ثانيًّا – خيار النقيصة (الخيار الحكمي) :
هو " ما كان موجبه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق فهو خيار النقيصة، ويسمى الخيار الحكمي " (١) .
يعرفه فقهاء المالكية بأنه: " ما ثبت بسبب نقص يخالف ما التزم البائع شرطًا أو عرفًا، في زمان ضمانه " (٢) ، وهو قسمان:
أحدهما: " ما ثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرط، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي.
ثانيهما: ما ثبت عن غبن " (٣)
يثبت هذا النوع من الخيار شرعًا للمشتري وفق عقد البيع على المبيع الغائب بالصفة، من دون شرط من قبل، بل يقتضيه العقد حكمًا إذا تبين له أن المبيع مخالف للشروط والصفات المطلوبة " فالمشتري بالخيار في إجازة البيع، أو رده " (٤) .
يقرر القاضي عبد الوهاب البغدادي هذا الحكم بأنه مقتضى العقد في النص التالي:
" والخيار يثبت في البيع بأمرين:
أحدهما: بمقتضى العقد، والآخر بالشرط، فالأول ضربان: أحدهما: أن يخرج المبيع على خلاف ما دخل عليه، وذلك بأن يخالف ما شرطه من الصفة، أو بأن يوجد به عيب.
والآخر: مختلف فيه، وهو أن تكون في مغبانة خارجة عن حد ما يتغابن الناس بمثله، فقيل: إن البيع لازم ولا خيار، وقيل: للمغبون الخيار إذا دخل على بيع الناس المعتاد.
стр. 19357
فأما خيار الشرط فلا يثبت بمقتضى العقد، وإنما يثبت بالشرط.. . . " (١) .
وللمشتري حسبما تقرر فقهًا أن يمارس حقه في القبول، أو الرد كما هو المعتمد في المذهب في النص التالي:
" (ورد) المبيع. . . أي ثبت الخيار في رده (بعدم) وجود وصف (مشروط) ذلك الوصف للمبتاع، وله (فيه غرض) كان فيه مالية. . .، أو لا مالية ". ((٢)
ثالثًا: تأجيل الثمن:
يعد المالكية تأجيل الثمن في (الخيار) واحد من خمسة أمور لا يجوز فيه النقد عاجلًا بل لابد من تأجيله حتى استلام المبيع والتأكد من سلامته، وقد جرى النص على البيع بالخيار في العبارة التالية:
" ولا يجوز النقد في الخيار " (٣) .
في أثناء شرح هذه العبارة يعد العلامة الفقيه أحمد بن محمد البرنسي المعروف بزروق هذه الأمور الخمسة بقوله: " يعني أن من شرط الخيار أن لا يشترط فيه النقد، وكذلك المواصفة (٤) ، وعهدة الثلاث (٥) ، وزاد بعد هذا بيع الغائب على الصفة، والأرض غير المأمونة قبل أن تروي، فهي إذا خمس لا يجوز فيها النقد بشرط.. . . ".
حكى العلامة الفقيه قاسم بن ناجي ﵀ الاتفاق على هذا الحكم قائلًا: " إن شرط النقد فيما ذكر لا يجوز اتفاقًا " (٦) .
стр. 19358
أما إن دفعه المشتري تطوعًا من عنده فلا بأس به، قال العلامة قاسم بن ناجي ﵀: " ظاهر كلام الشيخ أن التطوع بالنقد جائز، وهو كذلك " (١) .
ورد التصريح بجملة هذه الأحكام في كتب المذهب المعتمدة.
قال العلامة الزرقاني في شرحه على خليل: " (و) فسد بيع الخيار (بشرط نقد) لثمنه، وإن لم يحصل بالفعل على المعتمد لتردده مع حصوله بشرط بين السلفية والثمنية، ولكون الغالب مع شرطه حصوله، فنزل الغالب – وإن لم ينقد فيه حتى مضى زمن الخيار – منزلة الموجود المحقق، وظاهر المصنف الفساد ولو أسقط الشرط، وهو كذلك. . . " (٢) .
هذا موضع اتفاق بينهم، تواترت بهذا نصوص المتقدمين والمتأخرين من هذا ما ذكره أبو عبد الله محمد بن أبي زيد القيرواني بقوله: " ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه، أو يكون مما يؤمن تغيره من دار، أو أرض، أو شجر فيجوز النقد فيه " (٣) .
يستشهد المالكية لصحة هذا الحكم بما ورد في المدونة في مواطن عديدة بعناوين متعددة منها:
" في اشتراء سلعة غائبة، أو وصفت له فيريد أن ينقد فيها، أو يبيعها من صاحبها قبل أن يستوفيها، أو من غيره ".
جاء التمثيل والتوضيح للموضوع الأول في هذا العنوان بقوله: " قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة، أو حيوانًا قد رأيت ذلك قبل أن أشتريه، أو اشتريت ذلك على صفة وهم في موضع بعيد مثل المدينة من مصر، أو برقة من مصر أو من إفريقية أيصلح لي فيه النقد في قول مالك؟ قال: لا " (٤) .
يعلل المالكية عدم جواز نقد الثمن في مثل هذا العقد لما يتوقع من تغير المبيع، أو هلاكه بسبب غيبته وبعده.
стр. 19359
وهذا بدوره يؤثر تأثيرًا مباشرًا على لزوم العقد وتمامه، ذلك أن العقد في هذه الفترة (فترة الخيار) يظل مترددًا بين أن يكون العقد عقد بيع في حالة سلامة المبيع، وتوافر الصفات المشروطة فيه، أو سلفًا إذا تبين عدمها، ولا يعلم هذا إلا عند حضور المبيع، كل هذه الاحتمالات والتوقعات تجعل نقد الثمن من عدم معرفة واقع المبيع من سلامة وعدمها نوعًا من الغرر، وهو ممنوع منهي عنه شرعًا، نصوا على هذه العلة والأحكام في العبارة التالية:
" ولم يجز النقد فيه [بعيد الغيبة] لغلبة الغرر فيه من تغيير، أو هلاك فيصير النقد فيه تارة ثمنًا، وتارة سلفًا وكذلك النقد فيما بيع على خيار، أو مواضعة إلا أن يتطوع، فالنقد بعد العقد في ذلك كله يجوز. . . " (١) .
يستثنى المالكية مما تقدم إذا كان المبيع الغائب عقارًا فإنهم يجيزون دفع النقد بشرط، ويكون البيع لازمًا إذا بيع جزافًا، وأن يكون وصف المبيع من غير بائعه، وأما إذا بيع مزارعة لم يجز النقد فيه إذا كان البائع هو الواصف له، وأما إن كان غيره فالنقد جائز، معللين لهذا الاستثناء بعدم سرعة تغير العقار، أما عن الشرط الثاني، ففي الموازية والعتبية: " لا يجوز أن يباع الشيء بوصف بائعه؛ لأنه لا يوثق بوصفه؛ إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لإنفاق سلعته، جرى النص على هذا في المعتمد من المذهب بقولهم: وجاز النقد ٠ مع الشرط في العقار المبيع على اللزوم بوصف غير البائع، وإن بعد؛ لأنه مأمون لا يسرع إليه التغير بخلاف غيره، وأما بوصف البائع فلا يجوز النقد فيه ولو تطوعًا لتردده بين السلفية والثمن، ولابد من ذكر ذرع الدار في وصفها فقط دون وصف غيرها من الأرض البيضاء.. . . " (٢) .
ثالثًا – الضمان:
خص المالكية العقار الغائب المباع على الصفة بأحكام تختلف عما سواه، ذلك أن العقار لا يخاف سرعة تغيره مما يجعل العقد فيه لازمًا منذ إبرامه، فمن ثم يدخل في ضمان المشتري حال تمام العقد إذا عرفت سلامته وقت عقد الصفقة.
أما غير العقار فهو من ضمان البائع حتى يتسلمه المشتري خاليًّا من النقص والعيوب، ولا يكون من ضمانه إلا إذا شرطه البائع عليه أثناء العقد، نص على هذا العلامة خليل بن إسحاق وأقره عليه علماء المذهب كما جاء في شرح الزرقاني بقوله: " (وضمنه) أي العقار المبيع غائبًا جزافًا، وأدركته الصفقة سليمًا (المشتري) أي دخل في ضمانه بمجرد العقد، بيع بشرط النقد أم لا، سواء اشترط الضمان على البائع أم لا، كما هو ظاهر الموازية. . . (وضمنه) غير العقار بيع بشرط النقد أم لا (بائع إلا لشرط) من بائع غير العقار أن ضمانه على المشتري فلا يضمنه البائع. . . " (٣) .
стр. 19360
المبحث الثالث
العقد على المبيع الغائب على الصفة في المذهب الحنبلي
يذهب الحنابلة إلى جواز العقد على المبيع الغائب على الصفة، ويقسمونه إلى نوعين:
الأول: مبيع معين موجود ولكنه غائب عن مجلس العقد قريبًا، أو بعيدًا. يمثل لهذا ببضائع التجار المودعة في مستودعاتهم ومخازنهم المحلية، أو الخارجية، أو لدى وكالاتهم في البلاد الخارجية، يبيعون أصنافًا معينة من البضائع، أو المصنوعات لماركات مخصوصة معلومة.
الثاني: بيع موصوف غير معين: يصفه البائع بصفاته المميزة عن صنفه ونوعه بما يمثل اختلاف الأسعار بذكر جنسه ونوعه، وبلده، ومستوى جودته، وقدره وزنًا، أو كيلًا، أو عددا، وبعبارة فقهية مختصرة " بصفة تضبط ما يصح السلم فيه " (١) .
يشترط لصحة العقد على هذا النوع من البيع الشروط التالية:
١- أن يكون " (فيما يمكن ضبط صفاته) ؛ لأن ما لا تنضبط صفاته يختلف كثيرًا فيفضي إلى المنازعة، والمطلوب عدمها. . . من المكيل والموزون. . . " (٢) ، أما المعدود المختلف فيصح فيما يأتي ضبطه (٣) ، هذا هو المعبر عنه فقهًا في الجملة الشرطية " إن صح السلم فيه " (٤) .
стр. 19361
٢- أن تحصل معرفة المبيع للمشتري برؤية متقدمة، ويتم القبض في فترة يؤمن تغيره فيها، والمهم هو قدرة البائع على إحضاره سالمًا وقت حلول العقد دون اعتبار لبعد المسافة، أو قربها، وكذلك الزمن، نظرًا لاختلاف طبيعة المبيعات والسلع، نص على هذا الشرط في العبارة التالية:
" (و) يحصل العلم بمعرفة المبيع (برؤية متقدمة) على العقد (بزمن لا يتغير فيه المبيع يقينًا، أو) لا يتغير فيها ظاهًرا، لأن شرط الصحة العلم، وقد حصل بطريقة، وهي الرؤية المتقدمة، والمبيع منه ما يسرع فساده كالفاكهة وما يتوسط كالحيوان، وما يتباعد كالعقارات، فيعتبر كل نوع بحسبه، ولو (مع غيبة المبيع، ولو في مكان بعيد لا يقدر) البائع (على تسليمه في الحال، ولكن يقدر على استحضاره....) " (١) .
٣- أن يبرم العقد في هذا النوع على أنه بيع، وليس سلفًا أو سلما، كما نص عليه في المذهب ضمن الشروط السابقة في العبارة التالية:
" ويشترط أيضًا أن لا يكون بلفظ سلم أو سلف " (٢) .
جرى النص على صحة هذا البيع وأنواعه في العبارة التالية:
" (ويصح) البيع (بصفة) تضبط ما يصح السلم فيه؛ لأنها تقوم مقام الرؤية في تمييزه (وهو) أي البيع بالصفة (نوعان: أحدهما بيع عين معينة، سواء كانت العين المعينة غائبة مثل أن يقول: بعتك عبدي التركي، ويذكر صفاته) التي تضبط. . . (أو) كانت العين المبيعة بالصفة (حاضرة مستورة، كجارية منتقبة، وأمتعة في ظروفها. . . والنوع الثاني) من نوعي البيع بالصفة: (بيع موصوف غير معين، ويصفه بصفة تكفي في السلم، إن صح السلم فيه) بأن انضبطت صفاته (مثل أن يقول: بعتك عبدًا تركيًّا ثم يستقصى صفات السلم فيه ... ) " (٣) .
стр. 19362
الآثار الشرعية المترتبة على صحة العقد على المبيع الغائب على الصفة عند الحنابلة:
يترتب على هذا التفصيل في التفصيل في التقسيم عند الحنابلة آثار فقهية متفقة بين النوعين السابقين حينا ومختلفة حينا آخر وفيما يلي عرض مفصل لها حسب الترتيب التالي:
أولا ينعقد البيع لازما وغير لازم:
ينعقد البيع لازما إذا وفى البائع بالصفات المطلوبة في المبيع لأنه وجده وفق الصفات المشروطة فلا يحق له الفسخ " ولأنه مبيع موصوف فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال كالسلم" (١) .
ويكون غير لازم إذا لم يستوف المبيع الصفات المطلوبة.
احتج للزوم العقد لدى مطابقة المبيع للصفات المشروطة بما يأتي:
" أنه سلم له [للمشتري] المعقود عليه بصفاته فلم يكن له الخيار كالمسلم فيه ولأنه مبيع موصوف فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال كالسلم ".
يذكر موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة في الرد على القائلين بالخيار بكل حال وأنه يسمى بيع خيار الرؤية كالإمامين الثوري وأبي حنيفة قائلا: " وقولهم إنه يسمى بيع خيار الرؤية لا نعرف صحته فإن ثبت فيحتمل أن يسميه من يرى ثبوت الخيار ولا يحتج به على غيره فأما إن وجده بخلاف الصفة فله الخيار ويسمى خيار الخلف في الصفة لأنه وجد الموصوف بخلاف الصفة فلم يلزمه كالسلم " (٢) .
стр. 19363
ثانيًّا – الضمان:
يعد المبيع الغائب على الصفة من ضمان البائع في كلا النوعين كما ورد النص بهذا: " والمبيع بصفة " معينا كان أو في الذمة (أو برؤية سابقة) بزمن يتغير فيه المبيع غالبا (من ضمان البائع حتى يقبضه مشتر) ، لأنه تعلق به حق توفية، أِشبه المبيع بكيل، أو نحوه.. . . وإن تلف المكيل ونحوه) أي الموزون، والمعدود، والمذروع المبيع بالكيل ونحوه، (أو) تلف (بعضه بآفة) أي عاهة (سماوية) لا صنع لآدمي فيها (قبل قبضه) أي قبل قبض المشتري له (فـ) هو (من مال بائع) ، لأنه ﷺ (نهي عن ربح ما لم يضمن) ، والمراد ربح ما بيع قبل القبض، قال في المبدع: لكن إن عرض البائع المبيع على المشتري فامتنع من قبضه، ثم تلف كان من ضمان المشتري ... (وينفسخ العقد فيما تلف) بآفة سماوية مما بيع بكيل، أو نحوه قبل قبضه سواء كان التالف الكل، أو البعض، لأنه من ضمان بائعه، (ويخير مشتر) إذا تلف بعضه وبقى بعضه (في الباقي بين أخذه بقسطه من الثمن وبين رده وأخذ الثمن كله لتفريق الصفة...." (١) .
ثالثا – التصرف في المبيع الغائب الموصوف قبل القبض:
المبيع الغائب على الصفة في كلا النوعين من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري لا يصح للمشتري التصرف فيه قبل قبضه، وهو المنصوص عليه في العبارة التالية:
" ولا يجوز للمشتري التصرف فيه، أي فيما بيع بصفة أو رؤية سابقة (قبل قبضه) ظاهره ولو بعتق، أو جعله مهرا ونحوه.... (ولو غير مكيل ونحوه) من موزون ومعدود ومذروع ... " (٢) .
стр. 19364
الثاني – الآثار الفقهية المختلفة بين نوعي المبيع الغائب على الصفة: من هذه الآثار:
أولا – دفع الثمن مؤجلا:
يختلف حكم دفع الثمن بين النوعين السابقين، إذا يجوز تأجيله إلى حين قبض المبيع في النوع الأول (المبيع الغائب المعين الموصوف) .
يقول العلامة شرف الدين موسى الحجاوي فيما يخص هذا النوع: " ويجوز التفريق قبل قبض الثمن، وقبل قبض المبيع كحاضر " (١) .
أما بالنسبة للنوع الثاني (المبيع الموصوف وغير المعين) فإنه يجب دفع الثمن قبل مغادرة المجلس، ذلك لأن الحنابلة عدوا هذا النوع في معنى السلم. قال شرف الدين موسى الحجاوي فيما يخص هذا النوع من أحكام: " ويشترط في هذا النوع قبض المبيع، أو قبض ثمنه في مجلس العقد ... " (٢) ، ويعلل لهذا بقوله: " لأنه في معنى السلم " (٣) .
واختار القاضي أبو يعلى الحنبلي من المتقدمين جواز التفرق من مجلس العقد قبل قبض المبيع، والثمن دون تفرقه بين النوعين.
قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد: " فعلى المذهب لا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع، أو قبض ثمنه على الصحيح من المذهب، وقدمه في المغني، والشرح، والرعاية الكبرى، وجزم به في الوجيز، وقال القاضي: يجوز، وهو ظاهر ما جزم به في المستوعب في باب السلم...." (٤) .
стр. 19365
ثانيا – موجبات العيب والنقص والتلف في نوعي البيع على الصفة:
إذا ظهر في (البيع المعين الموصوف) حاضرا كان أو غائبا عيب، أو نقص، أو تلف قبل قبض المشتري فللمشتري أخذ قسط ما نقص من الثمن في العيب والنقص، وقيمته في حالة التلف، وليس له طلب بدل عنه، لأن العقد كان على عين معينة، ولا يصح الانتقال بالعقد إلى غيره، فإذا لم يرض بذلك فليس أمامه إلا فسخ العقد.
قال في كشاف القناع: " وإن وقع العقد على معين رد البائع قسط ما نقص من الثمن.." (١) .
وقال بالنسبة لحالة اختيار رد المبيع في هذا النوع وما يترتب عليه من أحكام: " فهذا " النوع (بيع عين معينة) ينفسخ العقد عليه برده على البائع بنحو عيب أو نقص صفة، وليس للمشتري طلب بدله لوقوع العقد على عينة كحاضر، فإن شرط ذلك في عقد البيع بأن قال: إن فاتك شيء من هذه الصفات أعطيتك ما هذه صفاته لم يصح العقد، قال في المستوعب، وينفسخ العقد عليه أيضا بـ (تلفه قبل قبضه) لزوال محل العقد. . . " (٢) .
في حين تختلف الأحكام الفقهية تماما بالنسبة للنوع الثاني الموصوف غير المعين: فإن وجده المشتري متغيرا عما رآه، أو على غير ما وصف له فله الفسخ على التراخي، ويسمى هذا الخيار (خيار الخلف في الصفة) ، لأنه وجد الموصوف بخلاف الصفة.
قال في كشاف القناع: " وإن وجد (المبيع الموصوف غير المعين) متغيرا فله الفسخ على التراخي، كخيار العيب، وكذا لو وجد بالصفة ناقصا صفة (ويسمى) هذا الخيار (خيار الخلف في الصفة) .. . . إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضا بالمبيع. . . (وإن زاد) كثيرا (أو نقص كثيرا مما لا يتغابن بمثله) عادة (فالزيادة للبائع، والنقصان عليه) أي على البائع، فإن كان المبيع قفيزا من صبرة مثلا تممه البائع منها...." (٣) .
ولما كان المقصود من هذا النوع (المبيع الموصوف غير المعين) هو الصفات التي يتحراها المشتري في المبيع دون تحديد عين معينة جاز استبدال آخر عنه من جنسه تتوافر فيه الصفات المطلوبة دون أن يؤثر هذا على صحة العقد، أو يوجب فسخ العقد، ورد النص على هذا في العبارة التالية:
" (فمتى سلم) البائع (إليه عبدا على غير ما وصفه، فرده) المشتري عليه (أو) سلم إليه عبدا على ما وصف له فأبدله المشتري لنحو عيب (لم يفسد العقد) برده، لأن العقد لم يقع على عينه، بخلاف النوع الأول " (٤) .
стр. 19366
المبحث الرابع
العقد على المبيع الغائب على الصفة في المذهب الشافعي
المفهوم صراحة من كلام الإمام الشافعي في كتابه (الأم) جواز العقد على المبيع الغائب الموصوف من تأجيل الثمن، وذلك في بابين:
الأول في بيع العروض، ذكر فيه المسائل التالية:
" ولو أنه اشتراه على صفة مضمونة إلى أجل معلوم فجاءه بالصفة لزمت المشتري أحب، أو كره، وذلك أن شراءه ليس بعين، ولو وجد تلك الصفة في يد البائع فأراد أن يأخذها كان للبائع أن يمنعه إياها إذا أعطاه صفة غيرها، وهذا فرق بين شراء الأعيان والصفات.
الأعيان لا يجوز أن يحول الشراء منها في غيرها إلا أن يرضى المبتاع، والصفات يجوز أن تحول صفة في غيرها إذا أوفي أدنى صفة.
ويجوز النقد في الشيء الغائب، وفي الشيء الحاضر بالخيار، وليس هذا من بيع وسلف بسبيل. ولا بأس أن يشتري الشيء الغالب بدين إلى أجل معلوم، والأجل من يوم تقع الصفقة.
وفي (باب في بيع الغائب إلى أجل) ذكر الآتي: " ولا بأس بشراء الدار حاضرة وغائبة ونقد ثمنها ومذارعة وغير مذارعة (قال) ولا بأس بالنقد في بيع الخيار " (١) .
يتبين من المسائل السابقة المدونة في كتاب الأم وهو يمثل القول الجديد للإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
أولا: إجازته للعقد على المبيع الغائب الموصوف.
ثانيا: إثبات خيار الرؤية للمشتري إذا لم يأت على الصفات المشروطة في العقد.
ثالثا: دفع القيمة مؤجلة لدى تسليم المبيع.
رابعا: إن تعبيره في بعض تلك المسائل (ولا بأس بالنقد في بيع الخيار) يدل مفهوما أن الأصل عدم النقد في المبيع الغائب المؤجل. الأمر الذي يجعله يتفق عموما مع المذاهب الثلاثة السابقة.
стр. 19367
لكن الذي تقرر في المذهب الشافعي في هذه المسألة هو القول القديم، وأصبح الرأي في المذهب كالآتي:
١- بيع العين الغائبة غير الموصوفة باطل.
٢- بيع العين الغائبة الموصوفة بذكر جنسها ونوعها على قولين: الجواز، وعدم الجواز هو الأظهر، وعليه المذهب.
هذا ما حكاه الإمام الماوردي بعد الاستدلال على بطلان المبيع الغائب بقوله: " فإذا ثبت أن العين الغائبة باطل إذا لم توصف ففي جواز بيعها إذا وصفت قولان:
أحدهما: يجوز، نص عليه في ستة كتب: في القديم، والإملاء، والصلح، والصداق، والصرف، والمزارعة، وبه قال جمهور أصحابنا.
والقول الثاني: أنه لا يجوز، وهو أظهرهما نص عليه في ستة كتب: في الرسالة، والسنن، والإجارة، والغصب، والاستبراء، والصرف في باب العروض، وبه قال حماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتبة، وهو اختيار المزني، والربيع، والبويطي " (١) .
стр. 19368
الاستدلال:
ذكر الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي أدلة المذهب الشافعي لبطلان العقد على المبيع الغائب غير الموصوف تفصيلا، تم تنسيقها في الفقرات التالية:
أولا: الحديث الذي رواه الإمام مسلم ﵀، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر)) . وحقيقة الغرر: ما تردد بين جائزين أخوفهما أغلبهما.
وبيع خيار الرؤية غرر من وجهين:
أحدهما: أنه لا يعلم هل المبيع سالم، أو هالك؟
الثاني: أنه لا يعلم هل يصل إليه، أم لا يصل؟.
ثانيا: ما روي " أن النبي ﷺ نهى عن بيع غائب يناجز "، ولم يفصل بين صرف وغيره فهو على عمومه.
ثالثا: روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الملامسة، والملامسة: بيع الثوب المطوي، فإذا نهى عن الملامسة لجهله بالمبيع وإن كان ثوبا حاضرا كان بطلانه أولى إذا كان غائبا.
رابعا: أن بيع الصفة إذا علق بالعين بطل، كذلك بيع العين إذا علق بالصفة بطل، وتحريره قياسا: أنه بيع عين بصفة موجب أن يكون باطلا كالسلم في الأعيان.
خامسا: أن الاعتماد في السلم على الصفة، والاعتماد في الأعيان على الرؤية، لأن السلم يصير معلوما بالصفة، كما أن العين تصير معلومة بالرؤية، فلما تقرر أن السلم إذا لم يوصف حتى يصير المسلم فيه معلوما بطل العقد، وجب إذا لم تر العين حتى تصير معلومة بالرؤية يبطل العقد، إذ الإخلال بالرؤية في المرئيات كالإخلال بالصفة في الموصوفات.
وتحرير ذلك قياسا: أن جهل المشتري بصفات المبيع تمنع صحة العقد كالسلم إذا لم يوصف، ولأنه مبيع مجهول الصفة عند المتعاقدين فوجب أن يكون باطلا كقوله بعتك ثوبا، أو عبدا.
سادسا: لأنه بيع عين لم ير شيئا منها، فوجب أن لا يصح كالسمك في الماء، والطير في الهواء.
سابعا: ولأنه خيار ممتد بعد المجلس غير موضوع لاستدراك الغبن، فوجب أن يمنع صحة العقد أصلا إذا اشترط خيارا مطلقا (١) .
стр. 19369
القول المعتمد في المذهب:
وفي مجال الترجيح بين الأقوال، وتنقيح المعتمد في المذهب بالنسبة للمبيع الغائب على الصفة ذهب المتأخرون من الشافعية إلى أن: الأصح والمعتمد مذهبا عدم صحة بيع المبيع الغائب مطلقا موصوفا وغير موصوف.
هذا ما نص عليه في المنهاج، واتفق عليه شارحاه العلامة الفقيه شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي وشمس الدين الرملي.
قال ابن حجر الهيتمي: " (والأظهر أنه لا يصح بيع الغائب) الثمن، أو المثمن بأن لم يره أحد العاقدين، وإن كان حاضرا في مجلس البيع، وبالغا في وصفه، أو سمعه بطريق التواتر....
(والثاني) وبه قال الأئمة الثلاثة (يصح) البيع إن ذكر جنسه، وإن لم يرياه، (ويثبت الخيار) للمشتري، وكذا البائع على خلاف فيه (عند الرؤية) لحديث فيه ضعيف، بل قال الدارقطني باطل...." (١) .
يتفق معه في هذا العلامة شمس الدين محمد بن أبي العباس الرملي جملة وتفصيلا (٢) ، وكلاهما يكتفي لصحة هذا القول اشتراط التعريف والتوصيف بالجنس.
يضيف العلامة جلال الدين المحلي جواز ذكر الجنس أو النوع لإباحة المبيع الغائب وفق القول الثاني، ويثبت الخيار للمشتري على الرغم من توافر الصفات المطلوبة فيقول: " (والأظهر أنه لا يصح بيع الغائب) وهو ما لم يره المتعاقدان، أو أحدهما، (والثاني يصح) اعتمادا على الوصف بذكر جنسه، ونوعه (٣) . كأن يقول: بعتك عبدي التركي، وفرسي العربي، ولا يفتقر بعد ذلك إلى ذكر صفات أخر، نعم لو كان له عبدان من نوع فلابد من زيادة يقع بها التمييز كالتعرض للسن، أو غيره، (ويثبت الخيار) للمشتري (عند الرؤية) وإن وجده كما وصف.. . . " (٤) .
ويعتمد الخطيب الشربيني القول بصحة العقد على خلاف الأظهر في المذهب " إذا وصف بذكر جنسه ونوعه اعتمادا على الوصف فيقول: بعتك عبدي التركي، أو فرسي العربي. . . " (٥) .
* * *
стр. 19370
القسم الثالث
المقتضي والمانع وتمام الاستدلال في عقد التوريد
المبحث الأول
المقتضي
من أسباب الإباحة الشرعية وجود (المقتضي) لها. عقد التوريد في صيغته السليمة التي تتفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها يحقق مصالح متعددة لأطراف متعددين: للبائع، والمشتري، والمجتمع كلًا، تمثل مجموعة: (المقتضي) للإباحة، واحدًا من أسبابها، وفيما يلي بيان ذلك:
١- بالنسبة للبائع: يهدف البائع من إبرام عقد التوريد إلى أمور ضرورية من أهمها:
أ- التأكد والاطمئنان من تسويق السلعة التي يتاجر فيها، أو ينتجها، يتفادى بذلك كساد السوق، وبوار السلعة.
ب- ضمان تشغيل الأيدي العاملة فيما يمتهنه من تجارة أو صناعة دون عجز أو تقصير في دفع الأجور.
ج- القدرة على الاستمرار بمعدل ومستوى معين دون انخفاض في التجارة إن كانت تجارة، والنتاج إن كانت صناعة، أو زراعة.
٢- بالنسبة للمشتري: يتمكن المشتري عن طريق (عقد التوريد) إلى تحقيق الأغراض والأهداف التالية:
أ- حصوله على السلعة التي يريدها في الموعد المحدد مستقبلًا دون تأخير.
وقد أصبح هذا مهمًا جدًا في العقود والمعاملات للوفاء بالالتزامات مع الأفراد، وهو مهم أيضًا بالنسبة لهؤلاء عندما يمثلون طرف (المشتري) بأشخاصهم أو شخصياتهم المعنوية الاعتبارية لتنفيذ مشروع خاص، أو تأمين احتياج معين.
الحاجة إلى عقد التوريد ليست خاصة بأمة دون أمة بل أصبح حاجة الأمم والشعوب في كافة أقطار الدنيا مهما كان مستواها الحضاري والاجتماعي متقدمة أو متخلفة، الإسلامية وغير الإسلامية على مختلف الديانات والمذاهب، فقيرة، أو غنية، ولهذا الأمر تقديره عند فقهاء الإسلام في تكييف الحكم ومناسبته.
стр. 19371
يقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني: ". . . المرعى في حق الآحاد حقيقة الضرورة، وقد ذكرنا أنه لا يراعى فيما يعم الكافة الضرورة، بل يكتفي بحاجة عامة " (١) .
وما قرره إمام الحرمين هنا هو التوجه الذي أخذ به جمهور الفقهاء أعربوا عنه بصياغته في قواعد محكمة تنير للفقيه طريق الاجتهاد وفيما سبيله كذلك، منها قولهم: " الحاجة إذا عمت كانت كالضرورة " (٢) .
وقولهم: " الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة " (٣) ، " وفي المنع مما يحتاج إليه الناس ضرر أعظم مما لو كان تخلله شيء من المخاطر، فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدة الشريعة ضد ذلك وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما " (٤) .
وضح الدكتور منذر قحف مدى الحاجة إلى عقد التوريد في عالمنا المعاصر بصورة تفصيلية، وأهميته للنواحي الاقتصادية والصناعية، والاجتماعية، وأثره على تنمية الحياة وتطوير مرافقها في كافة المجالات العملية النتاجية للمصنوعات التي تكتظ بها مستودعات التجار قائلًا: " تقوم الحياة الاقتصادية في جميع المجتمعات على الترتيب، والتحضير المسبقين لعمليات الإنتاج، ينطبق ذلك على الصناعة والتجارة، والنقل، والزراعة، والتعليم، وسائر الأنشطة، وإن تفاوتت الدرجات.
стр. 19372
فالصناعات الاستخراجية تستخرج من الأرض الأتربة والصخور والسوائل الحاملة للمعادن، وتقوم بفصل المعدن منها عن الشوائب لتقوم ببيعه لأصحاب الصناعات الأخرى، وهي في عملها هذا تحتاج إلى آلات ومواد كثيرة إضافة إلى الأيدي العاملة.
وهي تقوم بعملياتها الإنتاجية حسب برنامج عمل، لابد له من تنسيق وتوافق بحيث تصلها الآلة، أو السلعة في الوقت المناسب، من أجل ذلك لابد لها من إجراء عقود توريد مع منتجي، أو بائعي الآلات والمواد، التي تحتاجها حتى تطمئن إلى وصولها في الوقت المناسب. وكذلك لابد لها من التعاقد المسبق مع اليد العاملة التي تحتاج إليها بحيث تبدأ عملها في الوقت المطلوب تمامًا. يضاف إلى ذلك أن ظروف السوق من منافسة ورغبة في ضغط للنفقات، ومفاهيم الربحية والسعي لها والكفاءة في الإنتاج، والظروف المادية للنقل والتخزين، كل ذلك يستدعي الارتباط بعقود توريد تتعلق بإنتاجها، بحيث يكون لديها برنامج تسليم للمنتوج معروف لديها مسبقًا، ومن جهة أخرى فإن هذه الحاجات؛ بل الضرورات التي تضطر الصانع للارتباط بعقود توريد للأشياء وعقود إجارة مستقبلية للعاملين، لها انعكاسات مالية تتعلق ببرنامج إيراداتها المالية ومصروفاته، وتقتضي مبادئ الكفاءة وتعظيم الربحية أن يعمد الصانع إلى ترتيب مصروفاته مع إيراداته بحيث يدفع نفقاته من الإيرادات دون تعطيل أو تجميد للمال، ودون الحاجة إلى اللجوء إلى التمويل الخارجي إلا إذا كان أقل كلفة من التمويل الذاتي، والصانع عندما يلجأ للتمويل يفاضل بين مصادره وأدواته ويختار الأقل كلفة فيما بينها. فحاجات الصناعات الاستخراجية لعقود التوريد ولعقود الإجارة المستقبلية هي حاجات حقيقية من دون تلبيتها لا تستطيع الصناعة أن تعمل بكفاءة، وبالتالي تخرجها المنافسة من السوق، أي أنها تخسر أموالها، فضلًا عن أن في العمل دون مستوى الكفاءة الأعلى خسارة للأفراد وللمجتمع وإضاعة لموارده النادرة.
وهذه الحاجات ليست حاجات تمويلية، بل هي حاجات مادية مباشرة تقوم عليها الصناعة الاستخراجية.
ومثل الصناعة الاستخراجية الصناعات الوسيطة التي تنتج مواد وآلات تستعمل في صناعات أخرى، وكذلك الصناعات التحويلية بكل أنواعها. كل ذلك يضطر إلى الدخول في عقود توريد للحصول على الآلات والمواد الداخلة في الإنتاج ولتسويق المنتجات التي تقوم بصناعتها.
والزراعة أيضًا قد وصلت إليها الثورة الصناعية وصيغ العلاقات الاقتصادية الجديدة التي نشأت عنها. فصارت تقوم على الآلات والمدخلات الزراعية الكثيرة والوقود. وكل ذلك يحتاج إلى عقود توريد تحدد مواعيد استلامها ودخولها في عملية الإنتاج. وكذلك فإن الزراعة المعاصرة صارت تحتاج إلى التعاقد على بيع محاصيلها على طريقة عقد التوريد، لأنه لابد في الزراعة أيضًا من تخطيط للمبيعات حتى يتمكن الزارع من تحقيق الكفاءة في استخدام أمواله وموجوداته ويعظم ربحه.
ومثل الصناعة والزراعة سائر القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، فالتعليم يحتاج إلى المباني والأجهزة والمخابر، كما يحتاج إلى التعاقد مع المعلمين والموظفين كل ذلك يقوم على عقود التوريد بالنسبة للسلع والمواد والإجارة المستقبلية بالنسبة لليد العاملة. والمستشفيات والخدمات الصحية مثل ذلك، ومثلها أيضًا قطاع النقل والمواصلات والاتصالات والفنادق، حتى الإدارة الحكومية نفسها تحتاج إلى حاجات كثيرة أساسية إلى عقود التوريد بعد دخول الآلة والمواد المصنوعة في الإدارة الحكومية إلى حدود بعيدة. هذا إلى جانب المشاريع الإنمائية والإنشائية التي هي أكثر اعتمادًا في العادة على عقود التوريد (١) .
* * *
стр. 19373
المبحث الثاني
انتفاء المانع
من القواعد الأصولية للإباحة (انتفاء المانع) ؛ إذ لا يكفي (وجود المقتضي) بل لابد من انتفاء المانع، وهو كل ما يتعارض مع القواعد الشرعية، ومقاصدها.
والمانع في عقود المعاملات ضروب متعددة، وأنواع مختلفة بحسب أركان العقد، منها ما يرجع إلى العاقدين، ومنها ما يرجع إلى العوضين، ومنها ما يرجع إلى صفة العقد، ومنها ما يرجع إلى الحال التي وقع عليها العقد. فإذا افترضنا سلامة العقد وتمامه وفق الأحكام الشرعية المطلوبة في العاقدين، والعوضين والحال التي وقع عليها العقد، والمقصود منه أن لا يكون بيع نجش، أو بيع الإنسان على بيع أخيه، أو تلقى السلع قبل ورود الأسواق، أو بيع الحاضر للباد، أو البيع يوم الجمعة بعد النداء ممن يلزمهما، أو أحدهما الجمعة، فالاحتمال الكبير أن يكون المانع من إباحة عقد التوريد هو من جهة ما يرجع إلى صفة العقد، وهذا ضروب وأنواع أتى بتفصيلها وتحليلها القاضي عبد الوهاب البغدادي ﵀ بقوله:
" وما يرجع إلى صفة العقد ضروب منها: الربا ووجوهه، ومنها الغرر وأبوابه، ومنها المزابنة والبيع والسلف، وغير ذلك. . . " (١) .
إذا افترض خلو (عقد التوريد ٩ من الربا بأقسامه فالاحتمال الأكبر هو وجود الغرر وأبوابه، وهو ما قد يتذرع به من لا يرى إباحة هذا العقد حسب الصيغة التي نزل عليها وكيف بها وهو: البيع على الصفة بشروطه. حينئذ لابد من تحديد المقصود من الغرر، وهو " ما يجمع ثلاثة أوصاف: أحدها، تعذر التسليم، والثاني: الجهل، والثالث: الخطر والقمار.... . .
فأما ما يرجع على تعذر التسليم فكالآبق، والضالة، والمغصوب، والطير في الهواء، والسمك في الماء، وبيع الأجنة، واستثنائها، وحبل الحبلة، وهو نتاج ما تنتج الناقة، والمضامين وهي ما في ظهر الفحول.
стр. 19374
وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع؛ فمنه الجهل بجنس المبيع كقوله: بعتك في كمي (أو في يدي) ، أو ما في صندوقي، ومنه ما يرجع إلى الجهل بصفاته كقوله: بعتك ثوبًا في بيتي، أو فرسًا في اصطبلي، ومنه الجهل بالثمن في جنسه أو مقدراه أو أجله، مثل أن يقول بعتك بما يخرج به سعر اليوم، أو بما يبيع به فلان متاعه، أو بما يحكم به زيد. ومنه البيعتان في بيعة وهو قوله: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا، أو بخمسة عشر إلى أجل، على أنه قد وجب بأحد الثمنين، ومنه بيع اللحم في جلده، والحنطة في تبنها، ومنه شرط الخيار الممتد والأجل المجهول نحو قدوم زيد، وموت فلان وما أشبه ذلك.
وأما الخطر فبيع ما لا ترجى سلامته كالمريض في السياق، وما لا يدرى أيسلم أو يتلف، ولا ظاهر، ولا أمارة تغلب على الظن معه سلامه كبيع الثمر قبل بدو صلاحها، وأما القمار فكبيع الملامسة وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه وإن لم يتبينه، وبيع المنابذة، وهو أن ينبذ أحدهما ثوبه إلى الآخر فيلزمه الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك. ومنه بيع الحصاة، وصفته أن تكون بيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع، وقيل: تكون ثياب عدة فيقول: على أيها سقطت الحصاة فقد وجب. ومن المزابنة – وقد ذكرناها – فهذه كلها بيوع الجاهلية، وكثير منها يتداخل فيجمعه الجهل وتعذر التسليم كالآبق والشارد، فإن انضم إلى ذلك جهل الثمن الأول الأجل تأكد الغرر لكثرة أسبابه " (١) .
لدى تطبيق هذه القاعدة الفقهية للغرر على عقد التوريد في صيغته الجائزة (البيع على الصفة) من خلال عرض عناصره يتجلى التالي:
١ - ما يرجع إلى تعذر التسليم:
من ضروريات عقد التوريد اطمئنان المشتري من قدرة البائع على تسليم المبيع في الوقت المحدد، وحرصه على التأكد من ذلك، وأخذ ضمانات قد تكون مالية أحيانًا للوفاء بالعقد كالعربون أو التأمين.
أما البائع في مقابل الضمانات المالية والقانونية التي يضعها المشتري عليه فإنها تملي عليه أن يبرم العقد ويوقعه متأكدا من إنجازه، وتسمح إمكاناته المادية به، وبهذا ينتفي هذا العنصر منه، يبلغ الأمر أحيانًا بالمشتري في العقود التجارية الحديثة أن يضع شرطًا جزائيًّا وغرامة مالية في حالة تخلف البائع (المستورد) عن التسليم في الموعد المحدد.
стр. 19375
٢- ما يرجع إلى الجهل بجنس المبيع، أو صفته، أو الجهل بالثمن في جنسه ومقداره، او شرط الخيار الممتد والأجل المجهول:
مثل هذا لا يجري في عقود التوريد بحال، بل كان من المتعاقدين حريص أن يحدد مسؤولية الآخر وبيان جنس المبيع، وموعد استلامه، وكذلك المشتري حريص كل الحرص أن يبين جنس المبيع وصفته ومقداره وموعد استلامه دون تأجيل، أو مماطلة من البائع، فمن ثم يضع للتحقق من تنفيذ كل ذلك شروطًا جزائية، وعقوبات مالية مرهقة في غالب الأحيان (١)
٣- الخطر ببيع مالا ترجى سلامته:
إن التاجر في الوقت الحاضر بائعًا أو مشتريًّا، مصدرًا، أو موردًا لا يقدم على إبرام عقد التوريد أو غيره ما لم يكن متأكدا من سلامة وصول البضاعة، وتأمين تسليمها إلى أصحابها.
يعطي التجار في بلاد العالم الاعتبار الأول والأهم لضمان وصول بضائعهم سليمة إلى أيدي المشترين، بل أضحى من غير الممكن في الوقت الحاضر أن يتم عقد توريد من دون تأمين يضمن سلامة وصول السلع إلى أصحابها.
أصبح أمن التجارة الدولية والمحلية وسلامة انتقالها من بلد إلى آخر هاجس الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية، وعنصرًا مهمًا فيها، أسست من أجلها شركات التأمين , وجندت الدول لحمايتها إمكاناتها المادية والبشرية، ووضعت لها الأنظمة والقوانين في السلم والحرب.
وفي جميع الظروف والحالات يتحرى التاجر في عقد التوريد وغيره اتخاذ كافة الإجراءات لسلامة وصول السلعة إلى صاحبها قدر الجهد والإمكان كما هو الواقع المشاهد في العقود، وسير التجارة في معظم أجزاء العالم.
بانتفاء عناصر الغرر السابقة ينتفي مانع إباحة عقد التوريد، ولو فرضنا – جدلًا – وجود غرر يسير فإنه مما يتسامح فيه، ولا يؤثر على صحة العقد، ولو قيل بغير ذلك لأصاب الأمة حرج ومشقة تنأى عنه الشريعة السمحة.
تأكيدًا لما سبق من وجود المقتضى وانتفاء المانع في عقد التوريد وتأييدًا لصحته يقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: " والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها الحاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية. . . فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب، أو فعل محرم لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد " (٢) .
стр. 19376
المبحث الثالث
تمام الاستدلال
تمام الاستدلال لأحكام النوازل والواقعات والعقود الجديدة يقتضي سلامتها وخلوها من معارضة نص صريح، أو قاعدة شرعية ثابتة، أو مقصد من مقاصد الشريعة.
إذا سلم الاستدلال لإباحة عقد التوريد في الصيغة والصور المقبولة شرعًا فتمامه خلوه من معارضة نص صريح.
والذي يبدو ظاهرًا أن القول بصحة عقد التوريد وإباحته تعارض مع نصين صريحين قررا مبدأين ثابتين في الشريعة الإسلامية:
أحدهما: أنه يتضمن بيع الدين بالدين المنهي عنه شرعًا في حديث رواه ابن عمر ورافع بن خديج ﵄: " أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) ، وفي رواية ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقال: ((هو النسيئة بالنسيئة)) ، قال الحاكم، حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه " (١) .
وعقد التوريد في صيغته وصوره يتضمن ظاهرًا بيع الدين بالدين: البائع يبيع سلعته بثمن مؤجل، يمثل دائنية الثمن في ذمة المشتري، والمشتري يشتري السلعة لا يدفع الثمن، يمثل دائنية المبيع في ذمة البائع، كلاهما مدين ودائن للآخر باعتبارات مختلفة.
ثانيهما: بيع المعدوم الذي ورد النهي عنه في حديث الصحابي الجليل حكيم بن حزام ﵁ قال: " نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي " رواه الترمذي في رواية له (٢) ، ولأبي داود والنسائي: " قال: قلت يا رسول الله: يأتيني الرجل فيريد مني البيع وليس عندي، فأبتاع له من السوق؟ قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٣) .
стр. 19377
التأمل الدقيق لفقه الحديثين، وتفهم معناهما في ضوء ما كتبه المحدثون الفقهاء سوف يكشف الحقيقة، ويميط اللثام عن العلاقة بينهما وبين عقد التوريد إما بالتوافق والانسجام، وإما بالتعارض والتضاد، وهو ما يتبين خلال المناقشة والعرض التاليين:
١- بالنسبة للحديث الأول الذي يتضمن النهي عن بيع الدين بالدين يجانب عنه:
أ- أن عقد التوريد ليس من قبيل بيع الدين بالدين؛ ذلك أن الدين شغل ذمة أحد المتتابعين للآخر بدين، وليس هذا في عقد التوريد من الدين بشيء، وإنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد، فمن ثم يظل العقد جائزًا قابلًا للفسخ حتى يتم تسليم المبيع، ومقتضى هذا العقد (عقد التوريد) تأجيل دفع الثمن حتى يتم تسليم البضاعة إلا أن يكون المشتري متطوعًا بتقديمه اختيارًا.
ب- (النهي عن بيع الكالئ بالكالئ) : معناه، كما ذكره المحدث الفقيه علي بن سلطان محمد القاري نقلًا عن النهاية: " وذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض، ... . . وقيل: هو أن يبيع الرجل دينه على المشتري بدين آخر للمشتري على ثالث. ذكره الطيبي.. . . " (١) .
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في شرح حديث ابن عمر ﵄ " أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ يعني الدين بالدين ":
" وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع، والكالئ من كلأ الدين كلوءًا فهو كالئ إذا تأخر، وكلأته إذا أنسأته، وقد لا يهمز تخفيفًا، قال في النهاية: هو أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه، ولا يجري بينهما تقابض، والحديث دل على تحريم ذلك، وإذا وقع كان باطلا" (٢)
اتضح من النصوص السابقة أن هذا الحديث له معنى معين تناقله المحدثون وأقروه، ولا يندرج ضمن معناه (عقد التوريد) ولا يدل عليه منطوقًا ولا مفهومًا حسبما تقدم.
стр. 19378
جـ- كون العوضين غير موجودين أثناء العقد هنا في عقد التوريد لا يصح حمله على الصورة التي ذكرها بعض المحدثين والفقهاء تفسيرًا لمعناه؛ فليس وجود مجرد شبه في جانب معين بين أمرين يقضي بإعطاء حكم أحدهما للآخر، على أن الفقهاء ﵏ توسعوا في معناه والتمثيل له تورعًا واحتياطًا، فمن ثم اختلفت آراؤهم في تحديده والتمثيل له.
يقول ابن القيم ﵀: " ومن سوى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود، وهذا من أعظم الغلط، والقياس الفاسد الذي ذمه السلف " (١) .
٢- تضمنه لبيع المعدوم المنهي عنه بقول الرسول ﷺ لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) .
وموافقة لهذا الحديث نص الفقهاء أنه " لا يصح بيع مال لا يملكه البائع، ولا إذن له فيه لحديث حكيم بن حزام مرفوعًا: لا تبع ما ليس عندك " (٢) .
هذا الحديث قيده علماء الحديث وفقهاء الشريعة ببيع الأعيان دون البيع على الصفة والعقد الذي بصدد هذا البحث قد تم تكييفه على البيع على الصفة وفي ضوئه تم تخريجه.
يقتصر هذا البحث على النقل من ثلاثة من المحدثين الفقهاء فيما يخص هذا التقييد في معنى حديث حكيم بن حزام ﵁.
* الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي قائلًا: (قوله: ((لا تبع ما ليس عندك)) يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عنده في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر) (٣) .
стр. 19379
* العلامة المحدث الفقيه ملا على القاري ينقل من شرح السنة للبغوي فيقول: " ((لا تبع ما ليس عندك)) أي شيئًا ليس في ملك حال العقد، في شرح السنة: هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات، فلذا قيل: السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز وإن لم يكن في ملكه حال العقد.. . . " (١) .
* العلامة ابن القيم يقدم تحليلًا موضوعيًّا بقوله: " وأما قول النبي ﷺ لحكيم ابن حزام ((لا تبع ما ليس عندك)) فيحمل على معنيين:
أحدهما: أن يبيع عينًا معينة وليست عنده بل ملك للغير، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها للمشتري.
والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه فليس عنده حسًا ولا معنى فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل له أم لا؟ وهذا يتناول أمورًا:
أحدها: بيع عين معينة ليست عنده.
الثاني: السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.
الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادة. . . " (٢) .
وقسم في موضع آخر المعدوم إلى ثلاثة أقسام مبينًا القسم الذي يعنيه النهي في الحديث بقوله: " والمعدوم ثلاثة أقسام:
معدوم موصوف في الذمة: فهذا يجوز بيعه اتفاقًا.
والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه، وهو نوعان: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، ولكن جاز بيعها تبعًا للموجود، وقد يكون المعدوم متصلًا بالموجود، وقد يكون أعيانًا أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد.
والنوع المختلف فيه كبيع المقاثي، والمباطخ إذا طابت فهذا فيه قولان: أنه يجوز بيعها جملة ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيء كما جرت به العادة، ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة.. . .
стр. 19380
الثالث: بيع معدوم لا يدري يحصل، أو لا يحصل، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدومًا بل لكونه غررًا، فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر ﵄، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه، ولا قدرة له على تسليمه، لذهب ويحصله، ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيهًا بالقمار والمخاطرة من غير حاجة إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه. . . " (١) .
يؤكد ابن القيم ﵀ أن ". . . ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع لا العدم، ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا، أو معدوماً. . . " (٢) .
يتبين من النصوص السابقة أن موضوع النهي في هذا الحديث هو بيع الأعيان، وهو المخصوص به، وأن معناه: أن البائع الذي يختص به هذا النهي بين واحد من أمرين: إما أن لا يقدر على تحصيل السلعة وتسليمها، أو لا يدري إذا كان يستطيع تحصيلها أو لا؟.
كلا المعنيين منتفيان في عقد التوريد؛ لأنه أولًا: من قبيل البيع على الصفة، وثانيًّا: أن البائع يبرم العقد عندما تكون لديه الثقة من الحصول على المبيع في الوقت المحدد.
يؤيد هذا المعنى ويؤكده العلامة أبو الوليد سليمان الباجي حيث يخص النهي الوارد في الحديث بالمبيع المعين ثم يذكر سبب النهي في العبارة التالية:
". . . المبيع على ضربين معين وهو الذي ينطلق عليه اسم المبيع فلا يجوز إلا أن يكون معينًا كالثوب، أو الدابة، أو العبد، أو معينًا بالجملة مثل أن يكون قفيزًا من هذه الصبرة، وأما ما كان في الذمة فاسم السلم أخص به، فإنه يتعلق بالذمة، ولا يجوز أن يكون معينًا، ولا حالاً. . . ويتعلق المنع ببيع ما ليس عنده بالوجهين جميعًا.
стр. 19381
وأما البيع فإنه أيضًا ممنوع من تعلقه بما ليس عنده؛ لأننا قد قلنا إنه يجب أن يكون معينًا، ويكون في ملكه، فإن لم يكن في ملكه وكان معينًا لم يصح لما فيه من الغرر؛ لأنه لا يمكنه تخليصه، وإذا لم يقدر على تخليصه لم يمكنه تسليمه، وما لا يمكنه تسليمه لا يصح بيعه، ولذلك لم يجز بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطائر في الهواء، والسمك في البحر، وغير ذلك مما لا يمكن تسليمه....." (١)
اتجه الإمام الباجي هذا الاتجاه في تخصيص معنى الحديث بالأعيان المعينة في البيع الحال البات وأيده الأستاذ الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير بقوله: " وأرى أن عدم جواز بيع ما ليس عند البائع خاص فيما كان فيه البيع حالًا كما يستفاد من قصة الحديث، ولأن هذه هي الحالة التي يتصور فيها النزاع، أما لو تم البيع على أن يسلم البائع المبيع بعد مدة من الزمن فإن هذا ينطبق عليه حكم تأجيل المبيع. . . " (٢) .
ثم خلص من هذا إلى النتيجة التالية: " ولهذا فلا ينبغي أن يقال: إن بيع الاستيراد المتعارف عليه عند التجاريين يتناوله النهي عن بيع ما ليس عند البائع؛ لأن بيع الاستيراد مدخول فيه على تأجيل المبيع، وبيع ما ليس عند البائع المنهي عنه مدخول فيه على تسليم المبيع في الحال ". (٣)
يتضح من كل ما تقدم: أن عقد التوريد في صيغته المقبولة شرعًا لا يتعارض مع الحديثين السابقين بوجه من الوجوه.
بهذا يتم الاستدلال، ويخلص القول إلى إباحة عقد التوريد إذا لم يخالف الأركان والشروط المعتبرة في عقد البيع؛ إذا هو نوع منه، وفرد من أفراده.
стр. 19382
الخاتمة
كشف البحث في عرضه وتحليلاته السابقة أن عقد التوريد لا يعدو أن يكون نوعًا من أنواع البيع على الصفة في الفقه الإسلامي، إذ يتفق معه في الأهداف والوسائل، في الطريقة بدءًا وتمامًا، من أهم ذلك.
أولًا: الهدف في العقدين تأبيد الملكية في المبيع للمشتري، والثمن للبائع.
ثانيًّا: غياب العوضين (المبيع والثمن) عن مجلس العقد، وتأجيلهما جملة، أو أقساطًا إلى زمن المستقبل.
ثالثا: وصف المبيع وصفًا يحدد جنسه، ونوعه، ويضبط مقداره، ومستوى جودته، وكل ما يحصل به تفاوت السعر.
رابعًا: انتفاء الغرر، وكل ما يلحق الضرر.
بالإضافة إلى الجوانب الأخرى المشتركة مع شروط وأركان عقد البيع، تخلص الدراسة الفقهية التحليلية في البحث إلى أن المذهب المالكي أكثر ملاءمة ومناسبة من بين المذاهب الأخرى لما يتم إنجازه من عقود التوريد في الوقت الحاضر؛ لما اشتمل عليه من مميزات وخصائص فقهية مجتمعة من دون تلفيق لم تتوافر مجتمعة في بقية المذاهب، من الأمثلة على ذلك:
أولًا: عدم لزوم العقد:
المذهب الحنفي يجيز بيع الغائب المجهول الصفة، والمعلوم الصفة على السواء، يعطي للمشتري حق الخيار ولو كان المبيع مطابقًا للمواصفات المشروطة، فله حق الفسخ في جميع الحالات.
فإذا كان البيع على الصفة معلومة، أو مجهولة يحقق مرونة فقهية في العقد يبررها ثبوت الخيار للمشتري، غير أن إعطاء حق الفسخ في جميع الحالات حتى ولو أحضر البائع المبيع، متوافر الصفات المطلوبة المشروطة في العقد يتسبب بلا شك في زعزعة الثقة بين المتبايعين، ويؤثر على العقد وحركة السوق بعدم الاستقرار. فالعقد في مثل هذه الحالة غير لازم في جميع الأحوال حتى يعلن المشتري رضاه، الأمر الذي لا يتفق وطبيعة العقود في المعاملات، بل هو أمر مرفوض في أسواق المال.
стр. 19383
في حين أن المالكية، وشاركهم في هذا الحنابلة وفقوًا في سد هذه الثغرة فحكموا بلزوم العقد إذا أحضر البائع المبيع متفقًا ومتطابقًا مع الصفات المشروطة في العقد، لا يحق المشتري الفسخ بحال، وإنما له الخيار فقط حين يفتقد الصفات المطلوبة في المبيع، ومن حقه أيضًا فسخ العقد، أو المطالبة بالبديل، أو أرش النقص.
يحقق هذا المبدأ الفقهي، والقانون الشرعي إنصاف المتعاقدين على حد سواء. يبث الثقة والاطمئنان في نفس البائع من نفاق مبيعاته، كما يدفعه على الحرص على تنفيذ المواصفات المطلوبة في المبيع حتى يضمن لزوم العقد.
كما يحقق هذا المبدأ استقرار الأسواق وإيجاد الثقة بين التجار، وازدهار التجارة.
ثانيًّا: الأصل عند المالكية عدم نقد الثمن في بيع الخيار بعامة، وفي المبيع الغائب على الصفة بخاصة، يصبح العقد فاسدًا باشتراط دفعه، ولا بأس بدفعه من قبل المشتري تطوعًا.
يتفق في هذا الحنفية والمالكية، وموقف المالكية فيه أصرح وأوضح وأكثر بيانًا.
في حين يذهب الحنابلة إلى جواز تأجيل الثمن في حالة واحدة إذا كان المبيع الغائب معينًا موصوفًا، أما إذا كان موصوفًا غير معين فلابد من دفع الثمن، معللين هذا بأنه في معنى السلم.
ثالثًا: لم يقيد المالكية جواز البيع الغائب على الصفة بنوع معين من السلع، كل ما في الأمر أنه لابد من ذكر الصفات المميزة التي تختلف بها الأسعار، يوافقهم في هذا الحنفية.
في حين يخص الحنابلة الجواز بالمبيعات التي يصح السلم فيها وهي:
المكيلات، والموزونات، والمعدودات التي لا تختلف آحادها.
إلى غير ذلك من المسائل التي يترجح فيها الأخذ بمذهب المالكية بخصوص هذا العقد.
يندرج ضمن عقد التوريد بمعناه وأحكامه الشرعية المقررة للبيع على الصفة الصورة التالية:
الصورة الأولى: دفع الثمن مؤجلًا متزامنًا مع تسليم البضاعة.
الصورة الثانية: دفع الثمن أو بعضه مقدمًا على تسليم البضاعة من دون شرط من البائع.
стр. 19384
الصورة الثالثة: دفع المشتري عربونًا، أو تأمينًا، أو ضمانًا ماليًّا يحسب من ثمن السلعة.
الصورة الرابعة: دفع نسبة من المال من قبل المتعاقدين على أساس نسبة الثمن لضمان التزام كل منهما وتنفيذه يودع لدى طرف ثالث لضمان تنفيذ العقد؛ إذ أن هذا وما سبقه في الصورة الثالثة يعد في مصلحة العقد.
كل هذا فيما يقصد به أساسًا التبادل الفعلي للسلع والأثمان، أما ما كان من قبيل المستقبليات والخيارات في مصطلح المعاملات الحديثة التي يقصد منها الاسترباح بفروق الأسعار، فليست تندرج تحت عقد التوريد، ولا يمكن إلحاقها بالمبيع الغائب على الصفة حيث تختلف عنه في الأغراض، والوسائل، وتوافر الشروط والأركان للعقد الأساس: (عقد التوريد) .
الصورة الخامسة: عقود الإعاشة والتغذية للمدارس، وشركات الطيران والمستشفيات التي تعقدها الدولة، أو المؤسسات.
طبيعة هذه العقود أن يتم التسليم على دفعات يومية، أو شهرية لفترات طويلة ممتدة على مدى عام أو أكثر، أو أقل، يتم دفع الثمن في نهاية العقد، أو أثناء التنفيذ على أقساط، يبدأ غالبًا في تسليم الدفعات اليومية، أو الشهرية مباشرة مما يملكه البائع ويحتفظ بمواده في مستودعاته.
هذا النوع من العقود هو عقد البيع على الصفة وهو نفسه فيما يسمى اليوم بعقد الإعاشة والتغذية، وهو عقد توريد في مدلوله ومضمونه، ولا يخرج في أحكامه عما يجري تقريره في البيع على الصفة.
وهو أشبه ما يكون بما هو معروف في المذهب المالكي بـ (بيعة أهل المدينة) ورد النص عليها في المدونة، واعتمد صحتها فقهاء المذهب:
" قال: وقد كان الناس يبتاعون في اللحم بسعر معلوم فيأخذ كل يوم وزنا معلومًا، والثمن إلى العطاء، فلم ير الناس بذلك بأسا، واللحم وكل ما يباع في الأسواق مما يتبايع الناس به فهو كذلك لا يكون إلا بأمر معروف، ويبين ما يأخذ كل يوم، وإن كان الثمن إلى أجل معلوم، أو إلى العطاء، إذا كان ذلك العطاء معلومًا مأمونًا، إذا كان يشرع في أخر ما اشترى، ولم يره مالك من الدين بالدين.
قال مالك، ولقد حدثني عبد الرحمن بن المجبر عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلًا بدينار يأخذ كل يوم كذا وكذا، والثمن إلى العطاء فلم ير أحد ذلك دينًا بدين، ولم يروا به بأسًا " (١) .
قال العلامة أبو عبد الله محمد الرعيني الحطاب: " هذه تسمى بيعة أهل المدينة لاشتهارها بينهم. . . وليس ذلك محض سلم، ولذلك جاز تأخير رأس المال إليه فيه، ولا شراء شيء بعينه حقيقة ولذلك جاز أن يتأخر قبض جميعه إذا شرع في قبض أوله. . . وإجازة ذلك مع تسميته الأرطال التي يأخذ منه في كل يوم رطلين أو ثلاثة على الشرطين المذكورين [هما: الشروع في قبض أوله، وأن يكون أصله عند البائع] هو المشهور في المذهب ".
стр. 19385
يضيف العلامة الحطاب تأييده لهذا البيع بقوله: " وأنا أراه حسنًا معناه، وأنا أجيز ذلك استحسانًا اتباعًا لعمل أهل لمدينة، وإن كان القياس يخالفه " (١) .
وقد نص على هذا في المعتمد من المذهب، قال العلامة الزرقاني في شرحه على خليل بقوله: " وجاز الشراء من دائم العمل كالخباز وهو بيع. . . (و) جاز (الشراء من دائم العمل) حقيقة، وهو من لا يفتر عنه غالبًا، أو حكمًا ككون البائع من أهل حرفة ذلك الشيء لتيسره عنده فيشبه تعيين المعقود عليه حكمًا في الصورتين، فعلم أنه لابد من وجود المبيع عنده، أو كونه من أهل حرفته، والشراء إما لجملة يأخذها مفرقة على أيام، أو يعقد معه على أن يشتري منه كل يوم عددًا معينًا، وليس لأحدهما الفسخ في الأولى دون الثانية، وشملهما تمثيله بقوله (كالخباز) والجزار بنقد وبغيره، لقول سالم بن عمر: كنا نبتاع اللحم من الجزارين، أي بالمدينة المنورة، بسعر معلوم كل يوم رطلين، أو ثلاثة بشرط أن ندفع الثمن من العطاء معروفًا، أي ومأمونًا، ولا يضرب فيه أجل لأنه بيع كما قال (وهو بيع) فلا يشترط فيه تعجيل رأس المال، ولا تأجيل الثمن فيخالف السلم في هذين، وفي فسخ العقد بموت البائع في الصورة الثانية لا الأولى، وفي كيفية الشراء، وفي أنه يشترط هنا الشروع في الأخذ ولو حكمًا كتأخيره خمسة عشر يومًا، واستخفوا ذلك للضرورة، فليس فيه ابتداء دين بدين. . . " (٢) .
هذه جملة الصورة الشائعة في عقد التوريد في الوقت الحاضر، وهي التي تندرج تحت تعريفه وأحكامه.
وجود السلعة في (المبيع الغائب على الصفة) شرط في صحة العقد لدى المذهب المالكي بخاصة والمذاهب الموافقة له بعامة، غير أن العلامة ابن القيم ﵀ لا يرى الإلزام بهذا الشرط إذا خلا العقد من الغرر – كما سبق عرضه (٣) في النص التالي:
" ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي، عن بعض الأشياء الموجودة فليس العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا " (٤) .
وإن خلو عقد التوريد من الغرر بمعانيه المتعددة السابقة واللاحقة ومن الجهالة، ومن المحظورات الشرعية الأخرى كالربا والميسر ينفي عن أسباب الفساد والبطلان، وهو ما ينسجم مع القواعد الكلية الأصولية. يقول العلامة محمد علي بن حسين المالكي المكي:
" قسم مالك رحمه الله تعالى التصرفات إلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: معاوضة صرفة يقصد بها تنمية المال، فاقتضت حكمة الشرع أن يجتنب فيها من الغرر والجهالة ما إذا فات المبيع به ضاع المال المبذول في مقابلته، إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، وذلك أن الغرر والجهالة كما يؤخذ مما مر ثلاثة أقسام: أحدهما: مالا يحصل معه المعقود عليه أصلًا، والثاني: ما يحصل معه ذلك دينًا ونزرًا، والثالث: ما يحصل معه غالب المعقود عليه، فيجتنب الأولان، ويغتفر الثالث.
стр. 19386
وقسم أبو الوليد الغرر إلى ثلاثة أقسام: كثير وقليل ووسط، وجعل الكثير عبارة عن القسمين الأولين في هذا التقسيم، فقال في بداية المجتهد: وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز، ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر.. . . " (١) .
يؤكد هذا ويعضده ثبوت الخيار للمشتري بمقتضى العقد إذا لم تطابق السلعة الشروط والمواصفات المذكورة في العقد.
أخيرًا يخلص البحث في نهاية الدراسة والمقارنة إلى النتائج الشرعية التالية:
مشروعية عقد التوريد بمعناه الفقهي وصوره الآنفة الذكر وما جرى مجراها استنادًا على النصوص الفقهية المعتمدة، والقواعد الأصولية والإجمالية بشرط خلوه من المحظورات الشرعية فيما يتعلق بالعاقدين، والعوضين، وصفة العقد، خاضعًا في جميع مراحله للمبادئ والقوانين الشرعية، وعدم المعارضة لقاعدة أو ضابط شرعي فضلًا عن نص صريح من الكتاب والسنة.
عقد التوريد في تفاصيله وخصوصياته هو البديل السليم المناسب للبنوك الإسلامية عن بيع (المرابحة للآمر بالشراء) الذي طال فيه الخلاف بين الفقهاء المعاصرين بسبب الوعد للآمر بالشراء ومدى لزومه شرعا للمشتري.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا دائمين على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19387
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
مصادر بحث عقد التوريد
* القرآن الكريم.
* إتحاد المجامع اللغوية العلمية.
- مصطلحات قانونية. العراق: مطبعة المجمع العلمي العراقي، عام ١٣٩٤ هـ / ١٩٧٤ م.
* إمام الحرمين، عبد الملك الجويني.
- الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم) . الطبعة الأولى، تحقيق ودراسة عبد العظيم الديب، قطر: الشؤون الدينية، عام ١٤٠٠هـ.
* أنيس إبراهيم، وعبد الحليم منتصر، وعطية الصوالحي، ومحمد خلف أحمد.
- المعجم الوسيط، الطبعة الثانية.
- معلومات النشر، بدون.
* البابرتي، أكمل الدين.
- العناية على الهداية بهامش فتح القدير. الطبعة الأولى. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، عام ١٣٨٩ هـ / ١٩٧٠ م.
* الحجاوي، شرف الدين موسى.
- الإقناع في فقه الإمام أحمد، تصحيح وتعليق عبد اللطيف محمد موسى السبكي. مصر: المطبعة المصرية.
* الحطاب، أبو عبد الله محمد بن محمد.
- مواهب الجليل شرح مختصر أبي الضياء خليل. مصر: مطبعة السعادة، عام ١٣٢٩ م.
* الخطابي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم.
- معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري. تحقيق محمد حامد الفقي. مصر: مطبعة السنة المحمدية، عام ١٣٦٨ هـ ـ / ١٩٤٩ م.
* البغدادي، القاضي عبد الوهاب.
- التلقين في الفقه المالكي، الطبعة الأولى. المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، عام ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م.
- المعونة على مذهب عالم المدينة، تحقيق ودراسة حميش عبد الحق. رسالة دكتوراه منسوخة على الآلة. مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤١٣هـ / ١٩٩٣ م.
- الإشراف على مسائل الخلاف. مصر: مطبعة الإدارة.
* البهوتي، منصور بن إدريس.
* شرح منتهى الإرادات، المدينة المنورة: المكتبة السلفية.
-كشاف القناع. راجعه وعلق عليه هلال مصيلحي مصطفى هلال. الرياض: مكتبة النصر الحديث.
* الترمذي، أبو عيسى محمد بن سورة.
- صحيح الترمذي بشرح ابن العربي. الطبعة الأولى. مصر: المطبعة المصرية، عام ١٣٥٠ هـ / ١٩٣١ م.
* ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم.
- القواعد النورانية، الطبعة الأولى. مصر: مطبعة السنة المحمدية، عام ١٣٧٠ هـ / ١٩٥١ م.
* ابن الجلاب، أبو القاسم عبيد الله بن الحسين.
- التفريع، الطبعة الأولى، تحقيق ودراسة حسين بن سالم الدهماني، بيروت: دار الغرب الإسلامي، عام ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧ م.
* خليل بن إسحاق.
- متن خليل في الفقه المالكي على هامشه جواهر الإكليل، مصر: دار إحياء الكتب العربية.
* أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني.
- سنن أبي داود، ضبط أحاديثه محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
* الدردير، سيدي أحمد.
- الشرح الكبير على خليل. بيروت: دار الفكر.
* ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد.
- المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، الطبعة الأولى. تحقيق سعيد أحمد أعراب، وعبد الله الأنصاري. بيروت: دار الغرب الإسلامي، عام١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.
стр. 19388
* ابن رشد، محمد بن أحمد محمد بن أحمد.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. مصر: مطبعة الاستقامة، عام ١٣٧١ هـ / ١٩٥٢م.
* الرصاع، أبو عبد الله محمد الأنصاري.
- شرح حدود ابن عرفة (الهداية الكافية الشافية) . الطبعة الأولى، تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، بيروت: دار الغرب الإسلامي، عام ١٩٩٣م.
* الزرقاني، سيدي عبد الباقي.
- شرح الزرقاني على مختصر خليل. بيروت: دار الفكر، عام ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م.
* زروق أحمد بن محمد البرنسي.
- شرح الرسالة. بيروت: دار الفكر.
* الزيلعي، فخر الدين عثمان.
- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. بيروت: دار المعرفة للطابعة والنشر.
- نصب الراية لأحاديث الهداية. الطبعة الأولى. مصر: دار المأمون، عام ١٣٥٧ هـ / ١٩٣٨ م.
* الرملي، شمس الدين محمد بن أبى العباس.
- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
* ابن أبي زيد، أبو عبد الله محمد القيرواني.
- الرسالة الفقهية. الطبعة الأولى. تحقيق الهادي حمود، ومحمد أبو الأجفان بيروت، دار الغرب الإسلامي، عام ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
* السرخسي، شمس الدين.
- المبسوط، الطبعة الأولى. مصر: مطبعة السعادة.
* أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم.
- فقه الضرورة وتطبيقاته المعاصرة. الطبعة الأولى. جدة: معهد البحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، عام ١٤١٤ هـ / ١٩٩٤ م.
* السيوطي، جلال الدين.
- الأشباه والنظائر. ضبط وتعليق الشيخ علي مالكي، مصر: مطبعة مصطفى محمد علي.
* الشافعي، محمد بن إدريس.
- الرسالة: الطبعة الأولى. تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، عام ١٣٥٨ هـ ـ / ١٩٤٠ م.
- الأم. الطبعة الأولى. تصحيح محمد زهري النجاري. مصر: مكتبة الكليات الأزهرية.
* الشربيني، محمد الخطيب.
- مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج. بيروت: دار الفكر للطابعة والنشر والتوزيع، عام ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨م.
* الشرنبلاني، حسن بن عمار.
- غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام، حاشية على درر الحكام في شرح غرر الأحكام، دار الخلافة، مطبعة أحمد كامل، عام ١٣٣٠ هـ.
* الشلبي، شهاب الدين
- حاشية تبيين الحقائق، بهامش تبيين الحقائق للزيلعي، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر.
* الصدر الشهيد، حسام الدين عمر بن عبد العزيز.
- الفتاوى الكبرى، مخطوط، مكة المكرمة: مكتبة مكة المكرمة. فقه حنفي رقم (٢٥) .
* الصنعاني، محمد بن إسماعيل.
- سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام. مصر: مطبعة الاستقامة، عام ١٣٥٧ هـ.
* الضرير، الصديق محمد الأمين.
- الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة، الطبعة الأولى. جدة: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، عام ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣م.
* الطماوي، سليمان محمد.
- الأسس العامة للعقود الإدارية، دراسة مقارنة، الطبعة الرابعة، مصر: مطبعة عين شمس، عام ١٩٨٤ م.
* ابن عابدين، محمد أمين.
-رد المحتار على الدر المختار. بيروت: دار الكتب العلمية.
* عبد الله، أحمد علي.
- المرابحة أصولها وأحكامها وتطبيقاتها في المصارف الإسلامية، الطبعة الأولى. السودان: الدار السودانية للكتب، عام ١٤٠٧ هـ ـ / ١٩٨٧ م.
* الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب.
-القاموس المحيط، الطبعة الأولى. بيروت، مؤسسة الرسالة، عام ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
* القاري، ملا علي.
- شرح مختصر الوقاية (فتح باب العناية في شرح النقاية) . الطبعة الثانية قازان: خاريطوف مطبعة سي، عام ١٣٢٤ هـ ـ
- البناية في شرح الهداية. الطبعة الأولى. تصحيح المولى محمد عمر الشهير بناصر الإسلام الرامفوري. بيروت: دار الفكر، عام ١٤٠١ هـ / ١٩٨١م.
* ابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد.
- المغنى، الطبعة الثالثة. علق على بعض الهوامش السيد محمد رشيد رضا. مصر: دار المنار، عام ١٣٦٨ م.
* قدري أفندي، عبد القادر بن يوسف.
- واقعات المفتين. باكستان: آسياآباد، مكران.
* ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر.
- إعلام الموقعين، الطبعة الأولى. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
- زاد المعاد في هدى خير العباد. تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة. عام ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م.
* الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود.
- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة الثانية. بيروت: دار الكتاب العربي، عام ١٣٩٤ هـ / ١٩٧٤م.
* مالك بن أنس، الإمام.
- المدونة الكبرى رواية سحنون عن ابن القاسم. الطبعة الأولى. بيروت: دار الفكر، عام ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.
* المالكي المكي، محمد علي بن حسين.
стр. 19389
- تهذيب الفروق والقواعد السنية. الطبعة الأولى. مصر: مطبعة عيسى البابي الحلبي، عام ١٣٤٤ هـ
* الماوردي، أبو الحسن علي بن حبيب.
- الحاوي. (قسم البيوع) . دراسة وتحقيق محمد مفضل مصلح الدين، رسالة دكتوراه منسوخة على الآلة. مكة المكرمة: جامعة أم القرى، عام ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨م.
* المحلي، جلال الدين محمد بن أحمد.
- المحلي على منهاج الطالبين. الطبعة الرابعة. بيروت دار الفكر.
* المرداوي، أبو الحسن علي بن سليمان.
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام. الطبعة الأولى صححه محمد حامد الفقي. مصر: مطبعة السنة المحمدية، عام ١٣٧٥هـ / ١٩٥٦ م.
* المرغياني، برهان الدين علي بن أبي بكر.
- الهداية شرح بداية المبتدي. الطبعة الأخيرة. مصر: شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
* ملا خسرو، محمد بن فراموزا.
- درر الحكام في شرح غرر الأحكام، دار الخلافة: مطبعة أحمد كامل، عام ١٣٣٠هـ.
* المواق،أبو عبد الله سيدي محمد بن يوسف.
- التاج والإكليل لمختصر خليل. الطبعة الأولى. مصر: مطبعة السعادة، عام ١٣٢٨ هـ.
* الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود.
- الاختيار لتعليل المختار. الطبعة الثالثة. تعليق محمود أبو دقيقة. بيروت: دار المعرفة للطابعة والنشر، عام١٣٩٥ هـ / ١٩٧٥ م.
* منذر قحف.
- عقد التوريد، دارسة اقتصادية مقدمة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، عام ١٤١٤ هـ / ١٩٩٤ م، منسوخ على الآلة.
* ابن ناجي، قاسم.
- شرح الرسالة بهامش زروق، بيروت: دار الفكر.
* ابن نجيم، زين العابدين ابن إبراهيم.
- الأشباه والنظائر. مصر: مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع، عام ١٣٨٧هـ / ١٩٦٨ م.
* النسفي أبو البركات عبد الله بن أحمد.
- الكافي علي الوافي. مخطوط مكة المكرمة: مكتبة مكة المكرمة، فقه حنفي.
* ابن الهمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواس.
- فتح القدير على الهداية شرح المبتدي. الطبعة الأولى. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، عام ١٣٨٩ هـ / ١٩٧٠ م.
* الهيتمي، شهاب الدين أحمد بن حجر.
- تحفة المحتاج بشرح المنهاج. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر.
стр. 19390
عقود التوريد والمناقصات
إعداد
الشيخ حسن الجواهري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين.
وبعد: فقد تلقينا طلب الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة للكتابة حول موضوع (عقود التوريد والمناقصات) فعزمنا على الإجابة على كتابة الموضوع شاكرين الأمانة العامة على حسن ظنها آملين التوفيق فيما عزمنا عليه.
(عقود التوريد والمناقصات)
أولًا: عقود التوريد
تمهيد:
قبل بدء البحث لابد من بيان أن العقود المعاملية التي أشار إليها القرآن بقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] هل تختص بالعقود التي كانت موجودة في زمن الشارع المقدس، وحينئذ يكون كل عقد – غيرها – محكومًا بالبطلان، أو أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ كل عقد كان موجودًا في زمن النص أو سيوجد فيما بعد مما ينطبق عليه عنوان العقد فهو محكوم بالصحة ويجب الوفاء به؟
وبعبارة أخرى: أن الآية القرآنية: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . هل المراد منها العقود الخارجية أو المراد منها العقود الحقيقية، وقد أخذ العقد على نحو القضية الحقيقية؟
والمعروف في الجواب على هذا التساؤل هو: أن خطابات الشارع لو خلي وطبعها تكون قد أخذت على نحو القضايا الحقيقية بمعنى أن الشارع أوجد حكمه على موضوع معين، فمتى وجد هذا الموضوع وجد حكم الشارع، فتكون خطابات الشارع ومنها: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . قد أخذت على نحو القضية الحقيقية.
وعلى هذا فسوف يكون كل عقد عرفي – ولو كان جديدًا لم يكن متعارفًا عند نزول النص – يجب الوفاء به إذا كان مشتملًا على الشروط التي اشترطها الشارع في الثمنين أو المتعاقدين أو العقد، ككون الثمنين معلومين، وبلوغ وعقل المتعاقدين وأمثالهما.
وقد نجد في ثنايا الفقه الإمامي وغيره نتيجة هذه الإجابة، فقد ذكر السيد اليزدي في العروة الوثقى فقال: "يمكن أن يقال بإمكان تحقيق الضمان منجزًا مع كون الوفاء معلقًا على عدم وفاء المضمون له، لأنه يصدق أنه يضمن الدين على نحو الضمان في الأعيان المضمونة " (١) .
стр. 19391
وقد ذكر الإمام الخوئي ﵀ في شرح مراد السيد اليزدي فقال: " ولعل مراده من كلامه هذا يرجع إلى إرادة معنى آخر غير المعنى المصطلح من الضمان، أعني نقل ما في ذمة إلى أخرى " (١) . وقد يكون هذا المعنى هو التعهد بالمال وكون مسؤوليته عليه من دون انتقاله – بالفعل – إلى ذمته، كما هو الحال بالمال وكون مسؤوليته عليه من دون انتقاله – بالفعل – إلى ذمته، كما هو الحال في موارد ضمان العارية مع شرط، أو كون العين المستأجرة ذهبًا أو فضة فإن ضمانها ليس بالمعنى المصطلح جزمًا، إذ لا ينتقل شيء بالعارية إلى ذمة المستعير، فإن العين لا تقبل الانتقال إلى الذمة وهو غير مشغول الذمة ببدلها قبل تلفها، فليس ضمانها إلا بمعنى كون مسؤولياتها في عهدته بحيث يكون هو المتعهد بردها ولو مثلًا أو قيمة عند تلفها ... . .
وكيف كان فإذا صح مثل هذا الضمان في الأعيان الخارجية كموارد اليد والعارية فليكن ثابتًا في الأمور الثابتة في الذمة أيضًا، فإنه لا يبعد دعوى كونه متعارفًا كثيرًا في الخارج، فإن أصحاب الجاه والشأن يضمنون المجاهيل من الناس من دون أن يقصد بذلك انتقال المال بالفعل إلى ذممهم وإنما يراد به تعهدهم به عند تخلف المضمون عنه عن أداء ".
ثم قال الإمام الخوئي: " والحاصل: أن الضمان في المقام غير مستعمل في معناه المصطلح. . . وإنما هو مستعمل في التعهد والمسؤولية عن المال، وهو أمر متعارف عند العقلاء، فتشمله العمومات والإطلاقات، فإنه عقد يجب الوفاء به " (٢) .
وقد ذكر الشهيد الصدر – رضوان الله تعالى عليه – النتيجة نفسها التي انتهينا إليها سابقًا فقال: إن هناك معنى للضمان غير المعنى المصطلح عند الإمامية وعند السنة، وهو معنى ثالث عبارة عن: " تعهد بالأداء لا تعهد بالمبلغ في عرض مسؤولية المدين، وأن هذا التعهد ينتج ضمان قيمة المتعهد به إذا تلف بامتناع المدين عن الأداء، ولكن حيث إن الأداء ليس له قيمة مالية إلا بلحاظ مالية مبلغ الدين فاستيفاء الدائن لقيمة الأداء من الضامن بنفسه استيفاء لقيمة الدين، فيسقط الدين بذلك.
стр. 19392
وهذا المعنى للضمان صحيح شرعًا بحكم الارتكاز العقلاني أولًا، وللتمسك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ثانيًّا، إلا أن التمسك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ التعهد والضمان، يتوقف على أن نثبت قبل ذلك بالارتكاز العقلائي - مثلا - عقدية هذا النحو من التعهد والضمان، أي كون إيجاده المعاملي متقومًا بالتزامين من الطرفين، ليحصل بذلك معنى العقد بناء على تقوم العقد بالربط بين التزامين بحيث يكون أحدهما معقودًا بالآخر " (١) .
وعلى هذا فسوف تكون عندنا قاعدة أن كل عقد عرفي قد ثبتت عقيدته عرفًا بالارتكاز العقلائي إذا كان مشتملًا على شروط صحة العقد الشرعية وخاليًّا عن موانع العقد يجب الوفاء به استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
تعريف عقود التوريد:
هو عقد بين طرفين على توريد سلعة أو مواد محددة الأوصاف في تواريخ معينة لقاء ثمن معين يدفع على أقساط.
فالتوريد عقد جديد ليس بسلم ولا نسيئة، لأن السلم – كما قال مشهور الفقهاء – يتقدم فيه الثمن ويتأجل المثمن، والنسيئة يتقدم فيها ويتأخر الثمن، أما هنا فالثمن والمثمن يتأجلان (٢) .
حكم عقد التوريد:
والمهم هنا بيان حكم عقد التوريد المتداول الآن بين الدول والشركات بل أصبح ضرورة من ضرورات المعاملات، حيث إن الدولة المحتاجة إلى كمية من النفط لفصل الشتاء وتشتري هذه الكمية لا تكون مستعدة لقبولها مرة واحدة، حيث لا توجد عندها المخازن الكافية لحفظها، كما أن الدولة نفسها لا تملك تلك الكمية الهائلة من الثمن لتقدمه إلى الدولة المصدرة. وكذا الأمر في الدولة المحتاجة إلى تأمين غذاء جيشها في حالة الحرب لمدة ستة أشهر، فهي ليست بحاجة إلى الخبز الكثير مرة واحدة، بل تحتاج إلى قسم منه كل يوم، وليس لديها المال الكافي لتقديمه مرة واحدة، بل يقدم الثمن على أقساط تشابه أقساط استلام الخبز مثلًا، وهكذا صار عقد التوريد حاجة ماسة في هذا العالم.
وقد يجاب على التساؤل المتقدم اعتمادًا على التمهيد المتقدم بعد إحراز عقدية التوريد ارتكازًا عند العقلاء بشمول قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لهذا العقد الجديد، كما أن هذا العقد يطلق عليه عند العرف بأنه تجارة عن تراض من الطرفين، فيشمله قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 19393
ولكن قد يقال: إن المانع من صحة عقد التوريد هو صدق بيع الدين بالدين عليه، وقد ورد النهي عن بيع الدين بالدين كما روى ذلك طلحة بن زيد عن الإمام الصادق ﵇ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يباع الدين بالدين)) (١) .
وقد ذكرت أدلة أخرى لمنع هذه المعاملة، هي:
أ - الإجماع على عدم جواز المعاملة إذا كانت نسيئة من الطرفين.
ب - ولأنها من أبواب الربا.
ج- ولأنها شغل لذمتين (ذمة البائع وذمة المشتري) من غير فائدة (٢) .
والجواب: أما الحديث الذي نقل عن رسول الله ﷺ في النهي عن بيع الدين بالدين فهو لم يصح سندًا من طريق الإمامية؛ لجهالة طلحة بن زيد في كتب الرجال (٣) .
وأما من طرق غيرهم فأيضًا لم يصح السند، كما قال الإمام أحمد " ليس في هذا الحديث يصح " (٤) .
كما أن دلالة الحديث لا تشمل " لما صار دينًا في العقد، بل المراد منه ما كان دينًا قبله، والمسلم فيه (أو المورد) من الأول لا الثاني الذي هو كبيع ماله في ذمة زيد بمال آخر في ذمة عمرو ونحوه مما كان دينًا قبل العقد " (٥) .
وأما الإجماع فهو مدركي، بمعنى أن إجماع العلماء على الحكم مدركه الرواية المروية عن الرسول ﷺ فلا اعتبار لهذا الإجماع، وإنما الاعتبار بالرواية، وبما أن الرواية لم يذكر لها العلماء معنى واحدًا متفقًا عليه، والقدر المتيقن منها ما كان دينًا قبل العقد، أما وقد صار دينًا بالعقد فلا تشمله الرواية، وقد ذهب بعض (السبكي) إلى أن المجمع على تحريمه هو البيع المؤجل البدل الواحد (السلم أو النسيئة) إذا زيد في أجله لقاء الزيادة في بدله (٦) .
وأما الربا في بيع الدين بالدين فهو لا يدخل في الصورة التي نحن بصددها، لأننا نتكلم عن مبادلة سلعة بنقد، فالبدلان مختلفان.
وأما شغل الذمتين من غير فائدة فهو مصادرة، إذ الفائدة في هذه الصورة – كما قدمنا – كبرى للطرفين.
وقد يستدل على بطلان عقد التوريد: بصدق (الكالئ بالكالئ) عليه الذي ورد فيه النهي فقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقد ذكر في تفسيره ما يكون دينًا بالعقد بناء على أن الكالئ هو النسيئة فمنع من بيع النسيئة بالنسيئة وهو مورد كلامنا (عقد التوريد) ، وهذا النهي – كما يقول صاحب الجواهر وإن لم يكون موجودًا من طرق الإمامية ووجد من طرق غيرهم إلا أنه قد عمل به الأصحاب (٧) فتكون الرواية منجبرة بعمل الأصحاب، فيثبت عدم صحة عقد التوريد.
стр. 19394
المناقشة:
وقد يناقش الاستدلال المتقدم – حتى لو قبلنا المسلك القائل بأن عمل المشهور بالرواية الضعيفة يجبرها فتكون حجة – بأن معنى بيع الكالئ بالكالئ لا يشمل عقد التوريد إذ لعل المراد بالكالئ هو الدين لا مطلق المبيع المتأخر بالثمن المتأخر عن مجلس العقد ثم لو كان معناه هو (كما ذكره صاحب مجمع البحرين) " بيع النسيئة بالنسيئة وبيع مضمون مؤجل بمثله، وذلك كأن يسلم الرجل الدرهم في طعام إلى أجل، فإذا حل الأجل بقول الذي حل عليه الطعام: ليس عندي طعام ولكن بعني إياه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة، نعم لو قبض الطعام وباعه إياه لم يكن كالئا بكالئ ".
فيكون معنى الحديث هو المنع من بيع دين مسبق بدين حصل في العقد، وهذا لا يشمل التوريد (الذي هو شراء سلعة بثمن) الذي يكون الدينان قد حصلا بالعقد.
النتيجة: إذا بطلت كل الأدلة على عدم جواز هذه المعاملة يبقى عندنا عموم القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ و ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ و ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، فما دام يصدق على هذه المعاملة أنها عقد وتجارة وبيع فتشملها العمومات المتقدمة وهي دليل الصحة (١) .
حكم عقد التوريد عند غير الإمامية:
ثم إن عقد التوريد يشبه عقد الاستصناع عند الحنفية (٢) الذي أجازوا فيه عدم ضرورة تعجيل الثمن، بل أجازوا تأجيله إلى أجل معلوم فإذا صح عقد الاستصناع مع تأجيل الثمن صح عقد التوريد كذلك.
وذكر بعض (٣) أن عقد التوريد هو من قبل بيع الصفة: وبيع الصفة يشترط المالكية فيه ألا يقدم الثمن، كما أن البضاعة مؤجلة فيجب أن يؤجل الثمن، فيكون عقد التوريد لا إشكال فيه على رأي المالكية أيضًا.
علاقة عقد التوريد بالعقد على المبيع الغائب (بيع ما ليس عندك) :
أقول: ثبت بأدلة متعددة (٤) النهي عن (بيع ما ليس عند البائع) ولكن عقد التوريد للسلع في الآجال المعلومة لا يدخل في بيع ما ليس عندك، لأن النهي عن بيع ما ليس عندك مخصص في صورة بيع المال الخارجي المملوك للغير للبائع بدون إذن الغير بذلك وذلك:
١- لما ثبت من جواز بيع السلم، وهو في صورة عدم ملك المال خارجًا حين العقد بل يكفي أن يغلب الظن بكون السلعة عامة الوجود حين التسليم.
٢- لما ثبت من صحة بيع الفضولي إذا أجاز المالك وكان البيع له.
وحينئذ تكون أدلة ثبوت هذين الموردين مخصصة لعموم النهي عن بيع ما ليس عندك بالمبيع الشخصي الذي يكون مملوكًا للغير، فيبيعه البائع لنفسه قبل تملكه وبدون إذن مالكه.
وحينئذ لا يشمل هذا النهي عقد التوريد الذي هو عبارة عن بيع كل موصوف في الذمة على أن يسلم في مواعيد محددة لقاء ثمن مقسم على نجوم معينة، فتبين أن العلاقة بين عقد التوريد والعقد على المبيع الغائب هي علاقة التباين.
стр. 19395
أركان عقد التوريد وشروطه:
أركان العقد: إذا ثبت أن عقد التوريد عقد عرفي، وشملته الأدلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالعقد، فستكون أركانه هي أركان كل عقد (الإيجاب والقبول) فإذا كان عقد التوريد قد تم على سلعة معينة فالإيجاب يكون من البائع وهو المورد بتمليك سلعة موصوفة في الذمة إلى الآخر بثمن معين في الذمة والقبول يكون من المورد إليه بقبوله لإيجاب البائع، وهذا العقد كبقية العقود لا يشترط فيه تقديم الإيجاب، بل يجوز تقديم القبول من المشتري لكن بقوله: أشتري منك سلعة موصوفة في ذمتك بثمن معين موصوف في الذمة فيقول البائع: بعتك تلك السلعة الموصوفة بذلك الثمن الموصوف.
شروط العقد:
أما شروط عقد التوريد فهي تنقسم إلى قسمين (كبقية العقود) :
أ- شروط تتعلق بالمتعاقدين: وهي البلوغ والعقل والاختيار، ولا ندخل في تفصيل شروط المتعاقدين لعدم وجود فرق بين هذا العقد وأي عقد آخر من هذه الجهة.
ب- شروط العوضين: يشترط هنا في خصوص عقد التوريد شروط السلم:
١- أن يكون العوضان موصوفين بحيث يحصل الانضباط بذكر الجنس والوصف مثلًا. فلا يجوز عقد التوريد فيما لا ينضبط من الثمن والمثمن.
٢- تقدير المبيع والثمن بما يرفع الجهالة.
٣- تعيين الأجل في تسليم قسم من البضاعة وقسم من الثمن.
٤- أن يكون المعقود عليه موجودًا غالبًا وقت حلول الأجل وكذا ثمنه.