← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 20196–20235 · переход к 20201.

стр. 20196

باب التراضي مفتوح: كل ما قلناه: إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين، أما عند سداد الدين أو الوفاء بالثمن أو المهر أو نحو ذلك؛ تراضيا بالمعروف على الزيادة أو النقصان، فإن أحدًا من الفقهاء لم يمنع ذلك، بل هذا ما دعا إليه الإسلام، وكان رسول الله ﷺ القدوة في ذلك، فقد روى البخاري، ومسلم، وغيرهما بسندهم: أن رجلًا أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرًا، فقال: ((أعطوه)) ، فقالوا: لا نجد إلا سِنًا أفضل من سِنه، فقال: ((أعطوه، فإن خياركم أحسنكم قضاء)) (١) . فعلى هذا إذا حلّ الأجلُ وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده الآن لا يساوي شيئًا بالنسبة لقيمة المبلغ الذي أخذه وقدرته الشرائية، فطيّبَ خاطرَ الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار، أو بسلعة أخرى؛ فقد فعلَ الحسنَ، وطبق السنة، بل إننى أعتقد أنه لا تبرأ ذمته في حالات التغير الفاحش لقيمة العملة محل العقد، إلا بإرضاء صاحب الحق؛ لأن مبنى الأموال وانتقالها في الإسلام على التراضي، وطيب النفس بنص القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٢) . فكيف تطيب نفسه عندما يقع الظلم عليه، ويرجع إليه ماله وقد اقتطع منه أجزاء، وأفرغ من كثير من محتواه؟ صحيحٌ أن مبنى القرض على التطور والتبرع، ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أمهله دون مقابل محتسبًا أجره عند الله تعالى، أما أن ينقص ماليته فلا، ولذلك نرى الفقهاء يجيزون ردّ العين المستقرضة إلى المقرض ما دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته، أما إذا تعييبت فلا يصح ردها (٣) ، فكذلك الأمر هنا. وقد ذكر الإمام ابن السبكي جوازَ أخذ القيمة في المثلي، إذا رضي الطرفان، فقال: " لو تراضيا على أخذ قيمة المثلي مع وجوده، وجهان أصحهما عند الوالد ﵀: الجوازُ " ثم ذكر أنه يعلل الجواز بأنه اعتياض عما يثبت في الذمة من المثلي" (٤) . فلا شك في أن مسألة التراضي تحل كثيرًا من مشاكل مجتمع قائم على العدل والإحسان والإيثار، مثل المجتمع الإسلامي الذي يقوم على معيار دقيق، وهو: " أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، وتكره لأخيك ما تكره لنفسك" (٥) . فهل يرضى الإنسان أن يعود إليه دَينه، أو يعطي لها مهرها، وقد أصبح لا قيمة له بعد أن كان ذا قيمة جيدة، فهل يرضى أحد أن يعود إليه ليراته اللبنانية أو السورية أو التركية الآن، مع أنها حينما خرجت من يديه كانت لها قيمة وقدرة شرائية ممتازة؟ هذا السؤال موجه إلى كل مؤمن، وذلك لأن الإسلام لا يعتني بالجانب الظاهري القانوني فقط، بل يعتني أيضًا بالجانب السلوكي، ولذلك فالعذاب فيه ليس دنيويًا فقط، بل هو في الدنيا والآخرة، والأحكام لا تقتصر على الصحة والبطلان الظاهرين، بل هناك الحِل والحرمة. والذي يراقب الله تعالى يخاف من عذاب الله في الآخرة أكثر من العذاب الدنيوي.

стр. 20197

اعتراضات ودفعها: الاعتراض الأول: إن هذا القول يؤدي إلى زيادة في بعض الأموال، وهي ربا، وهو حرام بنص القرآن، مثل أن يقرض شخص قبل عشر سنوات عشرة آلاف ليرة، فلو قدّرنا القيمة يكون يساوي مائة ألف ليرة، وهذا عين الربا. الجواب عن ذلك: أن ذلك ليس زيادة ولا ربا؛ لما يأتي: أولًا: إن الربا هو الزيادة دون مقابل، والزيادات الموجودة هنا ليست في الواقع إلا زيادة من حيث الشكل والعدد، وهذا ليس له أثر، فالزيادة التي وقعت عند التقويم وهي ليست زيادة، وإنما المبلغ المذكور أخيرًا هو قيمة المبلغ السابق، وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة. ثانيًا: إن الربا هو الزيادة المشروطة، وهنا لم يشترط الدائن مثلًا أية زيادة، وإنما اشترط قيمة ماله الذي دفعه، ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه مثلًا، وأصبحت قوته الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض. ثالثًا: إنه يمكن أن يشترط أن يكون الرد بغير العملة التي بها العقد في حالة الزيادة، وهذا هو الراجح عندي , فمثلًا لو كان محل العقد ليرة لبنانية، فليكن الرد عند الزيادة، أو النقص بالريال، أو بالدولار، أو بالجنيه وهكذا، فاستيفاء الدراهم بدلًا من الدنانير، وبالعكس أمر معترف به عند جمهور الفقهاء – ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة – واستدلوا على جوازه بأدلة، منها حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: ((كنت أبيع الإبل بالنقيع، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (١) ، قال الخطابي: " ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيره السعر، ولم يبالوا ذلك بأغلى أو أرخص من سعر اليوم. . " (٢) ، قال الحافظ السندي: " والتقيد بسعر اليوم على طريق الاستحباب " (٣) ، وقد روى النسائي عن بعض التابعين أنهم لا يرون بأسًا في قبض الدراهم مكان الدنانير، وبالعكس، في جميع العقود الآجلة بما فيها القرض (٤) . قال ابن قدامة معلقًا على حديث ابن عمر: " ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فقيد بالمثل كما لو قضاه من الجنس، والتماثل ههنا من حيث القيمة؛ لتعذر التماثل من حيث الصورة " (٥) . ثم إن هذه المسألة ليست بدعًا في الأمر، ولا هي من المسائل التي لا نجد فيها نصًا لفقهائنا السابقين في أشباهها، بل نجد لها مثيلات كثيرة في فقهنا الإسلامي نذكر بعضها هنا: يقول الإمام الرافعي: " وإذا أتلف حليًا وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا وجهين فيما يلزمه: أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها، سواء كان ذلك نقد البلد أو لم يكن؛ لأنه لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا. وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن كان من جنسه " (٦) .

стр. 20198

ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات – كما سبق – ونجد كذلك في باب العقود عند مالك، حيث أجاز أن يعطي الإنسان مثقالًا وزيادة في مقابل دينار مضروب، وكذلك أجاز بدل الدينار الناقص بالوزن أو الدينارين، وروي مثل ذلك عن معاوية ﵁. يقول ابن رشد: "وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلًا؛ لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا معاوية، فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ، لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما وري عن مالك أنه سُئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب، ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك، فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه" (١) . والمقصود بهذا النص أن الزيادة مادام لها مقابل لا تعتبر ربا؛ لأن الربا هو: " الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي عن عوضٍ شُرِطَ فيه " (٢) .

стр. 20199

الاعتراض الثاني: إن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد، وبالتالي ترتب عليه مشاكل لا عدَّ لها ولا حصر. الجواب عن ذلك: إننا لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى تحطيم النقود، وإنما يؤدي إلى أن يكون دورها محصورًا بحيث لا تؤدي جميع وظائفها الأربع المعروفة وهذا لا يضر، حيث اعترف كثير من الاقتصاديين بأن نقودنا لا تؤدي هذه الوظائف جميعها، أولا تؤديها على شكل مقبول، كما أنهم الآن وسعوا مفهوم النقود، ليشمل أنواعًا كثيرة لا يؤدي بعضها إلا وظيفة واحدة – كما سبق – مع أن ذلك لا يتعارض مع نقديتها، وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن، ومع ذلك لم يثبتوا لها جميع الأحكام الخاصة بالذهب أو الفضة. ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة، ولكننا ما دمنا نعترف بالنقود الورقية بأنها نقود – وإن كانت لا تؤدي جميع الوظائف – تربط إما بمعيار الذهب أو معيار السلعة، فإنه في الحقيقة لا تحدث أية مشكلة تذكر، بل هي تحقق العدالة، بالإضافة إلى أننا لا نلجأ إلى عملية التقويم دائمًا، فلا نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة، وكذلك لا نلجأ إلى التقويم في العقود التي يكون فيها الثمن مؤجلًا، إلا في حالة الغبن الفاحش أو انهيار قيمة النقد، كما سبق.

стр. 20200

الاعتراض الثالث: لماذا لا نعتد بالرخص والغلاء في الذهب والفضة، والحنطة والشعير ونحوهما، في الوقت الذي نعتد بهما في النقود الورقية؟ الجواب عن ذلك: أن هذه القضية تتعلق بالمثلي والقيمي، حيث لا ينظر في المثلي إلى القيمة،أما القيمي فيلاحظ فيه القيمة - كما سبق – ونحن قلنا: إن النقود الورقية لا يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ولا إلغاء نقديتها، وإنما الحل الوسط هو ما ذكرناه. ومن هنا فهي وإن كانت مثلية – كقاعدة عامة – لكنها عند وجود الفرق الشاسع يلاحظ فيها القيمة، كالماء الذي أخذه الإنسان في الصحراء، فلا يرجع له الماء، وإنما عليه قيمته في ذلك المكان. وهذا الحل ليس خاصًّا بردِّ القرض، بل هو عام في جميع الحقوق التي تؤدى بالعملات الورقية، فنرى ضرورة ملاحظة القيمة في الإجارات والرواتب والأجور ونحوها، وهذا ما تلاحظه الدور المتقدمة عندما يكون التخضم كبيرًا، فليس من العدالة أنك لو استأجرت بيتًا بألف ليرة لبنانية – أو نحوها – عام سبعين أن تدفع نفس المبلغ اليوم، فألف في (١٩٧٠م) كان يساوي (٥٠٠) دولار تقريبًا، وألف اليوم يساوي دولارين فقط، وكذلك الرواتب والأجور والله أعلم.

стр. 20201

وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي، وأدى إليه اجتهادي المتواضع، فإن كنت قد أصبت فمن الله، وإلا فعذري أنني بذلت كل ما في وسعي، ولم أرد به إلا وجه الله تعالى. ومع ذلك فما أقوله عرضٌ لوجهة نظري، أرجو أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل، للوصول إلى حل جذري أمام هذه المشكلة. وكلمة أخيرة أكررها هي أنه ليس هناك محيص للخروج من هذه الأزمات الجادة إلا بالرجوع إلى النقدين الذاتيين، أو على الأقل ربط نقودنا الورقية بالغطاء الذهبي، وهذا ما يدعو إليه كثير من الاقتصاديين، بل بعض المؤتمرات – كما سبق – فلا شك في أن ربط النقد الورقي بالذهب إنما هو إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه، فإلى أن نعود إلى هذا النظام فلابد من أن نلاحظ القيمة في نقودنا عندما تقتضيه الضرورة والحاجة، حتى تتحقق العدالة (دون وكس ولا شطط) . والله الموفق وهو من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 20202

الصلح الواجب لحل قضية التضخم إعداد أ. د. علي محيي الدين القره داغي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن النقود الورقية بما أنها لا تزال هي الوسيط للتبادل، والمقياس للقيم، والمعيار للمدفوعات الآجلة من الديون والالتزامات؛ فإن حقوق الناس تهتز كثيرًا بتذبذبها واضطرابها وعدم استقرارها، ومن هنا يمثل تضخمها أو انكماشها مشاكل كبيرة في المعاملات التعاقدية والاقتصادية، ويتضرر بسببه الكثيرون، بل قد تتحول جميع أموال الإنسان النقدية إلى لا شيء بسبب أي هزة تصيب النقود الورقية. ولذلك أولى مجمع الفقه الموقر عناية فائقة بهذا الموضوع منذ دورته الخامسة إلى اليوم يبحثه، من خلال بحثه في دورات المجمع، أو في حلقات النقاش أو الندوات العلمية، حيث وصل المجمع في دورته الخامسة إلى بناء أصل ثابت يتمثل في اعتبار النقود الورقية، مثل الذهب والفضة في الأحكام المذكورة لهما. ولكن المجمع في دورته التاسعة ذكر عددًا من الاتجاهات بشأن معالجة حالات التضخم الجامح، وكيفية الربط، ونص في فقرة (د) على " أن يؤخذ في مثل هذه الحالات بمبدأ الصلح الواجب بعد تقرير أضرار الطرفين ". وها نحن نقدم هذا البحث المتواضع بناء على طلب الأمانة العامة للمجمع، لمناقشته في حلقة النقاش الثالثة للتضخم، راجيًا أن يحقق غرضه المنشود منه. كتبه الفقير إلى ربه أ. د. علي محيي الدين القره داغي

стр. 20203

الصلح الواجب لحل قضية التضخم الصلح لغة واصطلاحًا: الصلح لغة: اسم بمعنى إنهاء الخصومة وإنهاء حالة الحرب، وبمعنى المصالحة والتصالح. والفعل المجرد صلح – بفتح اللام وضمها – يصلح صلاحًا وصلوحًا؛ أي زال عنه الفساد، يقال: صلح الشيء أي نفع. ويقال: أصلح في عمله أو أمره؛ أي أتى بما هو صالح نافع، وأصلح الشيء: أي أزال فساده، وأصلح بينهما أي أزال ما بينهما من عداوة وشقاق، وصالحه مصالحة وصلاحًا أي سالمه وصافاه، وله استعمالات أخرى (١) . وفي الاصطلاح عرفه الحنفية بأنه عقد يرفع النزاع (٢) . وعرفه المالكية بعدة تعريفات، منها تعريف ابن عرفة حيث قال: " الصلح انتقال عن حق، أو دعوى بعوض لرفع نزاع، أو خوف وقوعه (٣) ، وعرفه الشافعية بأنه: عقد تنقطع به خصومة المتخاصمين. ولكن الإمام الرافعي علق على هذا التعريف بقوله: " وليس هذا على سبيل الحد، بل أرادوا ضربًا من التعريف، إشارة إلى أن هذه اللفظة تستعمل عند سبق المخاصمة غالبًا، ثم أدخل الشافعي والأصحاب ﵏ في الباب التزاحم المشترك، كالشوارع ونحوها" (٤) . وعرفه ابن قدامة بأنه: " معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين " (٥) . وهذه التعاريف وإن كانت متقاربة من حيث الأصل، ولكنها تدل على بعض الاختلافات، منها أن الصلح عند الحنفية عقد وضع لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتراضي، في حين أن المالكية أطلقوه على الصلح لتوقي منازعة غير قائمة بالفعل؛ خوف وقوعها.

стр. 20204

ورود الصلح في الكتاب والسنة: ورد لفظ الصلح مرة واحدة، و (صلحًا) مرة أخرى في القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] ، كما ورد لفظ (أصلح) ثمان وعشرين مرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] . كما ورد لفظ (الصلح) ومشتقاته في السنة كثيرًا، حيث استوعب ما ورد فيها معظم أنواع الصلح وأحكامه، وقد عقد البخاري كتابًا مستقلًا له يتضمن أربعة عشر بابًا أورد فيه واحدًا وثلاثين حديثًا مرفوعًا منها اثنا عشر حديثًا معلقًا، وثلاثة آثار عن الصحابة ومن بعدهم (١) ترجم باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، وخصص بابا آخر: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، وهكذا.

стр. 20205

حكم الصلح: يدل الكتاب والسنة والإجماع على مشروعية الصلح، بل على استحبابه وكونه مطلوبًا، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] . قال ابن رشد: " وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين " (١) . وأما السنة فالأحاديث فيها أكثر من أن تذكر، فقد عقد الإمام البخاري كتابًا مستقلًا للصلح وخصص غيره أبوابًا له، منها قول النبي ﷺ : ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) (٢) . وأجمع الفقهاء على مشروعية الصلح. قال ابن قدامة: "وأجمعت الأئمة على جواز الصلح " (٣) . والصلح نوعان: صلح عادل فهذا جائز بل مندوب إليه ومطلوب، وصلح جائر وهو محرم مردود، فقد أمر الله تعالى أن يكون الصلح بالعدل فقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] .

стр. 20206

ورود الأحكام الخمسة على الصلح: والتحقيق أن الصلح يرد عليه الأحكام الخمسة من الوجوب، والندب، والكراهة والحرمة والإباحة، قال العلامة ابن عرفة: "وهو - أي الصلح- من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يتعين وجوبه عند تعيين مصلحة، وحرمته وكراهته، لا تلزمه مفسدة واجبة الدرء، أو راجحته" (١) ، قال الخطابي: "وقد نقل بعض عن بعض قضاة طرابلس جبر الخصوم والتزامهم بالصلح" (٢) . وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يفضل رد الخصوم إلى الصلح ويأمر ولاته بذلك، فقال: "ردوا الخصوم يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بني الناس" (٣) . فتبين من قول ابن عرفة أن الصلح قد يصبح واجبًا إذا تعينت المصلحة لذلك، كما يفهم من قول عمر ﵁ أولوية الصلح، وأن اللجوء إلى القضاء يأتي بعد اليأس من التصالح، بل إن القاضي يندب له أن يرد الخصوم إلى الصلح، فإن لم يصطلحوا يفصل بينهم؛ وذلك لأن فصل القضاء قد يؤدي إلى اللجوء إلى وسائل غير مشروعة وشهادات زور وغير ذلك عندما تأخذ الخصم العزة بالإثم، إضافة إلى أنه يؤدي إلى الأحقاد والضغائن، في حين أن التصالح يؤدي إلى التآلف والتراضي. ويأتي عند حديثنا عن موضوع البحث مذهب الحنفية، ولاسيما المتأخرون حول الصلح الواجب، وبذلك يتبين لنا أن الصلح الواجب من حيث المبدأ قال به جماعة من الفقهاء، وتدل عليه الأدلة المعتبرة وسنة الخلفاء الراشدين ما دامت المصلحة يتعين تحقيقها بالصلح.

стр. 20207

طبيعة عقد الصلح بين الاستقلال والاتباع: ثار الخلاف بني الفقهاء حول طبيعة عقد الصلح، هل هو عقد مستقل بذاته في شروطه وأحكامه؟ أم أنه عقد تابع لأحد العقود الموجودة في الفقه الإسلامي حسب طبيعة محل الصلح المعقود عليه؟ فذهب جماعة من الفقهاء منهم الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه تابع في الأحكام والشروط للعقود القريبة حسب نوعية الصلح. قال الزيلعي الحنفي: "وهذا، لأن الأصل في الصلح أن يحمل على أشبه العقود به فتجري عليه أحكامه؛ لأن العبرة للمعاني دون الصورة" (١) . وقال الخليل: "الصلح على غير المدعي بيع أو إجارة، وعلى بعضه هبة، وجاز عن دين بما يباع به، وعن ذهب بورق وعكسه إن حلّا وعجل، كمائه دينار ودرهم عن مائتيهما، وعلى الافتداء من يمين أو السكوت أو الإنكار إن جاز على دعوى كل، وعلى ظاهر الحكم.. " (٢) . وذكر الشافعية والحنابلة قريبًا مما سبق (٣) لكنهم أقل صراحة مما سبق. فهذا النص وغيره ظاهر الوضوح في الدلالة على أن الصلح ليس عقدًا مستقلًا من حيث الأحكام والشروط، وإنما هو تابع لأحد العقود فهو قد يأخذ حكم البيع إذا كان صلح المعاوضة، بأن ادعى عليه دارًا فأقر بها، وصالحه منها على سيارة مثلًا، فهذا الصنف حكمه حكم البيع وإن عقد بلفظ الصلح، ويتعلق به جميع أحكام البيع كالرد بالعيب، والشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، واشتراط القبض في المجلس إن كان المصالح عليه والمصالح عنه متفقين في علة الربا، واشتراط التساوي في معيار الشرع إن كان جنسًا ربويًا. وقد يأخذ حكم الإجارة إذا تم التصالح من الدار مثلًا على منفعة دار أخرى (٤) . وقد يأخذ حكم الهبة وذلك في صلح الحطيطة وهو الجاري على بعض العين المدعاة، كمن صالح من الدار المدعاة على نصفها، أو ثلثها، فيشترط لصحته القبول ومضي مدة إمكان القبض، ويصح بلفظ وما هو في معناها، وفي صحته بلفظ الصلح خلاف الأصح (٥) وهكذا.

стр. 20208

والذي يظهر لنا رجحانه: أن الصلح عقد مستقبل بذاته له أحكامه الخاصة وشروطه، وأنه لا يضير استقلاله تطبيق بعض أحكام البيع، أو الإجارة، أو الهبة عليه؛ وذلك لأن الفقهاء القائلين بتبعية الصلح لبعض العقود اعترفوا بأن الصلح يخالف تلك العقود في بعض الأحكام، وأن بينهما فروقًا كثيرة تكفي للحكم على الصلح بالاستقلال، فقد قال الرافعي، والنووي – بعدما ذكرا أن صلح المعاوضة بيع -: " الصلح يخالف البيع في صور: إحداها: إذا صالح صلح الحطيطة بلفظ الصلح فإنه يصح على الأصح، ولو كان بلفظ البيع لم يصح قطعًا. الثانية: لو قال من غير سبق خصومة: بعني دارك بكذا فباع، صح، ولو قال والحالة هذه: صالحني عن دارك هذه بألف، لم يصح على الأصح؛ لأن لفظ الصلح لا يطلق إلا إذا سبقت خصومة. الثالثة: لو صالح عن القصاص صح، ولا مدخل للفظ البيع فيه. الرابعة: قال صاحب التلخيص: ولو صالحنا أهل الحرب من أموالهم على شيء نأخذه منهم جاز، ولا يقوم مقامه البيع. الخامسة: قال صاحب التلخيص: ولو صالح من أرش الموضحة على شيء معلوم جاز إذا عُلِم قدر أرشها ولو باع لم يجز، وخالفه الجمهور في افتراق اللفظين" (١) .

стр. 20209

ومن جانب آخر فإن دائرة الصلح واسعة جدًا تسع العين والدين، كما أنها تسع حالات الإقرار والإنكار، فالصلح عن الإنكار أجازه جمهور الفقهاء (١) ومع ذلك لا يمكن أن يكيف على أساس البيع ولا الإجارة، وإنما هو صلح لأجل قطع الخصومة (٢) ، كما أن الصلح عن المجهول جائز عند جماعة من الفقهاء، قال ابن قدامة: " ويصح الصلح عن المجهول سواء كان عينًا أو دينًا إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته " (٣) ، بل أجاز بعض الفقهاء منهم أبو الخطاب، وابن عقيل من الحنابلة التصالحَ بدفع العوض للكف عن الدعوى (٤) . فدائرة الصلح أوسع بكثير من دائرة البيع، فالصلح جائز عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أولا يجوز، عن دم العمد وسكنى الدار وعيب المبيع وغير ذلك (٥) . وحتى مسألة الدين أجاز الحنفية وأحمد - في رواية - الصلحَ عن المائة الثابتة في الذمة بالإتلاف بمائة مؤجلة، في حين أن هذه الصورة غير جائزة في بيع الدَّين بالدين (٦) إضافة إلى أن باب الصلح يسعى للتصالح في التزاحم على الحقوق ونحوها. كل ذلك وغيره يدل على أن الصلح عقد مستقل لا يندرج تحت أي عقد من العقود بصورة كاملة، وإنما له أحكامه الخاصة، ولا يسع المجال لمزيد من التفصيل.

стр. 20210

الصلح الواجب في السنة: تدل بعض الأحاديث الشريفة على الصلح الواجب أو المطلوب الذي يتم به قطع المنازعة، وتحقيق المصالحة، فقد ترجم البخاري باب الصلح بالدين والعين، ثم أورد حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج رسول الله إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: ((يا كعب)) . فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار بيده أن ضع الشطر: فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : ((قم فاقضه)) . (١) قال ابن بطال: "اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه شيئًا قبل أن يقبضه مكانه، وإن صالحه بعد حلول الأجل عن الدراهم بدنانير أو عن دنانير بدراهم؛ جاز، واشترط القبض" (٢) . وترجم كذلك البخاري باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك، وقال ابن عباس: لا بأس أن يتخارج الشريكان، فيأخذ هذا دينًا وهذا عينًا، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه (٣) . وروى البخاري بسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: وسمعت عائشة ﵂ تقول: سمع رسول الله صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: ((أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟)) . فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب (٤) ، قال الحافظ ابن حجر: أي من الوضع أو الرفق، وفي رواية ابن حبان: فقال: إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال. فوضع ما نقصوا. وهو يشعر بأن المراد بالوضع الحط من رأس المال، وبالرفق الاقتصار عليه وترك الزيادة، ثم قال الحافظ: " وفيه سرعة فهم الصحابة لمراد الشارع، وطواعيتهم لما يشير به، وحرصهم على فعل الخير، وفيه جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدين. . " (٥) .

стр. 20211

يفهم من هذه الأحاديث أنه قد يصبح الصلح واجبًا إذا كان هو السبيل لقطع المخاصمة والنزاع، فيفهم من حديث كعب السابق وجوب القبول بالصلح عندما تقتضيه الدواعي، حيث أشار الرسول ﷺ بيده أن ضع الشطر، وفهم كعب ذلك ففعل، ولم يكتف الرسول ﷺ بذلك، بل قال: ((قم فاقضه)) . وكذلك حديث عمرة فقد أمر الرسول ﷺ بوضع الشطر صلحًا وليس قضاء؛ لأن القضاء له ميزانه الخاص، والأمر حقيقة في الوجوب، وحينئذ يكون الصلح واجبًا عندما يكون هناك نزاع، ويمكن أن يؤدي إلى الإضرار بأحد الطرفين أو بكليهما، ولكنه يرد على هذا السؤال وهو: هل وجوب الصلح كان بسبب أمر الرسول ﷺ الخاص؟ أم أن ذلك وارد على كل حالة تتوافر فيها الدواعي التي كانت موجودة في حالة كعب وغيره؟ والذي يظهر لنا رجحانه هو الثاني؛ لأن الأصل في أوامر الرسول ﷺ التشريع وليس الخصوصية.

стр. 20212

ولكن يرد سؤال آخر: هل وجوب الصلح في مثل هذه القضايا النزاعية يستفاد من أمر الرسول ﷺ ، أو من ينوب عنه في الولاية السياسية (وهو ولي الأمر) ، أو أن هذا الأمر عام، أي سنة عامة، وبعبارة أخرى هل قال الرسول ﷺ بحكم كونه إمامًا فيكون خاصًا بمن هو إمام، أو مبلغ فيكون عامًا؟ فعلى ضوء التفسير الأول أي أن الصلح لا يجب إلا إذا صدر أمر من ولي الأمر بذلك؟ وعلى الثاني لا يجب ذلك. وقد أشار البخاري إلى الأول حيث ترجم باب: هل يشير الإمام بالصلح؟ ثم أورد حديث عمرة بنت عبد الرحمن، وحديث كعب الذي أورده بلفظ: فمر بهما (أي بكعب وخصمه الذي طالبه بماله) فقال: ((يا كعب)) – فأشار بيده كأنه يقول: النصف – فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفًا (١) . قال ابن بطال: "وهذا الحديث أصل لقول الناس: خير الصلح على الشطر " (٢) .

стр. 20213

وفي رأيي أنه حتى لو قلنا بأن وجوب الصلح قد أتى بسبب أمر الرسول ﷺ ، فإن ذلك لا يدل على أنه لو صدر أمر من ولي الأمر في حالة التضخم بوجوب الصلح فإنه حينئذ يجب التصالح بين الدائن والمدين، وحل مشكلتهما بالتصالح والتراضي، وإلا فيشدد الحاكم في الأمر، ويحكم على الطرف الممتنع بالحكم البيّن، مثلما حدث من النزاع بين الزبير ورجل من الأنصار، فقال الرسول ﷺ : ((اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك)) . فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: ((اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر..)) ولذلك ترجم البخاري باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين (١) . ولكن الذي يظهر لي رجحانه أن هذا الأمر عام لا يحتاج إلى أمر الإمام وإشارته، وإنما هو خاص بالحالات التي لا يكون أحد الطرفين سببًا في المشكلة، بل تحدث بسبب آخر، مثلما يحدث في التضخم، حيث لا يعود السبب إلى أحد العاقدين، وإنما إلى أمور خارجة عن إرادتيهما، وحينئذ يجب التصالح بإزالة المظالم، والمشاركة في تحمل آثار التضخم. وعلى ضوء ذلك فإذا لم يتم الاتفاق بين الطرفين فإن أمامهما اللجوء إلى المحاكم التي لابد أن تحكم على ضوء تحمل الطرفين آثار التضخم حسبما يحقق العدالة، أو إلى التحكيم، وهذا ما أراه الراجح في هذا المقام. والله أعلم.

стр. 20214

وجوب توزيع الضرر على المتعاقدين (بالفتوى أو بالصلح الواجب) ذهب ابن عابدين (الفقيه الحنفي المعروف) وشيخه العلامة سعيد الحلبي إلى أن الضرر الناتج من تغير قيمة النقود (في غير الذهب والفضة) لابد أن يتحمله الطرفان: البائع والمشتري، والدائن والمدين، فقد أوضح ابن عابدين أن النقود التي سادت عصره كالريال الإفرنجي ونحوه، كثر صدور الأمر السلطاني بتغيير بعضها بالنقص، فكان الفتوى في وقته (١٢٣٠هـ) استقرت على أنه ما إن يدفع النوع الذي وقع عليه العقد إذا كان النقد قد عُيّن، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال إفرنجي أو مائة ذهب عتيق، وأما إذا لم يعيّن المتبايعان نوعًا من هذه النقود السائدة، فإنه يدفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد على أن يعطى الخيار للدافع (أي المشتري مثلًا) . ولكن هذا الرأي لم يرتضه ابن عابدين؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بالطرف الآخر (البائع) ، حيث يختار المشتري ما هو أكثر رخصًا وأضر للبائع فيدفعه له، بل تارة يدفع له ما هو أقل رخصًا على حساب ما هو أكثر رخصًا، فقد ينقص نوع من النقود قرشًا ونوع آخر قرشين، فلا يدفع إلا ما نقص قرشين، وإذا دفع ما نقص قرشًا للبائع يحسب عليه قرشًا آخر، نظرًا إلى نقص النوع الآخر، وهذا مما لا شك في عدم جوازه. وقد كنت تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل زمانه وأنفقهم وأورعهم، فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا، لما علمت من الضرر، وأنه يفتي بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقي التصرف يصح اصطلاحهما بحيث لا يكون الضرر على شخص واحد، فإنه وإن كان الخيار للمشتري في دفع ما شاء وقت العقد، وإن امتنع البائع، لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت الأنواع، فإذا امتنع البائع عما أراده المشتري يظهر تعنته، أما في هذه الصورة فلأنه ظهر أنه يتمنع عن قصد إضراراه، ولاسيما إذا كان المال مال أيتام أو وقف، فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار الأنفع له، فالصلح حينئذ أحوط خصوصًا والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها، فإن المنصوص عليه إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش كما علمته مما قدمناه، فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصًا لا الأقل ولا الأكثر؛ كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري.

стр. 20215

وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطى بالسعر الدارج وقت الدفع، ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلًا، ولا يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري، لا يقال ما ذكرته من أن الأولى الصلح في مثل هذه الحالة مخالف لما قدمته عن حاشية أبي السعود من لزوم ما كان وقت العقد بدون تخيير بالإجماع إذا كانت فضة خالصة أو غالبة؛ لأنا نقول ذاك فيما إذا وقع العقد على نوع مخصوص كالريال مثلًا، وهذا ظاهر كما قدمناه ولا كلام لنا فيه. وإنما الشبهة فيما تعارفه الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة، فليس هنا معين حتى تلزمه به سواء غلا أو رخص. ووجه ما أفتى به بعض المفتين كما قدمناه آنفًا أن القروش في زماننا بيان لمقدار الثمن لا لبيان نوعه ولا جنسه، فإذا باع شخص سلعة بمائة قرش مثلًا ودفع له المشتري بعد الرخص ما صارت قيمته تسعين قرشًا من الريال أو الذهب مثلًا، لم يحصل للبائع ذلك المقدار الذي قدره ورضي به ثمنًا لسلعته، لكن قد يقال: لما كان راضيًا وقت العقد بأخذ غير القروش بالقيمة من أي نوع كان، صار كأن العقد وقع على الأنواع كلها، فإذا رخصت كان عليه أن يأخذ بذلك العيار الذي كان راضيًا به، وإنما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد الأضرار كما قلنا، وفي الحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) . ولو تساوى رخصها لما قلنا إلا بلزوم العيار الذي كان وقت العقد، كأن صار مثلًا ما كان قيمته مائة قرش من الريال يساوي تسعين، وكذا سائر الأنواع، أما إذا أصر ما كان قيمته مائة من نوع يساوي تسعين ومن نوع آخر خمسة وتسعين ومن آخر ثمانية وتسعين، فإن ألزمنا البائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به، وإن ألزمنا المشتري بدفعه بثمانية وتسعين اختص الضرر به، فينبغي وقع الصلح على الأوسط، والله تعالى أعلم (١) .

стр. 20216

ويمكن الإفادة من هذه الفتوى من عدة اعتبارات لها وجاهتها، وهي: ١- أن ابن عابدين قال معللًا ترجيح قوله هذا بأن " المسألة غير منصوص عليها بخصوصها، فإن المنصوص عليه إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش" (١) . وعلى ضوء ذلك نقول في موضوعنا الخاص بالنقود الورقية: إنها غير منصوص عليها بعينها، بل هي جديدة ومستحدثة، فيجب النظر إليها والاجتهاد فيها على ضوء مقاصد الشريعة ومبادئها العامة من تحقيق العدالة والمساواة بين طرفي العقد، وعدم الإضرار والضرار. ٢- أن نقودنا الورقية هي مثل القروش التي ذكرها ابن عابدين، حيث لا يتعين بالتعيين، حيث قال: " وإنما الشبهة فيما يتعارفه الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة، فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غلا أو رخص ". ومن هنا يمكن أن يستأنس بالفتوى الشائعة في عصر ابن عابدين عام (١٢٣٠هـ) استقرت على: " دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد، إذا لم يعين المتبايعان نوعًا والخيار فيه للدافع. . " فالذي اعترض عليه ابن عابدين هو أن يكون الخيار فيه للدافع، وأن يختص الضرر بالبائع، ولكن يستفاد منه دفع القيمة يوم العقد من حيث الجملة في النقود الورقية، وهذا ينفعنا في القول بأن النقود الورقية ليست مثلية دائمًا. ٣- يستفاد من مجموع ما ذكره ابن عابدين نظرية الأخذ بسلة العملات عند التقويم، والأخذ بالأوسط منها، كما سنوضحها فيما بعد. ٤- كما يستفاد منها أيضًا نظرية الربط بمؤشر معين للقروش؛ أي النقود غير الفضية والذهبية كما سيأتي. ٥- أن العقود لابد فيها من رعاية الرضا الحقيقي – كما قال بعض المفتين – وكذلك التساوي بين العاقدين في الحقوق، وفي توزيع الأضرار عليها إن تحققت، دون تخصيص أحدها بالآثار السلبية دون الآخر.

стр. 20217

على أي معيار نعتمد في التقويم؟ وبعد هذا العرض لتلك الحلول ينبغي أن يبين المعيار الذي يرجع إليه عند التقويم لقيمة النقد الذي تم به التعاقد، سواء كان قرضًا أم بيعًا أم مهرًا أم مضاربة أم مشاركة أم نحو ذلك. فهل نعتبر قيمة ذلك النقد بحسب الذهب والفضة، أم حسب سلة العملات، أم حسب سلة السلع الأساسية، أم يربط بمؤشر تكاليف المعيشة؟ هذه الاحتمالات كلها واردة، وهي كلها قابلة للنقاش، بل نوقش أكثرها في حلقات سابقة.

стр. 20218

ومن هنا فأمامنا أربعة معايير وهي: المعيار الأول: الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز، بحيث نقوّم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد، كم كان يشترى به من هذه السلع الأساسية؟ ثم نأتي عند الرد أو الوفاء والالتزام إلى القدر الذي يشترى به الآن من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق. وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهي معتبرة في كثير من الدول الغربية، يعرفون من خلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم، ولاسيما في الرواتب والأجور. ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول ﷺ جعل دية الإنسان – وهو أغلى ما في الوجود – الإبل مع وجود النقدين – الدراهم والدنانير – في عصره. ويقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب. وذلك لأن الرسول ﷺ قومها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذكر العلماء أن الإبل قد عزت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب أو الفضة أصلًا في الدية، ومن هنا زاد القدر حسب قيمة الإبل. فقد روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم، فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا. (١) قال الخطابي: " وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى؛ لكون الإبل قد عزت عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثماني مائة، ومن الورق ثمانية آلاف درهم، فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثني عشر ألفًا " (٢) .

стр. 20219

والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتى في زمن النبي ﷺ لم تكن مستقرة استقرارًا تامًا، وإنما كانت تابعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذي بسندهم: ((أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفًا)) (١) . كما روى الدارمي أن الرسول ﷺ فرض على أهل الذهب ألف دينار (٢) . وروى النسائي: ((وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق)) (٣) ، وروى البخاري بسنده في قصة شراء النبي ﷺ ناقة جابر قال ابن جريج عن عطاء وغيره، عن جابر: ((أخذته بأربعة دنانير)) . وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم. (٤) كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع الأساسية وجعلها معيارًا يرجع إليها عند التقويم، ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خلالها قيمة النقود – كما ذكرنا – ولذلك نرى الأستاذ القرضاوي يثير تساؤلًا حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضًا: هل من سبيل إلى وضع معيار ثابت للغنى الشرعي؟ فيقول: " وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود بالأنصبة الأخرى الثابتة بالنص " ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع الأساسية، مثل الإبل والغنم والزروع والثمار، ثم رجح كون الإبل والغنم المعيار الثابت، حيث إن لهما قيمة ذاتية لا ينازع فيها أحد.

стр. 20220

المعيار الثاني: الاعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية، وفي حالة القيام بالرد، وأداء هذا الالتزام، بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به من الذهب؟ فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد أو ارتفاعه الحاد يلاحظ في الرد – وفي جميع الحقوق والالتزامات – قوته الشرائية بالنسبة للذهب، فمثلًا لو كان المبلغ المتفق عليه عشرة آلاف ريال ويشترى به عشرون جرامًا من الذهب، فالواجب عند الرد والوفاء بالالتزام المبلغ الذي يشتري به هذا القدر من الذهب؛ وذلك لأن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتًا واستقرارًا، وأنه لم يصبه التذبذب والاضطراب مثلما أصاب غيره حتى الفضة (١) . ولذلك رجح مجمع البحوث الإسلامية الاقتصار – في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية – على معيار الذهب فقط، لتميزه بدرجة ملحوظة من الثبات (٢) ، ويشهد لاعتبار الذهب دون الفضة في التقويم، أن الذهب لم يقوّم بغيره في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة، يقول السيوطي: " الذهب والفضة قيم الأشياء إلا في باب السرقة، فإن الذهب أصل، والفضة عروض بالنسبة إليه " نص عليه الشافعي في الأم، وقال: " لا أعرف موضعًا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إلا في السرقة" (٣) . ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة فبها ونعمت، وإلا فيرجع الأمر فيها إلى القضاء، أو إلى التحكيم , تنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبيانات والقضاء.

стр. 20221

الجمع بين المعيارين: ويمكن لقاضي الموضوع أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة النقد بالنسبة للذهب والسلع الأساسية يوم إنشاء العقد. المعيار الثالث: الاعتماد على عملة مستقرة نوعًا ما مثل الدولار، أو الجنيه الإستراليني، أو الين اليباني، وأولى منه الاعتماد على سلة العملات الدولية، وذلك بأن يعتمد في وقت الأداء على قيمة النقد الذي تم عليه التعاقد في يومه بمقابل الدولار الأمريكي، والجنيه الإستراليني، والمارك الألماني، والين الياباني، والفرنك الفرنسي، فيؤخذ متوسط الأسعار يوم العقد، فيجعل المعيار في قيمة النقد وقت الأداء، وقد ذكرنا في الحل الثاني والحل الثالث تأصيلًا فقهيًا لهذا. المعيار الرابع: الربط بمؤشر تكاليف المعيشة: ولا أدخل في تفاصيل هذا المعيار حيث كتبت فيه عدة بحوث ونوقش في الحلقة الأولى لندوة التضخم.

стр. 20222

تدهور القيمة الحقيقية للنقود ومبدأ التعويض ومسؤولية الحكومة في تطبيقه إعداد أ. د. عبد الرحمن يسري أحمد جامعة الإسكندرية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة تناول الفقهاء قديمًا ظاهرة غلاء ورخص النقود العرفية أو الاصطلاحية (الفلوس) بطرق شتى. ولا نجد إشارة واحدة منهم تدل على أن هذه الظاهرة كانت من الظواهر الخطيرة المزمنة والمستعصية. فالنظام النقدي اعتمد قديمًا على الذهب والفضة أساسًا، وعلى الفلوس بصفة ثانوية لزمن طويل، وحتى حينما تزايد الاعتماد في وقت لاحق على الفلوس والنقود الذهبية والفضية المغشوشة، وحلت هذه محل النقود النفيسة لم يدر بخلد أحد من الفقهاء القدامى أن النقود في طريقها لتصبح كلها اصطلاحية، أو أن ظاهرة الغلاء الشديد التي كان يقابلها رخص مفرط أحيانًا في قيمة النقود الاصطلاحية يمكن أن تصبح مزمنة وحادة. ولقد سجل المقريزي المؤرخ الإسلامي المعروف ظاهرة الغلاء الشديد، والذي قابله رخص مفرط في قيمة الفلوس، إلى الحد الذي جعل الناس ينبذونها ولا يتعاملون بها، ولكنه كبقية أهل عصره ومن سبقه من أهل العلم لم يتصور دوام هذه الأحوال، أو إمكانية الاستغناء عن نقود الذهب والفضة الخالصة الجيدة. وفي عصرنا الحديث حيث أصبحت النقود كلها اصطلاحية بالإلزام كالنقود الورقية، أو بالعرف كالنقود المصرفية، تعرضت بلدان العالم المختلفة لظاهرة الغلاء أو التضخم، كما هو المصطلح الشائع، بدرجات مختلفة ولفترات طويلة اختلفت في طولها، ولم تنج البلدان الإسلامية من هذه الظاهرة، بل إن بعضها عانى منها بشدة وما يزال. والجدول (١) يبين معدلات التضخم المسجلة رسميًا في عدد من البلدان الإسلامية، علمًا بأن المعدلات الفعلية قد تكون أعلى بكثير كما دلت بعض الدراسات.

стр. 20223

_________

стр. 20224

ومعروف أن كل ارتفاع في المستوى العام للأسعار بنسبة معينة يقابله انخفاض بنفس النسبة في القيمة الحقيقية للعملة النقدية داخل البلد، ولقد حاول البعض أن يقلل من حجم المشكلة بالقول أن المشكلة غير ظاهرة في بعض البلدان الإسلامية، أو أنها في طريقها إلى الاختفاء تدريجيًا بفعل قوى السوق، أو بطريق السياسات النقدية والمالية، أو أنها سوف تزول حينما يطبق نظام اقتصادي ونقدي إسلامي، ومعظم هذه الأقوال مردود عليه، فالقول بأن المشكلة غير ظاهرة في بعض الحالات لا يعني غيابها، بل وقد تظهر وتنفجر بشدة، وحتى إن كانت المشكلة غير موجودة في حالات فلا يعني أبدًا إهمال الحالات الأخرى التي ظهرت فيها بشدة وأزمنت وأثرت تأثيرًا سيئًا في الحقوق والالتزامات الآجلة. أما معظم الأقوال الأخرى فتفتقر إلى الحجة القوية والإثبات العملي.

стр. 20225

قضية التعويض: وفي ظل التطورات التي أصابت العملات الذهبية والفضية من غش أو رخص وغلاء أو إبطال أو استبدال من قبل الحكام في العصور الوسطى، كانت النقود المعدنية الرخيصة التي عرفت (بالفلوس) تتخذ أهمية متزايدة في عمليات التبادل في الأسواق، فزادت كميات النقود المعدنية الرخيصة وأصبحت تستخدم في إتمام صفقات كبيرة القيمة، بعد أن كان استخدامها مقصورًا على المبادلات الزهيدة القيمة، فأصبحت هذه النقود رغم انحطاط قيمتها الذاتية محلا للقروض وعقود المضاربة وسداد المعاملات الآجلة. ولابد أن سحب الأفراد للنقود المعدنية النفيسة من الأسواق والاحتفاظ بها أو الانتفاع بمعادنها؛ كان له أثره التدريجي في الالتجاء إلى المعادن الرخيصة لسك النقود وحتمية الاعتماد عليها بشكل متزايد في الوفاء بجميع الحقوق والالتزامات. ولقد بيّن بعض الفقهاء – مثل ابن تيمية ﵀ – أن تداول النقود المعدنية الرخيصة والنقود الذهبية المغشوشة قد تسبب في حد ذاته في اختفاء النقود الذهبية والفضية الخالصة من التداول، وهذه القاعدة التي عرفت فيها بعد باسم قاعدة أو قانون جريشام. ولا شك أن النقود المعدنية الرخيصة مثل المعدنية النفيسة استطاعت أن تؤدي وظيفتي الوساطة في التبادل وقياس القيم الحاضرة، ولكن هذه النقود كانت أقل نجاحًا في قياس القيم الآجلة، نظرًا لأن التغيرات التي تصيب قيمتها في الأجل الطويل كانت أحيانًا شديدة الحدة، على عكس النقود المعدنية النفيسة، وكذلك بالنسبة لوظيفة (مخزن الثروة أو القيمة) ، فهذه تتوقف على استقرار قيمة العملة في الأجل الطويل، فكلما تعرضت هذه للتدهور كانت العملة مخزنًا سيئًا للثروة أو القيمة، والعكس صحيح. ولقد ميز فقهاء المسلمين النقود المعدنية الرخيصة بأنها (عرفية) أو (اصطلاحية) ؛ تفرقة لها عن النقود الذهبية والفضية التي عرفت بأنها ذات قيمة ذاتية أو نقود بالخلقة.

стр. 20226

وفي عصر النقود المعدنية الرخيصة زادت مشاكل البيوع الآجلة والديون على مستوى المعاملات الفردية، كما نشأت مشاكل نقدية جديدة تمامًا على المستوى الكلي لم تكن معروفة من قبل. ففي عصر المعادن النفيسة لم تكن كمية النقود الكلية تزيد إلا بمقدار الزيادة في عرض هذه المعادن. ولم يكن هذا العرض يزداد كما هو معروف إلا عند اكتشاف مناجم جديدة للمعادن النفيسة، أو عن طريق التجارة الخارجية في بعض الظروف الملائمة لتحقيق فائض في ميزان التجارة. ولهذا كان من المعتاد غالبًا أن يتغير عرض النقود المعدنية ببطء على مدى الزمن. وبطبيعة الحال فإن هذه الصورة تغيرت شيئًا فشيئًا مع غش المعدن النفيس في أثناء عملية سك العملة. فكان عرض النقود المعدنية النفيسة التي دخل عليه الغش يزيد بمعدلات أكبر تبعًا لهذا العالم في حد ذاته. ولكن مهما كان الأمر فقد ظلت كمية النقود في تلك الظروف محكومة أو مقيدة بكمية المعدن النفيس التي لن يمكن إنقاصها تحت حدود معينة، حيث يستبان أمر الغش. أما في عصر النقود الرخيصة فقد زال عنصر الندرة الذي يميز المعدن النفيس، وأصبح من اليسير زيادة كمية النقود تبعا لحاجة الحكام، فزادت النقود مع زيادة إنفاق الأمراء على قصورهم، وزيادة أعداد جندهم، ومع اتجاههم للبذخ والإسراف. وفي ما كتبه المقريزي نجد زيادة كمية النقود الرخيصة أهم سبب وراء ارتفاع الأسعار المتتالي بشكل عام في مصر خلال عصره. ولقد كانت هذه المسألة النقدية في غاية الخطورة، إذ أنها كانت وراء تدهور القيمة الآجلة للعملات الرخيصة ومن ثَمَّ وراء فساد المعاملات الآجلة واضطراب العلاقات بين الدائنين والمدينين. وبينما اتجه البعض من العلماء إلى مهاجمة سلوك الحكام أو الأمراء الذي تسبب في تلك الظاهرة، إلا أن عامة الفقهاء اتجهوا إلى معالجة الآثار المترتبة على الظاهرة، فبحثوا حالات الكساد العام للعملة، والكساد المحلي وانقطاعها، وكذلك حالة غلاء ورخص العملة، ولا شك أن الأحكام الشرعية التي توصل إليها فقهاء المسلمين قديمًا في هذه الحالات لها أهميتها بالنسبة لأنواع أخرى من النقود العرفية أو الاصطلاحية التي استحدثت فيما بعد ذلك.

стр. 20227

وفي بحث حالة غلاء ورخص الفلوس اختلف الفقهاء فيما يلزم المدين أداؤه في حالة الغلاء أو الرخص على ثلاثة أقوال: " القول الأول لأبي حنيفة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة، وهو أن الواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت دينًا في الذمة دون زيادة أو نقصان، وليس للدائن سواه " ويلاحظ أن هذا الرأي يمكن أن يتعرض للنقد الشديد إذا افترضنا أن حالة الغلاء والرخص كانت حادة واستمرت، فالنقود المعدنية الرخيصة لها ثمنية بالاصطلاح، وهذه الثمنية تتحدد بالنسبة للمعدن النفيس، فهي ليست ذات قيمة ذاتية. ومن ثم فإن الغلاء أو الرخص يعبث عبثًا شديدًا بقيمة الدين، أو بالالتزام الآجل كلما احتد وكلما طال الآجل. "والقول الثاني لأبي يوسف – وعليه الفتوى عند الحنفية – وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، ففي البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض" ويلاحظ أن هذا القول يراعي الاعتبارات الواقعية التي ذكرناها في التعقيب على القول الأول. وقد كان أبو يوسف يأخذ بالقول الأول ثم عدل عنه للقول الثاني، وهذا هو أصل مبدأ التعويض في الفقه الإسلامي. " والقول الثالث وجه عند المالكية، وهو أن التغير في قيمة النقد إذا كان فاحشًا، فيجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص، أما إذا لم يكن فاحشًا فالمثل" (١) .

стр. 20228

ولكن يلاحظ أن حالة التغير الفاحش يجب أن تستند إلى قاعدة موضوعية، وإلا أصبح الحكم مما يحتمل التأويل ممن يفقهون وممن لا يفقهون. وعلى أية حال فإن هذه الاجتهادات جميعًا تدل بوضوح على صلاحية الشريعة الإسلامية في مواجهة كافة التغيرات الطارئة في عالمنا هذا. وكما رأينا فيما سبق أن فقهاء المذهب الحنفي خاصة كانوا مبرزين في مجال بحث المسائل النقدية ابتداء من أبي يوسف إلى ابن عابدين. ولا يعني هذا إهمال المساهمات البارزة في المجال نفسه من بعض فقهاء المذهب الحنبلي. ويجب التأكيد هنا أن مبدأ التعويض عند الفقهاء الذين أقروه لا يسري على النقود الذهبية والفضية، يقول ابن عابدين ﵁ (١) : "كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا، فإذا تبايعا بنوع منهما ثم غلا أو رخص، بأن باع ثوبًا بعشرين ريالًا مثلًا أو استقرض ذلك، يجب رده بعينه، غلا أو رخص " ويضيف قائلًا: " وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جار حتى في الذهب والفضة – كالشريفي والبندقي والمحمدي والكلب والريال (أسماء عملات معروفة حينذاك) فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع ". والسبب الأساسي وراء هذا الرأي – فيما أظن – هو رغبة الفقيه في ضمان استمرار المعاملات بين الناس على أسس مستقرة ومتعارف عليها، فلو نقض المتعاملون أو أصحاب الديون معاملاتهم أو ديونهم بسبب غلاء أو رخص العاملة الجيدة، لأدى ذلك إلى نقض الحقوق واضطراب المعاملات، ومن ثم شيوع الفساد. ويؤكد هذا الشرح ابن عابدين أيضًا أنه حتى لو قامت السلطة المصدرة للعملة الجيدة الرائجة بتغيير سعرها بالزيادة أو النقص، فلا يلزم إلا دفع نوع العملة الذي وقع عليه الاتفاق، طالما أن نوع العملة كان معينًا عند التعاقد أو عند الدين. يقول الفقيه الحنفي: " ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينًا، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال إفرنجي أو مائة ذهب عتيق " (٢) . وهكذا كان الاهتمام الأساسي بقضية استقرار المعاملات والديون على أسس موحدة على مدى الزمن، حتى وإن كان النقص في قيمة وحدة النقود بسبب قرار السلطة المصدرة للنقود. واستقرار المعاملات والديون بين المتعاملين وبين الدائنين والمدينين على أسس معروفة لا شك له أهميتها الكبيرة.

стр. 20229

والواقع أن غلاء أو رخص العملة الذهبية أو الفضية - وهو تغير القيمة الحقيقية للعملة ارتفاعًا أو انخفاضًا - يرجع إلى انخفاض أو ارتفاع (على الترتيب) أسعار معظم السلع في الأسواق، وهذه ترجع إلى عوامل لا دخل للناس بها، طالما كانت الأسواق تنافسية. وحيث إن العملات المعدنية النفيسة ذات قيمة ذاتية، وحيث توافرت حرية السك أو حرية تحويل المعدن النفيس من العملة إلى السلعة وبالعكس؛ فإن غلاء أو رخص العملات لن يسبب إزعاجًا في غالب الأمر لعامة الناس. ففي حالة غلاء العملة بسبب انخفاض أسعار السلع في الأسواق، يمكن لمن يريد من الأفراد أن يذهب إلى دار السك بذهبه (أو فضته) ، وذلك لكي يحول إلى عملات، أما في حالة رخص العملة بسبب ارتفاع أسعار السلع في الأسواق، فيمكن للناس أن يحولوا ما في أيديهم من عملات عن طريق الصهر إلى معادن نفيسة يستفيدون من قيمتها السلعية في الأسواق. لقد امتد عصر النقود المعدنية النفيسة وغيرها أمدًا طويلًا جدًا من الزمن، إلى أن ظهرت النقود الورقية (١) Paper Money في أواخر القرن الثامن عشر (ميلادي) في إنجلترا، ثم انتشرت تدريجيًا في بلدان العالم الغربي خلال القرن التاسع عشر، ثم في بقية بلدان العالم خلال القرن العشرين (الحالي) . ولم تعد هناك دولة في العالم الآن إلا ولها عملة نقدية ورقية. ولقد مرت النقود الورقية بعدة مراحل منذ أن قامت الحكومات بإصدارها، فتميزت المرحلة الأولى بتغطية كمية النقود الورقية بمقدار من الذهب يتساوى معها تمامًا في القيمة، فتحتفظ السلطة النقدية التي قامت بإصدار النقود بالغطاء الذهبي لديها في خزانتها، وتطرح كمية النقود الورقية للتداول بين الأفراد. وتعتبر الأوراق النقدية في هذه الحالة (أوراق نائبة) أي تنوب عن الذهب. كما أن الأوراق النقدية كانت سندات لحاملها، فكان من حق كل فرد يحمل الورقة النقدية أن يتقدم إلى السلطة النقدية (البنك المركزي غالبًا) مطالبًا بقيمتها الذهبية، بموجب عبارة تعهد مدونة عليها. ونعرف هذه المرحلة باسم (الغطاء الذهبي الكامل) . أما المرحلة الثانية فقد تميزت بعدم تغطية كمية النقود الورقية المصدرة بغطاء هذبي كامل. فقد سمحت الدولة للبنك المركزي (أو لهيئة الإصدار) بأن يصدر كمية من النقود الورقية دون غطاء ذهبي. وكان هذا لأجل احتياجات النشاط الاقتصادي الذي كان يتسع حقبة بعد أخرى بمعدل يفوق الزيادة الممكنة في رصيد الذهب، الذي يستخدم كغطاء في عمليات الإصدار. وفي بداية هذه المرحلة حددت كمية النقود التي تصدر بلا غطاء تحديدًا مطلقًا، ولكن تدريجيًا أصبح غطاء الذهب يمثل نسبة معينة من الكمية الكلية للنقد الورقي المصدر. أما عن محددات نسبة الغطاء الذهبي، فمن أهمها تقديرات جهة الإصدار بالنسبة لمطالبات الأفراد بالقيمة الذهبية لنقودهم الورقية (٢) . فقد لوحظ أنه كلما زادت الثقة في النقود الورقية المتداولة، كلما قلت مطالبات الأفراد بقيمتها الذهبية – خلال أي فترة من الزمن – وبالتالي كلما أمكن التوسع في إصدار كمية أكبر من هذه النقود الورقية بنفس المستوى من رصيد الذهب. بعبارة أخرى أنه كلما ازداد القبول العام للأوراق النقدية في حد ذاتها، دون اعتبار للذهب الذي تنوب عنه، كلما أمكن لجهة الإصدار خفض نسبة الغطاء الذهبي. ويلاحظ أن النقود الورقية لم تصبح في هذه المرحلة نائبة عن الذهب إلا جزئيًا. أما من الوجهة القانونية البحتة، فقد كانت التعهدات الرسمية المدونة عليها مازالت تتيح للأفراد تبديلها في أي وقت بقيمتها الذهبية من البنك المركزي للدولة، مما جعل عامة الناس يتصورون خطأ أنها ما زالت مغطاة تغطية كاملة بالمعدن النفيس. وفي المرحلة الثالثة من مراحل تطور النقود الورقية انفصمت العلاقة بينها وبين الذهب حقيقيًا ورسميًا. ذلك أنه تحت ضغط التوسع الكبير في النشاط الاقتصادي أصبحت الحاجة ماسة إلى إصدار مزيد من النقود الورقية. ولم يعد من الممكن لمعظم الدول المحافظةُ على العلاقة بين هذه النقود ورصيد الذهب أو الوفاءُ بتعهداتها بدفع القيمة الذهبية.

стр. 20230

ودون دخول في تفاصيل فإن بلدان العالم تخلصت من نظام الذهب نهائيًا في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، كما أن العديد من البلدان التي احتفظت باحتياطيات كبيرة من الذهب بدأت تتخلص منه بالبيع في السنتين الأخيرتين من هذا القرن. هذه التطورات السابقة جميعًا التي انتهت بتأكيد حقيقة النقود الورقية كنقود اصطلاحية إلزامية مستقلة شكلًا وموضوعًا عن الذهب؛ لم تخص بلدًا أو مجموعة من البلدان، بل عمت العالم أجمع. وبعد أن انتشر التعامل بالنقود الورقية في البلدان الإسلامية اختلفت نظرة الفقهاء المحدثين إلى هذه النقود وأحكامها، ومن ثم معالجتهم للتدهور في قيمتها الحقيقية. فهل تأخذ النقود الورقية أحكام نقود الذهب والفضة؟ أم هل يطبق عليها كنقود اصطلاحية ما كان يطبق على الفلوس من قبل الفقهاء السابقين؟ ولقد توصل نزيه حماد في دراسة عن تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي إلى أن النقود الورقية لا تقوم مقام النقدين الذهب والفضة في حالة تغير الأسعار، فهي نقود اصطلاحية، فتتعرض قيمتها بسبب قيمتها بسبب ذلك للتغير بالنقص أو بالزيادة. وهذا مما له أثره على جميع الحقوق الآجلة المتعلقة بالذمة من قرض أو مهر أوبيع أو إجارة أوغيرها، فيؤدي إلى غبن إما للدائن (في حالة نقص قيمة النقد) أو للمدين (في حالة زيادة قيمة النقد، ويصبح هذا الغبن فاحشًا كلما تغيرت الأسعار تغيرًا كبيرًا وغير عادي (١) .

стр. 20231

وتطرق محيي الدين قره داغي في دراسة عن تذبذب النقود الورقية وأثره على الالتزامات على ضوء قواعد الفقه الإسلامي؛ إلى صميم المشكلة، ورفض أن تأخذ النقود الورقية أحكام الدنانير والدراهم لأنها مختلفة عنها، وذكر عشرة أسباب (١) لذلك من أبرزها: " أن الذهب والفضة نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما، في حين أن العملة الورقية نقد حسب العرف والاصطلاح اكتسبت قوتها في بدايتها (بداية عصر النقود الورقية) من غطائها الذهبي أو الفضي، والآن تكسبها من قوة الدولة وضمانها لها "، وأن " النقود الذاتية: الذهب والفضة، لا ينسي من نقديتهما وزنهما، باعتبار أن زيادة الوزن تدل بلا شك على زيادة القيمة "، بينما أن " النقود الورقية لا يلاحظ فيها الوزن قاطبة حتى تكون مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ومن هنا قال الشافعي: " الذهب والفضة بائنان من كل شيء لا يقاس عليهما غيرهما "، وأن النقود الذاتية كالدراهم والدنانير حتى لو أغليت نقديتها بقيت مثليتها على عكس النقود الاصطلاحية "، وأن النقود الورقية كان لها (معيار) تتحدد به قيمتها حينما كانت مرتبطة بالذهب، أما بعد أن ألغى هذا الربط فبأي شيء ترتبط؟ ما هو المعيار الذي تتحدد به قيمة النقود الورقية؟ إذن فهي بحاجة إلى التقويم من خلال اعتبارات مختلفة. " أما النقود الذهبية والفضة، فلم يقل أحد أنها بحاجة إلى التقويم ". وإن مشكلة التضخم في حد ذاتها وليدة نظام النقود الورقية. حيث أسرفت الحكومات في إصدارها، ولم تكن تستطيع أن تفعل هذا لو كانت النقود ذهبية أو فضية. وأن ما قاله المقريزي في شأن الغلاء الذي حدث في بعض العصور الإسلامية بسبب الإسراف في سك الفلوس، والاعتماد عليها في كافة المعاملات بصفة أساسية بدلًا من الذهب والفضة، وما جره ذلك من محن وبلايا؛ قد تحقق أكثر منه في عالم النقود الورقية. " ولم يعد الإنسان يطمئن إلى هذه النقود ولم تصبح مخزنًا " للثروة، ولا قيما يقاس بها الأموال، بل أصبحت السلع هي المعيار لها " (٢) .

стр. 20232

ومن جهة أخرى، فإن على السالوس له رأي مخالف للسابقين، ففي دراسة عن أثر تغير يمة النقود في الحقوق والالتزامات يخلص إلى أن " النقود مرجعها إلى العادة والاصطلاح، ولهذا كانت النقود الورقية نقدًا قائمًا بذاته، له ما للذهب والفضة من الأحكام " (١) وهذه العبارة تجمع ما بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، أما ما هو مقبول بالنسبة للاقتصاديين المعاصرين، فهو أن منشأ النقود الورقية العادة والاصطلاح، وأنها نقدًا قائمًا بذاته، أما ما هو غير مقبول فهو أن يعتبر ذلك أساسًا لتأخذ ما للذهب والفضة من أحكام، لقد كان النقد الذهبي أو الفضي نقدًا قائمًا بذاته، ولكن هل أخذ أحكامهما في الفقه الإسلامي من العادة والاصطلاح. لقد أخذ الذهب والفضة أحكامها في الفقه الإسلامي؛ لأنهما أثمان بالخلقة، حيث لهما قيمة سلعية أو ذاتية الثمنية بالخلقة، أو لأنهما يوزنان (علة الوزن) ، ولم أقرأ لأحد أبدًا أنهما أخذا أحكمهما الفقهية من العادة والاصطلاح، وحينما كانا يؤخذان بالعدد فإنما لأن عملية السك ضبطت الوزن في قطع مميزة من النقد، فأصبح الناس يعدون النقود عدا اعتمادًا على أنها قد وزنت بدقة بضمان السلطة المصدرة لها، ولو فرضنا جدلًا أن السلطة سكت نقودًا غير محددة الوزن أو غير موزونة بدقة، لقام الناس بوزنها ولم يأخذه أحد بالعدد إلا ناقص عقل أو دين؛ لأن هذا لن يعني إلا سفه شديد أو ربا صريح.

стр. 20233

أما النقود الورقية فنشأت فعلًا، كما يقول السالوس من العادة والاصطلاح، وكانت مرتبطة بالذهب تمامًا خلال مرحلة الغطاء الذهبي الكامل، ثم مرحلة الغطاء الجزئي مع القابلية للتحويل إلى ذهب عند الطلب من الجهة المصدرة. ولكن كل هذا انتهى في غضون الأزمة العالمية (١٩٢٩ – ١٩٣٣ م) مع السقوط النهائي لنظام الذهب من معظم بلدان العالم، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية آخر دولة تسقط رسميًا قابلية عملتها للتحويل إلى ذهب في (١٩٦٣ م) . ولم يعد حافظا لقيمة أي عملة ورقية في العالم إلا الظروف المحددة لعرضها، وذلك تبعًا للسياسة الإصدار النقدي من جهة، والظروف المحددة لطلبها، وذلك تبعًا لاحتياجات المعاملات أو خزن الثروة من جهة أخرى (١) ، فلما أخفقت بلدان عديدة في اتباع سياسات إصدار نقدي حكيمة، بل وتورطت في عمليات إصدار لتمويل مشروعات ضعيفة الإنتاجية، أو لتمويل عجز الموازنة العامة؛ زاد عرض النقود زيادة تفوق الطلب عليها، خاصة في حالات معظم الدول النامية التي كان نشاطها الاقتصادي إما راكدًا أو ينمو بمعدلات ضعيفة، وهذا من أهم الأسباب المولدة للتضخم، وهنا فرق كبير بين النقد الورقي والنقد الذهبي أو الفضي، إذ لم يتسبب النقدين في ارتفاع مستمر في الأسعار خلال التاريخ البشري إلا استثناء (٢) . ثم إن هذا الارتفاع في الأسعار يؤدي إلى تدهور القيمة الحقيقية للنقد الورقي، ومع معرفة الناس أن هذا النقد ليس له (قيمة ذاتية) فإنهم يسعون إلى التخلص منه بسرعة بشراء أصل يمكن أن تحقق ارتفاعًا في قيمتها الحقيقية في ظل التضخم، أو على الأقل تحافظ على قيمتها الحقيقية، مثل المجوهرات والذهب والعقارات وأحيانًا أصولًا نقدية مثل العملات الأجنبية القوية. فأي شيء في هذا يشبه النقدين النفيسين؟ لقد كان ارتفاع الأسعار يؤدي أيضًا إلى انخفاضا القيمة الحقيقية لهما كنقد، ولكن مع وجود قيمة ذاتية أو سلعة لم يكن أحد يسعى للتخلص منهما، بل كان يحدث العكس، فقد اتجه الناس في فترات الارتفاع الشديد في الأسعار إلى خزن ما ليدهم من عملات ذهبية وفضية وتعاملوا بالفلوس (٣) .

стр. 20234

إن الخطأ الكبير في الواقع هو أننا اعتبرنا أن قيام النقد الورقي بوظيفتي الوساطة في المعاملات وقياس القيم الحاضرة مقام النقدين شرطًا كافيًا، يكفل له أن نعطيه جميع ما لهما من أحكام فقهية، ونقول: خطأ كبير؛ لأن قيام النقد الورقي بهاتين الوظيفتين يعد شرطًا ضروريًا لكي يكون نقدًا، أما الشرط الكافي لاعتبار النقد الورقي بديلا كاملا للنقدين النفيسين، فهو أن يقوم أيضًا بوظيفتي قياس القيم الآجلة ومستودع الثروة بنفس الكفاءة التي كانت لهذين النقدين في الماضي. هذا الشرط الكافي لا يتحقق إلا في حالة استقرار الأسعار (ولا نقول ثباتها بالضرورة) ، ولكنه بعيد عن التحقيق في ظروف التضخم، وخاصة كلما اشتدت حدته، لهذا صار غالبية الناس لا يدخرون ثرواتهم في العملات الورقية المتدهورة القيمة، بل في أشكال أصول أخرى مضمونة القيمة الحقيقية بطبيعتها، ولا يعتمدون عليها كمقياس للقيم الآجلة، بل يعملون على قياس هذه القيم بطرق مختلفة.

стр. 20235

المشكلة الحقيقية أن حرص علمائنا الشديد على إلحاق النقود الورقية بأحكام النقدين كان منبعثًا من خوفهم الشديد أن يجري فيها الربا، ولا تدفع فيها زكاة إن لم يفعلوا هذه، ولم يكن هذا الخوف إلا بسبب أن البعض من الفقهاء المعاصرين أراد إلحاق النقود الورقية بالفلوس، والتي لم تعتبر نقدًا لدى الشافعية في أي زمن من الأزمان، فأبيح فيها الفلس بالفلسين (١) ، ولقد رأينا أن من الفقهاء المعاصرين من أراد اعتبار النقود الورقية عروض تجارة، فيصبح بيعها وشراؤها جائزًا وفقًا للتقدير، وتسقط عنها الاعتبارات الشرعية الخاصة بزكاة النقدين ... إلخ، ولكن الخوف من الوقع في هذه المصائب جعلنا نقع في مصيبة أخرى، حينما أصبح التضخم بلاء مستمرًا في حياتنا، بينما اعتبرنا النقد الورقي بديلًا كاملًا للذهب والفضة وأعطيناه أحكامهما في الفقه الإسلامي، هذا خطأ ينبغي التراجع عنه، ليس دفاعًا عن أي رأي فقهي ولا عن أبي سياسة، بل لكي نضع أيدينا أولًا على الحقيقية ونؤسس أحكامًا صحيحة عليها.
следующие страницы →