← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 19321–19360 · переход к 19326.

стр. 19321

ومن هنا قال الدكتور عبد الرازق السنهوري. " ويعنينا في العقود التي تتم بالمزايدة أن نعرف متى يتم الإيجاب ومتى يتم القبول، فقد يظن أن طرح الصفقة في المزاد هو الإيجاب، والتقدم بالعطاء هو القبول. وليس هذا صحيحًا، فإن طرح الصفقة في المزاد لا يعدو أن يكون دعوة إلى التعاقد عن طريق التقديم بعطاء، والتقدم بعطاء هو الإيجاب، أما القبول فلا يتم إلا برسو المزاد، ويكون هو إرساء المزاد على من يرسو عليه، وهذا هو الذي جرى عليه القضاء المصري في ظل القانون القديم " (١) . ولما كان التقدم بعطاء إيجابي فالظاهر من ضوابط الإيجاب الفقهية أن يجوز للموجب الرجوع عن إيجابه قبل رسول العطاء الذي يعتبر قبولًا في بيع المزايدة وعلى هذا جرى القانون المصري، كما ذكره الدكتور السنهوري حيث يقول: " فقد كان يعتبر التقدم بالعطاء إيجابًا لا قبول، ويرتب على ذلك جواز الرجوع فيه قبل إرساء المزاد " (٢) . وقد ذكر في الحاشية على أن على هذا الأساس صدر الحكم من محكمة الاستئناف المصرية، وهذا هو القياس، وإن لم يتعرض لبيانه معظم فقهاء الحنفية، ولكن يظهر من كتب المالكية أن الذي يتقدم بالعطاء في المزايدة – وهو الموجب – لا يحق له الرجوع من إيجابه إلى أن يرسو العطاء. قال ابن رشد – رحمه الله تعالى -: والحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له بما أعطى فيها ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة " (٣) .

стр. 19322

وقال الحطاب –رحمه الله تعالى –: " إذا تبين له أنه يصيح عليهم ثلاثة أيام للزيادة، فكل من أعطاه شيئًا لزمه الشراء على أن البائع بالخيار ما لم تنقض أيام الصياح، فلصاحب العبيد أن يلزم المشتري الشراء وإن انقضت أيام الصياح ما لم يتباعد ذلك، وقد قيل: إنه ليس للمشتري أن يرد السلعة بعد مضي أيام الخيار، فعلى هذا القول ليس له أن يلزمه الشراء بعد انقضاء أيام الصياح، ولو كان الذي يصاح عليه في بيع المزايدة مما العرف فيه أن يمضي أو يرد في المجلس، ولم يشترط أن يصيح عليه أياما، لم يلزمه الشراء بعد أن ينقلب بالسلعة عن المجلس " (١) . وقال بعد ذلك: " فتحصل من كلام ابن رشد والمازري وابن عرفة في بيع المزايدة أن كل من زاد في السلعة، فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته، ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق أو يشترط ذلك البائع، فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف وفي مسألة الشرط في الأيام المشروطة وبعدها بقرب ذلك على مذهب المدونة، فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرط ولو كان العرف بخلافه " (٢) . وهذه النصوص صريحة في أن المتقدم بالعطاء في المزايدة ليس له الرجوع عن إيجابه إلى أن يرسو العطاء أو تلغى المزايدة، فإن كان العرف على امتداد هذا اللزوم على المشتري حتى بعد مجلس المناداة، عمل به، إلا أن يشترط المشتري أنه لا يلزمه الشراء إلا ما دام في المجلس، فالشرط يقضي على العرف فظهر بهذا أن المالكية فرقوا بين بيوع المساومة العامة وبين المزايدات، حيث يحق للمشتري في المساومة أن يرجع عن إيجابه متى شاء قبل قبول البائع، ولا يحق له ذلك في بيوع المزايدة. ولا شك أنه لا فرق بين المزايدة والمناقصة في هذا الموضوع، فينطبق عليها جميع أحكام المزايدة من هذه الجهة، فمقتضى القواعد العامة أنه يجوز لمن تقدم في المناقصة بعطاء أن يرجع عن إيجابه قبل رسو العطاء، ولكن مقتضى ما ذكره المالكية أنه لا يجوز له الرجوع بعد تقدمه بالعرض، وعلى هذا الأخير جرت معظم قوانين المناقصة المعاصرة، وبما أن المسألة اجتهادية، فهناك سعة بأخذ ما فيه مصلحة، ولكن الذي يظهر لي أن القول بإعطاء صاحب العرض الحق في الرجوع أعدل وأقيس، لأننا متى جعلنا عرضه إيجابًا، فلا وجه لحرمانه من الحقوق التي يستحقها الموجب في البيوع الأخرى.

стр. 19323

ثم إن الفقهاء المالكية إنما ألزموا الإيجاب على الموجب في المزاد العلني، الذي يتقدم فيه كل أحد بعطائه عن بصيرة تامة وعن علم بما تقدم به الآخرون، ويرسو العطاء فيه فورًا، أما المناقصات فمعظمها تجري على أساس السرية ويقع البت فيها بعد مدة، وحينئذ قد يضطر فيها صاحب العرض إلى سحب عرضه لتقلبات الأسعار في السوق أو لأعذار أخرى حقيقية، فلا تقاس المناقصة السرية على المزاد العلني الذي يقع فيه البت في المجلس. هل العرض الأقل لازم على صاحب المناقصة؟ ! ومن النتائج المنطقية لجعل العرض إيجابًا، أن يحق لصاحب المناقصة أن يقبل ما شاء من عطاء ويرفض ما شاء، وبهذا صرح الفقهاء المالكية في المزايدة، فقال ابن رشد ﵀: " وهو (أي البائع في المزايدة) مخير في أن يمضيها لمن شاء ممن أعطى فيها ثمنًا وإن كان غيره قد زاد عليه، هذا الذي أحفظ في هذا من قول الشيخ أبي جعفر بن رزق ﵀، وهو صحيح في المعنى، لأن حق صاحب السلعة أن يقول للذي أراد أن يلزمها إياه إن أبى من التزامها، وقال له بع سلعتك من الذي زاد علي فيها لأنك إنما طلبت الزيادة وقد وجدتها: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك، وليس طلبي الزيادة فيها " (١) فلو أجرينا المناقصة على أساس هذا القول، جاز لصاحب المناقصة أن يقبل أي عرض شاء، سواء كان أقل أو أكثر، وربما تضطر الجهة الطالبة للمناقصة إلى قبول عرض سعره أكثر لمصالح أخرى، مثل كون صاحب العرض أتقن وأوثق بالنسبة لمن عرض سعر أقل، ولكن بما أن المناقصات تجري عمومًا من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الكبرى التي تمر فيها العملية من خلال أيدي كثير من الناس، فإن قبول السعر الأكثر معرض لتهمة التواطؤ، والرشوة وغيرها، فينبغي أن تكون مثل هذه المناقصات خاضعة لتشريعات تضمن شفافية العملية، ويؤمن معها من التواطؤ والرشوة. هذا كله بالنسبة للمناقصات التي موضوعها عقد بات، كالبيع أو الإجارة، أو المقاولة والاستصناع. أما إذا كان موضوعه توريد أشياء غير مملوكة للبائع، فقد ذكرنا فيما سبق أن اتفاقية التوريد في هذه الحالة مواعدة لإنجاز العقد في المستقبل. فليس هناك إيجاب وقبول لإنجاز العقد في هذه المرحلة، وإنما الإعلان الصحفي لمثل هذه المناقصة دعوة للتجار للدخول في مواعدة أو التفاهم العام، ولكن لا بأس أن تتخذ لها جميع الإجراءات التي ذكرناها، بشرط أن لا يظن أن إرساء العطاء عقد بات للبيع مضاف إلى المستقبل، بل يرسو العطاء على أنه مواعدة من الطرفين ملزمة عليهما، لإنجاز البيع في تاريخ مستقبل. وقد فصلنا الفرق بين الأمرين عندما تكلمنا عن التوريد.

стр. 19324

الأنواع المختلفة للمناقصة: وللمناقصة أنواع مختلفة، فمعظم المناقصات مناقصات عامة تتجه دعوة المشاركة فيها على كل من يريد ذلك، ولذلك تنشر الدعوة في الجرائد والصحف، وبعضها مناقصات خاصة لا تعلن في الصحف، وإنما توجه فيها الدعوة إلى عدد محدود من المشاركين بتوجيه الرسائل إليهم، ولا فرق بين النوعين من الناحية الشرعية، فكل ما ذكرنا من تكييف المناقصة وأحكامها ينطبق على النوعين سواء بسواء. وكذلك تنقسم المناقصات إلى مناقصات محلية تقتصر محلية تقتصر الدعوة فيها إلي التجار والمقاولين في داخل البلد، وإلى مناقصات دولية يشترك فيها التجار من خارج البلد أيضًا، ولا فرق بينهما أيضًا من حيث أحكام الشريعة. وهناك مناقصات علنية تكون عروض الأسعار فيها مكشوفة لكل واحد ومناقصات سرية تقدم فيها العروض في ظروف مختومة، ولا يطلع أحد من المشاركين على تفاصيل عرض الآخر إلى أن يرسو العطاء. والمعهود في الفقه الإسلامي هو المزاد العلني، وما وجدت للمزاد السري ذكرًا في كتب الفقه، ولكن ليس معنى ذلك أن المزاد السري ممنوع شرعًا، لأنه لا يلزم بسرية العروض محظور شرعي، بل العروض السرية أبعد عن شبهة النجش وغيره، فلا مانع من كونها سرية، وكذلك المناقصة والتكييف الفقهي والأحكام المتعلقة به في كلا من النوعين سواء.

стр. 19325

قيمة دفتر الشروط: والمعمول به في المناقصات عمومًا أن الجهة الإدارية التي تريد أن تجري المناقصة تسجل تفاصيل العقد ومواصفاته في دفتر، وهذا الدفتر يعطى للمشاركين بعوض مالي، فالسؤال الفقهي: هل يجوز للجهة الإدارية أخذ عوض مقابل دفتر الشروط؟ فإذا نظرنا إلى أن هذا الدفتر إنما يرجع نفعه إلى الجهة الإدارية، حيث إنها هي التي تريد أن تجري المناقصة لصالحها، لم يكن هناك مبرر لها في أخذ عوض مقابل هذا الدفتر. ولكن هناك ناحية أخرى لا يمكن غض النظر عنها، وهي أن إعداد دفتر الشروط ربما يحتاج إلى دراسات فنية، ورسم خرائط دقيقة، مما يتطلب جهدًا ومالًا، ومن ناحية أخرى، إن هذا الدفتر يخفف مؤونة المقاولين أو التجار، لأنه لولا هذا الدفتر لاحتاج كل عارض إلى أن يجرى هذه الدراسات الفنية بنفسه، ويتكبد في ذلك جهدًا، ويبذل لأجله مالًا، ومن هذه الجهة يبدو أن الجهة الإدارية تستحق أن تطالب عوضًا مقابل هذا الدفتر. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف – عفا الله عنه – أنه لو كان دفتر الشروط لا يتضمن دراسات فنية، وكان مشتملًا على مجرد شروط العقد، فلا يجوز للجهة الإدارية أن تتقاضى عليه ثمنًا، لأنه بمنزلة بيان شروط العقد من أحد العاقدين، ولا يجوز أخذ العوض على ذلك. إما إذا كان هذا الدفتر مشتملًا على دراسات فنية يحتاج إليها المشاركون في المناقصة لإعداد عروضهم، فيجوز للجهة الإدارية أن تأخذ على دفعه عوضًا يغطي تكاليف الجهة الإدارية في إعداده. وهذا قريب مما صدر به قرار من مجمع الفقه الإسلامي في موضوع بيع المزايدة، ونصه ما يلي: (لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول – قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية – لكونه ثمنًا له " (١) .

стр. 19326

طلب الضمان من المشاركين: وإن الجهة الإدارية صاحبة المناقصة تطالب المشاركين بتقديم ضمان، وهذا الضمان على قسمين. القسم الأول، هو الضمان الابتدائي الذي يطالب بتقديمه مصحوبًا بتقديم العرض، والغرض منه التأكد من جدية العارض في تقديم عرضه، ويكون مبلغ هذا الضمان نسبة من قيمة العرض عمومًا، والمعمول به أن هذا المبلغ يصادر عليه إذا سحب العارض عرضه قبل موعد إرساء العطاء ويرد هذا المبلغ إلى أصحاب العروض الذين لم يفوزوا بالصفقة. والقسم الثاني، هو الضمان النهائي: ويطالب به من رسا عطاؤه وفاز بالصفقة، والمقصود من مطالبة هذا الضمان إلزام من نجح في المناقصة بتنفيذ العقد بشروطه ومواصفاته ومواعيده الزمنية، فهو ضمان يقدمه المتعاقد لتوثيق التزاماته وأنه سوف يقوم بمسؤولياته العقدية في وقتها الموعود. حكم الضمان الابتدائي: فأما الضمان الابتدائي، فحكمه أنه لا يظهر هناك مانع من المطالبة به للتأكد من جدية العارض مادام أنه لا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وهذا إنما يحصل إذا بقي مبلغ الضمان كأمانة عند الجهة الإدارية، ولو وقع خلطه بالأموال الأخرى، فيكون مضمونًا عليه، وإن وقع استثماره، فيجب أن يرجع ربحه إلى صاحب العرض الذي قدمه، وإن لم يفز هذا العارض بالصفقة، بمعنى أنه لم يقبل عرضه، فإنه يرد عليه كامل المبلغ، مع ربحه إذا أودع في وعاء استثماري مقبول شرعًا (١) .

стр. 19327

وما يعمل به عمومً من مصادرة هذا المبلغ إذا سحب العارض عرضه قبل موعد إرساء العطاء، غير مقبول من الناحية الشرعية إطلاقًا، وهو من قبيل أكل أموال الناس بالباطل، لأننا حققنا فيما سبق أن التقدم بالعرض إيجاب من قبل العارض. ويحق شرعًا لكل من يتقدم بالإيجاب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فلا وجه لمصادرة ما تقدم به من الضمان الابتدائي، وكثيرًا ما تقع حالات يضطر فيها العارض لسحب عرضه، فكيف يجوز معاقبته في مثل هذه الحالات؟ حتى لو أخذنا بقول المالكية الذين يرون التقدم بالعرض في المزايدة ملزمًا على الموجب / العارض، ولا يعترفون بحقه في الرجوع، فإن غاية هذا الإلزام أن يجبر على العقد قضاء، أو يحمل الضرر المالي الذي تضررت به الجهة صاحبة المناقصة فعلًا، وإلا صارت هذه المصادرة عقوبة مالية لا يجوز لأحد أن ينفذها إلا القاضي على قول من يجوز الغرامة المالية كعقوبة مشروعة، وخاصة في حين أن المالكية إنما ألزموا الإيجاب على العارض في المزاد العلني الذي يرسو فيه العطاء في مجلس المزاد، ولا ينطبق ذلك تمامًا على المناقصات السرية التي يتم البت فيها بعد مدة تحتمل فيها تقلبات الأسعار بصفة غير متوقعة. فلا يجوز شرعًا مصادرة الضمان الابتدائي إذا سحب العارض عرضه قبل إرساء العطاء. وقد يستشكل هذا بأنه لا تظهر هناك فائدة لهذا الضمان إذا وجب رد مبلغه إلى العارض في جميع الحالات، والجواب عن هذا الإشكال أن هذا المبلغ ليس إلا للتأكد من جدية صاحب العرض، وليس ضمانًا في مفهومه الفقهي، فإن الضمان إنما تسبقه مديونية، وإن مجرد التقدم بالعرض لا ينشئ دينًا على صاحب العرض ولا شك أن من يتقدم بهذا المبلغ عند تقديم عرضه، فإنه ينبئ عن جديته في الاشتراك، لأنه لا يتنازل أحد عن سيولته، ولو لمدة قصيرة، إلا من يريد أن يدخل في العقد حقيقة، وهذه الفائدة حاصلة، والله سبحانه أعلم.

стр. 19328

حكم الضمان النهائي: أما الضمان النهائي، فإنه يطالب به من يفوز بالصفقة من بين العارضين وإنما يطالب به لتوثيق أن الفائز بالصفقة يلتزم بمسؤولياته التعاقدية، وقد زعم بعض الناس أنه من قبيل العربون، وليس الأمر كذلك، لأن العربون الذي أجازه الحنابلة إنما يقدمه المشتري، وصاحب العرض في المناقصات هو البائع إذا كان موضوع المناقصة توريدًا، أو استصناعًا، والمؤجر إن كانت المناقصة موضوعها تقديم بعض الخدمات، والواقع أنه لا يوجد هناك نظير في الفقه الإسلامي بمطالبة شيء من البائع أو المؤجر إلا مطالبة الرهن من المسلم إليه الذي جوزه بعض الفقهاء ومنعه آخرون. ولكن ذلك إنما يمكن إذا كان البيع باتًا، كما في السلم أو الاستصناع، أما في عقود التوريد فلا. وغاية ما يمكن أن يبرر به هذا الضمان هو على أساس (ضمان الجدية) فينطبق عليه كل ما ذكرنا في الضمان الابتدائي من أنه أمانة ابتداء، وإن خلط بمال آخر، فإنه مضمون على صاحب المناقصة، وإن وقع استثماره فإنه يرجع ربحه إلى المتقدم به، ويجب رده، مع ربحه (إذا كان مستثمرًا في جهة مقبولة شرعًا) على صاحبه عند تمام تنفيذ العقد. ولا يجوز مصادرته إلا إذا تخلف صاحبه من أداء واجبه، وحصل بالتخلف ضرر مالي لصاحب المناقصة فعلًا، فيمكن أن تقع المقاصة بين هذا المبلغ وبين ما يجب على المتعاقد من تعويض مالي: وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي بشأن الضمان في بيوع المزايدة بما نصه: " طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعًا، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة " (١) . وبما أن هذا القرار كان موضوعه المزايدة، ويطلب فيه الضمان من المشتري، فيمكن تخريجه على أساس العربون، وليس الأمر كذلك في المناقصات التي يطلب فيها الضمان من البائع أو المقاول، فلابد من رد هذا المبلغ بعد تنفيذ العقد مع سائر واجبات المتعاقد الأخرى، ولا يصادر هذا المبلغ إلا في الصورة التي ذكرناها من تخلف المتعاقد عن تنفيذ العقد، وتحميله الضرر الفعلي المالي الذي أصاب صاحب المناقصة، حينئذ تقع المقاصة بين المالين، والله أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 19329

عقد التوريد دراسة فقهية تحليلية إعداد الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ملخص بحث (عقد التوريد) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمه للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن (عقد التوريد) من العقود التجارية التي تمخض عنها العصر الحديث، وما نتج عنه من تطور صناعي في النتاج الكمي والنوعي، وتطور وسائل النقل، وحفظ البضائع وتأمينها، وتطور وسائل الاتصال الهاتفي والإلكتروني، وقيام المؤسسات الاقتصادية المختلفة. كان هذا أوجد مناخات تجارية، وعقودًا مالية واقتصادية تختلف تمامًا كما وكيفًا عن التجارة في القرون الماضية. عقد التوريد بمفهومه التجاري المتداول: هو إحضار سلع من خارج حدود البلاد السياسية، وتربتها الوطنية للراغبين فيها، يتكفل بها مكاتب متخصصة، أصحابها ذو خبرة واسعة بمواقع السلع ومصادرها يبرمون عقودًا في داخل بلادهم مع التجار الراغبين فيها، يقومون بهذا الأمر إما بصفتهم وكلاء عن المصانع والشركات الخارجية حينًا، أو أنهم يمثلون الطرف الأول (بائعًا) في العقد، والتجار المحليين (مشترين) طرفًا ثانيًّا حينًا آخر. يبرم العقد بين الطرفين على أحد هذين الوجهين مع وصف دقيق للسلعة بما يكون له أثر في اختلاف الأسعار، أو تقديم عينة وأنموذج لها، وتعيين الزمان والمكان لتسليمها للمشتري حسب المتفق عليه في العقد، واتخاذ إجراءات تعاقدية لتأمين وصولها سليمة مع إحدى شركات التأمين، على أن يتم دفع الثمن مؤجلًا، أو على أقساط. في ضوء هذه العناصر الرئيسية لهذا العقد يمكن تعريف (عقد التوريد) تعريفًا فقهيًّا بأنه: " عقد على عين موصوفة في الذمة بثمن مؤجل معلوم، إلى أجل معلوم في مكان معين ".

стр. 19330

العناصر المؤثرة في صحة هذا العقد أو عدمها: ١-السلعة غير موجودة في مجلس العقد، وقد تكون معدومة في البلد المصدر لها لأنها مما يصنع حسب الطلب، وهذا هو الغالب. ٢-أن العقد يتم على أساس الوصف، أو مشاهدة عينة لها. ٣-أن المشتري لا يدفع الثمن حالًا، ولكن يدفعه لدى تسلمه السلعة إما دفعة واحدة، أو على أقساط. يمكن أن ينظر إلى مشروعية هذا العقد من عدمها من خلال أصلين شرعيين، وتنزيله على أحدهما، أو على كليهما إن أمكن هذا. الأصل الأول: تنزيله على عقد هو أكثر شبهًا به، واتفاقًا معه في حقيقته، وأخص صفاته. الأصل الثاني: أن يعد عقدًا جديدًا في ذاته، وصفاته، يخضع أولًا لقاعدة (الأصل في المعاملات الإباحة) والقواعد الشرعية الأخرى مثل قاعدة (المقتضي والمانع) وغيرها مما له علاقة موضوعية بهذا الأصل. هذا ما يتم عرضه ملخصًا من كتابه البحث. أما بالنسبة للأصل الأول وهو تنزيله على عقد من العقود المسماة الأكثر شبهًا به فهو (عقد البيع على الصفة) ، أو ما يسمى (بيع الصفات) ، يجتمع معه في صفات رئيسة منها: ١- أن العقد في كليهما قائم على أساس التوصيف الكامل للسلعة أو رؤية سابقة، أو مشاهدة عينة لها، وأنموذج منها. ٢- غياب السلعة عن مجلس العقد في كلا العقدين، وينفرد عقد التوريد بعدم وجودها في الخارج حال العقد، ولكنها تصنع، أو تستنبت بعد تمام العقد، وقد تكون موجودة ولكن في بلد ناء بمئات بل بآلاف الكيلو مترات، غير أن البائع، أو الوكيل يضمن حضورها سليمة في المكان والزمان والمواصفات المتفق عليها. ٣- موضوع العقدين هو عموم السلع الضرورية، والحاجية والتكميلية والتحسينية. ٤- القصد الأساسي من العقدين هو التبادل الفعلي للسلع بحصول المشتري على السلعة المطلوبة لتلبية احتياجاته أن أو احتياجات السوق، وحصول البائع على الربح لتسويق منتجاته، واطمئنان كل منهما على حصوله على ما يتم عليه العقد بالصفات، وفي الزمان، والمكان المحددين في العقد. ٥- كلا العقدين يحققان مفهوم عقد البيع شرعًا فهمًا من (بيوع الصفات) لا (الأعيان) .

стр. 19331

٦- لا حضور للعوضين الثمن والمثمن أثناء العقد، وإنما يتم تسليم الثمن كله، أو دفعه على أقساط بعد استلام المشتري للبضاعة. المحظور والمحاذير التي رآها الفقهاء القائلون بجواز البيع على الصفة وهم الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقول المرجوح عند الشافعية في المبيع الغائب على الصفة أمور: الأول: أن البعد المكاني يؤدي إلى تغير الصفات، ويعرض السلعة للهلاك. الثاني: أن العدول عن الرؤية إلى الوصف غرر ومخاطرة، ويفضي إلى المنازعة. ما من شك أن التحوط للأمر الأول وجيه، ووضعه في الاعتبار الفقهي في الماضي منطقي ومنسجم مع الوضع الاجتماعي، والتجاري، والأمني السابق، أما وقد زالت أسبابه في الوقت الحاضر بسب التطور في وسائل النقل، وأساليب الحفظ، ووجود مؤسسات التأمين لضمان سلامة البضائع، فقد أصبح اعتبار هذا وافتراضه غير وارد، وغير مؤثر في صحة العقد إذا انتفى وجوده، بل إنه مرتفع عن كلا العقدين (عقد البيع على الصفات) و (عقد التوريد) في العصر الحديث. أما الأمر الآخر: الغرر والمخاطرة بسبب عدم الرؤية واللجوء إلى الوصف، وعدم وجود أحد العوضين في مجلس العقد فقد ذكر الفقهاء من الشروط والقيود، والآثار المترتبة على عدم الرؤية للمبيع ما يحفظ حق الطرفين ويمنع أسباب النزاع بينهما، وهو ما يحاول الفقه الإسلامي أن يتفاداه المتعاقدان في جميع الأحوال والأزمان. ولا يشكل على الفقيه انعدام السلعة، ولا يؤثر هذا على صحة العقد ما دام الوصف في العقد يمنع الجهالة والغرر، ويسد باب المنازعة بين الطرفين يقول العلامة ابن القيم ﵀: " ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، ولا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع لا العدم، ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا، أو معدومًا " (١) . من خلال هذه القاعدة الفقهية التي قررها العلامة ابن القيم يتوجه النظر إلى (عقد التوريد) ليتم تنزيله متساويًّا مع نظيره في العقد على (المبيع الغائب) . وفيما يلي عرض ملخص لبعض النصوص الفقهية من المذاهب تقدم تصورًا لتوقي الغرر والمخاطرة في البيع على الصفات، وتقطع دابر المنازعة بين الطرفين، وقد نبه العلامة ابن تيمية ﵀: " أن من البيوع ما لا يقع فيه النزاع فتكون جائزة " (٢) .

стр. 19332

المذهب الحنفي: جاء في الاختيار لتعليل المختار للعلامة عبد الله الموصلي: " ولابد من معرفة المبيع معرفة نافية للجهالة " قطعًا للمنازعة، فإن كان حاضرًا فيكتفى بالمباشرة لأنها موجبة للتفريق، قاطعة للمنازعة، وإن كان غائبًا فإن كان مما يعرف بالأنموذج كالكيلي والوزني، والعدد المتقارب فرؤية الأنموذج كرؤية الجميع، إلا أن يختلف فيكون له خيار العيب، فإن كان مما لا يعرف بالأنموذج كالثياب، والحيوان فيذكر له جميع الأوصاف قطعًا للمنازعة، ويكون له خيار الرؤية " (١) . ولا يلزم دفع الثمن قبل استلام السلعة وهو ما ورد به النص: " فإن كان المبيع غائبًا عن حضرتهما فللمشتري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر المبيع؛ وإذا كان المبيع غائبًا لا تتحقق المساواة بالتقديم " (٢) . المذهب المالكي: " باب بيع الصفات والبرامج: ولا بأس بيع الأعيان الغائبة على الصفة، فإن وافقت الصفة لزم البيع فيها، ولم يكن للمشتري خيار الرؤية، وإن خالفت الصفة فالمشتري بالخيار في إجازة البيع، أورده. . . وإن كانت السلعة المبيعة على الصفة مأمونة فلا بأس بنقد ثمنها، وإن كانت غير مأمونة فلا ينقد ثمنها قبل قبضها. ولا بأس ببيع البرنامج إذا كانت فيه الصفات التي تكون في السلعة. . . " (٣) .

стр. 19333

المذهب الحنبلي: " (ويصح) البيع (بصفة) تضبط ما يصح السلم فيه: لأنها تقوم مقام الرؤية في تمييزه (وهو) أي البيع بالصفة (نوعان: أحدهما: بيع عين معينة سواء كانت العين المعينة غائبة. . . أو كانت العين المبيعة بالصفة حاضرة مستورة كجارية منتقبة، وأمتعة في ظروفها. . . والنوع الثاني) من نوعي البيع بالصفة: (بيع موصوف غير معين، ويصفه بصفة تكفي في السلم، إن صح السلم فيه) بأن انضبطت صفاته. . " (١) . أما بالنسبة للنوع الأول: " فيجوز التفريق قبل قبض الثمن، وقبل قبض المبيع ". وأما بالنسبة للنوع الثاني: فإنه يجب دفع الثمن قبل مغادرة المجلس وأجاز القاضي أبو يعلى التفريق من مجلس العقد قبل قبض المبيع والثمن دون تفرقة " (٢) . المذهب الشافعي: " الأظهر أنه لا يصح بيع الغائب (الثمن، أو المثمن) بأن لم يره أحد المتعاقدين، وإن كان حاضرًا في مجلس البيع "، بأن بالغ في وصفه أو سمعه بطريق التواتر. والثاني وبه قال الأئمة الثلاثة يصح البيع إن ذكر جنسه، وإن لم يرياه، ويثبت الخيار للمشتري، وكذا البائع على خلاف فيه عند الرؤية ... " (٣) . أما تنزيله على الأصل الثاني قاعدة (المقتضى والمانع) وذلك بحسبه عقدًا جديدًا بذاته، فإنه يدخل دخولًا أوليًّا تحت قاعدة (الأصل في المعاملات الإباحة) . أما المقتضى لهذا العقد فإنه في صورته الشائعة الآنفة الذكر، وصيغته السليمة الخالية من المحظورات يحقق مصالح متعددة لأطراف متعددين: البائع، المشتري، المصدر، المستورد، والمجتمع. الحاجة إلى عقد التوريد ليست خاصة بأمة دون أمة بل أصبح حاجة الأمم والشعوب في كافة أقطار الدنيا مهمًا كان مستواها الحضاري والاجتماعي متقدمة، أو متخلفة، والقاعدة (أن الحاجة إذا عمت كانت كالضرورة) .

стр. 19334

تمثل هذه الأمور مجتمعة (المقتضى) للإباحة، إذا افترض سلامة العقد وتمامه وفق الأحكام الشرعية المطلوبة في العاقدين، والحال التي وقع عليها العقد ثمت أمور يحرمها الشرع وترجع إلى صفة العقد وهي ضرورة: الربا ووجوهه، الغرر وأبوابه، تقتضي فساد عقد التوريد مثل غيره من العقود، فإذا خلا من الربا ووجوه وأقسامه، ومن الغرر (١) وأبوابه. الوصفان الأوليان: (تعذر التسليم والجهل) منتفيان في عقود التوريد؛ حيث من ضرورياته اطمئنان المشتري من قدرة البائع على تسليم المبيع، وحرصه على التأكد من ذلك بأخذ ضمانات مالية للوفاء عن طريق مؤسسة تأمينية في أبسط عقود التجارة. أما الجهل بالجنس، أو الصفات فهو ما لا يحدث في أي عقد تجاري بل يحرص كل من الطرفين أن يبين أخص الصفات ومقدارها وموعد التسليم دون تأجيل، أو مماطلة. أما الخطر والمقامرة ببيع وشراء ما لا ترجى سلامته فإن التاجر في الوقت الحاضر مصدرًا، أو مستوردًا لا يقدم على إبرام عقد على توريد بضاعة حتى يضمن سلامة وصول السلعة وتأمين وصولها إلى أصحابها سليمة. وإذا توافر المقتضى في هذا العقد، وانتفى المانع فقد خلص البحث في خاتمته إلى مشروعية عقد التوريد بمعناه الفقهي الآنف الذكر، استنادًا على النصوص الفقهية المعتمدة، والقواعد الفقهية والأصولية الإجمالية، بشرط خلوه من المحظورات الشرعية فيما يتعلق بالعاقدين، والعوضين، وصفة العقد، يخضع في جميع مراحله للمبادئ والقواعد الشرعية المقررة، وعدم المعارضة لقاعدة أو ضابط شرعي، فضلًا عن معارضة نص من الكتاب والسنة. هذا العقد في تفاصيله وخصوصياته هو البديل السليم المناسب للبنوك الإسلامية عن بيع (المرابحة للآمر بالشراء) الذي طال فيه الخلاف بين الفقهاء المعاصرين بسبب الوعد للآمر بالشراء، ومدى لزومه شرعًا للمشتري. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام الدائمان الأتمان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 19335

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. القسم الأول عقد التوريد (١)

стр. 19336

التوصيف والتعريف المبحث الأول التوصيف تقديم: إن تطور الصناعة وتقدمها أوجد مناخات تجارية واقتصادية متباينة تمامًا عما كان في الماضي، فقد انتقلت التجارة من القلة والندرة إلى الكثرة والوفرة، ومن التعامل البسيط إلى التعامل المعقد، وأصبح لوسائل النقل السريعة والاتصال الهاتفي الأثر الكبير على تطور التجارة، وتنوع أساليبها وصيغها فأفرزت عقودًا من المعاملات لم يكن لأمم بها سابق عهد، ومن أبرز هذه العقود، وأوسعها انتشارًا (عقد التوريد) ، يمارسه التجار في كل بلاد العالم على مختلف المستويات، على المستوي المحلي، والمستوى الدولي، وعلى المستوي الفردي، والمستوى الرسمي. وفرة السلع في الأسواق العالمية ومراكز التجارة ظاهرة من مظاهر العصر الحديث بسبب التقنيات المتقدمة، والآلات ذات النتاج الغزير صناعيًّا وزراعيًّا، حسب مواصفات معينة، ودرجات متفاوتة؛ إذ أصبح لكل نوع منها وبخاصة الغذائية والاستهلاكية أسواق عالمية، فأصبحت معظم السلع متوافرة في جميع الأوقات والفصول على مدار العام. يبيع التاجر سلعة من السلع في بلدة قد يملكها في مخازنه ومستودعاته، وقد يكون وكيلًا لمنتجها الذي يقيم في بلد ناء عنه، وقد يكون صاحب مكتب لاستيراد السلع متنوعة بما يسمى في المصطلح التجاري (Commission Agent) الدليل التجاري، وهو في الغالب لا يملكها ولكنه ذو خبرة بمواقعها ومصادرها، يبرم عقود البيع لها، مع الراغبين فيها كما لو كانت ملكه وتحت يده، دون أن يثير هذا اعتراضًا من مشتر بدعوى أنه يبيع ما لا يملكه، وفي معظم الحالات يتم تسلم السلعة للمشتري حسب المواصفات والكميات المطلوبة في الزمان والمكان المحددين حسبما تم الاتفاق عليه في العقد في حضور عينة وأنموذج لدى البائع، أو وصف دقيق بما ينفي الجهالة عنها.

стр. 19337

أصبح هذا عرفًا خاصًا وعامًا، محليًّا وعالميًّا فمن ثم يمكن تصنيف المبيع الغائب إلى نوعين: الأول: مبيع معين موجود غير أنه غائب عن مجلس العقد، يتم العقد عليه بذكر صفاته التي تتباين بها الأسعار، وتتفاوت من أجلها الرغبات، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي (البيع بالصفة) ، أو (البيع على الصفة) . يتميز هذا النوع من البيع بتأجيل العوضين الثمن والسلعة عن مجلس العقد، المبيع موجود ولكنه غائب عن مجلس العقد، والثمن مؤجل كله أو بعضه حتى يتسلم المشتري البضاعة جملة، أو أقساطًا. النوع الثاني: مبيع معدوم ولكنه موصوف في الذمة: يختص هذا النوع بعدم وجود المبيع في الوجود الخارجي أصلًا، يصفه الطرفان بصفات تكفي في السلم. هذا النوع يختص بتعجيل الثمن في مجلس العقد وتأجيل المبيع إلى وقت معلوم، وهو السلم في الذمة. في جميع الحالات: قد تكون السلعة المبيعة على الصفة ملكًا للبائع، وقد لا تكون ملكًا له ولكن لديه القدرة على امتلاكها وتسليمها للمشتري في الزمان والمكان المعينين. البحث هنا يركز بصفة خاصة على ما هو متملك للبائع فعلًا، أو حكمًا، يقصد بهذا الصور والصيغ التي تبرم فيها العقود على بضاعة لا يملكها البائع ولكن لديه الثقة واليقين على القدرة على إحضارها وتسليمها في الزمان والمكان المعينين في العقد، كما هو غالب عقود التجارات في عالمنا المعاصر. وفيما يلي عرض للطريقة والصور التي يتم بها عقد التوريد في النشاط التجاري اليومي:

стр. 19338

الطريقة التي يتم بها عقد التوريد: الخطوة الأولى التي يرتبط بها من خلالها المتعاقدان بمثل هذا العقد تبدأ بعرض البائع في البلد المصدر بيع سلعته على أساس عينة، أو نموذج، أو على أساس مواصفات معيرة (standardized) معروفة ليسلم الكمية التي يتعاقد عليها في المستقبل على أن يدفع ثمنها عند التسليم (أو قبله، أو بعده إذا كانت العملية تتضمن تمويلًا من واحد منهما للآخر) . ولتوثيق هذا الاتفاق المستقبلي نشأت الاعتمادات المستندية التي تتوسط فيها البنوك لتضمن تنفيذ هذا الاتفاق المستقبلي بدفع الثمن عند تسليم البضاعة (مرموزًا له بتسليم الأوراق التي تدل على أنها أصبحت في حوزة الشركة الناقلة) . فالاعتماد المستندي يقوم توطيدًا وترسيخًا للعقد بين المصدر والمستورد على بضاعة تسلم في المستقبل، ويدفع ثمنها في المستقبل أيضًا (١) . هكذا تتم عملية توريد البضاعة بداءً وانتهاء من اتخاذ كافة الوسائل والسبل المجدية لضمان حقوق المتعاقدين وتوثيقها حسبما يتم عليه التعاقد. " قد يتضمن التسليم المتفق عليه تسليم الكمية دفعة واحدة، أو على دفعات محددة، كمية كل دفعة معروفة، ومحدد ميعاد تسليمها " (٢) .

стр. 19339

موضوع العقد: عموم السلع الغذائية والدوائية، والصناعية من الأثاث، والملبوسات، والأدوات والآلات، والمواد الأولية والمصنوعة وغيرها من المتطلبات الضرورية، والحاجية والكمالية، الموجودة أعيانها، المملوكة لبائعيها، أو ما يكون للبائع القدرة على إحضارها في الزمان والمكان المعينين. صور عقد التوريد: يمكن عرض أهم الصور الشائعة التي يتم بها عقد التوريد في المعاملات التجارية في العصر الحاضر. أولًا: دفع الثمن مؤجلًا بحيث يتزامن وتسليم السلعة، أو يتقدم أحدهما على الآخر في التأجيل حسب شروط العقد. ثانيًّا: يدفع المشتري عربونًا، أو تأمينًا، أو ضمانًا يحسب من ثمن السلعة المؤجل تسليمها. ثالثًا: يدفع كل من المتعاقدين مبلغًا من المال يحسب على أساس نسبة الثمن لضمان الالتزام لكل منهما بالعقد وتنفيذه، ويودع لدى طرف ثالث، أو إدارة السوق كي تضمن تنفيذ العقد من الطرفين، يعاد للبائع ما دفعه عند التنفيذ، ويحسب ما دفعه المشتري جزءاً من الثمن الكلي. القصد الأساسي من إبرام العقد في صوره السابقة التبادل الفعلي للسلع، وحصول المشتري على السلعة المطلوبة لتلبية احتياجاته، والبائع على الربح وتسويق منتجاته هو الباعث لكلا المتعاقدين. رابعًا: تسليم السلعة على دفعات متفاوتة ودفع الثمن مؤجلًا. خامسًا: بعض من صور عقود التوريد يحتاج فيها العاقد السلعة على فترات متفاوتة منتظمة حسب احتياجه على أن يتم دفع الثمن كله، أو بعضه مؤجلًا في وقت محدد بعد استيفاء كامل للدفعات المطلوبة، كما هو الحال في عقود التغذية في الملاجئ، والمستشفيات، والمطارات، وغيرها من العقود المشابهة يستوفى لها كافة الصفات، والنوعيات، والمستويات المطلوبة، وتسليمها حسب جدول زمني معين. الغرض من إبرام هذا العقد: " إن يطمئن المشتري إلى حصوله على السلعة التي يريدها في الميعاد الذي يريده في المستقبل، وأن يطمئن البائع إلى أن ما سينتجه من بضاعة قد بيع فعلًا، وسيتم تسليمه إلى المشتري في الميعاد المضروب.. . . " (١) . التكييف الفقهي لعقد التوريد: عقد التوريد في جوهره ومضمونه عقد من عقود المعاوضات ينتهي بتمليك السلعة للمشتري، والثمن للبائع بصورة مؤبدة. بهذا المعنى يحقق مفهوم البيع شرعًا، وهو من قبيل (بيوع الصفات) لا (بيوع الأعيان) حيث إن الوصف غالبًا أو العينة أو الأنموذج أو الرؤية السابقة هو وسيلة التعريف بالمبيع، لا الرؤية والمشاهدة الآنية.

стр. 19340

المبحث الثاني تعريف عقد التوريد التوريد لغة: مصدر ورد بتشديد الراء. قال أبو الحسين أحمد بن فارس: " الواو والراء والدال أصلان: أحدهما: الموافاة إلى الشيء، والثاني: لون من الألوان " (١) . وقال الجوهري، إسماعيل بن حماد: " ورد فلان ورودًا: حضر، وأورده غيره، واستورده: أي أحضره " (٢) . وقال: ". . . ابن سيده: تورده، واستورده كورده، وتوردت الخيل البلدة: إذا دخلتها قليلًا، قطعة قطعة " (٣) . يقال: أورد فلان الشيء أحضره، واستورد السلعة ونحوها: جلبها من خارج البلد (٤) . التعريف الفقهي: يمكن أن يستنبط في ضوء العناصر الماضية، ومن خلال الممارسة اليومية للتجار، وإبرامهم لهذا النوع من العقود التجارية تعريف يوضح أهم خصائصه على النحو التالي: (عقد على عين موصوفة في الذمة بثمن مؤجل معلوم إلى أجل معلوم) . يتبين من هذا التعريف أن عقد التوريد يشترك مع أنواع البيوع في بعض الشروط وينفرد عنها في أخرى. أما ما يشترك معها فمن أهمها: ١- وصف المبيع وصفًا دقيقًا يميزه عما عداه بما يمثل فارق الثمن، وتختلف به الأغراض. ٢- تحديد مكان التسليم، وزمانه، وإجراءاته. ٣- توضيح مقدار كمية المبيع وتسليمه جملة، أو على دفعات وأقساط. ٤- تحديد الثمن، وتعيين وقت الدفع مستقبلًا جملة، أو على أقساط. ٥- قدرة البائع (المورد) على تسليم المبيع حسب الشروط والمواصفات المتفق عليها، وفي الموعد المحدد. أما التي ينفرد بها فهي: ١- غياب المبيع عن مجلس العقد، والاكتفاء برؤية متقدمة له، أو نموذج منه, أو وصفه حسبما تقدم سابقًا في الخصائص المشتركة. ٢- تأجيل الثمن كله حتى استلام المبيع كاملًا، أو تقسيطه حسب دفعات تسليم المبيع. ٣- يظل العقد غير لازم حتى يوفي البائع بكافة الصفات المشروطة في المبيع.

стр. 19341

إشكالية البحث: تتمثل إشكالية عقد التوريد في غياب العوضين عن مجلس العقد: المبيع والثمن؛ إذ لا يود بين أنواع البيع الجائزة ما يماثله بينها. حصر الجائز منها في الفقه الإسلامي وصفًا وعنوانًا كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواس المعروف بابن الهمام بقول: (البيع جائز، وغير جائز ". " والجائز ثلاثة أنواع: بيع الدين بالعين وهو السلم وبيع العين بالعين وهو المقايضة، وبيع العين بالدين وهو البيع المطلق، وغير الجائز ثلاثة أنواع: باطل وفساد: وهو بيع ما ليس بمال: الخمر، والمدبر، والمعدوم كالسمن في اللبن، وغير مقدور التسليم كالآبق، وموقوف، حصره في الخلاصة في خمسة عشر. . . " (١) . كما عد في المذهب الحنبلي غياب العوضين عن مجلس العقد من قبيل بيع الدين بالدين. يقول منصور بن إدريس البهوتي: " ولا يصح بيع ما لا يملكه البائع، ولا إذن له فيه، لحديث حكيم بن حزام مرفوعًا (لا تبع ما ليس عندك) رواه ابن ماجة، والترمذي وصححه (إلا موصوفاً) بصفات سلم (لم يعين) فيصح، لقبول ذمته للتصرف (إذا قبض) المبيع (أو) قبض (ثمنه بمجلس العقد) فإن لم يقبض أحدهما فيه لم يصح: لأنه بيع دين بدين، وقد نهى عنه " (٢) . هذه هي إشكالية البحث التي يستعرض لها في القسمين التاليين بالدراسة والتفصيل. * * *

стр. 19342

القسم الثاني الدراسة الفقهية التحليلية المبحث الأول: العقد على المبيع الغائب في المذهب الحنفي. المبحث الثاني: العقد على المبيع الغائب في المذهب المالكي. المبحث الثالث: العقد على المبيع الغائب في المذهب الحنبلي. المبحث الرابع: العقد على المبيع الغائب في المذهب الشافعي. المبحث الأول العقد على المبيع الغائب على الصفة في المذهب الحنفي شروطه: المعتمد من مذهب الحنفية صحة العقد على المبيع الغائب عن مجلس العقد بشرطين: الأول: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، أو مقدورًا على تسليمه في الموعد المحدد. وردت العبارة الأولى تفسيرًا لقول رسول الله ﷺ في حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : فقلت يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه؟ قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) . رواه الترمذي ﵀، وغيره، وفي رواية النسائي: أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق؟ فقال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) . قال الكمال بن الهمام: " أما النهي عن بيع ما ليس عندك فالمراد منه: ما ليس في الملك اتفاقًا لا ما ليس في حضرتك، ونحن شرطنا في هذا البيع كون المبيع مملوكًا للبائع فقضينا عهدته " (٢) . أما (القدرة على التسليم في الموعد المحدد) فقد وردت عند الإمام بدر الدين العيني في صدر الاحتجاج لصحة العقد على المبيع الغائب بقوله: " وفي نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم: أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز بيع الغائب المقدور على تسليمه، وأن لمشتريه خيار الرؤية إذا رآه " (٣) . الثاني: ذكر صفات المبيع التي ترتفع بها الجهالة الفاحشة عنه. بين هذا بشكل مفصل العلامة عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي بقوله: " (ولابد من معرفة المبيع معرفة نافية للجهالة) ، قطعًا للمنازعة، فإن كان حاضرًا فيكتفي بالمباشرة، لأنها موجبة للتفريق، قاطعة للمنازعة. وإن كان غائبًا فإن كان مما يعرف بالأنموذج كالكيلي، والوزني، والعددي المتقارب فرؤية الأنموذج كرؤية الجميع، إلا أن يختلف فيكون له خيار العيب، فإن كان مما لا يعرف بالأنموذج كالثياب، والحيوان فيذكر له جميع الأوصاف قطعًا للمنازعة، ويكون له خيار الرؤية " (٤) . بل ذهب بعض المحققين في المذهب إلى الاكتفاء بذكر جنس المبيع، وهو ما جرى تقريره في عبارة العلامة حسن بن عمار الشرنبلاني مبينًا السبب في الاكتفاء بذكر جنس المبيع قائلًا: " إن المبيع المسمى جنسه لا حاجة فيه إلى بيان قدره ولا وصفه، ولو غير مشار إليه، أو إلى مكانه؛ لأن الجهالة المانعة من الصحة تنتفي بثبوت خيار الرؤية؛ لأنه إذا لم يوافقه يرده فلم تكن الجهالة مفضية إلى المنازعة. . . " (٥) .

стр. 19343

الاستدلال: استدل الحنفية لصحة العقد على المبيع الغائب بأدلة منها: أولًا: العمومات المجوزة للبيع مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١) . ثانيًّا: الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى شيئًا فلم يره فهو بالخيار إذا رآه)) . قال الإمام بدر الدين العيني في تخريج الحديث: " الحديث روي مرسلًا ومسندًا، فالمسند أخرجه الدارقطني في سننه. . وأما المرسل فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والدارقطني ﵀، ثم البيهقي في سننهما. . . عن مكحول رفعه إلى النبي ﷺ قال: من اشترى. . . إلى آخره، وزاد: (إن شاء أخذه، وإن شاء تركه ... ) قلت: أما حديث أبي هريرة فإن أبا حنيفة ومحمدًا رحمهما الله روياه بإسنادهما، ذكره صاحب المبسوط وغيره من أصحابنا، وهم ثقات، وذكر في المبسوط أيضًا: أن ابن عباس ﵄ والحسن البصري، وسلمة بن الحسين (٢) ﵏ رووه مرسلًا، وهو حجة عندنا، والحديث الذي رواه العلماء الكبار ﵏ إذا كان في طريق من طرقه منهما لا يترك، مع أن الطعن بهم لا يقبل، وعمل بهذا الحديث كثير من العلماء ﵏ مثل مالك وأحمد وغيرهما " (٣) . قال الإمام شمس الدين السرخسي في بيان معنى الحديث: ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه)) : الهاء في قوله (لم يره) كناية فينصرف إلى المكني السابق وهو الشيء المشتري، والمراد خيار لا يثبت إلا بعد تقدم الشراء، وذلك الخيار بين فسخ العقد وإلزامه دون خيار الشراء ابتداء، وتصريحه بإثبات هذا الخيار له تنصيص على جواز شرائه ... ) (٤) .

стр. 19344

أبان الحنفية أن المقصود من حديث النهي عن الغرر وحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)) إنما هو في البيع البات الذي لا مجال للرجوع فيه، أما وأن الخيار حق ثابت للمشتري فليس النهي فيهما واردًا عليه، في قولهم: " فوجب أن يحمل الحديث على البيع البات الذي لا خيار فيه؛ لأنه هو الذي يوجب ضرر المشتري، والنهي قطعًا ليس إلا لذلك، فظهر أن كلًا من الحديثين لم ينف ما أجزناه، فكان نفيه قولًا بلا دليل، وكفانا في إثباته المعنى: وهو أنه مال مقدور التسليم لا ضرر في بيعه على الوجه المذكور فكان جائزًا، ويبقى الحديث الذي ذكره المصنف زيادة في الخبر. . . " (١) . اعترض على هذا بدعوى الغرر في هذا النوع من البيوع، والاستدلال له بنهي النبي ﷺ عن بيع الغرر، والغرر مستور العاقبة، وذلك موجود فيما لم يره (٢) . أجاب عنه الحنفية بقولهم: " إن النهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين " (٣) . كما أن لفظ الحديث يفيد أنه غير المبيع على الصفة، فالغرر " ليس إلا بأن يظهر له ما ليس في الواقع فيبني عليه فيكون مغرورًا بذلك فيظهر له خلافه فيتضرر به، وكيف كان فلا شك بعد القطع، ونحن نقطع بأن النهي عن ذلك لما يلزم الضرر فيه " (٤) .

стр. 19345

الآثار الشرعية التي تترتب على صحة العقد على المبيع الغائب عند الحنفية: يترتب على صحة العقد على المبيع الغائب الموصوف عند الحنفية آثار شرعية عديدة منها: أولًا – عدم لزوم البيع في جميع الحالات حتى إعلان للمشتري موافقته: ذلك أن " شرط لزوم البيع بعد انعقاده ونفاذه وصحته أن يكون خاليًّا عن خيارات أربعة: خيار التعيين، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية " (١) ، وهذا الأخير ثابت حكمًا في المبيع الغائب الموصوف فهو مانع تمام الحكم، وهو لزوم الملك (٢) . يوضح العلامة أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي العلة الشرعية لعدم لزوم العقد مع خيار الرؤية قائلًا: " والعقد هنا قبل الرؤية غير لازم لتمكن الخلل في الرضا؛ إذ هو استحسان، واستحسان الشيء مع الجهل بأوصافه لا يتحقق، واللزوم يعتمد الرضا، وتمامه بأوصاف هي مقصودة، وإنما تصير معلومة بالرؤية، فكذا لا يعتبر قوله: رضيت قبل الرؤية؛ لأنه لو لزم العقد بالرضا قبل الرؤية يلزم امتناع الخيار بتقدير الرؤية، والخيار ثابت بتقديرها، فما أدى إلى إبطاله يكون باطلاً. . . " (٣) والمقرر فقهًا أن (العقد الذي ليس بلازم يجوز فسخه " (٤) .

стр. 19346

ثانيًّا - خيار الرؤية: يثبت للمشتري للمبيع الغائب الموصوف خيار الرؤية حكمًا بدون شرط؛ إذا يصبح الخيار لازمًا من لوازم البيع بالصفة، فقد " ثبت حكمًا لا بالشرط، وهو مانع تمام الحكم، وهو لزوم الملك.. . . " (١) . مقتضى هذا العقد أن يثبت الخيار للمشتري في جميع الحالات سواء أحضر المبيع مطابقًا ومتفقًا مع الصفات المشروطة، أو لم يكن مطابقًا بل هذا أولى بحق الخيار، قال في الهداية: " من اشترى شيئًا لم يره فالبيع جائز وله الخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء رده " (٢) . وقال أبو البركات حافظ الدين النسفي ﵀: " شراء ما لم يره جائز، وله أن يرده إذا رآه وإن رضي قبله " (٣) . يعلق على هذا شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته قائلًا: " وله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، سواء رآه على الصفة التي وصفت له، أو على خلافها. . . " (٤) . يتضح من النصوص السابقة: أن عدم اشتراط المشتري خيار الرؤية في العقد لا يبطل حقه فيه؛ إذ الخيار مقتضى من مقتضيات هذا النوع من العقود يستحقه المشتري تلقائيًّا ولهذا وضع الفقهاء الضوابط التالية لبدء وقت هذا الخيار وانتهائه: " وقت ثبوت خيار الرؤية عند رؤية المشتري لا قبلها، حتى لو أجاز البيع قبل الرؤية لا يلزم البيع، ولا يسقط الخيار، وهل يملك الفسخ قبل الرؤية؟ لا رواية في هذا ". واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم لا يملك؛ لأنه لا يلمك الإجازة قبل الرؤية فلا يملك الفسخ، لأن الخيار لم يثبت، وبعضهم قال يملك الفسخ لا بسبب الخيار؛ لأنه غير ثابت، ولكنه شراء ما لم يره المشتري غير لازم، والعقد الذي ليس بلازم يجوز فسخه كالعارية والوديعة كذا في التحفة، وذكر في شرح الطحاوي مطلقًا بقوله: ويجوز الرد قبل الرؤية؛ لأن الرد بخيار الرؤية فسخ، وقبل الرؤية أقرب إلى الفسخ (٥) .

стр. 19347

استدل الحنفية لثبوت خيار الرؤية في هذا النوع من العقود بالأدلة الآتية: ١- الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة وابن عباس ﵃ مسندًا ومرسلًا من قوله ﷺ : ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه)) (نص في الباب فلا يترك بلا معارض) (١) . أما حديث حكيم بن حزام ﵁ الذي قال له رسول الله ﷺ : ((لا تبع ما ليس عندك)) الذي يبدو أنه معارض للحديث السابق فقد أجاب الحنفية عنه بأن " المراد النهي عن بيع ما ليس في ملكه بدليل قصة الحديث فإن حكيم بن حزام ﵁ قال: يا رسول الله، إن الرجل يطلب مني سلعة لست عندي فأبيعها منه، ثم أدخل السوق فأستجيدها، فأشتريها، فأسلمها إليه؟ فقال ﵊: ((لا تبع ما ليس عندك)) ، وقد أجمعنا على أنه لو باع عينًا مرئيًّا لم يملكه ثم ملكه لم يجز وذلك دليل واضح على أن المراد ما ليس في ملكه. . " (٢) . ٢- ما روي أن عثمان رضي الله تعالى عنه باع أرضًا له بالبصرة من طلحة بن عبد الله ﵁ فقيل لطلحة: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان ﵁: إنك قد غبنت. فقال: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكمًا جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة، وكان ذلك بمحضر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (٣) . ٣- انتفاء الضرر قطعًا: إن إعطاء المشتري الخيار وحق الفسخ للعقد لدى عدم مطابقة المبيع للمواصفات المشروطة في العقد يحميه من لحوق أي ضرر يلحق به بسبب غياب المبيع عن مجلس العقد. يقول الكمال بن الهمام ﵀: " ونقطع أن لا ضرر فيما أجزنا من ذلك، إنما يلزم الضرر لو لم يثبت له الخيار إذا رآه، فأما إذا أوجبنا له الخيار إذا رآه فلا ضرر فيه أصلًا، بل فيه محض مصلحة. . " (٤) .

стр. 19348

٤- ثبوت مصلحة محققة: إن في إجازة المبيع الغائب والحكم بصحته مصلحة محققة للمكلفين ذلك هو: " إدراك حاجة كل من البائع والمشتري؛ فإنه لو كان له به حاجة وهو غائب وأوقفت جواز البيع على حضوره ورؤيته ربما تفوت بأن يذهب فيساومه فيه آخر رآه فيشتريه منه، فكان في شرع هذا البيع على الوجه الذي ذكرناه من إثبات الخيار عند رؤيته محض مصلحة لكل من العاقدين من غير لحوق شيء من الضرر فأنى يتناوله النهي عن بيع الغرر، والأحكام لم تشرع إلا لمصالح العباد قطعًا فكان مشروعًا قطعًا " (١) . ٥- انتفاء الجهالة الفاحشة وما ينتج عنها من شقاق: " إن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي إلى المنازعة مع وجود الخيار، فإنه إذا لم يوافقه رده، ولا نزاع ثمة يقتضي خياره، وإنما أفضت إليها لو قلنا بإبرام العقد، ولم يقل به، فصار ذلك كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه بأن اشترى ثوبًا مشارًا إليه غير معلوم عدد ذرعانه فإنه يجوز لكونه معلوم العين، وإن كان ثمة جهالة لكونها لا تفضي إلى المنازعة " (٢) يؤكد هذا الرأي العلامة العيني بقوله: " وإنما يفضي إلى المنازعة لو قلنا بانبرام العقد ولم نقل به، (فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه) بأن اشترى ثوبًا مشارًا إليه غير معلوم عدد ذرعانه، يجوز لكونه معلوم العين وإن لم يكن ثمة جهالة لا تفضي إلى النزاع (٣) .

стр. 19349

انتهاء خيار الرؤية: الصحيح أن خيار الرؤية ليست نهايته محدودة بزمان، إنما تثبت النهاية ويصبح العقد لازمًا إذا صرح المشتري بموافقته على المبيع، أو بدا منه ما يدل على ذلك، قال العلامة محمد علاء الدين الحصكفي ﵀: " (ويثبت الخيار) للرؤية (مطلقًا غير مؤقت) بمدة، وهو الأصح * عناية * لإطلاق النص ما لم يوجد مبطله، وهو مبطل خيار الشرط مطلقًا، ومفيد الرضا بعد الرؤية لا قبلها * درر * " (١) . يقول العلامة فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي ﵀: " والصحيح أنه مطلق غير مقيد بالزمان فيكون له الفسخ في جميع عمره ما لم يسقط بالقول، أو بفعل يدل على الرضا به، نص عليه ابن رستم، وكذا ذكره محمد في الأصل؛ لأن النص ورد بإثبات الخيار مطلقًا " (٢) . ثالثا – تأجيل الثمن: تمام عقد البيع في المبيع الغائب متوقف على رؤية المشتري التي يكون بها تمامه وإذا لم يتم البيع شرعًا فلا يحق للبائع مطالبة المشتري بالثمن، ذلك أن " البيع عقد معاوضة، والمساواة في المعاوضات مطلوبة المتعاوضين عادة. . . فإن كان المبيع غائبًا عن حضرتهما فللمشتري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر المبيع، لأن تقديم تسليم الثمن لتحقق المساواة، وإذا كان المبيع غائبًا لا تتحقق المساواة بالتقديم. . . " (٣) .

стр. 19350

كما ذكر هذا صريحًا العلامة محمد علاء الدين الحصكفي في العبارة التالية: " شرى شيئًا لم يره ليس للبائع مطالبته بالثمن قبل الرؤية ". (١) . قال ابن عابدين ﵀ تعليلًا له بقوله: " لعدم تمام العقد قبلها " (٢) . أصبح هذا مقررًا عند فقهاء الحنفية ومسلمًا به. ذكر شهاب الدين أحمد شلبي قوله: " وليس للبائع أن يطالب المشتري بالثمن ما لم يسقط خيار الرؤية منه " (٣) . على هذا انعقدت فتاوى الحنفية؛ جاء في الفتاوى الكبرى: " من اشترى شيئًا لم يره جاز، وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء رده، وإن رضي قبله، يعني لو قال: رضيت ثم رآه، له أن يرده فليس له أن يطالبه بالثمن قبل الرؤية " (٤) .

стр. 19351

المبحث الثاني العقد على المبيع الغائب على الصفة في المذهب المالكي أقسام المبيع من حيث الحضور: يقسم المالكية المبيعات من حيث حضورها في مجلس العقد وعدمه إلى ثلاثة أنواع: " عين حاضرة مرئية، وعين غائبة عن المتعاقدين، والنوع الثالث: هو السلم في الذمة ". وفيما يتصل بالنوع الثاني: العين الغائبة عن المتعاقدين يجيز المالكية بيعها بالصفة التي تنبئ عن ذاتها، وأخص صفاتها بما ينفي الجهالة عنه، ويحول دون حدوث نزاع بين المتبايعين. " فيجوز بيعها بالصفة، ويجب أن تحصر بالصفات المقصودة التي تختلف الأثمان باختلافها، وتقل الرغبة وتكثر لأجلها، ولا يكتفي بذكر الجنس والنوع فقط. . . " (١) . كما يذهب المالكية أيضًا إلى صحة المبيع الغائب ولو بلا وصف إذا تم العقد بشرط الخيار للمشتري. قرر هذه الحقائق الفقهية العلامة الفقيه الشيخ خليل بن إسحاق في المعتمد من المذهب وأيده الشارحون له في العبارات التالية حيث يعدد الحالات التي يجوز فيها بيع الغائب في قوله: " وبقاء الصفة إن شك، وغائب ولو بلا وصف على خياره بالرؤية، أو على يوم، أو وصفه غير بائعة إن لم يبعد كخراسان من إفريقية، ولم تمكن رؤيته بلا مشقة. . . " (٢) يقول أبو عبد الله محمد بن محمد الحطاب تعليقًا على هذه الجملة " (وغائب ولو بلا وصف على خيار الرؤية) ش: يعني أنه يجوز بيع الغائب ولو بلا وصف لكن بشرط أن يجعل للمشتري الخيار إذا رآه، وأما إذا انعقد البيع على الإلزام، أو سكتا عن شرط الخيار فالبيع فاسد، نقله ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح، ويفهم هذا من قول المصنف (على خياره) . وأشار بـ (لو) إلى القول الثاني: إن الغائب لا يباع إلا على الصفة، أو رؤية متقدمة، قال في المقدمات: وهو الصحيح " (٣) . هذا ما أثبته سيدي عبد الباقي الزرقاني بقوله: " (و) جاز بيع (غائب ولو بلا وصف) لنوعه أو جنسه. . . وقيد جواز بيع غير الموصوف بما إذا بيع (علي) شرط (خياره) أي خيار المشتري، لا الخيار المبوب له فلا يشترط، (بالرؤية) للمبيع ليخف غرره، لا على اللزوم، أو السكوت فيفسد " (٤) .

стр. 19352

إذا تحقق الضبط لصفات المبيع الغائب بما تقدم انتفى عنه الغرر، يقول أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد ﵀: " وبيع السلعة الغائبة على الصفة خارج مما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الغرر في مذهب مالك وجميع أصحابه " (١) . ويصح في المرجوح من مذهب المالكية العقد على المبيع الغائب بلا وصف إذا اشترط المشتري الخيار. الاستدلال: استدل المالكية على صحة العقد على المبيع الغائب على الصفة بدليلين عام وخاص: الأول – الدليل العام: إن الشريعة الإسلامية المطهرة أثبتت أحكامًا كثيرة في عقود عديدة مختلفة اعتمدت فيها الوصف للغائب، ونزلته منزلة المحسوس، وأثبتت له أحكامه ليس في البيع فقط بل فيما هو أهم منه، ذلك لأن الأوصاف الدقيقة المميزة للشيء عن غيره تقوم مقام رؤية الموصوف، من هذه الأدلة: (الحديث الذي رواه الإمام البخاري، وأبو داود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تنعت المرأة للزوج حتى كأنه ينظر إليها)) ، أو كما قال ﷺ فشبه ﷺ المبالغة في الصفة بالنظر. وقال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] . وجه الدليل من هذه الآية أن اليهود كانوا يجدون في التوراة نعت النبي ﷺ وصفته، فكانوا يحدثون بذلك، ويستفتحون به على الذين كفروا. . . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ وهم لم يعرفون إلا بصفته التي وجدوها في التوراة، دل ذلك على أن المعرفة بالصفة معرفة يعين الشيء الموصوف. وفي قول رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة الواقع في الكتاب: ((لا ينظرون إليها، ولا يخبرون عنها)) دليل بين على أن الخبر عنها بمنزلة النظر إليها " (٢) .

стр. 19353

الثاني – الاستدلال الخاص للمبيع الغائب على الصفة: استدل الملكية لهذا النوع من البيع بالأدلة الآتية: ١- من القرآن الكريم: عموم الحكم في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إذا الحل هنا يشمل البيع الحاضر عن رؤية والمبيع الغائب بالصفة دون تفرقة بينهما. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، والحكم بالإباحة للتجارة عام مشروط بالتراضي بين العاقدين دون تخصيص بكونها موجودة، أو غائبة. ٢ - من السنة النبوية الشريفة: القياس على ما روي عن رسول الله ﷺ قوله: ((لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه)) (١) فإذا جاز بيع الحب في أكمامه وهو غير مرئي على صفة ما فرك عنه إن كان حاضرًا جاز أن يشتري منه إذا كان غائبًا على صفة، إذ لا فرق إذا غاب المبيع بين أن يبيعه على الصفة، أو على مثال يريه إياه (٢) . ثالثاُ – من المعقول: قدم القاضي عبد الوهاب البغدادي أدلة عديدة من المعقول استدلالًا على صحة المبيع الغائب على الصفة تنتظم الفقرات التالية: أ- إذا جاز أن يسلم الرجل إلى الرجل في ثوب أو عبد على صفة، ولم يكن ذلك غررًا صح أن تقوم الصفة مقام الرؤية في غيره عند تعذرها، ونفي الغرر بها، إذ لا فرق بين الموضعين. ب- إن بيع الغائب على الصفة معلوم للمتبايعين مقدور على تسليمه غالبًا فصح بيعه كالمرئي. ج- البيع بالصفة أحد حالات العين فجاز بيعها معها كحال المشاهدة. د- لو كانت الرؤية شرطًا في بيوع الأعيان لم يجز ألا يوجد في المقصود من المبيع، وأن يشترط فيما ليس بمقصود منه كالصفة في السلم. ويوضح القاضي عبد الوهاب المقصود من هذا الاستدلال قائلًا: " ثبت أن بيع الجوز واللوز في قشرهما جائز وإن اشترى المقصود بالبيع على الرؤية فدل على أنها ليست شرطًا فيه، ولأن ما كان شرطًا في صحة عقد وجب مقارنته له، ولا يكتفي برؤيته له إذا لم يوجد في ذلك معنى العقد على التسليم، فلما اتفقا على جواز بيع العين الغائبة إذا تقدمتها الرؤية دل على أنه ليست بشرط فيه، ولأنه عقد معاوضة فلم يبطله عدم رؤية المعقود عليه كالنكاح " (٣) .

стр. 19354

الآثار الشرعية المترتبة على صحة العقد على المبيع الغائب بالصفة عند المالكية: يترتب على صحة العقد على المبيع الغائب الموصوف عند المالكية آثار عديدة منها: أولًا لزوم البيع، أو عدم لزومه: يصبح العقد المذكور لازما إذا وفى البائع بكافة الصفات المشروطة في المبيع، ولا يحق للمشتري الفسخ في هذه الحالة؛ حيث لم يحدث من البائع تخلف في المطلوب منه. ويقع العقد غير لازم للمشتري إذا لم تتوافر في المبيع الصفات المشروطة في المبيع، وحينئذ فمن حقه فسخ العقد. يقول أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب البصري: " ولا بأس ببيع الأعيان الغائبة على الصفة، فإن وافقت الصفة لزم البيع فيها (ولم يكن للمشتري خيار الرؤية) (١) . وهذا هو المذهب، حكاه العلامة الحطاب قائلًا: " فرع: فإن وجد الغائب على الصفة المشترطة بموافقة المشتري أو شهدت بذلك بينة لزوم البيع وإلا فلا " (٢) . يشترط المالكية شرطين ليكون العقد لازمًا في المبيع الغائب على الصفة هما: ١- إن لا يؤدي بعده المكاني إلى تغير صفاته، أو تعريضه للهلاك. ٢- أن تحصل رؤيته بشدة ومشقة كما ورد النص بهما في العبارة التالية: " وشرط ما بيع غائبًا على اللزوم بوصف أمران: أشار إلى الأول بقوله (إن لم يبعد) جدًا بحيث يعلم، أو يظن أن المبيع يدرك على ما وصف، فإن بعد جدًا (كخراسان من إفريقية) من كل ما ظهر فيه التغير قبل إدراكه لم يجز، ويجري هذا الشرط أيضًا فيما بيع على رؤية سابقة، ومفهوم قولنا (على اللزوم) أن ما بيع على الخيار لا يشترط فيه ذلك، وهو كذلك. وإلى الثاني بقوله: (ولم تمكن رؤيته بلا مشقة) بأن أمكنت بمشقة، فإن أمكنت بدونها بأن كان على أقل من يوم فلا يجوز بالوصف، لأن العدول عن الرؤية إلى الوصف غرر ومخاطرة، فهو شرط في الغائب المبيع على الصفة باللزوم فقط. . . " (٣) .

стр. 19355

ولا شك أن شرط المالكية (عدم البعد جدًا) في المبيع الغائب الموصوف له أسبابه الوجيهة ومبرراته المعقولة في الماضي حيث الاعتماد في النقل والترحال على الدواب في البر، أو البواخر الشراعية في البحر تمضي الأيام الطويلة أو الشهور العديدة لقطع المسافات البعيدة جدًا، سلامتها غير مأمونة ولا مضمونة، والتمثيل في البعد بين خراسان وإفريقية واضح في المعنى المقصود، إذ مثل هذا البعد يؤدي في الغالب إلى تغير المبيع على غير ما وصف، وهذا وارد ومتوقع. أما في الوقت الحاضر مع اختراع المواد الحافظة ووسائل الحفظ المتنوعة، وتوافر النقل السريع التي تطوي المسافات البعيدة جدًا في سويعات ما كان يطوي منها في شهور يبقى من الشرط الأول علته، وهو (إدراك المبيع على ما وصف) بصرف النظر عن البعد المكاني والزماني. وليكون العقد على المبيع الغائب الموصوف لازمًا أن تكون مشقة وصعوبة في رؤيته، وهو ما يبرر العقد عليه بالوصف، وهو شرط معقول في لزوم العقد، حيث لا مجال لفسخ العقد. أما إذا كان البيع مشروطًا بالخيار للمشتري فلا يشترط فيه شيء من ذلك.

стр. 19356

ثانيًّا – خيار النقيصة (الخيار الحكمي) : هو " ما كان موجبه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق فهو خيار النقيصة، ويسمى الخيار الحكمي " (١) . يعرفه فقهاء المالكية بأنه: " ما ثبت بسبب نقص يخالف ما التزم البائع شرطًا أو عرفًا، في زمان ضمانه " (٢) ، وهو قسمان: أحدهما: " ما ثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرط، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي. ثانيهما: ما ثبت عن غبن " (٣) يثبت هذا النوع من الخيار شرعًا للمشتري وفق عقد البيع على المبيع الغائب بالصفة، من دون شرط من قبل، بل يقتضيه العقد حكمًا إذا تبين له أن المبيع مخالف للشروط والصفات المطلوبة " فالمشتري بالخيار في إجازة البيع، أو رده " (٤) . يقرر القاضي عبد الوهاب البغدادي هذا الحكم بأنه مقتضى العقد في النص التالي: " والخيار يثبت في البيع بأمرين: أحدهما: بمقتضى العقد، والآخر بالشرط، فالأول ضربان: أحدهما: أن يخرج المبيع على خلاف ما دخل عليه، وذلك بأن يخالف ما شرطه من الصفة، أو بأن يوجد به عيب. والآخر: مختلف فيه، وهو أن تكون في مغبانة خارجة عن حد ما يتغابن الناس بمثله، فقيل: إن البيع لازم ولا خيار، وقيل: للمغبون الخيار إذا دخل على بيع الناس المعتاد.

стр. 19357

فأما خيار الشرط فلا يثبت بمقتضى العقد، وإنما يثبت بالشرط.. . . " (١) . وللمشتري حسبما تقرر فقهًا أن يمارس حقه في القبول، أو الرد كما هو المعتمد في المذهب في النص التالي: " (ورد) المبيع. . . أي ثبت الخيار في رده (بعدم) وجود وصف (مشروط) ذلك الوصف للمبتاع، وله (فيه غرض) كان فيه مالية. . .، أو لا مالية ". ((٢) ثالثًا: تأجيل الثمن: يعد المالكية تأجيل الثمن في (الخيار) واحد من خمسة أمور لا يجوز فيه النقد عاجلًا بل لابد من تأجيله حتى استلام المبيع والتأكد من سلامته، وقد جرى النص على البيع بالخيار في العبارة التالية: " ولا يجوز النقد في الخيار " (٣) . في أثناء شرح هذه العبارة يعد العلامة الفقيه أحمد بن محمد البرنسي المعروف بزروق هذه الأمور الخمسة بقوله: " يعني أن من شرط الخيار أن لا يشترط فيه النقد، وكذلك المواصفة (٤) ، وعهدة الثلاث (٥) ، وزاد بعد هذا بيع الغائب على الصفة، والأرض غير المأمونة قبل أن تروي، فهي إذا خمس لا يجوز فيها النقد بشرط.. . . ". حكى العلامة الفقيه قاسم بن ناجي ﵀ الاتفاق على هذا الحكم قائلًا: " إن شرط النقد فيما ذكر لا يجوز اتفاقًا " (٦) .

стр. 19358

أما إن دفعه المشتري تطوعًا من عنده فلا بأس به، قال العلامة قاسم بن ناجي ﵀: " ظاهر كلام الشيخ أن التطوع بالنقد جائز، وهو كذلك " (١) . ورد التصريح بجملة هذه الأحكام في كتب المذهب المعتمدة. قال العلامة الزرقاني في شرحه على خليل: " (و) فسد بيع الخيار (بشرط نقد) لثمنه، وإن لم يحصل بالفعل على المعتمد لتردده مع حصوله بشرط بين السلفية والثمنية، ولكون الغالب مع شرطه حصوله، فنزل الغالب – وإن لم ينقد فيه حتى مضى زمن الخيار – منزلة الموجود المحقق، وظاهر المصنف الفساد ولو أسقط الشرط، وهو كذلك. . . " (٢) . هذا موضع اتفاق بينهم، تواترت بهذا نصوص المتقدمين والمتأخرين من هذا ما ذكره أبو عبد الله محمد بن أبي زيد القيرواني بقوله: " ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه، أو يكون مما يؤمن تغيره من دار، أو أرض، أو شجر فيجوز النقد فيه " (٣) . يستشهد المالكية لصحة هذا الحكم بما ورد في المدونة في مواطن عديدة بعناوين متعددة منها: " في اشتراء سلعة غائبة، أو وصفت له فيريد أن ينقد فيها، أو يبيعها من صاحبها قبل أن يستوفيها، أو من غيره ". جاء التمثيل والتوضيح للموضوع الأول في هذا العنوان بقوله: " قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة، أو حيوانًا قد رأيت ذلك قبل أن أشتريه، أو اشتريت ذلك على صفة وهم في موضع بعيد مثل المدينة من مصر، أو برقة من مصر أو من إفريقية أيصلح لي فيه النقد في قول مالك؟ قال: لا " (٤) . يعلل المالكية عدم جواز نقد الثمن في مثل هذا العقد لما يتوقع من تغير المبيع، أو هلاكه بسبب غيبته وبعده.

стр. 19359

وهذا بدوره يؤثر تأثيرًا مباشرًا على لزوم العقد وتمامه، ذلك أن العقد في هذه الفترة (فترة الخيار) يظل مترددًا بين أن يكون العقد عقد بيع في حالة سلامة المبيع، وتوافر الصفات المشروطة فيه، أو سلفًا إذا تبين عدمها، ولا يعلم هذا إلا عند حضور المبيع، كل هذه الاحتمالات والتوقعات تجعل نقد الثمن من عدم معرفة واقع المبيع من سلامة وعدمها نوعًا من الغرر، وهو ممنوع منهي عنه شرعًا، نصوا على هذه العلة والأحكام في العبارة التالية: " ولم يجز النقد فيه [بعيد الغيبة] لغلبة الغرر فيه من تغيير، أو هلاك فيصير النقد فيه تارة ثمنًا، وتارة سلفًا وكذلك النقد فيما بيع على خيار، أو مواضعة إلا أن يتطوع، فالنقد بعد العقد في ذلك كله يجوز. . . " (١) . يستثنى المالكية مما تقدم إذا كان المبيع الغائب عقارًا فإنهم يجيزون دفع النقد بشرط، ويكون البيع لازمًا إذا بيع جزافًا، وأن يكون وصف المبيع من غير بائعه، وأما إذا بيع مزارعة لم يجز النقد فيه إذا كان البائع هو الواصف له، وأما إن كان غيره فالنقد جائز، معللين لهذا الاستثناء بعدم سرعة تغير العقار، أما عن الشرط الثاني، ففي الموازية والعتبية: " لا يجوز أن يباع الشيء بوصف بائعه؛ لأنه لا يوثق بوصفه؛ إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لإنفاق سلعته، جرى النص على هذا في المعتمد من المذهب بقولهم: وجاز النقد ٠ مع الشرط في العقار المبيع على اللزوم بوصف غير البائع، وإن بعد؛ لأنه مأمون لا يسرع إليه التغير بخلاف غيره، وأما بوصف البائع فلا يجوز النقد فيه ولو تطوعًا لتردده بين السلفية والثمن، ولابد من ذكر ذرع الدار في وصفها فقط دون وصف غيرها من الأرض البيضاء.. . . " (٢) . ثالثًا – الضمان: خص المالكية العقار الغائب المباع على الصفة بأحكام تختلف عما سواه، ذلك أن العقار لا يخاف سرعة تغيره مما يجعل العقد فيه لازمًا منذ إبرامه، فمن ثم يدخل في ضمان المشتري حال تمام العقد إذا عرفت سلامته وقت عقد الصفقة. أما غير العقار فهو من ضمان البائع حتى يتسلمه المشتري خاليًّا من النقص والعيوب، ولا يكون من ضمانه إلا إذا شرطه البائع عليه أثناء العقد، نص على هذا العلامة خليل بن إسحاق وأقره عليه علماء المذهب كما جاء في شرح الزرقاني بقوله: " (وضمنه) أي العقار المبيع غائبًا جزافًا، وأدركته الصفقة سليمًا (المشتري) أي دخل في ضمانه بمجرد العقد، بيع بشرط النقد أم لا، سواء اشترط الضمان على البائع أم لا، كما هو ظاهر الموازية. . . (وضمنه) غير العقار بيع بشرط النقد أم لا (بائع إلا لشرط) من بائع غير العقار أن ضمانه على المشتري فلا يضمنه البائع. . . " (٣) .

стр. 19360

المبحث الثالث العقد على المبيع الغائب على الصفة في المذهب الحنبلي يذهب الحنابلة إلى جواز العقد على المبيع الغائب على الصفة، ويقسمونه إلى نوعين: الأول: مبيع معين موجود ولكنه غائب عن مجلس العقد قريبًا، أو بعيدًا. يمثل لهذا ببضائع التجار المودعة في مستودعاتهم ومخازنهم المحلية، أو الخارجية، أو لدى وكالاتهم في البلاد الخارجية، يبيعون أصنافًا معينة من البضائع، أو المصنوعات لماركات مخصوصة معلومة. الثاني: بيع موصوف غير معين: يصفه البائع بصفاته المميزة عن صنفه ونوعه بما يمثل اختلاف الأسعار بذكر جنسه ونوعه، وبلده، ومستوى جودته، وقدره وزنًا، أو كيلًا، أو عددا، وبعبارة فقهية مختصرة " بصفة تضبط ما يصح السلم فيه " (١) . يشترط لصحة العقد على هذا النوع من البيع الشروط التالية: ١- أن يكون " (فيما يمكن ضبط صفاته) ؛ لأن ما لا تنضبط صفاته يختلف كثيرًا فيفضي إلى المنازعة، والمطلوب عدمها. . . من المكيل والموزون. . . " (٢) ، أما المعدود المختلف فيصح فيما يأتي ضبطه (٣) ، هذا هو المعبر عنه فقهًا في الجملة الشرطية " إن صح السلم فيه " (٤) .
следующие страницы →