وكانت هذه الأوراق النقدية آنذاك مغطاة بغطاء كامل عند البنك الذي أصدرها، ومدعومة بالذهب بنسبة مائة في المائة، وكان البنك يلتزم بأن لا يصدر هذه الأوراق إلا بقدر ما عنده من ذهب. وكان لكل من يحمل هذه الأوراق أن يذهب بها متى شاء إلى البنك، ويحول ما شاء منها إلى سبائك الذهب، ومن هنا يسمى هذا النظام "قاعدة سبيكة الذهب" (Gold bullion Standard) .
٦- لما ازداد شيوع "البنكنوت" جعلتها الدول ثمنًا قانونيًا (Legal Tender) في سنة ١٨٣٣م، وألزمت كل دائن أن يقبلها في اقتضاء دينه، كما يلزمه قبول النقود المعدنية، ثم منعت البنوك التجارية أيضًا من إصدارها، واقتصر إصدارها على البنوك الرئيسة الحكومية فقط.
٧- ثم واجهت الحكومات مشاكل تمويل مشاريعها في السلع والحرب مع قلة ريعها، فلجأت إلى طبع كميات كبيرة من النقود الورقية، تزيد عن كمية الذهب الموجودة عندهم؛ لتستعملها في سد حاجاتها، فصار غطاء الأوراق النقدية يتناقص شيئًا فشيئًا، وهبطت نسبة دعمها بالذهب الحقيقي عن المائة في المائة إلى نسبة أدنى بكثير؛ وذلك لأن البنوك التي تصدر الأوراق النقدية كانت تستيقن بأن جميع هذه الأوراق لا يطلب تحويلها إلى الذهب في وقت واحد، وبعبارة أخرى قد راجعت في السوق أوراق نقدية لم تكن مدعومة بالذهب ولكن التجار قبلوها، لثقتهم بأن مصدرها يقدر على تحويلها إلى الذهب كلما طلب منه ذلك، بفضل الذهب الموجود عنده، وإن كانت كمية الذهب أقل من كمية الأوراق الصادرة من عنده. وإن هذه الأوراق النقدية تسمى "نقود الثقة" (Fiduciary Money) .
стр. 1997
ومن جهة أخرى، اضطرت الدول التي لم تزل تتعامل بالنقود المعدنية إلى تقليل كمية المعدن، أو تنقيص جودته في كل قطعة، بحيث أصبحت قيمتها الاسمية (Face Value) أعلى بكثير من قيمة ما تحتويه من ذهب أو فضة، (Intrinsic Value) ، وإن مثل هذه النقود تسمى "نقودًا رمزية" (Token Money) بحيث يرمز أصلها المعدني إلى قيمتها الاسمية التي تمثل قيمتها الحقيقية السابقة.
٨- وإن تزايد "نقود الثقة" قد تدرج إلى حد أن الأوراق بلغت إلى مقدار ما يساوي أضعاف مقدار الذهب الموجود في البلاد، حتى خشيت الحكومات أن مقدار الذهب الموجود لا يفي بطلبات تحويل الأوراق إلى الذهب، ووقع ذلك فعلاً في بعض البلاد، حيث إن بعض البنوك لم تستطع تلبية بعض الطلبات في بعض الأحيان.
وحينئذ شرعت الدول تنفذ شروطًا قاسية على الذين يريدون تحويل أوراقهم إلى الذهب، وقد عطلت إنكلترا هذا التحويل بتاتًا بعد حرب ١٩١٤م، ثم عادت إلى جواز التحويل في سنة ١٩٢٥م، ولكن بشرط أن ما يطلب من البنك تحويله، لا يكون أقل من ألف وسبعمائة جنيه، بما جعل عامة الناس لا يقدرون على تحويل أوراقهم إلى الذهب، ولكنهم لم يحتفلوا بذلك لشيوع الأوراق كنقد قانوني تنفعهم في متاجراتهم الأهلية ما تنفع الأوراق المعدنية.
стр. 1998
٩- ثم في سنة ١٩٣١م منعت حكومة بريطانيا من تحويل الأوراق إلى الذهب إطلاقًا، حتى لمن يطلب أكثر من ألف وسبعمائة جنيه، وألزمت على الناس أن يقتنعوا بهذه الأوراق كبديل للذهب، ويتعاملوا بها في سائر مداولاتهم. ولكن الحكومات استمرت في احترام حق بعضها لبعض، فإن تحويل الأوراق وإن كان ممنوعًا داخل البلاد، ولكن كانت كل دولة ملتزمة بتحويل عملتها إلى الذهب لدولة أخرى إن تقدمت إليها بعملة الدولة الأولى، فلو شاءت أمريكا مثلاً أن تتقدم بأوراق جنيهات استرلينية إلى انكلترا، فإن إنكلترا كانت ملتزمة بتحويل تلك الأوراق إلى الذهب. وإن هذا النظام يسمى "قاعدة التعامل بالذهب" (Gold Exchange Standard) .
١٠- وقد ظل العمل بهذه القاعدة مستمرًا إلى أن واجهت الولايات المتحدة أزمة شديدة في سعر دولارها، وتدفق الذهب منها في سنة ١٩٧١م فاضطرت إلى إيقاف تحويل الدولار إلى الذهب للدول الأخرى أيضًا، وذلك للخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٧١م وبهذا قد قضي على آخر شكل من دعم الأوراق بالذهب. وفي سنة ١٩٧٤ م اختار "الصندوق المالي العالمي " (International Monetary Fund) فكرة " حقوق السحب الخاصة " (Special Drawing Rights) كبديل لاحتياطي الذهب. وحاصل ذلك أن أعضاء هذا الصندوق يستحقون سحب كمية معينة من عملات شتى الدول لأداء ديونهم إلى الدول الأجنبية الأخرى، واعتبر ٨٨٨٦٧٦ جرامًا من الذهب كعيار لتعيين هذه الكمية، وإن حقهم لسحب هذه الكمية اعتبر بديلاً لاحتياطي الذهب.
стр. 1999
وهكذا أصبحت الذهب خارجًا عن نطاق النقود بتاتًا، وأصبحت الأوراق النقدية الرمزية تحتل مكانه من كل ناحية. وأن الأوراق النقدية لا تمثل اليوم ذهبًا ولا فضة، وإنما تمثل قوة شراء فرضية. وبما أن هذا النظام لم ترس قواعده بعد، كنظام أبدي خالد، وهنالك أصوات في كل بلد، للعودة إلى جعل الذهب كأساس للنظام المالي، حتى وللعودة إلى "قاعدة سبائك الذهب" فإن الدول لا تزعم أنفسها مستغنية عن الذهب إطلاقًا، بل تجتهد للإكثار من رصائدها الذهبية كأوثق احتياطي يفيدها في انقلابات الظروف المتغيرة، ولكن هذا الرصيد الذهبي، مهما عظم مقداره، احتياطي مجرد، ليس له علاقة رسمية بالنقود الرائجة في شكل الأوراق، أو في شكل العملة المعدنية الرمزية.
فهذه هي خلاصة تطورات النظام النقدي في العالم (١)
стр. 2000
وإن هذه الدراسة تدل على أن الأوراق النقدية لم تكن قائمة على طور واحد في حقيقتها ومكانتها القانونية، وإنما مرت عليها أدوار وأطوار شتى.
فلا شك أنها كانت وثائق للديون في مبدأ أمرها، ولذلك أفتى كثير من العلماء بأنها سندات ديون وليست أموالاً ولا أثمانًا، يقول العلامة السيد أحمد بك الحسيني ﵀ في كتاب "بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة الأوراق":
" ولذلك لو بحثنا عن ماهية كلمة " بنك نوت " لوجدناها من الاصطلاح الفرنسي، وقد نص لاروس، وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية الآن، في تعريف أوراق البنك، حيث قال: ورقة البنك هي ورقة عملة قابلة لدفع قيمتها عينًا لدى الاطلاع لحاملها، وهي يتعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية نفسها، غير أنه ينبغي أن تكون مضمونة ليثق الناس بالتعامل بها". اهـ. " فقوله: "قابلة لدفع قيمتها عينًا لدى الاطلاع لحاملها" لم يجعل شكًا في أنها سندات ديون"، ولا عبرة بما توهمه عبارته "التعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية"؛ لأن معنى تلك العبارة أن الناس يأخذونها بدل العملة، ولكن مع ملاحظة أن قيمتها تدفع لحاملها، وأنها مضمونة بدفع قيمتها، وهذا صريح في أن تلك الأوراق هي سندات ديون" (١) .
стр. 2001
وكذلك أفتى كثير من علماء الهند في القرن السابق بكون هذه الأوراق وثائق دين، فلا تتأدى بأدائها الزكاة، حتى يصرفها الفقير، ولا يجوز شراء الذهب والفضة بها (١) .
ولكن كان هناك في الوقت نفسه ثلة من العلماء والفقهاء، يعتبرون هذه الأوراق أموالاً، كأثمان عرفية. وقد أشبع الكلام على هذه المسألة العلامة أحمد الساعاتي ﵀، صاحب ترتيب مسند أحمد وشرحه، فقال في كتاب الزكاة من كتابه المذكور:
"فالذي أراه حقًا، وأدين الله عليه: أن حكم الورق المالي كحكم النقدين في الزكاة سواء بسواء؛ لأنه يتعامل به كالنقدين تمامًا؛ لأن مالكه يمكن صرفه وقضاء مصالحه به في أي وقت شاء. فمن ملك النصاب من الورق المالي، ومكث عنده حولا كاملاً وجبت عليه زكاته ... " إلخ (٢) .
وبعين هذا الرأي كان يرى بعض علماء الهند، مثل مولانا الشيخ فتح محمد اللكنوي ﵀، صاحب "عطر الهداية" و "خلاصة التفاسير" وتلميذ الإمام عبد الحي اللكنوي ﵀، صاحب المؤلفات المعروفة في العلوم الإسلامية. وقد شرح ابنه المفتي سعيد أحمد اللكنوي ﵀ رأيه في آخر كتابه "عطر الهداية"، وذكر أن الإِمام عبد الحي اللكنوي ﵀ كان يوافقه في هذه المسألة.
стр. 2002
وخلاصة قوله: أن أوراق العملة لها جهتان: الأولى: أنها يتعامل بها في البيوع والإجارات، وسائر العقود المالية كالسكك والأثمان سواء بسواء، بل وقد ألزمت الدول جميع الناس لقبولها في اقتضاء الديون والحقوق، فلا يسع لدائن في القانون اليوم أن يمتنع من قبولها في اقتضاء دينه. ومن هذه الجهة صارت هذه الأوراق أثمانًا عرفية.
والجهة الثانية: أنها وثيقة من قبل الحكومة، والتزمت الحكومة بأداء بدلها عند هلاكها، فمن هذه الجهة أنها تخالف الأثمان العرفية المسكوكة، فإن الحكومة لا تؤدي بدلها عند هلاكها، ومن هذه الجهة ينبغي أن تعتبر كسندات لديون، أو كوثائق مالية أخرى.
ولكننا إذا أمعنا النظر في الجهة الثانية، رأينا أنها لا تبطل ثمنية هذه الأوراق، فإن الأصل أن الحكومة كانت تريد أن تصدر هذه الأوراق كأثمان عرفية، ولهذا ألزمت الناس قبولها في اقتضاء ديونهم، ولكن الأثمان المسكوكة سابقًا، حتى النقود الرمزية منها، كانت في أنفسها أموالاً لها قيمة يعتد بها، ولم يكن تقومها موقوفًا على إعلان الحكومة، ولا بجعلها أثمانًا رمزية، فإنها كانت تصنع تارة من الذهب والفضة، ومرة من الصفر، وأخرى من النحاس أو الحديد، مما هي أموال في أنفسها، ولو أبطلت الحكومة ثمنيتها بقي تقومها من حيث موادها.
وأما هذه الأوراق فليست أموالاً في أنفسها، وإنما جاء فيها التقوم من قبل الحكومة، ولو أبطلت الحكومة ثمنيتها بطل تقومها، فلم تكن هذه الأوراق لتحوز من ثقة الناس ما تحوزه الأثمان المعدنية، ولهذا التزمت الحكومة بأداء بدلها عند هلاكها أو ضياعها، لا لأنها لم تكن أثمانًا عرفية في نظر الحكومة، بل لتحوز هذه الأثمان ثقة العامة، ويتعامل بها الناس دون أيما خطر.
فليست جهة كونها وثيقة مما يبطل ثمنيتها، فإنها تنبئى عن وعد الحكومة بأداء بدلها، وليس لهذا الوعد أي أثر في تعامل الناس فيما بينهم، ولو كانت الحكومة لا تريد أن تجعلها أثمانًا عرفية، لما جبرت الناس على قبولها، بل إن هذه الجهة قد منحت هذه الأوراق من الثقة ما هو فوق ثقة الأثمان الأخرى، فإنها تهلك وتضيع بلا بدل، وهذه يمكن إبدالها من الحكومة. (١) .
رأينا في المسألة:
ولو أردنا أن نحاكم بين هذين الرأيين، فإنى أرى أن كلا الرأيين مصيب بالنسبة إلى أزمنة مختلفة، فقد شرحنا عند بيان تاريخ النقود ما مر على هذه الأوراق من تطورات.
стр. 2003
فلا شك أنها كانت في بداية أمرها سندات لديوان، فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية:
"أن البنكنوت ظهر في العالم قبل الشيكات المصرفية، ويمكن اعتباره كسند عند الدائن لدين له على البنك، وأن حقوق هذا الورق تنتقل إلى رجل آخر بتسليمه إليه، فيصير حامله دائنًا للبنك بطريقة تلقائية، ولهذا صار أداء الحقوق المالية بهذه الأوراق كأداءها بالنقود، وإن أداء المبالغ الكثيرة بالنقود المسكوكة عسيرة جدًا، فإنها تحتاج إلى عد ونقد، وربما يحتاج نقلها وحملها إلى تكاليف معتدة بها، باستعمال هذه الأوراق قد قلل من مشقة العد، وأذهب المشاق الأخرى رأسا" (١) .
ولكننا رأينا في تطورات هذه النقود أنها لم تبق على هذه الحالة في الأزمان الآتية، إنها كانت في بداية أمرها إيصالات مكتوبة شخصيًا من قبل بعض الصاغة والصيارفة، دون أن تكون لها صورة رسمية، ولا جهة واحدة تصدرها، ولم يكن أحد يجبر على قبولها عند اقتضاء حقه. ثم لما ازداد شيوعها جعلتها الحكومات عملة قانونية Legal Tender ومنعت البنوك الشخصية في إصدارها. وحينئذ اختلفت حقيقتها عن الوثائق المالية الأخرى في جهات تالية:
стр. 2004
١- أنها صارت عملة قانونية، وجبر الناس بقبولها كالأثمان العرفية الأخرى، في حين أن الوثائق المالية الأخرى لا يجبر أحد على قبولها في اقتضاء دينه، كالشيكات المصرفية مع أنها قد عم التعامل بها أيضًا.
٢- أنها صارت عملية قانونية غير محدودة (Unlimited Legal Tender) في حين أن النقود المعدنية الرمزية عملة قانونية محدودة (Limited Legal Tender) .
فيمكن قضاء الدين بالأوراق النقدية، مهما عظم مقدار الدين، ولا يستطيع الدائن أن يرفض قبول شيء منها، بخلاف النقود المعدنية الرمزية، فإن الدائن يستطيع أن يرفضها في اقتضاء مبلغ كبير، فهذا يدل على أن أوراق العملة هذه قد فاقت العملة المعدنية الرمزية بكثير، في شيوع التعامل بها، واعتماد الناس عليها، وصفتها القانونية.
٣- أن سند الدين يستطيع أن يصدره كل أحد، وليس هناك أي مانع قانوني ولا شرعي، أن يكتب مديون وثيقة لدائنه، ولا مانع من أن يستعملها ذلك الدائن في أداء دينه إلى دائن آخر، وهكذا، ولكن الأوراق النقدية لا تصدر إلا من جهة واحدة فقط، وهي الجهة الرسمية، كما هو شأن النقود المعدنية.
٤- أن هذه الأوراق يطلق عليها كلمة "النقود"، "والأثمان"، "والعملة" في كل من العرف والقانون في جميع البلاد والأقطار، في حين أن هذه الكلمات لا تطلق على شيء من الوثائق الأخرى.
стр. 2005
٥- أنها يتعامل بها الناس بنفس الاعتماد الذي يتعاملون به في النقود المعدنية الرمزية، ولا يخطر ببال أحد عند التعامل بها أنه يتعامل بدين، ولا يوجد اليوم أحد يطمع فيما وراءها من ذهب أو فضة أو عملة مسكوكة أخرى.
٦- قد سبق في بيان تطورات هذه الأوراق أنها لم يبق اليوم وراءها شيء من الذهب والفضة فعلاً، ولا يمكن تحويلها إلى الذهب، حتى في المداولات الدولية. يقول جيوفر كزاؤتهر:
The Promise to Pay Which appears on their face is now utterly meaningless. Not even in amounts of ١.٧٠٠ can notes now be converted into gold. The note is no more than a piece of paper, of no intrinisie value whatever and if it were presented for redemption, the Bank of England could honour its Promise to pay one Pound only by giving Silver coins or another note but it is money throughtout the British Isles (١) .
" إن وعد الأداء الذي يرى مكتوبًا على وجه الأوراق النقدية صار الآن لا معنى له إطلاقًا. لا ورق يمكن تحويله إلى الذهب الآن، حتى بمقدار ألف وسبعمائة جنيه. الورق النقدي الآن ليست إلا قطعة من الكاغد، ليس لها قيمة ذاتية، وأنها لو قدمت إلى البنك الرئيسي البريطاني لافتكاكها، فإن البنك لا يستطيع الوفاء بوعده إلا بإعطاء عملة رمزية، أو ورق نقدي آخر. ولكنه يعتبر في سائر الجزر البريطانية.
стр. 2006
وحاصل ذلك أن هذا الوعد المكتوب لا يعبر اليوم إلا عن ضمان الحكومة لحامله بالحفاظ على قيمة الورق الاسمية (Face Value) وإن قيمته الاسمية عبارة عن عيار مخصوص لقوة الشراء، ولذلك لا يلتزم البنك بأداء الذهب أو الفضة أو العملة المعدنية الأخرى، بل ربما يفي بوعده بإبدال ذلك الورق بورق آخر يساويه في قيمته الاسمية، فليس ذلك أداء الدين، وإنما هو إبدال الثمن بثمن آخر، قد التزم به البنك الرئيسي، لا لأن الورق ليس ثمنًا رمزيًا، بل للحفاظ على ثقة الناس بهذا الثمن الرمزي.
فاتضح بما ذكرنا أن النقود الورقية لم تبق الآن سندات لديون في تخريجها الفقهي، وإنما صارت أثمانًا رمزية يعبر عنها الفقهاء بكلمة " الفلوس النافقة " فإن الفلوس النافقة تكون قيمتها الاسمية أكثر بكثير من قيمتها الذاتية، فكذلك الأوراق النقدية تكون قيمتها الاسمية أضعاف قيمتها الذاتية، وجرى بها التعامل العام فيما بين الناس، دون أيما فرق بينهما وبين الفلوس النافقة، حتى لا توجد العملة المعدنية اليوم – ولو رمزية – إلا نزرًا قليلاً، فالحكم بعدم أداء الزكاة بهذه الأوراق، ومنع مبادلة بعضها ببعض على أساس كونه بيع بالكالئ، ومنع اشتراء الذهب والفضة بها لفقدان التقابض، فيه حرج عظيم لا يتحمل، والمعهود من الشريعة السمحة في مثله السعة والسهولة، والعمل بالعرف العام المتفاهم بين الناس، دون التدقيق في أبحاث قد أصبحت اليوم فلسفة نظرية ليس لها في الحياة لعملية أثر، ولا يسمع لها خبر، والله أعلم.
стр. 2007
وبعدما ثبت كون هذه الأوراق في حكم الفلوس، ننتقل إلى الأحكام المتعلقة بها، والله سبحانه المستعان.
١- الزكاة والأوراق المالية:
تجب الزكاة على الأوراق النقدية بالإجماع، وليس على قول من يقول بوجوب الزكاة على الدين فقط؛ لأنها ليست سندات دين، وإنما هي في حكم الفلوس النافقة، والفلوس النافقة في حق الزكاة كعروض التجارة، تجب عليها الزكاة إذا بلغت قيمتها نصاب الفضة.
وكذلك يجوز أداء الأوراق النقدية إلى الفقير زكاة، وتتأدي بها الزكاة فور ما يستلمها الفقر، دون انتظار أن يصرفها، أو يحولها إلى عملة معدنية، كما تتأدي الزكاة بأداء الفلوس إلى الفقير، ولا يشترط لأداء الزكاة بها أن يصرفها الفقير، أو يأخذ بدلها شيئًا من الذهب أو الفضة.
٢- أحكام مبادلة الأوراق بالأوراق:
إن مبادلة الأوراق بالأوراق تمكن على وجهين:
الأول: المبادلة بين الأوراق الأهلية، وذلك أن تكون الأوراق في كلا الجانبين أوراق دولة واحدة.
стр. 2008
والثاني: المبادلة بين الأوراق الأجنبية، وذلك أن يكون التبادل بين عملات دول مختلفة. فلنتكلم على كلتا الجهتين على حدة:
المبادلة بين الأوراق الأهلية:
قدمنا أن النقود الورقية في حكم الفلوس سواء بسواء، فتجري على مبادلتها أحكام بيع الفلوس بعضها ببعض. فلو بيعت هذه الأوراق على التساوي، بأن تكون قيمة البدلين متساوية، فهذا جائز بالإجماع، بشرط أن يتحقق قبض أحد البدلين في المجلس قبل أن يتفرق المتبايعان، فإن تفرقا ولم يقبض أحد شيئًا، فسد العقد عند الحنفية وبعض المالكية؛ لأن الفلوس لا تتعين بالتعيين عندهم، وإنما تتعين بالقبض، فصارت دينا على كل أحد، والافتراق عن دين بدين لا يجوز (١) .
وأما بيعها على التفاضل بأن تكون قيمة أحد البدلين أكثر من الآخر، كبيع الربية بالربيتين، والريال بالريالين، والدولار بالدولارين، فتجري فيه أحكام الفلوس بالتفاضل، وفيه خلاف مشهور للفقهاء.
وذلك أن بيع الفلس بالفلسين حرام مطلقًا، وهو من الربا المحرم شرعًا عند الإمام مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وهو أشهر الوجهين عند الحنابلة، وبه يقول الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف، إذا كان البدلان غير متعينين.
стр. 2009
فأما الإمام مالك بن أنس ﵀، فلأنه يعتبر الثمنية علة لتحريم التفاضل والنسيئة، سواء كانت الثمنية جوهرية، كما في الذهب والفضة، أو عرفية مصطلحة، كما في الفلوس، فلا يجوز التفاضل والنسيئة في مبادلتها بجنسها. وجاء في المدونة الكبرى للإمام مالك:
"ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود، حتى يكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة؛ لأن مالكًا قال: لا يجوز فلس بفلسين، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة ولا بالدنانير نظرة" (١) .
وأما الحنفية فإن العلة عندهم، وإن كانت الوزن، ولا يوجد ذلك في الفلوس ولكنهم يقولون: إنها أمثال متساوية قطعًا، لاصطلاح الناس بإهدار الجودة منها، فلو بيع فلس واحد بفلسين كان أحد الفلسين خاليًا عن العوض مشروطًا في العقد، وهو الربا، وهذا مادامت ثمنيتها باقية بأن لا تتعين بالتعيين، ثم يقول محمد بن الحسن ﵀: إنه لا سبيل إلى إسقاط ثمنيتها ما دامت رائجة؛ لأنها صارت ثمنًا بالاصطلاح، فلا تبطل إلا باصطلاح الجميع، فليس للمتعاقدين إبطالها وتعيينها، فلا يجوز الفلس بالفلسين بحال. ويقول أبو حنيفة وأبو يوسف: إن للمتعاقدين إبطال ثمنيتها بتعينها، وحينئذ تصير عروضًا متعينة، ويجوز فيها التفاضل (٢) .
стр. 2010
وأما الإمام أحمد، فعنه في هذه المسألة روايتان: الأولى: أنه يجوز الفلس بالفلسين؛ لأن علة الربا عنده الوزن، ولا يوجد في الفلوس لكونها عددية. والثانية: لا يجوز، ويجري فيها الربا؛ لأن أصله الوزن، فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، وذكر ابن قدامة أن اختيار القاضي أن ما كان يقصد وزنه بعد عمله كالإِسطال ففيه الربا، وما لا فلا (١) .
وقياس هذا التعليل أن يجوز عنده بيع الأوراق النقدية متفاضلة؛ لأن الورق ليس موزونًا من أصله، بخلاف الفلوس المعدنية، والله سبحانه أعلم.
والمذهب الثاني للفقهاء في هذا الباب: أنه يجوز بيع الفلس بالفلسين، ويجوز التفاضل في مبادلة الفلوس بالغًا ما بلغ، وهو مذهب الشافعي ﵀؛ وذلك لأن علة الربا عنده جوهرية الثمن، فتختص بالذهب والفضة، وليست الفلوس في حكمها، فلا ربا عنده في الفلوس وإن راجت، فيجوز عنده بيع بعضها ببعض متفاضلاً (٢) .
وكذلك أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجوزان الفلس بالفلسين، إذا كانا بأعيانهما، وعينهما العاقدان، لفوات ثمنيتهما حينئذ، وكونهما عروضًا محضة، كما قدمنا.
стр. 2011
الرأي الراجح في هذا الباب:
كان اختلاف الفقهاء هذا في زمن يسود فيه الذهب والفضة كعيار للأثمان، وتتداول فيه النقود الذهبية والفضية بكل حرية، ولا تستعمل الفلوس إلا في مبادلات بسيطة. وأما الآن فقد فقدت النقود المعدنية من الذهب والفضة، ولا يوجد اليوم منها شيء في العالم كله، واحتلت النقود الرمزية محلها في سائر المعاملات كما بينا في بداية هذه المقالة.
فيجب الآن – فيما أرى – أن يختار قول الإمام مالك أو الإمام محمد رحمهما الله تعالى في مسألة بيع النقود الرمزية بعضها ببعض؛ وذلك لأنه لو وقع الحكم اليوم بمذهب الإمام الشافعي، أو الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏، لانفتح باب الربا على مصراعيه، وصارت كل معاملة ربوية حلالا تحت هذا الستار، فإن المقرض أن أراد الربا باع نقوده الرمزية من الآخر بنقود رمزية أكثر من قيمة ما دفعه.
والذي يغلب على الظن أن هؤلاء الفقهاء لو كانوا أحياء في هذا الزمان، وشاهدوا من تغير أحوال النقود ما نشاهده، لأفتوا بحرمة الفلس بالفلسين، وقد رأينا ذلك فعلاً من بعض الفقهاء المتقدمين، إذ حرم مشايخ ما وراء النهر التفاضل في العدالي والغطارفة، وهي النقود التي كان يغلب عليها الغش، ولم تكن فيها الفضة إلا بنسبة ضئيلة، وكان أصل مذهب الحنفية في مثل هذه النقود جواز التفاضل، صرفا للجنس إلى خلاف الجنس، ولكن مشايخ ما وراء النهر أفتوا بحرمة التفاضل فيها، وعللوا ذلك بقولهم: أنها أعز الأموال في ديارنا، فلو أبيح التفاضل فيها ينفتح باب الربا (١) .
ثم إن قول الإمام محمد رحمة الله تعالى يبدو راجحًا من حيث الدليل أيضًا، إذا قورن بمذهب شيخيه الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى؛ لأن إبطال ثمنية الفلوس لا يتصور صحيح، فقلما يوجد من يطمع في خصوص مادة الفلوس من حيث كونها قطعات صفرا أو حديدا، وإنما يرغب فيها من حيث ثمنيتها، فلو تصالحها على إبطال ثمنيتها، لا يكون ذلك إلا حيلة مصطنعة لتحليل التفاضل، ومثل ذلك لا يقبله الشرع، ولا سيما في زماننا، حيث لا يتصور الربا إلا في النقود الرمزية، لنفاد النقود الخلقية وفقدانها من العالم كله.
نعم، يمكن أن يتصور قول الشيخين في الفلوس التي يقصد اقتناؤها من حيث موادها وصنعتها، ولا يقصد التبادل بها، كما هو معتاد عند بعض الناس في عصرنا من اقتناء عملات شتى البلاد وشتى الأنواع؛ لتكون ذكرى تاريخية. ففي مثل هذه الفلوس يمكن أن يتصور ما قاله الشيخان رحمهما الله، ويبدو أن في التفاضل في مثل هذه الفلوس سعة على قولهما، وأما الفلوس التي يقصد بها التبادل دون خصوص المادة، فلا ينبغي المساهلة في أمرها، فإنها من أقوى الذرائع إلى الربا، والله أعلم.
стр. 2012
فالصحيح الراجح في زماننا أن مبادلة الأوراق النقدية إنما تجوز بشرط تماثلها، ولا يجوز التفاضل فيها.
ثم التماثل ههنا لا يكون بعدد الأوراق، وإنما يكون بقيمة الأوراق الاسمية، فيجوز بيع ورق واحد قيمته الاسمية خمسون ربية بخمسة أوراق قيمة كل واحد منها عشر ربيات؛ لأن مجموع قيمة هذه الخمسة تساوي خمسين ربية، وذلك لأن المقصود من بيع هذه الأوراق ليس ذات الورق ولا وزنه أو عدده، وإنما المقصود هو القيمة التي يمثلها، فيجب التساوي في تلك القيمة، وهذا كما جعل الفقهاء الفلوس عددية، مع أن أصلها من معدن موزون، وما ذلك إلا لأن المقصود منها ليس ذواتها، وإنما المقصود هو القيمة التي تمثلها هذه الفلوس، فلو كانت قطعة منها تساوى عشرة فلوس، فإنه يباح بيعها بعشر قطعات قيمة كل منها فلس واحد، حتى عند من يحرم بيع الفلس بالفلسين؛ لأنها مساوية في القيمة، أو لأن قطعة العشرة وإن كانت واحدة في العدد، ولكنها في حكم عشر قطع، فتساوي عشر قطعات، فكذلك الأوراق النقدية لا يعتبر فيها عددها الظاهر، بل عددها الحكمي الذي يظهر من قيمتها الاسمية. والله سبحانه أعلم.
стр. 2013
مبادلة عملات الدول المختلفة:
ثم الذي يظهر أن عملة الدولة الواحدة الرمزية كلها جنس واحد، وعملات الدول المختلفة أجناس مختلفة؛ وذلك لأن العملة اليوم لا يقصد بها مادتها، وإنما هي عبارة عن عيار مخصوص لقوة الشراء، وأن ذلك العيار يختلف باختلاف البلاد، كالربية في باكستان والريال في المملكة السعودية والدولار في أمريكا، وما إلى ذلك، وأن عيار كل دولة ينبني على قائمة أسعارها، وقدر إيرادها وإصدارها، وليس هناك شيء مادي ينبئ عن نسبة ثابتة بين هذه العيارات، وإنما تختلف هذه النسبة كل يوم، بل كل ساعة، بناء على تغير الظروف الاقتصادية في شتى البلاد، ولذلك لا يوجد بين عملات البلاد المختلفة علاقة ثابتة تجعل هذه العملات جنسًا واحدًا، بخلاف عملة الدولة الواحدة، فإن أنواعها المختلفة مرتبطة بينها بنسبة ثابتة لا تتغير، كالربية والبيسة في باكستان، بينهما نسبة الواحد والمائة، وأنها نسبة ثابتة لا تتأثر بتغير أسعار الربية. وأما الربية الباكستانية والريال السعودي، فليس بينهما نسبة ثابتة، بل إنها تتغير كل حين بتغير أسعار هذا أو ذاك.
فتبين أن عملات الدول المختلفة أجناس مختلفة، ولذلك تختلف أسماؤها وموازينها ووحداتها المنشعبة منها.
ولما كانت عملات الدول أجناسًا مختلفة جاز بيعها بالتفاضل بالإجماع، أما عند الشافعي ﵀ فلأنه يجوز بيع الفلس بالفلسين في عملة واحدة، ففي العملات المختلفة أولى، وهو رأي في مذهب الحنابلة كما قدمنا، وأما عند مالك ﵀ فلأنه يجعل هذه العملات من الأموال الربوية فإذا اختلفت أجناسها جاز التفاضل، وأما عند أبي حنيفة وأصحابه فلأن تحريم بيع الفلس بالفلسين مبني عندهم على كون الفلوس أمثالاً متساوية قطعًا، فيبقى عند التفاضل فضل خال عن العوض، ولكن عملات البلاد المختلفة لما كانت أجناسًا مختلفة، لم تكن أمثالاً متساوية، فلا يتصور الفضل الخالي عن العوض.
стр. 2014
فيجوز إذن أن يباع الريال السعودي مثلاً بعدد أكثر من الربيات الباكستانية.
ثم إن أسعار هذه العملات بالنسبة إلى العملات الأخرى، ربما تعين من قبل الحكومات، فهل يجوز بيعها بأقل أو أكثر من ذلك السعر المحدد؟ والجواب عندي أن البيع بخلاف هذا السعر الرسمي لا يعتبر ربا؛ لما قدمنا من أنها أجناس مختلفة، ولكن تجري عليه أحكام التسعير، فمن جوز التسعير في العروض، جاز عنده هذا التعسير أيضًا، ولا ينبغي مخالفة هذا السعر، إما لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجب (١) ، وإما لأن كل من يسكن دولة فإنه يلتزم قولاً أو عملاً بأنه يتبع قوانينها، وحينئذ يجب عليه اتباع أحكامها، مادامت تلك القوانين لا تجبر على معصبة دينية (٢) .
بيع العملات بدون التقابض:
ثم إن هذه الأوراق النقدية، وإن كان لا يجوز فيها التفاضل، ولكن بيعها ليس بصرف، فلا يشترط فيه التقابض في مجلس العقد، نعم يشترط قبض أحد البدلين عند الإمام أبي حنيفة وأصحابه؛ لأن الفلوس عندهم لا تتعين بالتعيين، فلو افترقا دون أن يقبض أحد البدلين، لزم الافتراق عن دين بدين (٣) . وأما عند الأئمة الثلاثة فينبغي أن لا يشترط ذلك إن كان أحد البدلين متعينًا؛ لأن الأثمان تتعين بالتعيين عندهم (٤) .
стр. 2015
وهل يجوز هذا البيع نسيئة؟ كما هو معمول به اليوم عند كثير من التجار وعامة الناس، أنهم يعطون عملة بلدهم، بشرط أن يؤدي الآخذ بدلها في شكل عملة بلد آخر بعد مدة، مثل أن يعطي زيد عمرا ألف ريال سعودي في المملكة السعودية، بشرط أن يؤدي عمرو بدلها أربعة آلاف ربية باكستانية في باكستان.
فأما عند الحنفية فيجوز هذا البيع؛ لأن الأثمان لا يشترط فيها كونها مملوكة للعاقد عند البيع عندهم، فيصح فيها التأجيل عند اختلاف الجنس، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وإذا اشترى الرجل فلوسًا بدراهم ونقد الثمن، ولم تكن الفلوس عند البائع، فالبيع جائز؛ لأن الفلوس الرائجة ثمن كالنقود. وقد بينا أن حكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها معًا، ولا يشترط قيامها في ملك بائعها لصحة العقد، كما لا يشترط ذلك في الدراهم والدنانير" (١) .
فصار البيع حينئذ بيعًا بثمن مؤجل، وذلك جائز في الأجناس المختلفة، ثم يمكن تخريجه على قاعدة السلم أيضًا؛ لأن السلم في الفلوس جائز عند أكثر الفقهاء؛ لأنها عددية غير متفاوتة تنضبط بالضبط، حتى عند محمد ﵀ أيضًا، الذي يقول بحرمة الفلس بالفلسين (٢) . وكذلك يجوز السلم في كل ما لا يتفاوت من العدديات عند أحمد ﵀ (٣) .
وحينئذ يجب أن تراعي في هذا العقد شرائط السلم، على اختلاف أقوال الفقهاء فيها، وهي معروفة. والله أعلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 2016
أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة
لفضيلة الشيخ محمد علي عبد الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة
قال ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) . ويقصد بكلمة (تشفوا) هذا تزيدوا.
وقد ورد هذا الحديث للنهي عن ربا الفضل الذي يقصد به بيع أحد الجنسين بمثله بدون تأخير في القبض.
وقد وقع النهي عن ذلك لما عساه أن يوجد من التحايل والتلبيس على بعض ضعاف العقول. فيقدم لهم القطعة المنقوشة نقشًا بديعًا من الذهب تساوي زنتها مرتين، وبالتالي يقع الغبن.
والحديث الشريف ينهي عن بيع الذهب بالذهب والأصناف المتجانسة بمثلها مع زيادة كان يتم بيع قطعة من الذهب زنتها عشرة مثاقيل بقطعة من الذهب زنتها اثنا عشر مثقالاً، وكذلك في الصرف الورق بالورق. فإذا ما اختلف الجنسان فإنه يصح البيع والشراء بالزيادة على قيمته وبنقصها، فيصح أن يشترى الجنيه الذي قيمته مائة وعشرة، كما يصح أن يصرفه بتسعين قرشًا، إلا أنه يشترط هنا فيه التقابض، فلا يصح صرف جنيه بفضة إلا إذا كان كل واحد يأخذ ماله في المجلس. وبالتالى يجب أن يكون المبيع والثمن موجودين في ملك البائع والمشتري، فإذا ما وقع دفع سبعين قرشًا وأجل عشر قروش مثله، فإن ذلك يدخل ضمن ربا الفضل وهو حرام.
стр. 2017
وللقروش أو الفلوس أحكامها في المذاهب.
فحسب الشافعية الأوراق النقدية أو الفلوس لا يدخلها الربا، سواء كانت رائجة يتعامل بها أو لا، وبالتالي يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً إلى أجل، فإذا باع عشرين قرشًا صاغًا من العملة المحلية بخمسين قرشًا من القروش التعريفة يدفعها بعد شهر فإن ذلك يصح رغم وجود زيادة خمسة قروش.
أما الحنيفة: قد ورد لديهم الفلوس المأخوذة من غير الذهب والفضة، إلا أنه يصح بيع بعضها ببعض مفاضلة، ولا يشترط فيها التقابض من الجانبين، فإذا اشترى قرشًا من الصاغ، بقرش من التعريفة أكثر منها لأجل فإنه يصح إذا قبض القروش الصاغ، وأما إذا افترقا قبل أن يقبض أحدهما فإنه لا يصح.
الحنابلة من ناحيتهم إذا ما اشترى فلوسًا يتعامل بها مأخوذة من غير الذهب والفضة فإن يجوز شراؤها بالنقد متفاضلة إلى أجل، فيصح أن يشتري ثلاثين قرشًا صاغًا من العملة المصرية مثلاً بريالين يدفعهما بعد شهر، إلا أن البعض اشترط هنا التقابض في المجلس.
وأخيرًا المالكية قالوا بأن الفلوس على ما اتخذت من نحاس ونحوه وهي كعروض التجارة، فيجوز شراؤها بالذهب والفضة، كما يجوز أن يشتري بها حليًا فيه ذهب وفضة، أما شراؤه بالذهب فقط أو الفضة فإنه لا يجوز نقدًا، سواء كانت الفضة أقل من الذهب أو العكس.
وملخص القول إباحة تغير القيمة، أو بالأحرى التعامل بالنقود الورقية وتغير قيمة العملة غير مخالف للشرع.
стр. 2018
أحكام النقود الورقية
لفضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطبة الرسالة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه أرسله رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد ...
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ألا وأن الله أناط تمام الإيمان بالتحاكم إلى شرعه العظيم ونبيه الكريم، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
стр. 2019
هذا، وأنه قد جد في هذا العصر نوازل ووقائع تتطلب تحاكمًا إلى الشريعة المطهرة، وذلك لا يكون إلا عن طريق علماء الشرع وفقهاء العصر الذين هم أهل الذكر في هذا الأمر ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] كما قال ربنا في كتابه المجيد.
وقد جدت في هذه النوازل واقعة النقود الورقية، وعم بها التعامل، وصارت من عموم البلوي، واختلف الناس في كونها نقودًا كالذهب والفضة تجب فيها الزكاة ويحرم بها الربا أم لا؟ وذهب الجمهور إلى الأول، وذهب البعض إلى الثاني، وإني مع قوة أدلتهم ووضوحها، ومع هذا فقد تعرضت لقول البعض وشبه أدلتهم، وذكرت ما عليه الجمهور من الأدلة والبراهين الدافعة.
قسمت البحث إلى بابين بعد مدخل للبحث لابد منه في شروح لغوية واصطلاحية ولمحة تاريخية. كان الباب الأول في أحكام الأوراق المالية العرفية وفيه فصلان: الأول في الأحكام الفقهية، والثاني في نقول من أقوال الفقهاء المعاصرين.
وأما الباب الثاني فاشتمل على أحكام تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي، وخلاصة لما قاله العلامة ابن عابدين في أحكام تغير قيمة العملة غلاء ورخصًا وكسادًا في المذهب الحنفي، مع تعرضي للمذاهب الأخرى من المذاهب الثلاثة، وهو لدي الراجح المعمول عليه.
هذا ما توصلت إليه في بحثي المتواضع، أقدمه لا أدعى فيه الإحاطة والشمول والتمام، بل هو جهد فتحت به للباحثين بابًا يلجونه. ولعل الله يجعلني في عملي هذا من أصحاب الأجر الواحد إن لم أكن من أصحاب الأجرين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 2020
مدخل إلى البحث
١- معنى النقد.
٢- شرح كلمة بنك نوت.
٣- النقود المتعامل بها قديمًا وحديثًا.
(١) معنى النقد لغة واصطلاحًا
النقد في اللغة خلاف النسيئة يقال: نقد الشيء قبضه، والنقد الجيد الوازن من الدراهم، ودرهم نقد ونقود جياد. وفي حديث جابر ﵁ قال: فنقدني ثمنه، أي أعطانيه نقدًا معجلاً، فالنقد يطلق مصدرًا واسمًا بمعنى المنقود، وهو الثمن الحال، والفقهاء خصوه بالمضروب من الذهب والفضة معجلاً أو مؤجلاً جيدًا أو غير جيد، فلا يطلقون اسم النقد على الأثمان الأخرى سواء كانت متخذة من المعادن أو غيرها إلا على ضرب من التشبيه. وعلماء الاقتصاد توسعوا في ذلك فأطلقوا اسم النقد على كل ما كان واسطة في المبادلات وعاملاً في الحصول على مقابل مرغوب فيه لسد حاجة أو دفع ضرورة أو غير ذلك، مع اتفاق الفريقين على أن ما اتخذ أثمانًا رائجة واتفقت الملة على اعتباره يؤدي وظيفة النقد المعد للماء وهو الذهب والفضة، إذ ليس في الشريعة ما يمنع اتخاذ أي نوع من أنواع العروض ثمنًا يتعامل به مع الذهب والفضة أو بدلاً عنهما، سواء كان متفقًا عليه بين الكل أو لا. ولهم أن يسموه نقدًا أو عملة أو ثمنًا أو بدلاً، إلى غير ذلك من الأسماء، إذ لا نزاع في التسمية.
стр. 2021
نعم يشترط في صحة الثمن كالثمن شروط تكفلت ببيانها كتب الفروع، والاقتصاديون لا يلتفتون إليها في معاملاتهم لعدم تقيدهم في ذلك بأحكام الدين، فإذا اتفقت الملة على أن يأخذوا أي شيء كان صنفه ويعتبرونه ثمنًا يبيعون به ويشترون، أو رأت الحكومة ضرب أي عملة وقدرت لها قيمة للتعامل بها، فذلك سائغ عندهم، وأما عند الشرعيين فلا بد لها من شروط، منها أن يكون طاهرًا منتفعًا به شرعًا فلا يجوز اتخاذ من جلود الميتة، ولا من الخمور والزيوت النجسة، ولا من آلات اللهو والطرب كالأعواد والمزامير ونحوها. وعلى كل حال فلا بد لكل أمة من الاتفاق على نقد واحد يجري به التعامل بينهم، ويحفظ التوازن في المبادلة بحيث يعطي به الفرد كما يأخذ،، فإن تبادل المنافع ضروري في المجتمع الإنساني، إذ ليس كل إنسان لديه جميع ما يحتاج إليه ولا في استطاعته الحصول عليه بدون الاستعانة بغيره، ولا يمكن أن يستأثر بحاجيات نفسه ومنافع غيره بدون عوض يبذله وبدل يدفعه.
والأصل في العوض المماثلة ولو التقريبية، وتحقيقها من العسر بمكان في المبادلة بالسلع، فلا بد من الاتفاق على بدل مقارب تتفاوت أصنافه في القيم إما بالخلقة والذات أو بالوضع والتقدير، وأجوده وأقومه نقد الذهب والفضة لقلة وجودهما ووفرة نفقات استخراجهما، وأسهله وأيسره اتخاذًا ومعاملة نقد الأوراق والكواغد وقطع الجلود ونحوها (١) .
стр. 2022
(٢) شرح معنى كلمة بنك نوت
جاء في كتاب بهجة المشتاق لمؤلفه العلامة فضيلة الشيخ الشريف أحمد الحسيني الشافعي رحمه الله تعالى في ص ٦٨.
بنك نوت: هو لفظ إفرنسي، وقد نص قاموس (لاروس) وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية الآن في تعريف أوراق البنك حيث قال: ورقة البنك هي ورقة قابلة لدفع قيمتها عينًا لدى الاطلاع لحاملها، وهي يتعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية.
وجاء في ص ٧١ قوله: (إن المعاملة بهذه الأوراق، إنما تخرج على قاعدة الحوالة، لمن يجيز المعاملة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة، والحوالة كالبيع فمن يقول بصحة البيع بالمعاطاة يقول بصحة الحوالة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة، وهناك قول وجيه في مذهب السادة الشافعية يجيز المعاملة بالمعاطاة) .اهـ.
هذه البنوك وكذا الصيارفة مستعدون لدفع قيمة ما معك من الأوراق بأي عملة كانت، لأي دولة اتبعت؛ لأن منع التعامل بالذهب والفضة أقرته جميع الحكومات للمحافظة على ما عندها من الذهب والفضة؛ خوفًا من تسربهما للخارج كما مر آنفًا.
لذلك كان الورق النقدي حالاً محلهما، بل هو الذهب والفضة بعينه (١) .
стр. 2023
(٣) النقود المتعامل بها قديمًا وحديثًا
وقد اختلفت الأمم قديمًا وحديثًا في الاصطلاح على النقود ولا تزال مختلفة فيه حتى الآن، فقد اتخذ الأحباش قديمًا نقودًا من الملح زمنًا مديدًا، واتخذ الأقدمون من سكان جمهورية المكسيك بأمريكا الشمالية نقودًا من صنف الكاكاو، واتخذ الأقدمون من سكان إنجلترا نقودًا من الودع والشاي، وكان لأهالي الروسيا نقود من قوالب الشاي المضغوط، ولبعض سكان الأقاليم الشمالية بأفريقيا نقود من جلود السنجاب والحيتان، ولأهالي الصين نقود من قشر شجر التوت، واتخذ اليونان في عهد أرسطو نقودًا من الحديد، واليابان والصين نقودًا من النحاس، والعبريون نقودًا من الرصاص، واتخذ الكثير من الأمم نقودًا من القصدير والزنك والصفيح.
إلا أن النقود النحاسية كانت أكثر استعمالاً لعلو قيمة النحاس بالنسبة لغيره بسب كثرة نفقات استخراجه، فحلت محل النقود الحديدية، وأصبحت أكثر النقود تداولاً وذيوعًا في أوروبا في القرون الوسطى، إلى أن استكشفت بيرو في أميركا الجنوبية وجمهورية المكسيك الغنيتين بمعدن الفضة، فكثر التعامل بالنقود الفضية وصارت نقدًا رئيسيًا في الممالك الغنية، ولا تزال من النقود المهمة حتى الآن. ويقال: إن أول استعمال للفضة نقدًا برومة كان سنة ٢٦٩ قبل الميلاد. واتخذ الذهب نقدًا نفيسًا في عدة بلاد، وأقدم بلاد اتخذته مصر. وهو الفضة من أجود المعادن وأليقهما في صناعة النقود، ولذلك حظرت الشريعة استعمالهما في غير ما أُعِدَّا له إلا في أحوال خاصة.
стр. 2024
أما تاريخ اتخاذ النقود من الورق فيرجع عهده إلى القرن الثالث عشر من الميلاد، حيث اتخذ الصينيون إذ ذاك نقودًا من قشر شجر التوت، ثم تبعهم الفرس فاليابان فأهل أوربا بعد قرون عديدة، إلى أن فشا استعماله نقدًا في أكثر بلاد العالم الآن.
ولا يكون له في الحقيقة ذلك الأثر الذي للنقود الأصلية إلا باعتبار ما يعادله من النقد الخلقي.
ولكثرة التعامل به وحلوله محل المعادن في المبادلة واتخاذه مالاً وثروة، حتى لا يعد فقيرًا من عنده منه كمية وافرة أو ورقة واحدة ذات قيمة كبيرة، كان من الحكمة الاعتداد به كالنقد وإخراج زكاته حتى لا يحرم الفقير من الجزء الذي يستحقه من مال الغني، ولا يفتح للأغنياء باب التخلص من الزكاة الواجبة في أموالهم بتحويلها إلى أوراق مالية، فإنهم أشحة بالمال، والفقراء من أجل ذلك سيئو الحال، ولا بد من تفريج كربهم وسد عوزهم بدفع ما أوجب الله على الأغنياء في أموالهم، حتى لا يقعوا من جرائهم في شر عظيم وشقاء دائم (١) .
стр. 2025
الباب الأول
أحكام الأوراق المالية العرفية
الفصل الأول: الأحكام الفقهية عند البعض والجمهور.
الفصل الثاني: نقول من أقوال الفقهاء المعاصرين.
الفصل الأول
الأحكام الفقهية للأوراق المالية العرفية
المبحث الأول: شبه حكم الورق عند من لا يعده نقدًا.
المبحث الثاني: حكم هذه الأوراق عند الجمهور.
المبحث الثالث: مسالك تخريج قول الجمهور.
стр. 2026
المبحث الأول
شبهة حكم الورق المعروف بالنوط
عند من لا يعده نقدًا من الفقهاء القدامى والمعاصرين
ذكر الأستاذ رشيد الراشد في كتابه الدرر النقية في المطالب الفقهية ص ٩٣ قوله: "قال محمد محفوظ الترمسي في حاشيته على شرح ابن حجر على المقدمة الحضرمية على مذهب السادة الشافعية: اختلف المتأخرون في الورق المعروف بالنوط، فعند الشيخ سالم بن سمير والحبيب عبد الله بن سميط: أنها من قبيل الديون نظرًا إلى ما تضمنته الورقة المذكورة من النقود والتعامل بها.
وعند الشيخ محمد الإنبابي والحبيب عبد الله بن أبي بكر، أنها كالفلوس المضروبة والتعامل بها صحيح عند الكل، وتجب زكاة ما تضمنته الأوراق من النقود.
وإذا علمت ذلك تعلم أن ما كتبه العلامة عبد الحميد الشرواني محشي التحفة في أوائل كتاب البيع من جزمه بعدم صحة التعامل بها مطلقًا، وجزمه بعدم وجوب الزكاة، معللاً عدم الصحة بأن الأوراق المذكورة لا منفعة منها وأنها كحبتي بر، هذا غير صحيح؛ لأنها ذات قيمة ومنفعة منتفع بها غاية الانتفاع، على أنك قد علمت أن القصد ما دلت عليه من النقود المقدرة، فلا يتم التعليل، فتنبه لهذه المسألة، فإن التجار ذوي الأموال يتشبثون بما صدر من المحشي المذكور رحمه الله تعالى، ويمتنعون من إخراج الزكاة، وهذا جهل منهم وغرور، والمحشي قال فيها بحسب ما بدا له من غير نص، فلا يؤخذ بقوله، وللاحتياط في أمثال هذه المسألة مما هو متعين؛ لأنه ينشأ منه فساد كبير، وغرور عظيم للجهال ومن تمكن حب الدنيا بقلبه.) اهـ (١) .
стр. 2027
المبحث الثاني
زكاة النقود العرفية عند الجمهور من الفقهاء
(١) زكاة الكواغد وقطع الجلود ونحوهما
هذه الأشياء قد جرى التعامل بها في بعض الجهات إتمامًا للمقومات، كما يتعامل بالدينار والدرهم بدون أن يكون لها من النقود ما يعادلها في المصارف الرسمية، فهل حكمها حكم الفلوس النحاس بتنزيل قيمتها الوضعية منزلة القيمة الخلقية، فيجري فيها ما جرى في زكاة الفلوس الجدد من الخلاف، بناء على أن زكاة النقدين معلومة أو غير معلومة، أو بناء على إلحاقها بسلع التجارة، نظرًا إلى أنها أثمان رائجة، أو عدم إلحاقها بها، أو ليس حكمها حكم الفلوس فلا زكاة فيها اتفاقًا، ويفرق بينها وبين الفلوس بأن الفلوس لم تلحق بالنقدين - على القول - زكاتها إلا باعتبار كونها من معادن ذات قيمة أصلية؛ لأن الوجوب في الزكاة العين على القول بتعليله منوط بالثمنية المالية، أي القيمة الذاتية الخلقية، فإنها من أجود المعادن ذات القيم المعتد بها، ولذا جعلت أثمانًا مطلقة للحاجيات المعاشية بجميع أنواعها. فالعلة في الحقيقة لزكاتها ليست مجرد الثمنية الوضعية، بل الثمنية مع المالية الذاتية، وحينئذ فلا يلحق بها في وجوب الزكاة إلا ما له شبه بها من هذه الجهة.
стр. 2028
والكواغد وقطع الجلود ونحوهما ليست كذلك، بخلاف الفلوس، فإنها وإن كانت من معادن أقل من معدن الذهب والفضة، إلا أنها ذات قيمة أصلية يعتد بها ولا يخفى أن هذا الفرق إنما يظهر في كواغد وقطع جلود قيمتها تافهة، أقل من قيمة قطع النحاس والرصاص، أما إذا كانت مصنوعة من كنود وجلود جيدة بصفة تجعلها في درجة الفلوس وترفعها إلى قيمتها أو أعلى فلا يظهر الفرق المذكور، إذ أصل كل منهما عروض جعلت أثمانًا ورؤوس أموال كغيرها من المقومات، وحيث تكون الكواغد وقطع الجلود كالفلوس يجري فيها الخلاف المذكور، ومثل ما إذا اتخذت نقود من جواهر نفيسة غير الذهب والفضة وتعومل بها بين الناس، فحكمها كالفلوس مع أنها ذات قيمة عالية، فيجري فيها الخلاف المذكور، وإن كان المعتمد عند المالكية تخصيص الزكاة في الأثمان بالنقدين وأنها للثمنية الخلقية التي لا يشترك فيها مع النقدين غيرهما من المعدن والنبات، سواء كان جواهر أو فلوسًا أو كواغد أو قطع جلود أو غيرها، والكلام في زكاتها زكاة النقدين الواجبة على المالك مطلقًا تاجرًا أو غيره، وأما إذا اتخذت التجارة فلا نزاع في زكاتها زكاة للعروض باعتبار قيمتها، كما تقدم في زكاة الفلوس النحاس سواء، والظاهر أن القيمة تعتبر حسب التعامل بها لأن الانتفاع منوط بها دون قيمتها الذاتية قلت أو كثرت، ولأن الوجوب في أموال التجارة معلق بالمعنى وهو المالية والقيمة، والأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد، ولذا لا تختلف أصنافها فيما يزكي ولا فيما يخرج من قيمتها حبوبًا وحيوانًا ومعدنًا ونباتًا، وعلى ذلك فمجرد اتخاذ الكواغد وقطع الجلود أثمانًا رائجة يصيرها كالنوقد أو كسلع التجارة، كما تقدم في الفلوس عند الحنفية. وفي حواشي الرهوني قال مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة، ولا يجوز فلس بفلسين. وفي موضع آخر: ولو جرت الجلود بين الناس مجرى العين المسكوك لكرهنا بيعها بذهب وورق نظرة.اهـ. وجرت عادة الإمام ﵁ أن يعبر بالكراهة عما يشمل الحرمة، وهو ظاهر في أن الكواغد وقطع الجلود ونحوها متى جرى التعامل بها كانت كالفلوس سواء.
стр. 2029
فتوى مفتي المالكية في زكاة الكاغد وفي فتاوى أبي عبد الله محمد عليش مفتي المالكية ما نصه: "ما قولكم في الكاغد الذي فيه ختم السلطان ويتعامل به كالدراهم والدنانير، هل يزكي زكاة العين أو العرض أولا زكاة فيه؟ " فأجبته بما نصه: "الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: لا زكاة فيه؛ لانحصارها في النعم وأصناف مخصوصة من الحبوب والثمار والذهب والفضة، ومنها قيمة عرض المدير، وثمن عرض المحتكر والمذكور، وليس داخلاً في شيء منها، ويقوي ذلك أن الفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عن ذلك، قال في المدونة: ومن حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه إلا أن يكون مديرًا فيقومها كالعروض. انتهى. وظاهر قوله في المدونة: "إلا أن يكون مديرًا فيقومها كالعروض" أي كعروض التجارة أنها تقوم مطلقًا، سواء كانت سلع تجارة أو أثمانًا فيها، وحينئذ فيقومها كالعروض وتزكي زكاتها، أي باعتبار قيمتها لا باعتبار عينها. وأما إذا كانت مدخرة عنده أو مستعملة في قضاء حوائجه المستهلكة أو المقتناة، فلا زكاة فيها لا باعتبار عينها ولا باعتبار قيمتها على المشهور.
والحاصل أن الكواغد التي يتعامل بها في بعض البلاد كالدراهم والدنانير إن استعملت في التجارة ثمنًا أو مثمنًا زكيت زكاة عروضها؛ بشرط أن يتوفر فيها شروط زكاة العرض، وإن لم تستعمل كذلك فلا زكاة فيها، وذلك ما يقتضيه تسويتها بالفلوس النحاس، فإن أصلها عروض كالكواغد جرى التعامل بها أثمانًا للأشياء كما يتعامل بالدينار والدرهم، وغايته أن الفلوس قد قيل بزكاتها كالنقدين باعتبار قيمتها وقد علمت مبناه، وأنه إلحاقها بالنقدين أو عروض التجارة فيجري مثله في الكواغد وقطع الجلود؛ لأنها أثمان تعومل بها وأصلها من العروض كالنحاس والرصاص سواء. وقد علمت قول الحنفية في ذلك، وأن جعلها أثمانًا رائجة بمنزلة كونها سلعًا للتجارة، وظاهره سواء استعملها المالك في حوائجه أو التاجر في سلعته فتزكى باعتبار قيمتها الوضعية، أي إن تحقق النصاب فيها لا يكون إلا باعتبار قيمتها ذهبًا أو فضة، مهما بلغ عددها أو وزنها فهي شبيهة بالعروض والنقدين، وظاهر أن السؤال والجواب مفروضان في الكاغد الذي يتعامل به في غير التجارة كالمدخر أو المستعمل في حوائجه المستهلكة أو المقتناة فإنه لا زكاة فيه على المشهور مطلقًا، لا زكاة عين ولا زكاة عرض، أما إذا تعومل به في التجارة فيزكي زكاة العرض بشرطه كالفلوس الجدد كما تقدم".
стр. 2030
هذا، والقيمة فيما أصله العرض ونقل إلى التعامل به معاملة النقدين منظور فيها لحالته التي هو عليها، كقيمة العروض الأصلية من جودة أو رداءة أو سكة أو صياغة أو نحو ذلك، فما أعد للماء والتجارة إما بجعله ثمنًا كالفلوس والكواغد، أو مثمنًا كما في غيرها من عروض التجارة تعتبر قيمته بالحالة التي هو عليها. ويلحق بالأثمان المطلقة لما طرأ عليه من الإعداد للنمو ويزكى زكاة العروض أو الأثمان الأصلية باعتبار قيمته لا باعتبار عينه، إذ لا تتصور الزكاة فيه باعتبار العين وزنًا أو عددًا كما في زكاة النقدين، إذ العروض الأصلية لا تتعلق الزكاة بها من حيث ذاتها، فإن الأصل فيها القنية والانتفاع بعينها كالثياب والرقيق وآلات الحرث والدرس، وما وجبت الزكاة فيها إلا لما طرأ عليها من الإعداد للماء والتجارة، فألحقت بالأثمان وتعلقت الزكاة بها من هذه الجهة التي يجب مراعاتها في تقدير نصابها والمزكي في الحقيقة عوض قيمتها الذي هو الثمن، فالزكاة فيما يتعامل به ثمنًا أو مثمنًا إنما تتعلق بالأثمان مطلقة أو مقيدة، ولا فرق في ذلك بين العروض الأصلية وبين ما نقل منها إلى التعامل فلوسًا أو غيرها.
والحاصل أن الكواغد وقطع الجلود ونحوها إن قلنا إن ثمنيتها كثمنية الفلوس الجدد، فمجرد اتخاذها أثمانًا يحلقها بعروض التجارة، فتجب الزكاة فيها عند الحنفية، سواء كان التعامل بها في تجارة أو غيرها. وعند المالكية لا زكاة فيها إلا إذا نوى بها التجارة كالعروض، فيزكيها التاجر دون غيره على المشهور، وقيل: إنها تزكي كالفلوس النحاس إلحاقًا لها بالنقدين (١) .
стр. 2031
(٢) زكاة الفلوس الجدد
وهي المتخذة من غير الذهب والفضة كالنحاس والرصاص والحديد ونحو ذلك، فهذه وإن لم يرد نص بوجوب زكاتها، بل الظواهر والورادة في زكاة الأثمان المطلقة دالة على عدم وجوب الزكاة فيها، ولكن وقع للعلماء في زكاتها خلاف بعد ضربها واتخاذها للتعامل، مبناه كما هو ظاهر على الخلاف في تعلق الوجوب بالنقدين، هل هو معلوم فيدخله القياس؟ أو ليس بمعلول فلا يدخله؟ وتقدمت الإشارة إليه في المطلب الأول، وفي الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ما نصه: أفهم اقتصاره، أي للصنف كغيره من الصنفين على الذهب والفضة أن الفلوس الجدد لا زكاة فيها، وهو كذلك، قال في الطراز المذهب: لا زكاة في أعيانها، وظاهره ولو تعومل بها عددا خلافًا لبعض الشيوخ. اهـ. وفي حواشي ابن تركي على العشماوية ما نصه: لا زكاة في الفلوس النحاس المسماة بالجدد على المعتمد. اهـ.
ونقل خاتمة أبو عبد الله محمد عليش في فتاويه عن صاحب الطراز أن المذهب عدم وجوب الزكاة في عينها؛ إذ لا خلاف أنه لا يعتبر وزنها ولا عددها، وإنما المعتبر قيمتها فلو وجبت في عينها لاعتبر النصاب من عينها ومبلغها لا من قيمتها كما اعتبر في الورق والذهب والحبوب والثمار، فمتى انقطع تعلقها بعينها جرت على حكم جنسها من النحاس والحديد وشبهه. اهـ. فقوله: جرت على حكم جنسها، أي فتزكى زكاة العروض باعتبار قيمتها من الدنانير والدارهم كما يزكى النحاس والحديد.
وفي حواشي ابن عابدين من كتب الحنفية ما نصه: "فرع في الشرنبلالية": "الفلوس إن كانت أثمانًا رائجة أو سلعًا للتجارة تجب الزكاة في قيمتها، وإلا فلا".اهـ.
وفي فتاوي قاري الهداية: الفتوى على وجوب الزكاة في الفلوس إذا تعومل بها، وبلغت ما يساوي مئتي درهم أو عشرين مثقالاً من الذهب. اهـ. فأفاد أن كونها أثمانًا رائجة بمنزلة كونها سلعًا للتجارة، فتجب فيها الزكاة، وبالضرورة لا تجب في عينها وزنًا أو عددًا، بل في قيمتها كما سيأتي، ولا شك أن خلاف العلماء في زكاتها على هذا الوجه مع عدم وجود نص من الكتاب أو السنة بزكاتها أو بعدم زكاتها؛ يدل على وجود خلاف في تعليل زكاة النقدين، فإن كانت معلولة قيس عليها زكاة الفلوس وإلا فلا، ولكن لا على اعتبار النصاب من عينها، بل على اعتباره من قيمتها ذهبًا أو فضة، وذكر صاحب الطراز عن أبي حنيفة والشافعي ﵄ وجوب الزكاة في عينها مع تعلقها بقيمها، وهو يؤيد قول بعض المالكية بوجوب زكاتها.
وفي حواشي الرهوني علي عبد الباقي قال عياض في تنبيهاته: اختلف لفظه (أي الامام) في الفلوس بحسب اختلاف رأيه في أصلها، أهي كالعرض أو كالعين؟ فله هنا، أي في باب الصرف والتشديد، وأنه لا يصلح فيها النظرة، أي التأخير، ولا تجوز، فشبهها بالعين، وظاهره المنع جملة كالفضة والذهب، ثم قال: وليست كالدنانير والدراهم في جميع الأشياء.
стр. 2032
وقال ابن عرفة: وفي كون الفلوس ربوية كالعين ثالثُ الروايات يكره فيها، وفي السلم الأول والصفر النحاس عرض ما لم تضرب فلوسًا، فإذا ضربت فلوسًا جرت مجرى الذهب والورق فيما يحل ويحرم، وفي الإرشاد ما نصه: والنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس. وقال في باب الزكاة: لا تزكى إلا في الإدارة كالعرض.اهـ. فالخلاف فيها قوي جدًا. اهـ.
وبالجملة فنصوص المالكية ظاهرة في أن التماثل بوجوب الزكاة في الفلوس إنما يقول به تشبيهًا لها بالعين، وأن التعامل بها ناقل لها عن أصلها، ويرى أن تشبيهها بالعين في باب الزكاة التي هي من قبيل المواساة والبر بالفقراء، بل هي أدخل منها في باب المعروف، أولى من تشبيهها بها في باب آخر ومالك ﵁ شبهها فيما يشدد فيه كالصرف والبيع بالعين، وفيما يحل كالزكاة بالعرض، فلا تزكى لأنها ليست من أحد النقدين، ولا من أحد الأصناف الداخلة في عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . ونحو "أدوا زكاة أموالكم"، فإنه مخصص في الأثمان عنده بالذهب والفضة، كما يؤخذ من الأحاديث الواردة في ذلك، واسم المال قد يختلف معناه باختلاف موارده.
قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، فاسم المال ليس نصًا في الشمول، والسنة مبينة للتنزيل، وقد بيّن ﷺ مجمل القرآن في الزكاة وغيرها، وحصر عمومه المراد به الخصوص، كما أمر الله تعالى به قولاً وعملاً، فبين ما تؤخذ الزكاة من الأموال، وممن تؤخذ من الناس، وكم يؤخذ منها، ومتى تؤخذ من الناس، وكم يؤخذ ومتى تؤخذ. كما ذكره ابن رشد في مقدماته.
وبعد أن ساق أحاديث البيان في ذلك قال: فالزكاة لا تجب إلا في ثلاثة أشياء: في الحرث، والعين، والماشية. والعين هي الذهب والفضة. والماشية الابل والبقر والغنم. والحرث ما يخرج من الأرض من الحبوب والثمار والكروم؛ لأن السنة قد خصصت ماعدا هذه الثلاثة أشياء من عموم قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . وخصص من هذه الثلاثة الأشياء بعضها على ما تقدم.اهـ.
стр. 2033
والمراد بعدم زكاة الفلوس على مشهور مذهب مالك أنها لا تزكي زكاة النقود، أي لا يزكيها المالك باعتبار ذاتها، ولا باعتبار قيمتها، وهذا لا ينافي أنها إذا اتخذت للتجارة والنماء فإنها تزكي زكاة العروض كما تقدم؛ لأنها عروض تجارة مسكوكة، وسيأتي أن عرض التجارة عند المالكية إذا كان فلوسًا يزكى مطلقًا، سك أو لم يسك، متى توفرت شروطه، وليس ضربها والتعامل بها واتخاذها أثمانًا رائجة بمنزلة نية التجارة في السلع؛ لأنها لما لم تكن عندهم للتجارة والنماء خلقة فلا تصير بها إلا بقصد التجارة فعلاً؛ إلحاقًا لها بأصلها وهو العروض التي ليست أثمانًا.
وظاهر فرع الشرنبلالية وغيرها من كتب الحنفية، حيث سووا في الحكم بين كونها أثمانًا رائجة وبين كونها سلعًا للتجارة، أن ضربها والتعامل بها بمنزلة نية التجارة، وقد نص الحنفية على وجوب ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب. ووجهوه بأن الوجوب في الكل باعتبار التجارة وإن افترقت جهة الإعداد، ففي العروض من جهة العباد بالصنع الذي هو بمنزلة الخلقة لها. وفي النقدين من جهة الله تعالى بخلق الذهب والفضة للتجارة، والافتراق في الجهة لا يكون مانعًا من الضم بعد حصول ما هو الأصل وهو للنماء، وقد علمت مشهور مذهب مالك وأنها لا تصير للتجارة، بحيث تزكى زكاة عروضها إلا بنية التجارة وقصدها فعلاً، والإعداد بغير نية التجارة لا يعتبر في وجوب الزكاة، إلا إذا كان خلقيًا بإعداد الله تعالى كما في الذهب والفضة. قال في المدونة: ومن حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فلا زكاة.
стр. 2034
المبحث الثاني
مسالك تخريج زكاة الأوراق المالية العرفية عند الجمهور
المسلك الأول
تخريج زكاة الأوراق المالية على زكاة الدين: المعروف عند الفقهاء المنظور إليه في زكاة هذه الأوراق هو قيمة الديون المشغولة بها ذمة البنك المتوثق منها بالمال المخزون الذي به تتحقق ملاءة البنك، فإذا اعتبرت قيمة الأموال الواصلة إلى البنك وإلى من عليه ديون من المتعاملين بهذه الأوراق، كدين واحد في ذمة شخص معين، فتخرج زكاتها على زكاة الدين، وحكم زكاة الدين في مشهور مذهب مالك ﵁ أنه إذا كان لأحد على آخر دين لا يزكيه مادام غائبًا عنه تحت يد الغريم وفي ذمته، فإن قبضه منه زكاه لسنة فقط، وإن أقام عند المدين أعوامًا، بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون الدين عينًا ذهبًا أو فضة من قرض أو ثمن عروض بغير مدير.
الثاني: أن يقبضه عينًا ذهبًا أو فضة، فإن قبضه عرضًا فلا زكاة عليه حتى يبيعه (١) .
الثالث: أن يقبض نصابًا كاملاً ولو في مرات، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب.
أما التاجر المدير وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره، فإذا نض له من سلعة ولو درهمًا واحدًا، فإنه يقوم كل عام السلعة التي للتجارة ويضم لها ما عنده من العين وما له من عدد الدين المعد للنماء، إذا كان نقدًا حالاً مرجو الخلاص، ومنه مبلغ ما عنده من الأوراق المالية، ويزكي الجميع دفعة واحدة كل سنة، ويعتبر هذا الدين كأنه نقد محصل بخزانته، أما إذا كان الدين الذي له ليس معدًا للنماء كدين القرض، فلا يضم في التقويم لسلعة، بل يزكيه لسنة واحدة بعد قبضه، وإن كان عرضًا أو مؤجلاً مرجوًا فيها فلا يزكي عدده، بل يقومه على نفسه قيمة عدل، ويزكي القيمة مع ما عنده كل سنة؛ لأن المرجو في قوة المقبوض بالنسبة للمدير.
أما غير المرجو فلا يقومه بل يزكيه إن قبضه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة. وفي بداية المجتهد لابن رشد: واختلفوا في زكاة الدين، هل يزكيه كل عام أو لعام أو يستقبل به سنة من يوم قبضه؟ فمن قال: يستقبل بالدين حولا، لم يوجب فيه الزكاة، ومن قال الزكاة بعدد الأحوال، شبهه بالمال الحاضر.
стр. 2035
وأما من قال: الزكاة فيه لحول واحد وإن أقام أحوالاً، فلا أعرف له مستندًا في وقتي هذا؛ لأنه لا يخلو مادام دينًا أن يقول: فيه زكاة، أو لا يقول ذلك. ولعله يقول: فيه الزكاة مع اشتراط الحول، إلا أنه يقول كلما انقضى حول فلم يتمكن من أدائه سقط عنه ذلك الحق اللازم في دبر الحول، فإن الزكاة وجبت بشرطين: حضور عين المال، وحلول الحلول، فلم يبق إلا حق العام الأخير. وهذا شبهه مالك بالعروض التي للتجارة، لا زكاة فيها إلا إذا باعها، وإن أقامت عنده أعوامًا. اهـ.
إذا علمت هذا فحكم الورقة المسئول عنها على مشهور مذهب مالك في زكاة الدين، إذا كان صاحبها ليس بتاجر مدير كأن كان غير تاجر أو تاجرًا محتكرًا، أنه لا يزكيها ولو أقامت عنده أعوامًا عديدة، إلا إذا استبدل بها عينًا ذهبًا أو فضة، وحينئذ يزكي ما قبضه لسنة واحدة، كما يزكي الدين لو قبض من الغريم عينًا، وإن كان مديرًا زكى عددها، أي قيمتها المضمونة بها متى نض له من سلمه، أي باع منها ولو بدرهم واحد، ولو لم يستبدل بها نقودًا ذهبًا أو فضة. هذا ما يقتضيه حكم زكاة الدين عند المالكية، وإن كانت حالة الدين المضمون بهذه الأوراق لا تتفق تمامًا مع الاعتبارات الفقهية التي تراعي في باب الدين؛ لأن الدين المذكور ليس في ذمة معينة حقيقة، ولا روعي في تحرير سنده أن يكون لشخص معين، ولكن مسألة الزكاة شيء وتحرير سند الدين وتقريره في ذمة معينة شيء آخر؛ إذ لا نزاع في أن صاحب الورقة المذكورة مالك لنصاب حال عليه حول يمكنه أن يقبضه نقدا ذهبًا أو فضة في أي وقت شاء، ومن أي شخص كان، وأن يستبدل به مقومًا أو يهبه أو يتصدق به على شخص آخر بواسطة هذه الورقة التي يعتبر وصولها إلى يد أخرى حوالة على الصرف الذي أصدرها أصالة، بحيث إذا قدمت إليه أو إلى من أنابه عنه لزمه قبولها ودفع قيمتها كمبادلة النقدين سواء.