الإثبات بالقرائن القضائية:
وهي التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى ووقائعها.
نقول أن هذه القرائن لا تخلو عن إحدى حالتين، فهي إما أن تفيد العلم والاطمئنان للقاضي- كما هو الغالب الراجح - وإما لا تفيد إلا الظن.
أ - القرائن القضائية المفيدة للعلم:
هذه القرائن حجة في الإثبات، لحجية علم القاضي في القضاء.
أدلة حجية علم القاضي:
يقول صاحب الجواهر:
يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي حقوق الله تعالى على أصح القولين (١) .
ويقول الشيخ الأنصاري - بعد القول بجواز قضاء الإمام بعلمه-: وأما غير الإمام فالأقوى أنه كذلك يقضي بعلمه مطلقا في حقوق الله تعالى وحقوق الناس (٢) .
واستدل على ذلك. بـ:
١- الإجماع (٣) .
٢- الآيات الدالة على وجوب الحكم بالعدل، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، والحديث المروي عن أبي عبد الله الصادق ﵇: القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة ... إلى قوله: ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة (٤) ، حيث إن المستفاد من الآيات والروايات (أن موضوع جواز القضاء هو العدل والحق والقسط) ، فالعلم بذلك يكون علما بموضوع الحكم ومؤديا إلى العلم بالحكم، أي العلم بجواز القضاء (٥) .
٣- إن العلم أقوى من الشاهدين اللذين لا يفيد قولهما عند الحاكم إلا مجرد الظن إن كان، فيكون القضاء به ثابتا بطريق أولى (٦) .
٤- بعدما ثبتت أحكام مختلفة للموضوعات الواقعية بالخطابات التفصيلية، وقد خوطب بها الحكام على ما هو المفروض كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، إلى غير ذلك، وفرض علمهم بتحقق تلك الموضوعات على ما هو المفروض فيجب عليهم ترتيب آثار تلك الموضوعات، وإلا لم تكن الآثار آثارا لتلك الموضوعات
стр. 19497
٤- (١) .
وهناك روايات استند إليها بعض الفقهاء في إثبات جواز قضاء القاضي بعلمه (٢) .
ولا ينافي ذلك قوله ﷺ : ((إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)) (٣) ، لأن تلك الأخبار لا تدل على الحصر، حتى بالنسبة إلى العلم، بل غاية ما تدل عليه الأخبار المذكورة هو الحصر بالإضافة إلى غير العلم، وذلك إما من جهة كون الحصر فيها بملاحظة الغالب، من حيث عدم حصول الظن غالبا على خلافهما، وإما من جهة كون المراد منها إنا لا نتفحص عن الواقع ولا يجب علينا الفحص عن الواقع بل نحكم بالبينة والأيمان. لا أنه إذا حصل العلم لنا لا نعمل به بل نأخذ بالظاهر (٤) .
أضف إلى ذلك ما قد يقال من أن البينة في الرواية ليست بالمعنى المصطلح بل يقصد بها كل ما يوضح الحق ويبينه (٥) .
ثم إنه قد صرح صاحب الجواهر بأن الظاهر إرادة الأعم من اليقين والاعتماد القاطع من العلم ولو من تكثير الأمارات، لكون الجميع من الحكم بالحق والعدل والقسط عنده، ولغير ذلك من الأدلة (٦) .
والمقصود بالاعتماد القاطع: هو الاطمئنان الذي يبقى احتمال الخلاف معه ضئيلا.
стр. 19498
العلم الحسي والحدسي:
ومن الضروري التركيز على أن العلم الناشيء عن القرائن قد يكون حسيا أو قريبا من الحس، بمعنى أن القرائن والأمارات تكون محسوسة أو قريبة من الحس. وقد يكون حدسيا غير مستند إلى الحس. والمتيقن من أدلة حجية علم القاضي هو العلم الحسي أو القريب من الحس، فإن حجيته مرتكزة عند العقلاء، أما العلم الحدسي فلا ارتكاز لحجيته، إذ من المعقول عند العرف والعقلاء افتراض عدم السماح للقاضي بالقضاء، لأنه يكثر فيه الخطأ (١) .
القيافة:
ومن هنا نقول أن لا اعتبار بالقيافة وقول القائف (والقائف هو الذي يعرف الآثار ويلحق الولد بالوالد والأخ بأخيه، من قولهم قفت أثره، إذا تبعته) (٢) ، لأنه لا يؤدي- على أفضل التقادير- إلا إلى علم حدسي للقاضي.
قال صاحب الجواهر في الاختلاف في الولد: ولا عبرة بالقيافة في مذهبنا. عن أمير المؤمنين ﵇ لا يؤخذ بقول عراف وقائف: بل عنه ﵇ أيضا أنه لم يكن يقبل شهادة أحد منهما، وعن أبي جعفر الباقر ﵇ من سمع قول قائف أو كاهن أو ساحر فصدقه أكبه الله على منخريه في النار.
وما في بعض النصوص من الدلالة على قبولهم ﵈ قول القائف محمول على خصوص الواقعة التي طابق فيه قوله الواقع، ومنه خبر المدلجي الذي بشر النبي ﷺ أن أقدام أسامة وزيد بعضها من بعض، فإنه ﵌ لم يكن في شك من ذلك، وإنما سر بذلك لطعن المنافقين بينهما إغاظة لهم، وكان اعتمادهم على قول القائف (٣) .
والحكم في الاختلاف في الولد هو القرعة بين الواطيين كما حكم بذلك أمير المؤمنين ﵇ في حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في صحيحه، وقال ابن حزم: هذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات (٤) .
стр. 19499
الفراسة:
وكذلك لا عبرة بالفراسة، فإنه- على ما قيل- نوعان: أحدهما ما يوقعه الله في قلوب أوليائه، فيعلمون بعض أحوال الناس بنوع من الكرامات وإصابة الحدس والظن، وهو ما دل عليه ظاهر الحديث: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وثانيهما نوع يعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس (١) ، وهذا الثاني هو الذي يقال عادة في تعريف الفراسة بأنه المهارة في تعريف بواطن الأمور من ظواهرها (٢) .
إذ النوع الأول وإن أفاد علماً مصيباً لكنة من العلوم الغيبية التي صرح الفقهاء بعدم جواز استناد القضاء إلى هذه العلوم (٣) .
وأما النوع الثاني: فإن كان مستنداً إلى القرائن الحسية فهو حجة لحجية العلم الحسي، وأما إن كان مستنداً إلى مقدمات حدسية ونظرية فلا يكون حجة، لعدم حجية العلم الحدسي، وكثرة وقوع الخطأ فيه.
стр. 19500
لفت نظر:
قد يقال: إن منع القاضي عن القضاء بعلمه هو الأوفق بمقاييس الحق والعدل، وذلك نظراً لضعف الوازع الديني وفساد الضمير في كثير من الناس وطغيان حب المادة على النفوس، حتى أصبح علم القاضي الشخصي مكتنفا بالظنون والريب، حتى قال الفقيه الشافعي: لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه (١) .
وقيل أيضا: إن من مصاديق قاعدة سد الذرائع هو منع القاضي عن القضاء بعلمه، سدا لتسليط بعض قضاة السوء على قضاء باطل (٢) .
لكن الفقه الشيعي الذي اشترط العدالة في القاضي يرى جواز قضاء القاضي بعلمه- كما تقدم-، ويرى أن علم القاضي- في فرض عدالته- كاشف أمين عن الواقع في غالب الأحيان (٣) .
стр. 19501
ب- القرائن القضائية غير المفيدة للعلم:
لا يجوز التعويل على الظن في باب القضاء، ومن هنا فإن القرائن القضائية التي لا تفيد العلم للقاضي لا يعتمد عليها، وذلك للأدلة الناهية عن اتباع الظن.
كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وقوله عز من قائل: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
وقد قال الصادق ﵇ في عد القضاة الذين هم من أهل النار: ((ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم)) (١) .
وقد ادعى الوحيد البهبهاني أن عدم جواز العمل بالظن بديهي عند العوام فضلا عن العلماء (٢) .
نعم يمكن أن يقال: إن الظن والقرائن قد يوهن الدليل أو يرجحه على الدليل الآخر. فإن القرينة الظنية قد تفيد أقربية بينة أو دليل إلى الواقع أو أبعديتها عنه، والذي يعرف من بناء الفقهاء هو الأخذ بكل دليل اشتمل على ما يوجب أقربيته إلى الصواب، سواء كان لأمر راجع إلى نفسه، أو لاحتفافه بأمارة أجنبية توجب قوة مضمونها (٣) .
стр. 19502
الإثبات بالقرائن القانونية:
وهي القرائن التي نص الشارع على اعتبارها والأخذ بها، أفادت العلم أم لا، وبديهي أن للقاضي الاستناد إلى هذه القرائن إلا إذا ما علم خلافها، وذلك استنادا إلى شرعية هذه القرائن.
ولذا سبق وأن قلنا إن مهمة القرائن القانونية هي إعفاء من تقررت لمصلحته من تقديم أي دليل آخر للمحكمة.
أقسام القرائن القانونية:
وقد قسم العلماء القرائن القانونية إلى قسمين:
١- القرينة القانونية القاطعة أو المطلقة، وسميت قاطعة لأنها لا تقبل إثبات العكس، كالقرينة القانونية التي تنص على أن: كل تبرع صادر لعدم الأهلية يكون باطلا، سواء ستر في صورة عقد معاوضة أو صدر لشخص مسخر، ولكن ليس معنى ذلك أن القرينة قاطعة لا تدحض أبدا، فهي لا تستعصي على أن تدحض بالإقرار واليمين، فإن المسؤولية عن الحيوان وعن الأشياء قرينة قاطعة لا يمكن للمسؤول إثبات عكسها ولكنه يستطيع دحضها بقرار يصدر من خصمه أو بيمين يوجهها إلى هذا الخصم فينكل (١) .
٢- القرينة القانونية غير المقاطعة أو البسيطة: وهي القرينة التي يمكن إثبات عكسها ونقضها بأدلة أعلى، فإن وجود سند الدين في حوزة المدين قرينة على براءة ذمته من الدين، وهذه قرينة قانونية غير قاطعة، إذ للدائن أن يثبت خلاف ذلك، كأن يدعي بأن السند مفقود أو سرق منه أو أنه مغتصب منه وعند ثبوت صحة ذلك تنقض قرينة الوفاء (٢) .
стр. 19503
تقسيم آخر للقرائن القانونية:
ويمكن تقسيم القرائن القانونية بالنظر إلى القوانين الشرعية الإسلامية وذلك كالتالي:
١- الأصول الشرعية:
ونقصد بالأصل هو الذي يبنى عليه في الحالات المشكوكة البدائية إلى أن يثبت خلافها. ونذكر على سبيل المثال:
- أصالة براءة الذمة، والتي استند الفقهاء إليها في كثير من الموارد لإثبات براءة ذمة المنكر.
- أصالة الصحة في فعل المسلم وقوله.
- أصالة الصحة في العقود والإيقاعات.
- الاستصحاب بجميع تطبيقاته.
стр. 19504
٢- القواعد الشرعية:
وهي كثيرة متناثرة في الأبواب الفقهية، ونذكر علي سبيل المثال:
- كل شيء لا يعلم إلا من قبل مدعيه يسمع قوله فيه.
- اليد أو التصرف أمارة الملكية.
- على اليد ما أخذت حتى تؤدي (قاعدة الضمان) .
- الحيازة سبب للملكية.
- المشقة موجبة للتخفيف.
- العارية لا تضمن إلا بالشرط.
- الولد للفراش وللعاهر الحجر.
- الضرورات تبيح المحظورات.
- قاعدة الإحسان (نفي الضمان عن المحسن) .
وتطبيقا لبعض القواعد التي مر ذكرها نذكر التطبيقات التالية:
• لو ادعت الزوجة أن عدتها قد انقضت وأنكر الزوج ذلك، فيقدم قول الزوجة، استنادا إلى قاعدة: إن كل شيء لا يعلم إلا من قبل مدعيه يسمع قوله فيه، وكذلك تطبيقاتها الروائية، كقول الباقر ﵇: العدة والحيض للنساء، إذا ادعت صدقت (١) .
• من ادعى مالا لا يد لأحد عليه قضي له به من دون بينة ويمين بلا خلاف، لأصالة صحة قول المسلم وفعله، بل كل مدع ولا معارض له (٢) .
• لو ادعى المستودع رد الوديعة بعد مطالبة المودع إياها، فقد ذهب المشهور من فقهاء الإمامية إلى قبول دعوى المستودع من دون بينة، وذلك استنادا إلى قاعدة الإحسان (ما على المحسنين من سبيل) (٣) .
• وقال الشهيد الأول: لا يكلف المدعي ببينة في مواضع ... وتقديم قول الأمناء في دعوى التلف لئلا يقل قبول الأمانة مع إمساس الضرورة إليها، سواء كانت أمانتهم من جهة مستحق الأمان أو من قبل الشرع. كالوصي والملتقط ومن ألقت الريح ثوبا إلى داره ... ودعوى الودعي في الرد، لئلا يزهد الناس في قبول الوديعة (٤) .
ولا بد من الالتفات إلى أن غالبية القواعد الشرعية ليست طرفا للإثبات ولا هي من القرائن بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما هي حقائق ثابتة تتعلق بالنظام، قررها الشارع لكي تطبق في كل المجالات وليس في مجال القضاء فحسب، ولذلك نجد أن علماء القانون عبروا عن هذه القواعد بالقواعد الموضوعية وذكروا الفروق بينها وبين القرائن القانونية (٥) .
ولكن نحن لم نفصل القواعد الموضوعية عن القرائن القانونية، نظرا للتشابه الكبير والصلة الوثيقة بينهما.
стр. 19505
٣- العرف:
للعادة تأثير في تعيين الشيء الذي تنازع عليه المتخاصمان، ولو تغيرت العادة وزال هذا العرف مع الزمن، يزول معه هذا الأثر.
ولذلك أمثلة كثيرة مذكورة في الكتب الفقهية، نشير إلى بعضها:
• قال الشهيد الأول: يجوز تغير الأحكام بتغير العادات ... ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق، فالمروي تقديم قول الزوج، عملا بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول، ومنه: إذا قدم شيئا قبل الدخول كان مهرا إذا لم يسم غيره، تبعا لتلك العادة، فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة (١) .
• إذا تداعى الزوجان متاع البيت فالمعتمد أن نقول إنه كان هناك قضاء عرفي يرجع إليه ويحكم به بعد اليمين، ويدل عليه حكم الإمام في بعض الروايات: أن العادة قاضية بأن المرأة تأتي بالجهاز من بيتها، فحكم لها به، وأن العادة قاضية بأن ما يصلح للمرأة خاصة فإنه يكون من مقتضياتها دون مقتضيات الرجل، والمشترك يكون للمرأة قضاء لحق العادة الشائعة، ولو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الأوقات أو صقع من الأصقاع لم يحكم لها (٢) .
ونقل المحقق الرشتي الأقوال في اختلاف الزوجين في متاع البيت، وقال فيما قال:
(ثالثها: أنها للمرأة ويطالب الرجل بالبينة وهذا مصرح به في غير واحد من الروايات معللا بأنه لو سئل من بين لابتيها- أي بين جبلي منى - لأخبروك أن الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل فيعطى التي جاءت به، والعمل بهذه الرواية يقضي بالتفصيل بين البلدان والأقاليم والعمل في كل بلد بموجب ما جرت عليه عادته، فقد يكون كما أخبر به الإمام من كون الجهاز والمتاع من المرأة وقد يكون بالعكس) (٣) .
стр. 19506
٤- القرائن الطبيعية:
أي القرائن التي تعرف من خلال الأمور التكوينية والقوانين الطبيعية وهذه وإن لم ينص الشارع على اعتبارها بالخصوص، إلا أن المعلوم من مذاق الشرع لزوم الأخذ بها وعدم الاعتداد بما يخالفها.
* قال المحقق الحلي: لو شهد للمدعي بأن الدابة ملكه منذ مدة، فدلت سنها على أقل من ذلك قطعا، أو أكثر، سقطت البينة، لتحقق كذبها (١) .
وليس سقوط البينة هنا إلا أنها تخالف أمرا ووضعا من أوضاع التكوين.
• وقد قسم الشهيد الأول الدعوى إلى أقسام، منها: الكاذبة، وقال في توضيحها:
أما الكاذبة، فدعوى معاملة ميت أو جنايته بعد موته، أو ادعى وهو بمكة أنه تزوج فلانة أمس بالكوفة (٢) .
ويمكن إلحاق القرائن والمعلومات التاريخية إلى القرائن الطبيعية إذ هي أيضا تعكس بدورها الوقائع الثابتة المحققة، والتي يجب أن يؤخذ بها في الأحكام القضائية.
стр. 19507
٥- القرائن الحالية (ظاهر الحال) :
ويمكن عد القرائن الحالية أو ظاهر الحال من القرائن القانونية، لأنها قرائن منصوص عليها في الكتب الفقهية، وهي التي تستفاد من ظاهر حال الإنسان بصفته المعينة، ولها مصاديق متنوعة وكثيرة.
• يقول الشهيد الأول: يجوز الاعتماد على القرائن في مواضع ... ومعظم هذه المواضع فيها ظن غالب لا غير، كالقبول من المميز في الهدية، وفتح الباب (في الإذن بالدخول) وجواز أكل الضيف بتقديم الطعام من غير إذن ... والشهادة بالإعسار عند صبره على الجوع، والعري في الخلوة وشبهه (١) .
وذكر في مورد آخر أن من جملة الأسباب الفعلية لجواز التصرف هي:
تقديم الطعام إلى الضيف فإنه مغن عن الإذن على الأصح، وتسليم الهدية إلى المهدي إليه (٢) .
فإن كل هذه المواد هي قرائن وظهورات حالية تدل على ثبوت أمر آخر كإباحة الأكل أو جواز التصرف والدخول.
• وقال أيضا في تعارض الأصل والظاهر: لو تنازع الراكب والمالك في الإجارة والعارية مدة لمثلها أجرة، ففيه الوجهان، وترجيح قول المالك أولى، لأن الظاهر يقتضي الاعتماد على قوله في الإذن فكذا في صفته (٣) .
أي أن ظاهر الحال يقتضي أن يعتمد على قول المالك في أصل الإذن في التصرف في ملكه فكذا يجب الاعتماد على قوله في خصوصية الإذن من أنه أذن مجانا أو بعوض.
ويمكن أن يقال إن الظهورات الحالية العامة هي من القرائن القانونية، وأما الظهورات الحالية الخاصة بكل دعوى من الدعاوي والتي يستند إليها القاضي في حكمه فهي القرائن القضائية، فتصرف المدين في نقل أمواله إلى قريبه، قد يكون قرينة حالية للطعن في تصرفه، لكنها قرينة حالية خاصة بالموضوع. وأما فتح الباب فهو قرينة حالية عامة في الإذن (٤) .
стр. 19508
التطبيقات المعاصرة للقرائن:
وهناك وسائل وطرق حديثة يستخدمها المعنيون بكشف الجرائم وإثبات مسؤولية التقصير ولحوق النسب وغير ذلك، وذلك كالمعاينة والتقاط البصمات، وتحليل الدم والمني والشعر وتحديد نوع السلاح والرصاص، وكذا ما يقوم به المختصون بهندسة الوراثة في مختبراتهم لإلحاق الولد وتعيين الخبراء من قبل المحكمة وتقارير شرطة المرور في حوادث السير وما شابه ذلك.
والواقع أن هذه الطرق لا تستدعي العلم القاطع للشك والريب في كل ما يقدمه ويرسمه، بل فيها ما يفيد العلم كفحص بصمات الإبهام التي تعين شخصية المتهم وهويته، بعد أن أثبتت التجارب أن لكل إنسان بصمة خاصة، وفيها ما لا يفيد العلم ولكنه يزود الحاكم بحلقة جديدة من سلسلة الأدلة، أو يقوي ويدعم حلقة ضعيفة منها، وليس من شك أن العلم الحاصل بهذه الطرق إن كان حسيا أو حاصلا بمقدمات قريبة من الحس فهو حجة متبعة. أما إذا لم يحصل العلم منها فيترك الأمر إلى تقدير القاضي ومدى اقتناعه بدم القرينة لدليل من أدلة الإثبات أو تضعيفه (١) .
стр. 19509
حصيلة البحث
١- إن القرائن القضائية التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى حجة في الإثبات إذا كانت مفيدة للعلم والاطمئنان، وإن لم يفد إلا الظن بالواقع فلا تصلح للإثبات، إلا أنها صالحة لدعم الدليل أو نقضه.
٢- وأما القرائن القانونية فهي حجة شرعية في القضاء، وذلك لتنصيص الشارع على اعتبارها في مختلف مجالات الحياة.
٣- وأما الطرق والوسائل الحديثة للإثبات، فهي حجة بشرط إفادتها العلم الحسي، وأما غير المفيدة للعلم فليست حجة وإن جازت الاستعانة بها في دعم الدليل أو تضعيفه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مجتبى المحمودي- محمد علي التسخيري
стр. 19510
الإثبات بالقرائن والأمارات
إعداد
الدكتور عكرمة سعيد صبري
المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
القرينة القاطعة
قرينة جمعها قرائن، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة. (١)
وتكون القرينة وسيلة من وسائل الإثبات إذا كانت قاطعة فتكون القرينة- حينئذ- الأمارة البالغة حد اليقين، أو هي البينة الواضحة التي يصبح بها الأمر المدلول في حيز المقطوع به، أو هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئا خفيا فتدل عليه، أو هي الحال التي تظهر على الشخص.
أما إذا كانت القرينة ضعيفة أو غير قاطعة فإنه يستأنس بها فقط وتكون مجرد احتمال. (٢) .. .. ..
واعتبرت مجلة الأحكام العدلية القرينة القاطعة أحد أسباب الحكم. (٣)
وعرفتها: هي الأمارة البالغة حد اليقين، (٤) بينما المحاكم الشرعية في بلادنا لا تأخذ بها.
стр. 19511
أ - الأدلة على مشروعيتها:
١- قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] .
لما أراد إخوة يوسف- ﵇ أن يجعلوا الدم علامة صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة أخرى تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق، إذ لا يعقل أن يفترس الذئب يوسف- ﵇ وهو لابس قميصه ويبقى القميص سليما دون تخريق أو تمزيق؟!.
فإن يعقوب- ﵇ استدل على كذب أولاده بسلامة القميص وعدم تمزيقه.
واستدل الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه. (١)
٢- قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ . [يوسف: ٢٦- ٢٧] ، ففي هاتين الآيتين دليل واضح على العمل بالأمارات فإن الملك العزيز حينما رأى قميص يوسف- ﵇ مقدودا (مشقوقا) من الخلف استدل على أن زوجته هي التي راودت يوسف وأنه امتنع منها وفر من وجهها فمسكت بطرف قميصه لتمنعه من الفرار مما أدى إلى قده، واعتبر قد القميص قائما مقام الشهود. (٢)
стр. 19512
٣- قال تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ، والسيما العلامة (١) وقد ورد لفظ (سيماهم) ست مرات في القرآن الكريم. (٢)
٤- قال ﵊: ((الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صمتها)) . (٣) فجعل الرسول صلي الله عليه وسلم صمت البنات (أي سكوتها) قرينة على الرضا، ويعتبر هذا الحديث الشريف من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن. (٤)
стр. 19513
٥- روى الصحابي عبد الرحمن بن عوف (١) ﵁ من حديث مطول بأن معاذ بن عمرو بن الجموح (٢) ومعاذ بن عفراء (٣) تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر. فقال لهما رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((هل مسحتما سيفكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله)) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. (٤)
فإن نظرة الرسول ﵊ إلى السيفين إنما ليرجح من القاتل، بما يراه من أثر الطعان وصبغ الدم فأعطى السلب لابن عمرو لوجود علامات تشير إلى أن سيفه أنفذ مقاتل أبي جهل فكان هو المؤثر في قتله.
وعليه فيكون قوله ﵊: ((كلاكما قتله)) تطييبا لنفس معاذ ابن عفراء لأن له بعض المشاركة في قتل أبي جهل. (٥)
стр. 19514
٦- روى الصحابي زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: ((عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإذا جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه. وإلا فهي لك)) . (١)
ففي هذا الحديث الشريف دليل على أنه يجوز للملتقط أن يرد اللقطة إلى من وصفها بالعلامات المذكورة من غير أن يحتاج إلى الإتيان بالبينة على أنها له.
ويعقب ابن قيم الجوزية بقوله: (الصحيح الذي دلت عليه السنة: أنه لا معارض لها، إن اللقطة إذا وصفها واصف بصفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف فقام وصفه لها مقام الشاهدين بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه) . (٢)
ويقول: (....بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة) . (٣)
وبهذا قال مالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي وأبو بكر الرازي الحنفي والمؤيد بالله والإمام يحيى. (٤)
стр. 19515
٧- حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ والصحابة معه ﵃ متواترون برجم المرأة (١) التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد. (٢)
ذهب مالك وأحمد - في أصح روايتيه- إلى أن الأخذ بالقرينة الظاهرة وإقامة الحد، وقال الحنفية والشافعية وأحمد - في الرواية الأخرى- بأن المرأة لا تحد بمجرد ظهور الحمل بها وإنما تسأل عن ذلك فإن ادعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنا لم تحد.
ولعل ذلك إنما هو من باب درء الحدود بالشبهات لا لكون الحمل لا يدل على الوطء. (٣)
٨ – حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وعثمان ﵃ ولا يعلم لهم مخالف- بوجوب إقامة الحد على من وجد فيه رائحة الخمر أو قاءها اعتمادا على القرينة الظاهرة، وقال بذلك مالك وأحمد- في روايته الراجحة. (٤)
стр. 19516
ب - أمثلة تطبيقية على القرينة القاطعة:
هناك عشرات الأمثلة تفيد الحكم بالقرينة القاطعة مبثوثة في كتب الفقه ونكتفي بإيراد ثلاثة منها:
١- إذا رأينا رجلا مكشوف الرأس- وليس ذلك عادته- وآخر هاربا أمامه بيده عمامة وعلى رأسه عمامة. حكمنا لمكشوف الرأس بالعمامة التي بيد الهارب قطعا ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قد قطعنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف. (١)
٢- إذا خرج شخص من دار خالية خائفا مدهوشا وفي يده سكين متلوث بالدم وكان في الدار رجل مذبوح في ذلك الوقت فلا يشتبه في كونه قاتل ذلك الرجل، ولا يلتفت إلى الاحتمالات الأخرى كأن يكون الشخص المقتول ربما قتل نفسه أو ربما قتله آخر ثم تسور الحائط. (٢)
٣- إذا رأيت رجلا فقيرا يحمل صرة فيها بعض الأموال- وسبق له أن دخل دار أحد الأغنياء- ثم رأيته بعد ذلك يتنازع مع صاحب الدار في المال المذكور فالقول لصاحب الدار لا للذي يحمل الصرة. (٣)
ولكن إذا ظهرت بينة تدفع القرينة القاطعة فيحكم بموجبها. (٤)
стр. 19517
جـ- موقف الفقهاء من القرينة:
١- يعتبر الإمام ابن قيم الجوزية الحنبلي من أوائل الذين اعتبروا القرينة القاطعة وسيلة من وسائل الإثبات، في القضاء ... ومن الذين دافعوا عن رأيه وتحمسوا له بل يذهب تحمسه به بعيدا ليقول بأن القرينة القاطعة- في بعض الأحيان- أقوى وأظهر من الإقرار والبينة. (١)
٢- ثم يأتي بعده القاضي ابن فرحون المالكي مؤيدا الأخذ بالقرينة كوسيلة من وسائل الإثبات، ويتوسع في هذا الموضوع ويخصص له بابا في القضاء بما يظهر قرائن الأحوال والأمارات والفراسة على ذلك من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة. (٢)
بإيراد قول لابن العربي: ( ... على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، (٣) فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء العمل في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة وبعضها قال بها المالكية خاصة) (٤) .
هذا قول صريح بأن الفقهاء لم يتفقوا على جميع المسائل التي يحكم فيها بالقرينة.
стр. 19518
٣- يأتي القاضي الطرابلسي الحنفي- قاضي بيت المقدس - مؤيدا الأخذ بالقرينة يخصص بابا بعنوان مشابه للعنوان الذي ورد في كتاب تبصرة الحكام لابن فرحون ويبدأ هذا الباب- أيضا- بقول ابن العربي دون أن يذكر اسمه وإنما بدأ الطرابلسي بقوله: (قال بعض العلماء ... ) . (١)
ويأتي بعده العلامة بدر الدين بن الغرس الحنفي، (٢) فقد ذكر في كتابه (الفواكه البدرية في البحث عن أطراف القضية الحكمية) بأن القرينة القاطعة تعتبر من طرق الحكم. (٣)
стр. 19519
ويرى بعض الحنفية الذين جاؤوا بعده بأن كلامه من عنده، فقال في البحر: ولم أره إلى الآن لغيره، وقال الخير الرملي: ولاشك أن ما زاده ابن الغرس غريب خارج عن الجادة فلا ينبغي التعويل عليه ما لم يعضده نقل من كتاب معتمد فلا تغتر به.
إلا أن بعض العلماء ينتصرون لابن الغرس بقولهم: إنه منقول عنهم- أي عن العلماء المتقدمين- إلا أنه قاله من عند نفسه، وأن عدم رؤية صاحب البحر له لا يقتضي عدم وجوده في كلامهم. (١)
ويعقب الإمام محمد بن علاء الدين بن محمد أمين عابدين: (والحق أن هذا محل تأمل ... ) . (٢)
ونؤكد أن هناك من علماء الحنفية من سبق ابن الغرس لهذا الموضوع ألا وهو القاضي الطرابلسي الحنفي- قاضي بيت المقدس - الذي ورد ذكره قبل قليل -هذا وقد اختلف أصحاب المذاهب الفقهية في الموضوعات التي تتناولها القرينة القاطعة: فالمالكية والحنابلة- في روايتهم الراجحة- يأخذون بها في جميع الموضوعات حتى في الحدود والقصاص.
بينما الحنفية والشافعية والحنابلة- في روايتهم المرجوحة- لا يأخذون بها في موضوعات الحدود والقصاص وإنما يأخذون بها فيما سوى ذلك.
أما إذا كانت القرينة غير قاطعة فيستأنس بها فقط ولا تعتبر- حينئذ- طريقا من طرق القضاء، وإنما رجاء الوصول من خلالها إلى الإقرار.
وعلى القاضي أن يتحرى في القرائن وأن يكون حذرا في الأخذ بها حتى يميز بين القرينة القاطعة والقرينة غير القاطعة. (٣)
стр. 19520
القيافة:
القيافة: اسم لاقتفاء الأثر.
ومتتبع الآثار يقال له: قائف، وجمعه: قافة، كبائع وباعة، وقاف أثره: تبعه.
وتشمل القيافة أيضا: الذي ينظر بفراسته في وجوه الشبه بين شخصين ليعرف بينهما النسب في الأبوة والبنوة والأخوة، فالقائف: من يلحق النسب بغيره.
كما تشمل القيافة: ملاحظة أقدام المارة من الناس، وأخفاف الإبل، وحوافر الدواب والتمييز بينها.
حتى أن القائف يميز بين آثار قدم الشاب وقدم العجوز، وبين آثار قدم المرأة المتزوجة من غير المتزوجة.
وبهذا المعنى يقول : ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٦] . ويقول: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] .
وتعتبر القيافة علما مستقلا قائما على الحدس والتخمين والممارسة، ولا يؤخذ هذا العلم بالمدراسة والتعلم. (١)
وهناك أمور تحتاج إلى دراسة وتخصص كبصمات الأصابع. (٢)
стр. 19521
١- رأي الفقهاء في القيافة:
أ - رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد وابن حزم) : أنهم يأخذون بالقيافة ويعتبرونها وسيلة من وسائل الإثبات، وأنها أقوى من القرعة، (١) واستدلوا بما يأتي:
١- الحديث النبوي الشريف: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((دخل على النبي صلي الله عليه وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقداهما. فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)) (٢) ، وقد كان لون أسامة أسود شديد السواد طويل القامة ولون زيد أبيض شديد البياض قصير القامة. وكان المنافقون- من أجل هذا- يطعنون في نسب أسامة بن زيد. فلما قال القائف مقالته هذه سر النبي صلي الله عليه وسلم، ولم يسر إلا لما هو حق وصدق.
٢- أخذ الرسول ﵊ بالقيافة. في حادثة اللعان فقال من حديث مطول: (( ... أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضئ العينين فهو لهلال ابن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء)) . (٣)
٣- عمل الصحابة بالقيافة أمثال: عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، ولم يخالف أحد من الصحابة رضوان الله عليهم جميعا فكان إجماعا منهم.
ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري وإياس بن معاوية وقتادة وكعب بن سوار. (٤)
стр. 19522
وقد اختلف القائلون بالقيافة: هل يكتفي بقول قائف واحد أم لابد من اثنين كالشهادة؟ وقد اختار ابن قيم الجوزية أنه يكتفى بقائف واحد لأن كلامه خبر لا شهادة. وهذا أيضا قول ابن القاسم وابن حبيب من المالكية. ونسب للإمام أحمد أنه اشترط اثنين لأن القيافة أشبه بالشهادة وهي رواية عن أشهب عن مالك. (١)
ب- يرى الحنفية أن القيافة لا تعتبر وسيلة من وسائل الإثبات لأنها تعتمد على الظن والتخمين (٢) والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . لذا فإن مجلة الأحكام العدلية لم تتعرض للقافة، وإن المحاكم الشرعية في بلادنا لا تعمل بها.
стр. 19523
٢- الترجيح:
يعقب الحنفية حول شرح الحديث الشريف الذي يتعلق بزيد وأسامة ﵄ والذي استدل به الجمهور بقولهم: لا دليل في هذا الحديث الشريف على ثبوت النسب لأن النسب ثابت بالفراش من قبل وإنما كان سروره ﵊ بمقولة القائف بحكمه على صلة النسب بين شخصين تبين أنهما زيد وابنه أسامة ﵄.
فهذه المقولة قطعت ألسنة الطاعنين في نسب أسامة بن زيد وكفتهم عن الكلام فيه.
ويرى الحنفية أن النسب يثبت بواحد من ثلاثة:
الفراش، الإقرار بالنسب، الاستلحاق.
أما الجمهور فقد زادوا أمرا رابعا وهو: القيافة، أي الأخذ بقول القائف عند عدم الفراش أو إذا لم يعارض قول القائف الفراش إذ الفراش أقوى ما يثبت به النسب شرعا. (١)
وقد انبرى الإمام ابن حزم للرد على رأي الحنفية حول القيافة بقوله: بأن الرسول ﵊ لا يسر بباطل ولا يسر إلا بحق مقطوع به. فمن أعجب أن أبا حنيفة يخالف حكم رسول الله ﷺ الثابت عنه، وينكر علما صحيحا معروف الوجه. (٢)
وأرى رجاحة رأي الجمهور ومدى أهمية الأخذ بالقيافة، وهذا ما أميل إليه وأفتى به، والله تعالى أعلم.
стр. 19524
القرائن في الفقه الإسلامي
على ضوء الدراسات القانونية المعاصرة
إعداد
المستشار محمد بدر المنياوي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
تحتل القرائن في العصر الحاضر منزلة متميزة عما كان لها في الماضي، يوم أن كان ينظر إليها على أنها لا تصلح للاستدلال: لا بسبب تطرق الاحتمال إلى دلالتها، فحسب، ولكن لأنها كذلك ليست من الأدلة الجديرة بالاعتبار، والتي يحق أن تبنى عليها الأحكام.
غير أن هذه النظرة الظالمة تبدلت، فاعترف القضاء بأن القرائن لا تومئ إلى الأمر المستهدف من الإثبات، فحسب، وإنما إذا توافرت لها مقوماتها، فإنها تصلح لأن تكون دليلا قائما بذاته، يغني عن سواها من الأدلة الأخرى.
ثم تطور الأمر لصالح القرائن، فاشتد التمسك بها، وكان من دوافع ذلك ما ران على الذمم من فساد، وما ابتليت به الشعوب من ضعف في الوازع الديني، مما أصاب الأدلة التقليدية المباشرة في مقتل، فأفقدها الكثير من صدق الواقع، وألبس الإقرارات وأقوال الشهود ثوب الكذب والخديعة في حالات عديدة، ونزع عن الحلف هيبته، فأصبح الحالفون لا يبالون بجرم اليمين الغموس في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد واكب ذلك ما تحقق من طفرات علمية، كانت سلاحا ذا حدين: منحت بأحد الحدين للجناة الوسيلة التي تتيح لهم الهروب من العدالة، ومنحت بالحد الثاني للحاكم المكنة في التعرف على العصاة وتتبعهم وإنزال القصاص العادل بهم.
стр. 19525
ومن ثم فقد أصبحت دراسة القرائن أمرا تستوجبه التطورات الاجتماعية والنفسية والأمنية، كما أصبحت ضرورة لمجابهة متطلبات العصر ومستحدثاته.
غير أن هذه الدراسة- في تشعبها ودقة عناصرها- لا يحتملها مثل هذا البحث المحدود، وبالتالي فلا مناص من الاقتصار على بعض جوانبها وترك الجوانب الأخرى لما أفاض فيه الباحثون المحدثون في رسائلهم ومقالاتهم العلمية، الأمر الذي دفع بالباحث إلى إيجاز الإشارة إلى بعض النقاط التي قد تبدو رئيسية، كتعريف القرينة، وتفصيل أدلة مشروعيتها، على أمل أن يتيح ذلك الفرصة للاستفادة بالدراسات القانونية التي تعمقت في فهم القرائن، وتطورت معها على ضوء ما جد في الساحة من أبحاث علمية واجتماعية ونفسية وجنائية.
стр. 19526
وقد تشكل هذا البحث من أربعة مطالب وخاتمة:
- تناول المطلب الأول موقع القرائن بين أدلة الإثبات.
- وتناول المطلب الثاني التعريف بالقرائن (لا تعريفها) وتمييزها عما يشتبه بها.
- وتتناول المطلب الثالث تقسيمات القرائن.
- وتناول المطلب الرابع الإشارة إلى حجية القرائن ومجالات العمل بها.
- أما الخاتمة فقد تركزت في بعض ما خلصت إليه الدراسة مشيرة إلى ما قد يصلح نواة للتوصيات.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقنا التوفيق والسداد.
المستشار محمد بدر المنياوي
ربيع الآخر سنة ١٤٢٠هـ
يوليو سنة ١٩٩٩م
стр. 19527
المطلب الأول
موقع القرائن بين أدلة الإثبات
١- لا ريب أن العدالة تعد من أسمى الطرق لنشر الإسلام بين الناس، كما لا ريب أيضا في أن القضاء هو الوسيلة الأولى لهذه العدالة في الفصل بين المتخاصمين، وأن البحث عن الحقيقة وإقرارها هو رسالة هذا القضاء: في طرقه وفي غاياته.
فتلك أمورا اجتمعت عليها البشرية قاطبة منذ أن ترك الإنسان البداوة وانتظم في مجتمعات، فلا تكاد تخرج عليها أي شريعة من الشرائع، وإن كانت قد تختلف مع بعضها البعض في الوسائل، بسبب اختلافها في الفلسفات التي تتحكم فيها، وفي القيم التي تسعى لتحقيقها، وفي المبادئ التي تقيد مسيرتها.
وقد كان لهذا الاختلاف أثره على الطرق التي اتبعها القضاء في الإثبات فتعددت وتباينت، غير أن التقاءها في الهدف نحو الوصول إلى الحقيقة، جمع بينها في اتجاهات متقاربة، تبلورت في نظم ثلاثة للإثبات:
أولها نظام الإثبات المقيد، وفيه يحدد النظام للقاضي، سلفا، الأدلة التي يجوز أن يستند إليها في حكمه، والشروط التي يجب أن يخضع لها كل دليل، وقيمته الإقناعية، دون أن يأبه كثيرا باقتناع القاضي أو وزنه للأمور المعروضة عليه.
فإذا جعل النظام الشهادة دليلا على دعوى معينة، ووضع لها نصابا، ولم يتوافر هذا النصاب، فلا يحق للقاضي أن يجيب المدعي إلى دعواه، ولو كان مؤمنا بصدق هذه الدعوى لأدلة أخرى.
وثانيهما: هو نظام الإثبات المطلق، وفيه يتحرر الخصوم من كل القيود التي تحدد طريقهم في الإثبات، فيكون لهم حق الالتجاء إلى أي دليل يمكنهم من إثبات دعواهم، كما يتحرر القاضي من التقيد بأي أدلة محددة قد تدفعه إلى الحكم بغير ما يقتنع به، بل إنه لا يتقيد بأن يكون الدليل مباشرا، وإنما يجوز له أن يعتمد على دليل غير مباشر: لا يكون شاهدا بذاته على الحقيقة التي ينشدها، وإنما يحتاج في دلالته عليها إلى وسائط تؤدي دور المعالم على طريق العدالة، فترشد إليها، أو تتفاعل مع غيرها في هذا السبيل، تفاعلا يمليه العقل الراجح والمنطق السليم.
стр. 19528
أما ثالث الأنظمة فهو النظام المختلط، الذي يقوم على التوفيق بين النظامين الآخرين، بمحاولة تفادي عيوبهما، وذلك بالبعد عما قد يسمح للقاضي بفرض سيطرته على الدعوى بما ينحرف بها عن جادة الصواب، والبعد كذلك عن فرض أدلة محددة قد يؤدي الالتزام بها إلى أن يحكم القاضي بغير ما يمليه اقتناعه، وإن كان ذلك لا يمنع- في نطاق محدد- من تحديد القوة المؤكدة لبعض الأدلة: كترجيح دليل على آخر، أو إضفاء قوة متميزة على وسيلة بعينها، كما لا يمنع من تحديد منطقة الإثبات ذاتها: بتعيين وسيلة للإثبات لا يجوز قبول غيرها، كالالتزام بالكتابة في إثبات بعض التصرفات، أو تحديد محل الإثبات نفسه، سواء بمفرده أو مع تحديد وسيلته: كما في إنشاء قرينة تنطوي على قرار مانع يحجب كل دليل عكسي، مما قد تتلاشى معه منطقة الإثبات إلى حد العدم، ويختفي ذات الحق في الإثبات. (١)
стр. 19529
وفي الفقه الإسلامي، اختلف الرأي بين علمائه في استخلاص مذهبه في الإثبات، فذهب الجمهور إلى القول بحصر طرق القضاء في الشريعة الإسلامية في عدد معين، ثم اختلفوا في هذا العدد، نتيجة اختلافهم في أمور من أهمها المعيار الذي يحدد معنى الدليل كطريق يعتمد عليه الحكم، ولذلك قال بعض علمائنا بعدم اعتبار الإقرار دليلا، لأنه ليس طريقا للحكم وإن كان يعد موجبا للحق نفسه، وقال آخرون بأن القرائن لا تعد دليلا، لأن الاحتمال يتطرق إلى دلالتها بما لا يمكن معه الاعتماد عليها كطريق للحكم، بينما اتفقت كلمة الجمهور على اعتبار البينة دليلا، بوصف أنها تمثل الطريق السوي للوصول إلى الحقيقة، أما الكتابة فإنها لم تلق من الأقدمين العناية الكافية، لقابليتها- عندهم- للمشابهة والمحاكاة، مع أن القرآن الكريم قد نبه إلى أهميتها وإلي أولوية الاعتماد عليها بما تلتقي فيه أرقى مبادئ الإثبات في العصر الحديث، ولم يتغير الوضع كثيرا في العصور المتأخرة بعد أن تقدم علم الخطوط، وذلك لوقوف التقليد عقبة في سبيل إضفاء القيمة الحقيقية على الكتابة كوسيلة من وسائل الإثبات. (١)
٢-
стр. 19530
وعلى خلاف الجمهور، ذهب فريق من علمائنا الأجلاء، على رأسهم الإمامان ابن تيمية وابن القيم، إلى أن طرق القضاء في الشريعة الإسلامية لا تدخل تحت حصر، فكل أمر يترجح عند القاضي أنه دليل على إثبات الحق هو طريق من طرق الحكم، وعلى القاضي أن يحكم به.
ولعل أساس الخلاف بين فقهائنا الأفذاذ، يكمن في تفسير معنى (البينة) ، التي وردت في الشرع كدليل من أدلة الإثبات:
فالجمهور يرون أنها إذا أطلقت انصرفت إلى الشهادة وحدها، ويستدلون على ذلك بتطبيقات وردت في السنة الشريفة، فسرت البينة بأنها الشهادة.
بينما يرى الإمامان ابن تيمية وابن القيم (أن البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد، لن يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة، وكذلك قول النبي ﷺ ((البينة على المدعي)) المراد منه أن عليه ما يصحح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها، كدلالة الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهدين) . (١)
стр. 19531
وما يقوله ابن تيمية وابن القيم من اعتماد الشريعة الإسلامية- بحسب الأصل لمبدأ الإثبات المطلق والتسليم بسلطة القاضي الواسعة في تقدير الأدلة التي تطرح أمامه، سواء أكانت من الأدلة التقليدية كالإقرار والشهادة واليمين، أم من غيرها مما يتولد عن الاستنباط العقلي والمنطقي كالقرائن، هذا الذي يقوله الإمامان العظيمان، هو ما يكاد (١) يجمع عليه الفقهاء المعاصرون ويؤكدونه بما هو ثابت قطعا من أن الشريعة الإسلامية تمنع القاضي أن يأخذ باعتراف قام الدليل على كذبه، أو أن يأخذ بأقوال شهود، تبين له بطريق آخر أن ما شهدوا عليه لم يقع، كما تمنعه من أن يرفض الحكم على مقتضى ما قطعت به الأدلة العقلية، مادام ذلك لا يصطدم بنص ثابت، ولا بدليل أقوى، ولا يعارض ما حرصت عليه هذه الشريعة الغراء من تضييق في إثبات الجرائم، وما احتاطت بشأنه من درء للحدود بالشبهات، وما انتهجته من عدم التقيد بطرق محددة في التحقق من صحة ما شهد به الشهود في الدعوى أو نفي ما قالوه، وما اتبعته دائما من تيسير على الناس في إثبات حقوقهم، في نطاق ما تقتضيه العدالة القضائية، مما جعلها تسيغ أن تبني الأحكام على إقرار المدعي عليه أو شهادة الشهود، مع احتمال أن يكون ذلك قد وقع استجابة لاعتبارات دفعت بالمقر إلى الإقرار بحق لا يلزمه، أو حملت الشهود على مجافاة الحقيقة بقصد أو بغير قصد. بل إن هذه الشريعة السمحة سارت في الحرص على مصالح الناس شوطا أبعد، فبعد أن أجازت بناء القضاء على الحجة الظنية كشهادة الشهود المبنية على المعاينة والمشاهدة، تنزلت عن ذلك، فأجازت الشهادة بالتسامع والشهادة على الشهادة، وشهادة المرأة الواحدة في الحالات التي توجبها الضرورة أو تستلزمها الحاجة. (٢)
стр. 19532
٣- على أنه أيا كان الرأي الراجح في استخلاص اتجاه الشريعة الإسلامية في الإثبات، فإن الخلاف في هذا الشأن قد ترك ظلاله الواضحة على نوع متميز من الأدلة، هو القرائن.
فمع أن بعض علماء الشريعة قد نصوا على اعتبار القرائن من أدلة الإثبات، فإن الغالبية العظمى منهم لم تحفل بها على استقلال عند دراستهم التفصيلية لوسائل الإثبات، ومع ذلك فمن المقطوع به عند مطالعة كتبهم والتعمق فيها، أنهم يأخذون بالقرائن في الجملة، وأن ما حدث بينهم من خلاف إنما هو في بعض الجزئيات. (١)
وقد كان لإغفال علمائنا القدامى دراسة القرائن تفصيليا آثاره الخطيرة في تطبيقات الفقه الإسلامي على مستحدثات العصر وفي الانتفاع بما يبتكره العلم الحديث من أمور تسهم- بلا شك- في الوصول إلى الحقيقة التي ينشدها القضاء، مما قد يظهر أساسا بوضوح في نقطتين:
стр. 19533
٤- أولاهما: أن الأخذ بالقرائن ليس بالأمر السهل، وبالتالي فقد كان الفقه الحديث في أشد الحاجة إلى الاستعانة بالدراسات المتعمقة التي عودنا عليها علماؤنا القدامى.
فالأخذ بالقرائن- هو في طبيعته- صورة من صور الإثبات غير المباشر، إذ لا ينصب، في المسائل الجنائية- على أركان الجريمة ذاتها أو إسنادها إلى فاعلها، كما أنه لا ينصب في المسائل المدنية على مصدر الحق المدني المدعى به نفسه، وإنما يستنبط الدليل في هذه القرائن من واقعة أخرى، تقوم علامة أو أمارة على الواقعة المراد إثباتها، وذلك بسبب الرابطة التي تربط بين الواقعتين.
واعتماد الاستدلال على استنباط أمر مجهول من واقعة معلومة، يتطلب فضلا عن الحذق والملكة- أن توضع القواعد التي تنير الطريق السوي أمام العقل، ليتسنى له الوصول إلى النتائج السليمة حين ينتقل من المعلوم إلى المجهول، وذلك على نحو ما جهد فيه علماؤنا الأفاضل عند دراستهم لعلم أصول الفقه وسائر العلوم العقلية الأخرى.
стр. 19534
٥- ثانيهما: أن إغفال الاهتمام الكافي بدراسة القرائن كان له أثره على الإثبات القضائي عامة ونظرا لما تحتله القرائن من أهمية بالغة فيه.
فالقرائن لا يمكن الاستغناء عنها في إثبات الوقائع المادية التي تمثل جانبا هاما ومؤثرا في الدعاوى القضائية، سواء أكانت وقائع طبيعية مجردة، كمرور الزمن والحريق، أم كانت من فعل الجماد أو النبات أو الحيوان كالجوار ونضوج الثمر وإنتاج الماشية، أم كانت وقائع مادية تتداخل فيها الإرادة البشرية على نحو أو آخر كالأعمال غير المشروعة والجرائم الجنائية (١) .
стр. 19535
ولا ريب أن هذه الوقائع المادية مما يتعذر إعداد الدليل بشأنها مسبقا، وقد يتعذر الدليل المباشر عليها، أو يتعسر، لاسيما حين يعمد مرتكبو الوقائع الجنائية إلى الإمعان في التخفي فلا يشهد جرمهم أحد، أو الإمعان في الجرأة على الحق فلا يعترف الجاني الحقيقي بما اقترفته يداه، مما لا يكون معه أمام القاضي، للوصول إلى الحقيقة التي يتغياها، إلا أن يعمد إلى الوقائع المرتبطة في محاولة لاستنطاقها، والاستدلال بها على ما قد يكون لازما أو مرتبطا بها، مما قد يغفل عنه الجاني أو لا يدرك ما تدل عليه.
وفضلا عن ذلك، فإن التقدم العلمي في العصر الحاضر قد زاد القرائن أهمية بالنسبة للوقائع المادية: ذلك لأن الإجرام أسبق دائما إلى الاستفادة بالتطورات العلمية، لاسيما مع اتجاه الجريمة إلى العالمية والدولية، والانتظام في عصابات دقيقة التنظيم جيدة التدريب حريصة كل الحرص على أن تفوز بالغنيمة دون أن تترك ما ينم عنها أو يكشف عن أفرادها، ومن ثم فقد أصبح من الضروري مجابهة العلم بالعلم واستخدام وسائل الكشف المعدة سلفا أو المصاحبة للجريمة أو اللاحقة عليها، ليتسنى بهذا دحض الأساليب الإجرامية المبتكرة، ولن يكون ذلك إلا عن طريق الاستعانة بالقرائن في الإثبات.
ذلك كله عن الوقائع المادية وأهمية القرائن في إثباتها.