانيًّا: تقدير الضرر.
فالتعويض عن الضرر حتى لو ثبت الضرر، وقدر فهو أخص من الشرط الجزائي المبحوث عنه والذي يذكر في العقود، فلابد للمجمع أن يقول كلمته في الشرط الجزائي الذي هو أعم من التعويض عن الضرر أو على الأقل هو أعم من تحديد مقدار الضرر الذي يثبته الأخصائيون إذا قلنا: إن الشرط الجزائي مختص بصورة الضرر. حتى لو قلنا: إنه مختص بصورة الضر إلا أنه أعم من تحديد مقدار الضرر الذي يثبته الأخصائيون فيما بعد لأنه قدر من الأول وذكر من الأول وحدد من الأول.
стр. 19291
بالنسبة لقرار المجمع في دورته السابعة جوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم يكن هناك ظروف قاهرة. أنا أحب أن أقول إن هذا الإطلاق لو قيد يكون أجمل وأحسن، لأن هذا الإطلاق يشمل عقد الاستصناع الذي يكون على أمر كلي كصناعة الطائرات أو القطارات مثلًا الموصوفة وتأخر البائع عن تسليمها في وقتها المحدد، فيدفع البائع عن كل يوم تأخر فيه – مثلًا – مقدرًا من المال كشرط جزائي، إلا أن هذا سوف يدخل في الربا الجاهلي لأن المشترى دين في ذمة البائع، فإن تأخر البائع عن التسليم وألزمناه بالشرط الجزائي فمعنى ذلك تأخر قضاء الدين في مقابل المال وهو الربا المحرم. ولذا أرى أن يقيد مثلًا صحة الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بهذه الجملة: (إذا لم يف المستصنع بالعقد أصلًا) ، ولا تترك على إطلاقها لأنها تشمل ما إذا تأخر عن تسليم ما استصنع له. طبعًا وإن كان هذا المعنى الذي أقوله هنا في التقييد لهذه العبارة المطلقة هو مفهوم إذا ضممنا فقرة ثانية من قرارات المجمع في عدم صحة الشرط الجزائي في السلم. إذا ضممنا تلك الجملة مع هذه الجملة يكون المعنى واضحًا، ولكن إطلاق الجملة هنا لوحدها يشمل صورة ثانية.
الشيء الذي أذكره فقط في هذه النقطة هو أن الشرط الجزائي عند الإمامية في صورة جوازه في الإجارة أو في بيع الأعيان الخارجية وعدم تسليمها في موعدها المحدد وبالخلاصة في كل مورد جوزوا الشرط الجزائي إذا لم يكن ربا , محرمًا آخر هو جائز ما لم يحط بجميع الأجرة أو جميع عوض المعاوضة، وفي ذلك نصوص يستدلون بها على أن الشرط الجزائي جائز ما لم يحط بجميع الكراء في الإجارة أو ما لم يحط بجميع ثمن المعاوضة في المعاوضات في صورة جوازه الذي لم يؤد إلى محرم آخر. وشكرًا.
الشيخ عوض عبد الله أبو بكر:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أولًا: أود أن أنضم إلى قافلة المتقدمين بالشكر إلى حكومة خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – على استضافتها هذه الدورة من دورات المجمع، ثم الشكر الموصول لمعالي الشيخ رئيس المجمع بارك الله فيه وله، ومعالي الأمين العام متعه الله بالصحة والعافية.
أما مداخلتي في هذا الموضوع على قصرها ومنعًا للتكرار لما قيل فأول ما أود التحدث عنه عن منهجية البحث، وقد سبقني بعض المعقبين وهي أن الشرط الجزائي جائز إلا في المواضع التي يكون الشرط الجزائي يقضي بزيادة في الدين على المدين لأجل التأخير لما يفضي إليه من الربا المحرم، ولعل هذه قاعدة عامة ينبغي أن تكون في قرار المجمع وهو أن الشرط الجزائي جائز إلا إذا كان يقضي بزيادة في الدين وذلك من أجل التأخير في الدين.
ملاحظتي أيضًا على بحث الشيخ السالوس أنه قد ذكر أنه يرى حرمة الشرط الجزائي في عقود المناقصات إذا أدت إلى غرامة مالية إذ أن هذه الغرامة المالية تمثل زيادة في الدين نظير التأخير.
وفي نظري أن هذا الرأي مقبول إذا انتهت المناقصة إلى دين في ذمة المشتري، غير أن المناقصة قد تكون في شكل مقاولات، فإن التزام المقول هنا عمل ولا يكون الشرط الجزائي إذا قضى بغرامة مالية نظير العمل لا يكون ربا من الربا المحرم، وقد بين ذلك شيخنا الضرير في بحثه إذا فرق بين الالتزام بالعمل والالتزام الذي هو دين.
وشكرًا جزيلًا.
стр. 19292
الشيخ الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
المقصود من النظر في المعاملات الجارية في البلاد العربية هو بيان هل هي مقبولة شرعًا أم غير مقبولة؟ وهذا هو السبب الداعي إلى النظر في حكم الشرط الجزائي. المتحدث عنه هو الشرط الجزائي المعمول به في البلاد العربية، هل هو جائز شرعًا ومقبول جملة وتفصيلًا؟ أم مرفوض جملة وتفصيلًا؟ أم مقبول في الجملة مرفوض في بعض جزئياته؟ هذا هو المنهج الذي سرت عليه في بحثي في هذا الموضوع.
النقطة الثانية: مسألة العقود التي تعرض إليها المجمع:
ذكرت في البحث هذه العقود واستأنست بها في استخلاص القرارات، والعقود أكثر من أربعة، هي خمسة عقود في الواقع، أذكرها لكم تفصيلًا.
أولًا: ذكرت تحت عنوان العقود التي يجوز فيه اشتراط الشرط الجزائي، وبدأت بما ورد فيه قرار من مجمع الفقه.
الأول: عقد الاستصناع، وهذا صدر فيه قرار هذا نصه (يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة) ، وأخضعت هذا القرار إلى ما توصلت إليه بالنسبة للشرط الجزائي.
عقد الاستصناع هذا الذي أصدر فيه المجمع قراره يقابل عقد المقاولة في القوانين الوضعية عندما تكون المادة والعمل من المقاول ويطابقه تمامًا على الرأي القائل: إن عقد الاستصناع عقد ملزم، وهو ما قرره مجمع الفقه. هذا القرار يجيز اشتراط الشرط الجزائي في عقد الاستصناع ويلزم المتعاقدين بتنفيذ ما اتفقا عليه ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. ويلحظ على هذا أن القرار يضع شرطًا واحدًا لاستحقاق الشرط الجزائي المتفق عليه في العقد، هو ألا تكون هناك ظروف قاهرة تمنع تنفيذ العقد. هذا الشرط يقابل شرط وجود الخطأ من المدين الذي يشترطه القانون لاستحقاق الشرط الجزائي، ولكن القرار لم يشر إلى باقي الشروط التي يشترطها القانون والتي أوردتها في بياني لحقيقة الشرط الجزائي، لابد من الرجوع إليها والتحقق منها، فهل يفهم من هذا أن القرار لا يشترط حدوث ضرر لاستحقاق الشرط الجزائي؟
جميع القوانين في البلاد العربية التي لا تلتزم بالشريعة، والقوانين في البلاد التي تلتزم بالشريعة (القانون الأردني والقانون السوداني) تشترط حدوث هذا الضرر. وهذا خلاف ما أشار إليه الأخ الدكتور عبد الستار وأراد أن يحذف ما اقترحته من أنه إذا ثبت عدم الضرر لا يستحق التعويض، هذا محل اتفاق بين جميع القوانين، وهو العدل لأن الشرط الجزائي هو اتفاق على التعويض لكنه يفترض أن التعويض حدث وأن هذا الاتفاق مقابل هذا الضرر. ولذلك ألقى عبء إثبات عدم الضرر على الطرف الآخر، لكن المفترض أن هناك ضرر وأن التعويض أو المبلغ الذي اتفق عليه مساو لهذا الضرر ما لم يثبت خلافه.
стр. 19293
ففي هذا القرار الجزئية هذه غير واضحة ولذلك أنا قلت: ينبغي ألا يفهم هذا من القرار لأن القرار لم يصدر بناء على دراسة للشرط الجزائي، وإنما جاء ذكر الشرط الجزائي عرضًا في بعض البحوث عن عقد الاستصناع، والقرار لم يقصد منه بيان أحكام الشرط الجزائي كلها وإنما قصد منه جواز اشتراطه في عقد الاستصناع بصفة عامة، فيجب أن يخضع لكل شروط ثبوت التعويض في الشرط الجزائي.
ويلاحظ أيضًا – وهذه نقطة أشار إليها بعض المتحدثين – أن القرار لم يفرق بين ما إذا كان الشرط الجزائي على الصانع إذا أخل بالتزامه أو على المستصنع إذا أخل بالتزامه في دفع الثمن في موعده. والواجب التفرقة بينهم لأن الشرط الجزائي يجوز اشتراطه على الصانع ولا يجوز اشتراطه على المستصنع، لأن اشتراطه على المستصنع إذا تأخر في الدفع ربا محرم من غير شك.
وقد جاء في بعض البحوث التي سبق وأن قدمت في ذلك إلى أن هذا الشرط الجزائي يسري في الحالتين، وهذا خطأ واضح.
الحالة الثانية هي عقد البيع بالتقسيط والذي ورد فيه أيضًا قرار من المجمع، وهو: (يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط) . هذا شرط جزائي منصوص عليه في القوانين، القانون المدني المصري ينص على هذا الشرط، وإن كان هذا في الواقع لا يوجد فيه تعويض مالي لكنه تعويض من ناحية أخرى، لا مانع فيه، وقبلته القوانين وأقره المجمع فهو مقبول شرعًا.
стр. 19294
هناك قرار آخر في هذا الموضوع وهذه نقطة مهمة بالنسبة للقرارات: (يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه ما لم يكن معسرًا) ، نص آخر: (إذا اعتبر الدين حالًا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي) . هذا المثال من أمثلة الشرط الجزائي المنصوص عليها كما قلنا في القانون. لكن يلحظ أن المجمع أصدر في الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط قرارين في الدورتين اللتين بحث فيهما عقد البيع بالتقسيط. القراران يتفقان في جواز الشرط الجزائي في عقد البيع بالتقسيط ولكنهما يختلفان في الآتي:
أولًا: القرار نص على أن الاشتراط يكون في حالة البيع بالأجل، أما القرار الثاني فعبر باتفاق المتداينين، وهذا التعبير يشمل دين البيع كما يشمل دين القرض، وهذا يعني أن المجمع أجاز هذا الشرط الجزائي في القرض إذا كان أداؤه مقسطًا.
ثانيًّا: القرار الأول عبر بتأخر المدين، والقرار الثاني عبر بامتناع المدين وفرق بين التعبيرين.
ثالثًا: استثنى القرار الثاني من تطبيق الشرط الجزائي حالة إعسار المدين ولم يتعرض لها القرار الأول، لا مانع هنا أن نحمل هذه على تلك.
رابعًا: زاد القرار الثاني فقرة بين فيها ما يدفعه المدين المماطل الذي حكم عليه بحلول الأقساط الباقية بناء على الشرط الجزائي، هل يدفعها كاملة، أم يحط عنه منها للتعجيل؟ فبين القرار أنه يجوز في هذه الحالة الحط من المبلغ للتعجيل بالتراضي، وعلقت على هذا بأن هذا الحكم غير كاف في نظري وكان الأولى أن يكون القرار باتًا في الحكم بالحط للتعجيل أو عدمه لا أن يترك الأمر لتراضي الطرفين، ثم بعد ذلك ذكرت عقودًا منع مجمع الفقه الإسلامي اشتراط الشرط الجزائي فيها، وهي عقد البيع بالتقسيط، ففي حالة أجازه وفي حالة منعه. لا مانع من هذا. القرار هو: إن تأخر المشتري (المدين) في دفع الأقساط، عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربًا محرم، وهذا هو ما قررته في اقتراحاتي، هذا القرار يمنع الشرط الجزائي في حالة تأخر المدين عن الأداء، سواء أكان الدين دين قرض أم دين بيع، لأن هذا ربا محرم، ويفهم من هذا القرار والقرار السابق أن العقد الواحد يجوز أن يشترط فيه الشرط الجزائي من جهة، ولا يجوز اشتراطه فيه من جهة أخرى.
стр. 19295
القرار الثاني هو عقد السلم، فأصدر مجمع الفقه القرار التالي: (لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير) .
هذه هي القرارات التي صدرت والتي ضمنت مضمونها كلها فيما اقترحته من قرارات.
انتقل بعد هذا إلى كلام الدكتور عبد الستار واعتراضه على الاقتراح الخامس الذي ينص على: " لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادة، أو أثبت – وهذا هو موضع الاعتراض الثاني – أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد ". يعترض الدكتور عبد الستار على العبارة الأخيرة ويريد أن يطبق الشرط الجزائي سواء حدث ضرر أم لم يحدث. هذا هدم للشرط الجزائي من أصله، لأن الشرط الجزائي هو: (تقدير اتفاقي عن التعويض) ، فتطبق عليه شروط التعويض كاملة، وجميع القوانين نصت على هذا، على أنه لابد من حدوث ضرر. لكن هذا الحدوث مفترض بحكم اتفاق الطرفين فالطرف الذي يدعي أنه لم يحدث ضرر عليه أن يثبته، إذا لم يثبته فالضرر حاصل، ولهذا اعتراض الدكتور عبد الستار لا محل له في نظري.
أيضًا الدكتور عبد الستار اعترض على عبارتي بأنه لا يوجد نص في القرآن ولا في السنة ولا من فقيه من المتقدمين، وجاء بمسألة عارضه فيها السيد الرئيس وهي عبارة المغني، لا علاقة لها بموضوعي، المدار ليس على الزمن، المدار على التعويض عن الضرر، هل حدث ضرر أو لم يحدث؟ هذا هو مدار التعويض، لا علاقة لهذا بالزمن، وهذا كما قلت لكم هو الذي مشت عليه جميع القوانين ولذلك تطبق كل الشروط التي تطبق في حالة التعويض.
стр. 19296
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
نجعل سقف للتعويض أو حد أعلى للتعويض.
الشيخ الصديق الضرير:
لا يوجد حد أعلى للتعويض.
تعليقي الأخير هو أن بعض الإخوة يعترض على التسمية. التسمية المتعارف عليها هي الشرط الجزائي، وهذه ترجمة. أصل هذا الموضوع جاءنا من الغرب، الأصل فيه القانون الفرنسي، أخذه عنه القانون المصري، وترجمة بالشرط. الجزائي، وهو موجود أيضًا في القانون الإنجليزي. القانون الإنجليزي يفرق بين اثنين وهما عبارة (penalty) وهذه تترجم بالشرط الجزائي، وعبارة أخرى (liquidated damages) والتي هي التعويض عن الضرر. القانون المصري عندما أخذ هذه العبارة استعمل كلمة الشرط الجزائي، الدكتور السنهوري عندما أراد أن يشرح هذا القانون وضع بين قوسين أو لعله وضع قوسان في الأول (التعويض عن الضرر) وبين قوسين (الشرط الجزائي) ليدلنا بذلك على أنه يتحدث عن التعويض عن الضرر، وجميع البلاد العربية أخذت هذا عنه فاستعملت التعويض عن الضرر، ولذلك أنا استبعدت عبارة (الغرامة الجزائية) لأن هذه غرامات تفرض من الدولة على المقاولين لا دخل لها بالشرط الجزائي الذي نتحدث عنه.
هنالك جزئية تعرض لها الدكتور رفيق المصري تتعلق بعقد التوريد، وفرق بين حالتين، وذلك في بحثه عن مناقصات العقود الإيجارية، وقال: " رأينا الشرط الجزائي – مسألة دقيقة يستحسن أن أعرضها عليكم – التمييز بين التخلف والتأخير " ويقول الدكتور رفيق: " وعلى هذا فإن الرأي في الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز ويأخذ حكم العربون وإن كان اشتراط الشرط الجزائي لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز، لأنه يكون في حكم ربا النسيئة – والله أعلم – وبهذا نكون قد ميزنا في الشرط الجزائي بين التخلف الذي هو عدم التنفيذ وبين التأخير وبهذا تمتنع غرامات التأخير في عقد التوريد "، وأنا مشيت في بحثي على أنه لا فرق بين غرامات حالة التأخير أو حالة عدم التنفيذ، وهذا ما مشت عليه كل القوانين وأقره مجمع الفقه، لكن الدكتور رفيق يرفضه، ما حجته؟ يقول الدكتور رفيق: (إذا اعتبرنا أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام يساوي الدين فإن في غرامة التأخير شبهة ربا النسيئة (تقضي أو تربي) هذه هي عبارته. ووافق الدكتور رفيق كل من الشيخ حسن الجواهري والدكتور علي محيي الدين القره داغي، ثلاثتهم فرقوا بين عدم التنفيذ وبين التأخير. أجازوه في حالة عدم التنفيذ ومنعوه في حالة التأخير للعلة التي ذكرها الدكتور رفيق، ولست معهم في هذا الرأي لأن ما استدل به الدكتور رفيق غير مقبول عندي.
استدلال الدكتور رفيق هو أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام يساوي الدين هذه هي حجته أقول: كون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساويًّا للدين فغير مسلم لأن الالتزام أعم من الدين فكل دين التزام وليس كل التزام دينًا، والالتزام في عقد المقاولة ليس دينًا وإنما هو التزام بأداء عمل، والمقاول قد يكون دائنًا لا مدينًا في كثير من الحالات، فالبنوك العقارية تقوم ببناء المساكن مقاولة وتتقاضى المقابل على أقساط بعد تسليم المبنى، وكذلك يفعل كبار المقاولين. والفرق كبير جدًا بين التزام المقاول والمورد، والتزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل والمسلم إليه، فالتزام هؤلاء الثلاثة – المقترض والمشتري بثمن مؤجل والمسلم إليه – دين حقيقي ثبت في ذمتهم وأخذوا مقابله فعلًا، أما التزام المقاول والمورد فهو التزام بأداء عمل لا يستحقون مقابله إلا بعد أدائه، فلا يدخله الربا من أي جهة كانت.
واكتفى بهذا وإن كان عندي بعض التعليقات أتركها لضيق الزمن.
شكرًا لكم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
стр. 19297
الشيخ محمد علي التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أؤكد أن الشروط الجزائية إنما تصح وفق الأصل الذي يؤكد الوفاء بالعقود، وأن المسلمين عند شروطهم، هذه الأصول تصحح لنا كل شرط دخل في العقد ورضي عليه المتعاقدان مهما كان الأعم من الشرط الجزائي وغيره، فهو طبق الأصل مقبول من الفقهاء، وبطبيعة الحال مقبول من الحاضرين والباحثين هذه نقطة أقولها لكي أرد على من يقول بأن الشرط الجزائي أمر مستحدث أو أمر لم يعرفه الفقه من قبل، وهو طبق القاعدة وطبق هذه النصوص الشريفة. ومن هنا أفرع على أني أعتقد أن الشرط الجزائي ليس دائمًا مجرد اتفاق على التعويض عن ضرر، وإنما هو تعويض يحدده المتعاقدان جزاء على إخلال أحدهما بما تعاقدا عليه ولو لم يصب الآخر ضرر. إنه جزاء على إخلال أحدهما بما تعاقدا عليه. فالمنطلق هنا ليس قاعدة (لا ضرر) أو غير هذه القاعدة وإنما المنطلق هي الأصول العامة التي قررت وجوب الوفاء بما تعاقد عليه الطرفان. وهذه نقطة مهمة.
الشيء الثاني: اعترض على بعض الأخوة ومنهم الشيخ محمد عبد الرحيم بأنني مثلت في بحثي بقولي ألا يكون الشرط مخالفًا للكتاب والسنة، فإذا زوجه أمته بشرط أن يكون ولدها رقاً. . . قلت: هذا الشرط غير صحيح. وأكد أن ابن الأمة هو عبد ولكني أقول بأن المتيقن به لدينا أن الولد يتبع أشرف الأبوين، وحينئذ فلن يكون ولدها بهذه الصورة حتى ولو كانت الأم أمة، لن يكون رقًا وأشار أيضا إلى أنني قلت: إنه إذا تعاقد اشترط في ضمن العقد أنه إذا انصرف أحدهما كان له الحق في الفسخ بشرط أن يدفع كذا من المبلغ، فإذا جعل المبلغ مقابل حق الفسخ قبلته، أما إذا لم يجعل المبلغ مقابل حق الفسخ وانصرف أحدهما بهذا الشكل فهو أكل للمال بالباطل، فرقت بين جعل حق الفسخ وعدمه وناقش الأخ، وأذكره بأني كتبت في ذيل هذا: وإن أمكنت المناقشة في المثل هذا. أنا أيضًا كانت لي مناقشة، لعله لا فرق بين الصورتين فإن الانصراف إنما يكون عند وجود حق الفسخ، واعترض علي لقولي في آخر المقال بأنه إذا كان الشرط الجزائي مطلقًا غير مقيد بترتيب خاص فالظاهر ثبوته في ذمة المتعهد بمجرد عدم قيامه، سواء كان باختيار أو غير اختيار. يقول: لا، في الفتوى التي صدرت تقول الأشياء القهرية ليس عليها جزاء، أنا لا استند إلى هذه الفتوى، استند إلى الأصل في لزوم تنفيذ الشروط، فما دام قد اتفقا مطلقًا، قال: إذا لم يتحقق هذا الشرط من قبلك أو من قبل أي أحد آخر مطلقًا اتفقا على لزوم الجزاء فإن هذا الجزاء يترتب ما دام اتفقا عليه، فإن التزامها هو إمضاء الشرع الشريف لهذا الالتزام يوجب وضعًا وهو تنفيذ الشرط الجزائي، واعتقد أن هذا منسجم مع القواعد بشكل كامل.
هناك نقطة أشار إليها أيضًا الدكتور عبد السلام وهو أن البحوث لم تشر إلى النقطة المهمة التي قصدتها الأمانة العامة وهي مسألة التأخير الذي يحصل في الأقساط وما يترتب عليها من شروط جزائية. أعتقد أن البحوث كلها أشارت إلى هذه النقطة، وطبعًا لو كانت الأمانة العامة تركز على هذه النقطة أو تركز على البدائل المطروحة لكان البحث يتركز على هذا الشيء بشكل كامل.
وعلى أي حال الشرط الجزائي للتأخير في الدفع لا يمكن القبول به، وقد رفضه المجمع كما أعتقد في قرار سابق، وحتى لو دفعت التأخيرات المالية إلى جهة ثالثة ففيها بلا ريب شبهة الربا الصريح الجاهلي الذي تشير إليه النصوص. فعلى أي حال لا أعتقد أن هذا أمر يمكن القبول به.
وشكرًا لكم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
стр. 19298
الشيخ نظام يعقوبي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأبحاث لم تركز على الشرط الجزائي في الديون , وبعض الإخوة قال: إن هذا الأمر قد حسم بالنسبة لديون المرابحة والتقسيط.في الحقيقة هذا هو موضع الخلاف والإشكال. والمقاولات والاستصناعات لا إشكال كبير فيها وقد أفتت فيها هيئات كبيرة وهو معمول به. المشكلة المماطلة في الديون، ((ومطل الغني ظلم)) كما قال ﵊ ((ولي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) والعقوبة الأصل فيها أن تكون من ولي الأمر كما هو معروف قضاء. المشكلة القضاء في أكثر البلدان بطئ جدًا وفيه تأخير شديد وضياع لكثير من الحقوق لسنوات طويلة، والحق إذا تأخر أخذه لصاحبه فقد ظلم صاحب الحق. لو كان القضاء يسعفنا لما أصبحنا بحاجة إلى مثل هذا، ولكن للأسف بسبب التأخير والتأجيل وضياع الحقوق في معظم المحاكم بل وعدم القدرة على التنفيذ في أكثر الحالات لهذا السبب تتحاكم الدول الإسلامية في عقودها الدولية إلى محاكم لندن وفرنسا، بل حتى في بعض العقود المحلية مثل وزارة في دولة من الدول الإسلامية تعقد عقدًا مع وزارة أخرى في نفس الدولة فنجد أن بند التحاكم يشير إلى محاكم لندن وباريس، ومن قال غير ذلك فأرجو أن يراجع نفسه ويتحقق من هذه المسألة. فهناك مشكلة حقيقية يستغل بعض المتعاملين مع المصارف الإسلامية يستغلونها إذا لم يوجد في عقودها شرط مثل هذه الشروط الجزائية فيأخذون أموالها ثم يودعونه في البنوك الربوية بالربا، ثم يماطلون لسنوات طويلة، ثم بعد عشر سنوات أو عشرين سنة يقولون خذوا أموالكم ليس لكم إلا هذا، وسيدنا عمر – ﵁ – يقول: (لست بالخب ولا الخب يخدعني) . هناك أمثلة واقعية كثيرة لهذه الأمور، فلابد من حل هذه المشكلة الواقعة ولهذه النازلة من النوازل.
الإخوة العلماء والسادة الأفاضل يدعون إلى البنوك الإسلامية وأن تحارب البنوك الربوية، ولكن لابد من إيجاد الحلول العملية ولا يكفي أن نقول كما قال بعض مشائخنا إن هذا واجب الدول ونحن نفتي وكفى، فهذا أظن أنه هروب من المسؤولية، فواجبنا أن نصحح معاملات الناس ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. كثير من الدول لديها بيروقراطيات ومشاكل وروتين قاتل لا تستطيع أن تغير القوانين والأنظمة في يوم وليلة، وأمر المال والاستثمار أيها الأخوة الكرام يتعلق بالملايين ومئات الملايين والمليارات لا يستطيع أصحاب هذه الملايين أن ينتظروا السنوات الطويلة وأموال البنوك الإسلامية هي أموالنا، هي أموال المودعين والمساهمين، هي أموال المسلمين، ونحن مسؤولون عن هذه الأموال.
الاستثمار اليوم يتم باللحظة وبالدقيقة وبالثانية، والأسواق العالمية تفتح على مدار (٢٤) ساعة، فما هو الحل لهذه المشكلة؟ الربا حرام قطعًا، أخذ الزيادة للدائن نفسه فيه مخالفة أيضًا وشبهة الربا، فأخذت بعض الاجتهادات الجماعية والفردية بقول وسط كما أشار شيخنا القره داغي وهو أن يوضع شرط في العقد بشرط صرف هذه الأموال الزائدة في جهات البر والخير ومصالح المسلمين، كما ذكره بعض الفقهاء من المالكية الحطاب وغيره على جواز اشتراط التصدق على المدين، هذه المسألة المهمة لم يتعرض إليها أحد من الباحثين إلا بحثًا واحدًا عرضًا. فإذا كانت هناك حلول أخرى غير هذا الحل فنرجو أن يأتي بها أصحابها، ولكن لابد أن يحسم قرار مجمعكم الموقر هذا الأمر فهو لا يحتمل التأجيل والتأخير، وبسبب ذلك يتسبب في ضياع أموال المسلمين وذهابها إلى جهات مختلفة كما تعلمون. والله أعلم.
стр. 19299
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينًا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أشكر لسماحة الرئيس هذه الفرصة المباركة، وأسأل الله – – التوفيق للجميع.
أولًا: قبل البدء في مداخلتي أتقدم بالرجاء إلى سماحة الرئيس وسماحة أمينه بلفت نظر الأخوة إلى حصر المداخلات في الموضوع نفسه حتى تنجلي جوانبه وتتم الإفادة والاستفادة.
ثانيًّا: أؤكد ما أكده مجموعة من الأخوة بأن البحوث التي قدمت بذل أصحابها في سبيل إعدادها مجهودًا مشكورًا، فجزاهم الله خيرًا أو أثابهم ووفقهم.
ثالثًا: في الواقع أتساءل الآن هل الشرط الجزائي تعويض عن ضرر أو عقوبة مالية؟ الذي يظهر لي أن الشرط الجزائي عقوبة مالية في مقابلة الإخلال بالعمل سواء أكان ذلك يتعلق بالعمل نفسه أم يتعلق بزمان أدائه. وقرار هيئة كبار العلماء في الواقع مبادرة من مجلسها قبل خمسة وعشرين عامًا وهو قرار عام، إلا أنني بصفتي أحد أعضائه لم يكن في تصور المجلس إقرار شرط جزائي في العقود في حال التخلف في سداد الديون أحب أن يكون هذا تنبيهًا على قرار المجلس وإن كان ليس لي حق أن أفسر قرار المجلس وإن كنت أحد أفراده لكن التفسير لا يكون إلا من المجلس نفسه، ونحن نبحث هذا الموضوع لم يكن في خلدنا أن يكون الشرط الجزائي خاصًا أو شاملًا لسداد الديون المتأخرة.
والذي يظهر لي أن الشرط الجزائي بالنسبة لسداد الديون هو أخذ بالمنهج الجاهلي: (أتربي أم تقضي) ، بل قد يكون أشد من ذلك لأن المنهج الجاهلي يبدأ عند حلول أجل السداد، وهذا يقر عند التعاقد، فهو إقرار بالربا الجاهلي عند التعاقد. هيئة كبار العلماء اشترطوا في الأخذ بالشرط الجزائي ألا يكن مبالغًا فيه، وفي حالة المبالغة فيه يرجع في تقديره إلى القضاء.
стр. 19300
رابعًا: مسألة وهي في الواقع جديرة بالتنبيه؛ ألا يخلط بين الشرط الجزائي وبين العقوبة المالية بالنسبة للمماطل في أداء الحق، فالعقوبة المالية ليست عقوبة على تخلف السداد في المستقبل وإنما هي عقوبة مالية لقاء التأخر في السداد دون النص عليه في العقد أو رضا المماطل.
المثال الذي ذكره الدكتور السالوس – حفظه الله – في تخلف المديونية من ثلاثين ألفًا إلى سبعة وتسعين ألفًا، هذا في الواقع تجاوز في التطبيق، والتجاوزات في التطبيق لا ينبغي أن تأتي على المبادئ أو على القرارات، فكل من تجاوز في تطبيق فتوى، أو في تطبيق قرار، أو في تطبيق أي إجراء لا يجوز أن ينسب إلى القرار نفسه أو للفتوى، وإنما هو منسوب إلى ذلك المتجاوز فضلًا أن هذا التجاوز ليس من الشروط الجزائية المعتبرة.
خامسًا: ورد في بعض البحوث خلط في العربون بين اعتباره شرطًا تعويضيًّا وبين اعتباره شرطًا جزائيًّا، وهو في الواقع تعويض، والواقع أن العربون ليس في مقابلة الإخلال بالوعد، فلا يجوز أن يؤخذ عربون في حال الوعد وإن كان الوعد ملزمًا، لكن ما يؤخذ يمكن أن يعبر عنه بأنه هامش جدية أو شيء من هذا، وهو في الواقع يعتبر أمانة بيد الموعود حتى إذا ترتب عليه ضرر في حال الإخلال بالوعد وعلى اعتبار الإلزام به يكون له حق أخذ الضرر من هذا والذي هو هامش جدية، ولكن ليس عربونًا، فإنما العربون لا يكون إلا بعد تمام البيع بإيجابه وقبوله وانتقال العين من مالكها إلى مشتريها، ويكون للمشتري خيار الرد أو الإمساك مدة معينة ويبذل في سبيل ذلك ما يسمى بالعربون، هذا العربون إن رضي أو اختار الرد صار هذا العربون حقًا للبائع نفسه لقاء حبسه لسلعته، وإن وفى وأمضى العقد صار جزءًا من الثمن.
سادسًا: الدكتور عبد السلام العبادي – حفظه الله – أكد وجود الإشكال في تخلف مديونيات البنوك الإسلامية وأن حصر الشرط الجزائي في العقود والمقاولات وليس في الديون، هذا في الواقع يعتبر إشكالًا، لكننا في الواقع نقول أولًا لا شك أن حصر الشرط الجزائي في العقود وفي التوريدات وفي المقاولات ونحو ذلك، لا شك أن هذا ما يقتضيه الشرط الجزائي، ولكن ما ذكره معالي الدكتور عبد السلام هو صحيح، والآن نفس المصارف الإسلامية تعاني معاناة بالغة ويعتبر أعظم مشكلة وعرقلة في سبيل تقدمها ونجاحها هو هذه الديون المتعثرة. لديها الآن ديون متعثرة عظيمة، وهي بحكم منهجها ممنوعة أو مانعة نفسها من أن ترتب فوائد ربوية.
إذن ماذا يكون؟ المصارف التقليدية تقول: اللهم زد من هذا التأجيل وفي ربح هذا التأجيل. لكن المصارف الإسلامية ماذا تقول؟ تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. فيجب علينا أن ننظر إلى هذا الشيء، ورسول الله ﷺ أوجد لنا الحل لكننا في الواقع لا نزال في تردد من قبول هذا الحل مع الأسف الشديد وهو نص نبوي في قوله ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) ، وقوله الآخر ((لي الواجد يحل عقوبته وعرضه)) والعموم في قوله ﷺ يتناول العقوبات المالية، ولهذا أضم صوتي إلى صوت الدكتور عبد السلام في أن البنوك الإسلامية تعاني مشكلة تعثر السداد فلابد من حل لذلك.
والله المستعان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19301
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
مسألة الشروط مسألة قديمة قدم الفقه الإسلامي، ولعلكم تعرفون ذلك الرجل الذي سأل في الحج أبا حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى فاختلفوا جميعً في موسم الحج ودار عليهم وكل منهم ذكر ما استدل به من أحاديث الشروط. فمسألة الشروط بصفة عامة هي مسألة قديمة.
أما بالنسبة للشرط الجزائي أنا أظن أن الشرط الجزائي بالنسبة للديون منصوص عليه بالتحريم لأنه من ربا الجاهلية. أهل الجاهلية كانوا يبحثون عن تعويض الضرر لتأخر الدين (إما أن تقضي أو تربي) ، ولذلك فسر القرطبي – ﵀ – آيات الدين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩ – ٢٨٠] ، قال: الله جعل المدينين بين اثنين: موسر يجب عليه رد ما عليه من الدين، ومعسر يجب انتظاره، فلا يوجد قسم ثالث ولا يوجد تفصيل آخر. الموسر ليس عليه إلا أن يجبر على رد الدين والمعسر يجب إنظاره بالدين، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف فيه بين المسلمين.
وقد ذكر البناني على الزرقاني وهو يعلل ذلك، قال: بأن من داينه لا يجب عليه إلا أداء الدين، لأن من داينه داخل على المطل وداخل على أن يفلس وداخل على أن يموت. إذا هذا الشرط هو ربا الجاهلية الذي لا يشك فيه كما يقول الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – أن هذا هو ربا الجاهلية الذي لا يشك فيه إما أن تقضي وإما ان تربي. ومن العجيب أن نرجع اليوم إلى هذا الربا الذي لا يشك فيه وأن نحاول أن نعطيه اسمًا جديدًا كما تستحل الخمر ويعطى لها اسم آخر غير اسم الخمر كما جاء في الحديث.
يبدو لي أن هذه المسألة يجب أن نبت فيها بقوة وأن نبين على المستوى الدولي أن الشرط الجزائي هو الذي أهلك الدول الإسلامية بالديون للبنك الدولي. هذا الشرط (إما أن تقضي وإما أن تربي) هو الذي جعل الديون تتراكم على كثير من دول العالم الإسلامي بحيث أصبحت رهينة بيد البنك الدولي فيجب أن نحاول أن نجعل الاقتصاد العالمي اقتصاد أخلاقيًّا يهتم الأخلاق، وأن يرفع هذا المجلس عقيرته بأن الشرط الجزائي مضر، وأن الربا مضر بالعالم كله لا بالمسلمين فقط.
стр. 19302
يجب أن ننبه على ثلاثة أمور:
أولًا: ننبه المجلس على الإفساد الذي أدى إليه الشرط الجزائي على المستوى العالمي.
ثانيًّا: أن نطبق توثيق الديون واتخاذ تدابير صارمة لحجز أموال المدين، وهذا ممكن وذلك بأن نطلب من المحاكم في الدول الإسلامية أن تحدث بعض المصالح التي تهتم بمتابعة الديون، وأعتقد أن هذا ممكن جدًا بحيث تحجز هذه المصالح وهذه المحاكم على أموال المدين الذي لا يريد سداد الدين بدلًا من أن نراكم فوائد هي حرام بإجماع المسلمين، وقائم هذا الإجماع من نص القرآن في تحريم الربا ومن نصوص السنة بأن النبي ﷺ وضع ربا الجاهلية، وربا الجاهلية نريد أن نكرره في هذا القرن الخامس عشر!!.
ثالثًا: أن نهيب بهذه البنوك الإسلامية التي خرجت على قرارات المجمع أن تعود إليها، وأن نطلب من مجالس الإفتاء في هذه البنوك الإسلامية أن ترجع إلى الصواب وألا تخرج على قرارات مجمع الفقه.
وهذا هو الحل الذي لا أب له ولا أم أن يجعل في صندوق آخر لا تتقاضاه البنوك ولكنه تجعله في صندوق آخر. هذا إلزام للمدين بأموال لا تلزمه شرعًا إما أن يكون موسرًا فيجب أن نلزمه بقضاء هذا الدين، وإما أن يكون معسرًا فلاشيء عيه. أما أن نحدث هذا الحدث وهذه البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان ونحتج بالحديث، هذه المصلحة ملغاة، والحديث قال (العقوبة) العقوبة هذه عقوبة السجن كما أجمع عليه علماء المسلمين في تفسير هذا الحديث. لماذا نخرج عن هذا الإجماع ونحاول أن نجد حلولًا ما أنزل الله بها من سلطان؟ نطلب من البنوك الإسلامية أن تتوثق من زبائنها وأن تكن منضبطة في تسيير أمورها وألا تتعامل إلا مع شخص معروف بالنزاهة والاستقامة، كل هذا ممكن حتى قال علماؤنا – رحمهم الله تعالى -: " وإن ساقيته أو أكريته فألفيته سارقًا لم ينفسخ، وليتحفظ منه كبيعه ولم يعلم لفلسه " وهذا نص خليل.
بمعنى أن النتائج التي يصل إليها الإنسان في عدم تحفظه ليست محسوبة على الشرع، وإذا باعه ولم يعلم بفلسه فهو أسوة الغرماء كغيره.
وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
стр. 19303
الدكتور رفيق المصري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شيخنا الصديق قال: " الشرط الجزائي ليس عقوبة بل هو تعويض "، وقال أيضًا: " تسميته بالتعويض الاتفافي أولى عندي من تسميته بالشرط الجزائي ".
لفظ الجزاء في اللغة العربية يعني: الثواب والعقاب، وقد يعني الشرط الجزائي ثوابًا (تعويضًا) بالنسبة للقابض، وعقوبة بالنسبة للدافع.
كما أن الجزاء هنا قد يراد منه العقاب دون الثواب، وهو هنا ترجمة للفظ الفرنسي (penalit) ، أو الإنجليزي (penalty) بمعنى العقوبة، والشرط أو البند الجزائي مستمد في اللغتين الفرنسية والإنجليزية من هذا اللفظ penalty- close، pinal close بالإنجليزية، فإذا أدعى الأستاذ الضرير أن الشرط الجزائي ليس جزائيًّا فعليه أن يناقش المسألة لفظًا ومضمونًا، وإن يرد على العرب والأجانب وعلى الفرنسيين والإنجليز وعلى أهل الفقه والقانون.
ثم إن الفوائد التأخيرية ضرب من الشرط الجزائي، ويراعى فيها أن تكون أعلى من الفوائد التعويضية، لما في التأخيرية من معنى الجزاء (العقوبة) ، فكيف يقول شيخنا: إن الشرط الجزائي ليس عقوبة أو أن الشرط الجزائي ليس جزائيًّا؟ قال أيضًا: " حاولوا أن يؤصلوا التعويض عن الضرر الأدبي في الفقه الإسلامي فلم يوفقوا في نظري ". وقال أيضًا لدي اقتراح مشروع القرار: " استثني الضرر الأدبي من التعويض ". إني أرى أن المسألة مختلف فيها بين الفقهاء المعاصرين كما ذكر، ولا يمكن أن يتخذ منها موقف بسطر أو بسطرين، بل تحتاج إلى بحوث مفردة، ولم يتعرض لها من الباحثين إلا شيخنا الصديق وبشكل عارض وموجز.
стр. 19304
عندي تعليق أو سؤال لأستاذي الشيخ الضرير ولسائر الأساتذة الباحثين في الشرط الجزائي: لو اتفق المتداينان في بيع التقسيط على حلول باقي الأقساط بقيمتها الاسمية لا الحالية إذا تخلف أو تأخر المدين في دفع أحد الأقساط هل يجوز بناء على الشرط الجزائي تعويض فيه معنى الجزاء والعقوبة؟ رأيت ورأى معي باحثون آخرون أن الشرط الجزائي في حالة عدم التنفيذ جائز وفي حالة التأخر في التنفيذ غير جائز. ورأى أستاذنا أن كليهما جائز، لأننا هاهنا أمام التزام لا دين، لكني أسال أستاذنا الضرير: هل بمجرد العدول عن لفظ الالتزام تنجلي الشبهة لدينا، شبهة ربا النسيئة؟ أليس ثمة تقارب بين الالتزام والدين أليس الدين نوعًا من الالتزام؟ ثم لماذا رأى الشيخ الضرير جواز الشرط الجزائي عند التأخر في التوريد ولم ير جوازه عند التأخر في السلم فأي فرق هاهنا بين التوريد والسلم؟
أجاز شيخنا أيضًا الشرط الجزائي على الصانع ومنعه على المستصنع أما كان الأولى أن يمنعه عليهما معًا؟
إن المسألة بحاجة إلى مناقشة أكبر من مجرد تهريبها من الدين إلى الالتزام، ويبقى الشرط الجزائي في حالة التأخير موضع شبهة لم يناقشها الضرير المناقشة الكافية.
قال أيضًا: " والفرق كبير جدًا بين الالتزام والدين ".
أقول: هذه مبالغة كبيرة جدًا. أليس المسلم إليه كالمورد كلاهما يلتزم بتسليم كمية محددة من السلع؟ فأين هذا الفرق الكبير جدا؟! سؤال: لو أن المناقصة غير حكومية بل هي بين طرفين كلاهما من القطاع الخاص وكانت هناك غرامات تأخير أفليست هذه الغرامات من باب الشرط الجزائي؟ ربما يكون سبب ما ذهب إليه الدكتور الضرير هو أنه رأى أن الشرط الجزائي ليس عقوبة وقد سبق الاعتراض على هذا.
стр. 19305
اعترض علي في اعتباري غرامات التأخير من الشرط الجزائي ونسبة ذلك للسنهوري.
أما الأول فقد سبق الرد عليه، وأما الثاني فقد قال السنهوري بالنص: " شروط المقاولة قد تتضمن شرطًا جزائيًّا يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو أسبوع يتأخر فيه المقاول عن تسليم العمل "، وقد نقل الضرير نفسه هذا النص، أليست هذه غرامات تأخير أو شرطًا جزائيًّا عن التأخير؟
وقال أيضًا: إن المملكة العربية السعودية لا تأخذ بالتعويض الاتفاقي للضرر – أي لا تأخذ بالشرط الجزائي – وإنما تفرض غرامة على المقاول المتأخر أليست غرامة التأخير هنا في معنى الشرط الجزائي في حال التأخير؟
تعليقي على ورقة الدكتور حمداتي، لم يستعرض صور الشرط الجزائي، وأجاز الشرط الجزائي بجميع صوره دون استعراض لها، وحكم أن الشرط الجزائي ذو أصول إسلامية لكن ما أراده؟ ربما أضاف أهل القانون صورًا أخرى أو تعديلًا، ولم يبين حكم غرامات التأخير في المناقصات.
وأما باقي البحوث فقد وصلتني متأخرة لم أستطع الإطلاع عليها.
وشكرًا لكم.
стр. 19306
الدكتور عبد السلام العبادي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عندي تعليق على الموضوع الذي طرحته أنا، أنا لم أعط رأيًّا في الموضوع، بمعنى أنني لم أقل هذا والذي يجب أن يتبنى إنما طلبنا أن تتصدى البحوث وأن يتصدى المجمع لهذه المسألة، وحقيقة عندما قال الشيخ ابن بيه: هذا التنديد الواسع في هذا الأمر، والذي قال به بعض الباحثين، نعم هنالك موسر وهنالك معسر. الموسر عليه أن يدفع والمعسر ينظر حتى يوسر. لكن سؤالنا عن الموسر الذي لا يدفع لذلك كل الذين تصدوا لهذه القضية بالحل الذي ذكرته اشترطوا أن يكون الشخص غير معسر، أما إذا كان معسرًا فلا خلاف بأنه يجب أن ينظر حتى يوسر، ثم القول بأن العقوبة – عقوبة السجن – إجماع، واقتراح فضيلته بالحجر أو بالحجز على أموال المدين هي عقوبة مالية، المطلوب من هذا المجمع قبل أن يحسم في هذا الأمر ويتخذ قرارًا أن يكون لديه مجموعة من البحوث وأن يكون لديه تصدي لهذه القضية حتى إذا قلنا بالتحريم قلنا بناء على استقصاء وبحث واستدلال، وإذا قلنا أيضًا بالجواز ضمن ما اقترحه هؤلاء الأخوة قلنا أيضًا بناء على معرفة وإدراك للمعاني التي أقاموا عليها رأيهم وكلامهم.
نعم هذه القضية كبيرة كما أشار إليها بعض الأخوة ولذلك فالحسم في هذا الموضوع بهذه الطريقة واعتبارها إحياء لمفاهيم الجاهلية بهذا الأسلوب الذي تستعمل فيه العبارات الشديدة، حقيقة يجب ألا يكون إلا بعد بحث واستقصاء.
وأحب أن أقول لأخي الكريم إن المديونية والبنك الدولي ليس مشكلتها مشكلة الشرط الجزائي، مشكلتها مشكلة الاقتراض بربا، الأصل في القروض أنها قروض ربوية، أما موضوع أن الفوائد تزيد بتأخير السداد فهذا موضوع لاحق ولا علاقة له بالشرط الجزائي وشكرًا.
стр. 19307
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مع الأخذ في الاعتبار بما صدر في قرارات المجلس السابقة ترون مناسبًا أن تتألف لجنة إعداد مشروع القرار بالإضافة إلى العارض والمقرر: الشيخ الصديق، الشيخ وهبة الزحيلي، الشيخ عبد الله بن بيه، الشيخ محمد عبد الرحيم.
الأمين العام:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هناك ملاحظة قد تسمونها تنظيمية أو ترتيبيه أو غير ذلك لكن أنا أطرحها. أطرحها من أجل الحد من هذا الخلاف الذي لاحظناه في كتابة البحوث ومن حيث المنهجية، ومن حيث الشمول، ومن حيث الانتشار، فكل واحد منا عندما يكتب يسلك المنهج الذي أعتاده ويريده، ولكن كثرة الموضوعات تندرج في البحث الواحد تجعل الناس غير قادرين على الخروج بنتيجة، ويجري الكلام هنا في هذه القاعدة كما لاحظته من الجلسة الأولى تكرارًا واجترارًا، بمعنى كأن كل واحد كتب في هذا الموضوع وما عنده يعرضه ولا يمسك عنه إذا سمع أن البحث قد سبق إليه أحد. نحن نريد أن ننتهي من هذه الجلسات إلى أشياء عملية، إلى قرارات، ولذلك عندما تعرض القضية بشكل آخر أو الموضوع بشكل آخر أي أن يكون الموضوع مثلًا يشكل بأربعة عناصر أو أربعة محاور فإن الموضوع الواحد يعطي لكل الإخوان الذين يريدون الكتابة فيه لكن مع تحديد المحور، وبهذا الشكل نستطيع أن نناقش المحاور التي وردت في الموضوعات كلها ونخرج بنتيجة إن شاء الله.
وشكرًا لحضراتكم.
стр. 19308
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: ١٠٩ (٣ / ١٢)
بشأن موضوع
الشرط الجزائي
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشر بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ – ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠ م) .
بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (الشرط الجزائي) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.
قرر ما يلي:
أولًا: الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شرط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه.
ثانيًّا: يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم ٨٥ (٢ / ٩) ، ونصه: (لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الدين عند التأخير "، وقراره في الاستصناع رقم ٦٥ (٣/٧) . ونصه: " يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة "، وقراره في البيع بالتقسيط رقم ٥١ (٢ / ٦) ونصه: " إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم ".
ثالثًا: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي، كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحق قبل حدوث الضرر.
стр. 19309
رابعًا: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا من الربا الصريح.
وبناء على هذا، فيجوز هذا الشرط – مثلًا في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاسصتناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه.
ولا يجوز – مثلًا – في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه.
خامسًا: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لحق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.
سادسًا: لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد.
سابعًا: يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في مقدار التعويض إذا وجدت مبررًا لذلك، أو كان مبالغًا فيه.
توصيات:
- يوصي المجمع بعقد ندوة متخصصة لبحث الشروط والتدابير التي تقترح للمصارف الإسلامية لضمان حصولها على الديوان المستحقة لها.
والله أعلم.
стр. 19310
عقود التوريد والمناقصة
إعداد
القاضي محمد تقي العثماني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن عقد التوريد عبارة عن اتفاقية بين الجهة المشترية والجهة البائعة، على أن الجهة البائعة تورد إلى الجهة المشترية سلعًا أو مواد محددة الأوصاف في تواريخ مستقبلة معينة لقاء ثمن معلوم متفق عليه بين الفريقين.
وبما أن الاتفاقية تنص على أن الجهة البائعة تسلم المبيع في تاريخ لاحق، وأن الجهة المشترية تدفع الثمن بعد التسليم، فالبدلان في هذه الاتفاقية مؤجلان وإنما تحتاج المؤسسات التجارية إلى مثل هذه العقود ليمكن لها تخطيط نشاطاتها التجارية، فإن ذلك لا يتيسر إلا بالتزام تعاقدي غير قابل للنقض، يتم به الحصول على المواد الخام أو المواد المطلوبة الأخرى في أوقات محددة في المستقبل. وبما أن البديلين في هذا العقد مؤجل كلاهما، فقد يستشكل هذا العقد من الناحية الشرعية بأنه بيع كالئ بكالئ، أو أنه بيع ما لا يملكه الإنسان. ومن هذه الناحية يجب دراسة هذا الموضوع بدقة.
فإن كل محل عقد التوريد شيء يحتاج إلى صناعة، فيمكن تقعيده على أساس الاستصناع، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي بجوازه (١) .
стр. 19311
أما إذا كان محل التوريد شيء لا يحتاج إلى صنعة، فهو محل البحث، ويتأتى فيه الإشكال من الجهات الآتية:
١- هو عقد مضاف إلى المستقبل، ومنعه جمهور الفقهاء.
٢- هو عقد يتأجل فيه البدلان، فيصير بيع الكالئ بالكالئ، وقد ورد في منعه حديث عمل به جمهور الفقهاء.
٣- إن محل التوريد في كثير من الأحوال لا يملكه البائع عند العقد، فيصير بيعًا لما لا يملكه الإنسان، وهو ممنوع بنص الحديث.
٤- إن محل التوريد قد يكون معدومًا، فيصير بيعًا للمعدوم، وقد منعه جمهور الفقهاء.
وقد رأى بعض المعاصرين أن يفتى بجواز هذا العقد، بالرغم من كونه مخالفًا للأصول المذكورة، وذلك على أساس الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، ولأنه ليس في هذا العقد ما يؤدي إلى الربا أو القمار أو الغرر الفاحش الذي هو علة لمنع بيع الكالئ بالكالئ وبيع المعدوم وغيره.
ولكن هذا الرأي فيه نظر من وجوه، ولو فتحنا باب غض النظر عن هذه المبادئ التي استمر عليها الفقه الإسلامي عبر القرون، فإن ذلك يفتح المجال لإباحة كثير من العقود الفاسدة التي ابتدعها السوق الرأسمالية، مثل المستقبليات وغيرها.
стр. 19312
والواقع في نظري أن اتفاقية التوريد لا تعدو من الناحية الشرعية أن تكون تفاهمًا ومواعدة من الطرفين، أما البيع الفعلي فلا ينعقد إلا عند تسليم المبيعات، فالإشكال الوحيد إذن هو في جعل هذه المواعدة لازمة، والحكم عند أكثر الفقهاء أن المواعدة لا تكون لازمة في القضاء، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي في موضوع لزوم الوعد على هذا الأساس بأن الوعد إنما يجوز الإلزام به إذا كان من طرف واحد. أما إذا كان المواعدة من الطرفين، فإنها لا تلزم (١) ولكن يوجد عند بعض الفقهاء القول بلزوم المواعدة عند الحاجة ولذلك نظائر في الفقه:
أما النظير الأول: فهو بيع الوفاء، وقال فيه قاضي خان من الحنفية
" اختلفوا في البيع الذي يسميه الناس بيع الوفاء أو بيع الجائز قال أكثر المشايخ منهم السيد الإمام أبو شجاع والقاضي الإمام أبو الحسن السغدي: حكمه حكم الرهن. . . والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع، لا يكون رهنًا ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع. . . وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالوعد، لأن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس (٢) .
وبمثله أفتى بعض علماء المالكية في بيع الوفاء الذي يسمى عندهم بيع الثنيا أو بيع الثنايا، فإنه لا يجوز عندهم في الأصل، ولكن إذا وقع البيع مطلقًا من هذا الشرط، ثم وعد المشتري البائع بأنه سوف يبيعه إذا جاءه بالثمن، فإن هذا الوعد صحيح لازم، قال الحطاب ﵀:
" قال في معين الحكام: ويجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد العقد بأنه إن جاءه بالثمن إلى أجل كذا، فالمبيع له. ويلزم المشتري متى جاءه بالثمن في خلال الأجل أو عند انقضاءه أو بعده على القرب منه، ولا يكون للمشتري تفويت في خلال الأجل، فإن فعل ببيع أوهبة أو شبه ذلك نقض إن أراده البائع ورد إليه " (٣) .
стр. 19313
وقد يستشكل هذا القياس بأن الوعد في بيع الوفاء لازم على طرف واحد، وهو المشتري الأول، وليس على البائع، فإنه يسع للبائع الأول أن لا يشتريه حتى يمضي الأجل، ولكن المقصود من هذا التنظير أن الفقهاء اعتبروا حاجات الناس في إلزام ما لم يكن لازمًا في الأصل.
وإن عبارة قاضي خان – رحمه الله تعالى – بصفة خاصة صريحة في أن المواعدة يمكن أن تجعل لازمة لحاجة الناس، والمواعدة إنما تكون من الطرفين، فتبين أنه لا بأس بجعلها لازمة عند الحنفية لحاجة الناس.
ولا شك أن الحاجة في إلزام المواعدة ظاهرة، ليس في عقود التوريد فقط، بل في كثير من أنواع التجارة المعاصرية، ولاسيما في التجارة الدولية، فإنه لا يمكن في كثير من الحالات أن يقع البيع على سلع موجودة متعينة عند إبرام اتفاقية البيع، فكثيرًا ما تريد جهة أن تشتري كمية كبيرة من سلعة، يحتاج البائع لتوفيرها إلى وقت ولكن من صالح الطرفين أن تكون بينهما اتفاقية ملزمة للطرفين غير قابلة للنقض، لأنه لو ترك الأمر بيد كل فريق أن يمتنع من إبرام البيع كلما شاء، لتضرر به الفريق الآخر ضررًا بينًا، فمثلًا أبدى المشتري رغبة في شراء ألف طن من القمح وإن البائع لا يوجد عنده القمح بهذه الكمية، فاتفق مع المشتري أنه سوف يوفره لتاريخ معين بعد أسبوع مثلًا، ووعد المشتري بأنه سوف يشتريه في ذلك التاريخ، وإن البائع – اعتمادًا على وعده – أنفق مبالغ باهظة للحصول على هذه الكمية من القمح، وصرف جهده ووقته. وإنه استطاع بعد هذا الجهد أن يوفر القمح في التاريخ المتفق عليه، فلما عرضه على المشتري، امتنع المشتري من إبرام الشراء، فلو لم يكن وعد المشتري ملزمًا، تضرر به البائع ضررًا بينًا، فإنه لم يتكبد هذا الجهد، ولم ينفق هذه المبالغ الخطيرة إلا لهذا المشتري، وربما لا يوجد من يشتري منه ذلك النوع من القمح بهذه الكمية الكبيرة، فرفض المشتري شراءه يضيع ماله ووقته وجهده، ويسبب له خسائر لا تتحمل.
стр. 19314
وفي جانب آخر لو لم يكن وعد البائع ببيع هذا القمح ملزمًا، ربما يتضرر به المشتري، وذلك أنه لما وعده البائع بتوفير هذه الكمية من القمح، فإنه يمسك عن طلبها من تاجر آخر اعتمادًا على وعد البائع، في حين أنه يحتاج إليه في التاريخ المتفق عليه، فلو أخل البائع بوعده، وامتنع من توفير القمح في ذلك التاريخ، فإن المشتري لا يمكن له أن يحصل على هذه الكمية في ذلك التاريخ، وإنه يحتاج إلى أن يطلب تاجرًا آخر يتفق معه لتوفير الكمية المطلوبة خلال الأسبوع القادم، مع أنه يحتاج إليها في هذا الأسبوع، ثم عدم إلزام الوعد يجري على التاجر الجديد أيضًا، فيمكن أن يمتنع هو عن إبرام البيع، كما امتنع البائع الأول، فلا سبيل إلى اطمئنان المشتري بتوفير الكمية المطلوبة في أي تاريخ مستقبل إلا بأن يكون الوعد ملزمًا على البائع، فمن صالح كلتا الجهتين أن يكون وعد كل منهما وعدًا ملزمًا، وفي جعل هذه المواعدة غير ملزمة لأحد من الطرفين حرج بين كما أسلفنا.
وقد ذكر الإمام أبو بكر الجصاص في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ما نصه:
" يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة، وأوجب على نفسه عقدًا لزمه الوفاء به، إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلًا ما لا يفعل، وقد ذم الله فاعل ذلك، وهذا فيما لم يكن معصية، فأما المعصية فإن إيجابها في القول لا يلزمه الوفاء بها. . . وإنما يلزم ذلك فيما عقده على نفسه مما يتقرب إلى الله ، مثل النذور، وفي حقوق الآدميين، العقود التي يتعاقدونها " (١) .
وظاهر آخر هذه العبارة يدل على أن الوعود يجب إيفاءها إذا كانت متعلقة بالعقود التي يتعاقد بها الناس، وإن كانت الوعود من الطرفين.
وقد يستشكل هذا بأنه إذا جعلنا المواعدة من الطرفين لازمة فلا يبقى هناك فرق بين هذه المواعدة اللازمة على الطرفين وبين البيع المضاف إلى المستقبل الذي اتفق الأئمة الأربعة على عدة جوازه.
стр. 19315
والجواب أن المواعدة ليست عقدًا باتًا، وإنما هي موافقة الطرفين على إنجاز العقد في تاريخ لاحق وهو يحتاج إلى الإيجاب والقبول في ذلك التاريخ اللاحق، والفرق أن إنجاز العقد ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة، فمن أنجز الشراء فإنه جعل الثمن دينًا في ذمته، ومن أنجز البيع، فإنه نقل ملكية المبيع إلى المشتري، أو جعل المبيع دينًا في ذمته إن كان البيع سلمًا، وإن هذا الانتقال من ذمة إلى ذمة يحدث فور ما يتم الإيجاب والقبول، ولذلك من اشترى دارًا لسكناه، ولم يدفع الثمن إلى بائعها، فإنه صار مدينًا للبائع بمقدار الثمن، وتجري عليه سائر أحكام المديون، فلا تجب عليه الزكاة بمقدار هذا الدين على قول من يجعل الدين مانعًا لوجوب الزكاة حالًا كان أو مؤجلًا (١) ، وإذا أفلس المشتري فإن البائع أسوة للغرماء على قول الحنفية، وكذلك من باع الحنطة سلمًا، فإنه أصبح مدينًا للمشتري بذلك المقدار من الحنطة، فتسقط عنه الزكاة بذلك المقدار، لكونه دينًا عليه. ولا يسقط هذا الدين بموت المسلم إليه، فيؤخذ المسلم فيه من تركته حالًا (٢) .
أما المواعدة فلا تنشئ دينًا على أحد من الطرفين، فلا تحدث بها هذه النتائج، فإذا تواعدا على بيع الشيء في تاريخ لاحق، لم يكن الثمن دينًا في ذمة الواعد بالشراء فلا تسقط عنه الزكاة بمقدار الثمن، ولم يكن المبيع دينًا في ذمة الواعد بالبيع، فلا تسقط عنه زكاته، ولا يحق للواعد بالشراء أن يأخذ الشيء الموعود بيعه من تركه الواعد بالبيع بعد موته، أو بعد إفلاسه، فظهر أن المواعدة ليست عقدًا ولا تنتج عنها آثار العقد ولا المديونية إلا في التاريخ الموعود، ولا تحدث هذه النتائج بصفة تلقائية، حتى في التاريخ الموعود، بل يجب عند ذلك أن يتم الإيجاب والقبول من الطرفين على أنه إن عرض لأحد الطرفين في المواعدة عذر حقيقي مقبول منعه من إنجاز الوعد، فإنه يعد معذورًا ولا يجبر على إنجاز العقد، ولا على دفع التعويض. أما في البيع المضاف إلى المستقبل فعجز أحد الطرفين من تنفيذ مسؤولياته العقدية لا يسبب فسخ البيع تلقائيًّا، وإنما يحتاج إلى الإقالة بالتراضي.
стр. 19316
أما أثر كون المواعدة لازمًا، فلا يتجاوز من أن يجبر الحاكم الفريقين بإنجاز العقد في التاريخ الموعود. وإن أخل أحدهما بالوفاء بوعده، حمله الحاكم ما تضرر به الآخر من الضرر المالي الفعلي الذي حدث بسبب تخلفه عن الوفاء (١) وهذه النتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج إنجاز العقد الذي ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة.
ولا شك أن هذه الفروق بين المواعدة وبين إنجاز العقد فروق دقيقة، وإذا وقعت المواعدة الملزمة من الطرفين، فإنها تشابه العقد ولو لم تكن عقدًا، فلا ينبغي في عامة الأحوال أن تجعل المواعدة ملزمة في القضاء، تفاديًّا لشبهة العقد في تاريخ مستقبل، كما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي. ولكن بما أن المواعدة الملزمة ليست عقدًا باتًا في حقيقة الأمر لفوارق ذكرناها، فإنها يمكن أن يصار إليها في مواقع الحاجة العامة، وهو الذي نص عليه قاضي خان – ﵀ – بقوله: " لا أن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس " (٢) .
والحاجة العامة في عقود التوريد واردة بلا شك لما قدمناه فتجعل اتفاقيات التوريد مواعدة ملزمة على الطرفين بإنشاء عقد في المستقبل، ثم يتم العقد في حينه على أساس الإيجاب والقبول، أو على أساس التعاطي والاستجرار (٣) .
وهذا هو التكييف الفقهي السليم عندي لاتفاقيات التوريد، دون أن نجعلها عقودًا باتة مضافة إلى تاريخ مستقبل، والله أعلم.
ولكن لا تكون هذه المواعدة ملزمة للطرفين إلا إذا كانت الاتفاقية واضحة محددة لقدر المبيع، ومواصفاته، وثمنه، أو على أساس معلوم محدد لتحديد الثمن بما ينافي الجهالة عن المبيع وثمنه كليهما. أما إذا كانت الاتفاقية فيها جهالة في مثل هذه الأمور، فلا تعد المواعدة ملزمة.
стр. 19317
وقد يطالب المشتري في اتفاقيات التوريد بمبلغ عند التوقيع على الاتفاقية، وذلك ضمانًا لجديته في الشراء، وتيسيرًا على البائع للحصول على المبيعات المطلوبة، وإن هذا المبلغ ليس عربونًا على أساس التكييف الفقهي الذي ذكرناه وذلك لأن اتفاقية التوريد ليست عقدًا باتًا، وإنما هي مواعدة لإنجاز العقد في المستقبل. أما العربون فإنه (عند من يقول بجوازه) بيع يثبت فيه الخيار للمشتري، فإذا أمضى البيع اعتبر مبلغ العربون جزء من الثمن، وإن رد البيع كان مبلغ العربون للمالك، يقول ابن قدامة – رحمه الله تعالى -:
" والعربون في البيع: هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهمًا أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع (١)
فتبين أن بيع العربون بيع يثبت فيه الخيار للمشتري، يقابله شيء من المال في حالة رد البيع فقط، وحيث إن اتفاقية التوريد ليست عقدًا للبيع أو الشراء، وإنما هي مواعدة فقط، فلا يمكن أن نجعل هذا المبلغ عربونًا، ولا مانع من أن يطالب به المشتري ضمانًا لجديته في الموضوع، ولكنه يكون أمانة عند البائع وإن خلطه بماله أو صرفه، فإنه يكون مضمونًا عليه بكامله. نعم إذا تخلف الواعد بالشراء عن وعده بدون عذر مقبول، وحمله الحاكم تعويضًا عن الضرر الفعلي الذي أصاب الفريق الآخر بتخلفه، فإنه يجوز أن تقع المقاصة بين ضمان الجدية وبين التعويض المفروض على الواعد بالشراء، فإن كان التعويض المفروض من الحاكم أقل من المبلغ المدفوع ضمانًا للجدية، رد الواعد بالبيع ما بقي، وإن كان التعويض المفروض أكثر، دفع الواعد بالشراء ما زاد على ضمان الجدية.
وخلاصة ما وصلنا إليه في اتفاقيات التوريد ما يلي:
١- إن كان محل التوريد شيء يقتضي صناعة، فإن عقد التوريد يخرج على أساس الاستصناع، ويكون عقدًا باتًا، وتجري عليه أحكام الاستصناع.
٢- وإن كان محل التوريد شيء لا يقتضي صناعة، فإنه لا يكون عقدًا باتًا، وإنما يكون مواعدة لإنجاز العقد في تاريخ لاحق، ثم يتم العقد في حينه بإيجاب وقبول.
٣- يجوز أن تجعل هذه المواعدة ملزمة للطرفين للحاجة العامة.
٤- إن أثر إلزام هذه المواعدة، أن يجبر كل واحد من الطرفين على إنجاز وعده من قبل الحاكم، وإن امتنع أحد منهما عن الوفاء بوعده، وتضرر به الآخر ضررًا فعليًّا. فإن المتخلف يعوضه عن الضرر الفعلي الحقيقي.
٥- يجوز أن يطالب الواعد بالبيع ممن وعد بالشراء مبلغًا لضمان جديته، وإن هذا المبلغ ليس عربونًا، ولكنه أمانة بيد الواعد بالبيع، وإن خلطه بماله أو تصرف فيه صار ضامنًا له، والله أعلم بالصواب.
стр. 19318
عقود المناقصة
المناقصة طريقة تتبعها جهات تريد شراء سلع أو خدمات بأقل ما يعرض عليهم من سعر، وهو في حقيقته ضد المزايدة أو بيع من يزيد، فالمزايدة يجريها البائعون، فيريدون أن يعقدوا البيع بأكثر ما يعرض عليهم من ثمن، فيطلبون العروض من المشترين، ويعقدون في الأخير مع من يقدم أعلى عطاء.
والمناقصة يجريها المشترون، ويطلبون العروض من البائعين، ويرسون العطاء على من يتقدم إليهم بأقل الأسعار.
وإن المناقصات في عصرنا تجري إما في عقود المقاولات، أو في عقود التوريد. والطريقة المتبعة لإجراء المناقصة أن الجهة التي تريد أن تعقد مع مقاول لبناء عمارة مثلًا، وتريد أن يتقدم إليها المقاولون بعروض مختلفة، فإنها تدون تفاصيل البناء ومواصفاتها وشروط العقد في دفتر، ثم تدعوا المقاولين إلى المناقصة عن طريق الإعلان في الجرائد أو الصحف، ويحدد في الإعلان العمل المطلوب وبعض تفاصيله، أما دفتر الشروط الذي يحتوي على تفاصيل العمل بكاملها، وعلى الشروط الأخيرة للعقد، فإنما يعطى للمشاركين في المناقصة بثمن يحدد في الإعلان المنشور في الجرائد أو الصحف، كما أن الإعلان يحدد آخر موعد لتقديم العروض، وتاريخ فض العروض، وفي بعض الحالات يطالب المقاولون بتقديم ضمان ابتدائي ينبئ عن جديتهم في تقديم العرض.
стр. 19319
وعلى أساس هذا الإعلان يتقدم المقاولون بعروضهم في ظروف مختومة مع مبلغ الضمان الابتدائي، ثم إن الجهة الطالبة للمناقصة تفتح الظروف المختومة في موعد محدد بحضور المشاركين في المناقصة أو ممثليهم، ويعلن اسم كل صاحب عرض، وسعره، ويسجل ثم يتم فحص العروض للتأكد من توافر الشروط ومطابقة العروض للمواصفات المطلوبة، وموافقتها للإجراءات القانونية، ثم تختار الجهة الطالبة للمناقصة العرض الأقل سعرًا إلا إذا كان ذلك السعر – بالرغم من كونه أقل بالنسبة لسائر العروض – أغلى بالنسبة إلى سعر السوق، حينئذ تفاوض الجهة الطالبة مع صاحب العرض الأقل لتخفيض سعره ليكون موافقًا لسعر السوق، وكذلك إذا تساوت بعض العروض في أسعارها، ربما يلجأ إلى إجراء مفاوضة علنية بين أصحاب هذه العروض لاختيار الأصلح، أو يقسم العمل بينهم حسبما تقتضيه مصلحة الجهة الطالبة.
وبعد هذه الإجراءات يرسى العطاء لمن قبل عرضه، ومثل هذه الإجراءات تتخذ أيضًا في المناقصات التي تطلب فيها عقود التوريد، فإعلان طلب المناقصة يحتوي على مواصفات الأشياء المطلوبة وكمياتها، ويتقدم التجار بعروضهم لبيع هذه الأشياء، ويرسى العطاء لأقلها سعرًا بالطريقة التي ذكرناها في المقاولة سواء بسواء.
وإن في البلاد المختلفة قوانين مختلفة تخضع لها المناقصات، وإجراءات لا داعي لذكر تفاصيلها في هذه العجالة، لأنها أمور إدارية لا يتعلق بها حكم فقهي، ولكننا نريد أن ندرس هنا الأسئلة الفقهية التي تتعلق بالمناقصات، وهي ما يلي:
١- تكييف عقود المناقصة من الناحية الفقهية.
٢- إن كانت المناقصة عقدًا، فمتى يتم الإيجاب والقبول؟
٣- هل يختلف الحكم باختلاف أنواع المناقصة؟
٤- حكم أخذ عوض على دفتر الشروط.
٥- حكم المطالبة بالضمان الابتدائي الذي يطلب من المشاركين في المناقصة، أو الضمان الانتهائي الذي يطلب ممن يرسو له العطاء.
٦- حكم تقديم نسبة من الثمن من قبل الجهة الطالبة للمناقصة.
٧- هل يجب على الجهة الطالبة للعروض أن تقبل عرض من تقدم إليها بالسعر الأقل؟
стр. 19320
التكييف الفقهي للمناقصات:
لا يوجد ذكر للمناقصات في الكتب الفقهية، مع وجود ذكر المزايدات.
لأن المناقصات ظاهرة جديدة أوجدتها حاجات المشاريع الكبيرة من التجارة والصناعة، ولكن ليس معنى ذلك أن لا تكون المناقصة مقبولة شرعًا، ما لم يكن فيها ما هو محظور من الناحية الشرعية، ويمكن قياسها في بعض الأمور على المزايدة أو بيع من يزيد.
أما تكييفها الفقهي، فيختلف عندنا باختلاف موضوع المناقصة، فإن كان موضوع المناقصة عقدًا يجوز إنجازه على الفور شرعًا، مثل عقد البيع للمبيعات الموجودة عند البائع، أو عقد الإجارة، أو عقد الاستصناع أو المقاولة، فالدعوة إلى المناقصة في هذه العقود دعوة إلى هذه العقود. وقد يزعم بعض الناس أن الدعوى إلى المناقصة عن طريق الإعلان الصحفي إيجاب من قبل الجهة الطالبة، وإرساء العطاء قبول من قبل صاحب العرض، وليس الأمر كذلك، لأن الإيجاب الفقهي لا بد له من تحديد السعر، أما الإعلان الصحفي فلا يتحدد فيه السعر من قبل الجهة الطالبة للمناقصة، ولأن العقد لا يتم بمجرد فتح العرض الأقل، فقد يحق للجهة الطالبة أن تجري مفاوضة مع صاحب العرض الأقل إذا كان سعره المعروض أكثر من سعر السوق، وفي بعض الحالات الأخرى أيضًا. فالصحيح أن الإعلان الصحفي ليس إلا دعوة للدخول في العقد، والإيجاب الفقهي هو تقدم صاحب العرض بعرضه، ويتوقف قبوله على إرساء العطاء، فكلما أرسى العطاء، ولو بعد إجراء المفاوضة، تحقق القبول، وتم العقد إذا كان الموضوع بيعًا منجزًا، أو إجارة أو استصناعًا.
وهذا هو الموقف المختار عند الفقهاء في بيع المزايدة، ويقول الحطاب رحمه الله تعالى:
" أما بيع المزايدة فالحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له ". (١)
فقوله: " إن أراد صاحبها أن يمضيها له " صريح في أن العرض الزائد يحتاج إلى القبول.
стр. 19321
ومن هنا قال الدكتور عبد الرازق السنهوري.
" ويعنينا في العقود التي تتم بالمزايدة أن نعرف متى يتم الإيجاب ومتى يتم القبول، فقد يظن أن طرح الصفقة في المزاد هو الإيجاب، والتقدم بالعطاء هو القبول. وليس هذا صحيحًا، فإن طرح الصفقة في المزاد لا يعدو أن يكون دعوة إلى التعاقد عن طريق التقديم بعطاء، والتقدم بعطاء هو الإيجاب، أما القبول فلا يتم إلا برسو المزاد، ويكون هو إرساء المزاد على من يرسو عليه، وهذا هو الذي جرى عليه القضاء المصري في ظل القانون القديم " (١) .
ولما كان التقدم بعطاء إيجابي فالظاهر من ضوابط الإيجاب الفقهية أن يجوز للموجب الرجوع عن إيجابه قبل رسول العطاء الذي يعتبر قبولًا في بيع المزايدة وعلى هذا جرى القانون المصري، كما ذكره الدكتور السنهوري حيث يقول:
" فقد كان يعتبر التقدم بالعطاء إيجابًا لا قبول، ويرتب على ذلك جواز الرجوع فيه قبل إرساء المزاد " (٢) .
وقد ذكر في الحاشية على أن على هذا الأساس صدر الحكم من محكمة الاستئناف المصرية، وهذا هو القياس، وإن لم يتعرض لبيانه معظم فقهاء الحنفية، ولكن يظهر من كتب المالكية أن الذي يتقدم بالعطاء في المزايدة – وهو الموجب – لا يحق له الرجوع من إيجابه إلى أن يرسو العطاء. قال ابن رشد – رحمه الله تعالى -:
والحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له بما أعطى فيها ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة " (٣) .
стр. 19322
وقال الحطاب –رحمه الله تعالى –:
" إذا تبين له أنه يصيح عليهم ثلاثة أيام للزيادة، فكل من أعطاه شيئًا لزمه الشراء على أن البائع بالخيار ما لم تنقض أيام الصياح، فلصاحب العبيد أن يلزم المشتري الشراء وإن انقضت أيام الصياح ما لم يتباعد ذلك، وقد قيل: إنه ليس للمشتري أن يرد السلعة بعد مضي أيام الخيار، فعلى هذا القول ليس له أن يلزمه الشراء بعد انقضاء أيام الصياح، ولو كان الذي يصاح عليه في بيع المزايدة مما العرف فيه أن يمضي أو يرد في المجلس، ولم يشترط أن يصيح عليه أياما، لم يلزمه الشراء بعد أن ينقلب بالسلعة عن المجلس " (١) .
وقال بعد ذلك:
" فتحصل من كلام ابن رشد والمازري وابن عرفة في بيع المزايدة أن كل من زاد في السلعة، فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته، ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق أو يشترط ذلك البائع، فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف وفي مسألة الشرط في الأيام المشروطة وبعدها بقرب ذلك على مذهب المدونة، فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرط ولو كان العرف بخلافه " (٢) .
وهذه النصوص صريحة في أن المتقدم بالعطاء في المزايدة ليس له الرجوع عن إيجابه إلى أن يرسو العطاء أو تلغى المزايدة، فإن كان العرف على امتداد هذا اللزوم على المشتري حتى بعد مجلس المناداة، عمل به، إلا أن يشترط المشتري أنه لا يلزمه الشراء إلا ما دام في المجلس، فالشرط يقضي على العرف فظهر بهذا أن المالكية فرقوا بين بيوع المساومة العامة وبين المزايدات، حيث يحق للمشتري في المساومة أن يرجع عن إيجابه متى شاء قبل قبول البائع، ولا يحق له ذلك في بيوع المزايدة.
ولا شك أنه لا فرق بين المزايدة والمناقصة في هذا الموضوع، فينطبق عليها جميع أحكام المزايدة من هذه الجهة، فمقتضى القواعد العامة أنه يجوز لمن تقدم في المناقصة بعطاء أن يرجع عن إيجابه قبل رسو العطاء، ولكن مقتضى ما ذكره المالكية أنه لا يجوز له الرجوع بعد تقدمه بالعرض، وعلى هذا الأخير جرت معظم قوانين المناقصة المعاصرة، وبما أن المسألة اجتهادية، فهناك سعة بأخذ ما فيه مصلحة، ولكن الذي يظهر لي أن القول بإعطاء صاحب العرض الحق في الرجوع أعدل وأقيس، لأننا متى جعلنا عرضه إيجابًا، فلا وجه لحرمانه من الحقوق التي يستحقها الموجب في البيوع الأخرى.
стр. 19323
ثم إن الفقهاء المالكية إنما ألزموا الإيجاب على الموجب في المزاد العلني، الذي يتقدم فيه كل أحد بعطائه عن بصيرة تامة وعن علم بما تقدم به الآخرون، ويرسو العطاء فيه فورًا، أما المناقصات فمعظمها تجري على أساس السرية ويقع البت فيها بعد مدة، وحينئذ قد يضطر فيها صاحب العرض إلى سحب عرضه لتقلبات الأسعار في السوق أو لأعذار أخرى حقيقية، فلا تقاس المناقصة السرية على المزاد العلني الذي يقع فيه البت في المجلس.
هل العرض الأقل لازم على صاحب المناقصة؟ !
ومن النتائج المنطقية لجعل العرض إيجابًا، أن يحق لصاحب المناقصة أن يقبل ما شاء من عطاء ويرفض ما شاء، وبهذا صرح الفقهاء المالكية في المزايدة، فقال ابن رشد ﵀:
" وهو (أي البائع في المزايدة) مخير في أن يمضيها لمن شاء ممن أعطى فيها ثمنًا وإن كان غيره قد زاد عليه، هذا الذي أحفظ في هذا من قول الشيخ أبي جعفر بن رزق ﵀، وهو صحيح في المعنى، لأن حق صاحب السلعة أن يقول للذي أراد أن يلزمها إياه إن أبى من التزامها، وقال له بع سلعتك من الذي زاد علي فيها لأنك إنما طلبت الزيادة وقد وجدتها: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك، وليس طلبي الزيادة فيها " (١)
فلو أجرينا المناقصة على أساس هذا القول، جاز لصاحب المناقصة أن يقبل أي عرض شاء، سواء كان أقل أو أكثر، وربما تضطر الجهة الطالبة للمناقصة إلى قبول عرض سعره أكثر لمصالح أخرى، مثل كون صاحب العرض أتقن وأوثق بالنسبة لمن عرض سعر أقل، ولكن بما أن المناقصات تجري عمومًا من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الكبرى التي تمر فيها العملية من خلال أيدي كثير من الناس، فإن قبول السعر الأكثر معرض لتهمة التواطؤ، والرشوة وغيرها، فينبغي أن تكون مثل هذه المناقصات خاضعة لتشريعات تضمن شفافية العملية، ويؤمن معها من التواطؤ والرشوة.
هذا كله بالنسبة للمناقصات التي موضوعها عقد بات، كالبيع أو الإجارة، أو المقاولة والاستصناع. أما إذا كان موضوعه توريد أشياء غير مملوكة للبائع، فقد ذكرنا فيما سبق أن اتفاقية التوريد في هذه الحالة مواعدة لإنجاز العقد في المستقبل. فليس هناك إيجاب وقبول لإنجاز العقد في هذه المرحلة، وإنما الإعلان الصحفي لمثل هذه المناقصة دعوة للتجار للدخول في مواعدة أو التفاهم العام، ولكن لا بأس أن تتخذ لها جميع الإجراءات التي ذكرناها، بشرط أن لا يظن أن إرساء العطاء عقد بات للبيع مضاف إلى المستقبل، بل يرسو العطاء على أنه مواعدة من الطرفين ملزمة عليهما، لإنجاز البيع في تاريخ مستقبل. وقد فصلنا الفرق بين الأمرين عندما تكلمنا عن التوريد.
стр. 19324
الأنواع المختلفة للمناقصة:
وللمناقصة أنواع مختلفة، فمعظم المناقصات مناقصات عامة تتجه دعوة المشاركة فيها على كل من يريد ذلك، ولذلك تنشر الدعوة في الجرائد والصحف، وبعضها مناقصات خاصة لا تعلن في الصحف، وإنما توجه فيها الدعوة إلى عدد محدود من المشاركين بتوجيه الرسائل إليهم، ولا فرق بين النوعين من الناحية الشرعية، فكل ما ذكرنا من تكييف المناقصة وأحكامها ينطبق على النوعين سواء بسواء.
وكذلك تنقسم المناقصات إلى مناقصات محلية تقتصر محلية تقتصر الدعوة فيها إلي التجار والمقاولين في داخل البلد، وإلى مناقصات دولية يشترك فيها التجار من خارج البلد أيضًا، ولا فرق بينهما أيضًا من حيث أحكام الشريعة.
وهناك مناقصات علنية تكون عروض الأسعار فيها مكشوفة لكل واحد ومناقصات سرية تقدم فيها العروض في ظروف مختومة، ولا يطلع أحد من المشاركين على تفاصيل عرض الآخر إلى أن يرسو العطاء. والمعهود في الفقه الإسلامي هو المزاد العلني، وما وجدت للمزاد السري ذكرًا في كتب الفقه، ولكن ليس معنى ذلك أن المزاد السري ممنوع شرعًا، لأنه لا يلزم بسرية العروض محظور شرعي، بل العروض السرية أبعد عن شبهة النجش وغيره، فلا مانع من كونها سرية، وكذلك المناقصة والتكييف الفقهي والأحكام المتعلقة به في كلا من النوعين سواء.
стр. 19325
قيمة دفتر الشروط:
والمعمول به في المناقصات عمومًا أن الجهة الإدارية التي تريد أن تجري المناقصة تسجل تفاصيل العقد ومواصفاته في دفتر، وهذا الدفتر يعطى للمشاركين بعوض مالي، فالسؤال الفقهي: هل يجوز للجهة الإدارية أخذ عوض مقابل دفتر الشروط؟ فإذا نظرنا إلى أن هذا الدفتر إنما يرجع نفعه إلى الجهة الإدارية، حيث إنها هي التي تريد أن تجري المناقصة لصالحها، لم يكن هناك مبرر لها في أخذ عوض مقابل هذا الدفتر. ولكن هناك ناحية أخرى لا يمكن غض النظر عنها، وهي أن إعداد دفتر الشروط ربما يحتاج إلى دراسات فنية، ورسم خرائط دقيقة، مما يتطلب جهدًا ومالًا، ومن ناحية أخرى، إن هذا الدفتر يخفف مؤونة المقاولين أو التجار، لأنه لولا هذا الدفتر لاحتاج كل عارض إلى أن يجرى هذه الدراسات الفنية بنفسه، ويتكبد في ذلك جهدًا، ويبذل لأجله مالًا، ومن هذه الجهة يبدو أن الجهة الإدارية تستحق أن تطالب عوضًا مقابل هذا الدفتر.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف – عفا الله عنه – أنه لو كان دفتر الشروط لا يتضمن دراسات فنية، وكان مشتملًا على مجرد شروط العقد، فلا يجوز للجهة الإدارية أن تتقاضى عليه ثمنًا، لأنه بمنزلة بيان شروط العقد من أحد العاقدين، ولا يجوز أخذ العوض على ذلك. إما إذا كان هذا الدفتر مشتملًا على دراسات فنية يحتاج إليها المشاركون في المناقصة لإعداد عروضهم، فيجوز للجهة الإدارية أن تأخذ على دفعه عوضًا يغطي تكاليف الجهة الإدارية في إعداده.
وهذا قريب مما صدر به قرار من مجمع الفقه الإسلامي في موضوع بيع المزايدة، ونصه ما يلي:
(لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول – قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية – لكونه ثمنًا له " (١) .