إذن نقول هنا: الذي يركب الطائرة إذا كان الأيسر له الأيسر أن يحرم من بيته فليحرم، أن يحرم من المطار فليحرم، أن يحرم في الطائرة من الميقات فليحرم، فليختر الأيسر، أحرم من بيته فلا حرج، من المطار لا حرج. ومسألة الصعوبة في الطائرة لا أدري كيف أنها صعوبة، يعني الأستاذ الدكتور تكلم عن البنطلون كذا، لا ممكن الأزار وفوق الأزار الجلباب، وفي الطائرة نخلع الجلباب ونضع الرداء بسهولة ويسر بدون أي مشقة. فعلى أي حال هنا الذي أرجو أن يتبناه المجمع الموقر هو أن الحاج بالطائرة له أن يحرم قبل الميقات إذا تعذر أو شق عليه أن يحرم من الميقات وهو في الطائرة، ولا يؤجل هذا إلى ما بعد الميقات. والله أعلم بالصواب. والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
الرئيس:
شكرًا، في الواقع أولاً: أحب أن أشير إلى النقطة التي أشار إليها الشيخ علي السالوس، وهي الإحرام قبل الميقات، هي كذلك نفس قرار مكة، قرر الشيء هذا في قراره. الشيء الذي أحبه يا مشايخ في الحقيقة يظهر لي أن الاتجاه العام هو على ما في قرار مكة، يعني هو حديث النبي ﷺ كما يشمل أهل الأرض والبحر يشمل من يأتي عن طريق الجو، فإن رأيتم أنه يعمل التصويت عليه وينهي الموضوع، فهو مناسب.
стр. 1962
مناقش:
موافقون على قرار مكة.
الرئيس:
خلاص، أنا في نظري أن وجهة المخالفين كشف عنها الشيخ مصطفى، ووجهة الذين يبدو – والله أعلم – أنهم الأكثرية يعني اتضحت بعدد من المناقشات، ولا أظن أن المناقشات ستؤدي إلى رأي ثالث. فأنا أقول: إذا كانت المناقشات في محيط هذين الرأيين فقد تتكرمون بأن ننهي الموضوع بالتصويت، وإذا كان ثمة رأي ثالث فلا حرج.
الدكتور حسن عبد الله الأمين:
هنالك جهات ليس لها قياس صحيح يا مولانا.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم.
استرعى انتباهي ما تفضل به الأخ الكريم الدكتور وهبه الزحيلي من انتقاده على أن تكون الأمية وصفًا ملازمًا لهذه الأمة إلى يوم القيامة، وبين أن هذا يكذبه الواقع ولذلك نحن هنا. أنا نقلت كلام الشاطبي، وكلام الشاطبي ليس كما فهم منه الأخ الكريم الدكتور وهبه الزحيلي، فلا الشاطبي ولا أنا الذي نقلت كلامه وأقررته، لم يقل أحد منا بأن هذه الأمية وصف لازم للأمة إلى يوم القيامة، هذا كلام الشاطبي سأعيد اللقطة التي أخذتها منه، وإنما كان الكلام واردًا من الشاطبي ومما بينته أنا أن العرب الذين نزلت عليهم الشريعة هم أميون، ولذلك توصف الشريعة بأنها أمية، وفسر معنى الأمية بأن أحكامها لا تبنى على أمور علمية.
стр. 1963
الرئيس:
على كل حال يا شيخ كلامكم متضح للناس.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
سأقرأ كلمة الشاطبي سطرين.
الرئيس:
كلمة الشاطبي موجودة عندنا يا شيخ.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
فلذلك لو عاد الأخ إليها لتبين له أنه قد فهم خطأ.
الشيخ رجب التميمي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة، الرسول ﷺ في كلماته الشريفة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ، وكلامه ﷺ صالح لكل زمان ومكان.
стр. 1964
ومن إعجاز هذا الحديث الشريف وما فيه من معان جميلة سامية أن الرسول ﷺ يقول: ((هن مواقيت لأهلهن ومن أتى عليهن من غير أهلهن)) لم يحدد، ذلك عام ((من أتى عليهن)) ، صحيح في ذلك الوقت لم يكن الطيران معروفًا لكن ((من أتى عليهن)) بأي وسيلة، لم يحدد الوسيلة، لم يكن أرضًا. ولذلك لا يصح لنا أن نقول في مجال الحديث: إن الطيران والطائرات التي نسافر بها اليوم لو كان موجودًا في عهد الرسول ﷺ حين حدد هذه المواقيت الأرضية لأجل الإحرام، لما كان المرور جوًا بالطائرة فوق بقعة الميقات مشمولة. هذا الكلام لا يقال، صحيح أن الطيران لم يكن موجودًا، ولم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، فلا يجوز لنا أن نقصر الحديث ونقول: إنه لا يشمل وقتنا هذا، ومن المعلوم أن أحاديث رسول الله ﷺ هي شريعة ووحي من الله، وهي صالحة لكل زمان ومكان.
وأنا أقول في تفسير هذا الحديث أنه يشمل كل الطريق الذي يمر على المواقيت بأي أداة كانت؛ لأن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى. وقد أخبر في أحاديث كثيرة عن المغيبات التي وقعت في عصرنا هذا. فصلى الله عليه وسلم حينما يشرع يشرع تشريعًا عامًا في كل زمان ومكان، والعلم يتقدم والإسلام موافق للعلم، والآية الكريمة التي نقرأها في كتاب الله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] . منها الطائرة والباخرة وكل شيء، فلا يصح أن نقصر حديث رسول الله ﷺ ؛ لأن حديث الرسول ﷺ وحي يوحى، فحينما نقرأ الأحاديث نتصور الناحية الروحية ولا نقصرها على الناحية المادية؛ لأن هذا لا يليق بأحاديث الرسول وهي وحي من عند الله ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] . وتكفي هذه الإشارة والتعقيب، ولا أريد أن أطيل، فالبحث طويل لكن اختصارًا للوقت. وشكرا للإخوان.
стр. 1965
الشيخ يوسف جيري:
شكرًا سيدي الرئيس، الواقع كما تفضل السيد الرئيس يعني هناك اتجاه عام إلى التمسك بما كان العمل به عند أسلافنا رضوان الله عليهم أجمعين، إلا أنه من الناحية العملية والتنظيمية في القارة الأفريقية اتجاه عام الآن، يعني وأريد الآن أن أعرف موقع هذا الاتجاه العام في القرار الذي سنتخذه.
العادة التي جرى عليها العمل الآن في القارة الأفريقية أو في كثير من تنظيمات الحج في الدول الأفريقية، أن الحاج لما يخرج من بلده يتجه إلى جدة ومن جدة يذهب إلى المدينة ليبقى في المدينة المنورة بضعة أيام، ثم من المدينة يقوم ويتجه إلى مكة، وفي هذا أنه يتعدى الميقات ويدخل في جدة ثم يخرج ثانيًا عن طريق آخر. فكثير من علماء الدين في القارة الأفريقية يقولون بأن ما جاء في الحديث ((هن لأهلهن ومن أتى عليهن من غير أهلهن)) ربما يطبق في هذه الحالات، وهذا يعني أن هؤلاء عندما يخرجون لا يحرمون، ولا يحرمون عندما يحاذون الميقات؛ لأنهم لما يدخلون جدة يخرجون أيضًا إلى المدينة المنورة، لكن عندما يخرجون من المدينة المنورة عليهم حكم أهل المدينة ويحرمون من الميقات، فلهذا أريد أن أعرف موقع هذا الحكم.
стр. 1966
الرئيس:
على كل حال الموضوع الحكم في هذا فيه وضوح ومنصوص عليه عند أهل العلم، وهو لا دخل له في أصل القضية؛ لأن هناك مسألة في قول النبي ﷺ ((ممن أراد الحج والعمرة)) ، فهؤلاء يأتون مرتبين أحوالهم على ما يلي يرتبون زيادة المدينة النبوية، فمعناه ما أرادوا الحج والعمرة لأول وهلة. هذا هو.
الرئيس:
أرجو مع تقديري للشيخ حسن والشيخ قادي أمامكم أحد عشر اسما معذرة، أنا مقيد أسماءكم. ما عندي استعداد، أمامكم أحد عشر اسما، فهل ترون أنني أقيد الآن ما يقرب من عشرين اسما والقضية واحدة، أو نبتّ في الموضوع. إذن الذين يرون أن الميقات هو على حد قول رسول ﷺ أنهم إذا حاذوا الميقات يحرمون؛ يتفضلون برفع أيديهم.
الشيخ عبد العزيز عيسى:
ما معنى المحاذاة؟ أسأل.
стр. 1967
الرئيس:
المحاذاة يا شيخ محمد سالم كما قررتم.
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
عندي سؤال فيما قررته أنا مثلاً الذي يأتي فيما بين يلملم والجحفة معروف أن المواقيت ليست على نسب متساوية حتى تكون دائرة حول الحرم، فإذا أردنا أن نفرض المحاذاة فيما بين الجحفة ويلملم، فهل نفرض دائرة أو وترا نفرض قوسًا أو ترًا؟
الرئيس:
يا شيخ، قضية المحاذاة معلومة عند أهل الخطوط ومرسوم لها وواضحة، على كل أنه من خلال رفع الأيدي، فلا شك أن الأكثرية المطلقة هي تتفق مع ما في قرار مكة، من أن على مقتضى قول النبي ﷺ في الحديث الذي مرّ على أسماعكم الكريمة، وبهذه تنتهي جلستنا هذه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1968
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٧) د ٣/٠٧/٨٦
بشأن "الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة"
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمرة الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ إلى ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ/١١-١٦ أكتوبر ١٩٨٦م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة بخصوص موضوع "الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة".
قرر:
أن المواقيت المكانية التي حددتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمار عليها أو للمحاذي لها أرضًا أو جوًا أو بحرًا؛ لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة. والله أعلم.
стр. 1969
تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي
لفضيلة الدكتور نزيه كمال حماد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي
توطئة
١- إن من أبرز المشكلات الاقتصادية المعاصرة التي تمس الفرد والجماعة في أغلب دول العالم اليوم مشكلة التضخم، وما يرافقه من تأثير كبير وخطير على القوة الشرائية للنقد، حيث تضعف هذه القوة وتقل، مما يؤدي إلى رخص النقود تجاه السلع والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنها.
كما أن السياسية الاقتصادية لكثير من الدول الحاضرة قد تدعوها إلى تخفيض قيمة عملتها بالنسبة إلى بعض العملات الأخرى أو بالنسبة إلى الذهب، فتخفضها بالقدر المناسب، وقد تدعوها على عكس ذلك إلى رفع قيمة عملتها، فترفعها بالنسبة الملائمة.
وهناك العديد من الدول المعاصرة تحظر التعامل بنقدها خارج حدود أراضيها وفق سياسة اقتصادية معينة، وتمنع بالتالي إخراجه منها إلى أية دولة أخرى، ولو حدث أن أخرج منها بصورة ما، فإنها تمنع إدخاله إليها ثانية.
стр. 1970
وقد تمنع بعض الدول التعامل بالذهب أو بأية عملة غير عملتها في داخل أراضيها، وتعتبر ذلك من قبيل النظام العام الذي لا تجوز مخالفته، وتجعل كل اتفاق على خلافه باطلاً، وقد تلغي بعض الدول شيئًا من عملاتها الرائجة، وتستبدلها بنقد آخر تصطلح على التعامل به.. وقد.. وقد..
هذا في نطاق السياسية الاقتصادية للدول، أما في مجال المعاملات الفردية، فكثيرًا ما يقرض المرء لغيره مبلغًا من المال إلى أجل معين؛ رفقًا به ومعونة له، ودفعًا لحاجته، وتفريجًا لكربته، فإذا ما حل أجل الوفاء، وجد المقرض أن هذا المبلغ الذي عاد إليه أقل أو أكثر – بقليل أو كثير – من المبلغ الذي دفعه له قرضًا من حيث قوته الشرائية، أو من حيث قيمته بالنسبة إلى الذهب، أو بالنسبة إلى العملات الأخرى يوم أقرضه، وإن كان مماثلاً له في الكم والعدد، وكثيرًا ما يشتري التاجر بضاعة بنقد محدد مؤجل الوفاء إلى أمد متفق عليه، وعندما يحل الأجل ويحين وقت الأداء، يجد كل واحد من المتبايعين أن المبلغ المتفق عليه قد اختلف حاله من حيث القوة الشرائية، أو من حيث القيمة بالنسبة إلى الذهب أو إلى العملات الأخرى عن الوضع الذي كان عليه وقت وجوبه في الذمة بالعقد، وفي كثير من البلدان الإسلامية جرى العرف بين الناس على جعل بعض مهر الزوجة أو أكثره أو كله دينًا مؤجلاً في ذمة الزوج، لا يحل إلا بالموت أو الفرقة، ويسمونه "المهر المؤجل". وواقع الأمر في غالب حالات المهر المؤجل طروء التغير الفاحش على قيمة النقد الذي جعل مهرًا، وصار دينًا في ذمة الزوج عند حلوله بالنظر إلى يوم ثبوته في ذمته.
стр. 1971
هذه بعض صور القضية، وللقضية تعلقات شائكة وآثار خطيرة وأبعاد كثيرة لا تكاد تحصى، وأنها لتمس الفرد والمجتمع والدولة في مجالات مختلفة وجوانب شتى، غير أن الذي يعنينا بحثه في هذا المقام ما يتصل بالمعاملات المالية عند تغير أحوال النقد، وأثر ذلك على الديون في الذمم، أيًا كان سببها ومنشئوها.
وهذا الجانب – في الحقيقة ونفس الأمر – وإن كان عظيم الأهمية وبالغ الخطورة في هذا العصر على الخصوص، فإن مبادئه وأسسه موجودة ومعروفة في تعامل المسلمين وفقههم منذ أكثر من ألف عام مضى، ولفقهائهم في ذلك آراء ونظرات هامة جديرة بالعناية بها والإفادة منها، وبيان ذلك:
(أ) تغيرات النقود الذهبية والفضية
٢- إن الدين الثابت في الذمة إذا كان عملة ذهبية أو فضية محدودة مسماة، فغلت أو رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم المدين أن يؤدي غيرها؛ لأنها نقد بالخلقة – كما يعبر الفقهاء – وهذا التغير في قيمتها لا تأثير له على الدين البتة (١) .
يقول ابن عابدين في رسالته "تنبيه الرقود على مسائل النقود": "وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا، فإذا تبايعا بنوع منهما، ثم غلا أو رخص، بأن باع ثوبًا بعشرين ريالاً مثلاً، أو استقرض ذلك، يجب رده بعينه، غلا أو رخص" (٢) .
ويقول أيضًا: "وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جار حتى في الذهب والفضة – كالشريفي والبندقي والمحمدي والكلب والريال – فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع (٣) .
وعلى هذا نصت المادة (٨٠٥) من "مرشد الحيران"، حيث جاء فيها: وإن استقرض شيئًا من المكيلات أو الموزونات أو المسكوكات من الذهب والفضة، فرخصت أسعارها أو غلت، فعليه رد مثلها ولا عبرة برخصها وغلوها".
٣- وحتى لو زادت الجهة المصدرة لهذه العملة سعرها أو أنقصته، فلا يلزم المدين إلا ما جرى عليه العقد (٤) .
стр. 1972
يقول ابن عابدين: "ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه. والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينًا، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال أفرنجي أو مائة ذهب عتيق" (١) .
٤- ولو أبطلت السلطة المصدرة لهذه العملة التعامل بها، فإنه لا يلزم المدين سواها وفاء بالعقد، إذ هي المعقود عليها دون غيرها. وعلى ذلك نص الإمام الشافعي والمالكية في المشهور عندهم (٢) .
قال الشافعي في "الأم": "ومن سلف فلوسًا أو دراهم أو باع بها، ثم أبطلها السلطان، فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي سلف أو باع بها" (٣) .
وجاء في نوازل ابن رشد ما نصه: "وسئل ﵁ عن الدنانير والدراهم إذا قطعت السكة فيها وأبدلت بسكة غيرها، ما الواجب في الديون والمعاملات المتقدمة وأشباه ذلك؟
فقال: المنصوص لأصحابنا وغيرهم من أهل العلم ﵏، أنه لا يجب عليه إلا ما وقعت به المعاملة.
فقال له السائل: فإن بعض الفقهاء يقول: أنه لا يجب عليه إلا السكة المتأخرة؛ لأن السلطان قد قطع تلك السكة وأبطلها، فصارت كلا شيء.
فقال: لا يلتفت إلى هذا القول، فليس بقول لأحد من أهل العلم. وهذا نقض لأحكام الإسلام، ومخالفة لكتاب الله وسنة النبي ﵊ في النهي عن أكل المال بالباطل" (٤) .
ثم قال: "ويلزم هذا القائل أن يقول: "إن السلطان إذا أبدل المكاييل بأصغر أو أكبر، أو الموازين بأنقص أو أوفى، وقد وقعت المعاملة بينهما بالمكيال الأول أو الميزان الأول أنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الأخير، وإن كان أصغر. وأن على البائع الدفع بالثاني أيضًا وإن كان أكبر. وهذا مما لا خفاء في بطلانه. وبالله التوفيق (٥) .
٥- وقال بعض المالكية: إذا أبطلت تلك العملة واستبدلت بغيرها. فيرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة ذهبًا (٦) .
٦- أما إذا عدمت تلك العملة أو انقطعت أو فقدت في بلد المتعاقدين، فتجب عندئذ قيمتها.
стр. 1973
جاء في مختصر خليل وشرحه لعليش: "وإن بطلت فلوس فالمثل، أو عدمت الفلوس أو الدنانير أو الدراهم بعد ترتبها في ذمة شخص ببيع أو قرض من بلد المتعاقدين، وإن وجدت في غيرها، فالقيمة واجبة على من ترتبت عليه مما تجدد التعامل به، معتبرة وقت اجتماع الاستحقاق – وذلك يوم حلول أجلها – والعدم لها، ولا يجتمعان إلا وقت المتأخر منهما. فإن استحقت ثم عدمت، فالتقويم يوم العدم. وإن عدمت ثم استحقت، قومت يوم استحقاقها" (١) .
٧- ولو قلت أو عز وجودها في أيدي الناس، فإنه لا يجب غيرها، لإمكان تحصيلها مع العزة، بخلاف انقطاعها وانعدامها وفقدها (٢) .
جاء في "تحفة المحتاج" للهيثمي: "ولو باع بنقد دراهم أو دنانير، وعين شيئًا موجودًا، اتبع وإن عز" (٣) .
٨- وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الحنابلة قيدوا القول بإلزام الدائن بقبول مثل النقد الذي ثبت في ذمة المدين، وإلزام المدين بأدائه إذا كان متوفرًا: بأن يكون التعامل بذلك النقد مسموحًا به من قبل الدولة. أما إذا منعت الدولة الناس من التعامل به، فلا يجبر الدائن على قبوله، ويكون له القيمة وقت ثبوت الدين من غير جنسه من النقود إن ترتب على أخذ القيمة من جنسه ربا الفضل (٤) سواء اتفق الناس على ترك التعامل بهذا النقد أو لم يتفقوا (٥) .
стр. 1974
جاء في "منتهى الإرادات" وشرحه للبهوتي: "... ما لم يكن القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة فيحرمها السلطان – أي يمنع التعامل بها – ولو لم يتفق الناس على ترك التعامل بها. فإن كانت كذلك، فله – أي المقرض – قيمته، أي القرض المذكور وقت قرض نصًا؛ لأنها تعيبت في ملكه، وسواء نقصت قيمتها قليلاً أو كثيرًا. وتكون القيمة من غير جنسه – أي القرض – إن جرى فيه – أي أخذ القيمة من جنسه – ربا فضل، بأن اقترض دراهم مكسرة، وحرمت، وقيمتها يوم القرض أنقص من وزنها، فإنه يعطيه بقيمتها ذهبًا (١) .
(ب) تغيرات النقود الاصطلاحية
٩- أما إذا كان الدين الثابت في الذمة نقدًا بالاصطلاح لا بالخلقة، كسائر العملات الأخرى غير الذهبية والفضية (٢) ، فطرأ عليه تغير عند حلوله، فعندئذ يفرق بين خمس حالات.
стр. 1975
الحالة الأولى
الكساد العام للنقد
١٠- وذلك بأن توقف الجهة المصدرة للنقد التعامل به، فتترك المعاملة به في جميع البلاد، وهو ما يسميه الفقهاء بـ "كساد النقد" (١) .
ففي هذه الحالة: لو اشترى شخص سلعة ما بنقد محدد معلوم، ثم كسد ذلك النقد قبل الوفاء، أو استدان نقدًا معلومًا ثم كسد قبل الأداء، أو وجب في ذمته المهر المؤجل من نقد محدد، ثم كسد قبل حلوله، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
١١- القول الأول: لأبي حنيفة، وهو أن النقد الذي كسد إذا كان ثمنًا في بيع، فإنه يفسد العقد، ويجب الفسخ مادام ممكنًا؛ لأنه بالكساد خرج عن كونه ثمنًا؛ لأن ثمنيته ثبتت بالاصطلاح، فإذا ترك الناس التعامل به، فإنها تزول عنه صفة الثمنية، فيبقى المبيع بلا ثمن، فيفسد البيع.
أما إذا كان دينًا في قرض أو مهرًا مؤجلاً، فيجب رد مثله ولو كان كاسدًا، لأنه هو الثابت في الذمة لا غيره (٢) .
وحجة أبي حنيفة كما حكى الزيلعي في "تبيين الحقائق": "أن القرض إعارة، وموجبها رد العين معنى، وذلك يتحقق برد مثله – ولو صار كاسدًا – لأن الثمنية زيادة فيه، حيث إن صحة القرض لا تعتمد الثمنية، بل تعتمد المثل، وبالكساد لم يخرج من أن يكون مثلاً. ولهذا صح استقراضه بعد الكساد، وصح استقراض ما ليس بثمن كالجوز والبيض والمكيل والموزون وإن لم يكن ثمنًا، ولولا أنه إعارة في المعنى لما صح؛ لأنه يكون مبادلة الجنس بالجنس نسيئة، وأنه حرام. فصار المردود عين المقبوض حكمًا، فلا يشترط فيه الرواج، كرد العين المغصوبة، والقرض كالغصب، إذ هو مضمون بمثله" (٣) .
وقد جاء في "بدائع الصنائع": "ولو اشترى بفلوس نافقة، ثم كسدت قبل القبض انفسخ عند أبي حنيفة، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وقيمته (٤) أو مثله (٥) إن كان هالكًا" (٦) .
стр. 1976
وفيها أيضًا: "ولو استقرض فلوسًا نافقة وقبضها فكسدت، فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عددًا في قول أبي حنيفة" (١) .
١٢- والقول الثاني: لأبي يوسف (٢) والحنابلة على الراجح (٣) عندهم والمالكية في غير المشهور (٤) ، وهو أنه لا يجزئ رد المثل بعد ما كسد، ويجب على المدين رد قيمة النقد الذي وقع عليه العقد – يوم التعامل – من نقد آخر (٥) .
وبهذا الرأي أخذت المادة (٨٠٥) من مرشد الحيران، حيث جاء فيها: "إذا استقرض مقدارًا معينًا من الفلوس الرائجة والنقود غالبة الغش (٦) فكسدت وبطل التعامل بها، فعليه رد قيمتها يوم قبضها لا يوم ردها".
واستدلوا على ذلك:
أولاً: بأن إيقاف التعامل بها من قبل الجهة المصدرة لها منع لنفاقها وإبطال لماليتها، إذ هي أثمان بالاصطلاح لا بالخلقة، فصار ذلك إتلافًا لها، فيجب بدلها، وهو القيمة بناء على قاعدة الجوابر.
ثانيًا: ولأن الدائن قد دفع شيئًا منتفعًا به لأخذ عوض منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به.
١٣- وإنما اعتبرت القيمة يوم التعامل؛ لأنه وقت الوجوب في الذمة.
يقول ابن قدامة في "المغني": "وان كان القرض فلوسًا أو مكسرة، فحرمها السلطان، وتركت المعاملة بها، كان للمقرض قيمتها، ولم يلزمه قبولها، سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها؛ لأنها تعيبت في ملكه، نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة، وقال: يقوّمها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتها قليلاً أو كثيرًا" (٧) .
١٤- وذهب فريق آخر من المالكية – في ثمن المبيع – أنه تجب قيمة السلعة يوم قبضها من النقد الرائج (٨) .
стр. 1977
١٥- والقول الثالث: لمحمد بن الحسن الشيباني (١) وبعض الحنابلة (٢) ، وهو أنه يجب على المدين رد قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر وقت الكساد، أي في آخر نفاقها، وهو آخر ما تعامل الناس بها؛ لأنه وقت الانتقال إلى القيمة، إذ كان يلزمه رد مثلها مادامت نافقة، فإذا كسدت انتقل إلى قيمتها وقتئذ.
جاء في "جواهر الفتاوى": "قال القاضي الزاهدي: إذا باع شيئًا بنقد معلوم، ثم كسد النقد قبل قبض الثمن، فإنه يفسد البيع، ثم ينظر: إن كان المبيع قائمًا في يد المشتري يجب رده عليه، وإن كان خرج من ملكه بوجه من الوجوه، أو اتصل بزيادة بصنع من المشتري، أو أحدث في صنعة متقومة، مثل أن كان ثوبًا فخاطه، أو دخل في حيز الاستهلاك وتبدل الجنس، مثل أن كان هناك حنطة فطحنها أو سمسمًا فعصره أو وسمة فضربها نيلاً؛ فإنه يجب عليه رد مثله إن كان من ذوات الأمثال – كالمكيل والموزون والعددي الذي لا يتفاوت كالجوز والبيض – ومن كان من ذوات القيم – كالثوب والحيوان – فإنه يجب قيمة المبيع يوم القبض من نقد كان موجودًا وقت البيع لم يكسد، ولو كان مكان البيع إجارة، فإنه تبطل الإجارة، ويجب على المستأجر أجر المثل. وإن كان قرضًا أو مهرًا يجب رد مثله. هذا كله قول أبي حنيفة.
стр. 1978
وقال أبو يوسف: "يجب عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل" وقال محمد: "يجب آخر ما انقطع من أيدي الناس" (١) .
١٦- والقول الرابع: للشافعية (٢) والمالكية على المشهور (٣) ، وهو أن النقد إذا كسد بعد ثبوته في الذمة وقبل أدائه، فليس للدائن سواه، ويعتبر هذا الكساد كجائحة نزلت بالدائن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدين قرضًا أو ثمن مبيع أو غير ذلك.
جاء في "نهاية المحتاج" للرملي: "ولو أبطل السلطان ما باع به أو أقرضه لم يكن له غيره بحال" (٤) .
وجاء فيها أيضًا: "ويرد المثل في المثلي؛ لأنه أقرب إلى حقه، ولو في نقد بطلب المعاملة به، فشمل ذلك ما عمت به البلوى في زماننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد، ثم إبطالها وإخراج غيرها، وإن لم تكن نقدًا" (٥) .
وقال النووي في "المجموع": "إذا باع بنقد معين، أو بنقد مطلق، وحملناه على نقد البلد فأبطل السلطان المعاملة به قبل القبض، قال أصحابنا: لا ينفسخ العقد، ولا خيار للبائع، وليس له إلا ذلك النقد المعقود عليه، كما لو اشترى حنطة فرخصت قبل القبض، أو أسلم فيها فرخصت قبل المحل، فليس له غيرها. هكذا قطع به الجمهور.
وحكى البغوي والرافعي وجها أن البائع مخير: إن شاء أجاز البيع بذلك النقد، وإن شاء فسخه، كما لو تعيب قبل القبض، والمذهب الأول.
قال المتولي وغيره: ولو جاء المشتري بالنقد الذي أحدثه السلطان، لم يلزم البائع قبوله فإن تراضيا به، فهو اعتياض، وحكمه حكم الاعتياض عن الثمن.
دليلنا عليه في الأول: أنه غير الذي التزمه المشتري، فلم يجب قبوله، كما لو اشترى بدراهم، وأحضر دنانير.
ودليلنا في الثاني: أن المعقود عليه باق، مقدور على تسليمه، فلم ينفسخ العقد فيه، كما لو اشترى شيئًا في حال الغلاء فرخصت الأسعار" (٦) .
стр. 1979
وجاء في "منح الجليل" لعليش: "ومن ابتاع بنقد أو اقترضه، ثم بطل التعامل به، لم يكن عليه غيره أن وجد، ومن اقترض دنانير أو دراهم أو فلوسًا أو باع بها وهي سكة معروفة، ثم غير السلطان السكة وأبدلها بغيرها، فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد.
وفيها (أي المدونة) : ومن أسلفته فلوسًا، فأخذت بها رهنا، فكسدت الفلوس، فليس لك عليه إلا مثل فلوسك، ويأخذ رهنه. وإن بعته سلعة بفلوس إلى أجل، فإنما لك مثل هذه الفلوس يوم البيع، ولا يلتف لكسادها، (١) .
الحالة الثانية
الكساد المحلي للنقد
١٧- وذلك بأن يكسد النقد في بعض البلاد لا في جميعها. ومثله في عصرنا الحاضر العملات التي تصدرها بعض الدول وتمنع تداولها في خارج حدود أراضيها.
١٨- ففي هذه الحالة إذا اشترى شخص بنقد نافق ثم كسد في البلد الذي وقع فيه البيع قبل الأداء، فإن البيع لا يفسد، ويكون البائع بالخيار بين أن يطالبه بالنقد الذي وقع به البيع، وبين أخذ قيمة ذلك النقد من عمله رائجة. وهذا هو القول المعتمد في مذهب الحنفية (٢) .
جاء في "عيون المسائل" (٣) : "وعدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان (٤) ؛ لأنه حينئذ يصير هالكًا، ويبقي المبيع بلا ثمن. فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة فقط، ويروج في غيرها فلا يفسد البيع؛ لأنه لم يهلك، ولكنه تعيب، فكان للبائع الخيار: إن شاء قال: أعطني مثل النقد الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير" (٥) .
وقال ابن عابدين: "وان كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل، ولكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم، فيتخير البائع: إن شاء أخذه، وإن شاء أخذ قيمته" (٦) .
١٩- وحكى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا كسد النقد في بلدة واحدة فيجري عليه فيها حكم الكساد العام في سائر البلاد اعتبارًا لاصطلاح أهل تلك البلدة (٧) .
стр. 1980
الحالة الثالثة
انقطاع النقد
٢٠- وذلك بأن يفقد النقد من أيدي الناس، ولا يتوفر في الأسواق لمن يريده (١) .
وفي هذه الحالة لو اشترى شخص سلعة بنقد معين، ثم انقطع قبل أن يؤدي الثمن، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
٢١ – القول الأول: للحنابلة (٢) ومحمد بن الحسن الشيباني وهو المفتى به في مذهب الحنفية (٣) ، وهو أن على المشتري أداء ما يساويه في القيمة في آخر يوم قبل الانقطاع؛ لتعذر تسليم مثل النقد بعد انقطاعه، فيصار إلى بدله وهو القيمة. ومثل ذلك يقال في دين القرض وغيره.
وإنما اعتبرت القيمة قبيل الانقطاع؛ لأنه الوقت الذي ينتقل الوجوب فيه من المثل إلى القيمة.
جاء في "تنبيه الرقود" لابن عابدين: "وإن انقطعت تلك الدراهم اليوم، كان عليه قيمة الدراهم قبل الانقطاع عند محمد، وعليه الفتوى" (٤) .
وفي "المضمرات": فإن انقطع ذلك فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع. وهو المختار" (٥) .
стр. 1981
٢٢- والقول الثاني: لأبي يوسف، وهو أنه يجب على المدين أداء ما يساويه في القيمة يوم التعامل؛ لأنه وقت الوجوب في الذمة (١) .
٢٣- والقول الثالث: لأبي حنيفة، وهو أن الانقطاع كالكساد يوجب فساد البيع (٢)
قال التمرتاشي في رسالته: "بذل المجهود في مسألة تغير النقود": والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد، وحكم الدراهم كذلك. فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًا، وإلا فقيمته. وإن لم يكن مقبوضًا فلا حكم لهذا البيع أصلاً. وهذا عند الإمام الأعظم.
وقالا: لا يبطل البيع؛ لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج (٣) .
٢٤- والقول الرابع: للشافعية والمالكية، وهو أنه وإن أمكن الحصول على ذلك النقد مع فقده وانقطاعه، فيجب الوفاء به، وإلا فتجب قيمته، سواء أكان دين قرض أو ثمن مبيع أو غير ذلك.
لكن أصحاب هذا القول اختلفوا في الوقت الذي تقدر فيه القيمة عندما يصار إليها:
- فقال الشافعية: تجب في وقت المطالبة (٤) .
- وقال المالكية في المشهور عندهم (٥) : تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق – وهو حلول الأجل – والعدم، الذي هو الانقطاع (٦) .
- وذهب بعض المالكية إلى أن القيمة إنما تقدر وقت الحكم (٧) .
стр. 1982
قال الرملي في "نهاية المحتاج": فإن فقد وله مثل وجب، وإلا فقيمته وقت المطالبة. وهذه المسألة قد عمت بها البلوى في زمننا في الديار المصرية في الفلوس" (١) .
وقال القرافي: "ولو انقطع ذلك النقد حتى لا يوجد، لكان له قيمته يوم انقطاعه إن كان حالاً، وإلا فيوم يحل الأجل، لعدم استحقاق المطالبة قبله (٢) .
وجاء في "شرح الخرشي على مختصر خليل": وإن عدمت فالواجب على من ترتبت عليه قيمتها مما تجدد وظهر، وتعتبر قيمتها وقت أبعد الأجلين عند تخالف الوقتين عن العدم والاستحقاق" (٣) .
الحالة الرابعة
غلاء النقد ورخصه
٢٥- وذلك بأن تزيد قيمة النقد أو تنقص بالنسبة إلى الذهب والفضة (٤) . ويعبر الفقهاء عن ذلك بـ "الغلاء و"الرخص".
وفي هذه الحالة إذا تغيرت قيمة النقد غلاء أو رخصًا بعد ما ثبت في ذمة المدين بدلا في قرض أو دين مهر أو ثمن مبيع أو غيره، وقبل أن يؤديه، فقد اختلف الفقهاء في ما يلزم المدين أداؤه على ثلاثة أقوال:
٢٦- القول الأول: لأبي حنيفة (٥) والمالكية في المشهور عندهم (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨) ، وهو أن الواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد، والثابت دينًا في الذمة، دون زيادة أو نقصان، وليس للدائن سواه. وقد كان القاضي أبو يوسف يذهب إلى هذا الرأي أولاً ثم رجع عنه.
جاء في "بدائع الصنائع" في الكلام على تغير الثمن: "ولو لم تكسد، ولكنها رخصت قيمتها أو غلت، لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عددًا، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص والغلاء لا يوجب بطلان الثمنية، ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وقد تغلو، وهي على حالها أثمان" (٩) .
стр. 1983
وجاء فيه أيضًا – في الكلام على تغير قيمة دين القرض -: "ولو لم تكسد، ولكنها رخصت أو غلت، فعليه رد مثل ما قبض" (١) .
وقال ابن قدامة في "المغني": وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيرًا – مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق – أو قليلاً؛ لأنه لم يحدث فيها شيء، إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت" (٢) .
وقال البهوتي في "كشاف القناع": "إن الفلوس إن لم يحرمها – أي يمنع السلطان المعاملة بها – وجب رد مثلها، غلت أو رخصت أو كسدت" (٣) .
وقال السيوطي في رسالته "قطع المجادلة عند تغيير المعاملة": " وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقًا، فإذا اقترض منه رطل فلوس، فالواجب رد رطل من ذلك الجنس، سواء زادت قيمته أم نقصت".
أما في صورة الزيادة، فلأن القرض كالسلم، وأما في صورة النقص، فقد قال في "الروضة" من زوائده: ولو أقرضه نقدًا، فأبطل السلطان المعاملة به، فليس له إلا النقد الذي أقرضه. نص عليه الشافعي ﵁، فإذا كان هذا مع إبطاله، فمع نقص قيمته من باب أولى" (٤) .
ثم قال فيها في معرض كلامه من السلم: "ومنها السلم، والأصح جوازه في الدراهم والدنانير والفلوس بشرطه، فإذا حل الأجل لزمه القدر الذي أسلم فيه وزنا، سواء زادت قيمته عما كانت وقت السلم أم نقصت، ويجب تحصيله بالغًا ثمنه ما بلغ" (٥) .
وجاء في "مختصر خليل" وشرحه لعليش: "وإن بطلت فلوس فالمثل لما بطل التعامل به على من ترتب في ذمته، وأولى إن تغيرت قيمتها مع استمرار التعامل بها" (٦) .
وفي "المدونة": "وكذلك إن أقرضته دراهم فلوسًا، وهو يومئذ مائة فلس بدرهم، ثم صارت مائتي فلس بدرهم، فإنما يرد إليك مثل ما أخذ لا غير ذلك" (٧) .
وبهذا الرأي أخذت مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية، حيث جاء في م (٧٥٠) منها: "إذا كان القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة أو أوراقًا نقدية، فغلت أو رخصت أو كسدت ولم تحرم المعاملة بها وجب رد مثلها، وكذا الحكم في سائر الديون، وفي ثمن لم يقبض، وفي أجرة عوض خلع وعتق ومتلف، وثمن مقبوض لزم البائع رده".
стр. 1984
٢٧- والقول الثاني: لأبي يوسف، وعليه الفتوى عند الحنفية (١) وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، ففي البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض (٢) .
قال التمرتاشي في رسالة "بذل المجهود في مسألة تغير النقود" – بعد كلام في المسألة طويل – " (وفي البزازية معزيًا إلى المنتقى: غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول (٣) والثاني (٤) أولاً (٥) : ليس عليه غيرها. وقال الثاني (٦) ثانيًا (٧) : عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض (٨) .
هكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى. وقد نقله شيخنا في بحره وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء؛ لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما، ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله؛ لأنه مرجوح بالنسبة إليه" (٩) .
стр. 1985
٢٨- والقول الثالث: وجه عند المالكية، وهو أن التغير إذا كان فاحشًا، فيجب أداء، قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص. أما إذا لم يكن فاحشًا فالمثل (١) .
يقول الرهوني معلقًا على قول المالكية المشهور بلزوم المثل ولو تغير النقد بزيادة أو نقص: "قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدًا، حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة (٢) التي علل بها المخالف" (٣) .
٢٩ – وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي:
(أ) أن الاتجاه الفقهي لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه، إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
أحدهما: أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل. والله يأمر بالقسط.
والثاني: أن فيه رفعًا للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالاً فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عددًا تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيبًا بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها) . ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عددًا تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ، والقاعدة الشرعية الكلية أنه " لا ضرر ولا ضرار ".
(ب) أن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيرًا، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشًا أولى في نظري من رأي أبي يوسف – المفتي به عند الحنفية – بوجوب القيمة مطلقًا؛ وذلك لاعتبارين:
стр. 1986
أحدهما: أن التغير اليسير مغتفر قياسًا على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرين شرعًا في عقود المعاوضات المالية من أجل رفع الحرج عن الناس نظرًا لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم وهو استقرار التعامل بين الناس، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات.
والثانى: أن التغير اليسير مغتفر تفريعًا على القاعدة الفقهية الكلية أن " ما قارب الشيء يعطي حكمه " (١) ، بخلاف التغير الفاحش، فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق.
الحالة الخامسة
التضخم والانكماش (٢) .
стр. 1987
٣٠- وهذه الحالة لم يذكرها الفقهاء في كتبهم ولم يتعرضوا لها في مدوناتهم، إذ لم يكن لها من الخطر في زمانهم مثل ما لها في عصرنا الحاضر. وحقيقة هذه الحالة أن يطرأ التضخم أو الانكماش بعد الوجوب في الذمة وقبل والوفاء، بحيث تنخفض أو ترتفع القوة الشرائية للنقد الثابت دينًا في الذمة تجاه السلع والمنافع الخدمات التي تبذل عوضًا عنه.
والذي يُستنتج من كلام الفقهاء في مسألة تغير النقود، أن التضخم أو الانكماش وحدهما لا تأثير لهما على الديون البتة، ولو حدث أن قارن التضخم والانكماش إحدى الحالات الآنفة الذكر، فإن الحكم يناط بتلك الحالة بغض النظر عن التضخم والانكماش الملازم أو العارض.
٣١- هذا هو الحكم في الديون التي لا ارتباط لها عند وجوبها بالقوة الشرائية للنقد. أما الديون التي روعي في تحديدها قوة النقد الشرائية وقت الوجوب، ثم طرأ التضخم المالي وانخفضت تلك القوة الشرائية، فإنها تتغير بحسب نسبة التضخم الحادث، كما في دين النفقة إذا قدره القاضي وفرضه على من تجب عليه بالنظر إلى أسعار الأشياء التي يحتاجها مستحق النفقة وقت التقرير، ثم ارتفعت أسعار هذه الحاجيات في السوق، ففي هذه الحالة يحكم بتغير الدين تبعًا لتغير الوضع المالي للنقد؛ لأن القاعدة التي بنى عليها تقدير النفقة إنما هي تحقيق الكفاية للمنفق عليه، وهذا المبلغ المقرر بعد طروء التضخم أصبح غير كاف للوفاء بالغرض المناط به، فلهذا يتغير الدين تبعًا لتغير مناطه، ويزاد مقداره وفقًا لنسبة التضخم الحادث (١) .
стр. 1988
وعكس ذلك يقال في حالة طروء الانكماش في مثل هذه الواقعة. والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المراجع
البهوتي: منصور بن يونس ت ١٥٠١ هـ.
- شرح منتهى الإرادات. ط. القاهرة من غير تاريخ.
- كشاف القناع عن متن الإقناع. مطبعة الحكومة بمكة المكرمة سنة ١٣٩٤ هـ.
ابن حجر الهيثمي أحمد بن محمد بن علي المكي ت ٩٧٤ هـ.
- تحفة المحتاج شرح المناهج. وبهامشه حاشية عبد الحميد الشرواني.
- وحاشية ابن قاسم العبادي عليه. المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٣١٥ هـ.
الخرشي: محمد بن عبد الله.
- شرح مختصر خليل. وبهامشه حاشية على العدوي الصعيدي. مطبعة بولاق سنة ١٣١٨ هـ.
الرملي: محمد بن أحمد المصري ت ١٠٠٤ هـ.
стр. 1989
- نهاية المحتاج شرح المنهاج. طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٧هـ ١٩٣٨ م.
الرهوني: محمد بن أحمد.
- حاشية على شرح الزرقاني لمختصر خليل. وبهامشه حاشية محمد ابن المدني على كنون. المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣٠٦ هـ
الزرقاء: أحمد
- شرح القواعد الفقهية. تحقيق د/عبد الستار أبو غدة. دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة ١٤٠٣ هـ.
الزرقاني: عبد الباقي بن يوسف ت ١٠٩٩ هـ.
- شرح مختصر خليل. مطبعة محمد مصطفى بالقاهرة سنة ١٣٠٧ هـ وبهامشه حاشية محمد ابن الحسن البناني عليه.
الزيلعي: عثمان بن علي.
- تبين الحقائق شرح كنز الدقائق. وبهامشه حاشية أحمد الشلبي عليه. المطبعة الأميركية ببولاق سنة ١٣١٤ هـ.
السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ت ٩١١ هـ.
стр. 1990
- قطع المجادلة عند تغيير المعاملة. مطبوع ضمن كتابه الحاوي للفتاوى الطبعة الثانية لدار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٣٩٥ هـ/١٩٧٥ م.
الشافعي: محمد بن إدريس ت ٢٠٤ هـ.
- الأم. طبعة دار المعرفة ببيروت سنة ١٣٩٣ هـ.
ابن عابدين: محمد أمين.
- تنبيه الرقود على مسائل النقود. مطبوعة ضمن رسائل ابن عابدين في إستانبول من غير تاريخ.
عالم كير: أبو المظفر محيي الدين محمد أورنك.
- الفتاوى الهندية. المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣١٠ هـ.
علي حيدر:
- درر الحكام شرح مجلة الأحكام. تعريب فهمي الحسيني. ط. مكتبة النهضة في بيروت وبغداد.
عليش: محمد بن أحمد ت ١٢٩٩ هـ.
- منح الجليل شرح مختصر الخليل. المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٢٩٤ هـ.
ابن قدامة: عبد الرحمن بن قدامة ت ٦٨٢ هـ.
- الشرح الكبير على المقنع. مطبعة المنار بالقاهرة سنة ١٣٧٤ هـ. بهامش المغني.
ابن قدامة: موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي ت ٦٢٠ هـ.
- المغني. مطبعة المنار بالقاهرة سنة ١٣٤٧ هـ.
الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود ت ٥٨٧ هـ.
- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. مطبعة الإمام بالقاهرة من غير تاريخ.
النووي: يحيي بن شرف ت ٦٧٦ هـ.
- المجموع شرح المهذب. مطبعة التضامن الأخوي بالقاهرة سنة ١٣٤٧ هـ.
стр. 1991
أحكام أوراق النقود والعملات
لفضيلة القاضي محمد تقي العثماني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التخريج الفقهي للأوراق النقدية:
قبل أن نخوض في أحكام الأوراق النقدية (البنكنوت) بجزئياتها وتفاصيلها يجب أن نعرف حقيقة هذه الأوراق، هل هي وثائق مالية؟ أو أثمان عرفية؟
فمن جعلها وثائق مالية اعتبرها سندات في ذمة مصدرها، فليست هذه الأوراق – حسب هذا الرأي – أثمانًا ولا أموالاً، وإنما هي عبارة عن وثيقة كتبها المديون، ليتسنى للدائن القبض على دينه إذا أراد، فكل من يدفع إلى غيره ورقًا من هذه الأوراق، فإنه لا يدفع إليه مالاً، وإنما يحيله على مديونه الذي أصدر ذلك الورق كوثيقة، فتجري عليه أحكام الحوالة الفقهية، فيجوز دفع هذه الأوراق قضاء لحق الآخر، حيث تجوز الحوالة فقط، فإن غطاء هذه الأوراق ذهب أو فضة، فلا يجوز أن يشتري بها الذهب أو الفضة أصلاً؛ لأن مبادلة الذهب أو الفضة بأحدهما صرف، والصرف يشترط فيه التقابض، والقبض على هذه الأوراق ليس قبضًا على غطائها من ذهب أو فضة، فانعدم التقابض الذي هو شرط في جواز الصرف، فبطلت هذه المعاملة شرعًا.
стр. 1992
وكذلك لو دفع غني هذه الأوراق إلى فقير لأداء الزكاة الواجبة عليه، فإن الزكاة لا تتأدى حتى يقبض الفقير على غطائه أو يشتري بها عروضًا، ولو ضاعت هذه الأوراق عند الفقير قبل أن يستمتع بها، لم تفرغ ذمة الغني الذي دفها من الزكاة الواجبة عليه.
ولكن هناك رأي آخر، وذلك أن هذه الأوراق قد أصبحت اليوم أثمانًا عرفية بنفسها، فدفعها دفع للمال أو للثمن، وليس حوالة للدين، فتتأدى بأدائها الزكاة، ويجوز شراء الذهب والفضة بها.
فيجب قبل الدخول في أحكام الأوراق النقدية والعملات المختلفة، أن نبت في أحد الرأيين في التخريج الفقهي لهذه الأوراق.
وإني بعد دراسة هذا الموضوع في كتب الفقه والاقتصاد، ممن يميل إلى الرأي الثاني، وهو أن هذه الأوراق أثمان عرفية، وليست حوالة.
وبما أن معرفة حقيقة هذه الأوراق تحتاج إلى معرفة تطور النظام النقدي في العالم، نريد أن نلم في البداية بشيء من خلاصة هذا التطور.
стр. 1993
تطور النظام النقدي في العالم:
من المعروف أن الناس في بداية الحياة البشرية كانوا يتبادلون الأشياء عن طريق المقايضة Barter، ولكن هذا الطريق كان فيه من مناقص تمنع من استعمالها كطريق عام يصلح في كل زمان ومكان.
فراج بعد ذلك نظام آخر يسمى "نظام النقود السلعية" (Commodity money System) ، وذلك أن الناس قد اختاروا بعض السلع لتستعمل استعمال الأثمان في معظم عقود المبادلة، وانتقيت من أجل ذلك سلع يكثر استعمالها، وتشتد الحاجة إليها في بيئة خاصة، كالحبوب الغذائية والملح والجلود وما إلى ذلك.
ولكن استعمال هذه السلع في التبادل كان فيه من مشاكل الحمل والنقل ما لا يخفى، فلما كثر العمران وازدادت الحاجات وكثرت المبادلات، شعر الناس بحاجة إلى اختيار نقد يخف حمله، وتتوفر ثقة الناس به.
ففي المرحلة الثالثة بدأ الناس في استعمال الذهب والفضة كأثمان في المبادلات؛ لقيمتها الذاتية في صنع الحلي والأواني، ولسهولة حملها وادخارها، حتى أصبح هذان المعدنان عيارا للقيمة يعتمد عليها الناس في جميع البلاد والأقطار. وإن هذا النظام النقدي يسمى "نظام النقود المعدنية (Metalic Money System) ، وقد مرت عليه تطورات كثيرة نستطيع أن نلخصها كما يلي:
стр. 1994
١- ففي البداية استعمل الناس الذهب والفضة كسلع نقدية في صورة قطع متباينة الحجم والوزن والنقاء، سواء كانت تبرا أو مصوغة في صورة الحلي أو الأواني وغيرها، وكان التعامل بهما يتم بالوزن.
٢- ثم شرع الناس في سبك النقود من الذهب في بعض البلاد، ومن الفضة في بلاد أخرى، كوحدات متساوية في الحجم والوزن والنقاء، مختومة بختم رسمي يشهد بسلامتها وقابليتها للتداول. وكانت قيمة القطع الاسمية (Face Value) مساوية لقيمة ما تحتويه من ذهب أو فضة (Gold or Silver Content) ، وإن قيمة الذهب المسبوك بهذا الشكل كانت مساوية لقيمة التبر إذا كان وزنها واحدًا، وإن هذا النظام يسمى "نظام قاعدة التبر" أو "نظام قاعدة الورق (Gold Specie Standard) .
ويقال: إن أول من روج هذا النظام هم الصينيون في القرن السابع قبل ميلاد المسيح ﵇.
وكان المتعاملون في هذا النظام أحرارًا في التعامل بالذهب تبرا أو مسبوكًا أو مسكوكًا، وفي استيراده وإصداره خارج البلاد. وكانت الدولة تلزم بسك كل ما يرغب سكه من قبل المواطنين، فيأتي إليها الناس بتبر أو ذهب مصوغ، فتتولى الدولة ضربهما سكة، وردهما إلى مالكهما، وكذلك يأتي بعضهم بذهب مسكوك ويريدون تذويبه، فتتولى الدولة ذلك أيضًا، وترد إليهم الذهب بعد تذويبه تبرا.
٣- اختار بعض الدول كلا المعدنين وليس معدنًا واحدًا فحسب كقاعدة نقدية في وقت واحد. وقررت قيمتهما كعيار لمبادلة أحدهما بالآخر، ويستعمل الذهب لقطع النقود الكبيرة، والفضة لقطع النقود الصغيرة، وإن هذا النظام يسمى "نظام المعدن الثنائي"
(Bi metalism) .
ولكن هذا النظام أحدث مشاكل أخرى؛ وذلك لأن نسبة القيمة بين قطع الذهب والفضة كانت تختلف بين بلد وآخر، فتحث الناس على المتاجرة بالعملة، فإن كانت القطعة الواحدة من الذهب تقوم بخمس عشرة قطعة من الفضة في أمريكا مثلاً، فإنها في نفس الوقت تقوم في أوروبا بخمس عشرة ونصف. وهذا يجعل تجار أمريكا يقتنون الذهب ويصدرونها إلى أوروبا؛ ليكسبوا بذلك كمية أكثر من الفضة، ويستوردونها إلى أمريكا؛ ليحولوها إلى الذهب، ثم يصدرون الذهب مرة أخرى، وهكذا. وصارت نتيجة هذه المتاجرة أن ذهب أمريكا مازال ينتقل إلى أوروبا، وأن القطع الفضية أخرجت القطع الذهبية من البلاد، ولما غيرت أمريكا النسبة في عام ١٨٣٤ م فقومت قطعة الذهب بست عشرة قطعة من الفضة، حدث العكس وأقصت القطعُ الذهبية قطعَ الفضة.
стр. 1995
٤- ثم إن القطع النقدية، سواء كانت من الذهب أو من الفضة، وإن كان يخف حملها بالنسبة إلى السلع النقدية، ولكنها في جانب آخر يسهل سرقتها في نفس الوقت، وكان من الصعب على الأثرياء أن يخزنوا كميات كبيرة من هذه القطع في بيوتهم، فجعلوا يودعون هذه الكميات الكبيرة عند بعض الصاغة والصيارفة، وكان هؤلاء الصاغة والصيارفة عندما يقبلون هذه الودائع يسلمون إلى المودعين أوراقًا كوثائق أو إيصالات (Receipts) لتلك الودائع، ولما ازدادت ثقة الناس بهؤلاء الصاغة صارت هذه الإيصالات تستعمل في دفع الثمن عند البياعات، فكان المشتري بدل أن يدفع القيمة نقدًا، يسلم إلى البائع ورقًا من هذه الإيصالات. وكان البائع يقبلها ثقة بالصاغة الذين أصدروها.
فهذه هي بداية الأوراق النقدية، ولكنها في بداية أمرها لم تكن لها صورة رسمية، ولا سلطة تلزم الناس قبولها، وإنما كان المرجع في قبولها وردها إلى ثقة البائع أو الدائن بمن أصدرها.
٥- لما كثر تداول الإيصالات في السوق في مطلع القرن السابع عشر الميلادي تطورت هذه الأوراق إلى صورة رسمية تسمى " البنكنوت " ويقال: إن بنك إستاك هوم بالسويد أول من أصدرها كأوراق نقدية.
стр. 1996
وكانت هذه الأوراق النقدية آنذاك مغطاة بغطاء كامل عند البنك الذي أصدرها، ومدعومة بالذهب بنسبة مائة في المائة، وكان البنك يلتزم بأن لا يصدر هذه الأوراق إلا بقدر ما عنده من ذهب. وكان لكل من يحمل هذه الأوراق أن يذهب بها متى شاء إلى البنك، ويحول ما شاء منها إلى سبائك الذهب، ومن هنا يسمى هذا النظام "قاعدة سبيكة الذهب" (Gold bullion Standard) .
٦- لما ازداد شيوع "البنكنوت" جعلتها الدول ثمنًا قانونيًا (Legal Tender) في سنة ١٨٣٣م، وألزمت كل دائن أن يقبلها في اقتضاء دينه، كما يلزمه قبول النقود المعدنية، ثم منعت البنوك التجارية أيضًا من إصدارها، واقتصر إصدارها على البنوك الرئيسة الحكومية فقط.
٧- ثم واجهت الحكومات مشاكل تمويل مشاريعها في السلع والحرب مع قلة ريعها، فلجأت إلى طبع كميات كبيرة من النقود الورقية، تزيد عن كمية الذهب الموجودة عندهم؛ لتستعملها في سد حاجاتها، فصار غطاء الأوراق النقدية يتناقص شيئًا فشيئًا، وهبطت نسبة دعمها بالذهب الحقيقي عن المائة في المائة إلى نسبة أدنى بكثير؛ وذلك لأن البنوك التي تصدر الأوراق النقدية كانت تستيقن بأن جميع هذه الأوراق لا يطلب تحويلها إلى الذهب في وقت واحد، وبعبارة أخرى قد راجعت في السوق أوراق نقدية لم تكن مدعومة بالذهب ولكن التجار قبلوها، لثقتهم بأن مصدرها يقدر على تحويلها إلى الذهب كلما طلب منه ذلك، بفضل الذهب الموجود عنده، وإن كانت كمية الذهب أقل من كمية الأوراق الصادرة من عنده. وإن هذه الأوراق النقدية تسمى "نقود الثقة" (Fiduciary Money) .
стр. 1997
ومن جهة أخرى، اضطرت الدول التي لم تزل تتعامل بالنقود المعدنية إلى تقليل كمية المعدن، أو تنقيص جودته في كل قطعة، بحيث أصبحت قيمتها الاسمية (Face Value) أعلى بكثير من قيمة ما تحتويه من ذهب أو فضة، (Intrinsic Value) ، وإن مثل هذه النقود تسمى "نقودًا رمزية" (Token Money) بحيث يرمز أصلها المعدني إلى قيمتها الاسمية التي تمثل قيمتها الحقيقية السابقة.
٨- وإن تزايد "نقود الثقة" قد تدرج إلى حد أن الأوراق بلغت إلى مقدار ما يساوي أضعاف مقدار الذهب الموجود في البلاد، حتى خشيت الحكومات أن مقدار الذهب الموجود لا يفي بطلبات تحويل الأوراق إلى الذهب، ووقع ذلك فعلاً في بعض البلاد، حيث إن بعض البنوك لم تستطع تلبية بعض الطلبات في بعض الأحيان.
وحينئذ شرعت الدول تنفذ شروطًا قاسية على الذين يريدون تحويل أوراقهم إلى الذهب، وقد عطلت إنكلترا هذا التحويل بتاتًا بعد حرب ١٩١٤م، ثم عادت إلى جواز التحويل في سنة ١٩٢٥م، ولكن بشرط أن ما يطلب من البنك تحويله، لا يكون أقل من ألف وسبعمائة جنيه، بما جعل عامة الناس لا يقدرون على تحويل أوراقهم إلى الذهب، ولكنهم لم يحتفلوا بذلك لشيوع الأوراق كنقد قانوني تنفعهم في متاجراتهم الأهلية ما تنفع الأوراق المعدنية.
стр. 1998
٩- ثم في سنة ١٩٣١م منعت حكومة بريطانيا من تحويل الأوراق إلى الذهب إطلاقًا، حتى لمن يطلب أكثر من ألف وسبعمائة جنيه، وألزمت على الناس أن يقتنعوا بهذه الأوراق كبديل للذهب، ويتعاملوا بها في سائر مداولاتهم. ولكن الحكومات استمرت في احترام حق بعضها لبعض، فإن تحويل الأوراق وإن كان ممنوعًا داخل البلاد، ولكن كانت كل دولة ملتزمة بتحويل عملتها إلى الذهب لدولة أخرى إن تقدمت إليها بعملة الدولة الأولى، فلو شاءت أمريكا مثلاً أن تتقدم بأوراق جنيهات استرلينية إلى انكلترا، فإن إنكلترا كانت ملتزمة بتحويل تلك الأوراق إلى الذهب. وإن هذا النظام يسمى "قاعدة التعامل بالذهب" (Gold Exchange Standard) .
١٠- وقد ظل العمل بهذه القاعدة مستمرًا إلى أن واجهت الولايات المتحدة أزمة شديدة في سعر دولارها، وتدفق الذهب منها في سنة ١٩٧١م فاضطرت إلى إيقاف تحويل الدولار إلى الذهب للدول الأخرى أيضًا، وذلك للخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٧١م وبهذا قد قضي على آخر شكل من دعم الأوراق بالذهب. وفي سنة ١٩٧٤ م اختار "الصندوق المالي العالمي " (International Monetary Fund) فكرة " حقوق السحب الخاصة " (Special Drawing Rights) كبديل لاحتياطي الذهب. وحاصل ذلك أن أعضاء هذا الصندوق يستحقون سحب كمية معينة من عملات شتى الدول لأداء ديونهم إلى الدول الأجنبية الأخرى، واعتبر ٨٨٨٦٧٦ جرامًا من الذهب كعيار لتعيين هذه الكمية، وإن حقهم لسحب هذه الكمية اعتبر بديلاً لاحتياطي الذهب.
стр. 1999
وهكذا أصبحت الذهب خارجًا عن نطاق النقود بتاتًا، وأصبحت الأوراق النقدية الرمزية تحتل مكانه من كل ناحية. وأن الأوراق النقدية لا تمثل اليوم ذهبًا ولا فضة، وإنما تمثل قوة شراء فرضية. وبما أن هذا النظام لم ترس قواعده بعد، كنظام أبدي خالد، وهنالك أصوات في كل بلد، للعودة إلى جعل الذهب كأساس للنظام المالي، حتى وللعودة إلى "قاعدة سبائك الذهب" فإن الدول لا تزعم أنفسها مستغنية عن الذهب إطلاقًا، بل تجتهد للإكثار من رصائدها الذهبية كأوثق احتياطي يفيدها في انقلابات الظروف المتغيرة، ولكن هذا الرصيد الذهبي، مهما عظم مقداره، احتياطي مجرد، ليس له علاقة رسمية بالنقود الرائجة في شكل الأوراق، أو في شكل العملة المعدنية الرمزية.
فهذه هي خلاصة تطورات النظام النقدي في العالم (١)
стр. 2000
وإن هذه الدراسة تدل على أن الأوراق النقدية لم تكن قائمة على طور واحد في حقيقتها ومكانتها القانونية، وإنما مرت عليها أدوار وأطوار شتى.
فلا شك أنها كانت وثائق للديون في مبدأ أمرها، ولذلك أفتى كثير من العلماء بأنها سندات ديون وليست أموالاً ولا أثمانًا، يقول العلامة السيد أحمد بك الحسيني ﵀ في كتاب "بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة الأوراق":
" ولذلك لو بحثنا عن ماهية كلمة " بنك نوت " لوجدناها من الاصطلاح الفرنسي، وقد نص لاروس، وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية الآن، في تعريف أوراق البنك، حيث قال: ورقة البنك هي ورقة عملة قابلة لدفع قيمتها عينًا لدى الاطلاع لحاملها، وهي يتعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية نفسها، غير أنه ينبغي أن تكون مضمونة ليثق الناس بالتعامل بها". اهـ. " فقوله: "قابلة لدفع قيمتها عينًا لدى الاطلاع لحاملها" لم يجعل شكًا في أنها سندات ديون"، ولا عبرة بما توهمه عبارته "التعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية"؛ لأن معنى تلك العبارة أن الناس يأخذونها بدل العملة، ولكن مع ملاحظة أن قيمتها تدفع لحاملها، وأنها مضمونة بدفع قيمتها، وهذا صريح في أن تلك الأوراق هي سندات ديون" (١) .