الشيخ عبد السلام العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسوله الكريم.
في البداية أتقدم بالشكر الجزيل على هذا العرض المتميز للبحوث المقدمة لهذه الدورة في موضوع (عقد التوريد والمناقصات) لكن لي تعليق يقترب من تعليق فضيلة الشيخ عبد الله البسام وهو أننا في البداية عرضنا الأمر على أساس أنه عقد جديد وأنه من أهم وسائل التعامل المعاصر، وتحدثنا عن أهمية هذا العقد في البحوث التي بين أيدينا. ثم بعد ذلك ضيقنا هذا الأمر الواسع ودخلنا في محاولة تخريج هذا العقد على صيغ فقهية مقررة في السابق، بينما لدينا سعة كبيرة في مجال أن العقود الجديدة مرحب بها في الشريعة ما دامت قائمة على التراضي وما دامت لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا. فلو دخلنا من هذا المدخل لكان الأمر في ظني أجدى وأنفع وبخاصة أننا لاحظنا أن معظم إخواننا قد توجهوا فيما قدموا من بحوث إلى الإباحة إلا في بعضها ورد بعض التقييدات وبعض الشروط البسيطة التي لو لجأنا فيها إلى معالجتها من المدخل الواسع لكان الأمر أجدى وأنفع. هذا تعليق بصفة عامة.
أما التعليق بصفة تفصيلية وخاصة على ما ورد من إحجاج فقهي في هذا المجال أبدأ بما يتعلق بعقد التوريد.
أطال الشيخ الجليل محمد تقي العثماني في تحليل أن الأمر من قبيل العقد وإنما هو من قبيل المواعدة اللازمة إلا إذا كان الأمر يتعلق بالصناعة فالأولى تخريجه على أنه عقد استصناع. وكرر أكثر من مرة بأنه مواعدة وليس عقدًا باتًا، والحقيقة أن هذا عقد، وجعل مضمونه المواعدة لا يخرجه من دائرة العقود لكنه عقد قائم على مواعدة بمضمونها، وإلا كيف نجوز بعد ذلك الإلزام على التنفيذ؟ فهو عقد ارتبط من خلاله الإيجاب بالقبول، لكن الإيجاب والقبول ليس الالتزامات اللاحقة، وإنما الإلزام بهذه الالتزامات اللاحقة، والعقود واسعة في هذا المجال فقد تكون عملية الإلزام بتحقيق التزامات لاحقة هي مضمون هذا العقد وهذا يجعل الذاهب إلى أنه عقد جديد وصيغة جديدة للتعامل أولى من محاولة حشر هذا العقد في الصيغ التي عرفها فقهاءنا وقررها الفقه على نطاق واسع.
ومن هنا أميل مع الوجه الذي عرضه لاحقًا الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان من أنه عقد جديد وبالتالي نخرج من كل هذه الإشكالات.
أما فيما يتعلق بعقد المناقصات، فإنني هنا أحب أن أنبه إلى أن القضية في النظر المعاصر أكبر من موضوع التوريد ومن موضوع المناقصة، وقد عرض بعض الباحثين لموضوع المزايدة كمقابل للمناقصة، لكن ما نراه في التعامل المعاصر يحصر المناقصة في زوايا معينة في التعامل الحكومي، ولدينا قضية أكبر وأوسع وهي قرينة للمزايدة وللمناقصة وترتبط بها في كثير من أحكامها ما يسمى (طرح العطاءات لتنفيذ الأعمال) ، وهنالك لدينا في الأنظمة الحكومية المعاصرة ما يسمى بـ (نظام الأشغال) وما يسمى بـ (نظام اللوازم) ونلجأ في هذين النظامين إلى قضايا المناقصة وقضايا المزاودة وقضايا طرح العطاء وتستخدم النظم المعاصرة في هذا المجال تعبيرًا آخر غير تعبير الضمان الذي درج عليه الإخوة الكرام في تحليلهم وهو ما يسمى (تقديم الكفالة) وبدل دفتر المناقصة هناك ما يسمى بـ (وثائق العطاء) ووثائق العطاء هو الذي غالبًا ما يحتاج إلى مخططات وتفصيلات ووثائق مواصفات عديدة وواسعة في هذا المجال. فكنت آمل أن البحوث تعرج على هذه القضية المرتبطة ارتباطًا كاملًا بهذا الموضع، ونفس ما يتقرر من أحكام في موضوع المناقصات يندرج عليها.
стр. 19462
وتعليقي الأخير في موضوع (الضمان، أن دفع مبلغ عند بدء المناقصة وهو المبلغ الذي يطلب، وهنا ما يسمى بكفالة دخول العطاء، حتى نضمن جدية هذا المتقدم من أنه عازم عزمًا أكيدًا على أنه إذا وافقت الشروط التي ذكرها في عرضه والتي طلبتها الجهة التي طرحت العطاء أو طلبت المناقصة أنها إذا أحالت عليه الأمر التزم بها، وبالتالي إذا لم يلتزم ستقع الجهة هذه – وهذا الذي لم أره في البحوث – في ضرر بالغ لأنها قد أضاعت وقتًا كبيرًا. لنفرض أن جهة معينة تريد أن تنفذ مشروعًا كبيرًا وطرحت عطاء واسعًا أو طلبت مناقصة واسعة من عدد كبير من الناس ووضعت وثائق ودفاتر واشتغلت سنوات حتى أعدت هذا المشروع ثم بعد ذلك تطرح هذا الأمر فقد يأتي شخص غير جاد فيعرض عرضًا غير دقيق وغير واضح فإذا أحيل عليه نكل. فإذا لم يكن هنالك كفالة لدخول العطاء أو لدخول المناقصة فإن هذا سيلحق الضرر البالغ بهذه الجهة.
فكنت آمل في هذا العرض هنا أن يشار ولا مانع من وضع قيد ألا يكون المبلغ المطلوب أو الكفالة المطلوبة أو الضمان المطلوب أمرًا زائدًا زيادة فاحشة عن الضرر الذي يكون قد لحق بهذه الجهة نتيجة عدم التزام هذا المتقدم بالشروط التي تقررت.
وأما الشكل الثاني من الضمان والذي يقابله في موضوع العطاءات (كفالة حسن التنفيذ) فهو أيضًا أمر يرتبط بجملة الشروط الواردة في عقد المناقصة أو الواردة في طرح العطاء، مثل التأخر في التنفيذ، وما يسمى بالعطل والضرر، إذا تخلف عن تنفيذ الالتزام الذي التزم به يوميًّا أو أيامًا يقدر ضرر معين يلحق بالجهة صاحبة العطاء أو صاحبة المناقصة بمبلغ معين أو بنسبة معينة، فهذا الأمر يجب أن يدرس على أساس أنه تعويض وليس على أساس أنه نوع من الربا أو نوع من أخذ المال بالباطل، وعلى الأقل أن توضع الشروط وأن تضمن ألا ينقلب هذا الأمر الذي هو تعويض عادل عن ضرر يلحق بالجهة المصدرة للمناقصة أو للعطاء، وذلك بأن توضع له شروط تضمن ألا ينقلب أداة للظلم أو أداة لأكل أموال الناس بالباطل. وعلى فكرة، في هذا المجال الجهات الواضعة للأنظمة هذه تضع من القيود والشروط ما يضمن ألا تتحول الغرامات هذه أو الكفالات هذه إلى أداة لظلم المتعهدين والمتقدمين بعروضهم في المناقصات، كأن تشترط ألا يتجاوز نسبة الكفالة كذا من العطاء الذي تم تنفيذه، وبالتالي تعطي شروط أخرى كأن يبرر التأخر تحت ظروف جوية معينة أو تحت أحوال معينة تتعلق بالظروف العامة من قلاقل أو مشاكل أو غير ذلك. فهذه الأنظمة حقيقية إذا أردنا أن نجيد في هذا الموضوع لابد أن تكون في ذهننا ونحن نتحدث عن هذا الموضوع لأنه تعامل معاصر فلا يصح أن نأخذه أجزاء وتفاريق إنما يجب أن ننظر إلى النظام المنظم لهذا النوع من المعاملات بشموله ونظره لأنه قد يكون بعض ما تحفظنا عليه قد تم تلافيه في نصوص أخرى في الأنظمة التي تضبط هذا الأمر وتنظم ما يتعلق به.
لا أريد أن أطيل لكن أحببت أن أقول إن مدخلنا كان يجب أن يكون أنه عقد معاصر ثم ننظر لتفصيلاته من منطلق قواعد الشريعة العامة في تنظيم العقود.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 19463
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فإن طروحات الحياة المعاصرة وما قفزت إليه أنظمة التعامل من خلال الأنظمة الغربية أصبح في أمس الحاجة بأن يعرف له الحكم الشرعي من الناحية الإسلامية. والواقع أن كلًا من عقد التوريد وعقد المناقصة إنما هما جديدان كل الجدة، ولا إشكال في الوصول إلى تكييف كل منهما على أسس شرعية واضحة. لذا أستغرب من خلال الأوراق التي تقدم بها السادة الأخوة الكرام أن بعض الناس لا يجيزون هذه التصرفات أو الاتفاقات إما بحجة وجود الربا فيها، أو كونها بيع الكالئ بالكالئ، أو بيع شيء غير موجود، أو بيع معدوم، ويطيلون في سرد هذه الأدلة لهؤلاء وهم في الواقع بعيدون كل البعد عن الصواب وعن إدراك حقيقة هذه العقود. لذلك فإننا من باب التيسير والتسهيل والوصول إلى المراد من أقرب الطرق أقول: إن عقد التوريد والمناقصات إنما تنظمها وتعرضها الأعراف المعاصرة الآن، ولا أجد أي إشكال في جواز هذين الأمرين لأنه لا يتحقق لا غبن ولا إضرار ولا إشكالات وكل ذلك يتم بالتراضي والاتفاق الشامل لجميع جزئيات كل من هذين الموضوعين، فما يتعلق بعقد التوريد، هو في الواقع مجرد اتفاق أولى بين الجهة المستفيدة والجهة المقدمة لهذه الخدمات. فهو اتفاق ينقلب في نهاية الأمر إلى عقود فردية متكررة، كلما تقدم المورد بصفقة معينة يقدم فاتورة المبيعات ويذكر الثمن ثم تأتي الجهة التي تستفيد من هذا التنفيذ بإقرار هذا العمل وتدفع له الثمن على هذه الصفقة التي قدمها، فإذن هناك عدة عقود انفرادية من خلال اتفاق شامل وهو الذي تسميه القوانين (عقود التوريد) والأدق أن يقال له: (اتفاق التوريد) . فإذن ينقلب الأمر من اتفاق إلى عقد عند التنفيذ وحينئذ تظهر مزية هذه العقود من الناحية الشرعية. ولا مانع من إقرار عقد التوريد عند التنفيذ وليس على الاتفاق برمته وذلك من خلال جعل عقد التوريد ليس مجرد إلزام أو مواعدة ملزمة للطرفين فهذا يمكن أن يقال عن الاتفاق العام لتسوية هذا الموضوع بين الطرفين المتفقين، والاتفاق أعم من العقد فهو يشمل العقد ويشمل التصرف ويشمل غير ذلك فالواقع عقد التوريد ينطبق عليه تمامًا ما أسماه فقهاء الحنفية بأن (بيع الاستجرار) وهو مطبق.
الآن أغلب الموظفين لا يستطيعون أن يدفعوا ثمن السلعة على الفور يتفقون مع البقاليات ومع الجزارين ومع باعة الخضار والفواكه في أن يقدم لهم يوميًّا أو في كل فترة زمنية أشياء معينة وفي نهاية الشهر يتم الحساب، فالقضية ليست قضية أن المبيع مجهول أو أن الثمن مجهول وإنما الجهالة تزول في الواقع بالمواصفات، فهو بيع شيء موصوف وهناك مواصفات معينة دقيقة للأمور التي يقدمها المورد من خلال الاتفاق العام والإطار العام الذي تم مع هذه الجهة، فإذن هو في النتيجة ينقلب من اتفاق إلى بيع مفصل ودقيق وهو ما قرره الحنفية بأنه (بيع الاستجرار) ولا حاجة للدخول في تعقيدات كثيرة على الرغم من أنني أقدر البحث العظيم والمعمق لفضيلة الشيخ محمد تقي العثماني لكن هذه الدوشة التي أدخلنا فيها فإننا نجد أن المتعاملين يريدون الأمور مبسطة أكثر من هذا التعقيد الذي نجده في الساحة الفقهية، فإذن عقد التوريد هو في الواقع بيع من البيوع المتعارف عليها والمتفق على مضمونها ولا إشكال فيه من الناحية الشرعية وقرره الفقهاء تحت ستار ما يسمى ببيع الاستجرار.
стр. 19464
أما ما يتعلق بالمناقصة، المناقصة هي في الواقع صورة عكسية للمزايدة، وما دام شرعنا أقر بالمزايدة، مقابلة الأضداد بعضها ببعض وأخذ الحكم منها قبل عكس هذه الأمور هو أيضًا مبدأ مقرر فقهًا. قضية العكس والطرد هذه مقررة فقهًا. فما ينطبق على المزايدة ينطبق على المناقصة. كل ما في الأمر أن المناقصة لا يتم فيها في الواقع إبرام عقد لأول وهلة وإنما هي أشبه بالمساومة أولًا، ثم يأتي بعد ذلك رسو العطاء على شخص معين وهو من يتقدم بأقل العروض، هذا إذا أحسنا الظن، ولكن الذي أؤكده أنه في عصرنا الحاضر (٩٠ %) من المناقصات تتم بالغش والاحتيال والرشوة والتواطؤ، والذي يدفع أكثر رشوة هو الذي يرسو عليه العطاء، هذه ناحية جانبيه، لكن إذا التزمنا الناحية الشرعية فإن مقدم العطاء الأقل هو الذي ينبغي أن يرسو عليه الموضوع ثم يتم الاتفاق، إذا لا يجوز أن نجعل الإيجاب معلقًا حتى يأتي القبول من الجهة المنظمة للمناقصة لأنه لا يجوز أن يتأخر القبول عن الإيجاب في هذه المرحلة الزمنية الطويلة التي تتم بين المناقصة وبين رسوها، فالواقع القيود الفقهية في هذا الموضوع تمنع من وصف المناقصة أنه بمثابة الإيجاب المعلق، فهذا لا يجوز تعليقه ولا توقيفه إلى هذه الفترة الزمنية الطويلة , وإنما هو عرض مثل عروض الممارسات والمساومات ثم يتم الاتفاق عليه في نهاية الأمر.
أما الأمور الجانبية الأخرى مثل قضية دفتر الشروط فالواقع هذا أمر أيضًا تقره العدالة، وكل شيء حتى نفقات الطباعة تكلف الجهة المنظمة، ويريح من يتقدم إلى هذه المناقصة بدلًا من التردد على الموظفين وتقديم الرشوات لمعرفة شروط المناقصة، هذا الدفتر واضح المعالم فإذا دفع ثمنه فهو يدفع ثمن تكلفة طباعة لهذا الدفتر فلا إشكال فيه.
أما قضية الضمان من المشاركين، نحن ينبغي أن نلتزم في هذه بقرارات مجمع الفقه الإسلامي وهي قضية الضمان الابتدائي والضمان النهائي من خلال قراراتنا في خطابات الضمان. والواقع أن ما يتغرمه كل من المخل بمقتضى الضمان الابتدائي والنهائي هو مشروع، حتى إننا نجد شبهًا لهذا في بعض الجوانب وهي قضية العربون. بعض الكاتبين يقولون أننا شبهنا الضمان الابتدائي بالعربون، هذا التشبيه ليس من كل الأوجه، فنحن نشبه بأن العربون يدفع والخسارة يتحملها مقدم العربون لضمان الجدية. فالجدية هنا أيضًا متوافرة وهو حلال شرعًا ولنا قرار سابق ببروناي من إنجاز بيع العربون. فنحن لا نشبه هذا الضمان بالعربون من كل جوانبه، صحيح أن العربون لا يكون إلا بعد عقد بيع أو عقد من العقود ولكن نحن نشبهه في أن العربون إذا خسره مقدمه فإنما يخسره بسبب إلحاقه ضررًا بالبائع، فالشبه في هذه الزاوية فقط. شبه استحلال واستحقاق مبلغ العربون أو مبلغ الضمان في هذا الموضوع. وهناك جزئيات كثيرة إن كنا نسير على ما تفضل به الشيخ تقي ففي الواقع أنا أقره في هذا التحليل المعمق لهذا الموضوع المترامي الأطراف لكن القضية تحتاج منا إلى تبسيط أكثر مما نجده في هذه الكتابات. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19465
الشيخ حسن الجواهري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله والطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.
إن مشكلة عقود التوريد عبارة عن وقوع العقد الملزم مع تأجيل العرضين سواء كانت السلعة موجودة في الخارج أو غير موجودة , وإنما أصبحت هذه المشكلة لأن البيع الموجود المتعارف في زمان النبي ﷺ وما بعده هو إما بيع نقد يجب فيه تسليم الثمن والمثمن بعد العقد مباشرة، أو بيع نسيئة يسلم فيه المثمن ويبقى الثمن في ذمة المشتري، أو بيع سلم فيسلم الثمن ويبقى المثمن مؤجلا كليا في ذمة البائع.أما البيع الذي لا توجد فيه هذه المواصفات فليس هو بيع نقد ولا نسيئة ولا سلم بل العوضان فيه مؤجلان ويكون عقدا ملزما فهل هو بيع صحيح وشرعي؟ هذا هو ما يراد بحثه هنا.
ذهب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان إلى اندراج قسم منه في بيع الصفة، بيع الشيء الغائب، وقسم منه يندرج تحت بيع الدين بالدين وقد ذكره آخر البحث.
أما اندراج عقد التوريد تحت بيع الصفة فقد لا أراه صوابا وذلك لأن بيع الصفة إذا كان المراد به هو بيع الموصوف – بيع الشيء الغائب – عند من يقول به إنما يصح في صورتين:
الصورة الأولى: إذا وقع البيع على عين خارجية شخصية إما نقدا أو نسيئة فيما إذا كان البائع مالكا للسلعة الخارجية. فالبيع النقدي قد يحصل فيه تسليم الثمن والمثمن في مجلس العقد، وقد يتأخر فيه تسليم الثمن والمثمن، ولكن تأخير تسليم الثمن والمثمن لا يضر بصحة العقد الحال. وحينئذ إذا وقع البيع على عين موصوفة غائبة وحصل القبول فقد تم العقد إلا أن المشتري قد لا يسلم الثمن إلا بعد رؤية العين واستلامها كما وصفت له. كما أن البائع قد لا يسلم المبيع إلا بعد أن يستلم الثمن وهذا شيء آخر غير كون العقد حالا. ومما يؤيد أن بيع الصفة هو في مبيع العين الخارجية الشخصية المملوكة للبائع هو ثبوت خيار الرؤية للمشتري كما ذكر ذلك الفقهاء قاطبة، فيثبت الخيار عند الرؤية إذا رأى المشتري ما اشتراه مخالفا للوصف الذي وصف له، بينما إذا كان المبيع كليا في الذمة وقد سلم على خلاف الوصف فلا خيار للمشتري في فسخ البيع بل له المطالبة بالتسليم الكلي الذي وصف له بتطبيقه على فرد آخر واجد للأوصاف. إذن ليس من الصحيح استدلال الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان على تأجيل الثمن في بيع العين الغائبة بنصوص الفقهاء الذين يقولون في المبيع الغائب بأن للمشتري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر المبيع الغائب , فإن هذا ليس تأجيلا للثمن في العقد، كما أنه ليس تأجيلا للمثمن بل البيع حال ولكن التسليم والتسلم يتوقف على إحضار المثمن وتسلمه ليتم تسليم الثمن أو يحصل التسليم والتسلم في وقت واحد.
стр. 19466
إذن البيع النقدي ينسجم مع الامتناع عن إعطاء الثمن إلا أن يتسلم المثمن، كما أن البائع قد يمتنع عن تسليم المثمن حتى يتسلم الثمن. فإن التسليم والتسلم بالثمن والمثمن يكون عادة بعد تمامية العقد في العقود النقدية، إذ تمامية العقد إنما تكون بتمامية الإيجاب والقبول، أما التسليم والتسلم فهي مرحلة متأخرة عن تمامية العقد.
إذن بيع الصفة على العين الخارجية قد يتأجل فيه العوضان عن مجلس العقد، وهو بيع صحيح بخلاف عقود التوريد الذي يكون فيها تأجيل الثمن والمثمن في متن العقد، فلا يصح الاستدلال بالأول على الثاني كما هو واضح.
أما الصورة الثانية التي يصح فيها بيع الصفة – بيع الموصوف – فهو البيع الكلي الموصوف فيما إذا كان البيع ليس واقعًا على عين خارجية مملوكة. وهذا البيع الكلي للموصوف وإن كان يتأجل فيه المثمن في متن العقد إلا أن الثمن يجب أن يكون معجلًا وهو بيع السلم أو السلف الذي ذهب إليه الجل لا الكل إلى اشتراط تقديم الثمن حتى يصح بينما عقود التوريد فالعوضان مؤجلان في متن العقد، فهذه هي المشكلة التي نحن بصدد أن نوجد لها حلًا شرعيًّا، فعقد التوريد سواء كان على عين خارجية موصوفة لأنها غائبة أو كانت على عين كلية موصوفة يختلف اختلافًا أساسيًّا وموضوعيًّا عن بيع الصفة سواء كان على عين خارجية أو كلي موصوف في الذمة.
إذن نصوص الفقهاء التي أتعب الدكتور أبو سليمان نفسه في سردها واستدل بها على صحة عقود التوريد لا تنفعه أصلًا لأنها في غير عقد التوريد الذي يتأجل فيه العوضان في متن العقد بل هي في بيع الصفة للعين الشخصية وهنا يتأخر تسليم الثمن ويتأخر تسليم المثمن عن مجلس العقد أيضًا. على أن الاستدلال بنصوص الفقهاء، قد لا يكون لوحده كافيًّا في المطلوب.
إذن عقد التوريد عقد جديد يتأجل فيه العوضان في متن العقد وهو يختلف عن بيع الصفة فإن وجدت عمومات قرآنية تصححه مثل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أو ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أو ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ بناء على أن هذه النصوص وردت على نحو القضية الحقيقية التي تشمل كل عقد يوجد بعد زمن التشريع كما هو الصحيح أن عمومات القرآن وردت على نحو القضايا الحقيقية لا الشخصية، فحينئذ ينحصر البحث عن المانع عن صحته كالنهي الوارد عن بيع الدين بالدين، أو النهي الوارد عن بيع الكالئ بالكالئ. فلابد إذن لمن يريد أن يصحح هذه العقود من مناقشة هذه النصوص بمثل عدم شمولها لما نحن فيه بناء على تفسير النهي عن بيع الدين بالدين بما إذا كان الدينان قبل البيع لا فيما إذا حصلا بالعقد، أو تناقش النصوص الناهية بعد صحة إسنادها كما ذكر ذلك البعض.
стр. 19467
إذن لا يصح جعل المانع من صحة عقود التوريد هو اشتماله على الربا أو الغرر فقط، كما فعل الدكتور أبو سليمان في بحثه المقدم، لأننا حينما نتكلم في صحة عقد التوريد نبحث عن دليل على صحته بعد افتراض وجود الأركان والشروط المعتبرة في صحة العقد. كما لا أرى من الصحة جعل الحاجة والضرورة إلى عقد التوريد دليلًا لصحته لأن الحاجة والضرورة إنما تصحح العقد – لو قلنا بها – في صورة استثنائية ويكون الحكم ثانويًّا مقيدًا بها وهو أخص من محل الكلام.
بالنسبة للقاضي العثماني – حفظه الله – ينحصر كلامنا في أمور: الأمر الأول الذي ذكره قال: إن محل التوريد إذا لم يكن شيئًا يحتاج إلى صنعة – وهو محل البحث في هذا الموضوع – يتأتى في الإشكال من جهات أربع:
الإشكال الأول: قال: " وهو عقد مضاف إلى المستقبل ومنعه جمهور الفقهاء ".
أقول: ليس عقد التوريد عقدًا يضاف إلى المستقبل، أي ليس عقداً معلقًا، بل هو عقد ناجز إذا قد ملك كل من المتعاملين شيئًا في ذمة الآخر عند تمامية الإيجاب والقبول. أما المراد من العقد المضاف إلى المستقبل - أي العقد المعلق - فهو عبارة عن كون التمليك معلقًا ونفس التمليك مضافًا إلى المستقبل، هذا الذي منعه جمهور الفقهاء لا ما نحن فيه، الذي يكون التمليك فيه منجزًا، فكل من الطرفين يملك ما في ذمة الآخر عند تمامية العقد.
الإشكال الثاني: وقال فيه: إن عقد التوريد عقد يتأجل فيه البدلان فيصير بيع الكالئ بالكالئ، وقد ورد في منعه حديث عمل به جمهور الفقهاء.
نعم، هذا هو الإشكال الوحيد في الباب وهو إشكال يحتاج إلى جواب علمي ويستحق البحث.
الإشكال الثالث: الذي ذكره قال: إن محل التوريد في كثير من الأحوال لا يملكه البائع عند العقد فيصير بيعًا بما لا يملكه الإنسان وهو ممنوع بنص الحديث.
طبعًا هذا الإشكال إنما يكون صحيحًا فيما إذا وقع عقد التوريد على بيع عين شخصية خارجية غير مملوكة للبائع كما في حديث حكيم بن حزام، أما إذا كان محل التوريد كليًّا في الذمة فلا نهي ولا منع عنه.
والإشكال الرابع الذي ذكره قال: عن محل التوريد قد يكون معدومًا فيصير بيعًا للمعدوم، وقد منعه جمهور الفقهاء.
أقول: إن محل التوريد لا بأس أن يكون معدومًا بشرط أن يبيع البائع ما في ذمته موصوفًا بصفات معينة ومحددة كما هو وارد في بيع السلم، بيع السلم هو بيع المعدوم.
إذن الإشكال الوحيد في بيع التوريد هو صدق بيع الكالئ بالكالئ عليه والذي ورد في منعه حديث عمل به الجمهور.
стр. 19468
الأمر الثاني الذي ذهب إليه الشيخ العثماني في تكييف عقد التوريد قال: " إنه اتفاق مواعدة من الطرفين " فأخرجه عن العقدية وربطه بالاتفاق والمواعدة وأخذ يستدل على لزوم هذه المواعدة بكلمات بعض الفقهاء الحنفية في بيع الوفاء بأن الشرط إذا كان على وجه المواعدة من الطرفين فهي لازمة. وأيضًا استدل ببعض الكلمات للمالكية في بيع الوفاء أيضًا بأن المشتري إذا وعد البائع بأنه سوف يبيعه إذا جاء بالثمن فإن هذا الوعد صحيح ولازم. ومقصوده – حفظه الله – من هذا الاحتجاج بكلمات هؤلاء الفقهاء هو تقنين قاعدة تنص في حالة اعتبار حاجات الناس على إلزام ما لم يكن لازمًا في الأصل، وبما أن عقد التوريد هو من حاجات الناس فتكون المواعدة فيه لازمة. واستدل ثانيًّا بما ذكره الإمام أبو بكر الجصاص في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] في مثل النذور والعقود التي يتعاقد بها، إذ كل ما قاله في النذر الذي ليس بمعصية وفي العقد الذي تعاقد به يلزمه الوفاء به حتى لا يكون مصداقًا للذم الذي ذكرته الآية فيما إذا لم يعمل به.
أقول: هذا الاستدلال قد يكون بعيدًا عن الصواب إذا اعتبر المواعدة لازمة وأبعدها عن العقد بموجب ما قاله بعض الفقهاء. طبعًا ليس أقوال الفقهاء وحدها كافية للاستدلال بل لابد من دليلهم وتبنيه وتأييده. ثم الذي جعل هذه الموافقة على إنجاز عقد التوريد لازمة ما هو؟ فيما أعتقد هو وصول الموافقة والمواعدة إلى حد العهد والعقد فشملها ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، إذن لا داعي للتهرب من عقديتها وعهديتها فإنها عقد وعهد ناجز. فكل من الطرفين في عقد التوريد قد التزم بشيء يعمله وهو عقد وعهد لأنه عبارة عن التزام في مقابل التزام وهو معنى العقد والعهد إذا ثبت أن هذه الموافقة عقد وعهد – كما ذكر ذلك الشيخ العثماني – فلا حاجة إلى جعلها مقدمة لإيقاع عقد التوريد فيما يأتي من الزمان، بل نعقد عقد التوريد على تمليك سلعة موصوفة في ذمة زيد بثمن موصوف في ذمة عمرو ويكون العقد ناجزًا وحالًا، إذ كل واحد قد ملك في ذمة الآخر شيئًا حالًا، نعم، أما التسليم والتسلم فهو يتم في مراحل متأخرة ونجوم معينة بعد تمامية العقد، وقد تعقبنا هذا حتى في بيع النقد، أن العقد يتم ولكن التسلم والتسليم قد يتأخر، نعم، يقف في وجه هذا التكييف النهي الوارد عن بيع الكالئ بالكالئ، أو الدين بالدين، الذي عمل به الجمهور. فهل نتمكن من جعل موردنا مختلفًا عن بيع الكالئ بالكالئ، أو الدين بالدين؟ أو هل نتمكن من الخدشة في سند هذين الحديثين أم لا؟ هذا هو البحث الحقيقي في بيع التوريد ليس إلا. ثم أتصور أن الشيخ العثماني يمكنه أن يستدل على جعل المواعدة لازمة بطريق آخر مناسب مثل أن يتمسك بحديث ((المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) .
هذا ما أردنا بيانه ولنا كلام عن الدكتور رفيق المصري إلا أن الوقت ليس بكاف، والحمد لله رب العالمين.
стр. 19469
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
شكرًا سيادة الرئيس على إتاحة فرصة الكلام لهذا الجمع الكريم، وأريد أن أعلق على عقود التوريد والمناقصات، بعد شكري للباحثين على ما قاموا به من جهود وعلى عمق تحليلاتهم.
عقد التوريد هو عقد فرض وجوده في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، فلابد من بحث الأسباب التي فرض بها هذا العقد على المسلمين وعلى غير المسلمين الذي فرض عقد التوريد أمران:
الأمر الأول: هو الدخول الآلة في حياة الناس.
الأمر الثاني: هو التنظيم للموازين للدول تنظيما محكما يقع في بداية كل سنة.
فلنأخذ العامل الأول. دخلت الآلة في الإنتاج وصحبتها الطاقة , فأصبحت القدرة على الإنتاج قدرة تتضاعف كل يوم تضاعفا يعجز عنه من يستخدم الآلة عن إعداد ما تأكله الآلة وما تلتهمه في كل أوقات تشغيلها سنة كاملة. لأضرب لذلك مثلين. مثل بسيط: هذا رجل يصنع الحلوى الذي يصنع الحلوى لا بد له من أن يضمن توريد أو أو يضمن وجود المادة الأولية من السكر ومن القرطاسية ومن الأصباغ سنة كاملة ولا يستطيع أبدا أن يكون له من الوفر المالي ما يسمح له بشراء هذه المواد كلها وخزنه. فالقضية قضية خزن , وثانيا: قضية تثبيت الثمن حتى يعرف بماذا يبيع , وثالثا: تنوع ما هو في حاجة إليه. فإذا ذهبنا من هذا الرجل الذي له مصنع للحلوى إلى معمل كبير من المعامل المنتجة للطائرات أو للسيارات أو لغيرها من المعامل الكبيرة فإننا نجد ما يحتاجه هذا المعمل من مواد أولية يعجز صاحبها عن شرائها سلما. فعقد السلم لا يمكن أن يحل الإشكال الذي دخلت فيه البشرية جميعا ولا يمكن أن نقول للناس إما أن تشتروا بالسلم وتدفعوا الثمن حالا وإما أن تغلقوا معاملكم. أعطي مثالا ثالثا: الذين يبيعون الثياب الجاهزة نحن الآن في نهاية الصيف فلو ذهبت إلى معمل من هذه المعامل لتقول له: أعندك مخزون أشترية منك للتقليعات التي ستظهر في الشتاء القادم؟ يقول لك: لا أنا الآن بصدد إعداد للصيف القادم فالقضية قضية ضخمة كبرى هذه ناحية.
стр. 19470
الناحية الثانية هي أن الدول نظمت موازينها فهي تعرف ما هي في حاجة إليه ويكون هذا قبل إعداد الميزانية تعرف ما هي في حاجة إلية من ثياب للجيش ومن أحذية للجيش وتعرف ما هي في حاجة إليه من تجهيزات في المستشفيات ومن تجهيزات للمعاهد وللكليات والجامعات فهذه الحاجات لا يمكن أن تكون تتبع سعر السوق نزولا وهبوطا ولكن الميزانية لا بد أن تبنى على أمر ثابت حتى توزع توزيعا عادلا وحتى تكون الميزانية ميزانية صالحة للتطبيق لا تتناقض عند التطبيق.
فكان عقد التوريد الذي تنشئه الدول والدول لا تختزن كامل الميزانية في أول السنة حتى تستطيع أن تشتري سلما وإنما هي تحصل على الواردات شيئا فشيئا وتدفع الأثمان شيئا فشيئا فعقد التوريد إذن عقد فرض نفسه لأمرين: دخول الآلة والتنظيم الداخل اللازم في الدول وفي تنظيم ميزانية الدول فلو نظرنا في هذا العقد نجد أن العاقد أو المشتري يلتزم بشراء كمية محدودة معلومة موزعة لها مواصفاتها ويلتزم البائع أيضا بذلك ولكن هو ابتداء دين بدين حسب التعبير الفقهي وابتداء الدين بالدين لا شك في تحريمه وذلك أن المعاملات التي أباحها الله للناس إنما هي المعاملات التي يقع فيها تقديم مال مقابل عين أو العكس أما أن تصبح الذمم هي التي محل العقود فهذا فساد في الكون وفساد في المجتمع وخروج بالتعامل عن الأصل الذي وضع عليه. جاء الإخوان شكر الله لهم فنظروا في أبواب الفقه وفي جزئياته وأرادوا أن يجدوا مخارج لابتداء الدين بالدين.
أول تخريج رأيته هو أن ابتداء الدين بالدين ليس كفسخ الدين بالدين وأن ابتداء الدين بالدين لا مانع منه. واعتمد في هذا على مناقشة الإمام ابن تيمية في تحليله في لا في أصل القضية، فالإمام ابن تيمية لما قال: إن ابتداء الين بالدين حرام قال: " وذلك لأنه عمل لا فائدة منه " فناقشوا هذا التعليل وقالوا إنه فيه فائدة وأنه لولا أنه فيه فائدة لما أقدم عليه كل واحد من الطرفين فحتى لو فرض قبول هذه المناقشة لابن تيمية فإنما الذي يسقط هو تعليل ابن تيمية لا الحكم الشرعي الأصلي وهو النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. آخرون نظروا في جزئيات من الفقه وابتسروها، وهذا ابتسارا أو قطع للنص عن تمامه فتمام النص أن صاحب المدونة يقول: " وليس هذا من باب الدين بالدين ". كما ابتسروا نصا آخر في المدونة وهو ما يسمى ببيع أهل المدينة في اشتراء اللحم لمدة زمنية معينة وأن يكون الثمن العطاء وقالوا: " هذا جائز وهو قد عمرت فيه الذمتان " ولم يتابعوا النص في نهايته ففي نهاية النص " أن هذا ليس من بيع الدين بالدين ". وهنا لابد أن نفهم أن هؤلاء الفقهاء الكبار الذين تركوا لنا هذه الثروة الفقهية ليسوا من البساطة في العقود أن يقولوا: (ليس هذا من بيع الدين بالدين) ثم يجدوه وهو في الواقع من بيع الدين بالدين. فما هو السر؟ السر في ذلك هو أن كراء الأرض لا يكون لازمًا إلا إذا كانت مأمونة بالسقي أو نزلت الأمطار بما تكفي للزراعة والإنبات، وأنه قبل هذه الفترة ولو للسنة ذاتها العقد غير لازم، فهو عقد منحل. ولما ذكروا قضية اللحم لمدة معلومة اشترطوا في ذلك شروطًا، الشرط الأول: وهو أن يشرع المشتري في أخذ القسط الأول من اللحم. وهو ما عبر عنه من قواعد الفقهاء المعلومة بأن قبض الأوائل يعد قبضًا للأواخر، فليس هناك تعمير ذمتين ولكن هناك تواصل يبتدئ من اليوم الأول الذي يأخذ فيه مشتري اللحم القسط الأول ينتهي في نهاية الشهر أو عند أجل العطاء الذي كان معلومًا كما قال مالك لما سئل عن هذا.
стр. 19471
إذن القضية الكبرى الآن التي أمامنا – أو الإشكالية الكبرى – هو أنه عندنا عقد ضروري لابد منه لأنه لا يمكن أن نقول للعالم الإسلامي: اتركوا المعامل واستمروا في الصناعة اليدوية، ومن ناحية أخرى قاعدة من قواعد الشرع أو من الأحكام العامة أنه لا يجوز ابتداء الدين بالدين. فكيف يمكن التوفيق في هذه الإشكالية؟ هنا نعود إلى الأصول، فإنه لما تحدث الفقهاء أو كبار الفقهاء عن تقسيم المصالح المعتبرة ليس ذلك التقسيم هو تقسيم لإظهار الحكمة الشرعية في الأحكام الموجودة ولكنه فتح لآفاق التشريع الذي عبر عنه الإمام مالك بالمصالح المرسلة. فالمصالح المرسلة هي العودة بالقضايا الجزئية إلى هذه القواعد العامة التي انبنت عليها الشريعة والتي هي تراعى والتي كما قال المحقوقون من الأصوليين: إنها قواعد يقينية أكثر من الجزئيات لأنها مستمدة من جزئيات متعددة تصل بصاحبها إلى اليقين، فإذن الحجة متأكدة إلى هذه العقود، ولما كان هذا من نوع الحاجي الذي يوقع المسلمين في حرج إذا لم يراعوا الحجة، كما هو تعريف الحاجي، هنا نقول: إنه يقع الاقتصار في بيع الدين بالدين أو فيما يعبر عنه بهذه العقود أو ابتداء الدين بالدين يقتصر في ذلك فقط على هذه العقود التي يكون الناس في حاجة إليها، ولا تخرج خروجًا عامًا حتى تدخل فيها ما هو موجود الآن في الأسواق العالمية في بيع السلع من أنهم يبيعون بذمم ثم بعد ذلك تقع المقاصة بينهما، فبيع السلع بالذمم بيعًا عامًا هو قمار، وهذا القمار ممنوع وما أدى إليه ممنوع، فنقول: إن ابتداء الدين بالدين إذا لم يكن لحاجة هو ممنوع لأنه من القمار. وأما ابتداء الدين بالدين في عقود التوريد فهو جائز لحاجة المسلمين سواء أكان ذلك في دولهم أوكان ذلك في معاملهم.
هذا ما أردت تحريره في أصل القضية.
ثانيًّا: هناك قضية منهجية وأرجو أنه عندما يقع في البحوث مقارنة عقد بعقد ألا يقتصر على النواحي التي يتفق فيها العقدان، ولكن لابد من بيان ما يتفق فيه العقد مع هذا العقد والنواحي التي يختلف فيها هذا العقد مع هذا العقد، وأنه إذا اقتصرنا فقط على نواحي التشابه واعتمدنا قياس الشبه فقياس الشبه غير معتمد إنما المعتمد هو قياس العلة. ولذا لا أريد أن أذكر كل باحث بما اعتمده من قياس الشبه المبتسر ولكن أقول أرجو أن تكون هذه قاعدة في البحث.
الأمر الثالث والأخير – وأشكركم إذا صبرتم على إطالتي – هو أن يقع الالتزام بما اتفقنا عليه في جلستنا السابقة وما ذكرت به الأمانة العامة مشكورة ألا تطول البحوث إلى أكثر من مائة صفحة، فليختصر كل باحث بحثه على القضايا المرتبطة بالموضوع دون الدخول في قضايا أخرى بعيدة. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19472
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أول ما أريد أن أنوه به أن هذه الأبحاث تمثل غرضًا أساسيًّا من أغراض المجمع، فالعقود المستجدة هي أحوج ما يكون في أن تدرس في هذه اللقاءات الجماعية لأنها تنشط الاجتهاد الجزئي أو ما يسمى اجتهاد المسألة، وتحرك الأذهان للتخريج واستخلاص التكييفات الشرعية من النصوص أو القواعد الفقهية أو العقود.
والأمر الثاني: أن هذه المداخلات يحصل فيه تكرار، والذي سألتزم به أنه ما سبق سوف أقتصر على تأكيده وأركز على الجديد مما لم يقع تناوله ولا سيما حينما يتأخر من يتدخل.
عقد التوريد هو عقد فعلًا، وهو عقد مستجد، ولكن لا مانع بل من المطلوب أن يستأنس في تأصيل هذه العقود المستجدة ببعض القواعد أو بعض المقررات الشرعية السابقة المسلمة. فالإشارة إلى مبدأ المواعدة الملزمة إنما هي للاستئناس وليس للتأصيل المباشر. كذلك يستأنس ببيع الاستجرار الذي نوه به الباحثون الآن وسبق إلى ذكره المرحوم العلامة الزرقا – ﵀ – في كتبه. وأريد هنا أن أبين أن طبيعة اللزوم في العقود التي لا ينفك عنها عقد التوريد ليست نمطًا واحدًا، فالإلزام تختلف أسبابه، فقد ينشأ عن العقد وقد ينشأ عن الوعد. كما أنه تختلف آثاره أو درجاته فأحيانًا يكون إلزامًا بالمعقود عليه وهو الالتزام العيني، وأحيانًا يكون التزامًا بما ينوب عنه وهو ما يسمى بالالتزام التعويضي أو دفع الضرر إذا لم ينفذ العقد.
أيضًا هناك فرق بين عقد التوريد الذي لا يخفى أنه عقد على دين بدين، هناك فرق بينه وبين عقود المستقبليات التي انتهى المجمع إلى منعها، فعقود المستقبليات التي يتأجل فيها البدلان تعاقد متردد بين الحصول على المعقود عليه أو الحصول على النقود والتي هي فرق السعر في الإقدام على العقد أو الإحجام عنه. أما عقد التوريد وعقود المناقصات فإن التعاقد يستهدف منه الحصول على المعقود عليه ولكن لا يمنع ذلك من أن يصار إلى التعويض عن الضرر إذا وقع إخلال بهذا الأثر العقدي المستهدف من عقود التوريد وعقود المناقصات.
стр. 19473
بالنسبة للإيجاب، الإيجاب كما هو معلوم يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه ما دام في مجلس العقد ولكن هناك مذهب المالكية يعطي الإيجاب المؤقت بوقت صفة الإلزام للموجب إلى أن يحصل هذا الوقت أو ينتهي ذلك الوقت، وهذا أمر نحتاجه كثيرًا في عقد المناقصة لأنه لا يصلح هذا العقد إذا ظل طرفا الإرادة مترددين، فالموجب يحق له الرجوع والقابل يحق له عدم القبول. إذن لا يحصل هناك استقرار للتعامل، لا بد أن أحد الطرفين يلزم نفسه بأمر حتى ترد عليه إرادة الطرف الآخر وإلا تقع في الدور والتسلسل، لأننا إذا قلنا إن الموجوب يمكن أن يرجع فإذا حصل القبول يكون هذا القبول إيجابًا ويحتاج إلى قبول من الطرف الآخر، وهكذا، ولا تنتهي ولا تستقر المعاملات في ذلك.
أما بالنسبة لعقود المناقصات فإنه من المستحسن والمستجاد ما نوه به فضيلة الشيخ تقي العثماني من أنه ينقسم إلى نوعين، فهو إما أن يكون على موجود أو على غير موجود. فإذا كان على بضاعة موجودة لدى البائع فهو لا يبعد عن المزايدة مع مراعاة الفرق بين عقود التوريد والمناقصات بأن عقود التوريد الثمن فيها محدد، أم المناقصات فإن الثمن فيها مربوط بأساس يؤول ويحصل به التحديد. وهنا لابد وأن يراعى في المناقصات أنها هي والمزايدة استثناء من النهي عن البيع على بيع الغير أو السوم على سوم الغير.
أخيرًا ما طرح بشأن دفتر الشروط أو وثائق العطاء فإن هذه لا تعدو أن تكون من قبيل نفقات إعداد العقود ولو لم يقع العقد، لأن العقود تعد قبل التعاقد، وهذه النفقات – نفقات العقود أو الوثيقة كما عبر الفقهاء – هي على من يلتزم بها ويتحملها أو من يلزم بها، وإذا لم يكن هناك إلزام أو التزام بتحمل هذه النفقات الفعلية فإنها تقسم على الطرفين العاقدين لأن كليهما يستفيد من هذه الشروط وهذه العقود وهذه المستندات. والله أعلم.
стр. 19474
الشيخ سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
شكرًا معالي الشيخ والشكر موصول للباحثين الذي قدموا لنا هذه الأبحاث التي جلنا فيه كثيرًا ولله الحمد وأفدنا منها فائدة عظيمة، وجمعنا معها بعض ما عرفناه في التدريس في الجامعات، وإن كان لي من إضافات , أو تثنية فأنا أثني أولًا على ما تفضل به شيخنا الشيخ العلامة عبد الله البسام وما ثنى به أيضًا الشيخ الجواهري، وأريد أن أحصر كلامي في عدة نقاط موجزة، ولعل أول ما أريد الكلام فيه هو:
ما يتعلق بصفة عقد التوريد، هل هو عقد أو وعد؟ وقد أطال في هذا الشيخ تقي العثماني – حفظه الله – ومال إلى أنه وعد وليس بعقد. والواقع أن عقد التوريد عقد ملزم للطرفين يترتب عليه الإلزام لكل واحد منهما بما عقده، وإلا لو كان وعدًا لما أمكن الإلزام به، ولما أمكن ترتيب الشرط عليه.
الأمر الثاني: الذي أريد الكلام فيه هو محل عقد التوريد. فمحل عقد التوريد من المسلمات أنه لابد أن يكون محلًا مباحًا، والأشياء المحرمة لا يجوز عقد التوريد عليها كما يحصل في كثير من الدول ومنها الإسلامية حيث يتعاقدون على توريد أشياء ممنوعة لعل منها ما يتعلق بآلات اللهو الطرف والدخان والشيش وغيرها من الممنوعات.
الأمر الثالث: من أوجه الإشكال المرتبطة بعقد التوريد ما يتعلق بالتأمين التجاري، وهذا سبق للمجمع فيه بحث وقرار.
الأمر الرابع: يتعلق بمحل عقد التوريد. فهل عقد التوريد يقع على عين معينة؟ والعين هي الشيء المشخص المعين الموجود. فإن كان عقد التوريد يقع على عين معينة مشخصة موجودة مرئية فهو بيع الرؤية، وهذا لا بأس فيه بتأجيل الثمن. وإن كان عقد التوريد يقع على عين معينة موجودة مشخصة لكنها غائبة تباع بالصفة أو بالأنموذج فهذا بيع الموصوف المعين، وهذا أيضًا لا مانع من بيعه آجلًا أو مقسطًا أو غير ذلك. إن لم يكن هذا ولا هذا فإما أن يكون محل العقد مما تدخله الصنعة، وإن كان محل العقد مما تدخله الصنعة فهو أكثر ما يحصل فيه عقد التوريد. فجميع الآلات والأطعمة التي تدخلها الصناعة وكذلك الملابس كل هذه داخلة في باب الاستصناع، والاستصناع سبق للمجمع فيه فتوى سابقة وأنه يجوز بتأجيل الثمن وتقسيطه.
стр. 19475
الأمر الخامس: يبقى أمر وهذا الأمر يتعلق بما لا تدخله الصنعة وليس من الأعيان الموجودة المرئية ولا الموصوفة كالمكيلات والموزونات التي لا تدخلها الصنعة وهذا يجب أن يطبق عليه عقد السلم بشرطه وهو: ألا يباع إلا بتقديم الثمن وإلا أغلقنا باب السلم، وألغيناه من الفقه الإسلامي، والمحاولات التي سبقت كثيرة وكررت في أكثر من مرة في دورات المجمع لمحاولة تبرير بعض العقود وإخراجها من عقد السلم فأرجوا ألا تكرر – إن شاء الله – مرة أخرى لأن عقد السلم باب مقر في الفقه الإسلامي ولا يمكن المساس به.
فما لا يمكن وصفه كالحبوب والثمار التي تكال وتوزن أو تباع عددًا كالفواكه وغيرها هذا لا بد فيه من تحقق شرط السلم وهو تعجيل الثمن وتأجيل المثمن وإلا أصبح بيع دين بدين والنبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، ونهى عن بيع الدين بالدين.
وأما ما أراد البعض أن يجعل محل عقد التوريد من بيع الصفات فبيع الصفات أو الموصوفات ينقسم إلى قسمين: بيع للموصوفات الموجودة المعينة، وبيع للموصوفات في الذمة، فبيع الموصوفات المعينة الموجودة المشخصة هذا لا ينطبق عليها ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الشخص: ((لا تبع ما ليس عندك)) . فالنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان إنما هو من بيع الأعيان، أما ما في الذمم فكل ما في الذمم يصح بيعه وهو ليس عند الشخص لأنه متعلق بالذمة.
فلعل معرفة محل العقد هل هو بيع عين موجودة، أو بيع عين موصوفة بالأنموذج أو بالوصف الذي يكفي في السلم، أو بيع المستصنعات بشرطها وبقرار المجمع فيها في السابق، أو بيع ما لا تدخله الصنعة وهو المحل المشكل والذي قد يستشكله البعض في هذه الأبحاث؟ فلابد من تحقيق شرط السلم فيه.
أمر أحببت أن أضيفه وهو ما يتعلق بكلام الشيخ وهبة الزحيلي – حفظه الله – والذي نفيد منه كثيرًا إلا أنه قال: (التعقيد الفقهي) ودعانا إلى الخروج من هذا التعقيد الذي ذكره. والواقع أن هذا تعقيد لن نخرج منه إلا إليه، وكل ما ورد في أكثر العقود المستجدة إنما هو موجود في الفقه الإسلامي ومستوفى فيه، وما علينا إلا الرجوع إلى ما قاله أهل العلم والتخريج عليه.
فأرجو أن يكون محل البحث والنقاش ينصب على محل عقد التوريد، وتفصيل كل ناحية من النواحي وإعطائها الحكم الشرعي الذي ينطبق عليه.
وشكرًا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19476
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
يبدو لي أن هذا العقد الذي نتحدث عنه اليوم والذي قدم فيه كل واحد من الباحثين جهدًا طيبًا لا يستهان به، هذا العقد هو عقد سلم تأخر فيه العوضان، يجب أن نواجه ذلك وأن نرى الأدلة التي ترد على هذا العقد.
أولًا: نتحدث عن الكالئ بالكالئ.
ثانيًّا: نتحدث عن الإجماع إذا كان قد وجد إجماع.
ثالثًا: نتحدث عن الحاجة وما تدخله الحاجة.
هذه ثلاثة أمور ينبغي أن تكون مقدمات ضرورية حتى تكون النتائج بحسب المقدمات.
فالحديث: " نهى النبي ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ "، قد روى بعض العلماء هذا الحديث وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: " إنه لم يصح شيء في ذلك ولم يثبت عن النبي ﷺ إلا أنه اتفاق الناس في العمل ".
ثانيًّا: بالنسبة لدلالة (الكالئ بالكالئ) هذا عام ينطبق على جملة أفراد وآحاد، هذه الآحاد منها فسخ الدين بالدين وهذا أقوى (الكالئ بالكالئ) ، وربما هو الفرد الذي لا يختلف فيه في دلالة (الكالئ بالكالئ) عليه. أن تفسخ دينًا لك على شخص لا يجد قضاءه في دين آخر وهذا حرام لأنه من باب إما أن تقضي وإما أن تربي، وتنطبق عليه قاعدة أخرى وحديث آخر.
إذن (الكالئ بالكالئ) عام ينطبق على عدة أفراد، هذه الأفراد طبعًا منها تأجيل العوضين وهو من باب الكالئ بالكالئ ومن باب ابتداء الدين بالدين، وابتداء الدين بالدين المالكية وضعوه في المرتبة الثالثة بعد فسخ الدين بالدين وهذا نص خليل حيث قال: " إن ابتداء الدين بالدين يتأخر عن ذلك لأنه يجوز في السلم بشرط في اليومين أو الثلاثة ويجوز بلا شرط مطلقًا. إذن يجوز ابتداء الدين بالدين من هذه الناحية ثم أجازه مالك في الاستصناع وابن رشد لما علق على هذا وغيره، وقالوا: إن هذا لا يسعه قياس ولكنه عمل الناس بأن تقول لرجل: أصنع لي هذه الدار أو أعمل لي هذه الدار أو ابن لي هذه الدار وعليك الجص والآجر. وحتى إنه لم يقيد أجلًا، قال: (الأجل معروف عرفًا) . فالكالئ بالكالئ خرجت عنه آحاد من صوره استثنيت للحاجة.
стр. 19477
هنا نقول الحاجة، في أي شيء تدخل الحاجة؟ الحاجة يقول العلماء إنها لا تدخل في الربا وإنما تدخل في الغرر إذا كان الغرر مضافًا حسب عبارة المواق. الغرر المضاف إذا انضاف إلى أصل جائز أمكن أن تعمل فيه الحاجة. إذن الحاجة يمكن أن تعمل في هذا بشروط الحاجة، وهذه الشروط منها: أن يكون العام ضعيفًا في بعض أفراده، بأن يكون هذا الفرد من نوادر الصور أو تكون صور غير معروفة فيمكن للحاجة أن تدخل في ذلك. الحاجة يمكن أن تدخل في بعض عقود الجهالة إذا لم يكن الغرر كبيرًا جدًا وهذا لا خلاف أن الحاجة لا تدخل فيه، لكن إذا كان متوسطًا – كما يقول القرافي والنووي – فقد يلحق هذا المتوسط بالأدنى وهو الغرر المغتفر لوجود حاجة كما قال خليل: " واغتفر غرر يسير لم يقصد للحاجة للنقصان "، وعبر عنها المازري بأنها للضرورة، واستشكلوا عبارة المازري بأن هذا الغرر يغتفر للضرورة، وقالوا: إن الضرورة أخص من الحاجة، والخطب سهل كما يقول البناني.
المسألة الثالثة هي الإجماع، هل هناك إجماع على منع تأجيل العوضين؟ كثير من العلماء أطلقوا الإجماع، وابن رشد في بداية المجتهد قال: إنه لا خلاف، وإنه من الأمر المجمع عليه أنه لا تجوز النسيئة بالنسيئة. لكن الأمر مع ذلك فيه تفصيل إذا أجزنا الاستصناع وأجزنا أيضًا – عند أشهب – الدين في مقابل منافع يتأخر قبضها، هذا لا يجوز عند ابن القاسم ولكنه يجوز عند أشهب. ثم – وهذا هو الأمر المهم جدًا – إن سعيد بن المسيب – رحمه الله تعالى – من المعلوم أنه كان مرجعًا في البيوع ونص على ذلك ابن تيمية وغيره، وقال: " عن سعيد بن المسيب هو أعلم التابعين بالبيوع "، وهو يحتج بذلك لأن مذهب مالك ومذهب أحمد هما أصح المذاهب في البيوع، سعيد بن المسيب يقول بجواز تأجيل العوضين صراحة. نص على ذلك ابن يونس في جامعه. وحينئذ فلسنا أمام إجماع ثابت قد يكون الإجماع في الجملة على الكالئ بالكالئ، لكنه بالنسبة لآحاد الكالئ بالكالئ لا يوجد إجماع في تعيين هذه الآحاد، هناك فرد من أفرادها وطبعًا العام وهو على فرد يدل حتمًا، فالعام يدل على فرد من أفراده وهذا الفرد هو فسخ الدين بالدين، هذا لا خلاف فيه، وكثير من العلماء فسروا به (الكالئ بالكالئ) أنه فسخ الدين بالدين. يبقى بعد ذلك تأجيل العوضين فيه خلاف، وهذا الخلاف كما قلنا سعيد بن المسيب يقول بجواز تأجيل العوضين وتأجيل البدلين، ومالك يفهم من نصوصه المختلفة أنه لا يرى ذلك أمرًا إدَّاً أي أنه لا يراه أمرًا عظيمًا.
стр. 19478
بناء على هذا يمكن أن نستثنى هذا العقد، وكما قال الشيخ المختار السلامي ألا نقول إنه يجوز تأجيل العوضين مطلقًا بل نستثنى جزءًا أو فردًا من أفراد العامي بناء على حاجة يمكن أن تدخل هذه الحاجة إذا كان النهي ليس صريحًا في الموضوع أو كانت الأسس الثلاثة لمنع البيع وهي الغرر والجهالة والربا، إذا تجنبنا هذه العيوب الثلاثة أو الأمراض الثلاثة للبيوع إذا تجاوزنا هذه الأمراض وقلنا إن التوريدات الآن لا توجد فيها جهالة كبيرة ولا غرر كبير ولا يوجد بيع فيمكن أن نجيز هذا العقد بناء على الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة: يعني عبارة السيوطي لاحظ عليها بعض العلماء أنها ليست دقيقة، وابن نجيم: الحاجة تنزل منزلة الضرورة. الحاجة قد – بقد التقليدية – تنزل منزلة الضرورة وهذا من باب الحاجي العام الذي يمكن أن يعمل في فرد من الأفراد ولكنه لا يمكن أن يكر على عموم كله بالإبطال. وهذا هو الأمر الذي يجب أن ننبه عليه في المجمع لأن كثير من الأخوة يستعملون الحاجة ويدخلون من خلالها إلى أي شيء مع الأسف. فلابد أن نهتم بذلك. هذا بالنسبة للعقد الأول.
بالنسبة للإيجاب والقبول. الإيجاب، بعض الأخوة ذكروا عن المالكية مسألة أن صاحب الإيجاب يكون نافعًا، هناك نص آخر ذكره البناني وغيره وهو أن من أوجب على نفسه شيئًا وقال: أبيع هذه السلعة بعشرة مثلًا، فمن سمع كلامه أو أبلغ له فإنه يجوز له أن يتمسك بهذا الإيجاب وبالتالي لا يستطيع الأول أن يتراجع عن إيجابه الموجه للجميع. فقد يكون ذلك نافعًا في هذا الموضوع.
النقطة الأخيرة فيما يتعلق بالوضيعة والحطيطة وهي مسألة النقصان. هذا من باب الوضيعة والحطيطة وأنا أرى أن له أصل وبالعلماء تكلموا عنه في باب المرابحة، وقالوا: يقابل هذا الوضيعة والحطيطة وهي نوع من البيوع، وبخاصة إذا قلنا إن الموجب هو الشخص الذي يشتري السلعة.
هذا باختصار رأي في هذه المعاملة التي أرى أن تكون جائزة وأن نترك قضية الشروط أن نبحثها أو الظروف التي تحيط بها من ضمان ونغيره بأن يبحث مستقلًا عن أصل العقد بمعنى أن نحكم في أصل العقد ثم ننتقل إلى ما يحيط به من الضمانات لنحكم فيه حكمًا مستقلًا.
وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19479
الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
لا شك أن البحوث التي قدمت في هذا الموضوع امتازت بالدقة في الملاحظة وملاحقة المراجع لاستخراج النص الشرعي الذي يمكن أن توضع تحته هذه العقود التي قذفت بها المعاملات الجديدة. والتي فرضت نفسها على الساحة الإسلامية بسبب تراكم الصناعات وكثيرة الحاجة إليها، وأيضًا بسبب ما يعرفه أصحاب القوانين بطيعة تنفيذ العقد، وما تفرضه طبيعة تكوين العقد من إعطائه مدة حتى يمكن أن تنتج البضاعة التي تكون محل العقد. والذي يثلج الصدر هو أن أصحاب البحوث ذهبوا في مجمل أقوالهم إلى جواز هذه المعاملة في مبادئها العامة إن وقع شرط استبعاد الربا والغرر من المعاملة نفسها. والذي ذهبوا في كثير من بحوثهم وتناقضاتهم إليه هو البحث عن الاسم الشرعي الذي يمكن أن يعطى لهذه المعاملة.
الحقيقة أن كثيرًا من الملاحظات التي كنت سأقولها قالها شيوخي وأساتذتي قبلي ولكن لي بعض التساؤلات حول التكييف العلمي الذي قدمه العالم الجليل محمد تقي العثماني في بحثه القيم عن عقد التوريد وفي تقديمه للموضوع جعل اتفاقيات التوريد مواعيد ملزمة على الطرفين بإنشاء عقد، ثم يتم العقد في حينه على أساس الإيجاب والقبول، أو على أساس التعاطي والاستجرار.
التساؤل الأول هو أن عقد التوريد الإيجاب والقبول تما فيه عند وقت إبرام الاتفاقية بين أصحاب العقد، وإذا كنا جعلناه غير ملزم فما هي الصيغة التي يمكن أن تضمن بها مصالح كل طرفي العقد عند توريد البضاعة؟ .
стр. 19480
ثم استبعد الأستاذ المبلغ الذي يدفعه الطالب، استبعده من أن يعطي له اسم العربون قائلًا بأنه لا يمكن أن يكون عربونًا مبررًا ذلك بأن اتفاقية التوريد ليست عقدًا باتًا، والحال أننا إن حددنا الثمن والمقدار وتاريخ التسليم فلا مانع من تقديم عربون لتوثيق عملية الاتفاق على التوريد الذي سيشمل وقائع لابد من مراعاة مصالح طرفي العقد فيها، فكثيرًا ما يكون المحل بضاعة ستصنع أو سيتم شراؤها من جهات أخرى، أو إنتاج فلاحي يجنى في وقت معين، فكثيرًا ما يكون عليه الطلب خلال تلك المدة فإذا فاتت فرصته تغير الطلب على إثر ذلك، فهل من العدل أن يترك صاحب التوريد تحت اتفاق على وعد بالبيع؟ إنني أرى أن المصلحة الشرعية تقتضي أن يتم النص على أن هذا الاتفاق يجب أن يوثق إما بعربون أو بشكل آخر لا يجعل صاحب الطلب تحت رحمة اختيار المورد. وإن أحكام العربون في الفقه الإسلامي لا تتناقض مع هذا العقد. إذا كانت اتفاقية التوريد ليست عقدًا للبيع عند أصحاب القوانين الوضعية فإن هذا هو محل الريبة فيها عندنا نحن المسلمين، ولكن إذا نظرنا إلى مسيس الحاجة إليها اليوم تحتم علينا أن نبحث لها عن مندوحة تخرجها من الغرر الذي يحفها حسب المسطرة التي يتبعها أصحاب القوانين الوضعية ومراعاة لذلك فإن ما قاله القرافي من أن الناس يجب أن تتبع أعرافهم، حسب ما ذهب إليه عندما قال: إن حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب، والحكم عليهم بخلاف ذلك من الزيغ والجور إذا لم تتناقض هذه الأعراف مع الشريعة، ولابن عرفة تعريف قيم لعقد السلم يمكن أن يسحب على عقد التوريد وذلك التعريف هو: " عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة في غير متماثل للعوضين "، وقوله: " عقد معاوضة يشمل جميع أنواع البيع والكراء " وقوله: " يوجب عمارة الذمة " أخرج به بيع العين الموجودة. وفي المدونة أنه رخصة مستثناة مما ليس عندك على أن يكون المسلم فيه موصوفًا حتى يتم التأكيد على شرعيته، لأن التشريع الإسلامي لا يقر عمارة الذمة بغير مشروع لأنه غير محمي بقواعد الحكم التي تحتم على من عمرت ذمته أداء ما عمرت به.
стр. 19481
إن قول العلامة محمد علاء الدين الحصكفي في العبارة التي أوردها الشيخ الجليل عبد الوهاب أبو سليمان حول الحديث الذي تعرض إليه الإخوة يمكن أن تطبق على هذه الحالة من حالات التوريد والتي تجعله عقدًا ذا طبيعة ازدواجية، وهو يأخذ جانبًا من جوانب عقد السلم وذلك عندما قال صاحب التحفة:
فيما عدا الوصول جوز السلم
وصح في المال وليس في الذمم
والشرح لذمة وصف قام
يقبل الالتزام والإلزام
وهو بالاشتراط عند العقد
ولا يجوز فيه شرط النقد
كشرط ما يسلم فيه أن يرى
متصفًا، مؤجلًا، مقدرًا.
ثم هو يأخذ طبيعة أخرى من بيع الخيار والذي أشار إليه:
بيع الخيار جائز الوقوع
لأجل أن يليق في المبيع
كالشهر في الأصل والأيام
في غيره كالعرض والطعام
هذه الحالات لا نجد كل مقوم من مقومات عقد من هذه العقود يمكن أن يطبق على عقد التوريد، ولكن نجد صفات توفر عليها في كل عقد من تلك العقود يمكن أن تجعله عقدًا ذي طبيعة ازدواجية، ولكن التكييف الشرعي الذي يعطي له تكييفًا متميزًا نظرًا لحالته المتجددة، ولا أرى أن هناك داع للقول بأنه داخل في السلم في حد ذاته، ولا في بيع الثنيا، وإنما القواعد التي توفر عليها تجعله عقدًا صالحًا لأن نتعامل معه على أساس، وهذه هي النقطة الأساسية، لأن القوانين الوضعية لا تستبعد منه إمكانية الربا والغرر. إذا أقره المجمع فيجب أن يلزمه بشرط تحاشي الطرفين كل معاملة يمكن أن تسوق إلى غرر أو ربا.
وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19482
الشيخ عبد الله بن منيع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أشكر سماحة الرئيس على إتاحة الفرصة المباركة وأسأل الله – – أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
في الواقع أولًا أنا أؤيد ما ذكره إخوتي الأعزاء السابقين من الثناء على هذه المجهودات الجيدة التي قدمها الباحثون حفظهم الله وأدام توفيقهم ويسر لهم كل طريق من طرق الخير والسعادة.
ما يتعلق ببحث الدكتور عبد الوهاب، أولًا – حفظه الله – صور السلع محل العقود بأنها ما بين غائبة ومعدومة، وذكر محاذير عقود التوريد ومنه أمران ذكرهما في خلاصة البحث هما:
الأول: أن البعد المكاني يؤدي إلى تغير الصفات ويعرض السلعة للهلاك. الثاني: أن العدول عن الرؤية إلى الوصف غرر ومخاطرة ويفضي إلى المنازعة.
هو – حفظه الله – من ألمع فقهائنا ويعرف ذلك جيدًا ويعرف أن اختلاف الصفة لمشتري سلعة بالصفة إذا اختلفت الصفة فله خيار الصفة، وفي نفس الأمر كذلك له خيار الرؤية.فإذن كيف نقول بأن في ذلك محظوران أو نحو ذلك؟
كذلك ذكر نصوصًا عن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة عن الموضوع إلا أن النصوص التي ذكرها عن الحنفية والمالكية والشافعية خاصة بالسلع الموجودة الغائبة. والحنابلة فيما ذكره عنهم تحدثوا عن السلعة الغائبة أو المعدومة. فالسلعة الغائبة يثبت لمشتريها خيار الرؤية، والسلعة المعدومة لها أحكام بيوع السلم. وقال بأن عقود التوريد يمكن إجازتها للحاجة إليها، ويمكن أن تعتبر بديلًا عن المرابحة التي قيل فيها ما قيل. ولا يخفى أن مجموعة كبيرة من العقود تباع على سبيل المرابحة، فكيف يكون الشيء بديلًا عن نفسه؟ ثم أتمنى أن يكون قد تحدث عن السلع المستوردة وهي معدومة وقت العقد، وكذلك لو تحدث عن الثمن وأنه يجب أن يكون مدفوعًا وإلا فما وجه تأخيره؟ هل يكون على سبيل الاستصناع أم لا؟ هذه نقطة تحتاج إلى مزيد من النظر.
стр. 19483
ثم في نفس الأمر إذا قلنا بأن عقود التوريد عقود مستجدة فيجب أن يكون في تصورها ما يقتضي اعتبارها كذلك، أما أن تكون هي صورة لتعامل موجود مثله فيما ذكره الفقهاء السابقين وذكروا أحكامه فكيف نعتبره تعاملًا جديدًا على سبيل التحكم والدعوى حيث إن السلع المستوردة لا يخلو أمرها إما أن تكون موجودة أو معدومة؟ وفقهاؤنا السابقون ﵏ – ذكروا أحكام البيوع على أعيان موصوفة موجودة غائبة، أو على أعيان معدومة وقت العقد، ذكروا هذا وذكروا هذا. فإذن لا يتصور أن يقال بأن هذه من العقود المستحدثة التي يجب أن نأخذ بها على الأصل في أن الأصل في العقود أو في المعاملات الإباحة. رأيي أن عقود التوريد ليس في أمرها إشكال حتى نخرجها عن مقتضيات أحكام بيوع الصفة، ما كان منها موجودًا غائبًا أو كان منهًا معدومًا، وعلماؤنا – ﵏ – ذكروا أحكام ذلك وليس في المسألة شيء جديد حتى نقول بأنه يجب أن نأخذ بأحكام ما يستجد لدينا.
ما ذكره الأخ الكريم القاضي العثماني باعتبار عقود التوريد عقود مواردة أو عقود وعد، وإن قال بأن الوعد ملزم وهو ما اختاره المجمع وأصدر به قرارًا لكن هذا القول مخالف للواقع، فهي بيوع يجري عليها التصرف بها من بيع ونحوه قبل التسلم على رأي من يقول بجواز تصرف البائع فيما اشتراه قبل قبضه إياه. فإذن هي بيوع وليست عقودًا، فيجب أن يكون بحث الموضوع منطبقًا مع واقع وجوده، وإذا كان مخالفًا للمقتضى الشرعي بحثنا البديل عنه.
كذلك ذكر الشيخ العثماني – حفظه الله – أن بيع دفتر المزايدة أو المناقصة يجب أن يكون بقيمة التكلفة. والواقع أن وراء رفع سعر الدفتر مقصدًا وهو مقصد مصلحي في أنه لا يتقدم لهذه المناقصة أو لهذه المزايدة إلا من هو أهل لها. وهذا في الواقع يعتبر حماية من أن يشغل القائمون بهذا العمل أو بهذا التعامل التجاري من ليس أهلًا لذلك.
هذا ما أحببت التنبيه إليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19484
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
البحوث طويلة شكر الله لكاتبيها، والتعليقات كثيرة، والوقت قصير. ولهذا سأقتصر في حديثي على مسألتين فقط:
المسألة الأولى: تتعلق بما نسبه إلي الدكتور عبد الوهاب وما نسبه إلي أيضًا الدكتور رفيق المصري.
الدكتور عبد الوهاب ذكر في بحثه في الكلام عن حديث حكيم بن حزام الذي قال له فيه الرسول ﷺ : ((لا تبع ما ليس عندك)) واختلف المفسرون في تفسير هذا الحديث وذهبوا مذاهب متعددة. ذكر الدكتور عبد الوهاب رأي الباجي وهو أنه يرى أن هذا خاص بالأعيان المعينة، ثم قال: صحيح هذا هو رأي الباجي ولكنه قال: وأيده الأستاذ الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير فذكر عبارة لا تدل على هذا المعنى. أنا رأيي عكس هذا الرأي تمامًا ليس في الأعيان المعينة وإنما قلت " إنما هو فيما إذا كان فيه البيع حالًا " يعني دخل البائع والمشتري على أن يتسلم المشتري المبيع في الحال وليس فيه إذا كان المدخول فيه على تأجيل الثمن. وأردت بهذا أن اخرج بيع الاستيراد، لأن بيع الاستيراد أو بيع التوريد مدخول فيه على التسليم في المآل (فيما بعد) ، أي مؤجل التسليم. هذه هي النقطة الأولى.
النقطة الثانية: ما نسبه إلي الدكتور رفيق المصري من أنني أقول يجوز بيع الدين بالدين – وهذه أعظم – معتمدًا في ذلك على اعتراضي على ابن القيم في تعليله لمنع بيع الدين بالدين بأنه لا فائدة فيه. صحيح اعترضت أنا على هذا وقلت: " إن هذا البيع فيه فائدة "، لكن لم أقل يجوز بيع الدين بالدين ومنعت هذا صراحة لعلة أخرى غير العلة التي ذكرها ابن تيمة وهي بيع الإنسان ما لا يملكه على غير وجه السلم.
ولهذا وجب التنبيه على هاتين الحالتين.
انتقل بعد ذلك إلى صلب الموضوع وهي المسألة الثانية، سأتحدث فيها عن هل عقد التوريد هذا عقد جديد أم عقد يدخل في العقود المسماة؟ وهذه هي الطريقة التي يجب أن نبحث بها في أي عقد من العقود بعد أن نكيفه.
стр. 19485
الباحثون كلهم كيفوا هذا العقد بأنه عقد المحل فيه أو المبيع غير مملوك للبائع ومؤجل التسليم، فهو من بيع الإنسان ما لا يملك على الصفة في الذمة هذا هو تكييفه الصحيح. بيع الإنسان ما لا يملك على الصفة وليس معينًا في الذمة فهو في هذا شبيه بعقد السلم، لأن عقد السلم هو أيضًا بيع الإنسان ما لا يملك في الذمة. وقد عجبت للدكتور عبد الوهاب كيف شبهه ببيع العين الغائبة على الصفة! هذا شيء آخر. بيع العين الغائبة على الصفة يكون في بيع عين موجودة ومملوكة للبائع ولكنها غير مرئية، فلا محل لها في التوريد أو الاستيراد، ولا يمكن أن يقاس عليها، لكن يمكن أن يقاس بل هو فعلًا من البيع على الصفة في الذمة، وهي هذه الصفة ملازمة له. فإذا كان هذا هو تكييف بيع التوريد وأنه من بيع الإنسان ما لا يملك على الصفة فالحكم فيه واضح وهو أنه لا يجوز إلا على وجه السلم، أي أن يكون الثمن مقدمًا. والفقهاء عندما قالوا ذلك عللوه بقولهم: " لئلا يكون من بيع الدين بالدين "، وهذه هي المشكلة بالنسبة لهذا البيع أو هذه هي أهم مشكلة.
الشيخ العثماني ذكر مشاكل متعددة، لكن يمكن الرد عليها ما عدا هذه المشكلة في نظري وهي التي تعترض بيع الاستيراد حتى لو اعتبرناه عقدًا جديدًا، لو اعتبرنا عقد الاستيراد عقدًا جديدًا فإن هذه المشكلة ستعترضه، لأن القاعدة في العقود الجديدة هي أن الأصل فيها الجواز والصحة ما لم يرد نص أو إجماع أو قياس صحيح على المنع، وهنا ورد نص وإجماع وقياس صحيح على المنع، وهو كون هذا البيع من ابتداء الدين بالدين , منع هذه الصورة من صور بيع الدين لا خلاف فيها. كيف المخرج؟
رأي بعض الأساتذة أن المخرج في الحاجة (مبدأ الحاجة) ومبدأ الحاجة معترف به في إجازة بعض العقود الممنوعة وبخاصة العقود الممنوعة بسبب الغرر. والمنع في بيع الدين بالدين سببه الغرر، فقد نص جميع الفقهاء على أن العقد الذي فيه غرر أنه إذا دعت الحاجة إليه بضوابطها الشرعية يجوز. هذه الضوابط هي أن تكون الحاجة عامة أو خاصة، وأن تكون متعينة، بمعنى أن تنسد جميع الطرق التي توصل إلى المطلوب إلا هذا الطريق. فهل هذه الضوابط موجودة في هذه المعاملة؟ هذا هو ما يحتاج إلى تحقيق وتدبر قبل أن نحكم بالجواز أو المنع، ويجب أن ننظر فيما يترتب عليه هذا الجواز لو بنيناه على الحاجة، وقد أشار الشيخ العثماني إلى هذا التخوف بقوله بعد أن ذكر المحاذير، وهي عبارة جيدة، قال: لو فتحنا باب غض النظر عن هذه المبادئ التي استمر عليها الفقه الإسلامي – ويقصد بذلك الموانع – ومن بينها منع ابتداء الدين بالدين عبر القرون، فإن ذلك يفتح المجال لإباحة كثير من العقود الفاسدة التي ابتدعها سوق الرأسمالية مثل المستقبليات وغيرها.
ولهذا فإني متوقف في هذا الحكم حتى يتبين لنا فائدة هذا العقد وأن مبدأ الحاجة ينطبق عليه انطباقًا كاملًا. وشكرًا لكم.
стр. 19486
الدكتور إبراهيم حمادي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.
شكرًا سيادة الرئيس لإتاحة الفرصة لطرح بعض التساؤلات. أتشرف بسماعي لثلة العلماء وكذلك الفقهاء، وأود أن أثني على الأوراق البحثية في موضوع المناقصات والتي سبق أن تطرق لها المجمع. أحب أن أثنى على ورقة الشيخ القاضي العثماني والمقدمة في موضوع المناقصات. ولي بعض التساؤلات فهو قد طرح عدة مسائل ويا حبذا لو تقرب متن البحث إلى الواقع المحلي. نحن نعاني من واقع الممارسة في هذه الأعمال، فعلى سبيل المثال: لو نتطرق للمناقصات أو أن المجمع يتطرق ويتكلم عن الأنظمة المعاصرة وعلى سبيل المثال في المملكة العربية السعودية نجد أن من الأنظمة التي تحكم هذا العمل نظام تأمين المشتريات الحكومي وتنفيذ مشاريعها وعقد الأشغال العامة، وهذا ما يطلق عليه العقود الإدارية، وهو موجود في معظم الدول الإسلامية، حيث إن الدولة هي الطرف القوي في العقد.
الحقيقة، إن الذي أحببت أن أطرحه هو مطلب تقديم مسودة نماذج عقود عصرية تساعد الأجهزة الهندسية ومسؤولي الرقابة والقضاء على تحديد الحقوق في كثير من شروط عقود الأشغال العامة. على سبيل المثال: نحن عندما نتكلم عن وثائق العقد، هنالك وثيقة تسمى (جداول كميات) ، وكثير من الأحيان يختلف الطرفان المتعاقدين على تحديد هذه الكميات بسبب طبيعة الأعمال الهندسية مثل الحفر، نحن لا نتوقع الحفر في بعض المواقع لبعض المباني بأنه يتجاوز كمية محددة، فهذا تساؤول. في بعض العقود تفرض مقدمًا التكلفة أو القيمة المدفوعة وإن تجاوزت كمية الحفر عن المفترض أو عن المتوقع. هذا من ناحية. الناحية الأخرى هو يثير عدة تساؤلات إضافية إلى ذلك وهو أن بعض البنود قد تكون مجحفة مثل غرامة التأخير، ولا يكون هنالك مقابلها وهو مكافأة المقاول عند إنجازه للعمل بوقت أقصر من الوقت المتفق عليه من قبل الطرفين.
وجزاكم الله خيرًا عنا، وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19487
الدكتور رفيق المصري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد، فضيلة القاضي العثماني لم يقبل بتخريج عقد التوريد على أساس الاستحسان ومخالفته لبعض القواعد والأصول، وقد رأى تخريجه على أساس المواعدة الملزمة، واحتج ببيع الوفاء، والمأخذ على اتجاهه هو:
أولًا: بيع الوفاء حيلة مكشوفة ومنعه المجمع. وعندما تكلم عن الاستصناع ذكر أن المجمع أجازه، ولكنه عندما تكلم عن بيع الوفاء لم يذكر أن المجمع منعه.
ثانيًّا: المواعدة الملزمة حيلة أخرى وبواسطتها يمكن استباحة أي معاوضة محرمة كما بينت سابقًا في بحثي عن بيع المرابحة وفي مداخلتي في المجمع حول المواعدة.
حاول بيان بعض الفروق الناعمة جدًا بين العقد والوعد الملزم، وهذه الفروق لا يكاد يشعر بها القارئ إلا بتكلف ظاهر.
стр. 19488
العثماني حنفي والحنفية خرجوا الاستصناع على أساس الاستحسان، والتوريد مثله، قال: " أما المواعدة فلا تنشئ دينًا "، ثم قال: " المواعدة ليست عقدًا "، هذا صحيح إذا كانت غير ملزمة، والكلام في المواعدة الملزمة. ثم لا أدري لماذا حذف وصف الملزمة هنا ولم يحذفه في مواضع أخرى؟
رأي أن مبلغ الضمان لا يشبه العربون، والذي جعله يرى هذا رأيه وأنه خرج التوريد على أساس المواعدة. ميز بين توريد يحتاج إلى صناعة وتوريد لا يحتاج إلى صناعة، وخرج الأول على أساس الاستصناع وخرج الثاني على أساس المواعدة، وذكر أن تخريج التوريد على أساس الاستحسان ومخالفته للقواعد والقياس يفتح المجال لإباحة كثير من العقود الفاسدة. ومأخذي ما يلي:
العثماني حنفي والحنفية كما هو معلوم خرجوا الاستصناع على أساس الاستحسان، فكيف يرضى بتخريج التوريد تارة على أساس الاستحسان وتارة على أساس رفض الاستحسان؟ يفهم من كلامه أن المواعدة ليست من قبيل الاستحسان بل هي متمشية مع القواعد، وهذا الكلام غير صحيح في نظري، فالقول بالإلزام في المواعدة من أخطر المخالفات للقواعد ولكن المسألة تحتاج إلى دقة وتعمق.
تخريج هذه المعاملات على أساس الاستسحان أقوى وأصدق من تخريجها على أساس القواعد، لأن ملف الاستحسان قد يعاد فتحه إذا تغيرت الظروف واستردت الحضارة الإسلامية مكانتها، أما التخريج على أساس القواعد ففيه تلبيس بالنسبة للحاضر وبالنسبة للمستقبل. قال: " لولا هذا الدفتر – دفتر الشروط – لاحتاج كل عارض إلى أن يجري هذه الدراسات الفنية بنفسه " انتهى كلامه، هاهنا حذف تقديره. (لاحتاج إلى أن يجري هذه الدارسات بنفسه لصالح الجهة صاحبة المناقصة) ، وبذلك يبطل مدعاه. قال: " وهذا قريب مما صدر به قرار المجمع "، والحق أنه ليس قريبًا فهو قد ميز بين دفتر شروط لا يتضمن دراسات فنية فلا يجوز بيعه، ودفتر شروط يتضمن دراسات فنية فيجوز بيعه، وقرار المجمع لا يميز هذا التمييز. فكيف يقول هذا قريب من قرار المجمع؟ ! .
قال " لا يجوز شرعًا مصادرة الضمان الابتدائي إذا سحب العارض عرضه قبل إرساء العطاء " تعليقي أن الضمان الابتدائي ما جعل إلا لهذا وإلا كان صوريًّا لا معنى له، كما أن إعطاء الحق للعارض بالانسحاب يتعارض مع مقتضيات المناقصة، بل إنه يؤدي إلى انهيارها من أساسها، والأخذ بمذهب المالكية هنا لا غضاضة فيه بل هو وجيه، وهناك عمليات يجيزها بعض الفقهاء المعاصرين لا سند لها من مذهب أو فقيه. فما معنى أن نترخص تارة فيما لا يفهم ثم نتشدد تارة فيما لا يفهم؟! .
стр. 19489
قال: " مجرد التقدم بالعرض لا ينشئ دينًا " وبنى عليه جواز انسحاب العارض قبل إرساء العطاء. والتعليق أنه ينشئ التزامًا. قال: " قد يزعم بعض الناس أنه من قبيل العربون "، كنت أتمنى أن يقول: (قد يزعم بعض العلماء أو بعض الباحثين أو بعض الدارسين) فهذا أليق مع خصوم الرأي وخصومه أكثر من واحد لا سيما وأنه لم يستطع هو تخريجه على العربون، لأنه خرج التوريد على أساس المواعدة، وخصومه خرجوه على أساس المعاقدة. ثم إن في عرضه لعله لم يتعرض لغرامات التأخير وهذه المشكلة من أهم المشكلات المطروحة في هذه الندوة.
ورقة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، هناك بعض التعليقات وردت في ورقته لأنني رجعت إلى بحثه هذا الذي كان قدمه سابقًا إلى ندوة المستجدات الفقهية في عمان عام (١٤١٤ هـ) . تأجيل البدلين في عقد التوريد منعه بعض العلماء وجعلوه من الكالئ بالكالئ، ولا ينفع الباحث تجاهل آراء هؤلاء العلماء بل يجب مناقشتها. قال أيضًا: " إن عقد التوريد ليس من قبيل بيع الدين بالدين وإنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد، ومقتضى هذا العقد – أي عقد التوريد – تأجيل دفع الثمن حتى يتم تسليم البضاعة إلا أن يكون المشتري متطوعاً بتقديمه اختياراً ". هنالك جملتان لم أفهمها، الأولى (إنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد) ، هل يريد الباحث أن يتم عقد التوريد على أساس التوعد أولًا، أم ماذا؟ والجملة الثانية (إلا أن يكون المشتري متطوعًا بتقديمه اختيارًا) . ولا أدري كيف يتطوع المشتري للبائع إلا أن يكون سفيهًا غير رشيد؟ !
قال في الخاتمة: " لم يقيد المالكية جواز البيع الغائب على الصفة بنوع معين من السلع " في حين يخص الحنابلة الجواز بالمبيعات التي يصلح السلم فيها. تعليقي: ما أهمية هذا في موضوع التوريد؟ فالتوريد ليس من باب بيع معين للغائب على الصفة، بل هو أشبه بالسلم من حيث ضرورة أن تكون السلع مثلية قابلة للوصف بالذمة دينًا.
стр. 19490
وقال في الخاتمة: " عقد البيع على الصفة هو عقد توريد في مدلوله ومضمونه ". هذا غير مسلم، لأن عقد التوريد يشبه البيع على الصفة من حيث تأجيل الثمن ويشبه بيع السلم من حيث إن المبيع يجب أن يكون مثليًا، ولكن إذا اعتبرنا بيع أهل المدينة عند المالكية ضربًا من بيع الصفة فإن بيع التوريد ينطبق عليها.
وقال كذلك: " وجود السلعة في البيع الغائب على الصفة شرط في صحة العقد لدى المذهب المالكي والمذاهب الموافقة له ". تعليقي أن وجود السلعة مطلوب في بيع العين الغائبة على الصفة ولكنه غير مطلوب في السلم.
ما نقله عن ابن القيم أرى أنه الأنسب للسلم منه لبيع العين الغائبة على الصفة.
قال أيضًا: " عقد التوريد هو البديل السليم المناسب للبنوك الإسلامية عن بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي طال فيه الخلاف بين الفقهاء المعاصرين بسبب الوعد ". أوافقه على هذا، وهذا ما كانت اقترحته على مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي منذ عام (١٤٠٤ هـ) وتعرضت فيه لبيع الغائب على الصفة، وأرسل هذا الاقتراح إلى حوالي خمسين عالمًا وجاءت ردود من اثنى عشر عالمًا منهم، ونشر الاقتراح في النشرة الاقتصادية لبنك فيصل الإسلامي السوداني لشهر ربيع الأول (١٤٠٧هـ) مع رد الدكتور الضرير، ووقتها قلت في الاقتراح " وهذا البيع لا يشمله النهي عن بيع ما ليس عنده، لأنه بيع صفة مضمونة في الذمة قابلة للتسليم ولازمة للمشتري إذا جاءت مطابقة ولا خلاف على هذا بين عامة الفقهاء ". وكان رد الدكتور الضرير وقتها: " هذه دعوى لو استطاع الباحث إثابتها فإنها تغنينا حقًا عن بيع المرابحة، ولكن الذي أعلمه أنه لا خلاف بين عامة الفقهاء في أن بيع الصفة المضمونة في الذمة يشمله النهي عن بيع ما ليس عند البائع ما لم يكن سلمًا " انتهى قول الأستاذ الضرير.
стр. 19491
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا شك أن تكييف العقود أصل مهم في معرفة التوصل إلى الحكم الشرعي السليم، ولكن ليس شرطًا في كل نازلة أو معاملة مستجدة أن تكيف. ولهذا فإن الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب (الفروسية) في بعض صور الرهان ذكر تكييفات الفقهاء المتعددة ثم قال: " وقد أجهدوا أنفسهم فأخطؤوا الحكم الشرعي "، والصحيح أن هذا عقد مستجد يطلب له الحكم الشرعي. وقد عمل المجمع في هذا في عقد الصيانة في دورته الحادية عشر، وعلى كل فقد ترون مناسبًا أن تشكل اللجنة أو تؤلف اللجنة من وجهات النظر التي سمعتم المداولة بشأنها وهم: الشيخ تقي العثماني، الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، الشيخ الصديق الضرير، الشيخ سعود، بالإضافة إلى المقرر. وبهذا ترفع الجلسة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19492
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: ١٠٧ (١ / ١٢)
بشأن موضوع
عقود التوريد والمناقصات
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ – ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠ م.)
بعد إطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (عقود التوريد والمناقصات) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.
قرر ما يلي:
١- عقد التوريد:
أولًا: عقد التوريد: عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة، مؤجلة، بصفة دورية، خلال فترة معينة، لطرف آخر، مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه.
ثانيًّا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة تتطلب صناعة، فالعقد استصناع تنطبق عليه أحكامه، وقد صدر بشأن الاستصناع قرار المجمع رقم: ٦٥ (٣ / ٧) .
ثالثًا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة، وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل، فهذا يتم بإحدى طريقتين:
أ- أن يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم السلم فيجوز بشروطه المعتبرة شرعًا المبينة في قرار المجمع رقم ٨٥ (٢ / ٩) .
ب- إن لم يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فإن هذا لا يجوز لأنه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين , قد صدر قرار المجمع رقم (٤٠ – ٤١) المتضمن أن المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه فيكون البيع هنا من بيع الكالئ بالكالئ. أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين أو لكليهما فتكون جائزة على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم.
٢- عقد المناقصات:
أولًا: المناقصة: طلب الوصول إلى أرخص عطاء، لشراء سلعة أو خدمة، تقوم فيها الجهة الطالبة لها دعوة الراغبين إلى تقديم عطاءاتهم وفق شروط ومواصفات محددة.
ثانيًّا: المناقصة جائزة شرعًا، وهي كالمزايدة، فتطبق عليها أحكامها، سواء أكانت مناقصة عامة، أم محددة، داخلية، أم خارجية، علنية، أم سرية. وقد صدر بشأن المزايدة قرار المجمع رقم ٧٣ (٨ / ٤) في دورته الثامنة.
ثالثًا: يجوز قصر الاشتراك في المناقصة على المصنفين رسميًّا، أو المرخص لهم حكوميًّا، ويجب أن يكون هذا التصنيف، أو الترخيص قائمًا على أسس موضوعية عادلة.
والله أعلم.
стр. 19493
الإثبات بالقرائن أو الأمارات
إعداد
الشيخ مجتبى المحمود
والشيخ محمد على التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مفهوم القرينة والأمارة:
القرينة من الاقتران والمصاحبة. اقترن الشيء بغيره، صاحبه، ويقصد بها: كل أمر يدل على المطلوب. وأما الأمارة فهي العلامة. (لسان العرب، أقرب الموارد) .
أقسام القرائن:
القرائن قسمان: قرائن قانونية، يقررها القانون بنص فيه، وقرائن قضائية يستنبطها القاضي من وقائع الدعوى وظروفها، وله حرية واسعة في تقديرها (١) .
وجوه الفرق بين القرينة القضائية والقانونية:
أ - القرائن القضائية أدلة إيجابية، أما القرائن القانونية فأدلة سلبية، أي أنها تعفي من تقديم الدليل.
ب - لما كانت القرائن القضائية يستنبطها القاضي والقرائن القانونية يستنبطها المشرع فإنه يترتب على ذلك أن القرائن القضائية لا يمكن حصرها، لأنها تستنبط من ظروف كل قضية، أما القرائن القانونية فمذكورة على سبيل الحصر في نصوص التشريع.
ج- القرائن القضائية كلها غير قاطعة فهي قابلة دائما لإثبات العكس ويجوز دحضها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن، أما القرائن القانونية فبعضها يجوز نقضه بإثبات العكس وبعضها قاطع لا يقبل الدليل العكسي (٢) .
د- وتتميز القرينة القانونية بدلالتها المعينة بالذات وبثبوتها وعموميتها، حيث يحتج بها على الكافة في جميع الحالات، بينما تكون القرينة القضائية مقتصرة على طرفي الدعوى المعروضة فقط (٣) .
стр. 19494
مهمة القرينة القانونية:
إن القرينة القانونية تغني من تقررت لمصلحته عن أي دليل آخر من أدلة الإثبات. فالمشرع قد استهدف بها مراعاة المصلحة العامة، وتخفيف عبء الإثبات (عندما يكون عسيرا أو صعبا على المكلف به) ، والتحفظ لمنع الالتفاف على القانون، مع مسايرة ما هو مألوف ومتعارف عليه بين الناس في تعاملهم، والأمثلة كثيرة (١) .
مهمة القرينة القضائية:
القرينة القضائية لها مهمتان: الأولى الإثبات، وشأنها شأن الشهادة.
الثانية: الطعن بها في التصرف القانوني، فإن لهذه القرائن دلالة خاصة في إثبات وجود الغش والاحتيال في التصرف أو في التعامل، فصلة القربى كالأبوة والبنوة الزوجية قرينة مسلم بها لجر مغنم عندما ينقل المدين ملكية شيء من أمواله إليهم فيتضرر الدائن. ويجوز للدائن أن يستند إلى هذه القرينة المستنبطة من صلة القربى ويطعن في تصرف مدينه بتهريب أمواله ونقل ملكيتها إلى أقربائه للحيلولة دون تسديد الدين (٢) .
стр. 19495
عناصر القرينة القضائية:
تقوم القرينة القضائية على عنصرين أساسيين:
الأول: عنصر مادي، وهو الواقعة الثابتة التي يختارها القاضي بحرية واسعة.
الثاني: عنصر معنوي، وهو عملية استنباط يقوم بها القاضي ليتوصل عن طريق هذه الواقعة الثابتة إلى الواقعة الأخرى المجهولة المراد إثباتها.
ويختلف استنباط القضاة باختلاف مداركهم وسلامة تقديرهم للوقائع. فمنهم من كان استنباطه سليما، فيستقيم الدليل معه، ومنهم من يتجافى في استنباطه عن منطق الواقع (١) .
مذاهب ثلاثة في الإثبات: يرى السنهوري أن هناك مذاهب ثلاثة في الإثبات تختلف فيما بينها بشأن الأخذ بالقرائن والأمارات، وهي كما يلي:
١- المذهب الحر أو المطلق، وفيه لا يرسم القانون طرقا محددة للإثبات يقيد بها القاضي بل يترك الخصوم أحرارا يقدمون الأدلة التي يستطيعون إقناع القاضي بها ويترك القاضي حرا في تكوين اعتقاده من أي دليل يقدم إليه.
٢- المذهب القانوني أو المقيد، وفيه يرسم القانون طرقا محددة تحديدا دقيقا لإثبات المصادر المختلفة للروابط القانونية، ويجعل لكل طريق قيمته، ويتقيد بكل ذلك الخصوم والقاضي ... وقد يغلب في الفقه الإسلامي المذهب القانوني في الإثبات، فيجب في الإثبات بالبينة شهادة شاهدين ولا يكتفي بشهادة واحد إلا في حالات استثنائية.
٣- المذهب المختلط، وهو يجمع بين الإثبات المطلق والإثبات المقيد. وأشد ما يكون إطلاقا في المسائل الجنائية، ففيها يكون الإثبات حرا يلتمس القاضي فيه وسائل الإقناع من أي دليل يقدم إليه ... ثم يتقيد الإثبات بعض التقيد في المسائل المدنية فلا يسمح فيها إلا بطرق محددة الإثبات ... وهذا المذهب الثالث هو خير المذاهب جميعا (٢) .
وسوف نلاحظ أن الذي يتغلب على الفقه الإسلامي هو المذهب المختلط وليس المذهب المقيد حسب ما أورده السنهوري.
стр. 19496
الإثبات بالقرائن القضائية:
وهي التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى ووقائعها.
نقول أن هذه القرائن لا تخلو عن إحدى حالتين، فهي إما أن تفيد العلم والاطمئنان للقاضي- كما هو الغالب الراجح - وإما لا تفيد إلا الظن.
أ - القرائن القضائية المفيدة للعلم:
هذه القرائن حجة في الإثبات، لحجية علم القاضي في القضاء.
أدلة حجية علم القاضي:
يقول صاحب الجواهر:
يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي حقوق الله تعالى على أصح القولين (١) .
ويقول الشيخ الأنصاري - بعد القول بجواز قضاء الإمام بعلمه-: وأما غير الإمام فالأقوى أنه كذلك يقضي بعلمه مطلقا في حقوق الله تعالى وحقوق الناس (٢) .
واستدل على ذلك. بـ:
١- الإجماع (٣) .
٢- الآيات الدالة على وجوب الحكم بالعدل، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، والحديث المروي عن أبي عبد الله الصادق ﵇: القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة ... إلى قوله: ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة (٤) ، حيث إن المستفاد من الآيات والروايات (أن موضوع جواز القضاء هو العدل والحق والقسط) ، فالعلم بذلك يكون علما بموضوع الحكم ومؤديا إلى العلم بالحكم، أي العلم بجواز القضاء (٥) .
٣- إن العلم أقوى من الشاهدين اللذين لا يفيد قولهما عند الحاكم إلا مجرد الظن إن كان، فيكون القضاء به ثابتا بطريق أولى (٦) .
٤- بعدما ثبتت أحكام مختلفة للموضوعات الواقعية بالخطابات التفصيلية، وقد خوطب بها الحكام على ما هو المفروض كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، إلى غير ذلك، وفرض علمهم بتحقق تلك الموضوعات على ما هو المفروض فيجب عليهم ترتيب آثار تلك الموضوعات، وإلا لم تكن الآثار آثارا لتلك الموضوعات
стр. 19497
٤- (١) .
وهناك روايات استند إليها بعض الفقهاء في إثبات جواز قضاء القاضي بعلمه (٢) .
ولا ينافي ذلك قوله ﷺ : ((إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)) (٣) ، لأن تلك الأخبار لا تدل على الحصر، حتى بالنسبة إلى العلم، بل غاية ما تدل عليه الأخبار المذكورة هو الحصر بالإضافة إلى غير العلم، وذلك إما من جهة كون الحصر فيها بملاحظة الغالب، من حيث عدم حصول الظن غالبا على خلافهما، وإما من جهة كون المراد منها إنا لا نتفحص عن الواقع ولا يجب علينا الفحص عن الواقع بل نحكم بالبينة والأيمان. لا أنه إذا حصل العلم لنا لا نعمل به بل نأخذ بالظاهر (٤) .
أضف إلى ذلك ما قد يقال من أن البينة في الرواية ليست بالمعنى المصطلح بل يقصد بها كل ما يوضح الحق ويبينه (٥) .
ثم إنه قد صرح صاحب الجواهر بأن الظاهر إرادة الأعم من اليقين والاعتماد القاطع من العلم ولو من تكثير الأمارات، لكون الجميع من الحكم بالحق والعدل والقسط عنده، ولغير ذلك من الأدلة (٦) .
والمقصود بالاعتماد القاطع: هو الاطمئنان الذي يبقى احتمال الخلاف معه ضئيلا.
стр. 19498
العلم الحسي والحدسي:
ومن الضروري التركيز على أن العلم الناشيء عن القرائن قد يكون حسيا أو قريبا من الحس، بمعنى أن القرائن والأمارات تكون محسوسة أو قريبة من الحس. وقد يكون حدسيا غير مستند إلى الحس. والمتيقن من أدلة حجية علم القاضي هو العلم الحسي أو القريب من الحس، فإن حجيته مرتكزة عند العقلاء، أما العلم الحدسي فلا ارتكاز لحجيته، إذ من المعقول عند العرف والعقلاء افتراض عدم السماح للقاضي بالقضاء، لأنه يكثر فيه الخطأ (١) .
القيافة:
ومن هنا نقول أن لا اعتبار بالقيافة وقول القائف (والقائف هو الذي يعرف الآثار ويلحق الولد بالوالد والأخ بأخيه، من قولهم قفت أثره، إذا تبعته) (٢) ، لأنه لا يؤدي- على أفضل التقادير- إلا إلى علم حدسي للقاضي.
قال صاحب الجواهر في الاختلاف في الولد: ولا عبرة بالقيافة في مذهبنا. عن أمير المؤمنين ﵇ لا يؤخذ بقول عراف وقائف: بل عنه ﵇ أيضا أنه لم يكن يقبل شهادة أحد منهما، وعن أبي جعفر الباقر ﵇ من سمع قول قائف أو كاهن أو ساحر فصدقه أكبه الله على منخريه في النار.
وما في بعض النصوص من الدلالة على قبولهم ﵈ قول القائف محمول على خصوص الواقعة التي طابق فيه قوله الواقع، ومنه خبر المدلجي الذي بشر النبي ﷺ أن أقدام أسامة وزيد بعضها من بعض، فإنه ﵌ لم يكن في شك من ذلك، وإنما سر بذلك لطعن المنافقين بينهما إغاظة لهم، وكان اعتمادهم على قول القائف (٣) .
والحكم في الاختلاف في الولد هو القرعة بين الواطيين كما حكم بذلك أمير المؤمنين ﵇ في حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في صحيحه، وقال ابن حزم: هذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات (٤) .
стр. 19499
الفراسة:
وكذلك لا عبرة بالفراسة، فإنه- على ما قيل- نوعان: أحدهما ما يوقعه الله في قلوب أوليائه، فيعلمون بعض أحوال الناس بنوع من الكرامات وإصابة الحدس والظن، وهو ما دل عليه ظاهر الحديث: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وثانيهما نوع يعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس (١) ، وهذا الثاني هو الذي يقال عادة في تعريف الفراسة بأنه المهارة في تعريف بواطن الأمور من ظواهرها (٢) .
إذ النوع الأول وإن أفاد علماً مصيباً لكنة من العلوم الغيبية التي صرح الفقهاء بعدم جواز استناد القضاء إلى هذه العلوم (٣) .
وأما النوع الثاني: فإن كان مستنداً إلى القرائن الحسية فهو حجة لحجية العلم الحسي، وأما إن كان مستنداً إلى مقدمات حدسية ونظرية فلا يكون حجة، لعدم حجية العلم الحدسي، وكثرة وقوع الخطأ فيه.
стр. 19500
لفت نظر:
قد يقال: إن منع القاضي عن القضاء بعلمه هو الأوفق بمقاييس الحق والعدل، وذلك نظراً لضعف الوازع الديني وفساد الضمير في كثير من الناس وطغيان حب المادة على النفوس، حتى أصبح علم القاضي الشخصي مكتنفا بالظنون والريب، حتى قال الفقيه الشافعي: لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه (١) .
وقيل أيضا: إن من مصاديق قاعدة سد الذرائع هو منع القاضي عن القضاء بعلمه، سدا لتسليط بعض قضاة السوء على قضاء باطل (٢) .
لكن الفقه الشيعي الذي اشترط العدالة في القاضي يرى جواز قضاء القاضي بعلمه- كما تقدم-، ويرى أن علم القاضي- في فرض عدالته- كاشف أمين عن الواقع في غالب الأحيان (٣) .