وحجتهم على ما ذهبوا إليه من أن الكفالة تبرئ ذمة المكفول عنه ما يلي:
أ - قول النبي ﷺ : ((الزعيم غارم)) (١) . فلما خصه النبي ﷺ بالغرم اقتضى أن يكون المضمون عنه بريئا من الغرم.
ب - وما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما وضعت، قال: "هل على صاحبكم من دين؟ " قالوا: نعم، عليه ديناران. فعدل رسول الله ﷺ عنه وقال: "صلوا على صاحبكم". فقال علي ﵁: هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه، ثم قال لعلي: "جزاك الله خيراً، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك". فقيل: يا رسول الله، هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: "بل للمسلمين عامة". (٢) .
стр. 19987
فهذا الخبر فيه دليلان على براءة ذمة المضمون عنه بالضامن:
أحدهما: أنه ﷺ بعد أن امتنع من الصلاة عليه صلى عليه، فدل ذلك على براءة ذمته، ولو كان الدين باقيا لكان الامتناع قائما.
الثاني: قوله ((فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك)) . فلما أخبر بفك رهانه دل على براءة ذمته.
جـ- وما روى جابر ﵁ أن النبي أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: "هل عليه دين؟ " قالوا: دينارين. فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : "وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما"، وصلى عليه. (١) .
وهذا صريح في براءة ذمة المضمون عنه بالضمان.
د- ولأنه دين واحد، فإذا صار في ذمة ثانية، برئت الأولى منه، كالمحال به، لأنه لما استحال أن يكون الجسم الواحد في محلين، استحال أن يكون الدين الواحد ثابتا في الذمتين.
هـ- قال ابن نجيم: (ومما يدل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو ذهب الدين للكفيل صح، ويرجع الكفيل به على الأصل، مع أن هبة المدين من غير من عليه الدين لا تصح) (٢) .
ولا يخفى أن اقتضاء عقد الكفالة نقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن في اجتهاد الفقهاء الأعلام الذين ذكرتهم – كما هو الأمر في الحوالة – لا يعني أن يكيف عقد الضمان في الفقه الإسلامي على أنه حوالة، وأن تسري عليه أحكامها.
стр. 19988
آلية عمل البطاقة:
١٢- إن آلية عمل بطاقة الائتمان بناء على فكرتها الأساسية تتلخص كالتالي:
أ- عندما يشتري حامل البطاقة سلعة (أو منفعة أو خدمة) ما من تاجر، فإنه يملك السلعة ونحوها بعقد البيع، ويصير ثمنها دينا في ذمته.
ب- بعد ثبوت الثمن دينا في ذمته للبائع، يقوم بتقديم كفيله الملتزم بوفاء دينه، المتمثل في إبراز الائتمان (وثيقة الكفالة) له، حيث إن البنك المصدر هو الكفيل، والبائع الدائن هو المكفول له، المشتري المدين حاملها هو المكفول.
جـ- يصير البنك المصدر للبطاقة بموجب الكفالة المترتبة على إصدارها كفيلا بالدين الذي لزم ذمة المشتري، وتبرأ ذمة الأخير منه (وفقا لمذهب جمع من الفقهاء والمجتهدين الذين نصوا على أن من ضمن عن رجل مالا، فإنه يبرأ المضمون، والمال على الضامن) .
د- عقب ذلك يطالب التاجر (المكفول له) البنك المصدر بوفاء دينه، فيبادر الأخير بالسداد الفوري له بعد مصالحته على حطيطة من الدين سبق أن وعده بها بموجب الاتفاقية المبرمة بين البنك المصدر والتاجر.
هـ- يعود الكفيل على المدين حامل البطاقة بما كفل من الدين الذي لزمه بعقد الشراء، لا بما أدى عنه.
стр. 19989
(ثانيا)
الأحكام الشرعية المتعلقة بها
مدى مشروعية الفكرة:
١٤- تتركب فكرة ونظام بطاقة الائتمان من مجموعة اتفاقيات ومعاقدات، وتشتمل العلاقة بين أطرافها على خدمات مالية يعود نفعها على حامل البطاقة ومصدرها والتاجر الذي يقبلها، ويترتب عليها فرض أجور وعمولات ورسوم اشتراك وتجديد، وقد تعقبها غرامات تأخير وفوائد مداينات.
وتعتبر بصورتها المركبة من المعاملات المستجدة التي لم يرد فيها نص تشريعي في الكتاب والسنة، ولا تنضوي بمجموعها المركب تحت عقد من العقود المسماة، وإن كانت أجزاؤها تقبل التكييف والاندراج تحت بعضها.
ومن المعلوم المقرر فقها أن الأصل في كل معاملة مستحدثة الحل والمشروعية والصحة ما لم تنطو على تحليل حرام أو تحريم حلال، وفي ذلك يقول ابن تيمية: (إن العقود والشروط من باب الأفعال العادية، والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم) (١) . وقال الشاطبي: (القاعدة المستمرة التفرقة بين العبادات والمعاملات، لأن الأصل في مجال العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا بإذن، إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات، وما كان من المعاملات يكتفى فيه بعدم المنافاة، لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه) (٢) .
стр. 19990
رسوم الاشتراك والتجديد والاستبدال:
١٥- تفرض بعض المؤسسات المالية التي تصدر بطاقات الائتمان على العميل رسم اشتراك (عضوية) عند منحه البطاقة لأول مرة ورسم تجديد سنوي من أجل استمرار عضويته، وكذلك رسم استبدال عند إصدار بطاقة جديدة بدلا عن الضائعة أو المسروقة أو التالفة (١) .
وهذه الرسوم هي عبارة عن أجرة مقطوعة لأصل الخدمة المصرفية المتعلقة بالبطاقة، مثل أتعاب إجراءات الموافقة على طلب العميل الحصول عليها، وإجراءات فتح الملف، وتجهيز البطاقة وإرسالها، وتعريف الجهات التي قد يحتاج للتعامل معها، وبيان حدود الاستخدام للجهة المصدرة، لاشتمالها على ربح لا يستهان به بالنسبة لها، حيث إنها أعلى بكثير من النفقات الفعلية التي تتكبدها المؤسسة لتقديم الخدمات إذا نظرنا إلى الأعداد الهائلة من العملاء الذين تصدرها لهم.
١٦- أما عن الحكم الشرعي لفرض هذه الرسوم واستيفائها، فإنني لا أرى حرجا شرعا في ذلك، لأنها لا تخرج عن كونها أجرة محددة مقطوعة على خدمة معلومة، وتسري عليها أحكام الأجرة في إجارة الأعمال ... ولأن اقترانها بضمان مصدرها لحاملها لا يلوثها بشبهة الربا ولا حقيقته، إذ لا فرق في فرضها ومقدارها بين ما إذا استخدمها حاملها بمبالغ كثيرة أو قليلة أو لم يستخدمها بتاتا.
وقد صدر عن ندوة البركة (الثانية عشرة) الفتوى الوجيهة التالية: يجوز للبنك المصدر لبطاقة الائتمان أن يأخذ من طالب البطاقة رسوم العضوية، ورسوم الاشتراك والتجديد، ورسوم الاستبدال، على أن تكون تلك الرسوم مقابل الخدمات المقدمة لحامل البطاقة، ولا مانع من اختلاف الرسوم باختلاف الخدمات أو المزايا، وليس باختلاف مقدار الدين (المبلغ المستخدمة له البطاقة) أو أجله (مقدار مهلة السداد) .
стр. 19991
فترة الصلاحية وحد الائتمان:
١٧- يحدد مصدر البطاقة عادة مدة صلاحية البطاقة (سنة أو سنتين مثلا) بحيث لا يمكن استخدامها بعد ذلك ما لم تجدد، كما يعين حد الائتمان (Credit line) أي الحد الأقصى لمشتريات العميل بموجب البطاقة، بحيث لا يلتزم المصدر بسداد أي مبلغ يجاوز ذلك الحد.
١٨- وكلا التحديدين سائغ في الفقه الإسلامي، نظرا لأن حقيقة العلاقة الثلاثية بين الأطراف الثلاثة هي الضمان، حيث إن حاملها هو المكفول، والبائع هو المكفول له، ومصدرها هو الكفيل ... وقد نص على صحة ذلك السرخسي بقوله: (وإذا قال الرجل لرجل: بايع فلانا، فما بايعته به من شيء فهو علي، فهو جائز على ما قال ... ويستوي إن وقت لذلك وقتا أو لم يؤقت، إلا أنه في المؤقت يراعى وجود المبايعة في ذلك الوقت، حتى إذا قال: ما بايعته اليوم، فباعة غدا، لا يجب على الكفيل شيء من ذلك، لأن هذا التقييد مفيد في حق الكفيل، ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم، فذلك كله على الكفيل، لأن حرف (ما) يوجب العموم، وإذا لم يؤقت، فذلك على جميع العمر.
وعلى هذا: لو قال: بعه ما بينك وبينه ألف درهم، وما بعته من شيء فهو علي إلى ألف درهم، فباعه متاعه بخمسمائة، ثم باعه حنطة بخمسمائة، لزم الكفيل المالان جميعا. وإن باعه متاعا آخر بعد ذلك، لم يلزم الكفيل من ذلك شيء، لأنه قيد الكفالة بمقدار الألف، فلا تلزمه الزيادة على ذلك) (١) .
стр. 19992
عمولة المصدر من التاجر:
١٩- يشترط البنك المصدر لبطاقة الائتمان على التاجر في الاتفاقية المبرمة بينهما عمولة محددة بنسبة مئوية يقتطعها من فاتورة التاجر، تترواح عادة ما بين (٢- ٥ %) من قيمة الفاتورة بحسب النشاط الذي يزواله التاجر ونوعه وحجمه.
وعلى هذا، فعندما يطالب التاجر (المكفول له) البنك المصدر بسداد دين مستخدم البطاقة، فإنه يبادر بالوفاء الفوري بعد اقتطاع الحطيطة من الدين التي وعده بالمصالحة على حطها عنه في الاتفاقية المبرمة بينهما، ثم يعود الكفيل (مصدر البطاقة) على حاملها بما كفل من الدين الذي لزمه بعقد الشراء أو الاستئجار، لا بما أدى عنه.
٢٠- وهذه المسألة معقولة من الناحية الشرعية بناء على ما ذهب إليه الحنفية على الصحيح المفتى به في المذهب من أن الكفيل بأمر المدين إذا صالح المكفول له على أن وهب له بعض الدين أو أكثره، فإنه يعود على المكفول بما ضمن لا بما أدى (١) . يوضح ذلك ما ورد في النصوص التالية:
أ- جاء في فتاوى قاضي خان: (رجل كفل عن رجل بأمره بجياد، فأدى الزيوف، وتجوز الطالب، فإن الكفيل يرجع على الأصيل بما كفل، وهو الجياد) (٢) .
стр. 19993
ب - وجاء في الفتاوى الهندية: (كل موضع صحت الكفالة فيه، لو أدى الكفيل ما كفل به من عنده، رجع على المكفول عنه، ولا يرجع قبل الأداء. وإذا أدى المال من عنده، رجع بما كفل، ولا يرجع بما أدى، حتى لو أدى الزيوف، وقد كفل بالجياد، يرجع بالجياد، ولو أدى مكان الدنانير الدراهم، وقد كفل بالدنانير أو بشيء مما يكال أو يوزن على سبيل الصلح، رجع بما كفل به. كذا في المحيط) (١) .
جـ- وجاء في الفتاوى البزازية: (لرجل على آخر ألف، وبها كفيل بالأمر، فصالح الكفيل الطالب على إبراء الكفيل خاصة بمائة من الباقي، رجع الكفيل على الأصيل بمائة، ورجع الطالب على الأصيل بتسعمائة. ولو صالح الكفيل على مائة على أن وهب الكفيل تسعمائة، رجع الكفيل على المطلوب بالألف كله. ولو صالح الطالب الكفيل على عشرة دنانير أو باعه بعشرة دنانير، وكذا كل ما صالحه عليه من مكيل أو موزون بعينه أو حيوان أو عرض أو متاع، يرجع بكل الألف على الأصيل) (٢) .
د- - قال السرخسي: (وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، وبها كفيل عنه بأمره، فصالح الكفيل على مائة درهم على أن وهب التسعمائة للكفيل، كان للكفيل أن يرجع بالألف كلها على المكفول عنه، لأنه ملك جميع الأصل وهو الألف، بعضها بالأداء، وبعضها بالهبة منه، والبعض معتبر بالكل. وهذا لأن الهبة تمليك في الأصل، فمن ضرورة تصحيحه تحول الدين إلى ذمة الكفيل، فلا يبقى للطالب في ذمة الأصيل شيء، ويتحول الكل إلى ذمة الكفيل، ثم يتملكها بالهبة والأداء، فيرجع بها على الأصيل.
ولو صالح الكفيل الطالب على عشرة دنانير، أو باعه إياه بعشرة دنانير، كان للكفيل أن يرجع على الأصيل بجميع الألف، لأنه بهذا الصلح والشراء يتملك جميع الألف، ومن ضرورة صحتها تحول الدين إلى ذمة الكفيل، فإن الصلح في غير جنس الحق يكون تمليكا كالبيع، وكذلك كل ما صالحه عليه من مكيل أو موزون بعينه أو حيوان أو عرض أو متاع، فالجواب في الكل سواء) (٣) .
стр. 19994
غرامات التأخير:
٢١- تتضمن اتفاقية إصدار بطاقة الائتمان لدين لا يتجدد (Charge card) نصا على تحميل صاحب البطاقة غرامة تأخير بمجرد تأخره عن تسديد كامل مبلغ فاتورة البطاقة إلى ما بعد مهلة السماح الممنوحة له.
وحكم هذه الغرامة حكم ربا النسيئة (ربا الديون) المحظور شرعا، لأنها في معناه. والأصل حرمة وبطلان اشتراط فوائد التأخير. يؤكد ذلك ما جاء في توصيات ندوة فقه بطاقة الائتمان (البحرين - نوفمبر ١٩٩٨) : بطاقة الاعتماد (Charge Card) : هذه البطاقة لا يشترط عند استخدامها أن يكون لحاملها حساب لدى البنك المصدر، ولكنه يلتزم بموجب الاتفاقية بين البنك وحاملها بدفع ما يتقرر في ذمته من أثمان السلع والخدمات التي استخدم البطاقة في وفائها خلال المهلة الممنوحة له من أجل الوفاء عقب تسلمه إشعار البنك المصدر. فإذا تخلف عن السداد حتى انتهت تلك المهلة، تسحب منه البطاقة، وتلغى عضويته، وحسم البنك من مستحقات التاجر التي استخدمت البطاقة لسدادها العمولة (النسب المئوية) المحددة في الاتفاقية بين البنك والتاجر.
وحكم إصدار هذه البطاقة والتعامل بها الجواز مادامت خالية من شرط ترتب الفائدة على التأخير الذي هو فاسد ومحظور شرعاً، وقامت الاتفاقية على أن العلاقة بين التاجر والبنك مصدر البطاقة علاقة ضمان.
٢٢- وقد اتجه بعض الفقهاء المعاصرين (ندوة البركة الثانية عشرة) - نظراً لضعف الوازع الديني العام، وفساد الذمم، ومماطلة معظم حاملي بطاقات الائتمان، ونكولهم عن السداد ضمن فترة السماح ظلما إذا لم يكن هناك مؤيدات زواجر تحملهم على الوفاء دون مطل- إلى القول (بجواز اشتراط غرامة مقطوعة أو بنسبة محددة على المبلغ والفترة في حال تأخر حامل البطاقة عن السداد دون عذر مشروع، وذلك على أساس صرف هذه الغرامة في وجوه البر، ولا يتملكها مستحق المبلغ) .
стр. 19995
فوائد تجديد الدين:
٢٣- تتضمن اتفاقية إصدار البطاقة لدين قابل للتجدد (Credit Card) نصاً على تحميل صاحب البطاقة فائدة على تجديد الدين إذا تخلف عن سداد أي قدر منه إلى ما بعد فترة السماح الممنوحة له، فجعلته بالخيار بين أن يقضي خلال تلك المدة أو يربي.
وهذا اشتراط ربوي محظور باطل، فلا يجوز اشتراطه ولا العمل به، لأنه شرط يحل حراماً، وليس لأحد أن يحل ما حرم الله، وحيث إن هذا النوع من بطاقة الائتمان قائم أصلاً على أساس تمتع حاملها بحق التجديد الربوي للمديونية، فإنه لا يجوز لأية مؤسسة مالية إسلامية إصداره. يؤكد ذلك ما جاء في توصيات ندوة فقه بطاقة الائتمان (البحرين –نوفمبر ١٩٨٨م) بخصوص هذا النوع من بطاقات الائتمان: (وحكم إصدار هذه البطاقة والتعامل بها الحظر، لاشتمال اتفاقية الإصدار على شرط الربا إذا لم يقم حاملها بتسديد كامل المبلغ خلال مهلة السداد) .
٢٤- وبالنسبة للفرد المسلم، هل يجوز له الدخول مع المؤسسات المالية العالمية في اتفاقية تنص على مثل ذلك؟.
الأصل حرمة هذه المعاقدة وبطلان هذا الشرط، ويستثنى من ذلك حالة الضرورة والحاجة الماسة إن وجدت، إذ (الضرورات تبيح المحظورات) و (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة) .
غير أن بعض الفقهاء المعاصرين ذهبوا- تعويلاً على ما جاء في فتاوى بعض اللجان المختصة بالفتوى في شأن القروض الإسكانية التي فيها شرط دفع فوائد على تأخير السداد - إلى أن حامل البطاقة إذا اتخذ من الاحتياطيات ما يكفل عدم تطبيق هذا الشرط المحرم عليه، فلا بأس من الاستفادة من البطاقة، وتوقيعه على اتفاقيتها، بالرغم من هذا الشرط، لأنه في معرض الإلغاء شرعا، وهو مستنكر ومعمول على استبعاد مفعوله (١) .
стр. 19996
اشتراط فتح حساب لدى البنك المصدر:
٢٥- تشترط بعض البنوك على من يرغب في الحصول على البطاقة فتح حساب أو إيداع رصيد معين لدى البنك، ليكون بمثابة توثيق لحقوقها وأمانا لها من توي ما دفعته أثمانا لمشتريات حامل البطاقة.
وهذا الاشتراط لا حرج فيه شرعا، لأنه من قبيل الرهن، ومن المقرر فقها أن كل ما يصح استيفاء الدين منه- من النقود أو الأعيان التي يصح بيعها- يصح رهنه (١) ، وكذلك يجوز الرهن قبل ثبوت الحق المرهون به عند الحنفية والمالكية وأبي الخطاب من الحنابلة، لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل كضمان الدرك (٢) .
قال ابن شاس: (ليس من شرط الدين أن يكون ثابتا قبل الرهن به ولا مقارنا له، بل لو قال: رهنت عندك عبدي هذا على أن تقرضني غدا ألف درهم، أو على أن تبيعني هذا الثوب، ثم استقرض أو ابتاع منه، فإن الرهن يلزم ويجب تسليمه إليه. وإن كان قد أقبضه إياه في الحين، صار بذلك القبض رهنا) (٣) .
وقد جاء في فتوى ندوة البركة الثانية عشرة: (يجوز للبنك المصدر لبطاقة الائتمان أن يشترط على طالب البطاقة تقديم ضمان (كفيل، رهن، أو رهن حساباته لدى البنك) وذلك في مقابل منح حامل البطاقة مهلة سداد محدودة بدو فوائد، مع مراعاة الشروط والأحكام الشرعية للكفالة والرهن والمقاصة) .
стр. 19997
الخصم أو الزيادة في سعر الشراء بالبطاقة:
٢٦- يحصل حامل البطاقة عند شرائه بها- أحيانا- على خصم في سعر السلعة (أو الخدمة) من بعض المحلات التجارية، وهذا الخصم لا يتحمله مصدر البطاقة، وإنما يتحمله التاجر برضاه ورغبته، حيث يهدف من ورائه إلى ترويج بضاعته وزيادة مبيعاته، وإغراء أكبر عدد من الزبائن بشرائها.
وهذا الخصم أو الحطيطة عبارة عن تخفيض في ثمن السلعة (أو المنفعة أو الخدمة) ، والثمن في تلك المعاوضة إنما هو الصافي بعد الخصم، ولا حرج في ذلك شرعا، لأن من حق البائع أن يبيع بالثمن الذي يتفق عليه مع المشتري ويتراضيان به، ولا فرق بين أن يعقد البيع بمائة ابتداء، أو بمائة وعشرين مع حطيطة عشرين (١) .
٢٧- كذلك تطلب بعض المحلات التجارية من حامل البطاقة ثمنا أعلى من السعر النقدي إذا أراد الدفع بها، أو أن يحرمه من خصم معلن عنه، وغرض التاجر من ذلك تعويض الحسم الذي يعطيه لمصدر البطاقة من قيمة فواتير الشراء.
ولا حرج شرعا في ذلك، إذ المشتري بالخيار بين البيعتين: بين أن يختار الدفع نقدا بثمن أقل، أو الدفع بالبطاقة بثمن أعلى، وما يختاره يقع عليه التراضي، الذي هو الأساس في صحة العقود ومشروعيتها (٢) .
стр. 19998
الجوائز والهدايا:
٢٨- يمنح بعض مصدري بطاقات الائتمان جوائز وهدايا لعملائهم من حملة البطاقات لمناسبات مختلفة، منها: انضمامهم لعضوية البطاقة، أو تقديمهم لعملاء جدد، أو لانتظامهم في السداد (١) .
وإنني لا أرى حرجا شرعا في هذه الجوائز والهدايا إذا كانت على سبيل التبرع من مصدر البطاقة بقصد ترويج وتشجيع استخدامها، دون اشتراط ذلك عليه، لأنها تبرع من الكفيل للمكفول عن طيب نفسه، وليس فيها معنى الربا ولا شبهته ولا ذرائعه.
التأمين في بطاقات الائتمان:
٢٩- تقدم بعض بطاقات الائتمان عند استخدامها في شراء تذاكر سفر تأمينا تجاريا ضمنيا على الحياة أو ضد الحوادث يصل أحيانا إلى (١٠٠.٠٠٠) دولار أمريكي.
هذا التأمين بمفرده الأصل في عدم الجواز شرعا، باعتباره تأمينا تجاريا حقيقته معاوضة مالية تنطوي على غرر فاحش في المعقود عليه أصالة. ولكنه ههنا وقع تبعا في اتفاقية الإصدار، أي تابعا للمقصود في تلك المعاقدة، ومن المقرر فقها أن الغرر مغتفر في عقود المعاوضات المالية إذا وقع في التوابع (أي فيما يكون تابعا للمقصود بالعقد) ، وقد جاء في القواعد الفقهية: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها) (٢) [م٥٤ من مجلة الأحكام العدلية] .
стр. 19999
شراء الذهب والفضة بالبطاقة:
٣٠- ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه يشترط لصحة بيع الذهب والفضة بالنقود الورقية التقابض في البدلين، أي التسليم الفوري لكل من الثمن والمبيع لأن العملات الورقية في حكم الذهب والفضة فيما يخص أحكام الصرف - وذلك لما روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.. إلى أن قال: مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)) (١) .وفي رواية أخرى: ((ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)) (٢) .
٣١- وعلى هذا، فإذا قبض مشتري الذهب أو الفضة ما اشتراه منها في المجلس، ودفع إليه ببطاقة الائتمان، فيعتبر التقابض المطلوب في البدلين متحققا، لأن تسلم البائع قسيمة الدفع الموقعة من حامل البطاقة قبض حكمي لقيمتها، كقبض الشيك المصدق، الذي أفتى مجمع الفقه الإسلامي بجواز شراء الذهب والفضة به على أن يتم التقابض في المجلس (٣) . بل هو أقوى منه كما أفاد الفنيون لأنها ملزمة للتاجر، وتبرأ بها ذمة حامل البطاقة من الدين حالا تجاهه، وليس له الاعتراض على الوفاء بها (٤) .
أضف إلى ذلك أنه عند تمرير البطاقة على الجهاز الآلي، يقوم على الفور بقراءة شريط المعلومات فيها، وتوصيل هذه المعلومات إلى الحاسب الآلي في البنك المصدر، الذي يتولى في الحال قيد المبلغ على حساب العميل، وتحويل المبلغ إلى حساب التاجر (٥) .
стр. 20000
صرف العملات عند استخدام البطاقة:
٣٢- يستطيع حامل البطاقة استخدامها في معظم دول العالم لشراء السلع والخدمات المرغوبة، بحيث يسدد مصدر البطاقة المبلغ المستحق على حاملها فورا بعملة البلد المستخدمة فيه، ثم يعود على حاملها بالعملة المحلية (باستخدام سعر صرف ذلك اليوم أو حسبما هو مبين في الاتفاقية) ليسدد بها بعد صدور فاتورة البطاقة، وخلال مهلة السماح المجانية.
٣٣- وهذه العملية تتضمن صرفا، حيث إن حامل البطاقة يشتري بعملة ما، والمصدر يدفع الثمن بها، ثم يصرف ذلك المبلغ الذي دفعه بالعملة المحلية لحامل البطاقة، ويطالبه ببدل صرف ما دفعه عنه، ليؤديه بعد فترة من عملية الشراء والصرف تتجاوز غالبا الأسبوعين والثلاثة.
٣٤- وقضية (صرف ما في الذمة) التي يسميها الفقهاء بـ (تطارح المدينين) جائز شرعا، بشرط أن يقع القبض (حقيقة أو حكما) ناجزا غير مؤخر، أي بدون أن يبقى شيء في الذمة بعده لأحدهما، وذلك لما روى ابن عمر ﵁ قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير، وآخذ مكانها الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)) (١) .
стр. 20001
٣٥- غير أنه يلاحظ في عمل بطاقة الائتمان تراخي قبض المصدر بدل الصرف من حامل البطاقة عن مصارفته لمدة أسبوعين أو أكثر، حيث إن مصدر البطاقة يجري الصرف مع حاملها إلى العملة المحلية بمجرد سداده بالعملة الأخرى، ولا يطالب حاملها ببدل الصرف إلا عند إصدار الفاتورة لاحقا مع إعطائه مهلة سماح مجانية للسداد ... وهذا التراخي غير جائز شرعا في قول سائر أهل العلم، لأنه من ربا النساء (ربا البيوع) الذي هو ذريعة إلى ربا النسيئة (ربا الديون) الذي هو صلب الربا وأساسه.
ويستثنى من التحريم حالة الحاجة والمصلحة الراجحة، تعويلا على ما ذكره ابن قيم الجوزية من تقسيم الربا إلى نوعين: جلي؛ وهو ربا النسيئة أو ربا الديون، الذي جاء تحريمه قصدا ... وخفي؛ وهو ربا البيوع الذي جاء تحريمه سدا للذريعة إلى الأول الذي هو صلب الربا ومعظمه. حيث قال في إعلام الموقعين: (الوجه التسعون: إنه حرم التفرق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض، لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم التماثل، وألا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد، حتى لا يباع مد جيد بمدين رديئين، وإن كانا يساويانه، سدا لذريعة ربا النسيئة الذي هو حقيقة الربا) (١) . ثم قال ﵀ (٢) : (فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم مقاصد) . (وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة) . ومعيار الحاجة إلى عقد من العقود شرعا: أن يقع الممتنع عن ذلك العقد لحظره في المشقة والحرج لفوات مصلحة من المصالح المعتبرة شرعا عليه.
стр. 20002
السحب النقدي بالبطاقة لقاء عمولة:
٣٦- السحب النقدي بالبطاقة هو عبارة عن اقتراض حامل البطاقة نقودا من البنك المصدر مباشرة إن استعمل مكائن السحب الآلي العائدة له، أو عبر بنك آخر (وكيل للمصدر) إن استخدم أجهزة بنك آخر.
وهذا الاقتراض لا بأس به شرعا إن كان هناك تغطية في حساب الساحب، لوقوع المقاصة بين الدينين فورا، ولا حرج عندئذ في أن يأخذ المصدر عمولة لقاء استخدام مكائن السحب التي تعود له أو لغيره من البنوك الوكيلة مقابل تقديم هذه الخدمة، لأنها لا تعدو أن تكون أجرة على توصيل النقود إلى حيث يريد الساحب من البلاد أو المناطق، وكذلك الحكم إذا لم يكن هناك تغطية في رصيده، ولم يتقاض المصدر أية فائدة أو عمولة على الاقتراض.
وقد جاء في فتوى ندوة البركة الثانية عشرة: (ولا مانع شرعا من استخدام بطاقة الائتمان في السحب النقدي من البنك المصدر أو فروعه أو البنوك الأعضاء المتفق معها على تمكين حامل البطاقة من السحب، سواء كان له رصيد لدى البنك المصدر للبطاقة أو لم يكن له رصيد، ووافق البنك المصدر على تقديم تسهيلات لحامل البطاقة دون تقاضي فوائد على ذلك) .
стр. 20003
٣٧- أما إذا شرط تقاضي البنك المصدر فائدة أو عمولة على إقراضه، فذلك غير جائز في الفائدة لأنها عين ربا القروض، ولا في العمولة، لأنها ذريعة إليه، وستار لإخفائه، إلا أن تكون في حدود النفقات الفعلية التي يتكبدها البنك المصدر لتقديم تلك الخدمة، فذلك سائغ شرعا، يؤكد ذلك نص قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ١٣ (١/٣) في دورته الثالثة بعمان (أكتوبر ١٩٨٦م) بخصوص أجور خدمات القروض:
أولا: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض، على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية.
ثانيا: كل زيادة على النفقات الفعلية محرمة، لأنها من الربا المحرم شرعا.
وإنني لا أرى صواب إطلاق فتوى ندوة البركة الثانية عشرة بهذا الخصوص، ونصها: (يجوز أخذ العمولة على ذلك (أي استخدام البطاقة في السحب النقدي) سواء كانت لصالح البنك المصدر للبطاقة أم غيره من البنوك الأعضاء، سواء كانت العمولة مبلغا مقطوعا أم نسبة مئوية من المبلغ، بشرط ألا تزيد العمولة في حالة السحب على المكشوف، وذلك على أساس أن العمولة تقابل خدمة فعلية لتوصيل المال للساحب، ولا ترتبط بمقدار الدين ولا بأجل الوفاء به) ، وذلك لتضمنها إجازة الإقراض بشرط عمولة محددة للمقرض، لا ترتبط بمقدار الدين ولا بأجل الوفاء، ولو كانت أكثر من النفقات الفعلية، وهي ربا كما هو صريح في قرار المجمع.
стр. 20004
إنهاء العقد بالإرادة المنفردة للمصدر:
٣٨- من شروط اتفاقية إصدار البطاقة أن للمصدر حق إلغاء صلاحيتها بصفة دائمة أو مؤقتة في حالة عدم التزام حاملها بتنفيذ شروط الإصدار، وعندها يتم تسجيل البطاقة في قائمة البطاقات الملغاة، ويبلغ بذلك التجار للامتناع عن قبولها، فإذا تعامل بها التاجر بعد إبلاغه، فإن مصدر البطاقة لا يكون مسؤولا عن سداد الدين الناتج عن تلك المعاملات.
وهذا الاشتراط مقبول شرعا ولا بأس به نظرا لجواز ما يعبر عنه الفقهاء في باب الكفالة بـ (الرجوع عن الضمان قبل وجوب الحق) ، إذ قد تقرر لدينا فيما سبق علاقة الضمان الثلاثية في البطاقة، حيث إن حاملها هو المكفول، والبائع هو المكفول له، ومصدرها هو الكفيل.
يشهد لذلك قول صاحب فتح القدير: (ولو رجع الكفيل عن هذا الضمان، ونهاه عن المبايعة صح، حتى لو بايعه بعد ذلك، لم يلزم الكفيل شيء) (١) .
وقول الخراشي: (من قال لرجل: عامل فلانا في مائة، وأنا ضامن فيها. أو قال: عامله، ومهما عاملته فيه، فأنا ضامن فيه، فإن له أن يرجع عن مقالته قبل المعاملة كلا أو بعضا، ويكون ضامنا فيما وقعت فيه المعاملة) (٢) .
وقول البهوتي: (وله، أي ضامن ما لم يجب إبطاله، أي الضمان قبل وجوبه، أي الحق، أنه إنما يلزم بالوجوب) (٣) .
стр. 20005
الخلاصة
١- بطاقة الائتمان هي عبارة عن وسيلة دفع وسداد لدين ناشئ عن معاوضة مالية، وأداة قبض نقود في اقتراض من مكائن الصرف الآلي.
٢- ذلك أن مصدر البطاقة، بناء على العقد المبرم بينه وبين حاملها وبين التاجر، ملتزم بالوفاء الفوري لكل دين يترتب على حاملها نتيجة استخدامها، ضمن حدود الائتمان الممنوح له.
٣- وتنقسم بطاقة الائتمان (غير المغطاة) إلى قسمين: بطاقة الائتمان لدين لا يتجدد، وبطاقة الائتمان لدين قابل للتجدد.
٤- أما العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها فهي الكفالة بالمال، وهي قبل نشوء الدين المضمون من قبيل ما يسميه الفقهاء بـ (ضمان ما لم يجب) وهو سائغ شرعا والعلاقة بين حامل البطاقة والتاجر هي المعاوضة المالية (بيع أو إجارة) ، والعلاقة بين مصدرها والتاجر هي الضمان.
٥- ولا يغير من حقيقة علاقة الضمان الثلاثية (وهي أن حاملها هو المكفول، والبائع هو المكفول له، ومصدرها هو الكفيل) براءة ذمة حامل البطاقة من الدين، وانشغال ذمة مصدرها به بمجرد تقديم وثيقة الكفالة (البطاقة) هذه إلى البائع الدائن، وذلك لقول جمع من الفقهاء والمجتهدين إن الدين ينتقل بالكفالة إلى ذمة الكفيل، وليس للدائن أن يطالب بعدها الأصيل.
стр. 20006
٦- أما عن رسوم الاشتراك والتجديد والاستبدال التي يفرضها المصدر على حاملها، فهي أجرة مقطوعة لأصل الخدمة المصرفية المتعلقة بالبطاقة، سواء استخدمها حاملها بمبالغ كثيرة أو قليلة أو لم يستخدمها بتاتا. وهي مقبولة شرعا، لأنها لا تخرج عن كونها أجرة محددة على خدمة معلومة، وفقا لأحكام عقد الإجارة.
٧- وتعتبر العمولة التي يقتطعها المصدر من التاجر مقبولة فقها، تعويلا على ما ذهب إليه الحنفية من أن الكفيل بأمر المدين، إذا صالح المكفول له على أن وهب له بعض الدين أو أكثره، فإنه يعود على المكفول بما ضمن لا بما أدى.
٨- وفيما يخص تمديد المصدر لمدة صلاحية البطاقة، وحد الائتمان، وحقه في إنهاء الاشتراك عند وقوع موجب لذلك، فكلها سائغة شرعا، بناء على ما نص عليه الفقهاء من حق الكفيل في فعل هذه التصرفات.
٩- فوائد تجديد الدين في البطاقة الصادرة لدين قابل للتجدد هي عين ربا النسيئة، واشتراطها باطل محظور، وعلى ذلك فإنه لا يحل شرعا إصدار هذا النوع من البطاقات ولا التعامل معها.
١٠- غرامات التأخير في بطاقات الائتمان تعتبر من ربا النسيئة، وتسري عليها أحكامه.
١١- اشتراط فتح حساب لدى البنك المصدر أو إيداع رصيد معين لديه توثيقا لحقه، لا حرج فيه، بناء على قول بعض المذاهب الفقهية بجواز توثيق الدين بالرهن قبل وجوبه في الذمة.
١٢- لا حرج شرعا في الخصم أو الزيادة في سعر الشراء بالبطاقة بتراضي حامل البطاقة مع التاجر على ذلك، بناء على ما قرره الفقهاء في أحكام البيوع.
١٣- الجوائز والهدايا التي يمنحها بعض مصدري البطاقات لحملته لا تثريب فيها، ما كانت على سبيل التبرع، دون اشتراط مسبق.
١٤- التأمين التجاري على الحياة التي يثبت تبعا عند استخدام البطاقة في شراء تذاكر السفر لصالح حاملها مقبول فقها، رغم ما فيه من الغرر الفاحش المحظور أصلا، وذلك لوقوعه تبعا في اتفاقية الإصدار، أي تابعا للمقصود فيها ومن المقرر فقهاء أن الغرر مغتفر إذا وقع في التوابع.
١٥- يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة إذا قبضها المشتري، وسلم البائع القسيمة موقعة منه، وذلك لتحقق التقابض في البدلين قبل التفرق.
١٦- صرف العملات الذي يتضمنه استخدام البطاقة للشراء بعملة أخرى، الأصل فيها عدم الجواز، لانتفاء التقابض في البدلين المشروط لصحته، ويستثنى من ذلك ظرف الحاجة والمصلحة الراجحة.
١٧- السحب النقدي بالبطاقة (غير المغطاة) لقاء عمولة لا يجوز، لأنها زيادة مشروطة في قرض، إلا أن تكون العمولة بقدر النفقات الفعلية لتقديم هذه الخدمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 20007
بطاقات الائتمان غير المغطاة
إعداد
الدكتور محمد العلي القري
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز- جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين:
لا ريب أن بطاقة الائتمان هي اليوم في معاملات الناس أهم منها في وقت مضى، ولا شك في أن معدلات نمو التعامل بها في السنوات القليلة الماضية تدل بوضوح على أهمية أكبر في السنوات القادمة، ولا حاجة بنا للاستدلال بالأرقام والإحصاءات، إذ إن الأمر أضحى مشتهرا معلوما لكل أحد. يكفي أن نعلم أن النمو العظيم في ما يسمى (التجارة الالكترونية) يحمل في طياته تعاظما لأهمية البطاقة، فالخبراء يتوقعون أن نسبة ما سيجري من التجارة المحلية والدولية من خلال شبكة الحاسوب العالمية المسماة (إنترنت) سيصل في أقل من عقد من الزمان إلى نحو (٢٥ %) من مجمل التجارة في العالم (١) ، ومعلوم أن التجارة الإلكترونية إنما تقوم على بطاقات الائتمان.
أضف إلى ذلك ما نراه اليوم من اعتماد قطاع السياحة المتنامي على بطاقات الائتمان، وان (الميكنة) التي اتجهت إليها البنوك قوامها البطاقات البلاستيكية ومنها بطاقة الائتمان.
وقد بلغ عدد بطاقات الائتمان التي يتعامل بها في المملكة العربية السعودية (٣.٦) مليون بطاقة، ويشهد هذا التعامل نموا مقداره (١٦٠ %) سنويا، كما بلغ حجم المعاملات التي جرت ببطاقات الائتمان في المملكة في سنة (١٩٨٨م) نحو (٢٢.٥) مليار ريال (٦مليار دولار) (٢) .
وعناية مجمع الفقه الإسلامي الدولي بهذه المسألة ليس جديدا، بل إن هذا الاهتمام قد امتد فيما بعد إلى هيئات فقهية وندوات علمية متعددة، وبقي للمجمع الموقر قصب السبق وفضل الريادة، مع ذلك كله فإن التوصل إلى رأي حاسم في مسألة بطاقات الائتمان لما يقع بعد.
ومرد ذلك في نظري هو أن التصور الصحيح الذي يمكن أن يتفرع عنه الحكم على مسألة البطاقة لم يتحقق بعد.. أرجو أن يكون لطول معايشة كاتب هذه السطور لقضايا بطاقات الائتمان أثر في المساهمة النافعة في الوصول إلى ما يمكن أن يكون التوطئة للحسم في هذه المسألة.
стр. 20008
معنى الائتمان:
(الائتمان) كلمة عربية صحيحة، يستخدمها الاقتصاديون ترجمة للكلمة الأجنبية (Credit) . وهي ترجمة سديدة تحمل المعنى الدقيق للكلمة. وقد وجدت في بعض المعاجم اللغوية تحت كلمة (Credit) ما يلي:
(هو الثقة التي تشعر الناس أن فلانا مليء) .
ثم أضاف صاحب المعجم:
(وهو التزام يقطعه مصرف لمن يطلب منه أن يجيز له استعمال مال معين نظرا للثقة التي يشعر بها نحوه) (١) .
وهذا معنى في غاية الدقة لكلمة ائتمان، إذ ليس صحيحا أن الائتمان معناه القرض، فالقرض نتيجة تابعة للائتمان، لأن الائتمان معناه الثقة التي يمنحها المصرف لعميله حتى يكون مستعدا لإقراضه أو كفالته. ولذلك كان القرض تابعا لتلك الثقة ونتيجة لها وليس هو الائتمان، وكانت الكفالة جزءا مما يسمى الائتمان في المفهوم المصرفي لاعتمادها على تلك الثقة.
والائتمان مصطلح، قد يستهجنه من يقف باللغة عند حد النقل ويأبى إلا أن يتمسك بالقديم، لهؤلاء أقدم مقطعا من مقدمة المترجمين لكتاب (الموجز في علم الاقتصاد) لمؤلفه الفرنسي بول لروابوليو، وقد ترجمه اثنان من صناديد الأدب في هذا العصر هما: حافظ إبراهيم وخليل مطران، ومحلهما من العربية ما قد علم، وقد جاء هذا المقطع في مقدمة الطبعة الصادرة سنة (١٩١٣م) وعنوانه قوة الاصطلاح:
(ليس الاصطلاح بأوهى قوة من النقل، ولا هو بدونه في مراتب الهيمنة على اللغات، فلا يهولنك قول أولئك المتزمتين الذين وقفوا باللغة عند حد النقل؛ فتمشت لغات العالم مع المدنية والعمران ووقفت لغتنا وحدها عند ذلك الحد، تنظر إلى أخواتها، وقد سبقنها وقصرت، نظر الشرقي إلى الغربي.
стр. 20009
لكل عصر من العصور التي تقلبت فيها الأمم أثر خالد في لغاتها، فما من كلمة تنبت ولا من لفظة تدوي إلا وللاصطلاح يد في حظها من الموت أو الحياة.
هذه لغة الفرنسيس ساكنتها مدنية العلم وكاثرتها بآلاتها ومخترعاتها فلم ترهقها تلك المكاثرة، ولم تضق ذرعا بضيوفها، فقد وجدت من مرونتها ووقوف أبنائها على أسرار الحياة ما مهد لها السبيل، واستلها من بين يدي ذلك الجمود الذي وقعت فيه أم اللغات.
ولقد بلغ من قوة الاصطلاح أن أصبح ينسخ معاني الكلمات، وإن أبقى كرما منه على أشباحها، فكم أخرج من لفظة عن معناها وساقها في طريق الاستعمال سوقا لم يقو النقل على الوقوف في سبيله.
أفلا يعز علينا بعد ذلك أن يمر هذا العصر العباسي الزاهر باللغة مرا، لا يترك فيها أثرا، ولا يحدث معها ذكرا؛ حتى إذا طوانا الدهر ونزل في منازلنا خلق جديد، جهلوا، أننا سبقناهم إلى هذه الدنيا لأنهم لم يجدوا لنا رسما يترسم، ولا رأيا يتوسم.
لهذا كنا كلما عرض لنا في طريق التعريب شيء من الأشياء التي لم تجد لها عندنا نصيب من الأسماء، رحبنا به واستعرضنا له الكلمات ما يأنس له ويسكن إليه. فإذا ضاق اللفظ القديم بما عسى أن يتعدد من معاني الشيء الجديد، احتلنا له احتيال أسلافنا؛ وقد رأوا أن يضعوا للغة قواعد تعصم النطق وتقيم اللسان فسموا ذلك العلم نحوا؛ وقلنا ما بالنا نتابعهم متابعة الأرقاء في النقل، ولا نجاريهم مجاراة الأكفاء في الاصطلاح، وإنا إليه في عهدنا لأحوج، وإنا لأولى) .اهـ.
стр. 20010
منهج النظر الصحيح في مسألة البطاقة
اعتمد منهج النظر الذي سارت عليه الكتابات الفقهية الاقتصادية في مسألة البطاقة (بما فيها مساهمات الكاتب) على وصف أنواع البطاقات التي يجري التعامل بها وصفا مستمدا من التقسيمات المعتادة في الدراسات الوضعية للبطاقات، ومحاولة الوصول إلى حكم يختص بكل نوع منها، وإدخال هذه التقسيمات في تعريف البطاقة، بيد أن هذه التقسيمات، وإن كانت نافعة ومفيدة في فهم طريقة عمل البطاقات وسبل إصدارها والعلاقات التعاقدية بين أطرافها، فإنها لا تخدم الغرض، بل تحدث بلبلة في الذهن تصرفه عن التصور الصحيح للبطاقة.
إن طريقة النظر المناسبة الموافقة للمنهج العلمي هي، تجريد نموذج البطاقة من التفاصيل الزائدة والاعتماد على الصورة البدائية (الأساسية) التي هي الأصل والتي يجري الاقتصار فيها على الأوصاف التي لو خلت البطاقة من أي منها لم تعد تسمى بطاقة ائتمان. فإذا توصلنا إلى الحكم الملائم على تلك الصورة، بدأنا النظر في الأوصاف الزائدة والتعرف على أثرها على ذلك الحكم ومدى الحاجة إلى إفراد كل صورة من الصور، ذات الأوصاف المختلفة، بحكم خاص.
стр. 20011
الوصف الأساس للبطاقة (التعريف) :
العمود الفقري لصيغة بطاقة الائتمان والأساس الذي انبنت عليه (بصرف النظر عن نوعها وعن طريقة إصدارها وعن تفاصيلها الأخرى وما إذا كانت مغطاة أو غير مغطاة ... إلخ) هو أنها:
اتفاق بين ثلاثة أطراف:
الأول: مصدرها (البنك) .
الثاني: حاملها (الفرد الذي يستفيد من خدماتها) .
الثالث: التاجر الذي يقبلها بدلا عن النقود.
ويرتبط المصدر مع كل من طرفيها الآخرين بعقود مستقلة.
وتتكون العلاقات التعاقدية بين أطرافها الثلاثة من أربع عناصر أساسية:
١- أن مصدرها ضامن لمن صدرت له البطاقة، تجاه التجار الذين يقبلونها (الكفالة بالمال) بدون أجر على الضمان.
٢- أن مصدرها (الكفيل) لا يدفع للتاجر (المكفول له) كامل مبلغ الدين الذي هو محل الكفالة بل يصالحه على أقل من ذلك المبلغ بنسبة متفق عليها ثم هو (مصدر البطاقة) يرجع على المكفول (حاملها) بما ضمن لا بما أدى.
٣- أن الديون فيها حالة، فالكفيل (مصدر البطاقة) يدفع المبلغ عند أول مطالبة، والمدين (حاملها) يسدد ما عليه للكفيل عند أول مطالبة.
٤- أن لها مدة صلاحية.
стр. 20012
هذا هو الوصف الذي تشترك فيها جميع البطاقات الائتمانية بلا استثناء. فإذا خلت من عنصر من العناصر السابقة فإنها لا تسمى عندئذ بطاقة ائتمان، ولو أنها اقتصرت على هذه الصفات لكانت بطاقة ائتمان مكتملة الوصف (١) . وواقع الحال أن آلاف البطاقات تصدر من المؤسسات المالية مقتصرة على هذا الوصف (وليس فيها رسوم إصدار ولا رسوم سنوية) . إلا أن أكثر البطاقات إنما يصدر وقد أضيفت إلى العناصر السابقة وألحقت به ميزات مختلفة، مثل أن تكون مغطاة أو غير مغطاة أو أن يدفع حاملها رسوما سنوية أو أن تكون فضية أو ذهبية، أو أن يكون لها خاصية تأجيل الدين بالفوائد المصرفية أو التأمين على حياة حاملها أو ديونه ... إلخ مما سيأتي تفصيله لاحقا.
رأينا في البطاقة:
إذا صدرت بطاقة الائتمان بهذه الصفة المذكورة أعلاه واقتصرت على العناصر الأربعة المشار إليها فما الحكم فيها؟.
الجواب عن ذلك معتمد على النظر في كل عنصر من عناصرها الأربعة:
العنصر الأول- الضمان:
الضمان في البطاقة الائتمانية:
أ - كفالة الدين قبل وجوبه.
ب - كفالة معلقة على شرط.
جـ - يصالح فيها الكفيل الدائن على أقل من مبلغ الدين ثم يرجع على المكفول بما ضمن لا بما أدى.
١- والكفالة بالدين جائزة، جاء في المغني (أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة) (٢) .
٢- والكفالة جائزة قبل وجوب الحق فإذا قال الكفيل للمكفول له: بايع فلانا وأنا كفيل بالثمن جاز عند جمهور الفقهاء (٣) . وحجتهم في ذلك أن معنى الكفالة يتحقق عند ثبوت الدين وصحة الكفالة معلقة يقتضي صحتها بما سيثبت في الذمة من الدين (٤) . قال القاضي عبد الوهاب في المدونة (وإن قال لرجل: داين فلانا وأنا ضامن لما تعطيه جائز ولزمه ضمان ما يداين به مثله) (٥) ، قال أبو حنيفة: (إذا قال الرجل لرجل: بع فلانا، فما بعته من شيء فهو علي فهو جائز، وإن لم يوقت لذلك وقتا، وإن باعه بألف درهم وأكثر فهو جائز. كذلك لو باعه بالدنانير وكذلك لو باعه بذهب تبرا أو بفضة أو بشيء مما يكال أو يوزن فهو جائز، والكفيل ضامن لذلك) (٦) .
стр. 20013
٣- ولا يلزم في الكفالة تحديد مبلغ معين فتجوز الكفالة بالمجهول. جاء في الكافي في فقه الإمام أحمد (ويصح ضمان المعلوم والمجهول قبل وجوبه وبعده لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] ، وحمل البعير يختلف ... وقد ضمنه قبل وجوبه) (١) ، وجاء في المعونة للقاضي عبد الوهاب (يصح في المعلوم والمجهول خلافا للشافعي) (٢) ، ولا يلزم فيها أن يكون الكفيل مدينا للطالب، قال في الإنصاف للمرداوي (ولا يعتبر معرفة الضامن لهما ولا كون الحق معلوما ولا واجبا، فلو قال ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينة به صح) (٣) . وقال ابن قدامة في المغني: (وقد دلت مسألة الخرقي على أحكام منها: صحة ضمان المجهول فمتى قال: أنا ضامن لك مالك مع فلان أو ما يقضي به عليه أو ما تقوم به البينة أو يقره لك أو ما يخرج في روزمانجك صح الضمان) (٤) .
والضمان في البطاقة فيه جهالة ولكنها يسيرة، فهو محدد بمبلغ معين يفترض أن المدين لا يتخطاه، ومع أن التزام الكفيل (المصدر) تجاه التجار لا يتوقف عند هذا الحد بل يتخطاه إلى كل ما ثبت في ذمة الحامل، فإن لدى المصدر القدرة على إيقاف العمل بالبطاقة بمجرد علمه بتخطي حاملها لذلك الحد فلا يكون ملتزما إلا بما ثبت في الذمة قبل الإلغاء.
стр. 20014
٤- ويشترط مصدر البطاقة تحقق شروط شكلية في كل معاملة وإلا لم يكون ملزما بالدفع، أهمها التحقق من تاريخ صلاحية البطاقة، ووجود الموافقة من حاملها على الدفع (بالتوقيع على القسيمة أو غير ذلك مما يدل على الرضا) . فإذا لم تتحقق تلك الشروط لم يكن ملتزما بدفع المبلغ إلى التاجر عند المطالبة. والغرض من هذه الإجراءات هو التأكد من ثبوت الدين في ذمة حامل البطاقة.
يمكن القول عندئذ أن كفالة البنك في البطاقة هي كفالة معلقة على شرط ملائم هو ثبوت الدين في الذمة. وقد أجاز جمهور الفقهاء مثل هذا النوع من الضمانات. جاء في مجمع الضمانات: (ويجوز تعليق الكفالة بالشرط مثل أن يقول: ما بايعت فلانا فعلي ... قال والأصل أنه يصح تعليقها بشرط ملائم مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله: إذا استحق المبيع ... ) (١) .
العنصر الثاني:
وللكفيل إذا قضى الدين عن المطلوب أن يصالح الدائن على أقل من مبلغ الدين، فإذا فعل رجع على المكفول بما ضمن لا بما أدى، أي بتمام مبلغ الدين.
ورجوع الكافل على المكفول بما ضمن لا بما أدى، له وجه عند الحنفية في مسألة الصلح على الدين، فقد أجازوا للكفيل أن يؤدي الدين عن المكفول إلى الدائن ويصالحه على أقل من مبلغ الدين، فإذا رضي الدائن كان ما حط عنه من الدين هبة لذلك الكفيل، ثم له أن يرجع على المدين (المكفول) بالمبلغ الأصلي للدين (أي بما كفل) لا بما دفع فعلا إلى الدائن.
стр. 20015
جاء في المبسوط للسرخسي في باب صلح الكفالة:
(ولو صالحه على مائة درهم على أنه إن وهب التسعمائة للكفيل كان للكفيل أن يرجع بالألف كلها على المكفول عنه، لأنه ملك جميع الأصل وهو الألف، بعضها بالأداء وبعضها بالهبة منه، والبعض معتبر بالكل وهذا لأن الهبة تمليك في الأصل فمن ضرورة تصحيحه تحول الدين إلى ذمة الكفيل فلا يبقى للطالب في ذمة الأصيل شيء، ويتحول الكل إلى ذمة الكفيل ثم يتملكها بالهبة والأداء فيرجع بها على الأصيل. ولو صالح الكفيل الطالب على عشرة دنانير أو باعه إياه بعشرة دنانير كان للكفيل أن يرجع على الأصيل بجميع الألف لأنه بهذا الصلح والشراء يتملك جميع الألف ومن ضرورة صحتها تحول الدين إلى ذمة المكفول) (١) .
وجاء في الفتاوى الهندية:
(الفصل الرابع في الرجوع: رجل قال لغيره: اكفل لفلان بألف درهم عني ... ففعل المأمور فإنه يرجع عليه في هذه المسألة بما دفع في رواية الأصل. كذا في فتاوى قاضيخان: كل موضع صحت الكفالة فيه لو أدى الكفيل ما كفل به من عنده رجع على المكفول عنه ولا يرجع قبل الأداء، وإذا أدى المال من عنده رجع بما كفل ولا يرجع بما أدى حتى ولو أدى الزيوف وقد كفل بالجياد يرجع بالجياد ولو أدى مكان الدنانير الدراهم وقد كفل بالدنانير أو شيئا مما يكال أو يوزن على سبيل الصلاح رجع بما كفل كذا في المحيط) (٢) .
وقال في مجمع الضمانات على مذهب أبي حنيفة: (إذا كفل عن رجل بدراهم صحاح جياد فأعطاه مكسرة أو زيوفا تجوز بها رجع على الأصيل بمثل ما ضمن لا بمثل ما أدى) (٣) .
стр. 20016
وقال: (ولو صالح الكفيل الطالب من الدين الألف على مائة على أن يهب الباقي، يرجع الكفيل على الأصيل بالألف وإن شرط براءة الأصيل خاصة برئا، وإن شرط براءة الكفيل خاصة برئ الكفيل دون الأصيل وكان للطالب أن يرجع على المطلوب بتسعمائة ويرجع الكفيل على المطلوب بمائة وإن لم يشترط براءتهما في الصلح برئا عن تسعمائة) (١) .
العنصر الثالث:
والدين الذي للتاجر حال غير مؤجل، ولذلك جاز للكفيل أن يصالح الدائن على أقل من مبلغه دون أن يكون ذلك من باب ضع وتعجل بالشرط. ولو كان دينا مؤجلا لم يجز، قال في الهداية في باب الصلح بالدين: (ولو كانت له ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة حالة لم تجز لأن المعجل من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد فيكون بإزاء ما حطه عنه وذلك اعتياض من الأجل وهو حرام) (٢) .
العنصر الرابع:
هذه البطاقة، ومعناها الضمان، لها مدة صلاحية، فهل يكون هذا توقيتا للكفالة؟.
توقيت الكفالة يحتمل معنيين، الأول: أن يكفل الكفيل الدين مدة معلومة محددة حتى إذا قضت تلك المدة برئت ذمته بمضيها وانتهت الكفالة وإن لم يوف الدائن دينه، والثاني أن يكفله خلال مدة معينة، فما تعلق في ذمة المكفول من دين من معاملات تجري خلال هذه المدة، كان الكفيل بها زعيما، وما وقع بعد هذه المدة من معاملات ترتب عليها ديون فلا يكون الكفيل مسؤولا عنها.
أما المعنى الأول فلا يجوز، لأن الذمة إذا اشتغلت بالدين الصحيح لم تبرأ إلا بأدائه أو المعاوضة عليه أو بإسقاط الدائن إياه أو بهبته للمدين (٣) . وهذا المعنى غير موجود في البطاقة.
أما المعنى فهو ما يدل عليه مدة الصلاحية، وهو معنى مقبول، فللكفيل أن يوقت ضمانه، وله أن يرجع عنه، فإذا فعل كان ضامنا لما ثبت في ذمة المكفول قبل الرجوع أو قبل انتهاء الوقت. ولذلك أجاز الفقهاء للكفيل أن يرجع عن الضمان قبل المبايعة وأن يعلم المكفول له برجوعه فإن فعل لم يضمن، جاء في المدونة لمالك: (قال شخص لآخر: داين فلانا فما داينته فعلي فلم يداينه حتى أتاه فقال لا تفعل فإنه قد بدا لي، أيكون ذلك له؟ قال نعم حتى إذا داينه لم يلزمه شيء لرجوعه عن كفالته في المداينة) (٤) ، وجاء في الهندية عن التتارخانية: (ولو رجع الكفيل عن الضمان قبل المبايعة أو نهاه لم يضمن) (٥) وتاريخ الصلاحية ما هو إلا إعلام للتجار أنه قد وقت لكفالته وقتا ضمن دين حاملها، وانه بعد هذا التاريخ لا يضمن.
стр. 20017
على ذلك يمكن القول إن البطاقة التي يقوم عملها على ضمان مصدرها لحاملها تجاه التجار الذين يقبلونها بما يثبت في ذمته (أي حاملها) من دين ناتج عن شراء السلع والخدمات ووقت لذلك وقتا، أنها جائزة لا بأس بها وأن الكفيل إذا صالح التاجر (الدائن) على مبلغ يقل عن أصل ذلك الدين ثم رجع على الحامل بمبلغ الدين كاملا، فإن لهذا وجه مقبول.
العلامات التي تدل على أن مبنى البطاقة هو الضمان (الكفالة) ، والرد على من قال بأنها حوالة:
لا نجد عند استعراض العقود في البطاقات الائتمانية النص على الكفالة أو الحوالة أو غير ذلك من العقود المسماة في الفقه الإسلامي وما يرد فيها من إشارات فإنها تحتمل معان كثيرة، ذلك أن عقود البطاقات تستمد صيغتها من أصولها الأجنبية المعتمدة بصفة أساسية على القوانين الوضعية الأنجلوسكسونية، وهي بصفة عامة لا تكاد تخرج عن بيان تعهدات كل طرف تجاه الطرف الآخر (مثل أن يوقع على البطاقة، وأن تبقى ملكا للبنك المصدر لها، وأن يخبر البنك عند فقدانها أو سرقتها منه ونحو ذلك (١) وبقراءة مستفيضة لهذه النصوص نجد أن صيغ العقود بحد ذاتها لا تنفي ولا تثبت (بالنص) ولا الحوالة بالتعريف الفقهي. ولكن واقع حال البطاقة وطرق تعامل الناس بها وصفة التعهدات المشار إليها بين أطرافها تدل على أن ما نحن بصدده هو عقد ضمان لا حوالة. من ذلك مثلا:
١- مبنى البطاقة الائتمانية وأساس عمل الناس بها هي أن حاملها يشتري السلع والخدمات من التجار، وأنه بمجرد استيفاء المتطلبات الشكلية، وأهمها أن تكون بطاقته سارية المفعول (غير منتهية الصلاحية) ، وأن يوقع على القسيمة التي يقدمها له التاجر والمبين فيها ثمن الشراء بمجرد أن يفعل ذلك، يسلمه التاجر ما اشترى دون حاجة إلى دفع الثمن وإنما تنتقل مطالبته إلى البنك المصدر للبطاقة (٢) ، وهذا البنك ملتزم التزاما لا رجوع فيه بدفع ذلك المبلغ إلى التاجر إذا توفر الشرطان المذكوران أعلاه. ثم يقوم البنك، بعد دفع المبلغ للتاجر، إلى تحصيله من حامل البطاقة بطرق يجري بيانها فيما بعد.
стр. 20018
لا ريب أن أقرب وصف لما ذكر أعلاه هو الضمان (كفالة الدين) .
فإن قيل: الضمان عند جمهور الفقهاء هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الدين، فيثبت في ذمتيهما جميعا، فينبني على ذلك انشغال ذمة الكفيل والأصيل بالدين، وللدائن مطالبة أيهما شاء، فإذا كان الأمر كذلك فإن مبنى البطاقة لا يكون الضمان، لأننا لم نعهد في عمل البطاقات أن طالب التاجر (الدائن) حامل البطاقة (المدين) بل هو يقتصر على مطالبة الكفيل (مصدرها) مما يدل على أن انشغال الذمتين بالدين لا يحصل فيها إذ لو كانت ذمتيهما مشغولة بالدين لكان له أن يطالب أيهما شاء، فكيف تعد من الضمان؟ فالجواب عن ذلك أن ما ذكر من ناحية المطالبة هو المعهود فعلا في عمل البطاقات، ولكن ذلك ليس دليلا على عدم انشغال الذمتين.
ذلك أن مصدري البطاقة يلتزمون، ضمن شروط السماح لهم بالإصدار بالوفاء بلا تردد، بمطالبات التجار إذا استوفت المتطلبات الشكلية. ثم إن البنوك التي تصدر البطاقات متضامنة جميعا في كل أنحاء العالم في جمعية واحدة للوفاء بحقوق التجار. ولذلك لا نسمع بحالات عجز فيها البنك عن الدفع فاضطر التاجر إلى مطالبة الأصيل (حامل البطاقة) لكي ينكشف لنا أن ذمته لازالت مشغولة بذلك الدين، ذلك لم يقع، ليس لأن الذمتين ليستا مشغولتين بل لأن البنوك لا تمتنع عن الدفع.
كما أن ذوي الخبرة وأهل الاختصاص في أمور البطاقات لم ينفوا حق التجار في ذلك، وقد ذكرنا آنفا أن نصوص العقود لا يعول عليها في الوصول إلى نتيجة في هذه المسألة.
стр. 20019
٢- استند القانون بالحوالة على اعتياد الناس أن التجار لا يطالبون حملة البطاقات بما عليهم بل تكون مطالبتهم للبنوك المصدرة فحسب، فقالوا إن التجار لا يفعلون ذلك لتحول الحق إلى ذمة المصدر وتلك هي الحوالة لأن الحوالة فيها تحول الحق. والتحقيق أن هذا الرأي ليس بسديد للأسباب التالية:
أولا: ما ذكرناه أعلاه بأن عدم انشغال الذمتين لا يسلم لهم، بل هما مشغولتان بالدين، ولم يتحول الدين من ذمة إلى ذمة.
ثانيا: شروط الحوالة التي نص عليها جمهور الفقهاء لا تتحقق فيما نحن بصدده فكيف يقال إنها حوالة؟
قال صاحب المغني: (ومن شرط صحة الحوالة شروط أربعة. أحدها: تماثل الحقين في أمور ثلاثة: الجنس فيحل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة أو من عليه فضة بذهب لم يصح ... والصفة، فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح ... والثالث الحلول والتأجيل ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين فإن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا ... لم يصح ولو كان الحقان حالين فشرط على المحتال أن يقبض حقه أو بعضه بعد شهر لم تصح الحوالة، الشرط الثاني: أن تكون على دين مستقر ... وإن أحال من لا دين له عليه رجلا على آخر له عليه دين فليس ذلك بحوالة بل هي وكالة ... وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة أيضا نص عليه أحمد فلا يلزم المحال عليه الأداء ولا المحتال قبول ذلك لأن الحوالة معاوضة ولا معاوضة هاهنا وإنما هو اقتراض.. لأن الحوالة إنما تكون بدين على دين.. الشرط الثالث: أن تكون بمال معلوم..) (١) .
وقال المرداوي في الإنصاف عن الحوالة: (ولا تصح إلا بثلاثة شروط: أحدها: أن يحيل على دين مستقر.. والثاني اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل، والثالث: أن يحيل برضاه) (٢) .
стр. 20020
وجلي أن مسألتنا تختلف عن وصف الحوالة المذكور وشروطها الأربعة المذكورة لا تتحقق في العلاقة بين البنك وطرفي البطاقة الآخرين وهما حاملها والتاجر الذي يقبلها، وبخاصة في البطاقة غير المغطاة التي سيأتي بيانها إذ لا دين لحاملها على مصدرها. جاء في شرح الخرشي علي خليل عن الحوالة: (ومن شروطها ثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه وإلا كانت حمالة عند الجمهور قاله الباجي ولو وقعت بلفظ الحوالة) (١) ولا تتحقق الحوالة حتى في البطاقة المغطاة ذلك أن التزام مصدرها لايتوقف على مقدار ما في الحساب من أموال حاملها كما أسلفنا.
ثالثا: وحتى لو صح قولهم بانتقال الحق من ذمة حامل البطاقة إلى ذمة مصدرها فلا يسلم أنها لا تكون كفالة، إذ يبقى للقول أنها من الضمان وجه. ذلك أن من الفقهاء من قال بانتقال الحق حتى في الكفالة. نقل صاحب المغني: (وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواء وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود) (٢) وهي رواية عن أحمد، قال في المقنع: وذمة المضمون لا تبرأ قبل القضاء في أصح الروايتين وهو المذهب وعليه الأصحاب، والرواية الثانية يبرأ بمجرد الضمان نص عليه (٣) وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب البيوع والأقضية (باب من قال الكفالة والحوالة سواء) ذلك عن الحسن وابن سيرين ونقل ابن جرير الطبري في اختلاف الفقهاء (الكفالة والضمان والحوالة معنى واحد وفي ضمان الضامن للمضمون له ما على غريمه وقبول الضمان منه براءة المضمون عنه من المال ووجوبه على الضامن) (٤) وقال ابن المنذر في الإشراف: (وكان أبو ثور يقول: الكفالة والحوالة سواء ولا يجوز أن يكون مال واحد على اثنين، وبه قال ابن أبي ليلى) (٥) . وحجة من قال بمثل هذا القول ما روى أبو سعيد الخدري قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فلما وضعت قال هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: ((صلوا على صاحبكم)) قال علي: هما علي يا رسول الله وأنا لها ضامن، فقام رسول الله ﷺ فصلى عليه ثم أقبل على علي فقال: ((جزاك الله خيرا عن الإسلام وفك رهانك كما فككت رهان أخيك، فقيل يا رسول الله هذا لعلي خاصة أم للناس عامة؟ فقال: للناس عامة)) ..فدل على أن المضمون عنه برئ بالضمان.
стр. 20021
٣- وقد اعتادت البنوك أن تطلب من التجار أخذ الموافقة هاتفيا أو إلكترونيا إذ زاد مقدار الثمن في البيع الذي تستخدم فيه البطاقة عن مبلغ معين، فقالوا هذا يدل على أنها حوالة إذ يجري من خلال هذا الاتصال قبول الحوالة، وليس الأمر كذلك إذ لا يغير هذا الاتصال من الأمر شيئا. والواقع أن الاتصال ما هو إلا وسيلة للتأكد من أن حامل البطاقة لم تزدد ديونه عن الحد الأعلى المتفق عليه، وليس للبنك حق الرفض عند أخذ التاجر الموافقة مادام أن ديون حامل البطاقة هي دون ذلك الحد أي أن استخدام حاملها لها هو ضمن نطاق المبلغ المسموح به. وفي الحالات التي يمكن التأكد إلكترونيا من ذلك فلا حاجة حتى إلى الاتصال.
وعلى أية حال فالبنك ملتزم بالدفع عندما يجري استخدام البطاقة حيث لا يمكن الاتصال مثل أن تكون على ظهر السفينة أو على متن الطائرة.
٤- وتكشف طريقة استخدام الناس البطاقات، إدراكهم لهذا الجانب من عمل البطاقة إذ أنهم يستعملونها في كثير من الأحيان للاستفادة من جانب الضمان فيها، فتراهم عند استئجار السيارات أو السكن في الفنادق يقدمون البطاقة، فإذا تحدد المبلغ في نهاية الاستخدام دفعوا ما عليهم نقدا فكانت البطاقة كفالة ظاهرة وليست وسيلة دفع ولو كانت حوالة لتحول الحق إلى البنك. ولكنها لما كانت كفالة انشغلت ذمة الأصيل والكفيل بالدين وكان لأي منهما أن يسدده. ولعل هذا سبب اتجاه الناس إلى حمل عدد من البطاقات مع عدم استخدامهم لها في الشراء، إذ يكتفون بالاستفادة من جانب الضمان فيها فحسب، ولو كانت حوالة لم ينتفع بها حاملها إلا بعد المداينة.
стр. 20022
البطاقة المغطاة
واختلاف البطاقة المغطاة عن الوصف المذكور سابقا هو في اشتراط مصدر البطاقة على حاملها أن يودع لديه في حساب مصرفي مبلغا من النقود. فالغطاء معناه هذا المبلغ المودع لدى المصرف، ويتضمن اتفاق البنك مع عميله ألا يستخدم الأخير البطاقة في مشتريات تزيد عن ذلك المبلغ. لكن التزام البنك بالدفع للتجار مستقل عن هذا الترتيب ولا أثر له فيه. فإذا تلقى المصدر فواتير التجار اقتطع من ذلك المبلغ لتسديدها.
إلا أن ما يجب الانتباه إليه هو أن ضمان البنك في حالة هذه البطاقة المغطاة لا يقتصر على ذلك المبلغ المودع لديه بحيث يمتنع البنك عن الدفع إلى التجار لو تجاوز حامل البطاقة ذلك المبلغ بل يبقى حاملها مضمونا من قبل المصدر بمقدار استخدامه للبطاقة (وليس بمقدار ذلك المبلغ المودع في الحساب) . ذلك أن التزام المصدر تجاه التجار هو بضمان كل مبلغ يتعلق بذمة حاملها بصرف النظر عما إذا كانت مغطاة أم غير مغطاة، وليس بوسع التاجر أن يحتاط في تعامله مع حملة البطاقات بالتفريق بين المغطاة وغير المغطاة ولا حاجة له إلى ذلك، إذ لا سبيل إلى معرفة التاجر نوع البطاقة بمجرد النظر إليها بل إن اتفاقه مع البنك المصدر يقوم على أن كل بطاقة استوفت الشروط تحقق من خلالها ضمان البنك.
فإن قيل: كيف يمكن لحامل مثل هذه البطاقات أن يتجاوز حد المبلغ المتفق عليه مع البنك مع أن استخدام البطاقة يتطلب الموافقة الإلكترونية المسبقة. فالرد: أن هذه الموافقة ليست متطلبا للمشتريات ذات المبالغ القليلة، إذ أن البنوك إنما تشترط الحصول على الموافقة إذا زاد المبلغ عن مستوى معين (١٠٠ دولار مثلا) أما ما قل عن ذلك فهو مضمون بلا موافقة. ولذلك يعمد بعض حملة البطاقات عند تجاوزهم الحد الأعلى للبطاقة إلى الشراء من محلات كثيرة بمبالغ ضئيلة لا تحتاج إلى موافقة، ثم تتراكم فتزيد عن المبلغ المودع في الحساب في البطاقة المغطاة. ولكن البنك ملتزم بدفع كل المطالبات، لأنه قد ضمن حاملها تجاه التاجر. فدل هذا على أن الضمان هو عماد عمل البطاقات حتى المغطاة منها.
أما الصفات الأصلية التي أشرنا إليها آنفا فهي باقية في هذه البطاقة، إذ تبقى العلاقة التعاقدية بين أطرافها وهي ضمان المصدر لحاملها تجاه التجار بما يثبت في ذمته من دين وأن المصدر يؤدي أقل من مبلغ الدين ثم يرجع على المكفول بما كفل لا بما أدى.
стр. 20023
البطاقة غير المغطاة
ووصفها مطابق لما ذكرناه من صيغة أصلية للبطاقة (العناصر الأربعة) وتختلف عن البطاقة السابقة في أن المستفيد منها (أي حاملها) ليس مطلوبا منه أن يودع لدى المصدر (الكفيل) أي مبلغ من المال بل يكون ضمانا محضا، وتنقسم البطاقة غير المغطاة إلى قسمين:
١- البطاقة غير المغطاة مع (فترة سماح) :
وتختلف عن الصورة الأصلية (العناصر الأربعة) من ناحيتين:
الأولى: أن المصدر يعطي حاملها (أي أن الكفيل يعطي المكفول) بعد أن يكون قد سدد الدين إلى التاجر فترة سماح تترواح بين شهر إلى (٤٠) يوما تبدأ من تاريخ المطالبة (وأحيانا من تاريخ ثبوت الدين في ذمة حامل البطاقة وهو تاريخ عملية الشراء بالبطاقة) . وهو يقدم له فترة السماح المذكورة دون مقابل فلا تحسب عليه الفوائد، فإذا لم يدفع ما عليه خلال هذه المدة، ألغيت عضويته وسحبت منه البطاقة.
والثانية: أن هذه البطاقات لا تصدر إلا برسوم إصدار فاختلفت عن النموذج الأساس الذي افترض فيه عدم وجود هذه الرسوم، وسيأتي الحديث فيما بعد عن رسوم الإصدار. ولا يمثل هذا النوع من البطاقات أكثر من (٢٠ %) من مجمل بطاقات الائتمان في العالم. ولعل سبب ذلك يعود إلى أنها لا تصلح إلا لفئات الأثرياء وذوي الغنى، إذ أن مقصود حاملها هو بصفة أساسية الضمان (كفالة البنك له) ، وتسهيل الإجراءات في البيوع والخلوص من حمل النقود، ولذلك تسمى هذه البطاقات أحيانا (Convenience Card) أي بطاقة الراحة، ولأنها لا تولد الفوائد الربوية لمصدرها، يعتمد المصدرون لهذا النوع من البطاقات في دخولهم على رسوم الإصدار وعلى نسبة من التجار.
شرط الفائدة في هذا النوع من البطاقات:
ليست الفوائد جزءا من عمل هذا النوع من البطاقات، ولا تعد مصدر دخل لمصدرها. بيد أن علينا أن ندرك أن حامل البطاقة إذا لم يسدد المبالغ الثابتة عليه في الأجل المحدود، وترتب على ذلك إلغاء عضويته كما سبق ذكره، فإن المصدر سوف يلاحقه قضائيا لدفع تلك المبالغ. عندئذ ستفرض عليه الفوائد التأخيرية إذا كان النظام العام في البلد الذي صدرت فيه البطاقة يسمح بمثل ذلك ولكن مثل هذه الفوائد هي في واقع الأمر خارج نطاق العلاقة الأصلية بين مصدر البطاقة وحاملها إذ أنها عندما تفرض تكون العلاقة بينهما قد تبدلت.
стр. 20024
٢- البطاقة غير المغطاة مع تقسيط الدين:
وتختلف البطاقة المغطاة مع تقسيط الدين عن الصورة الأصلية (العناصر الأربعة) في أن حاملها لا يطلب منه أن يسدد لمصدرها ما عليه من دين دفعة واحدة بل له أن يسدده مقسطا بحسب طاقته، فلسان حال مصدرها يقول لحاملها عند المطالبة: إن شئت سدد ما عليك خلال فترة كذا (أسبوعان..إلخ) ، وإن شئت زدت لك في الأجل وتزيد لي في الدين بنسبة فائدة متفق عليها تحسب على أساس يومي للمبالغ التي لم تسدد. ويستمر حساب الفوائد حتى يجري تسديد المبلغ كاملا، فإن سدد ما عليه دفعة واحدة عند أول مطالبة لم تفرض عليه الفوائد، وإن قسط الدين حسبت عليه الفوائد بمقدار المبلغ والأجل.
وأكثر بطاقات الائتمان على هذه الشاكلة، بل أنه إذا قيل (بطاقة الائتمان) لم ينصرف الذهن إلا إلى هذا النوع من البطاقات.
ويقتصر أكثر البنوك على إصدار هذا النوع من البطاقات، وتمثل إيرادات الفوائد من هذه البطاقات المورد الأول للدخل للمصدرين، وكثيرا ما يصدر هذا النوع من البطاقات بلا رسوم ويعفى حملتها من بدل العضوية فيكتفي المصدر (بالإضافة إلى ما يحصل عليه من التجار) ما يحصل عليه من الفوائد، وبخاصة أن الفوائد على بطاقات الائتمان عالية جدا (مقارنة بالفوائد على القروض) .
لا ريب أن مثل هذه البطاقة لا يجوز إصدارها ولا يجوز التعامل بها لما تتضمنه من الربا الصريح في صيغة (أتقضي أم ترابي) وذلك ربا الجاهلية المقطوع بحرمته.
стр. 20025
الرسوم في البطاقات
تصدر أكثر البنوك بطاقات الائتمان مقابل رسوم، في حين أن جزءا لا يستهان به من هذه البنوك يصدر مجانا (بلا رسوم) .
ولا تختلف الرسوم بحسب نوع البطاقة أنها مغطاة أو غير مغطاة ... إلخ (وهذه نقطة هامة) بل تختلف الرسوم باختلاف البنوك والأسواق ومستوى المنافسة بين المصدرين لها، فتتنوع وتتعدد، وربما فرض المصدر واحدا أو أكثر من هذه الرسوم (مجتمعة أو متفرقة) . ويمكن القول إجمالا إن هذه الرسوم هي كما يلي:
١- الرسوم التي يدفعها حملة البطاقات:
أ - رسم الاشتراك: وهو مبلغ مقطوع يفرض مرة واحدة عند إصدار البطاقة.
ب - رسم التجديد: يفرضه المصدر على حامل البطاقة مقابل استمرار سريان مفعولها، مرة في كل سنة، وهو مبلغ مقطوع أيضا.
جـ- رسم يفرض على كل معاملة: لما كان كثير من الناس يحب أن يحمل بطاقات متعددة مع أنه لا يستخدم أكثرها إلا نادرا لا يمنعه من ذلك إلا الرسوم، ورغبة من البنوك في تشجيع الأفراد على ذلك فقد اتجه بعضها إلى جعلها مجانية (أو برسوم متدنية) من حيث رسوم الإصدار والتجديد، وفرض عليها رسوما مرتبطة بالاستخدام بحيث إنه لو حملها بدون أن يستعملها لم يدفع رسوما (أو دفع رسوما قليلة) ، وتكون على صفة مبلغ مقطوع (دولار مثلا) على كل مرة تستخدم فيها البطاقة بصرف النظر عن المبالغ التي ترتبت على الاستخدام.
هل يمكن اعتبار شرط الفائدة في البطاقة غير المغطاة من الشروط الباطلة التي تسقط ويصح العقد:
سبق الإشارة إلى أن بطاقة الائتمان غير المغطاة بصيغتها الأصلية المكونة من العناصر الأربعة المشار إليها في (ص٥٣٣) لا بأس بها من ناحية المشروعية، أما البطاقة المغطاة مع تقسيط الدين ففيها اشتراط الفائدة على المبالغ التي تترتب في ذمة حامل البطاقة في حال رغبته في زيادة الأجل وذلك من ربا الجاهلية المقطوع بحرمته. وقد اتجه بعض الأفاضل إلى القول بجواز التعامل بهذه البطاقة مع وجود الشرط إذا قرر الحامل عدم العمل بالفوائد لأن مثل هذا الشرط من الشروط التي تسقط ويبقى العقد صحيحا، فإذا قرر حامل البطاقة ألا يقع تحت طائلة دفع الفوائد وذلك بتسديد ما عليه في الأجل المتاح دون زيادة يمكننا اعتبار ذلك إسقاطا للشرط قياسا على مسألة بريرة المشهورة. والذي نراه أن مثل هذا لا يصلح من الناحية الشرعية ولا يفيد من الناحية العملية للأسباب التالية: