لكن قد يؤخذ عليه أن آجال بيع الغائب آجال قريبة، لا تتعدى اليوم واليومين والثلاثة. ومثل هذه الآجال ألحقها بعض الفقهاء بالعدم، واعتبروها في حكم المعجلة، في بيع السلم. أما في التوريد فالآجال أبعد من ذلك بكثير: سنة أو أكثر أو أقل.
عقد التوريد وبيع ما ليس عنده:
عن حكيم بن حزام قال: " قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل، فيسألني عن البيع، ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق. فقال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) .
وفي فتح الباري: " أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق " (٢) .
وأحسن من رأيته شرح هذا الحديث شرحًا حسنًا هو ابن القيم (٣) . ويستفاد من كلامه أن البائع الذي يشمله النهي هو البائع الذي ليس من غرضه التجارة بالسلع، والبيع والشراء، وليس داخلًا في عمله، ولا دينًا له، ولا هو من شأنه ولا تجارته، فيبيع السلعة بثمن، ثم يشتريها بأقل، فيسلمها إلى المشتري، رغبة في العمل المضمون، ولأنه ليس تاجرًا خبيرًا بالسلع، إنما يريد شراء ذلك على مسؤولية الآمر، وغرضه أن يمنح تمويلًا، ربحه مضمون، لا مخاطرة فيه، فيدخل بهذا في النهي عن بيع ما ليس عنده، كما يدخل أيضًا في النهي عن ربح ما لم يضمن، فالتجارة المشروعة هي التجارة المعرضة للمخاطرة.
فالمورد في عقد التوريد يجب أن يكون تاجرًا شرعيًّا، معرضًا للمخاطرة، حتى لا يدخل تحت أي من النهيين المبينين آنفًا، وهذا هو الغالب في الموردين.
стр. 19427
عقد التوريد وبيع الكالئ بالكالئ تأجيل البدلين:
عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (١) . وزيد في بعض الروايات: " يعني: الدين بالدين، أو النسيئة بالنسيئة ".
واستدل بعض المفسرين بالقرآن نفسه على النهي عن بيع الدين بالدين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فإن قوله: (بدين) إشارة إلى امتناع الدين بالدين، ذلك أن قوله: (تداينتم) مفاعلة (مداينة) من الطرفين، وذلك يقتضي وجود الدين من الجهتين (الطرفين) فلما قال: (بدين) علم أنه دين واحد من الجهتين (٢) .
لكن هذا يرد عليه بأن مقصود الآية هو كتابة الدين، بغض النظر عن كونه دينًا واحدًا أو دينين. كما أن لفظ المداينة صحيح أنه مشاركة من طرفين، غير أن معناه أن أحدهما دائن والآخر مدين، فكلاهما اشترك في المداينة، ولولاهما لما انعقدت، وذلك كالمضاربة (المقارضة، القراض) ففيها مضارب ومضارب، وكالمرابحة والمرابحة والمغارسة والمبايعة (٣) .
وما ذكره الزمخشري (٤) أفضل، " إذ بين لماذا قيل: ﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولم يحذف لفظ: (الدين) ، فقال: ليرجع الضمير إليه، في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ، فإذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال ".
ذكر بعض العلماء أن المتبايعين لو تبايعا على أن يسلم البائع المبيع مؤجلًا، ويسلم المشتري الثمن مؤجلًا، لكان هذا من بيع الكالئ بالكالئ، فإنه بيع سلم لا يعجل فيه المشتري الثمن بل يتأجل فيه البدلان (٥) ، وهذا ما يسميه المالكية: ابتداء الدين بالدين. ذكر ابن رشد أن كل معاملة وجدت بين اثنين، وكانت نسيئة من الطرفين، فلا تجوز بإجماع، لأنها من الدين بالدين المنهي عنه (٦) .
стр. 19428
وبين الجصاص أن من أبواب الربا: الدين بالدين، وأن الأجل غير جائز أن يكون في البدلين جميعًا (١) .
وأدخل الشافعية في ربا النساء (ربا اليد) لا تأخير أحد البدلين فحسب، بل كليهما أيضًا، ففي حاشية الشرقاوي: " ربا اليد هو البيع مع تأخير قبضهما (أي قبض العوضين أو قبض أحدهما) " (٢) .
غير أن البدلين إذا تم تقابضهما في أجل واحد، فلا يكون ثمة ربا نساء، وربا النساء يكون في تعجيل أحدهما، وتأجيل الآخر، أو تأجيلهما إلى أجلين مختلفين. وهذه الحرمة مخصوصة بالأموال والمبادلات الربوية، حيث يكون البدلان متجانسين، أو متقاربين. أما إذا كان البدلان مختلفين، فلا تنطبق هذه الحرمة عليهما.
إن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ حديث ضعيف السند، لم يثبت، وأجمع الفقهاء على لفظه، ولكن إجماعهم لم يقع على معناه، فبعضهم (٣) يقول: إن البيع الذي يتأجل بدلاه هو المجمع على تحريمه، وآخرون (٤) يقولون: إن المجمع على تحريمه هو البيع المؤجل (سلمًا أو نسيئة) ، يزاد في أجله لقاء زيادة، وهكذا.
فمعلوم أن الذهب بالذهب لا يجوز فيه النساء، ومعنى النساء هنا هو تأخير أحد البدلين عن الآخر، وكذلك الذهب بالفضة لا يجوز فيه النساء. أما الذهب بالقمح فيجوز فيه النساء.
ولم يشترط الحنفية في الاستصناع تعجيل الثمن، بل يجوز عندهم تأخيره.
وذكر بعض الفقهاء (٥) أن عقد السلم إذا انعقد بلفظ السلم، أو السلف، وجب تعجيل رأس المال فيه في المجلس، ولكن إذا انعقد بلفظ البيع لا يشترط فيه تعجيل رأس المال.
стр. 19429
وأجاز المالكية تأخير رأس مال السلم، لمدة ثلاثة أيام بالشرط، ولمدة أكثر بدون شرط (١) . وأجازوا أيضًا اكتراء الأرض، يقبضها بعد سنة، ويدفع الكراء بعد عشر سنين، " والثمار تكون ببلد، فيشتريها من صاحبها، على أن يأخذها بذلك البلد، والثمن إلى أجل معلوم أبعد من ذلك. قال: قال مالك: فلا بأس بذلك، وليس هذا من وجه الدين بالدين " (٢) .
كما احتج بعض الفقهاء بحديث جابر، على جواز تأجيل البدلين في البيع فعنه: " أنه كان يسير على جمل له، قد أعيي (٣) ، فأراد أن يسيبه (٤) ، قال: ولحقني النبي ﷺ ، فدعا لي، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، فقال: بعنيه، فقلت: لا. ثم قال: بعنيه، فبعته، واستثنيت حملانه (لي) إلى أهلي، فلما بلغت، أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك، ودراهمك، فهو لك " (٥) .
استفاد منه بعض الشراح أن البيع بالنسيئة جائز، وأن تعجيل القبض ليس شرطًا في صحة البيع، وأن هذا من باب بيع بعير واستثناء ظهره (ركوبه) إلى مكان مسمى أو بيع دار واستثناء سكناها إلى زمان مسمى.
وأجاز ذلك مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة، وحدها بثلاثة أيام، وربما أجاز مالك تأجيل رأس مال السلم، ثلاثة أيام، بالاعتماد أيضًا على حديث جابر.
لكن المبيع هنا عين (حيوان) قابلة للتغير والهلاك، فربما لو كانت شيئًا موصوفًا في الذمة لجاز التأجيل أكثر من ذلك، والله أعلم.
стр. 19430
تأجيل البدلين وشغل الذمتين:
ذهب ابن تيمية إلى أن تأجيل البدلين قد منع: " لئلا تتبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت، لا له ولا للآخر " (١) .
قال عبد السميع إمام: " للباحث أن يناقش هذا الاستدلال بأن دعوى عدم الفائدة، من مثل هذا التعامل، قد لا تسلم، فإن التجار والصناع كثيرًا ما يتنافسون في تصريف بضائعهم، أو الحصول عليها، فلو أراد صانع أن يضمن تصريف بضاعته، فإنه يتفق مع أحد التجار على أن يبيع له كمية معلومة، مما ينتجه مصنعه، على أن يسلمها إليه بعد مدة، ويتسلم الثمن منه عند تسليم البضاعة إليه. وقد يكون التاجر نفسه في حاجة إلى بضاعة خاصة، ينتجها مصنع معلوم، وليس لديه المال الذي يدفعه ثمنًا لها، وهو يخشى، إن انتظر حتى يحصل على الثمن، أن يسبقه غيره على شراء منتجات المصنع، فيحتكرها على الناس، ويغلي أسعارها عليهم. فلهذا نرى التاجر المحتاج إلى البضاعة، يسرع بالذهب إلى صاحب المصنع، فيشتري ما يريد من البضائع، على أن يتسلمها منه بعد أجل، ويدفع الثمن إليه عند تسلمها. فهذا التعاقد بين الصانع والتاجر، وكثير ما هم، قد حصل فيه الاتفاق منهما على تأجيل المبيع والثمن، مع استفادتهما جميعًا منه، إذ ضمن الصانع تصريف بضاعته، وضمن التاجر الحصول عليه بثمن مهاود، لم يرهق بأدائه حين التعاقد (....) . والوقائع أعظم شاهد على شيوع هذا التعامل واتساع نطاقه، ووفور الحاجة إليه، وتحقق الفائدة به ( ... ) . فالذي نراه في هذا أن شغل الذمتين من الطرفين لا بأس به، وقد عهد في الشريعة جوازه، في الإجارة والكراء والجعالة والمزارعة وغيرها، إذ يجوز أن يستأجر الإنسان غيره، على عمل خاص، أو يكتري دابة، ثم يحاسب على الأجرة، في نهاية العمل. فقد اشتغلت ذمة المتعاقدين: أحدهما بالعمل الذي التزم القيام بأدائه، والآخر بالمبلغ الذي يدفعه في نظيره. وهكذا في الجعالة والمزارعة، وإذا فتأجيل البدلين معًا، في عقد البيع، لا يتنافى مع أصول الشريعة الإسلامية " (٢) .
стр. 19431
هل تأجيل البدلين فيه غرر أو يتعاظم فيه الغرر؟
إن البيع، إذا تم فيه التقابض في المجلس، فلا غرر فيه على الإطلاق، وهو من أبعد البيوع عن الغرر وشبهته، قال الإمام الشافعي: (الأعجل أخرج من معنى الغرر) (١) . وإذا تم فيه قبض أحد البدلين فقد حضره الغرر، وليس كل غرر حرامًا، لأن أحدهما ولنفرض أن المشتري، يقبض المبيع، ويؤجل سداد الثمن، إلى أجل معين، أو إلى آجال متعددة، على نجوم (أقساط) . وقد يحدث تغير في ثمن بيع السلعة خلال مدة الدين. فإن زاد الثمن تضايق البائع، وإن نقص تضايق المشتري وهكذا يحدث في بيع السلم أيضًا.
أما لو تعاقدا على تقابض مؤجل، فكذلك قد يقع تغير في الأسعار، فيكون له نفس الأثر على كل منهما.
لكن الفارق بين البيع الذي يتأجل فيه بدل واحد، والبيع الذي يتأجل فيه البدلان، أن أحد الطرفين في البيع الأول يكون قد متع بالبدل المعجل، فالبائع يتمتع بالثمن في بيع السلم، والمشتري يتمتع بالمبيع في بيع النسيئة. وهذا التعجيل له أثره على ثمن التعاقد. لكن الغرر، على كل حال، لا يختلف بين البيع الأول والبيع الثاني، ويستوي الطرفان معًا في تحمل المخاطرة. فإن بقيت الأسعار ثابتة، فلا مشكلة في الواقع، وإن هبط تأثر المشتري، وإن ارتفعت تأثر البائع، لأنه باع بثمن رخيص.
وعلى هذا فلا فرق، في الغرر، بين بدل واحد يتأجل، أو بدلين يتأجلان، ولا سيما إذا كان للتعجيل والتأجيل أثر في تحديد ثمن البيع.
فأين الغرر المتعاظم الذي ادعاه بعض الفقهاء إذا تأجل البدلان (٢) ؟ لعلهم نظروا إلى بدل وبدلين، مع أن النظر يجب أن يكون للمتعاقدين لا للبدلين، والمتعاقدان هما أنفسهما لم يتغيرا في كلا البيعين.
стр. 19432
هل يجوز في عقد التوريد أن يتفق على سعر الوحدة دون الكمية؟ :
تعرض الفقهاء للبيع بسعر الوحدة، لدى كلامهم عن بيع الصبرة، كأن يقول له: بعتك هذه الصبرة من الحنطة، كل إردب بدرهم، وقد أجازه من الحنفية الصاحبان، كما أجازه المالكية والشافعية والحانبلة لأن ثمن البيع يمكن الوصول إليه، بعد معرفة كمية المبيع (١) .
وفي عقد التوريد، غالبًا ما يقوم المورد بتقدير الكمية التي سيطلبها المورد له، لكي يكون مستعدًا لتسليمها (٢) ، فلا أرى مانعًا شرعًا من إباحة هذه الصورة من صور التوريد.
هل يجوز في عقد التوريد أن يترك السعر لسعر السوق؟
البيع بسعر السوق أو بسعرالمثل، أو بما ينقطع به السعر، جائز عند الإمام أحمد، وابن تيمية، وابن القيم، قال ابن تيمية: " المرجع في الأجور إلى العرف. كذلك في البيع، فقد نص أحمد على أنه يجوز أن يأخذ بالسعر، من الفامي (٣) (....) بل عوض المثل في البيع والإجارة أولى بالعدل، فإنه يوجد مثل المبيع والمؤجر كثيرًا ( ... ) فإذا كان الشارع جوز النكاح بلا تقدير، فهو بجواز البيع والإجارة، بلا تقدير ثمن وأجرة، بل بالرجوع إلى السعر المعلوم، والعرف الثابت، أولى وأحرى، وعلى هذا عمل المسلمين دائمًا، لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم ( ... ) ، ولا يقدرون الثمن، بل يتراضيان بالسعر المعروف ( ... ) فإن الله ( ... ) لم يشترط في التبايع إلا التراضي، والتراضي يحصل من غالب الخلق بالسعر العام، وبما يبيع به عموم الناس، أكثر مما يماكس عليه، وقد يكون غبنه، ولهذا يرضى الناس بتخبير (٤) الثمن أكثر مما يرضون بالمساومة، لأن هذا بناء على خبرة المشتري بنفسه، فكيف إذا علم أن عامة الناس يشترون بهذا الثمن فهذا مما يرضى به جمهور الخلق. . . " (٥) .
стр. 19433
وقد أجاز متأخروا الحنفية هذا البيع، على سبيل الاستحسان، وسموه: بيع الاستجرار.
ولابد من الإشارة إلى أن سعر السوق هو السعر الذي يتحدد في سوق السلعة، ولا دخل لإرادة أي من المتعاقدين فيه. ذلك لأنه لو كان كذلك لأفضى إلى النزاع، حيث يسعى البائع إلى رفعه، ويسعى المشتري إلى خفضه.
لكن قد يرد على هذا أن البيع الذي أجازه هؤلاء الفقهاء يتعلق بالمبيعات القليلة القيمة. فهل يجوز أيضًا في عقد التوريد، حيث المبيعات تكون مرتفعة القيمة؟
لقد بحث عبد السميع إمام (١) هذا البيع، بعنوان: (البيع بثمن يحدده السوق في المستقبل) ، ولم يجزه، وضرب مثالًا عليه، بتجارة الأقطان.
هل يشترط في عقد التوريد أن يكون المبيع عام الوجود، كما في السلم؟
اشترط الفقهاء في بيع السلم أن يكون المبيع عام الوجود في السوق، لكي يكون البائع قادرا على تسليمه. ومنهم من اشترط عموم وجوده، في وقت التعاقد وحتى وقت التسليم، بحيث لاينقطع في هذه المدة وجوده من السوق. ومنهم، وهم الجمهور، من اكتفى بعموم وجوده في وقت التسليم فقط. ومنع الفقهاء في بيع السلم أن يكون المبيع منصبًا على شجرة معينة، أو بستان معين، أو مصنع معين.
وبما أن عقد التوريد يشبه عقد السلم، في أنه بيع موصوف في الذمة، فهل يشترط فيه هذا الشرط الذي اشترطه الفقهاء في بيع السلم؟
يبدو لي أن هذا الشرط مهم في كلا العقدين، إذا كان المبيع سلعًا زراعية، معتمدة على الأمطار، ومعرضة للإصابات نتيجة التقلبات الجوية، كالصقيع، والريح، والآفات الزراعية، ولا سيما في البلدان المختلفة اقتصاديًّا.
أما إذا كان المبيع من السلع الصناعية، التي تقوم بإنتاجها مصانع كبيرة، وتتمتع بقدرة عالية على الإنتاج والتسليم، ففي هذه الحالة قد يكون هذا البيع جائزًا، والله أعلم.
ضمان المبيع بالتوريد:
قد يحصل المشتري: " " من البائع على ضمان صلاحية المبيع للعمل مدة معلومة، ويطمئن بذلك إلى أن اشترى شيئًا صالحًا للعمل، هذه المدة على الأقل، ويغلب أن المبيع إذا صلح للعمل هذه المدة، يكون صالحًا للعمل بعد انقضائها، على المدى المألوف في التعامل. وهذا الشرط جائزًا (قانونًا) ، ويجب العمل به " (٢) .
стр. 19434
فإذا أصيب المبيع بأي خلل، خلال هذه المدة، فإن " البائع يصلح المبيع، حتى يعود صالحًا للعمل، ,إذا لم يكن قابلًا للإصلاح أبدله بمثيل له يكون صالحًا " (١) . فتتحمل المنشأة الصانعة قيمة القطع المستبدلة، ونفقات الإصلاح من أجور مواد، تعيد الجهاز أو الآلة إلى الوضع الطبيعي.
وإذا كانت الآلة متقنة الصنع، فإن هذا الضمان يصير شكليًّا، لمجرد طمأنة المشتري وكسب رضاه، ولا يتكبد معه الصانع أي نفقة.
إني أرى أن هذا الضمان جائز شرعًا، كما هو جائز قانونًا، لأنه يزيل الجهالة التي يعاني منها المشتري، عند شراء السلعة، ويحقق الرضا، وفيه مصلحة للطرفين مصلحة للمشتري، من حيث إن المبيع قد يكون شيئًا معقدًا، وفيه خفايا، فيتردد المشتري في شرائه، ما لم يطمئن إلى سلامته وحسن أدائه؛ ومصلحة للبائع، من حيث زيادة تغريب الناس في شراء سلعة. ومن البديهي أن هذا الضمان يشمل عيوب الصنع والتركيب، ولا يشمل الأعطال التي يتسبب المشتري في حدوثها، نتيجة إهماله أو تقصيره أو سوء استخدامه، وعدم مراعاته لقواعد الاستخدام والتشغيل، المتعارف عليها، أو المبينة في النشرة المقترنة بالمبيع.
المباحث الأخرى:
طلب المجمع التعرض لمباحث أخرى: صور التوريد، وحكمه التكليفي، وأركانه، وشروطه، ولزومه أو جوازه، وخيار العيب، وخيار فوت الوصف.
أما صوره فيلحظها القارئ ضمنًا من خلال المباحث التي عرضنا لها. أما حكمه التكليفي فهو الإباحة. وأما أركانه وشروطه فهي الأركان والشروط العامة، إلا ما ذكرناه بخصوص شرط عموم الوجود. وأما لزومه أو جوازه، فإني أرى أنه لازم، إذا جاء المبيع مطابقًا للمواصفات المطلوبة، وللمشتري الخيار، إذا جاء المبيع مخالفًا لها، أو كان فيه عيب من العيوب.
стр. 19435
فقهاء أجازوا عقد التوريد:
١- عبد السميع إمام، قال: " نرى أن قواعد الشرع لا تأبى جواز أمثال هذه البيوع، حيث كانت الكمية المطلوبة مما تعرف بالعادة، عند أهل الخبرة بأمثالها. . . " (١) . وقد ذكرنا مزيدًا من حججه ونصوصه، في مواضع سابقة من هذه الورقة.
٢- مصطفى الزرقا، قال: " عقد التوريد صحيح شرعًا ( ... ) ، كما هو صحيح قانونًا ( ... ) ويشبه إلى حد كبير بيع الاستجرار الذي نص عليه الحنفية، كما أنه أولى بالصحة من البيع بما ينقطع عليه السعر الذي صححه الحنابلة، مع أن فيه كمية محددة، والسعر غير محدد عند العقد ( ... ) ، ولا سيما أن الحاجة العامة اليوم تدعو إلى ممارسة عقد التوريد، كما أنه أصبح متعارفًا ( ... ) . ولا يخفي أن عقد التوريد قد أصبح فيه عرف شامل، ولاسيما بعد أن قررته القوانين " (٢) .
٣- الصديق الضرير، قال: " دعوى عدم الفائدة في ابتداء الدين بالدين غير مسلمة، فإن المشتري يصبح بالعقد مالكًا للمبيع، والبائع يصبح مالكًا للثمن، وكون التسليم يتأخر إلى أمد لا يذهب بفائدة العقد. ثم إن العاقل لا يقدم على عقد لا مصلحة له فيه، فلو لم يكن للعاقدين غرض صحيح في ابتداء الدين بالدين لما أقدما عليه، والغرض الصحيح في هذا العقد متصور، فقد يعمد التجار لهذا النوع من البيع، لضمان تصريف بضائعهم " (٣) ، يقصد: بيع التوريد.
٤- عبد الوهاب أبو سليمان، أجازه بالاستناد إلى بيعة أهل المدينة، والبائع الدائم العمل (٤) . وذلك نص المدونة: " كان الناس يبتاعون اللحم بسعر معلوم، فيأخذ كل يوم وزنًا معلومًا، والثمن إلى العطاء " (٥) ، أو إلى أجل معلوم.
* * *
стр. 19436
القسم الثاني
المناقصات
مقدمة:
سبق أن ذكرت، في مقدمة الورقة، أن لي ورقة سابقة حول المناقصات، قدمتها للدورة التاسعة، فلن أكرر هنا ما قلته هناك، وسأقتصر على أمرين:
١- الكلام في العناصر التي لم يسبق لي الكلام فيها، وهي:
أ- الفرق بين المناقصة وطرق الشراء الأخرى.
ب- حكم قصر الدخول في المناقصة على المرخص لهم حكوميًّا بذلك.
ج- هل يلزم إخبار المشتري بأن البضاعة تملكها البائع بالأجل؟
د- مماطلة المشتري في تسديد ثمن البضاعة.
٢- زيادة إيضاح مسألة بيع دفتر الشروط، ومناقشة آراء العلماء فيها.
الفرق بين المناقصة وطرق الشراء الأخرى
قد يقال هنا بكل سهولة: إن الغرض من المناقصة هو الوصول إلى أنقص ثمن. ولكن هذا أمر واضح، وليس هو المراد هنا. إنما يتبين الغرض منها بالمقارنة بينها وبين طرق أخرى للشراء، كطريقة الشراء المباشرة، الشراء بالمساومة.
في كلتا الطريقتين: المناقصة، والمساومة، يسعى البائع إلى أعلى ثمن، ويسعى المشتري إلى أقل ثمن. وفي طريقهما للوصول إلى هذا، نجد أن المشتري في المساومة يسلك سبيل المماكسة والمكاسرة، وأن البائع يسلك سبيل الاستقصاء أو التعظيم، وفي المناقصة ينعكس دور البائع، فيسلك سبيل النقص، بدلًا من الزيادة، لكي يظفر بالصفقة، ففي حين أنه في المساومة يتعارك مع المشتري لتحقيق أعلى ثمن ممكن، نجد أنه في المناقصة يتنافس مع الباعة الآخرين لتحقيق أقل ثمن ممكن.
وفي حين أن المشتري، في المسومة، يطوف على عدد من الباعة، لجمع المعلومات، ثم بعد ذلك يثبت المواصفات ويطلق الثمن، ليعقد الشراء بالثمن الأدنى، نجد أن المشتري، في المناقصة، يستجمع الباعة، ويجعلهم يطوفون عليه، بدلًا من أن يطوف عليهم.
وتتقارب المناقصة والمساومة، عندما يلجأ المشتري، في المساومة، لدى تجواله على الباعة، إلى أخذ عروض منهم سارية المفعول حتى أمد محدد، ليختار بعد ذلك أرخص عرض.
لكن يبقى هناك فرق لعله هو الفرق الفاصل بين الطريقتين، وهو أن المشتري مساومة له أن يتخير من شاء من الباعة، وأن يقتصر على العدد الذي يريده منهم. أما في المناقصة فإن المشتري يفتح الباب لجميع الباعة على قدم المساواة، فتعطى لهم فرص متكافئة في البيع، وهذا شيء توفره المناقصة (والمزايدة) ، ولا توفره المساومة، إذا كانت المساومة توفر الحرية للمشتري، فإن المناقصة توفر العدالة للبائع، هذا في المناقصة، وعلى الضد من ذلك في المزايدة، فالمساومة هنا توفر الحرية للبائع، ولكن المزايدة توفر العدالة للمشتري، وإذا كان هذا أمر يجب أن يسعى إليه كل من القطاعين العام والخاص، إلا أن القطاع العام حري به أن يكون القدوة في ذلك، لإشعار الجميع بأنهم أمامه سواسية لا محاباة لأحد على أحد، ولولا ذلك لربما اتهم الناس القطاع العام بالمحاباة والتواطؤ والرشوة والفساد واستغلال النفوذ. فكما أن الضرائب واجبة على الجميع، فكذلك البيع حق للجميع، جميع الباعة، وإلا اختل ميزان العدل والمساواة في الحقوق والواجبات.
стр. 19437
وإذا تذكرنا أن المساومة غالبًا ما يلجأ إليها في المشتريات القليلة القيمة، فإن المناقصة غالبًا ما يلجأ إليها في المشتريات الكبيرة القيمة. ولما كان عدد البائعين والمشترين كبيرًا في المساومة، والمبالغ صغيرة، فإن عمليات البيع والشراء تتعارض فيما بينها، وتحقق العدالة للفريقين وللأفراد بداخل كل فريق منهما. أما في المناقصة. فإن عدد المشترين والبائعين يقل نسبيًّا، وترتفع قيمة المبالغ، ولذلك فإنه ما لم تقم المناقصة على مبادئ المنافسة والمساواة وتكافؤ الفرص، فإنها تكون مدعاة لإثارة موجات من الغضب والاستياء العام، لدى البائعين والمشترين والجمهور.
دفتر الشروط:
تنص لوائح المناقصات عادة على أنه: " يجب أن تعد كل جهة، قبل الإعلان عن المناقصات، كراسة خاصة بشروط العطاءات، وقوائم الأصناف أو الأعمال، وملحقاتها، يتم طبعها وتوزيعها بعد ختمها واعتماد مدير المشتريات لها، على من يطلبها، وفقًا للقواعد، وبالثمن الذي تحدده الجهة الإدارية، بشرط أن يكون بالتكلفة الفعلية لكراسة شروط العطاءات والمواصفات وكافة المستندات الملحقة بها مضافًا إليها نسبة مئوية لا تزيد على (٢٠ %) كمصروفات إدارية " (١)
رأي الباحث في بيع دفتر الشروط:
إنني أرى أن الجهة المنظمة للمناقصة هي التي عليها أن تتحمل تكلفة إعداد دفتر الشروط، ولا يجوز لها أن تبيعه، ولا أن تسترد كلفته، فهي المستفيدة منه، وهي التي اختارت طريقة المناقصة، فمن كان له الغنم فعليه الغرم. ولا مانع من أن تأخذ تأمينًا قابلًا للرد، ممن يطلبه، خشية أن يطلبه من هو جاد ومن هو غير جاد، فيلقيه في سلة المهملات.
وتعتبر تكلفة دفتر الشروط من جملة تكاليف المناقصة والعقد.
стр. 19438
مناقشة آراء العلماء في دفتر الشروط:
١- رأي السلامي: ذهب السلامي، مفتي تونس (سابقًا) ، وعضو المجمع، على جواز بيع دفتر الشروط، فقال: " إن رسم الدخول في المزايدة أمر لم يعهد من قبل، وهو مما اقتضته أنظمة الدول والمؤسسات والشركات ( ... ) ، وهو المعبر عنه بكراس الشروط ( ... ) ، وهي بين من يمكن كل راغب في نسخة منه بدون مقابل، ومن يبيع تلك النسخ للمشاركين في المزايدة ( ... ) ، فإنه ليس القصد في فعله أن يبيع هذا الكراس، لأن تفاهة قيمته بالنسبة للمبيع لا تجعله مقصودًا بالثمن، وإنما هو يشترط ذلك لما بيناه، من أن يكون كل مشارك على بينة من أمره في شروط العقد وضوابطه. ولذا فإن أصل بيع الكراس لا مانع منه، إذ هو وثيقة مادية مسعرة بسعر محدد، لم يلزم بها أي مشتر إلزامًا ظالمًا ( ... ) ، واشتراط ذلك لا مانع منه، نظرًا إلى أنه شرط سائغ، وليس له تأثير في العقد " (١) .
ثم لخص رأيه في آخر البحث، فقال: " لا يوجد ما يمنع البائع من اشتراط أن يكون المشارك في المزايدة قد اشترى كراس الشروط، واطلع عليه، واشتراط ذلك لا مانع منه، لهوان قيمته بالنسبة لأصل الصفقة عادة، إذا لو كان رفيع الثمن لكان عامل طرد للمزايدين، وهو عكس رغبة البائع ومصلحته " (٢) .
стр. 19439
لم أجد، في الفقه الإسلامي، من احتج بمثل ما احتج به السلامي، من تفاهة القيمة، إلا في موضعين، ومآلهما واحد.
١- موضوع الحديث عن المال المتقوم، فقال إن الأعيان والمنافع التافهة القيمة ليست من الأموال المتقومة، وضربوا أمثلة على ذلك بقطرة الماء، وحبة القمح، وشم التفاحة. فهل يرى السلامي أن ثمن دفتر الشروط: (١٠٠) ريال أو (١٠٠٠٠٠) ريال هو من هذا القبيل؟
٢- موضع الحديث عن اللقطة، فمنها ما له قيمة، كالدينار والدرهم، فيجب تعريفها، ومنها ما لا قيمة له، بل هو تافه حقير، كالزبيبة والجوزة، فلا يجب تعريفها، ومنها ما له قيمة، إلا أنه لا تتبعه نفس صحابه إن ضاع منه، كالرغيف والدانق، هل يعرف أو لا يعرف؟ قولان في الفقه.
فهل ثمن دفتر الشروط كالزبيبة والجوزة، والرغيف والدانق؟
٢- رأي أبو سليمان: ذهب أبو سليمان إلى أن الذي يجب أن يتحمل تكلفة دفتر الشروط هو من ترسو عليه المناقصة، دون سائر أصحاب العطاءات الأخرى الذين لم ترس عليهم. هذا ما قاله في بحثه المقدم إلى المجمع. والمنشور في مجلته: " الأولى والأحق بدفعها من رسا عليه العطاء في المناقصة، أو المزايدة، لأنه المستفيد الوحيد، وسيحتسبها ضمن تكاليف المشروع ( ... ) . . وربما يكون هذا من واجباته ومسؤولياته، لو لم تقم المؤسسة أو الإدارة بتجهيزها " (١) .
لكنه في خاتمة بحثه، ذكر بحق أن تكلفة دفتر الشروط: " جديرة بأن تكون مسؤولية الجهة صاحبة المصلحة " (٢) .
ولدى مناقشة البحوث، ردد رأيه بين قولين: قول بتحميل التكلفة للإدارة وقول بتحميلها لمن رسا عليه العطاء (٣) .
لقد نشر أبو سليمان بحثه هذا أيضًا في مجلة: (البحوث الفقهية المعاصرة) إلا أنه غير رأيه، فقال: (غير أن الواقع أن من لم يرس عليه العطاء سيستفيد من دفتر الشروط، بمعرفة مدى إمكانية تنجيزه للمطلوب، فلا يدخل مغامرًا دون معرفة قدراته وإمكاناته في تنفيذ مشروع معين، وسيساعده هذا على الفوز في مناقصات مستقبلية، إذا يحفزه هذا على رفع كفاءته، وتطوير قدراته، وتحسين أدائه " (٤) .
стр. 19440
وأكد هذا في خاتمة بحثه، فقال بأن هذه التكاليف: " يتحملها من رسا عليه العطاء ومن لم يرس عليه، لأن كليهما يستفيد منهما عمليًّا بوجه أو بآخر " (١) .
وبهذا صار لأبو سليمان ثلاثة آراء متعارضة:
١- يتحمل التكلفة من رسا عليه العطاء.
٢- يتحمل التكلفة من رسا عليه العطاء، ومن لم يرس.
٣- يتحمل التكلفة الجهة صاحبة المناقصة.
فأي واحد من هذه الآراء الثلاثة هي رأي أبو سليمان؟ لعله الرأي رقم (٢) ، إذ أراد به إما موافقة رأي الأستاذ الذي حكم بحثه لمجلة البحوث الفقهية المعاصرة، أو أراد به العودة عن رأيه لموافقة رأي السلامي، وقرار المجمع، لا سيما وأن هذا الرأي هو المطبق في الحياة العملية، فلماذا نصادمه ونزعج الناس عنه؟
٣- رأي الزحيلي: بين كل من السلامي وأبو سليمان رأيه في ورقة مكتوبة، أما وهبة الزحيلي فقد بين رأيه شفهيًّا خلال المناقشة، فقال: " دفتر الشروط ينبغي أن يكون بثمن، ودائمًا العارض والشركة والدولة تقول: إن الذي يريد أن يشارك في هذه المناقصة عليه أن يدفع ثمن هذا الدفتر، ولماذا الشركة تخسر شيئًا أنفقت عليه من الخبرة والمعلومات، ثم يضيع الأمر؟ ثم تطالب أيضًا هذه الجهات التي تعرض بالمزاد العلني أن يكون هناك جدية في العرض، أن يوضع عربون يأخذه في النهاية، إذا لم يرس الثمن عليه. فلا أجد إشكالًا في قضية إباحة هذا النوع من المباعيات، إن الفقهاء يصرحون ببيعه وجوازه، لذلك إن القضية أسهل من أن يثار فيها غبار " (٢) .
والجواب:
١- الحجة الأولى ليست حجة، إنما هي بيان للواقع الذي يراد الإفتاء فيه.
٢- تخسر الشركة هذه النفقات إذا ألغت المناقصة، وعندئذ تكون هي المسؤولة، أما إذا أجريت المناقصة فإنها لا تخسر، إذ الفرض أنها آثرت أسلوب المناقصة، على غيرها من أساليب الشراء، بعد حساب منافعها وتكاليفها وجدواها.
٣- هناك فرق بين دفتر الشروط والعربون، فليس هذا محل الكلام عن العربون، إنما محله عند الكلام عن الضمان، لا عن دفتر الشروط.
ربما يريد الزحيلي أن قيمة دفتر الشروط هي من قبيل رسم الدخول، وليس من قبيل الثمن، وسأناقش هذه المسألة في مبحث لاحق، من هذه الورقة.
يجب أن نلاحظ أخيرًا أن رأي الزحيلي، كما سبق أن قلنا، هو رأي من اشترك في مناقشة، وليس رأي من أعد بحثا حول الموضوع، كالسلامي وأبو سليمان.
стр. 19441
٤- رأي ابن منيع: قال ابن منيع: " لا أرى ما يمنع من بيعه، وعندئذ تكون قيمته تجميعًا لما خسر عليه، أو ما أنفق عليه تهيئته، وإن كانت قيمته لا تساوي (١٠٠) ريال مثلًا، ويباع بـ (١٠٠٠) ريال، فالغرض من ذلك هو ألا يدخل في المزايدة من يريد أن يضيع فرصة إنهاء هذه المزايدة بما يرسو عليه، لأنه قد يدخل فيها من ليس لها أهلًا، ثم بعد أن ترسو عليه المزايدة يكون عنده شيء من المكر أو عدم الجدية، ومعنى ذلك أن تضيع الفرصة، ثم يرجع إلى الذي يليه ( ... ) . فأرى أن أخذ قيمة، ومرتفعة نسبيًّا عن تكاليفها الدفترية، قد يكون هذا من المصلحة المعتبرة " (١) .
والجواب:
١- استرداد النفقة لا يكون كيفما اتفق، لا من الناحية الفنية، ولا من الناحية الشرعية.
٢- يجب التفرقة بين الدفتر والضمان، فهما أمران مختلفان، فالجدية هنا مسألة متعلقة بالضمان الابتدائي (وقد سبق بحثه في ورقتي السابقة) ، ولا علاقة لها بدفتر الشروط.
стр. 19442
هل هناك شيء اسمه رسم دخول في المناقصة؟
في قوانين المناقصة ولوائحها، رأيت أن هناك دفتر شروط (وثائق) ، وضمانًا مؤقتًا ونهائيًّا، ولكني لم أجد شيئًا اسمه رسم دخول، تكرر ذكره كثيرًا في مناقشات المجمع، في الدورة الثامنة، حتى ظهر القرار بهذا الشكل: " لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) ، كونه ثمنًا له " (١) .
يبدو أن المقصود أن قيمة دفتر الشروط هي رسم الدخول، لا سيما وأن بيع دفتر الشروط هو موضع نقاش، فليكن الأمر رسمًا لا ثمنًا.
ربما يذهب بعض العلماء، كما تبين لنا من كلام الزحيلي، على اعتبار الرسم في حكم العربون، لكن المأخذ على هذا أن العربون عند الفقهاء الذين يجيزونه، يوضع من الثمن، إذا تم العقد، وهذا ما لا يحدث في المناقصة، وهناك مأخذ آخر وهو أن العربون هنا يؤخذ متعددًا بتعدد المشتركين في المناقصة، فبأي حق يؤخذ من أشخاص متعددين، تنافسوا على صفقة واحدة لم ترس عليهم؟
قرار المجمع في دفتر الشروط:
لا مانع شرعا من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) ، لكونه ثمنًا له " (٢) .
وقد استند القرار إلى بحثين ومناقشات، أحد البحثين للسلامي، والآخر لـ (أبو سليمان) ، واشترك في المناقشة، وهبة الزيحلي (٣) ، وعلى السالوس (٤) ، وعبد الله بن منيع (٥) .
стр. 19443
ويلاحظ على القرار ما يلي:
١- أن عبارته لا تختلف عن عبارات قوانين ولوائح المناقصة: " بالثمن الذي تحدده الجهة الإدارية، شرط أن يكون بالتكلفة الفعلية. . . " (١) .
٢- أن عبارات القوانين واللوائح فيها إضافة لم يتناولها قرار المجمع: " مضافًا إليها نسبة مئوية لا تزيد على (٢٠ %) كمصروفات إدارية (٢) ، كما لم تتناولها الورقتان المقدمتان من المجمع.
٣- الرسم والقيمة والثمن، لكل منها معنى مختلف، وقد جمعت معًا في القرار، بلا تمييز بينها، ولا توضيح لمعنى كل منها، وهذه أولًا مسؤولية أصحاب البحوث، ثم بدرجة أقل: مسؤولية لجنة الصياغة (الخاصة، والعامة، وأعضاء وخبراء المجمع الذين حضروا الجلسة) . وقد كان من العادات الحميدة للمجمع الموقر أن ينقل في مجلته مناقشة القرار أيضًا، ولكنهم هذه المرة اكتفوا بالقرار دون مناقشة، ولم ينقلوا إلينا آراء الحضور، لا اعتراضاتهم، ولا مناقشاتهم.
مماطلة المشتري في تسديد الثمن:
لا ريب أن مماطلة الغني، في تسديد الثمن، غير جائزة، سواء أكان المشتري من القطاع العام أم من القطاع الخاص. والمماطل الغني ظالم فاسق، مرتكب لكبيرة، مستحق للعقوبة، ويمكن التوقي من خطر المماطلة بالحصول على الكفالات والرهون.
وقد سبق لي أن بحثت هذه المسألة (٣) ، ووصلت فيها إلى ما يأتي:
١- عقوبات غير جائزة، وهي التي تفرض على المماطل الغني غرامات مالية في مقابل التأخير أو تطالبه بالتعويض عن الربح الفائت أو الضرر، على أساس ربح المثل، أو ربح الدائن، لأن هذا يدخل في ربا النسيئة، تقضي أم تربي أو أنظرني أزدك، وهو قرار المجمع الفقهي في كل من مكة وجدة.
стр. 19444
٢- عقوبات جائزة، مثل حلول الأقساط غير المستحقة، وإعلان أنه مماطل، وإدراج اسمه في قائمة سوداء، بحيث يحرم من الاستدانة في المستقبل، وإمكان أن يأمر القاضي بحبسه وملازمته وضربه.
٣- عقوبات يمكن أن تكون مقبولة، ولها سند من أقوال بعض الفقهاء القدامى، مثل:
- تحميل المماطل هبوط القوة الشرائية للنقود.
- تعزير المماطل لصالح جهات خيرية، لا لصالح الدائن.
- اشتراك الدائن مع المدين المماطل بحصة من الربح.
- زيادة حصة الدائن من الربح.
وإذا كان المماطل إحدى المؤسسات القطاع العام، فيختار من هذه الإجراءات ما هو مناسب لحالتها.
حكم قصر الدخول في المناقصة على المرخص لهم حكوميًّا بذلك:
غالبًا ما تضع الدولة للموردين والمقاولين تصنيفًا رسميًّا، بحيث لا يسمح بالاشتراك في المناقصة إلا للمصنفين المسجلين، وقد يكون لهذا التصنيف فئات أو مراتب متفاوتة بحسب حجم المنشأة وملاءتها وقدرتها على مباشرة العقود وتنفيذها.
стр. 19445
وتلجأ الدولة أيضًا إلى تنظيم سجل بالممنوعين من التعاون معها، نتيجة ارتكابهم غشًا أو تلاعبًا أو إهمالًا أو تقصيرًا أو رشوة.. . . إلخ.
إن كل تنظيم من هذا القبيل، يكون الغرض منه نجاح المناقصة، ورفع كفاءة عمليات التوريد والمقاولة والشراء، والاطمئنان إلى قدرة المنشأة على تنفيذ التزاماتها، يعد جائزًا شرعًا.
أما المعاملة الاعتباطية للموردين والمقاولين، التي يظهر أن الغرض منها هو المحاباة، أو الإخلال بمبادئ المنافسة والمساواة، وتكافؤ الفرص، أو اختيار منشآت معينة بصورة تحكمية أو استبدادية، فهذا لا يجوز، لأنه من الفساد والظلم والتعسف وسوء استعمال السلطة والنفوذ، وغالبًا ما يخفي وراءه صفقات مشبوهة ورشاوى وهدرًا للمال العام.
هل يلزم إخبار المشتري بأن البضاعة تملكها البائع بالأجل؟
لم أفهم وجاهة طرح هذه المسألة في باب المناقصة. نعم هي مفيدة في باب بيع الأمانة، ولكنها ليست مفيدة في باب بيع المساومة، ولا في المناقصة.
معلوم أن بيع الأمانة ثلاثة أنواع: مرابحة، وتولية، ووضيعة، فإن تم البيع بالثمن الأول، مع إضافة ربح معلوم، فهو مرابحة. وإن تم بالثمن الأول، بدون ربح ولا خسارة، فهو تولية. وإن تم بالثمن الأول. بخسارة معلومة، فهو وضيعة.
فبيع الأمانة يعتمد على أمانة البائع، في إخبار المشتري بالثمن الذي اشترى به السلعة، فإذا كان بيع الأمانة والبيع الأول قد تما نقدًا، أو لأجل واحدًا غير مختلف، فهذا لا مشكلة فيه. لكن إن تم البيع الأول لأجل وبيع الأمانة نقدًا أو تما بالأجل وكان أجل الأول أبعد من الثاني، وجب إخبار المشتري بذلك، لأن للزمن حصة من الثمن، أي إن الثمن المؤجل يزيد عن المعجل، والثمن الأبعد أجلًا يزيد على الأقرب أجلًا، وهو ما بسطناه في موضع آخر.
لكن هذا الإخبار مطلوب في بيع الأمانة، وغير مطلوب في المساومة، ولا في المناقصة.
стр. 19446
خاتمة
هذه الخاتمة تعتمد على ورقتي هذه، بالإضافة إلى الورقة السابقة، التي ذكرتها في المقدمة.
التوريد:
عقد يتعهد فيه أحد الطرفين (المورد) بأن يورد إلى الطرف الآخر (المورد له) سلعًا أو خدمات موصوفة، على دفعة واحدة، أو عدة دفعات معلومة، في مقابل ثمن أو أجر محدد، بحيث يدفع قسط منه كلما تم قبض قسط من المبيع.
ويجب أن يكون المبيع عام الوجود وقت التسليم، أو نتيجة مصانع ذات إنتاج كبير، ومعروفة بقدرتها العالية على التسليم.
وهو عقد جائز شرعًا، وإن تأجل فيه البدلان، بالنظر لحاجة الناس إليه، وعموم البلوى به، وانتشاره في القوانين والأعراف الحديثة، وخلوه من الموانع الشرعية.
ويجوز فيه الاتفاق على سعر الوحدة، دون الكمية، كما يجوز فيه ترك السعر لسعر السوق. ويجوز فيه ضمان المبيع لمدة معلومة، لإزالة جهالة المشتري، وزيادة رضاه.
المناقصة:
طريقة في الشراء أو الاستئجار أو الاستصناع، تخضع لنظام محدد، وتلتزم فيه الجهة صاحبة المناقصة بدعوة المناقصين إلى تقديم عطاءاتهم (عروضهم) ، وفق شروط ومواصفات محددة، من أجل الوصول إلى التعاقد مع صاحب أرخص عطاء.
والمناقصة كالمزايدة جائزة شرعًا، سواء أكانت عامة أم محدودة، داخلية أم خارجية، علنية أم سرية.
ويجوز قصر الاشتراك فيها على المصنفين رسميًّا، أو المرخص لهم حكوميًّا، شريطة أن يكون هذا التصنيف أو الترخيص قائمًا على أسس موضوعية عادلة.
ويجوز للجهة صاحبة المناقصة فرض غرامات تخلف على الموردين، الذي يتخلفون عن تنفيذ التزاماتهم بدون عذر مقبول.
ولا يجوز لها فرض غرامات تأخير، لأنها تضارع فوائد التأخير في القروض الربوية، وفي الورقة بيان للعقوبات الجائزة وغير الجائزة، في حالة مماطلة المدين في التسديد.
ويجوز لها تقديم دفتر الشروط إلى المناقصين، مقابل تأمين يرد إليهم، عند إعادة الدفتر، ولكن لا يجوز لها أن تفرض عليهم تكلفته أو ثمنه، لأن منفعته عائدة لها، لا لهم.
стр. 19447
المراجع
- الأسس العامة للعقود الإدارية، سليمان محمد الطماوي، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٨٤ م.
- إعلام الموقعين، لابن القيم، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م.
- الأم، للإمام الشافعي، طبعة الشعب، القاهرة، د. ت.
- بدائع الفوائد، لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.
- بداية المجتهد، لابن رشد، دار الفكر، بيروت، د. ت.
- البرهان للزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
- بيع الكالئ بالكالئ، لنزيه حماد، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
- تفسير ابن حيان، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، د. ت.
- تفسير آيات أشكلت، ابن تيمية، تحقيق عبد العزيز الخليفة، مكتبة الرشيد، الرياض، ١٤١٧ هـ / ١٩٩٧ م.
- تفسير الجصاص، دار الفكر، بيروت. د. ت.
- تفسير الرازي، دار الكتب العلمية، طهران، د. ت.
- تكملة المجموع للسبكي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.د. ت.
- الجامع في أصول الربا، لرفيق يونس المصري، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، دار البشير، جدة، ١٤١٢ هـ / ١٩٩١ م.
- حاشية الشرقاوي، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
- زاد المعاد، لابن القيم، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢م.
- السلم والمضاربة، لزكريا محمد الفالح القضاة، دار الفكر، عمان، ١٩٨٤ م.
- سنن الدارقطني، نشر عبد الله هاشم يماني المدني، المدينة المنورة، د. ت.
- ضمان عيوب المبيع الخفية، لأسعد دياب، دار اقرأ، بيروت، ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م.
- عقد التوريد، لعبد الوهاب أبو سليمان، ورقة مقدمة إلى مؤتمر المستجدات الفقهية في معاملات البنوك الإسلامية، الجامعة الأردنية، عمان، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٤ م.
- الغرر وأثره في العقود للصديق الضرير، د. ن، القاهرة، ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٧م.
- الغني المماطل: هل يجوز إلزامه بتعويض دائنه؟ لرفيق يونس المصري، مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، البنك الإسلامي للتنمية، رجب ١٤١٧ هـ؛ وضمن بيع التقسيط، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، دار البشير، جدة، ط ٢ / ١٤١٨ هـ ـ / ١٩٩٧.
стр. 19448
- فتاوى الزرقا، بعناية مجد مكي، وتقديم يوسف القرضاوي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، دار البشير، جدة، ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩ م.
- فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
- القانون التجاري السعودي، لمحمد حسن الجبر، عمادة شؤون المكتبات، جامعة الملك سعود، الرياض، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
- القياس، لابن تيمية، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
- الكشاف، للزمخشري، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٩٢ هـ / ١٩٧٢ م.
- مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العد (١٩) ، الرياض، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م.
- مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (٧) ، الجزء (٢) ، جدة، ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م.
- مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (٨) الجزء (٢) ، جدة ١٤١٥ هـ / ١٩٩٤ م.
- المجموع، للنووي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت.
- المداينات، لعيسوي أحمد عيسوي، بحث مقدم إلى الأزهر لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ، القاهرة، ١٣٦٥ هـ / ١٩٤٦ م.
- المدونة، للإمام مالك، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.
- المستدرك، للحاكم، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.
- مناقصات العقود الإدارية: عقود التوريد ومقاولات الأشغال العامة، لرفيق يونس المصري، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (٩) ، الجزء (٢) ، ١٤١٧ هـ / ١٩٩٦م.
- المهذب، للشيرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٩٦ هـ / ١٩٧٦م.
- مواهب الجليل، للحطاب، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.
- الموسوعة الفقهية الكويتية، الجزء (٩) ، وزارة الأوقاف، الكويت، ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م.
- نظرات في أصول البيوع الممنوعة، لعبد السميع إمام، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، د. ت.
- نظرية العقد، لابن تيمية، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
- نيل الأوطار، للشوكاني، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، د. ت.
- الوسيط، للسنهوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
стр. 19449
العرض – التعقيب والمناقشة
العرض
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل الدخول في هذه الجلسة أعرض على مسامعكم أمرين:
الأمر الأول: جدول الأعمال وهو بين أيديكم ولعله يكون مناسبًا.
الأمر الثاني: جرت العادة على اختيار مقرر عام وأقترح أن يكون الشيخ عجيل النشمي هو المقرر العام لهذه الدورة.
الشيخ عجيل النشمي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أرجو منك يا فضيلة الشيخ أن تعفيني من هذه المهمة والإخوة خاصة الخبراء لهم سابقة في هذا الموضوع.
الرئيس:
وأنت لك سابقة، جزاك الله خير، تفضل يا شيخ.
عمل هذه الجلسة هو كعقود التوريد والمناقصات، والبحوث بين أيديكم والعارضان هما: الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان والشيخ محمد تقي الدين العثماني والمقرر الدكتور رفيق يونس المصري.
الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإن الأبحاث المقدمة في عقد التوريد، في الدورة الثانية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة المنعقدة في مدينة الرياض، أربعة أبحاث، هي: عقود التوريد والمناقصة لفضيلة العلامة محمد تقي الدين العثماني، الثاني: عقود التوريد والمناقصات للأستاذ الدكتور رفيق يونس المصري، والثالث: عقود التوريد والمناقصات للعلامة الشيخ حسن الجواهري، والرابع: عقد التوريد دراسة فقهية تحليلية لعبد الوهاب أبو سليمان، اكتفى الباحث الأخير بما سبق وأن قدمه في عقد المزايدات في دورة ماضية عن الكلام عن المناقصات.
فيما يلي عرض موجز لأهم العناصر والأفكار المتفقة مجموعة ثم ما انفرد به كل بحث عن الآخر في عقد التوريد فحسب.
стр. 19450
العناصر المتفقة:
تتفق الأبحاث الأربعة على أهمية عقد التوريد في العصر الحاضر وأنه عصب الحركة التجارية محليًّا ودوليًّا، وأنه عقد جديد. تصوير العقد بمفهومه التجاري المتداول، والبعض حاول تعريفه تعريفًا فقهيًّا. وسأتجاوز عن هذه التعريفات نظرًا لاختصار الوقت.
التخريج الفقهي، وهو المهم في هذا العرض:
فضيلة القاضي محمد تقي العثماني ذهب إلى أن عقد التوريد من قبيل المواعدة اللازمة، وتفصيل هذا أنه قسم العين محل التوريد وموضوعه إلى قسمين:
١- ما يحتاج إلى صناعة فيكيف على أساس الاستصناع.
٢- وما لا يحتاج إلى صناعة وهذا لا يعدو أن يكون تفاهمًا ومواعدة من الطرفين، أما البيع الفعلي فلا ينعقد إلا عند تسليم المبيعات، وأن الإشكال هو في جعل هذه المواعدة لازمة، والحكم عند أكثر الفقهاء أن المواعدة لا تكون لازمة في القضاء، ويذهب البعض إلى القول بلزوم المواعدة عند الحاجة. ثم استشهد للرأي الأخير بما جاء في فتاوى (الخانية) وبما أفتى به بعض المالكية بما يخص بيع الوفاء. ثم عقب على هذا قائلًا: ولكن المقصود من هذا التنظير أن الفقهاء اعتبروا حاجة الناس في إلزام ما لم يكن لازمًا أصلًا، وأن عبارة قاضي خان – رحمه الله تعالى – بصفة خاصة صريحة في أن المواعدة يمكن أن تجعل لازمة لحاجة الناس، والمواعدة إنما تكون من الطرفين فتبين أنه لا بأس بجعلها لازمة عند الحنفية لحاجة الناس.
ومن الملاحظ والمهم حسب توجيه العلامة القاضي العثماني أنه لم يعد التوريد عقدًا، بل هو اتفاقية حينًا، وعقدًا حينًا آخرًا، وهذا يتبين من خلاصة البحث.
أم التخريج الفقهي لدى الأستاذ الدكتور رفيق يونس المصري فإنه اكتفى بسرد أسماء الفقهاء الذين أجازوه مع اقتباس نبذ من بعض تخريجاتهم.
التخريج الفقهي لدى العلامة الشيخ حسن الجواهري: اعتمد في مشروعية هذا العقد الجديد وصحته على عموم الآيات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . إن هذا العقد يطلق عليه العرف بأنه تجارة عن تراض من الطرفين يدخل تحت عموم الآية السابقة، وعلى هذا فسوف يكون كل عقد عرفي ولو كان جديدًا لم يكن متعارفًا عليه عند نزول النص يجب الوفاء به إذا كان مشتملًا على الشروط التي اشترطها الشارع في الثمنين أو المتعاقدين أو العقد. ثم عرض فضيلته لأدلة المانعين لهذا العقد وتصدى للإجابة عليها.
стр. 19451
أما التخريج الفقهي لدى عبد الوهاب أبو سليمان فقد ذكر في بحثه أنه يمكن أن ينظر إلى مشروعية هذا العقد من عدمها من خلال أصلين شرعيين وتنزيله على أحدهما أو على كليهما إن أمكن هذا.
الأصل الأول: تنزيلها على عقد هو أكثر شبهًا به واتفاقًا معه في حقيقته، وأخص صفاته، وهو عقد البيع على الصفة أو ما يسمى (بيع الصفات) ، يجتمع معه في صفات رئيسية ثم ذكر الشبه بين عقد البيع على الصفة وعقد التوريد.
الأصل الثاني: أن يعد عقدًا جديدًا في ذاته وصفاته، يخضع أولًا لقاعدة (الأصل في المعاملات الإباحة) والقواعد الشرعية الأخرى مثل قاعدة (المقتضي والمانع) وغيرها مما له علاقة موضوعية بهذا الأصل.
الدكتور رفيق يونس المصري ذكر في المقدمة أنه يقدم ورقة وليس بحثًا، ملتزمًا في هذه الورقة بالعناصر التي طلبها المجمع، كما ذكر أنه اكتفى بالإحالة إلى بعض المراجع المعاصرة من أجل الاختصار. ومن ثم صنفت الموضوعات التي درسها متفقة ومنفردة مع الأبحاث الأخرى.
تعرضت الأبحاث لدراسة ومناقشة الموضوعات التالية:
- عقد التوريد وبيع ما ليس عنده.
- بيع الكالئ بالكالئ.
انفرد الأستاذ الدكتور رفيق المصري بدراسة حكم الاتفاق على سعر الوحدة في عقد التوريد وهو لا يرى مانعًا من ذلك.
- حكم ترك السعر لسعر السوق في عقد التوريد، أحال الإجابة على هذا إلى العلامة الشيخ عبد السميع إمام – ﵀ – بعدم الجواز.
- هل يشترط أن يكون المبيع عام الوجود في عقد التوريد؟ يعتبر هذا الشرط مهم بالنسبة للسلع الزراعية المعتمدة على الأمطار، أما السلع الصناعية التي تقوم بإنتاجها مصانع كبيرة وتتمتع بقدرة عالية فقد يكون البيع جائزًا، ضمان المبيع جائز شرعًا كما هو جائز قانونًا، وعمل مقارنة بين التوريد وبين عقود أخرى.
انفرد بحث فضيلة الشيخ حسن الجواهري بالموضوعات التالية:
- لزوم عقد التوريد والاستدلال به.
- ثبوت خيار البيع وفوات الصفات ونحوهما.
- ضمان المبيع.
وبهذا يتم العرض الإجمالي لمجموع الأبحاث في عقد التوريد. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19452
الشيخ محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فأشكر فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان على تلخيصه للأبحاث فيما يتعلق بعقود التوريد، ولا أريد أن أعيد ما ذكره فضيلته لكنني أريد أن أضيف إليه نقطة جاءت في بحثي كما ذكره فضيلة الدكتور وهو أنني كيفت عقود التوريد على أساس أنها مواعدة ملزمة للجانبين وليست عقدًا باتًا. وإنما ذهبت إلى هذا الرأي من جهة أن جمهور العلماء والفقهاء عبر القرون قد اتفقوا على عدم جواز بيع المعدوم، وعلى عدم جواز بيع الكالئ بالكالئ. فبدلًا من أن نأتي برأي يخالف جمهور الفقهاء من الهين أن نقول إنها مواعدة موافقة الطرفين على إنجاز العقد في تاريخ لاحق، وهو يحتاج إلى الإيجاب والقبول في ذلك التاريخ اللاحق. والإشكال الوحيد على هذا التكييف أنه قد صدر من مجمعنا الموقر قرار بأنه إذا كان الوعد من طرف واحد فإنه يمكن أن يعتبر ملزمًا، أما إذا كان من الجانبين وصار مواعدة فإنه لا يمكن أن يكون ملزمًا.
وإنما صدر هذا القرار على أساس أنه إذا اعتبرنا المواعدة ملزمة للجانبين فإنها تكون في قوة العقد نفسه، ويلتبس بالعقد فلا يبقى هناك فرق بين هذه المواعدة اللازمة وبين بيع المضاف إلى المستقبل الذي اتفقا الأئمة الأربعة على عدم جوازه، لكني ذكرت في بحثي أن هناك فرق كبير بين المواعدة الملزمة وبين إنجاز العقد نفسه، والفرق أن إنجاز العقد ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة، فمن أنجز الشراء فإنه جعل الثمن دينًا في ذمته، ومن أنجز البيع فإنه نقل ملكية المبيع إلى المشتري أو جعل المبيع دينًا في ذمته إن كان البيع سلمًا. وإن هذا الانتقال من ذمة إلى ذمة يحدث فور ما يتم الإيجاب والقبول، ولذلك من اشترى دارًا لسكناه مثلًا ولم يدفع الثمن إلى بائعها فإنه صار مدينًا للبائع بمقدار الثمن وتجري عليه سائر أحكام المديون، فلا تجب عليه الزكاة بمقدار هذا الدين على قول من يجعل الدين مانعًا لوجوب الزكاة حالًا كان أو مؤجلًا. إذا أفلس المشتري فإن البائع أسوة للغرماء مطلقًا على قول الحنفية، وعند تغير المبيع عند الجمهور، وكذلك من باع الحنطة سلمًا فإن أصبح مدينًا للمشتري بذلك المقدار من الحنطة فتسقط عنه الزكاة بذلك المقدار لكونه دينًا عليه ولا يسقط هذا الدين بموت المسلم إليه، فيؤخذ المسلم فيه من تركته حالًا.
стр. 19453
أما المواعدة فلا تنشئ دينًا على أحد من الطرفين، فلا تحدث بها هذه النتائج، فإذا تواعدا على بيع الشيء في تاريخ لاحق لم يكن الثمن دينًا في ذمة الواعد بالشراء فلا تسقط عنه الزكاة بمقدار الثمن، ولم يكن المبيع دينًا في ذمة الواعد بالبيع، فلا تسقط عن زكاته. ولا يحق للواعد بالشراء أن يأخذ الشيء الموعود بيعه من تركة الواعد بالبيع بعد موته، أو بعد إفلاسه. فظهر أن المواعدة ليست عقدًا ولا تنتج عنها آثار العقد ولا المديونية إلا في التاريخ الموعود، ولا تحدث هذه النتائج بصفة تلقائية، حتى في التاريخ الموعود بل يجب عند ذلك أن يتم الإيجاب والقبول من الطرفين. على أنه إن عرض لأحد الطرفين في المواعدة عذر حقيقي مقبول منعه من إنجاز الوعد، فإنه يعد معذورًا ولا يجبر على إنجاز العقد ولا على دفع التعويض. أما في البيع المضاف إلى المستقبل فعجز أحد الطرفين من تنفيذ مسؤولياته العقدية لا يسبب فسخ البيع تلقائيًّا وإنما يحتاج إلى الإقالة بالتراضي.
أما أثر كون المواعدة لازمًا فلا يتجاوز من أن يجبر الحاكم الفريقين بإنجاز العقد في التاريخ الموعود. وإن أخل أحدهما بالوفاء بوعده حمله الحاكم ما تضرر به الآخر من الضرر المالي الفعلي الذي حدث بسبب تخلفه عن الوفاء. وهذه النتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج إنجاز العقد الذي ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة.
ولذلك قلت إنه نظرًا لهذه الفروق ينبغي أن نفرق بين المواعدة وبين العقد ولكن لا يصار إلى إلزام هذه المواعدة إلا عند الحاجة، والحاجة معترف بها في عقود التوريد.
فهذا ما أردت أن أضيفه إلى ما ذكره فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حفظه الله تعالى وجزاه خيرًا.
والآن انتقل إلى موضوع المناقصة. والمناقصة طريقة تتبعها جهات تريد شراء سلع أو خدمات بأقل ما يعرض عليهم من سعر. وهو في حقيقته ضد المزايدة أو بيع من يزيد.
وإن المناقصات في عصرنا تجري إما في عقود المقاولات أو في عقود التوريد. والطريقة المتبعة لإجراء المناقصة أن الجهة التي تريد أن تعقد مع مقاول لبناء عمارة مثلًا وتريد أن يتقدم إليه المقاولون بعروض مختلفة فإنها تدون تفاصيل البناء ومواصفاتها وشروط العقد في دفتر ثم تدعو المقاولين إلى المناقصة عن طريق الإعلان في الجرائد أو الصحف، وعلى أساس هذا الإعلان يتقدم المقاولون بعروضهم مع مبلغ الضمان الابتدائي ثم إن الجهة الطالبة للمناقصة تفتح الظروف المختومة، وتختار العرض الأقل سعرًا ويرسو عليه العطاء.
وقد توسع سعادة الدكتور رفيق يونس المصري والشيخ العلامة حسن الجواهري في بيان حقيقة المناقصة والفرق بينها وبين المزايدة والمساومة، حيث إن المزايدة يجريها البائع ليحصل على أكثر ما يكون من ثمن، والمناقصة يجريها عامة المشترون أو المستصنعون ليحصلوا على أقل عرض لثمن البضاعة المطلوبة أو العمل المطلوب. وإن المشتري في المساومة يتخير من شاء من الباعة والمناقصة تفتح الباب لجميع الباعة على قدم المساواة.
стр. 19454
وذكر الشيخ حسن الجواهري فرقًا آخر بين المناقصة والبيوع العادية وهو أن المناقصة يسقط فيها خيار المجلس.
والمهم هو التكييف الفقهي للمناقصة، وبما أن هذه ظاهرة جديدة أوجدتها حاجات المشاريع الكبيرة من التجارة فإنه لا يوجد ذكر للمناقصات في الكتب الفقهية. ولذلك لم ينص أو يصرح أحد من الفقهاء القدامى بهذا العقد.
وتكييفها الفقهي فقد ذكرت في بحثي أن تكييفها الفقهي يختلف باختلاف موضوع المناقصة فإن كان موضوعها عقدًا يجوز إنجازه على الفور مثل بيع المبيعات المملوكة للبائع، أو عقد الإجارة، أو الاستصناع، أو المقاولة، فالدعوة إلى المناقصة دعوة إلى هذه العقود. أما إذا كان موضوع المناقصة توريد أشياء غير مملوكة للبائع فقد ذكرت في بحثي في التوريد أن اتفاقية التوريد في هذه الحالة مواعدة لإنجاز العقد في المستقبل فليس هناك إيجاب وقبول لإنجاز العقد في هذه المرحلة، وإنما الإعلان الصحفي في مثل هذه المناقصة دعوة للتجار للدخول في مواعدة أو تفاهم عام، ولكن لا بأس أن تتخذ لها جميع الإجراءات المعهودة في المناقصة بشرط ألا يظن أن إرساء العطاء عقد بات للبيع، بل يرسو العطاء على أنه مواعدة من الطرفين ملزمة عليهما له إنجاز البيع في تاريخ مستقبل. أما الذين يقولون بأن عقد التوريد عقد للبيع ومنهم فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان والدكتور رفيق والشيخ الجواهري فلا فرق عندهم بين الصورتين.
المسألة الثانية: في موضوع المناقصة هو أنه متى يتم الإيجاب والقبول في هذا العقد؟ :
وقد تعرضت لهذه المسألة وقلت: إنه قد يفهم بعض الناس أن الدعوة إلى المناقصة عن طريق الإعلان الصحفي إيجاب من قبل الجهة الطالبة، وإرساء العطاء قبول من قبل صاحب العطاء وليس الأمر كذلك لأن الإيجاب الفقهي لابد له من تحديد السعر، أما الإعلام الصحفي فلا يتحدد في السعر من قبل الجهة الطالبة للمناقصة. ولأن العقد لا يتم بمجرد فتح العرض الأقل فقد يحق للجهة الطالبة أن تجري مفاوضة مع صاحب العرض الأقل إذا كان سعره المعروض أكثر من سعر السوق وفي بعض الحالات الأخرى أيضًا. فالصحيح أن الإعلان الصحفي ليس إلا دعوة للدخول في العقد، والإيجاب الفقهي هو تقدم صاحب العرض بعرضه، ويتوقف قبوله على إرساء العطاء، فكلما رسا العطاء ولو بعد إجراء المفاوضة تحقق القبول وتم العقد إذا كان الموضوع بيعًا منجزًا أو إجارة أو استصناعًا. وهو الموقف الذي اختاره فضيلة الشيخ حسن الجواهري في بحثه. وهذا هو الموقف المختار عند الفقهاء في بيع المزايدة، كما يقول الحطاب – رحمه الله تعالى -: " أما بيع المزايدة فالحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له ".
стр. 19455
ونقلت عدة نصوص للفقهاء الآخرين ولا حاجة لذكر جميعها، وقد ذكر الدكتور عبد الرزاق السنهوري في (الوسيط) إنه إنما يكون التقدم بالعرض في الإيجاب، ثم يعقبه القبول.
المسألة الثالثة: هل يصح رجوع صاحب العرض عن إيجابه قبل أن يرسو عليه العطاء؟ فلما كان التقدم بعطاء إيجابًا فالظاهر من ضوابط الإيجاب الفقهية أنه يجوز للموجب الرجوع عن إيجابه قبل رسو العطاء الذي يعتبر قبولًا في بيع المزايدة. وعلى هذا جرى القانون المصري كما ذكره الدكتور السنهوري في (الوسيط) ولكن يظهر من كتب المالكية أن الذي يتقدم بالعطاء في المزايدة – وهو المؤجل – لا يحق له الرجوع من إيجابه إلا أن يرسو العطاء.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى: " والحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له بما أعطي فيها ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة ". وبمثله ذكر الحطاب ونقلت نصه.
فظهر بهذا أن المالكية فرقوا بين بيوع المساومة العامة وبين المزايدات، حيث يحق للمشتري في المساومة أن يرجع عن إيجابه متى شاء قبل قبول البائع، ولا يحق له ذلك في بيوع المزايدة، وهو الموقف الذي اختاره الشيخ حسن الجواهري في بحثه أيضًا.
ولا شك أنه لا فرق بين المزايدة والمناقصة في هذا الموضوع، فينطبق عليها جميع أحكام المزايدة من هذه الجهة. فمقتضى القواعد العامة أن يجوز لمن تقدم في المناقصة بعطاء أن يرجع عن إيجابه قبل رسوَّ العطاء، ولكن مقتضى ما ذكره المالكية أنه لا يجوز له الرجوع بعد تقدمه بالعرض. وعلى هذا الأخير جرت معظم قوانين المناقصة المعاصرة. وبما أن المسألة اجتهادية فهناك سعة بأخذ ما فيه مصلحة. ولكن الذي يظهر لي أن القول بإعطاء صاحب العرض الحق في الرجوع أعدل وأقيس، لأننا متى جعلنا عرضه إيجابًا فلا وجه لحرمانه من الحقوق التي يستحقها الموجب في البيوع الأخرى.
ثم إن فقهاء المالكية إنما ألزموا الإيجاب على الموجب في المزاد العلني الذي يتقدم فيه كل أحد بعطائه عن بصيرة تامة وعن علم بما تقدم به الآخرون، ويرسو العطاء فيها فورًا. أما المناقصات فمعظمها تجري على أساس السرية ويقع البت فيها بعد مدة، وحينئذ قد يضطر فيها صاحب العرض إلى سحب عرضه لتقلبات الأسعار في السوق أو لأعذار أخرى حقيقية، فلا تقاس المناقصة السرية على المزاد العلني الذي يقع البت فيه في المجلس.
المسألة الرابعة في موضوع المناقصات هي: هل العرض الأقل لازم على صاحب المناقصة؟
ومن النتائج المنطقية لجعل العرض إيجابًا أن يحق لصاحب المناقصة أن يقبل ما شاء من عطاء ويرفض ما شاء. وبهذا صرح فقهاء المالكية في المزايدة فقال ابن رشد ﵀: " وهو – أي البائع في المزايدة – مخير في أن يمضيها لمن شاء فمن أعطى فيها ثمنًا وإن كان غيره قد زاد عليه ".
فلو أجرينا المناقصة على أساس هذا القول جاز لصاحب المناقصة أن يقبل أي عرض شاء، سواء كان أقل أو أكثر، وربما تضطر الجهة الطالبة للمناقصة إلى قبول عرض سعره أكثر لمصالح أخرى، مثل كون صاحب العرض أتقن وأوثق بالنسبة لمن عرض سعرًا أقل. ولكن بما أن المناقصات تجري عمومًا من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الكبرى التي تمر فيها العملية من خلال أيدي كثير من الناس فإن قبول السعر الأكثر معرض لتهمة التواطؤ والرشوة وغيرها. فينبغي أن تكون مثل هذه المناقصات خاضعة لتشريعات تضمن شفافية العملية، ويؤمن معها من التواطؤ والرشوة.
стр. 19456
المسألة الخامسة هي مسألة دفتر الشروط. وإن لوائح المناقصات تنص على أنه يجب أن يؤدي صاحب المناقصة كراسة خاصة بشروط العطاءات وقوائم الأصناف أو الأعمال وغيرها. وإن هذا الدفتر يباع عمومًا على من يطلبه للعلم بشروط المناقصة، وثمنه يغطي التكلفة الفعلية لطبع الكراسة وغيره ويضاف إليها ربح لا يزيد عادة على (٢٠ %) وأجاز الشيخ الجواهري هذا البيع وذكر احتمالًا آخر أنه من لم يرس عليه العطاء يكون على خيار فسخ الشراء فيرد إليه ما دفعه من ثمن الدفتر. ومعنى ذلك أن هذه التكاليف يتحملها من رسا عليه العطاء ولا يتحمل ذلك من لم يرس عليه العطاء. ورأي الدكتور رفيق المصري أنه يجب أن تتحمل الجهة المنظمة للمناقصة هذه التكاليف ولا يجوز لها أن تبيعه لأنها هي المستفيدة منها وأنه لا مانع من أن تأخذ تأمينًا قابلًا للرد ممن يطلبه ليكون الطالب يطلبه بجدية. وقد توسع الدكتور رفيق في الرد على من يجيز بيع دفتر الشروط.
ووافقت في بحثي الرأي القائل بأنه لا يجوز بيع هذا الدفتر من الجهة المنظمة للمناقصة ولكني أضفت إلى ذلك: أن إعداد هذا الدفتر ربما يحتاج إلى دراسات فنية ورسم خرائط دقيقة مما يتطلب جهدًا ومالًا. ومن ناحية أخرى إن هذا الدفتر يخفف مؤونة المقاولين أو التجار لأنه لولا هذا الدفتر لاحتاج كل عارض إلى أن يجري هذه الدراسات الفنية بنفسه ويتكبد في ذلك جهدًا. ولذلك قلت: إنه لو كان دفتر الشروط لا يتضمن دراسات فنية، وكان مشتملًا على مجرد شروط العقد، فلا يجوز للجهة الإدارية أن تتقاضى عليه ثمنا، لأنه بمنزلة بيان شروط العقد من أحد العاقدين، ولا يجوز أخذ العوض على ذلك. أما إذا كان هذا الدفتر مشتملًا على دارسات فنية يحتاج إليها المشاركون في المناقصة لإعداد عروضهم، فيجوز للجهة الإدارية أن تأخذ على دفعة عوضًا يغطي تكاليف الجهة الإدارية في إعداده. وهذا قريب مما صدر به قرار من مجمع الفقه الإسلامي في موضوع بيع المزايدة ونصه ما يلي: " لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول – قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية – لكونه ثمنًا له ".
стр. 19457
والمسألة السادسة في موضوع المناقصة هي طلب الضمان من المشاركين، فإن الجهة الإدارية صاحبة المناقصة تطالب المشاركين بتقديم ضمان. وهذا الضمان على قسمين:
القسم الأول: هو الضمان الابتدائي الذي يطالب بتقديمه مصحوبًا بتقديم العرض. والغرض منه التأكد من جدية العارض في تقديم عرضه، ويكون مبلغ هذا الضمان نسبة من قيمة العرض عمومًا، والمعمول به أن هذا المبلغ يصادر عليه إذا سحب العارض عرضه قبل موعد إرساء العطاء ويرد هذا المبلغ إلى أصحاب العروض الذين لم يفوزوا بالصفقة.
والقسم الثاني: هو الضمان النهائي: ويطالب به من رسا عطاؤه وفاز بالصفقة، والمقصود من مطالبة هذا الضمان إلزام من نجح في المناقصة بتنفيذ العقد بشروطه ومواصفاته ومواعيده الزمنية، فهو ضمان يقدمه المتعاقد لتوثيق التزاماته وأنه سوف يقوم بمسؤولياته العقدية في وقتها الموعود.
فأما الضمان الابتدائي فحكمه أنه لا يظهر هناك مانع من المطالبة به للتأكد من جدية العارض ما دام أنه لا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وهذا إنما يحصل إذا بقى مبلغ الضمان كأمانة عند الجهة الإدارية، ولو وقع خلطه بالأموال الأخرى فيكون مضمونًا عليها، وإن وقع استثماره فيجب أن يرجع ربحه إلى صاحب العرض الذي قدمه، وإن لم يفز هذا العارض بالصفقة، بمعنى أنه لم يقبل عرضه فإنه يرد عليه كامل المبلغ مع ربحه إذا أودع في وعاء استثماري مقبول شرعًا.
стр. 19458
ويبدو من بحث الشيخ الجواهري أنه يجوز مصادرة هذا الضمان لأسباب مختلفة ربما يشرحها عند المناقشة. ولكن يظهر لي أن ما يعمل به عمومًا من مصادرة هذا المبلغ إذا سحب العارض عرضه قبل موعد إرساء العطاء غير مقبول من الناحية الشرعية إطلاقًا، وهو من قبيل أكل أموال الناس بالباطل لأننا حققنا فيما سبق أن التقدم بالعرض إيجاب من قبل العارض ويحق شرعًا لكل من يتقدم بالإيجاب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فلا وجه لمصادرة ما تقدم به من الضمان الابتدائي.
وقد يستشكل هذا بأنه لا تظهر هناك فائدة لهذا الضمان إذا وجب رد مبلغه إلى العارض في جميع الحالات. والجواب عن هذا الإشكال أن هذا المبلغ ليس إلا للتأكد من جدية صاحب العرض وليس ضمانًا في مفهومه الفقهي، فإن الضمان إنما تسبقه مديونية، وإن مجرد التقدم بالعرض لا ينشئ دينًا على صاحب العرض ولا شك أن من يتقدم بهذا المبلغ عند تقديم عرضه فإنه ينبئ عن جديته في الاشتراك، لأنه لا يتنازل أحد عن سيولته ولو لمدة قصيرة، إلا من يريد أن يدخل في العقد حقيقة، وهذه الفائدة حاصلة.
أما الضمان النهائي فإنه يطالب به من يفوز بالصفقة من بين العارضين وإنما يطالب به لتوثيق أن الفائز بالصفقة يلتزم بمسؤولياته التعاقدية. وقد يزعم بعض الناس أنه من قبيل العربون، وليس الأمر كذلك، لأن العربون الذي أجازه الحنابلة إنما يقدمه المشتري، وصاحب العرض في المناقصات هو البائع إذا كان موضوع المناقصات توريدًا أو استصناعًا، والمؤجر إن كانت المناقصة موضوعها تقديم بعض الخدمات.
стр. 19459
والواقع أنه لا يوجد هناك نظير في الفقه الإسلامي بمطالبة شيء من البائع والمؤجر إلا مطالبة الرهن من المسلم إليه الذي جوزه بعض الفقهاء ومنعه آخرون. ولكن ذلك إنما يمكن إذا كان البيع باتًا كما في السلم أو الاستصناع، أما في عقود التوريد فلا. وغاية ما يمكن أن يبرر به هذا الضمان هو على أساس ضمان الجدية، فينطبق عليه كل ما ذكرنا في الضمان الابتدائي من أنه أمانة ابتداء، وإن خلط بمال آخر، فإنه مضمون على صاحب المناقصة. وإن وقع استثماره فإنه يرجع ربحه إلى المتقدم به، ويجب رده مع ربحه – إذا كان مستثمرًا في جهة مقبولة شرعًا – إلى صاحبه عند تمام تنفيذ العقد، ولا يجوز مصادرته إلا إذا تخلف صاحبه عن أداء واجبه، وحصل بالتخلف ضرر مالي لأصحاب المناقصة فعلًا، فيمكن أن تقع المقاصة بين هذا المبلغ وبين ما يجب على المتعاقد من تعويض مالي، وقد صدر قرار من مجمعنا الموقر بشأن الضمان في بيوع المزايدة، ونصه: " طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعًا، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة ".
وبما أن هذا القرار كان موضوعه المزايدة ويطلب فيه الضمان من المشتري فيمكن تخريجه على أساس العربون، ولكن ليس الأمر كذلك في المناقصات التي يطلب فيها الضمان من البائع أو المقاول، فلابد من رد هذا المبلغ بعد تنفيذ العقد مع سائر واجبات المتعاقد الأخرى ولا يصادر هذا المبلغ إلا في الصورة التي ذكرناها من تخلف المتعاقد.
والمسالة السابعة: هي مماطلة المشتري في تحديد الثمن. وهذا موضوع صدر في قرار من المجمع بتحريم الغرامة المالية في مقابل التأخير. وقد اتفق الدكتور رفيق والشيخ الجواهري على حرمة ذلك. وجاء الدكتور رفيق ببدائل لهذه الغرامات منها: حلول الأقساط، ومنها إدراج اسم المماطل في قائمة سوداء وتحميل المماطل هبوط القوة الشرائية للنقود، وهذا موضوع ربما يبحث في موضوع (تغير قيمة العملة) . وذكر الشيخ الجواهري أن بديله هو فتح الاعتماد المستندي من قبل المشتري لدى البنك.
المسألة الثامنة وهي الأخيرة، أن الدكتور رفيق والشيخ الجواهري متفقان على أنه يجوز قصر المناقصة على المرخص لهم حكوميًّا بالدخول في مناقصات التوريد والأعمال، لأن الجهة الداعية للمناقصة مختارة في التعامل مع من تريد، ولكن اشترط الدكتور رفيق لجواز ذلك أن يكون مبنيًّا على غرض صحيح مثل رفع كفاءة عمليات التوريد والمقاولة، أما إذا كان مبنيًا على المحاباة وإيثار بعض الجهات على الآخرين تعسفًا واستبدادًا فإن ذلك لا يجوز.
وهذه خلاصة ما وصلت إليه من دراسة هذه الأبحاث المعروضة في موضوع المناقصة وشكرًا لكم، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 19460
التعقيب والمناقشة
الشيخ عبد الله البسام:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن ولاه.
أما بعد، نشكر أصحاب البحوث على بحوثهم القيمة الممتعة النافعة، ولا أحب أن أطيل، والذي أحب أن أقوله هو أن الأفضل في هذه البحوث هو تكييف المسائل، لأننا إذا كيفنا المسألة على باب من أبواب الفقه، وذلك أن هذه المسٍألة المستجدة استطعنا أن نطبقها على ذلك الباب من أبواب الفقه، وأما إذا لم تكيف على بعض من أبواب الفقه تبقى عائمة، وتبقى المسائل والأبواب تتجاذبها، ولا يستطيع الإنسان أن يقررها على باب خاص من أبواب العلم، فلذا أحب إن كان هذا من أصحاب البحوث فإن هذا يستدرك وإن كان من العارضين فينبغي عليهم أول ما يبتدؤون بالعرض أن يكيفوا الأبواب. هذه المسألة.
المسألة الثانية: أن الارتباك الذي وقع في هذه العقود ومتى تتم؟ وكيف تتم عقود الاستيراد وغيره مما جاء ذكره؟ إن هذا الارتباك راجع إلى أننا لم نميز بين المبيع بالصفة المعينة وبين المبيع بالصفة بالذمة. هذا هو الذي يجعل الباحث يعوم ولا يستطيع أن يطبق المسائل على هذا الباب لأنه لم يجعلها مثلًا مبيعًا معينًا موصوفًا يجوز العقد عليه ولو لم يحصل القبض بالثمن ولا أنه موصوف في الذمة والموصوف في الذمة كثير من الإخوان يشتبه عليهم لحديث – حكيم بن حزام، والبيع بالذمة لا يدخل لأنه مثل بيع السلم، ليس هذا من بيع ما ليس عندك وإنما هو من بيع الذمم، والذمم بابها واسع إلا أنه اشترط فيها القبض عند العقد وإلا فبابها واسع ولا تحتاج منا إلى أن نقول إن العقد يتم عند التوريد، أو إن العقد موصوف بالوعد فقط. هذا ما أردت ذكره. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19461
الشيخ عبد السلام العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسوله الكريم.
في البداية أتقدم بالشكر الجزيل على هذا العرض المتميز للبحوث المقدمة لهذه الدورة في موضوع (عقد التوريد والمناقصات) لكن لي تعليق يقترب من تعليق فضيلة الشيخ عبد الله البسام وهو أننا في البداية عرضنا الأمر على أساس أنه عقد جديد وأنه من أهم وسائل التعامل المعاصر، وتحدثنا عن أهمية هذا العقد في البحوث التي بين أيدينا. ثم بعد ذلك ضيقنا هذا الأمر الواسع ودخلنا في محاولة تخريج هذا العقد على صيغ فقهية مقررة في السابق، بينما لدينا سعة كبيرة في مجال أن العقود الجديدة مرحب بها في الشريعة ما دامت قائمة على التراضي وما دامت لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا. فلو دخلنا من هذا المدخل لكان الأمر في ظني أجدى وأنفع وبخاصة أننا لاحظنا أن معظم إخواننا قد توجهوا فيما قدموا من بحوث إلى الإباحة إلا في بعضها ورد بعض التقييدات وبعض الشروط البسيطة التي لو لجأنا فيها إلى معالجتها من المدخل الواسع لكان الأمر أجدى وأنفع. هذا تعليق بصفة عامة.
أما التعليق بصفة تفصيلية وخاصة على ما ورد من إحجاج فقهي في هذا المجال أبدأ بما يتعلق بعقد التوريد.
أطال الشيخ الجليل محمد تقي العثماني في تحليل أن الأمر من قبيل العقد وإنما هو من قبيل المواعدة اللازمة إلا إذا كان الأمر يتعلق بالصناعة فالأولى تخريجه على أنه عقد استصناع. وكرر أكثر من مرة بأنه مواعدة وليس عقدًا باتًا، والحقيقة أن هذا عقد، وجعل مضمونه المواعدة لا يخرجه من دائرة العقود لكنه عقد قائم على مواعدة بمضمونها، وإلا كيف نجوز بعد ذلك الإلزام على التنفيذ؟ فهو عقد ارتبط من خلاله الإيجاب بالقبول، لكن الإيجاب والقبول ليس الالتزامات اللاحقة، وإنما الإلزام بهذه الالتزامات اللاحقة، والعقود واسعة في هذا المجال فقد تكون عملية الإلزام بتحقيق التزامات لاحقة هي مضمون هذا العقد وهذا يجعل الذاهب إلى أنه عقد جديد وصيغة جديدة للتعامل أولى من محاولة حشر هذا العقد في الصيغ التي عرفها فقهاءنا وقررها الفقه على نطاق واسع.
ومن هنا أميل مع الوجه الذي عرضه لاحقًا الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان من أنه عقد جديد وبالتالي نخرج من كل هذه الإشكالات.
أما فيما يتعلق بعقد المناقصات، فإنني هنا أحب أن أنبه إلى أن القضية في النظر المعاصر أكبر من موضوع التوريد ومن موضوع المناقصة، وقد عرض بعض الباحثين لموضوع المزايدة كمقابل للمناقصة، لكن ما نراه في التعامل المعاصر يحصر المناقصة في زوايا معينة في التعامل الحكومي، ولدينا قضية أكبر وأوسع وهي قرينة للمزايدة وللمناقصة وترتبط بها في كثير من أحكامها ما يسمى (طرح العطاءات لتنفيذ الأعمال) ، وهنالك لدينا في الأنظمة الحكومية المعاصرة ما يسمى بـ (نظام الأشغال) وما يسمى بـ (نظام اللوازم) ونلجأ في هذين النظامين إلى قضايا المناقصة وقضايا المزاودة وقضايا طرح العطاء وتستخدم النظم المعاصرة في هذا المجال تعبيرًا آخر غير تعبير الضمان الذي درج عليه الإخوة الكرام في تحليلهم وهو ما يسمى (تقديم الكفالة) وبدل دفتر المناقصة هناك ما يسمى بـ (وثائق العطاء) ووثائق العطاء هو الذي غالبًا ما يحتاج إلى مخططات وتفصيلات ووثائق مواصفات عديدة وواسعة في هذا المجال. فكنت آمل أن البحوث تعرج على هذه القضية المرتبطة ارتباطًا كاملًا بهذا الموضع، ونفس ما يتقرر من أحكام في موضوع المناقصات يندرج عليها.
стр. 19462
وتعليقي الأخير في موضوع (الضمان، أن دفع مبلغ عند بدء المناقصة وهو المبلغ الذي يطلب، وهنا ما يسمى بكفالة دخول العطاء، حتى نضمن جدية هذا المتقدم من أنه عازم عزمًا أكيدًا على أنه إذا وافقت الشروط التي ذكرها في عرضه والتي طلبتها الجهة التي طرحت العطاء أو طلبت المناقصة أنها إذا أحالت عليه الأمر التزم بها، وبالتالي إذا لم يلتزم ستقع الجهة هذه – وهذا الذي لم أره في البحوث – في ضرر بالغ لأنها قد أضاعت وقتًا كبيرًا. لنفرض أن جهة معينة تريد أن تنفذ مشروعًا كبيرًا وطرحت عطاء واسعًا أو طلبت مناقصة واسعة من عدد كبير من الناس ووضعت وثائق ودفاتر واشتغلت سنوات حتى أعدت هذا المشروع ثم بعد ذلك تطرح هذا الأمر فقد يأتي شخص غير جاد فيعرض عرضًا غير دقيق وغير واضح فإذا أحيل عليه نكل. فإذا لم يكن هنالك كفالة لدخول العطاء أو لدخول المناقصة فإن هذا سيلحق الضرر البالغ بهذه الجهة.
فكنت آمل في هذا العرض هنا أن يشار ولا مانع من وضع قيد ألا يكون المبلغ المطلوب أو الكفالة المطلوبة أو الضمان المطلوب أمرًا زائدًا زيادة فاحشة عن الضرر الذي يكون قد لحق بهذه الجهة نتيجة عدم التزام هذا المتقدم بالشروط التي تقررت.
وأما الشكل الثاني من الضمان والذي يقابله في موضوع العطاءات (كفالة حسن التنفيذ) فهو أيضًا أمر يرتبط بجملة الشروط الواردة في عقد المناقصة أو الواردة في طرح العطاء، مثل التأخر في التنفيذ، وما يسمى بالعطل والضرر، إذا تخلف عن تنفيذ الالتزام الذي التزم به يوميًّا أو أيامًا يقدر ضرر معين يلحق بالجهة صاحبة العطاء أو صاحبة المناقصة بمبلغ معين أو بنسبة معينة، فهذا الأمر يجب أن يدرس على أساس أنه تعويض وليس على أساس أنه نوع من الربا أو نوع من أخذ المال بالباطل، وعلى الأقل أن توضع الشروط وأن تضمن ألا ينقلب هذا الأمر الذي هو تعويض عادل عن ضرر يلحق بالجهة المصدرة للمناقصة أو للعطاء، وذلك بأن توضع له شروط تضمن ألا ينقلب أداة للظلم أو أداة لأكل أموال الناس بالباطل. وعلى فكرة، في هذا المجال الجهات الواضعة للأنظمة هذه تضع من القيود والشروط ما يضمن ألا تتحول الغرامات هذه أو الكفالات هذه إلى أداة لظلم المتعهدين والمتقدمين بعروضهم في المناقصات، كأن تشترط ألا يتجاوز نسبة الكفالة كذا من العطاء الذي تم تنفيذه، وبالتالي تعطي شروط أخرى كأن يبرر التأخر تحت ظروف جوية معينة أو تحت أحوال معينة تتعلق بالظروف العامة من قلاقل أو مشاكل أو غير ذلك. فهذه الأنظمة حقيقية إذا أردنا أن نجيد في هذا الموضوع لابد أن تكون في ذهننا ونحن نتحدث عن هذا الموضوع لأنه تعامل معاصر فلا يصح أن نأخذه أجزاء وتفاريق إنما يجب أن ننظر إلى النظام المنظم لهذا النوع من المعاملات بشموله ونظره لأنه قد يكون بعض ما تحفظنا عليه قد تم تلافيه في نصوص أخرى في الأنظمة التي تضبط هذا الأمر وتنظم ما يتعلق به.
لا أريد أن أطيل لكن أحببت أن أقول إن مدخلنا كان يجب أن يكون أنه عقد معاصر ثم ننظر لتفصيلاته من منطلق قواعد الشريعة العامة في تنظيم العقود.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 19463
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فإن طروحات الحياة المعاصرة وما قفزت إليه أنظمة التعامل من خلال الأنظمة الغربية أصبح في أمس الحاجة بأن يعرف له الحكم الشرعي من الناحية الإسلامية. والواقع أن كلًا من عقد التوريد وعقد المناقصة إنما هما جديدان كل الجدة، ولا إشكال في الوصول إلى تكييف كل منهما على أسس شرعية واضحة. لذا أستغرب من خلال الأوراق التي تقدم بها السادة الأخوة الكرام أن بعض الناس لا يجيزون هذه التصرفات أو الاتفاقات إما بحجة وجود الربا فيها، أو كونها بيع الكالئ بالكالئ، أو بيع شيء غير موجود، أو بيع معدوم، ويطيلون في سرد هذه الأدلة لهؤلاء وهم في الواقع بعيدون كل البعد عن الصواب وعن إدراك حقيقة هذه العقود. لذلك فإننا من باب التيسير والتسهيل والوصول إلى المراد من أقرب الطرق أقول: إن عقد التوريد والمناقصات إنما تنظمها وتعرضها الأعراف المعاصرة الآن، ولا أجد أي إشكال في جواز هذين الأمرين لأنه لا يتحقق لا غبن ولا إضرار ولا إشكالات وكل ذلك يتم بالتراضي والاتفاق الشامل لجميع جزئيات كل من هذين الموضوعين، فما يتعلق بعقد التوريد، هو في الواقع مجرد اتفاق أولى بين الجهة المستفيدة والجهة المقدمة لهذه الخدمات. فهو اتفاق ينقلب في نهاية الأمر إلى عقود فردية متكررة، كلما تقدم المورد بصفقة معينة يقدم فاتورة المبيعات ويذكر الثمن ثم تأتي الجهة التي تستفيد من هذا التنفيذ بإقرار هذا العمل وتدفع له الثمن على هذه الصفقة التي قدمها، فإذن هناك عدة عقود انفرادية من خلال اتفاق شامل وهو الذي تسميه القوانين (عقود التوريد) والأدق أن يقال له: (اتفاق التوريد) . فإذن ينقلب الأمر من اتفاق إلى عقد عند التنفيذ وحينئذ تظهر مزية هذه العقود من الناحية الشرعية. ولا مانع من إقرار عقد التوريد عند التنفيذ وليس على الاتفاق برمته وذلك من خلال جعل عقد التوريد ليس مجرد إلزام أو مواعدة ملزمة للطرفين فهذا يمكن أن يقال عن الاتفاق العام لتسوية هذا الموضوع بين الطرفين المتفقين، والاتفاق أعم من العقد فهو يشمل العقد ويشمل التصرف ويشمل غير ذلك فالواقع عقد التوريد ينطبق عليه تمامًا ما أسماه فقهاء الحنفية بأن (بيع الاستجرار) وهو مطبق.
الآن أغلب الموظفين لا يستطيعون أن يدفعوا ثمن السلعة على الفور يتفقون مع البقاليات ومع الجزارين ومع باعة الخضار والفواكه في أن يقدم لهم يوميًّا أو في كل فترة زمنية أشياء معينة وفي نهاية الشهر يتم الحساب، فالقضية ليست قضية أن المبيع مجهول أو أن الثمن مجهول وإنما الجهالة تزول في الواقع بالمواصفات، فهو بيع شيء موصوف وهناك مواصفات معينة دقيقة للأمور التي يقدمها المورد من خلال الاتفاق العام والإطار العام الذي تم مع هذه الجهة، فإذن هو في النتيجة ينقلب من اتفاق إلى بيع مفصل ودقيق وهو ما قرره الحنفية بأنه (بيع الاستجرار) ولا حاجة للدخول في تعقيدات كثيرة على الرغم من أنني أقدر البحث العظيم والمعمق لفضيلة الشيخ محمد تقي العثماني لكن هذه الدوشة التي أدخلنا فيها فإننا نجد أن المتعاملين يريدون الأمور مبسطة أكثر من هذا التعقيد الذي نجده في الساحة الفقهية، فإذن عقد التوريد هو في الواقع بيع من البيوع المتعارف عليها والمتفق على مضمونها ولا إشكال فيه من الناحية الشرعية وقرره الفقهاء تحت ستار ما يسمى ببيع الاستجرار.
стр. 19464
أما ما يتعلق بالمناقصة، المناقصة هي في الواقع صورة عكسية للمزايدة، وما دام شرعنا أقر بالمزايدة، مقابلة الأضداد بعضها ببعض وأخذ الحكم منها قبل عكس هذه الأمور هو أيضًا مبدأ مقرر فقهًا. قضية العكس والطرد هذه مقررة فقهًا. فما ينطبق على المزايدة ينطبق على المناقصة. كل ما في الأمر أن المناقصة لا يتم فيها في الواقع إبرام عقد لأول وهلة وإنما هي أشبه بالمساومة أولًا، ثم يأتي بعد ذلك رسو العطاء على شخص معين وهو من يتقدم بأقل العروض، هذا إذا أحسنا الظن، ولكن الذي أؤكده أنه في عصرنا الحاضر (٩٠ %) من المناقصات تتم بالغش والاحتيال والرشوة والتواطؤ، والذي يدفع أكثر رشوة هو الذي يرسو عليه العطاء، هذه ناحية جانبيه، لكن إذا التزمنا الناحية الشرعية فإن مقدم العطاء الأقل هو الذي ينبغي أن يرسو عليه الموضوع ثم يتم الاتفاق، إذا لا يجوز أن نجعل الإيجاب معلقًا حتى يأتي القبول من الجهة المنظمة للمناقصة لأنه لا يجوز أن يتأخر القبول عن الإيجاب في هذه المرحلة الزمنية الطويلة التي تتم بين المناقصة وبين رسوها، فالواقع القيود الفقهية في هذا الموضوع تمنع من وصف المناقصة أنه بمثابة الإيجاب المعلق، فهذا لا يجوز تعليقه ولا توقيفه إلى هذه الفترة الزمنية الطويلة , وإنما هو عرض مثل عروض الممارسات والمساومات ثم يتم الاتفاق عليه في نهاية الأمر.
أما الأمور الجانبية الأخرى مثل قضية دفتر الشروط فالواقع هذا أمر أيضًا تقره العدالة، وكل شيء حتى نفقات الطباعة تكلف الجهة المنظمة، ويريح من يتقدم إلى هذه المناقصة بدلًا من التردد على الموظفين وتقديم الرشوات لمعرفة شروط المناقصة، هذا الدفتر واضح المعالم فإذا دفع ثمنه فهو يدفع ثمن تكلفة طباعة لهذا الدفتر فلا إشكال فيه.
أما قضية الضمان من المشاركين، نحن ينبغي أن نلتزم في هذه بقرارات مجمع الفقه الإسلامي وهي قضية الضمان الابتدائي والضمان النهائي من خلال قراراتنا في خطابات الضمان. والواقع أن ما يتغرمه كل من المخل بمقتضى الضمان الابتدائي والنهائي هو مشروع، حتى إننا نجد شبهًا لهذا في بعض الجوانب وهي قضية العربون. بعض الكاتبين يقولون أننا شبهنا الضمان الابتدائي بالعربون، هذا التشبيه ليس من كل الأوجه، فنحن نشبه بأن العربون يدفع والخسارة يتحملها مقدم العربون لضمان الجدية. فالجدية هنا أيضًا متوافرة وهو حلال شرعًا ولنا قرار سابق ببروناي من إنجاز بيع العربون. فنحن لا نشبه هذا الضمان بالعربون من كل جوانبه، صحيح أن العربون لا يكون إلا بعد عقد بيع أو عقد من العقود ولكن نحن نشبهه في أن العربون إذا خسره مقدمه فإنما يخسره بسبب إلحاقه ضررًا بالبائع، فالشبه في هذه الزاوية فقط. شبه استحلال واستحقاق مبلغ العربون أو مبلغ الضمان في هذا الموضوع. وهناك جزئيات كثيرة إن كنا نسير على ما تفضل به الشيخ تقي ففي الواقع أنا أقره في هذا التحليل المعمق لهذا الموضوع المترامي الأطراف لكن القضية تحتاج منا إلى تبسيط أكثر مما نجده في هذه الكتابات. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19465
الشيخ حسن الجواهري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله والطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.
إن مشكلة عقود التوريد عبارة عن وقوع العقد الملزم مع تأجيل العرضين سواء كانت السلعة موجودة في الخارج أو غير موجودة , وإنما أصبحت هذه المشكلة لأن البيع الموجود المتعارف في زمان النبي ﷺ وما بعده هو إما بيع نقد يجب فيه تسليم الثمن والمثمن بعد العقد مباشرة، أو بيع نسيئة يسلم فيه المثمن ويبقى الثمن في ذمة المشتري، أو بيع سلم فيسلم الثمن ويبقى المثمن مؤجلا كليا في ذمة البائع.أما البيع الذي لا توجد فيه هذه المواصفات فليس هو بيع نقد ولا نسيئة ولا سلم بل العوضان فيه مؤجلان ويكون عقدا ملزما فهل هو بيع صحيح وشرعي؟ هذا هو ما يراد بحثه هنا.
ذهب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان إلى اندراج قسم منه في بيع الصفة، بيع الشيء الغائب، وقسم منه يندرج تحت بيع الدين بالدين وقد ذكره آخر البحث.
أما اندراج عقد التوريد تحت بيع الصفة فقد لا أراه صوابا وذلك لأن بيع الصفة إذا كان المراد به هو بيع الموصوف – بيع الشيء الغائب – عند من يقول به إنما يصح في صورتين:
الصورة الأولى: إذا وقع البيع على عين خارجية شخصية إما نقدا أو نسيئة فيما إذا كان البائع مالكا للسلعة الخارجية. فالبيع النقدي قد يحصل فيه تسليم الثمن والمثمن في مجلس العقد، وقد يتأخر فيه تسليم الثمن والمثمن، ولكن تأخير تسليم الثمن والمثمن لا يضر بصحة العقد الحال. وحينئذ إذا وقع البيع على عين موصوفة غائبة وحصل القبول فقد تم العقد إلا أن المشتري قد لا يسلم الثمن إلا بعد رؤية العين واستلامها كما وصفت له. كما أن البائع قد لا يسلم المبيع إلا بعد أن يستلم الثمن وهذا شيء آخر غير كون العقد حالا. ومما يؤيد أن بيع الصفة هو في مبيع العين الخارجية الشخصية المملوكة للبائع هو ثبوت خيار الرؤية للمشتري كما ذكر ذلك الفقهاء قاطبة، فيثبت الخيار عند الرؤية إذا رأى المشتري ما اشتراه مخالفا للوصف الذي وصف له، بينما إذا كان المبيع كليا في الذمة وقد سلم على خلاف الوصف فلا خيار للمشتري في فسخ البيع بل له المطالبة بالتسليم الكلي الذي وصف له بتطبيقه على فرد آخر واجد للأوصاف. إذن ليس من الصحيح استدلال الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان على تأجيل الثمن في بيع العين الغائبة بنصوص الفقهاء الذين يقولون في المبيع الغائب بأن للمشتري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر المبيع الغائب , فإن هذا ليس تأجيلا للثمن في العقد، كما أنه ليس تأجيلا للمثمن بل البيع حال ولكن التسليم والتسلم يتوقف على إحضار المثمن وتسلمه ليتم تسليم الثمن أو يحصل التسليم والتسلم في وقت واحد.