وتطرق محيي الدين قره داغي في دراسة عن تذبذب النقود الورقية وأثره على الالتزامات على ضوء قواعد الفقه الإسلامي؛ إلى صميم المشكلة، ورفض أن تأخذ النقود الورقية أحكام الدنانير والدراهم لأنها مختلفة عنها، وذكر عشرة أسباب (١) لذلك من أبرزها: " أن الذهب والفضة نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما، في حين أن العملة الورقية نقد حسب العرف والاصطلاح اكتسبت قوتها في بدايتها (بداية عصر النقود الورقية) من غطائها الذهبي أو الفضي، والآن تكسبها من قوة الدولة وضمانها لها "، وأن " النقود الذاتية: الذهب والفضة، لا ينسي من نقديتهما وزنهما، باعتبار أن زيادة الوزن تدل بلا شك على زيادة القيمة "، بينما أن " النقود الورقية لا يلاحظ فيها الوزن قاطبة حتى تكون مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ومن هنا قال الشافعي: " الذهب والفضة بائنان من كل شيء لا يقاس عليهما غيرهما "، وأن النقود الذاتية كالدراهم والدنانير حتى لو أغليت نقديتها بقيت مثليتها على عكس النقود الاصطلاحية "، وأن النقود الورقية كان لها (معيار) تتحدد به قيمتها حينما كانت مرتبطة بالذهب، أما بعد أن ألغى هذا الربط فبأي شيء ترتبط؟ ما هو المعيار الذي تتحدد به قيمة النقود الورقية؟ إذن فهي بحاجة إلى التقويم من خلال اعتبارات مختلفة. " أما النقود الذهبية والفضة، فلم يقل أحد أنها بحاجة إلى التقويم ". وإن مشكلة التضخم في حد ذاتها وليدة نظام النقود الورقية. حيث أسرفت الحكومات في إصدارها، ولم تكن تستطيع أن تفعل هذا لو كانت النقود ذهبية أو فضية. وأن ما قاله المقريزي في شأن الغلاء الذي حدث في بعض العصور الإسلامية بسبب الإسراف في سك الفلوس، والاعتماد عليها في كافة المعاملات بصفة أساسية بدلًا من الذهب والفضة، وما جره ذلك من محن وبلايا؛ قد تحقق أكثر منه في عالم النقود الورقية. " ولم يعد الإنسان يطمئن إلى هذه النقود ولم تصبح مخزنًا " للثروة، ولا قيما يقاس بها الأموال، بل أصبحت السلع هي المعيار لها " (٢) .
стр. 20232
ومن جهة أخرى، فإن على السالوس له رأي مخالف للسابقين، ففي دراسة عن أثر تغير يمة النقود في الحقوق والالتزامات يخلص إلى أن " النقود مرجعها إلى العادة والاصطلاح، ولهذا كانت النقود الورقية نقدًا قائمًا بذاته، له ما للذهب والفضة من الأحكام " (١) وهذه العبارة تجمع ما بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، أما ما هو مقبول بالنسبة للاقتصاديين المعاصرين، فهو أن منشأ النقود الورقية العادة والاصطلاح، وأنها نقدًا قائمًا بذاته، أما ما هو غير مقبول فهو أن يعتبر ذلك أساسًا لتأخذ ما للذهب والفضة من أحكام، لقد كان النقد الذهبي أو الفضي نقدًا قائمًا بذاته، ولكن هل أخذ أحكامهما في الفقه الإسلامي من العادة والاصطلاح.
لقد أخذ الذهب والفضة أحكامها في الفقه الإسلامي؛ لأنهما أثمان بالخلقة، حيث لهما قيمة سلعية أو ذاتية الثمنية بالخلقة، أو لأنهما يوزنان (علة الوزن) ، ولم أقرأ لأحد أبدًا أنهما أخذا أحكمهما الفقهية من العادة والاصطلاح، وحينما كانا يؤخذان بالعدد فإنما لأن عملية السك ضبطت الوزن في قطع مميزة من النقد، فأصبح الناس يعدون النقود عدا اعتمادًا على أنها قد وزنت بدقة بضمان السلطة المصدرة لها، ولو فرضنا جدلًا أن السلطة سكت نقودًا غير محددة الوزن أو غير موزونة بدقة، لقام الناس بوزنها ولم يأخذه أحد بالعدد إلا ناقص عقل أو دين؛ لأن هذا لن يعني إلا سفه شديد أو ربا صريح.
стр. 20233
أما النقود الورقية فنشأت فعلًا، كما يقول السالوس من العادة والاصطلاح، وكانت مرتبطة بالذهب تمامًا خلال مرحلة الغطاء الذهبي الكامل، ثم مرحلة الغطاء الجزئي مع القابلية للتحويل إلى ذهب عند الطلب من الجهة المصدرة. ولكن كل هذا انتهى في غضون الأزمة العالمية (١٩٢٩ – ١٩٣٣ م) مع السقوط النهائي لنظام الذهب من معظم بلدان العالم، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية آخر دولة تسقط رسميًا قابلية عملتها للتحويل إلى ذهب في (١٩٦٣ م) . ولم يعد حافظا لقيمة أي عملة ورقية في العالم إلا الظروف المحددة لعرضها، وذلك تبعًا للسياسة الإصدار النقدي من جهة، والظروف المحددة لطلبها، وذلك تبعًا لاحتياجات المعاملات أو خزن الثروة من جهة أخرى (١) ، فلما أخفقت بلدان عديدة في اتباع سياسات إصدار نقدي حكيمة، بل وتورطت في عمليات إصدار لتمويل مشروعات ضعيفة الإنتاجية، أو لتمويل عجز الموازنة العامة؛ زاد عرض النقود زيادة تفوق الطلب عليها، خاصة في حالات معظم الدول النامية التي كان نشاطها الاقتصادي إما راكدًا أو ينمو بمعدلات ضعيفة، وهذا من أهم الأسباب المولدة للتضخم، وهنا فرق كبير بين النقد الورقي والنقد الذهبي أو الفضي، إذ لم يتسبب النقدين في ارتفاع مستمر في الأسعار خلال التاريخ البشري إلا استثناء (٢) .
ثم إن هذا الارتفاع في الأسعار يؤدي إلى تدهور القيمة الحقيقية للنقد الورقي، ومع معرفة الناس أن هذا النقد ليس له (قيمة ذاتية) فإنهم يسعون إلى التخلص منه بسرعة بشراء أصل يمكن أن تحقق ارتفاعًا في قيمتها الحقيقية في ظل التضخم، أو على الأقل تحافظ على قيمتها الحقيقية، مثل المجوهرات والذهب والعقارات وأحيانًا أصولًا نقدية مثل العملات الأجنبية القوية. فأي شيء في هذا يشبه النقدين النفيسين؟ لقد كان ارتفاع الأسعار يؤدي أيضًا إلى انخفاضا القيمة الحقيقية لهما كنقد، ولكن مع وجود قيمة ذاتية أو سلعة لم يكن أحد يسعى للتخلص منهما، بل كان يحدث العكس، فقد اتجه الناس في فترات الارتفاع الشديد في الأسعار إلى خزن ما ليدهم من عملات ذهبية وفضية وتعاملوا بالفلوس (٣) .
стр. 20234
إن الخطأ الكبير في الواقع هو أننا اعتبرنا أن قيام النقد الورقي بوظيفتي الوساطة في المعاملات وقياس القيم الحاضرة مقام النقدين شرطًا كافيًا، يكفل له أن نعطيه جميع ما لهما من أحكام فقهية، ونقول: خطأ كبير؛ لأن قيام النقد الورقي بهاتين الوظيفتين يعد شرطًا ضروريًا لكي يكون نقدًا، أما الشرط الكافي لاعتبار النقد الورقي بديلا كاملا للنقدين النفيسين، فهو أن يقوم أيضًا بوظيفتي قياس القيم الآجلة ومستودع الثروة بنفس الكفاءة التي كانت لهذين النقدين في الماضي.
هذا الشرط الكافي لا يتحقق إلا في حالة استقرار الأسعار (ولا نقول ثباتها بالضرورة) ، ولكنه بعيد عن التحقيق في ظروف التضخم، وخاصة كلما اشتدت حدته، لهذا صار غالبية الناس لا يدخرون ثرواتهم في العملات الورقية المتدهورة القيمة، بل في أشكال أصول أخرى مضمونة القيمة الحقيقية بطبيعتها، ولا يعتمدون عليها كمقياس للقيم الآجلة، بل يعملون على قياس هذه القيم بطرق مختلفة.
стр. 20235
المشكلة الحقيقية أن حرص علمائنا الشديد على إلحاق النقود الورقية بأحكام النقدين كان منبعثًا من خوفهم الشديد أن يجري فيها الربا، ولا تدفع فيها زكاة إن لم يفعلوا هذه، ولم يكن هذا الخوف إلا بسبب أن البعض من الفقهاء المعاصرين أراد إلحاق النقود الورقية بالفلوس، والتي لم تعتبر نقدًا لدى الشافعية في أي زمن من الأزمان، فأبيح فيها الفلس بالفلسين (١) ، ولقد رأينا أن من الفقهاء المعاصرين من أراد اعتبار النقود الورقية عروض تجارة، فيصبح بيعها وشراؤها جائزًا وفقًا للتقدير، وتسقط عنها الاعتبارات الشرعية الخاصة بزكاة النقدين ... إلخ، ولكن الخوف من الوقع في هذه المصائب جعلنا نقع في مصيبة أخرى، حينما أصبح التضخم بلاء مستمرًا في حياتنا، بينما اعتبرنا النقد الورقي بديلًا كاملًا للذهب والفضة وأعطيناه أحكامهما في الفقه الإسلامي، هذا خطأ ينبغي التراجع عنه، ليس دفاعًا عن أي رأي فقهي ولا عن أبي سياسة، بل لكي نضع أيدينا أولًا على الحقيقية ونؤسس أحكامًا صحيحة عليها.
стр. 20236
وسأقتطف بضعة فقرات من أقوال علمائنا قديمًا، لكي أبين كيف كانوا على دراية بما ينبغي أن يكون عليه النقد حتى يقوم بوظائفه، إنهم يعنون فعلًا ما نريده نحن الآن من النقد، ولكن لا نجده كاملًا في النقد الورقي، قال ابن القيم: " فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذا لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض. فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح. فعم الضرر وحصل الظلم، أقول: وما أشبه هذا بل أكثر منه بما حدث ويحدث في إصدار النقود الورقية، بما لا يتفق مع المصلحة العامة ويؤدي إلى التهاب الأسعار، ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص ولا تقوم هي بغيرها؛ لصلح أمر الناس. ولا تحتاج هذه الفقرة إلى أي تعقيب، فهي شاهد إثبات على ما للدنانير والدراهم من صفات تمكنها من القيام بوظيفة الثمنية حاضرًا أو آجلًا، على أتم ما يرام غير متحقق في النقد الورقي (١) . وكذلك أيضًا العبارة التالية من مقدمة ابن خلدون تثبت نفس المعنى.
стр. 20237
يقول ابن خلدون: " إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول (قيمة ومقياسًا للأموال الأخرى كلها) ، وهمًا الذخيرة والقنية (الثروة الحقة التي تقتني لحين الحاجة إليها) لأهل العالم في الغالب، وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان، فإنما هو لقصد تحصيلهما لما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق (تغير أحوال الأسواق بسبب غلاء أو رخص الأموال الأخرى، أو الأنواع الأخرى من النقود الاصطلاحية) التي هما عنها (بمعزل) . وأضاف ابن خلدون إلى ذلك أن وظيفة سك النقود إنما هي تمييز للنقود وحفظ لقيمتها من الغش، فإذا تمّ فإن النقود التي تسكها الدول تصبح محل ثقة الناس، فيتخذونها – كما يقول – إمامًا وعيارًا، يقدرون به ما معهم من نقود، وكان يقصد بالنقود الأخيرة غير الذهبية والفضية، أو التي غلب عليها الغش وما زالت في أيدي الناس (١) .
علينا إذن أن نحسم الأمور، ما هي حقيقة النقد الورقي حتى يكون خاضعًا أو غير خاضع لمبدأ التعويض حينما تتعرض قيمته الحقيقية للتدهور؟
الواقع أن النقد الورقي مثل الفلوس اكتسب خاصية الثمنية بالعرف والاصطلاح، والذي نشأ أصلًا مع قرار الإصدار من قبل السلطان، أو الحكومة، ولم يكن أبدًا معتمدًا على قيمته السلعية والقبول العام للناس له في معاملاتهم، كما كان الوضع بالنسبة للذهب والفضة، حتى قبل سكهما نقدًا (٢) . لقد كانت القيمة الذاتية للفلس الواحد لا تتجاوز قيمة القطعة المعدنية الزهيدة المصنوع فيها، مما يقل كثيرًا عن قيمة النقدية الاسمية. ومع أن العملات الورقية في بدايتها كانت مغطاة بالذهب، إلا أنها انفصلت عنه تدريجيًا، وأصبحت قيمتها لا تقوم إلا على أساس الإلزام القانوني، حيث قيمتها الذاتية لا تتعدى قيمة قصاصات ورقية ملونة.
стр. 20238
وقد يقال: إن الفلوس لم تكن تستعمل إلا في إتمام المعاملات زهيدة القيمة فقط، وهذا كان صحيحًا في بداية عهدها. ولكن تغيرت الأمور بعد ذلك، حيث أسرف الحكام في إصدراها وأصبحت نقدًا رائجًا بعد ذلك في الأسواق واستخدمت في المعاملات صغيرها وكبيرها، وأقرضت وقبلت مالًا للمضاربة. هذا بينما اختفت الدنانير والدراهم التي أدخرها الناس ثروة لهم أو قاموا بصهرها حتى ينتفعوا من قيمتها السلعية. ولقد أثبت المقريزي هذا التطور بالرغم من أنه كان كارهًا للفلوس معتبرًا أنها لا تستحق أبدًا أن تكون أو تسمى نقدًا؛ لأن هذا لا يكون عنده إلا للذهب أو الفضة (١) .
بالإضافة إلى ذلك لم يعرف غلاء (تضخم) مستمر إلا في عصر الفلوس، وكان هذا بسب الإسراف في إصدارها (انظر المقريزي) فتعرضت (للرخص) الشديد في بعض الفترات. ما يحدث الآن من تضخم بسبب الإسراف في إصدار النقد الورقي لا يختلف في جوهره كثيرًا عما كان يحدث للفلوس.
ولكن هل هذا الشبه يبيح لنا أن نقول إذن أن نأخذ أحكام الفلوس في الفقه حتى نطبقها على النقد الورقي؟ لو فعلنا هذا لارتكبنا خطأ لا يقل عن خطأ أخذ أحكام الذهب والفضة للنقد الورقي. فالفلوس عند بعض المذاهب اعتبرت نقدًا اصطلاحيًا، وعند البعض الآخر لم تعتبر نقدًا بل سلعة، وعند آخرين نقدًا عند رواجها، أما في غير ذلك فهي سلعة تباع وتشتري.
стр. 20239
وخلاصة ما سبق: أن النقود الورقية تقوم الآن مقام النقدين تمامًا في قياس القيم الحاضرة والوساطة في المعاملات (خاصية الثمنية) ، ولكنها لا تستطيع القيام أبدًا مقامها في قياس القيم الآجلة أو الوفاء بالديون والالتزامات الآجلة طالما اتجه المستوى العام للأسعار إلى الارتفاع (أو الانخفاض) بصفة مستمرة. ومن جهة أخرى فإن النقود الورقية لم تكتسب خاصية الثمنية اعتمادًا على قيمة ذاتية (سلعية) مثلما كان الوضع بالنسبة للنقدين، بل بناء على الإلزام من قبل الجهات الرسمية المصدرة، فأصبحت بذلك نقودًا اصطلاحية، كما كان الأمر تمامًا بالنسبة للفلوس في عصور رواجها. بالإضافة إلى ذلك فإن القيمة الحقيقية (القوة الشرائية) للفلوس تعرضت دائمًا للتدهور مع الارتفاع العام والمستمر في الأسعار، مما كان يؤدي إلى مشكلات حادة في قياس قيم المعاملات الآجلة وفي الوفاء بالحقوق والالتزامات الآجلة. ونفس الأمر قائم الآن بالنسبة للنقد الورقي. والأمر الخطير الذي يستدعي الانتباه هنا أحد الأسباب الرئيسة، وربما السبب الحقيقي وراء الارتفاع العام والمستمر في الأسعار في عصر الفلوس الرائجة قديمًا، وكذلك في عصر النقود الورقية في عصرنا هو الزيادة في عرضها نتيجة تزاوج عنصر (الإلزام) مع قلة الخبرة والدراية، أو (الإساءة) في عملية الإصدار من قبل السلطات، ومن هنا كانت مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود الورقية أو الفلوس مشكلة ذاتية التوليد، وهذا بخلاف نظام النقدين حيث كان عرضهما محكومًا بعوامل أخرى خارجة غالبًا عن نطاق تحكم السلطات التي تسك النقود. لذلك كان الارتفاع العام في الأسعار يحدث لأسباب أخرى متعلقة بعوامل الطلب والعرض، وهذه الأمور تجعلنا نؤكد أن النقود الورقية في حاجة إلى أحكام شرعية خاصة بها في قياس القيم الآجلة، وفي الوفاء بالحقوق والالتزامات الآجلة، وليس من المنطقي أو المعقول أن تؤجل هذه المسألة لحين بناء اقتصاد إسلامي جديد؛ لأن التشريع الإسلامي كان موجودًا حينما كان المجتمع الإسلامي في بدايته أو في مرحلة التكوين، ولم يكن أبدًا قاصرًا على المجتمع المثالي الذي أصبحت فيه الدولة الإسلامية قائمة بذاتها، مطبقة الشريعة في كافة أركانها.
стр. 20240
وأعتقد أننا بحاجة ماسة في هذا المنعطف إلى مناقشة مسألة (المثلية) أو (القيمية) بالنسبة للنقود الورقية حتى تنتهي برأي فاصل في قضية التعويض؛ ذلك لأننا إذا كنا سوف نحكم على المثلية تبعًا (للجوهر) أو لتساوي وحدات النقد الورقي من الفئة الواحدة في القيمة أو المنفعة، أي من حيث القوة الشرائية للسلع الأخرى، فسوف نقول وعلى الفور: إن هذا النقد يعد مثليًّا فقط في المعاملات الحاضرة أو خلال الفترة الزمنية القصيرة التي لا تتعيب في هذه المثلية عادة بسبب التغيرات الطفيفة أو المحدودة في الأسعار. أما في الفترة الطويلة فالأمر يختلف، فإذا كان ثمة استقرار في الأسعار – أو حتى شبه استقرار – فإن النقد الورقي سيظل محتفظًا بخاصية المثلية، أما إذا كان ثمة ارتفاع متواصل في الأسعار، فإن المثلية بالمعيار الذي تقدم تتعيب على سبيل التأكيد، بل وقد تُفقد تمامًا على مدى السنوات. وكلما كان الارتفاع في المستوى العام للأسعار أشد حدة، كلما كان فقدان خاصية المثلية بالنسبة للنقد الورقي أسرع، وهنا يصبح طول الفترة التي نتكلم عنها وتتعيب فيها المثلية متوقف على معدل التضخم، ونفس هذه المناقشة تنطبق منطقيًا على حالة انخفاض الأسعار، فإن المثلية تختلف ولكن على وجه عكسي، فتصبح العملة الورقية من فئة معينة بعد عام أو عامين من الانخفاض المتواصل في الأسعار أفضل نسبيًا بشكل واضح من حيث القيمة والمنفعة.
стр. 20241
هذه المناقشة التي يمكن تقديمها والدفاع عنه من وجهة النظر الاقتصادية الموضوعية لن تتعارض، بل هي قريبة جدًا من جوهر ما قدمه بعض فقهاء المسلمين قديمًا، فعند إمام الحرمين شرط المثلي تساوي الأجزاء في القيمة والمنفعة، وعند الإمام الغزالي تماثل الأجزاء في القيمة والمنفعة من حيث الذات لا من حيث الصنعة (١) . ونجد أن جوهر التعريفيين واحد، ويتعلق بالمعنى أو المضمون وليس بالشكل أو الصورة. وقول الإمام الغزالي: من حيث الذات لا من حيث الصنعة، يؤكد تعلق المفهوم بالمعنى وليس بالشكل (٢) . فإذا تم قياس القيمة أو المنفعة تبعًا لقدرة النقد على شراء أو حيازة السلع أو الأصول الأخرى، فإن المثلية تتعيب قطعًا، وربما فُقدت مع استمرار الأسعار في الارتفاع بمعدل ملحوظ على مدى الزمن.
وعند الكاساني (المثل المطلق) هو المثل صورة ومعنى، فأما القيمة فمثل من حيث المعنى، دون الصورة (٣) ، والقصد من هذا أن مفهوم المثلية يكتمل بتماثل المعنى وهو الجوهر أو المضمون، والذي يقاس بقيمة الشيء مع الصورة أو الشكل. ويفهم من هذا أن الصورة وحدها لا تفي بالمثلية، وكذلك القيمة وحدها، وفي إحدى عباراته يؤكد أن " الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة، فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر ". ولو طبقنا هذا على النقود الورقية لقلنا: إن اكتمال المماثلة يتحقق أولًا بالصفات الشكلية الدقيقة للورقة النقدية من حيث نوعية الورق المستخدم في صناعتها وألوانها، وغير ذلك من علامات مميزة تجعل تزويرها صعبًا، بالإضافة إلى الأرقام التي تُثبت رسميًا محل وزمان إصدارها وقيمتها الاسمية وتوقيع محافظ البنك المركزي نائب عن الدولة في سلطة الإصدار، ويتحقق ثانيًا باستقرار القيمة، والتي تتعين باتفاق الاقتصاديين جميعًا بالقوة الشرائية، أي القدرة على حيازة الأشياء الأخرى، فإذا تغيبت الصفات الشكلية ستتعرض الورقة النقدية للرفض من قِبل المتعاملين، وكذلك نفس الشيء بالنسبة للقيمة. وفي مجتمعاتنا المعاصرة يفطن معظم الناس إلى تعيب الشكل بالنسبة للنقد الورقي (خاصة الوطني) ، ولكن قد لا يفطنون إلى تعيب القيمة، حيث يحدث على التدريج غالبًا إلا في حالات التضخم الجامح ... فالواجب الشرعي إذا كان الأمر كذلك تنبيه الناس إلى تعيب القيمة في النقد وإرشادهم إلى كيف يتصرفون بإزائه، وهذه مسئولية الحكومة (٤) .
стр. 20242
ويقول السرخسي: إن المراد بالمماثلة في النقدية المماثلة في الوزن (١) . وهذه حقيقة تستند إلى نص شرعي ثابت. فالذهب والفضة من الأصناف الربوية الستة التي ذكرت في حديث الربا. فالحقيقة التي لا تقبل الجدل أن المثلية في الذهب والفضة، سلعتين كانتا أو نقدين إنما تتحدد بالوزن، وأن عدم الالتزام بهذا المفهوم يعني الوقوع في الربا، وإذن فليس الشكل أو الصورة أو القيمة الاسمية المكتوبة على قطعة النقد الذهبية أو الفضية هي التي تحد مثيلتها.
والقول بأن المثلية في النقدين اعتمدت على العدد فقط يجانب الصواب، فالمعدود لا يعد مثليًا عند فقهاء المسلمين إلا إذا تساوى آحاده. فإذا قلنا: إن التساوي يكون بالشكل أو بالقيمة الاسمية للعملة الذهبية أو الفضية فقط، وقعنا في الغلط، حيث إذا لم يكن الوزن متساويًا تمامًا في الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة وقع الربا.
والآن فإن القول بأن النقود الورقية مثلية كما كان الأمر بالنسبة للنقدين يجانب الصواب كثيرًا؛ ذلك لأن قياس النقود الورقية على النقدين في هذا الصدد أصلًا، أو من هذه الزاوية لايصح، فالنقد الورقي ليس له وزن، وليس له عيار يعرف به إلا عن طريق قياس قيمته الحقيقية، والتي تتمثل في قدرته الشرائية، وهذه لا تتحدد إلا بمعرفة أسعار الأشياء الأخرى. أما العدد في النقد فلم يكن أبدا أساسًا لمثلية الدنانير أو الدراهم، وإنما كان دليلًا صادقًا لهذه المثلية طالما حددت الأوزان بدقة وأمانة واستقرت على حال واحد. وكذلك فإن العدّ للنقد الورقي، والذي هو مرتبط فقط بمواصفاته الشكلية لا يمكن أن يكون أبدًا أساسًا لمثلية النقد الورقي.
فهل يعني ما سبق أن النقود الورقية قيمية وليست مثلية؟ الواقع أننا إذا قلنا: إنها قيمية على الإطلاق فقد جانبنا الصواب، وكذلك إذا قلنا: إنها مثلية على الإطلاق فقد جانبنا الصواب أيضًا، إن النقود الورقية مثلية بشروط وبغيرها تصبح قيمية، إنها مثلية طالما كنت الأسعار مستقرة أو شبه مستقرة، وذلك بالرغم من أنها – أي النقود الورقية - ليس لها قيمة ذاتية مثل النقدين.
стр. 20243
وتزداد أهمية المناقشة السابقة كلها حينما نتطرق إلى نوع آخر من النقود المعاصرة أصبح أكثر أهمية من النقد الورقي، ألا وهو النقد المصرفي، والذي يطلق عليه نقود الودائع أو النقود الائتمانية والتي ظهرت وتطورات تطورًا هائلًا في عصر النقود الورقية، وأصبح لها أهمية كبرى في كافة المجتمعات الحديثة. ففي وقتنا الحاضر ينقسم عرض النقود في معظم بلدان العالم إلى قسمين: الأول يتكون من العملات الورقية والعملات المعدنية الصغيرة المساعدة لها، وهي جميعًا نقود اصطلاحية إلزامية (Legal tender) تصدر عن الخزانة أو البنك المركزي، والقسم الثاني يتكون من نقود الودائع أو النقود الائتمانية أو المصرفية والتي لها خصائص تميزها عن غيرها، ويتم توليدها عن طريق المصارف التجارية، والملاحظ أن القسم الأكبر من النقود في بلدان العالم – خاصة البلدان المتقدمة اقتصاديًا – عبارة عن نقود مصرفية. هذه النقود المصرفية أو الائتمانية تتمثل في الودائع التي تحتفظ بها البنوك في حساباتها ن ويمكن التصرف في مبالغها عن طريق استخدام الشيكات cheques أو بطاقات الائتمان. ولو أن الودائع التي تحتفظ بها المصارف في حساباتها تساوي ما يحتفظ به الأفراد من نقود لديها، لما كان في الأمر شيء جديد يستحق الاهتمام. فالأفراد – في هذه الحالة - يودعون مبالغ نقدية لدى المصارف، ثم يقومون بسحبها لأمرهم أو يأمرون بدفعها لآخرين، ولكن الواقع أن الودائع المصرفية تفوق مجموع ما يحتفظ به الأفراد من نقود لدى المصارف، فالواقع أن المصارف التجارية بما ليدها من أصول مختلفة من جهة، ولما تحوزه من ثقة من جانب الأفراد الذي يتعاملون معها من جهة أخرى، تستطيع أن (توليد) (١) ودائع مصرفية، وينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية أن هذه المقدرة على توليد نقود الودائع لا تتأتى لمصرف واحد، وإنما تتأتى للمصارف مجتمعة معًا.
стр. 20244
ويلاحظ أن النقد المصرفي له ثمنية اصطلاحية تمامًا مثل النقد الورقي، ولكنها أساسًا ثمنية اصطلاحية عرفية - أي عرفًا بين الناس - وليست إلزامية أصلًا بأمر القانون كما هو الحال في النقد الورقي. ولقد اعتقد البعض من رجال الاقتصاد الإسلامي أن النقد المصرفي لا يتم توليده إلا في إطار نظام الفائدة، والذي هو مرفوض إسلاميًا، ولكن الحقيقة أنه غير مرتبط بهذا النظم ضرورة. فعملية توليد النقد المصرفي تعتمد أساسًا على استعداد الناس للتعامل بهذا النقد بدلًا من النقد الورقي. وهذا الاستعداد يعتمد على الثقة في البنوك أيا كانت هويتها أو نظامها، إسلامية أو غير إسلامية، ومقدرتها الوفائية، أي مقدرتها على دفع أي مبالغ تطلب منها بنقد ورقي جاهز في أي لحظة من اللحظات. وكلما ازداد استعداد الناس لقبول الدفع وتسوية الديون بالشيكات المصرفية أو ببطاقات الائتمان، وكلما ازدادت الثقة في المقدرة الوفائية للبنوك، كلما ازدادت أهمية النقد المصرفي، وحل محل النقد بالورقي في المعاملات العاجلة والآجلة.
стр. 20245
والآن نحن في مجال النقد المصرفي لا نستطيع إطلاقًا أن نؤيد أو نوافق على الآراء الفقهية التي تحاول قياس كل ما يستجد من إشكال النقود على الذهب والفضة أو الفلوس، فالنقد المصرفي له خواص مستقلة تمامًا ونظام مختلف تمامًا عن نظام المعدنين، ويجب أن نجابه الأمور مجابهة موضوعية على أسس علمية رصينة، فهل النقد المصرفي يؤدي وظائف النقد وهي الوساطة في المبادلات وقياس القيم وخزن الثروة أو القيمة بكفاءة؟ وهل وحدات النقد المصرفي مثلية أم قيمية؟ وسوف نجد الإجابات واضحة إذا لم نحول في كل مرة تعقيد الأمور والرجوع إلى آراء فقهية قديمة وغير مناسبة إطلاقًا للمشكلة المطروحة للقياس عليها. فالنقد المصرفي نائب عن النقد الورقي، ويؤدي بكفاءة أكبر منه وظائف الوساطة في المعاملات الضخمة. أما بالنسبة لقياس القيم وخزن الثروة فلا يختلف النقد المصرفي عن النقد الورقي في قياس القيم العاجلة أو الآجلة وحفظ الثروة بكفاءة تامة، طالما كانت الأسعار مستقرة.
أما إذا كانت الأسعار تتغير في الأجل الطويل بشكل ملحوظ، فإن النقد المصرفي يتعرض لنفس ما يتعرض له النقد الورقي. ولا يستطيع أحد أن يقول: إن النقد المصرفي مثلي بسبب الشكل أو الوزن، فهذه كلها أمور مستعبدة، حيث لا شكل له ولا وزن، وإنما هو أرقام تسجلها الدفاتر أو تكتب على الأوراق. وإنما هو مثلي تبعًا للمنفعة المحققة من وراءه، ومثليته هذه يفترض ثباتها طالمًا استقرت الأسعار، ولكنها تتعيب تماما كما هو الحال في النقد الورقي إذا ارتفعت الأسعار وظهر التضخم واستمر على مدى الأجل الطويل، ومن ثم تصبح قضية التعويض ضرورية لأجل العدالة.
فالنقود الورقية في حالة استقرار الأسعار لها منفعة وقيمة حقيقية لا تختلف عن الدنانير الذهبية أو الدراهم الفضية، ويمكن التعامل بها غدًا بثقة تامة. أما في حالة ارتفاع الأسعار (أو انخفاضها) فالأمر يختلف، إذا كان الارتفاع في الأسعار يسيرًا ولفترة قصيرة عدة شهور مثلًا، ثم انتهى، فلا بأس من القول بمثلية النقد الورقي، وذلك حرصًا على استقرار المعاملات في الأسواق، وحرصًا على الحقوق والالتزامات بين الأفراد. وفي حالة ما إ ذا كان الارتفاع في الأسعار مستمرًا على مدى عام وأكثر، فإنه سوف يؤثر في تماثل وحدات العملة الورقية، حتى وإن كان يجري بمعدلات منخفضة؛ وذلك لأن الأثر التراكمي له سوف يكون كبيرًا على مدى الفترة الزمنية الطويلة. وفي هذه الحالة تتعيب المثلية، وكلما كان الارتفاع في الأسعار كبيرًا، كلما تأكدت هذه النتيجة، وحينئذ لا يمكن القول بمثلية النقد الورقي، ولابد من اعتباره قيميًا، أو رفض التعامل به إذا وجد بديل أفضل منه (١) .
стр. 20246
وفي نهاية هذه المناقشة لمفهوم المثلية بالنسبة للنقود الورقية والائتمانية المعاصرة، أعتقد أن البعض لن يستريح من القول بأن هذه النقود يمكن أن تكون مثلية أو تكون قيمية. وما ذلك إلا لأننا قد درجنا على تصنيف الأشياء على أنها إما مثلية أو قيمية، ولم يتطرق إلى أذهان أهل الفقه والعلم قديمًا أنه سيكون هناك نقد اصطلاحي بحت بالإلزام القانوني أو بالعرف التجاري يصل في قوته الشرائية إلى ما وصل إليه الذهب قديمًا، ولكنه يمكن أن يهبط في قوته الشرائية إلى ما هبطت إليه الفلوس أو أقل، إذا أسيئت إدارة كميته، وأن هذا الأمر لا يحدث أبدًا فجأة، وإنما على مدى الأجل الطويل. ومن ثم فإن اعتبار الزمن والتغيرات النسبية المتعلقة بالزمن لابد من أخذهما في الحكم على هوية النقود المعاصرة في أنها مثلية، وقد تبقى كذلك أو تتغير إلى قيمية، إنه شيء جديد لم يعرف السابقون شبيهًا له إلا جزئيًا في حالة الفلوس، ولكنهم لم يعرفوه كما نعرفه نحن الآن على سبيل التأكيد (١) .
стр. 20247
مسئولية الحكومة في التعويض:
لقد أصبح من المتعارف عليه في كل أنحاء العالم أن تقوم الحكومة بالحفاظ على مصالح الناس وتعينهم على تحقيقها، مع اختلاف المفاهيم بالنسبة للمصالح واختلاف السياسات والسبل التي تتبع للمحافظة عليها أو لتحقيقها. والحكومة في النظام الإسلامي تقوم بوظيفتي الحراسة والرعاية للمحكومين ولمصالحهم، قال ﵊: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) ، ولكنها تقوم بذلك ليس بناء على عرف موروث أو عقود اجتماعية أو مواثيق سياسية ثابتة أو متجددة، وإنما امتثالًا لشريعة الله في المقام الأول، وأخذًا في الاعتبار مقاصد هذه الشريعة، ثم بعد ذلك أخذًا في الحسبان المصالح المرسلة على أساس الاجتهاد من العلماء والشورى مع أهل الخبرة، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
إن مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود من المشكلات المعاصرة التي تحتاج إلى مواجهة معالجة خاصة حينما تكون مزمنة حادة. وليس هناك من حكومة في العالم إلا ولها مواجهات مع هذه المشكلة ومحاولات لعلاجها، ولا تستثنى الحكومات في البلدان الإسلامية من هذا الاتجاه، ولكن المشكلة في البلدان الإسلامية أنها لم تعد تحكم بالشريعة الإسلامية إلا استثناء أو استرشادا ً، ولكن ليس التزامًا وإلزامًا. وهنا في اعتقادي يأتي دور علماء المسلمين وواجبهم عند مواجهة المجتمع لأي مشكلة حادة، أن يبينوا الحل الإسلامي، وأن يوضحوا للحكومة القائمة كيفية القيام به ويحثونها على ذلك قدر ما يستطيعون.
стр. 20248
وانطلاقًا من المناقشات والآراء التي تم عرضها فيما سبق من صفحات وما يستخلص منها، أعتقد أن مسئولية الحكومة في قضية التعويض تتحدد من خلال الأطر الشرعية والاقتصادية التي تعمل على تحقيق العدل بين الناس في معاملاتهم وفي تحصيلهم لحقوقهم، أو أداء ما عليهم من التزامات تجاه البعض، مع الحفاظ على توازن دقيق بين معالجة أسباب المشكلة وآثارها. وهذا ما نعمل على توضيحه فيما بعد:
أولًا – يرى البعض أن مسئولية الحكومة في مواجهة مشكلة تدهور القيمة الحقيقية للنقود يجب أن تنحصر في أمر واحد، ألا وهو معالجة سببها وهو التضخم، فتدهور القيمة الحقيقية للنقود ما هو إلا إنعكاس لارتفاع الأسعار أو هو الأثر الناجم عن ارتفاع الأسعار، ومن ثم فإن الاهتمام بعلاجه بالتعويض أو بغير ذلك يمكن أن يؤدي إلى إهمال السبب الأساسي، فتزداد المشكلة تفاقمًا.
ونرى أن معالجة السبب يجب أن تسير جبنًا إلى جنب مع معالجة الآثار التي تعبث بالعدالة في أداء الحقوق والالتزامات الآجلة، وللتأكيد فإن إهمال معالجة السبب لايعني سوى استمرار الداء وما يترتب عليه، ولكن إهمال معالجة ما يترتب على الداء لايعني سوى المعاناة مع احتمال استفحاله.
وتنبع مسئولية الحكومة في معالجة التضخم من أنها تتحمل بصفة أساسية مسئولية إدارة عرض النقود داخل الاقتصاد، سواء عن طريق الإصدارات النقدية أو عن طريق تفويض البنك المركزي في إدارة النقد المصرفي. ولقد أظهرت الأبحاث والدراسات أن الارتفاع المستمر في الأسعار لا يمكن أن يكون ناشئًا فقط عن صدمات طلب أو صدمات عرض مجردة عن زيادات نقدية، فالواقع أن آليات السوق الحر كفيلة بتصفية الموجات التضخمية الناشئة عن صدمات الطلب أو العرض بعد فترة، واستعادة الاستقرار في الأسعار،ولكن التغذية النقدية، أو زيادة عرض النقود، في ظروف الصدمات هي التي تسبب في استمرار الأسعار في الارتفاع، ومن ثم فإنها مسئولية السلطات النقدية أن تتحكم بدقة في معدلات الزيادة في عرض النقود حينما تظهر بوادر صدمات طلب أو عرض تضخمية، وكذلك حينما تسعى إلى إزالة هذه الصدمات تدريجيًا حتى لا يستمر الارتفاع في الأسعار (١) . ولكن التسليم بضرورة الإدارة الحكيمة والرشيدة لعرض النقود لا يعني بالضرورة النجاح في وقف عملية الارتفاع في الأسعار والتخلص من التضخم،؛ لأن ثمة عوامل عديدة تتدخل في الصورة وتمنع من استعادة الاستقرار والعودة إلى التوازن بسهولة أو في مدى قصير من الزمن (٢) ، من ثم فإن التضخم سوف يستمر، ولابد من معالجة ما يترتب عليه من اختلالات في النشاط الاقتصادي وفي المعاملات والحقوق والالتزامات، وتزداد أهمية هذه المعالجة ومسئولية الحكومة في القيام بهما كلما زادت حدة التضخم وطال أمده.
стр. 20249
ثانيًا – ينبغي أن يلاحظ أن مسئولية الحكومة في الاقتصاديات الوضعية التي تعتمد على آليات السوق الحر أساسًا في معالجة أسباب التضخم وآثاره؛ تقل عن مسئولياتها في ظل نظام إسلامي فيه إشراف على الأسواق والمعاملات التي تجري فيه لأجل تحقيق العدالة، ففي البلدان التي ارتضت أنظمة السوق الحرة يسعي الأجراء تلقائيًا للمطالبة بزيادة أجورهم النقدية حينما ترتفع الأسعار؛ لتعويض التدهور في القيمة الحقيقية لدخولهم، وقد يُضربون أو يمتنعون عن العمل لتحقيق مصالحهم، والحكومة لا تتدخل إلا إذا وصلت الأمور إلى الحد الأسوأ.
أما في البلدان الإسلامية فالتراضي في المصالح بين الأجراء وأصحاب الأعمال يجب أن يتم في إطار التماسك الاجتماعي بين الطبقات؛ لأن المسلمين أخوة، ومن ثم فإن الحكومة لا تدع الأمور تصل إلى حد المصادمة بين المصالح الطبقية.
كذلك فإنه في البلدان المتقدمة ذات الأسواق الحرة أصبح نظام الفائدة مستقرًا وله مؤسساته الراسخة، واعتمادًا على هذا النظام تجد رجل الأعمال أو الرجل العادي لا يقرض أمواله بالزمن، إلا مقابل فائدة لا تعوّض فقط التدهور في القيمة الحقيقية للنقود التي يسببها التضخم، بل تزيد عن ذلك. والبنوك الربوية تتنافس في عرض مزايا لاستخدام مدخرات الأفراد لآجال طويلة في ظل هذا النظام. وعامة الناس أصبحوا في هذه البلدان مدركون لظاهرة خداع النقود (١) ، ومتمرسون في عمليات الإقراض والاقتراض بفوائد، أو استخدام أموالهم في مضاربات شراء وبيع أوراق مالية على مدى الزمن، لكي يحققوا من ورائها عوائد مجزية تحفظ قيمة ثوراتهم الحقيقية أو تنميتها في إطار الظروف التضخمية.
ولكن الأمر يختلف تمامًا في ظل نظام اقتصادي إسلامي، حيث لايسمح للأفراد بالمعاملات الربوية ولا يصرح لهم بالتغلغل في المضاربات السعرية في أسواق الأوراق المالية، سواء قيل: إن هذا أو ذاك للمحافظة على القيمة الحقيقية لثرواتهم في ظروف التضخم، أو لأجل تنمية هذه الثروات.
ومن ثم نتبين مسئولية الحكومة في معالجة المشكلة، سواء من جهة سببها أو أثرها في ظل توجه اقتصادي إسلامي.
стр. 20250
ثالثًا – بعض من الاقتصاديين الإسلاميين يرى أن وجود نظام اقتصادي إسلامي يمثل الحل الأمثل، حيث تنتهي في ظل هذا النظام مشكلة التضخم؛ لأسباب عديدة منها إدارة عرض النقود وفقًا لاحتياجات النشاط الإنتاجي الحقيقي، ومنها منع البنوك من إصدار نقود ائتمانية، ولكن هناك اعتراضات على هذا الرأي، منها أن البلدان الإسلامية قديمًا في ظل ظروف أفضل، سواء من جهة الالتزام بالشريعة أو من الجهة الاقتصادية العامة عانت من التضخم، وبالتالي عانت من مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية لنقود، ولعل إفتاء الفقهاء في القرن الثاني الهجري في حالات غلاء ورخص النقود الاصطلاحية دليل على ذلك. وحتى لو فرضنا أن النظام الاقتصادي الإسلامي إذا نُفّذ بطريقة مثلى سوف يقلل من حدة المشكلة ويجعلها غير ذات أهمية، فمتى يتحقق هذا في بلادنا؟ وهل نترك المشكلات التي ترتبت على غير ذلك الوضع الأمثل بدون حل في هذه الظروف؟ هل هذا يتفق مع العدالة التي تنشدها الشريعة الإسلامية؟ وإذن فإن من الواجب أن يحمّل علماء المسلمين الحكومات القائمة حاليًا في البلدان الإسلامية مسئولية معالجة مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود، بدلًا من انتظار أمر قد لا يتحقق في معظم البلدان الإسلامية قبل عشر سنين أو ربما أكثر.
رابعًا – مع التسليم بضرورة معالجة التضخم نفسه، فإنه بناء على الآراء والمناقشات التي سبق بيانها في عرض مبدأ التعويض (الصفحات السابقة) نرى أنه لا غنى عن هذا المبدأ لدرء المفاسد وتحقيق المصالح في إطار العدالة. ولكن التسليم بمبدأ التعويض أمر، وتطبيقه في الواقع العملي لتحقيق أهدافه أمر آخر. من هنا يجب أن نتخذ كافة الاحتياطات حتى لا يساء استخدام المبدأ أو يكون سببًا في زيادة هذه المشكلة. هذه المسئولية في التطبيق إنما تقع على عاتق الحكومة من جهتين: أولهما أن تمنع من تطبيق أي أساليب للتعويض تؤدي إلى مفاسد شرعية أو اقتصادية. وثانيهما أن تقوم بتنظيم التعويض من حيث توقيته الزمني ومقداره والمستحقين له والآلية والوسائل التي يتم بها تنفذه ومراجعته، وذلك لتحقيق المصلحتين الكلية (للمجتمع) والجزئية (للأفراد) في إطار الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
стр. 20251
خامسًا – بالنسبة للاحتياطيات التي يجب اتخاذها من أجل عدم إساءة استخدام مبدأ التعويض، يأتي أولًا ضرورة إعلام الناس عمومًا وتنبيههم إلى أن الحكومة وحدها هي المسئولة شرعًا عن تنظيم تطبيق مبدأ التعويض في الواقع العملي، وأنه ليس لأحد ممن يعلمون في النشاط الإنتاجي أو المصرفي أو من عامة الناس أن يخرج عن القواعد أو الأطر التي تقوم الحكومة بوضعها في هذا المجال، فلا يحق لأحد من الناس أن يطلب لنفسه تعويضًا عن القيمة الحقيقية لدينه أو لقرض حسن أقرضه بالطريقة التي يظن أنها مناسبة له، حيث إن هذا باب واسع يمكن أن يدخل منه الربا والغرر بلا حدود. وتأتي أهمية هذا الإعلام الشرعي في الظروف التي يمر بها الناس في البلدان التي تعاني من ظاهرة التضخم وآثارها بالنسبة للقيمة الحقيقية للنقود. فقد أزمنت المشكلة وافتقد عامة الناس وخاصتهم الحل الإسلامي ما بين مناقشات فقهية واقتصادية طويلة ومعقدة، وما بين اعتراض وموافقة، فصاروا يستمعون لمن يعرف ومن لا يعرف في أمور اقتصادية تدخل في صميم الحلال والحرام،وصار الكثير منهم يتصرف تبعًا لما يراه محققًا لمصلحته.
ومع هذا لا يجب شرعًا حرمان الأفراد من التقدم إلى القضاء طلبًا لتعويض يراه الأفراد مناسبًا في ظروف تدهور القيمة الحقيقية عندما تقصر القواعد الشرعية والاقتصادية التي وضعتها الحكومة عن الوفاء بهذا التعويض. فحق التقاضي مكفول للجميع في مواجهة أي قواعد أو تنظيمات جديدة يضعها ولي الأمر، وقد تؤدي مطالبات الأفراد إلى تعديلات هامة في القواعد أو التنظيمات تقود إلى تحقيق العدالة بصورة أفضل.
стр. 20252
سادسًا – أحد المسائل التي يجب حسمها تمامًا وقطع رأسها كما تقطع رأس الحية، والتي تسببت في الإساءة بشكل بالغ إلى مبدأ التعويض في المناقشات الاقتصادية الإسلامية؛ ما اقترحه بعض الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين – لشديد الأسف – من اعتبار الفائدة المصرفية تعويضًا عن التدهور في القيمة الحقيقية للنقود في ظروف التضخم. وبالرغم من أن هذا الاقتراح لا يستحق عناء بالرد عليه؛ بسبب سطحيته البالغة من الناحيتين الشرعية والاقتصادية، إلا أن من الضروري تفنيده حتى ينتهي أمره.
أولًا: إن البنوك أو المؤسسات التي تمارس الإقراض والاقتراض بفائدة في كل أنحاء العامل لا تفعل هذا إطلاقًا بغرض التعويض عن التدهور في القيمة الحقيقية للنقود، بل لأجل الاكستاب (اكتساب الفوائد) والفائدة تتطابق في معناها مع الربا كما أقرت المجامع الفقهية في العالم ومجمع البحوث الإسلامية للأزهر في مصر. وإذا قيل: ولماذا لا نعتبر الفائدة تعويضًا عن التدهور في القيمة الحقيقية للنقود ومن ثم تصبح جائزة شرعًا؟ قلنا على سبيل التأكيد: إن البنوك التجارية التي تتعامل الآن بنظام الفائدة لن ترضي بأن تغير جوهر نشاطها على هذا النحو، وإن البنوك الإسلامية التي لا تتعامل بالفائدة لا تستطيع أن تستبدل نشاطها التمويلي القائم على أساس المشاركة في الغنم والغرم، والذي يخدم النشاط الاقتصادي بنشاط لا هدف له سوى عملية التعويض، وهي ليست إلا عملية تصحيحية تنتهي إذا زال السبب الذي يدعو إليها ولم تعد إليها حاجة. هل نسي من اقترحوا أن تكون الفائدة تعويضًا عن التدهور في القيمة الحقيقية للنقود: أن المستوى العام للأسعار قد يظل ثابتًا في بعض السنوات أو ربما ينخفض؟ هل ترضى البنوك أن تصبح مجرد مكاتب تأخذ المدخرات من أصحابها وتسلمها لمن يريد استثمارها بعائد يساوي الصفر في حالة ثبات الأسعار؟ وهل يرضى أصحاب المدخرات أن يدفعوا نقودًا إضافية للمستثمرين إذا حدث انخفاض في المستوى العام للأسعار؟ إن حجتهم داحضة.
وثانيًا: لقد اعتقد من اقترحوا الفائدة تعويضًا عن تدهور القيمة الحقيقية للنقود، أنها سوف تسخر لتحقيق هذاالهدف، ونسوا أن البنك المركزي في كل دولة يقوم بتحديد سعر الفائدة والارتكاز عليه كأداة رئيسة من أدوات السياسة النقدية، ليس فقط لتحقيق الاستقرار الاقتصادي داخليًا، وإنما أيضًا لتحقيق توازن ميزان المدفوعات خارجيًا، وقد ترتفع أسعار الفائدة وتنخفض تبعًا لأهداف السياسة الاقتصادية الكلية دون اعتبار لارتفاع المستوى العام للأسعار. وفي فترة السبعينيات ارتفعت الأسعار كثيرًا، وبقيت أسعار الفائدة شبه ثابتة حتى أصبحت الفائدة الحقيقية سالبة في عدد كبير من البلدان النامية بنسب تصل إلى (- ٣٠ %) ، (-٤٠ %) ، وفي الثمانينيات ارتفعت أسعار الفائدة العالمية فوق معدلات التضخم الجارية فتزايدت معدلات الفائدة الحقيقية بما سبب لكثير من البلدان النامية متاعب جمة وزيادة كبيرة في أعباء الديون الخارجية، وكل هذه الأموال وما يحدث الآن في التسعينيات في إطار البرامج الإصلاحية لصندوق النقد الدولي التي ترتكز على سعر الفائدة لتقليل معدلات التضخم تارة، ولتشجيع الاستثمارات تارة أخرى، تدل على أن هؤلاء الاقتصاديين والفقهاء الذين اقترحوا الفائدة كآلية للتعويض كانوا مخدوعين فيها، أو أنهم تعرضوا للتغرير من بعض أولي الجهل الذي يدعون الخبرة الاقتصادية وهم بلا أي خبرة.
стр. 20253
سابعًا – هناك مسألتان يجب أخذهما في الاعتبار حتى لايؤدي التعويض إلى إخلال بالنواحي الشرعية أو الاقتصادية. المسألة الأولى بالنسبة للتوقيت الزمني للتعويض، فلا يجب إطلاقًا أن يقوم التعويض على أساس ما نتوقع حدوثه من ارتفاع في المستوى العام للأسعار، ومن ثم تدهور في القيمة الحقيقية للنقود؛ ذلك لأن ما نتوقع حدوثه مهما كانت دقة التوقعات قد لا يتحقق إلا جزئيًا، وقد لا يتحقق على الإطلاق، أو قد يتحقق شيء مخالف له، وفي كل هذه الأحوال سينطوي التعويض على غرر أو ربا وكلاهما مرفوض. وعلى ذلك فإن التعويض لا يجب أن يتم إلا في ظروف قد وقعت وعرفت تفاصيلها، والتحليل الاقتصادي من جانب آخر يؤكد أهمية هذه المسألة؛ لأن إقرار التعويض مسبقًا يؤدي مباشرة إلى زيادة المطالبات النقدية من قبل أصحاب الحقوق على أصحاب الالتزامات الذين تتكون نسبة كبيرة منهم في الاقتصاديات المعاصرة من أصحاب الأعمال، فيسارع هؤلاء برفع أسعار بضائعهم أو خدماتهم، فيترفع المستوى العام للأسعار بمعدلات أكبر مما كان يمكن أن يحدث في غير هذه الظروف. ولذلك فإن القاعدة العامة الذي يجب الالتزام بها هو أن لا يتم تعويضٌ قبلَ أن يتحقق تضخم بالفعل. والمسألة الثانية مكملة للمسألة الأولى، وهي أن بعض أنواع التضخم قد يكون أقل حدة من بعضها الآخر، كما قد يكون ممكنًا علاجه في مدى سنة أو سنتين، وهنا قد لا يصرح بالتعويض؛ لأن هذا في حد ذاته قد يؤدي إلى زيادة حدة التضخم أو إطالة أمده. والسبب في هذا مرة أخرى ما سبق أن ذكرناه من العلاقة الاقتصادية بين زيادة المطالبات النقدية بسبب التعويض وارتفاع الأسعار، وقد يكون في عدم التصريح بالتعويض في هذه الحالة ضرر للبعض، ولكن المصلحة العامة للمجتمع لها الأولية، والحكومة هي المسئولة عن الحفاظ على المصلحة العامة، ومرة أخرى فإنه إن وقع على البعض ضرر بالغ بسبب عدم التصريح بالتعويض، فإن بإمكانه رفع الأمر للقضاء كحالة خاصة.
стр. 20254
ثامنًا – إلحاقًا بالنقطة السابقة فإنه يتعين على الأجهزة المسئولة أن تقرر حالة التضخم التي ينبغي إقرار التعويض فيها، حيث يصاحبها تدهور غير محمود في القيمة الحقيقية للنقود، لا يعبث فقط بالحقوق والالتزامات الآجلة للأفراد، بل يسيئ عمومًا إلى النشاط الاقتصادي للمجتمع، وتقرير حالة التضخم لا يتم إلا بمعرفة معدله ومدى تسارعه. ويجب علينا الآن تحديد حالة التضخم التي اقترحنا في النقطة السابقة التغاضي عنها، والعمل على علاج سببها فقط دون آثارها، حيث هذه تمثل الحد الأدنى، وما فوق هذا الحد يجب إقرار التعويض فيه.
لقد خشي الرسول ﷺ على أموال اليتامى أن تأكلها الصدقة إن لم تستثمر على مدى الزمن، والصدقة هنا هي الزكاة، والمقصود هنا ما يخص المال (حيث الزراعة والتجارة وأنشطة استثمارية) ونسبتها ربع العشر، أي (٢.٥ % سنويًا) ، والخشية هنا أن تستمر الأموال عاطلة سنتين وثلاث وأكثر، فتتآكل بفعل الصدقة، إذن فالرسول ﷺ خشي من معدل (٢.٥ %) إذا أصبح تراكميًا، فكيف بنا بمعدل (١٢.٥ %) للتضخم يأكل خمس مرات ما تأكله الصدقة؟ ألا نخشى على أموال اليتامى وحقوق الضعفاء، بل وحقوق عامة الناس؟ هل نعتبر (٥ %) تراكم المعدل في سنتين مثلًا) مبررًا لتعيب مثلية النقد الورقي، أم (١٠ %) وهو أربع مرات مثل معدل الزكاة؟
أم نأخذ توجيهًا من حديث الثلث في المال (٣٣.٣ %) حينما أراد سعد ﵁ أن يتنازل عنه للفقراء قبل منه رسول الله ﷺ ولكنه قال: ((والثلث كثير)) .
أم نعتبر أن ما يفعله التضخم بالقيمة الحقيقية للنقود (غبن) ، وهو هكذا فعلًا في الواقع، ونأخذ بما ورد في مجلة الأحكام العدلية بالنسبة لأقصى حد للغبن يمكن التجاوز عنه، وهو (٢٠ %) ، فنقطع بأن زيادة معدل التضخم فوق هذا الحد تعيب مثلية النقد الورقي (١) .
أم نأخذ بالعرف فنتخذ لنا معيارًا وحكمًا معدل التضخم السائد في الدول التي نعرف بأن عملاتها النقدية قوية أو مستقرة نسبيًا، ومن ثم فإن مثليتها محفوظة على مدى الزمن؟ وفي هذه الحالة سنعتبر أن أي معدل تضخم يرتفع عن هذا المعدل يتسبب في تعيب مثلية النقود؟ لو أخذنا مجموعة البلدان المتقدمة اقتصاديًا (بلدان الدخل المرتفع) في عالمنا المعاصر، وعملات هذه البلدان تتميز عمومًا بأنها قوية ومستقرة نسبيًا، سنجد أن معدل التضخم فيها خلال الفترة (١٩٨٠ – ١٩٩٠ م) لم يتجاوز في متوسطه (٤.٥ %) سنويًا (٢) ، فهل نعتبر أن مثلية النقد الورقي في البلدان الأخرى تتعيب بارتفاع معدل التضخم السنوي فيها فوق (٤.٥ %) أو (٥ %) ؟
стр. 20255
وأجد نفسي بعد عرض هذه المقترحات ميّالًا إلى اعتبار أن التضخم يؤدي إلى غبن أصحاب الحقوق الآجلة، وأن أقصى غبن يمكن التجاوز عنه لا يجب أن يتعدى (٢٠ %) خُمس القيمة، فإذا كان ثمة ارتفاع عام في الأسعار بمعدل (٢٠ %) في سنة واحدة، فإنه يعيب مثلية النقد الورقي في سنة واحدة، وإذا حدث بمعدل (١٠ %) في سنتين متتاليتين فإنه يحدث نفس الأثر، فلا يجوز اعتبار النقود الورقية مثلية بعد عامين في هذه الحالة. وأعتقد أن علينا أيضًا أن نتفق على حد أدنى لمعدل تغير الأسعار نتجاوز عنه عرفًا في السنة الواحدة، وربما كان هذا (٢.٥ %) هو معدل زكاة النقدين في سنة فقط أو (٤.٥ %) وهو متوسط المعدل السنوي السائد في بلدان العملات الورقية المستقرة القيمة نسبيًا، حيث ليس من الحكمة افتراض الثبات والاستقرار التام، فهذا لا يمكن أن يتحقق مطلقًا لا في قيمة العملات النقدية أو غيرها، ومن هنا فإن المقترح هو التعويض الجزئي عن التدهور في القيمة الحقيقية للنقود، حينما يستلزم الأمر هذا، وليس التعويض الكلي بأي حال.
وتتأكد ضرورة عملية التعويض الجزئي ومسئولية الحكومة في الإشراف عليها بدقة أيضًا، على أساس التحليل الاقتصادي الذي يؤكد أن التعويض نفسه يتضمن زيادات نقدية تتدفق إلى الاقتصاد، وأن هذه في حد ذاتها يجب أن تتم بمعدلات تقل عن معدل التضخم، حتى يتم علاجه في النهاية.
стр. 20256
تاسعًا – مَن المستحق للتعويض حينما يتقرر ذلك في ظروف التضخم؟ هذا سؤال هام يحتاج إلى إجابة متأنية. فالمفروض أنه حينما يتقرر التعويض يصبح حقًا لكل من تعرّض للمشكلة. فالأجراء أو الموظفون المتعاقدون بعقود عمل طويلة الأجل مع أصحاب الأعمال يستحقون تعويضًا سنويًا يتقرر لهم، حتى لا تتدهور القيمة الحقيقية لدخولهم، وكذلك لا يختلف عنه من قاموا بإيجار عقارات سكنية أو أراضي أو غير ذلك بعقود طويلة الأجل. وأصحاب الحقوق من الدائنين الذين باعوا بضاعة بالأجل أو أقرضوا الغير قروضًا حسنة لأجل طويل. ولكن الحقيقة من الجهة الاقتصادية البحتة أنه كلما اتسعت عملية التعويض، كلما أصبح لها آثارً جانبية، قد تعوق معالجة التضخم.
فالتعويض لا يغني في الواقع سوى زيادات نقدية تتقرر لأصحاب الحقوق بناء على ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهذا في حد ذاته يعني تغذية العملية التضخمية مرة أخرى. ولذلك إن ضغط عمليات التعويض إلى حدها الأدنى أمر مرغوب. والدور الذي يمكن أن تضطلع به الحكومة هنا له أهميته. فمن الممكن إنشاء هيئات توفيقية تتوسط بين أصحاب الأعمال والعمال تشترك فيها الحكومة، وذلك لإجراء تعديلات تلقائية في معدلات الأجور بما يتناسب مع التغيرات الحقيقية في الإنتاجية في الصناعات وفي القطاعات المختلفة على النحو الذي لا يؤدي في حد ذاته إلى التضخم.
أما حينما يحدث تضخم لأي سبب آخر فإن الهيئات التوفيقية سوف تسعى للحد من التسابق بين الأجور والأسعار، حتى لا يتسارع معدل التضخم. وهذه الآلية ستصبح مستقلة عن عمليات التعويض ولكنها ستعني أن هناك حماية جزئية بدرجة أو بأخرى للدخول الحقيقية للعمال التي تتم تلقائيًا على نحو لا يؤدي إلى مزيد من التضخم.
أما أصحاب العقارات والأراضي المؤجرة، فمن الواجب نصحهم بأن يضعوا شرطًا في عقود الإجارة بما يضمن تجديدها كل عام، وهذا الشرط في حد ذاته يعتبر ضمان لهم في ظروف الارتفاع الشديد للأسعار بين عام وآخر. ويبقى بعد ذلك أصحاب الحقوق المترتبة على ديون أو قروض، فهؤلاء يستحقون التعويض حينما تتدهور قيمة النقود التي لهم في ذمة الغير والحكومة مسئولة عنهم، وليس هناك بديل لهم سوى هذا الحل إلا أن يتبرعوا بما خسروه نتيجة هذه الظروف، وهذا أمر يرجع إلى كل واحد منهم، ولكن لا يمثل سياسة عامة.
стр. 20257
عاشرًا – يثار سؤال تابع للنقطة السابقة، ومن الذي يدفع التعويض حينما يكون ذلك مستحقًا للدائنين أو المقرضين؟ والإجابة ببساطة: المدينون أو المقترضون. ولكن المشكلة هنا أن المدينين أو المقترضين قد يكونون في حالة إعسار، وهذا احتمال قائم لا يمكن التجاوز عنه. إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لمقدار الدين الأصلي والتعويض، فلابد من الإمهال ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، على أن يعاد تقدير التعويض المستحق حينما تتحقق القدرة على السداد في فترة أخرى. أما إذا كانت الحالة المالية للمدين أو للمقترض تسمح بسداد مقدار الدين أو القرض الأصلي دون التعويض المقرر، فأرى أن من المناسب في مثل هذه الحالة التجاوز عن هذا التعويض؛ ذلك لأن التعويض ليس إلا عمل تصحيحي نشأ نتيجة ظروف، ربما لم تكن في حسبان المدين أو المقترض إطلاقًا، فلا يجب التشدد فيه، وثانيًا لأن الدائن أو المقرض حينما يسمح بنشأة الدين أو يقرض قرضًا للغير، إنما يفعل ذلك جزئيًا (وربما كليًا) على سبيل الإحسان، فيجب أخذ هذه العوامل في الاعتبار، حتى لا تتغلب العوامل المادية على عوامل الأخوة والتعاطف في المجتمع الإسلامي.
стр. 20258
أحد عشر – امتدادا للسؤال السابق، فإذا كانت الحكومة هي المقترضة من عامة الناس وتدهورت القيمة الحقيقة للنقود، فهل تقوم بدفع تعويض لهم؟ والإجابة الأولى: نعم يجب أن تدفع لهم، كما هو مقرر على الآخرين الذين هم في نفس موقفها، ومن مواردها العامة بخلاف الزكاة التي لها مصارفها الشرعية المعروفة. ولكن الإجابة الثانية: يجب أن تأخذ في الحسبان ظروف القروض العامة، فإذا اقترضت الحكومة لأجل الدفاع عن البلد في حالة الحرب ثم ارتفعت الأسعار، هل نزيد من أعبائها في السداد بفرض تعويض إضافي يغطي التدهور في القيمة الحقيقية للنقود؟ لا أعتقد أن المسلمين يجب أن يفعلوا هذا مع حكومتهم في مثل هذه الظروف. أما إذا اقترضت الحكومة لأجل إقامة مشروعات استثمارية للتنمية، وهي على علم بالظروف التضخمية، ومتوقعة لاستمرارها، فلماذا لا تدفع تعويضًا لمن اقترضت منهم حتى تغطي ما حدث من تدهور في القيمة الحقيقية لأموالهم؟ وإذن فإن الأمر يتوقف على ظروف الاقتراض، من جهة أخرى ينبغي على الحكومة ألا تقترض لأجل أمور من الممكن الاستغناء أو قيام الأفراد بها على نحو أكثر كفاءة، حيث هذا يزيد من مشكلاتها أصلًا، فإذا ارتفعت الأسعار ازدادت هذه المشكلات حيث من الضروري أن تلتزم بتطبيق مبدأ التعويض على نفسها، كما هو على غيرها.
стр. 20259
اثنا عشر – فيما سبق تم التأكيد على ضرورة تطبيق مبدأ التعويض في ظروف محددة، ولكن ما هي الكيفية العملية التي يتم بها ذلك؟
- هل تعلن الحكومة في نهاية كل عام (في الفترات التي تشهد تضخمًا يستدعي التعويض) عن نسبة عامة، بما تراه مناسبًا للظروف، يلزم إضافتها إلى مقدار الحقوق أو الالتزامات الأصلية، سواء للإجراء والموظفين ومؤجري العقارات والأراضي أو الدائنين، ويصبح على عامة الناس والمؤسسات الالتزام تلقائيًا بما حددته السلطة، والمتضرر يلتجأ إلى القضاء؟
أو....
- هل تعلن الحكومة عن حدين أقصى وأدنى للتعويض (في شكل نسب مئوية) ، ثم تترك لأصحاب الحقوق الآجلة اللالتجاء إلى القضاء حتى يتم تقدير كل حالة على حدة وفقًا لظروفها؟ ويلزم في هذه الظروف إنشاء قضاء مستعجل، بحيث يفصل بسرعة ومرونة في كل ما يقدم إليه من حالات في وقت قصير، ويعتبر حكم القضاء في هذه الظروف نهائي وغير قابل للاستئناف. أو ...
- هل تقوم الحكومة بتحديد النسبة المقررة للتعويض في نهاية كل فترة تضخمية، وفقًا لأنواع النشاط الاقتصادي، فالأجراء لهم نسبة تختلف عن أصحاب العقارات السكنية أو عن أصحاب الأراضي الزراعية، كما أن أصحاب الديون الآجلة لهم نسبة أخرى، على أن يلتزم الجميع بما تقرره الحكومة في هذا الإطار، مع ترك حرية الالتجاء إلى القضاء في حالة التضرر.
وجميع هذه الطرق لها تكلفتها الإدارية في التنفيذ، كما أن إجراءات التعويض قد لا تتم بمرونة خاصة في البداية، أو قد تتسبب في نشأة مشكلات جديدة بينهم بما له أثره على المعاملات. ولكننا إذا كنا نبحث عن (العدالة) فلابد أن نتحمل هذه التكلفة ونقوم بهذه الإجراءات، والتي هي بمثابة علاج، وهو مهما كان أمر لا ينبغي أن يطول أمده في إطار ما قدمناه من مناقشات، فالتضخم وهو أصل المشكلة يجب أن يعالج، فإذا انخفض معدله إلى الحدود الدنيا يصبح التعويض غير ضروري.
стр. 20260
ومع أخذ كل ما سبق في الاعتبار يجب أن نتناول بعض المقترحات التي قد تصلح لوقاية عامة الناس من المشكلات العملية المرتبطة بتطبيق مبدأ التعويض، وسنعرضها بما لها أو عليها، وجوهر هذه المقترحات يتمثل في إيجاد آلية تلقائية للتعويض من خلال الاتفاق في العقود على تسجيل القروض طويلة الأجل (أكثر من عام) ، أو قيمة الديون المترتبة على البيوع، أو غير ذلك، بعملة نقدية مستحدثة أو معيارية. ولقد قام البنك الإسلامي للتنمية في جدة باستحداث (دينار إسلامي) ، وهو عملة نقدية (حسابية) فقط ليس لها وجود شكلي ورقيا كان أو معدنيا، ويعادِل وحدة من وحدات السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي (sdr) . وتسجل جميع العمليات المالية للبنك مع الدول الأعضاء بالدينار الإسلامي، ويتم سداد المبالغ المستحقة على هذه الدول بنفس هذه العملة الحسابية. والبنك يمارس نشاطه منذ عام (١٣٩٥ هـ) الموافق (١٩٧٥ م) . ويلاحظ أن وحدة حقوق السحب الخاصة (SDR) - والتي تحد
قيمة دينار البنك الإسلامي - كانت مرتبطة في البداية بنظام الذهب ثم انفكت عنه. ولقد ظلت إلى عام (١٩٧١ م) مقومة بدولار أمريكي واحد، ثم تغيرت قيمتها بعد تخفيض الدولار في (١٩٧١ م) ثم في (١٩٧٣ م) ، وأصبحت تزيد عن الدولار = (١.٢٠٦٤) . ثم في (١٩٧٤ م) أصبحت وحدة حقوق السحب الخاصة تقوّم بمتوسط قيمة ست عشرة عملة من العملات الرئيسة في العالم. وفي عام (١٩٨١ م) أنقص صندوق النقد عدد العملات التي يؤخذ متوسطها لتحديد قيمة وحدة حقوق السحب الخاصة إلى خمسة فقط، مع إعطاء وزن خاص لكل عملة، وهذه العملات أوزانها كما يلي: الدولار الأمريكي (٤٠ %) ، المارك الألماني (٢١ %) ، الين الياباني (١٧ %) ،الفرنك الفرنسي والجنيه الإسترليني (١١ % لكل منهما) (١) .
стр. 20261
ولنا تعقيب بالنسبة لاستخدام مجموعة من العملات النقدية المعروفة بقوتها واستقرارها وأخذ متوسط لقيمتها ليكون أساسا للتحاسب الآجل، إن هذا الأسلوب يمكّن إلى حد كبير من التخلص من مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية لعملة نقدية واحدة، خاصة إذا كانت هذه عملة ضعيفة. ولكننا في نفس الوقت نواجه المقترضين بتحد صعب، فمثلًا إذا حصلنا على قرض تحددت قيمته على أساس متوسط قيمة مجموعة عملات نقدية قوية، فلابد أن نعمل على تحقيق عائد موجب من وراء هذا القرض، بحيث نغطي كحد أدنى التدهور في القيمة الحقيقية للعملة الوطنية بالنسبة إلى هذه المجموعة من العملات المستقرة. فإذا فعلنا هذا فإننا لم نحقق بعد شيئًا موجبًا لنا! والواقع أنه لِيكون القرض نافعًا لِمَن يقترض لابد على آخذِهِ أن يستثمره ويحقق من ورائه عائدًا يزيد وفق معدل التضخم السائد محليًا، وإلا فإنه سيتعرض إلى تحمل عبء فوق طاقته عند السداد.
стр. 20262
ويلاحظ أنه إذا تبنت أية حكومة مثل هذا الاقتراح داخليًا، فإن أحدًا لن يقترض إلا للاستثمار، أو بعبارة أخرى سيختفي القرض الخيري أو تزول ناحية الإحسان في القبض، أما المدينون لظروف بيع آجل مثلًا أو لغير ذلك، فسوف يواجهون مشكلات معقدة عند مطالبتهم بالسداد، وفقًا لهذه الوحدة النقدية المستقرة.
وفي رأينا أنه من غير المناسب معالجة مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للعملة الوطنية، بوحدة للتحاسب تكون مستقرة تمامًا، فهذه تسبب مشكلة أخرى؛ إذ إنه لا شيء في هذا العالم مستقر تمامًا. بعبارة أخرى نحن نعرض أنفسنا للخروج من إطار العدالة في هذه الظروف، لذلك لا أرى إطلاقًا أن تتبنى أي حكومة داخل أي بلد مثل هذا الاقتراح، أو ما يشابهه في تطبيق مبدأ التعويض. ومع كلٍّ فلا بأس أن يلجأ البعض كحالات فردية لمثل هذا الأسلوب، طالما كان في إطار تعاقد محدد يتم بناء عليه تحصيل وتسجيل قيمة القرض بعملات أجنبية أو بعملة أجنبية مستقرة، هناك فرق كبير من الجهة الاقتصادية بين أن يتم هذا العلاج في إطار جزئي تحت مسئولية الأفراد، وأن يتم في إطار كلي يشمل الاقتصاد وتحت مسئولية الحكومة.
وثمة دينار إسلامي آخر اقترحه موسى آدم عيسى للتحاسب الآجل، يقول: " على أن تساوي هذه الوحدة الحسابية وزنًا معينًا من الذهب وليكن واحد غرام ". . " ولا يشترط الوجود المادي لهذه الوحدة الحسابية، وإنما تتم المبادلات الآجلة على أساس النسبة الموجودة بين سعر الذهب وسعر العملة الورقية وقت الوفاء بالدين " (١) ولا بأس أيضًا أن يلتجأ الأفراد إلى هذا الحل، ولكنه لا يصح أن يمثل صلب سياسة حكومية رسمية، فالمشكلة في هذا الاقتراح أن قيمة الذهب لم تعد مستقرة، بل هي في تدهور أيضًا، ونحن الآن في السنة الأخيرة من القرن العشرين، وذلك لسبب رئيس، وهو أن عددًا من الدول التي تمتلك أرصدة كبيرة من الذهب كاحتياطيات دولية تتخلص منها الآن بالبيع في السوق العالمي، لقد ولى عصر الذهب، ليس فقط كأساس لإصدار العملات الورقية، بل أيضًا كواحد من الاحتياطيات الهامة للمعاملات الدولية.
стр. 20263
أما منور إقبال فقد اقترح أن تصدر الحكومة أدوات مالية جديدة يطلق عليها: وحدات القيمة الثابتة، وتحدد الحكومة سعر الوحدة منها بالعملة النقدية المحلية، ولكنها تعمل على تعديل هذا السعر مع التغير في المستوى العام للأسعار. ويفهم من اقتراح منور إقبال أن قيم الحقوق والالتزامات الآجلة يمكن أن تحدد بوحدات القيمة الثابتة، مما يتضمن تعويض التدهور في القيمة الحقيقية للنقود تلقائيًا كلما ارتفع الرقم القياسي للأسعار (١) . ولقد انتقد هذا الرأي من قبل الذين لا يوافقون على الربط القياسي (Indexation) كأسلوب لتطبيق مبدأ التعويض.
الخلاصة
إن مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للعملة النقدية أثر واضح من آثار التضخم، وعلاجها لابد أن يتم جنبًا إلى جنب مع علاج التضخم، ولكن لا يجب أن يطغى علاج الأثر على علاج السبب، فالأخير أولى بالاهتمام، ومن هنا يستدعي الأمر موازنة دقيقة في السياسات النقدية والاقتصادية التي تتحمل الحكومة مسئولياتها. ومبدأ التعويض في رأينا يحقق العدالة بالنسبة للقروض ولقياس القيم الآجلة للبيوع والديون واستيفاء الحقوق المترتبة عليها في ظروف استمرار الظاهرة التضخمية، خاصة إذا اشتدت حدتها، وادعاء البعض بعدم وجود مشكلة تدهور في القيمة للنقود أو رغبتهم في تأجيل بحثها ومعالجتها إلى أن تتحقق ظروف اقتصادية إسلامية مثلى، إنما يعبر عن هروب من هذه المشكلة. كذلك فإن من القصور حقًا أن يحاول البعض تقييد الآراء والمعالجات لهذه المشكلة بآراء سادةٍ من الفقهاء الأجلاء الذين عاشوا في قرون سابقة لم تشهد أبدًا نقودًا مثل نقودنا التي نتعامل بها، أو غلاء مستمرًا لا ينقطع. فلو أن الفقهاء القدامى الأجلاء ذوي الآراء السديدة في كل مجال عاشوا في عصرنا الحاضر لقالوا في مشاكلنا التي نعاصرها أقوالًا جديدة تمامًا في إطار الشريعة ومقاصدها، لا في إطار آرائهم الفقهية التي ارتبطت بظروف مختلفة تمامًا.
والتسليم بمبدأ التعويض في إطار الرغبة في معالجة آثار وأسباب التخضم معًا يلقي مسئولية جسيمة على السلطات الرسمية، وتتمثل المسئولية في موازنة العدالة التي تقترن بمعالجة الآثار المترتبة على التضخم بالمصلحة الاقتصادية التي تقترن بمعالجة أسباب التضخم في نهاية الأمر، ومن هذا المنطق تقدمنا بمقترحات تخص مسئولية الحكومة بالنسبة لمبدأ التعويض، وكيفية تطبيقه، وذلك حتى لا يؤدي هذا إلى إعاقة عملية معالجة أسباب التضخم وهي الأساس.
стр. 20264
وتتمثل هذه المقترحات في ألا يتم التعويض إلا إذا ارتفع معدل التضخم فوق حد أدنى معين، وأن يكون جزئيًا وليس كليًا، وأن تراقب الحكومة وتمنع أي تعويض يتم على أساس ما هو متوقع من ارتفاع في المستوى العام للأسعار، فلا تعويض إلا على أساس ما تم وحدث فعلًا، وتقدير ما إذا كان تسبّبَ أم لا في حدوث تدهور معيب في القيمة الحقيقية للنقود.
كما يقع على الحكومة إعلام الناس أن الفائدة المصرفية محرمة كتعويض، كما هي محرمة كعائد على القروض أو الديون. ومن مسئولية الحكومة أن تقدر كيف تؤثر عملية التعويض على زيادة المطالبات النقدية ورفع المستوى العام للأسعار، ومن ثم تحدد النسب الملائمة التي يتم بها التعويض.
ومن العدالة أن يكون التعويض شاملًا لجميع الفئات التي تتعرض لمشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود، ولكن من باب تخفيف أعباء عمليات التعويض في الواقع العملي يمكن تنظيم مطالبات الأجراء والموظفين بزيادة أجورهم أو مرتباتهم من خلال لجان توفيقية متخصصة تسهم الحكومة فيها إيجابيًا. كذلك لابد من إتاحة الفرصة لأصحاب العقارات السكنية وملاك الأراضي الزراعية لتغيير معدلات الإيجار كل عام، حتى لا يواجهوا مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية لدخولهم، وهذا في إطار التوجيهات الحكومية، كي لا تؤدي تصرفاتهم إلى زيادة حدة التضخم. .
وعلى الحكومة من منطلق العدالة والمصلحة الاقتصادية أن تهتم بتعويض الدائنين، ومع ذلك عليها أن تفعل ذلك بحرص في إطار سياسة متأنية حتى لا يقع ظلم على بعض الفئات، وأن تفتح باب الالتجاء إلى القضاء عند التضرر من إجراءاتها مهما كانت تبتغي بها الصالح العام؛ لأن من المؤكد أنه ستكون هناك حالات تستدعي الاستثناء.
والحكومة في حد ذاتها مسئولة عن تعويض المؤسسات أو الأفراد إذا اقترضت منهم، ومع ذلك لابد من أن نأخذ في الحسبان ظروف القروض الحكومية قبل أن نتمادى في تطبيق القاعدة. وأخيرًا يأتي الأسلوب الذي يتم به استيفاء التعويض، وهذا مما يحتاج إلى بحث بين العلماء ورجال الاقتصاد حتى تتحقق العدالة للبعض من جهة ولا يضار الاقتصاد من جهة أخرى، وقد عرضنا في هذا عدة اقتراحات، مع بيان مزايا ومثالب كل منها.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
أ. د. عبد الرحمن يسري أحمد
جامعة الإسكندرية
стр. 20265
مسألة تغير قيمة العملة الورقية
وأثرها على الأموال المؤجلة
إعداد
الشيخ محمد على التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١- توضيح المسألة وحقيقة الإشكال فيها:
بعد أن حلت الأوراق النقدية محل النقد الخلقى الذى له قيمته الذاتية كالذهب والفضة، وطرأت عوامل التضخم وتقلب الأسعار الحاد، الذى يؤثر تأثيرا كبيرا على القوة الشرائية لهذه الأوراق مما يؤدى إلى قلة سعرها أمام المنافع والسلع والخدمات المقدمة، جاءت هذه المشكلة وخصوصا في مجال الديون، كما تطلب الحديث عنها في مجالات أخرى، كوجوب الزكاة وأحكام الصرف وأحكام الضمان وغير ذلك، وسنركز على خصوص الديون.
وحقيقة الإشكال تكمن في بحثنا هذا في مقتضيات أمرين متخالفين:
الأول: مثلية هذه الأوراق، والمثلي هو: ما تماثلت آحاده بحيث يقوم بعضها مقام بعض، ويشمل المكيلات والموزونات والمعدودات. وفى قبالته القيمي كالحيوان والعروض والعقار والأوراق النقدية – كما هو معروف – وعليه فإذا اقترض ورقة نقدية أو إذا غصبها، كان عليه ردُّ مثلها لا غير.
الثانى: العدالة: فكثيرا ما يقرض المرء غيره مبلغا من المال رفقا به، فإذا حل أجل الوفاء وجد المقرض هذا المبلغ أقل بكثير مما دفعه من حيث قدرته الشرائية. ويأتى هذا في الديون والمهور حيث يطرأ عليها التغيير الفاحش، مما يكون له آثار فاحشة على المستويات الدولية والفردية، ويحقق شبهة الظلم ونقض العدالة بلاريب.
стр. 20266
وكل ما طرح من حلول يحاول رفع هذا التناقض، إما من خلال التركيز على قيمة الأوراق المالية المتبادلة باعتبارها لا تملك أية قيمة استعمالية في نفسها، في حين تملك الأشياء الأخرى، وحتى النقدان الذهب والفضة، بل وحتى الفلوس النافقة (التي كانت تقوم مقام النقدين في الأشياء الصغيرة، فكانت قيمتها التبادلية أعلى من قيمتها الاستعمالية) ؛ قيما استعمالية مما يحقق لها نوعا من المثلية، أما هذه الأوراق فهى بطبيعتها قيمية، خصوصا بعد أن تم فصلها تماما عن الغطاء الذهنى، وعادت أموالا عرفية (١) أو من خلال التأكيد على أن مقتضيات العدالة رغم أنها المعتبرة في نظام المعاملات بعد تقرير القرآن الكريم لها بقوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] إلا أن هذه الموارد ترتبط بالجوائح والحوادث الحاصلة للأموال بعد ثبوتها. وأن العدالة إذا كانت تقتضي هنا جبر الخسارة، فإنها تقتضي حفظ النظام وعدم الإخلال به أيضا.
فإذا ركزنا على قيمية النقد اختل النظام العام للديون، وحدثت مضاعفات أخرى لا يمكن جبرها، كما نرى فيما بعد.
стр. 20267
٢- المثلي والقيمي وضمانهما لدى الفقهاء:
لكي نقف على رأى بعض الفقهاء في الدين نطرح بعض النصوص:
١- ذكر المرحوم الشيخ ابن زهرة في الغنية:
" وإن كان للدين مثل بإن يكون مكيلا أو موزونا فقضاؤه بمثله لا بقيمته بدليل الإجماع المتكرر؛ ولأنه إذا قضاه بمثله برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا قضاه بقيمته، إذا كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، وقضاؤه برد قيمته (١) .
وقال أيضا: "من غصب شيئا له مثل - وهو ما تساوت قيمة أجزائه كالحبوب والأدهان وما أشبه ذلك - وجب عليه رده بعينه، فإن تلف فعليه مثله، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، ولأن المثل يعرف مشاهدة، والقيمة ترجع إلى الاجتهاد، والمعلوم مقدم على المجتهد فيه، ولأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه، وإذا أخذ القيمة ربما زاد ذلك أو نقص، فإن أعوز المثل أُخذت القيمة " (٢)
ونلاحظ هنا تركيز المرحوم ابن زهرة على ما يلي:
أ- تعريف المثلي بأنه ما كان مكيلا أوموزونا (في كتاب الدين) ، و (ما تساوت قيمة أجزائه) في كتاب الغصب، والتعريف الثانى أدق، وإن كانا لا يختلفان في النتيجة.
ب- الاستدلال على ضمان دفع المثلى، فيرده إلى الإجماع المتكرر وإلى اليقين بالخروج من العهدة، وأن رد المثلي محسوس، أما القيمة فهي اجتهادية، ويقدم المعلوم المحسوس على الاجتهاد، وأن أخذ المثلي هو أخذ وفق الحق دون القيمي، فقد يزيد وقد ينقص.
فهو إذن هنا يحاول التركيز على مقتضى الحق والعدالة، وهو ما نلاحظه بوضوح في استدلاله في كتاب الغصب بمضمون الآية الشريفة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
стр. 20268
٢- يذكر المحقق الحلي في شرائع الإسلام في بحث القرض ما يلي:
" وكل ما يتساوى أجزاؤه يثبت في الذمة مثله، كالحنطة والشعير والذهب والفضة، وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم، ولو قيل: يثبت مثله أيضا، كان حسنا ".
وفى كتاب القرض يقول:
" فإن تلف المغصوب ضمنه الغاصبة بمثله إن كان مثليا – وهو ما يتساوى قيمة أجزائه – فإن تعذر المثل ضمن قيمته يوم الإقباض لا يوم الإعواز، وإن لم يكن مثليا ضمن قيمته يوم غصبه وهو اختيار الأكثر، والذهب والفضة يضمنان بمثلهما وقال الشيخ (يعنى الشيخ الطوسي) : يضمنان بنقد البلد، كما لو أتلف ما لا مثل له " (١)
ويلاحظ هنا أيضا:
أ – تعريفه للمثلي بأنه ما تساوت قيمة أجزائه.
ب – إن الأقرب إلى الحق والعدل ضمان المثل، فإن تعذر ذلك ضمن القيمة يوم الإقباض، وإن كان قيميا ضمن القيمة يوم الإعواز.
ج – إن الذهب والفضة من المثليات؛ لأنها تتساوى أجزاؤها، فلا فرق بين هذا الجزء وذلك الجزء.
стр. 20269
٣ – يذكر الشهيد الثاني في المسالك أنه:
" إذا تلف المغصوب ضمنه الغاصب لا محالة، ثم لا يخلو إما أن يكون مثليا أو قيميا، فإن كان مثليا ضمنه بمثله؛ لأنه أقرب إلى التالف " (١) ، ويختار بعد هذا تعريف الشهيد الأول في (الدروس) للمثلي، وهو (المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات) .
أما في كتاب القرض فيقول بالنسبة للقيمي:
" الكلام هنا في موضعين: أحدهما أن الواجب في عوض القيمي _ وهو ما يختلف أجزاؤه في القيمة والمنفعة كالحيوان – ما هو؟ أقوال:
أحدهما: وهو المشهور: قيمته مطلقا لعدم تساوي جزئياته واختلاف صفاته، فالقيمه فيه أعدل، وهو قول الأكثر.
وثانيهما: ما مال إليه (المصنف) هنا، ولعله أفتى به، إلا أنه لا قائل به من أصحابنا، وهو ضمانه بالمثل مطلقا؛ لأن المثل أقرب إلى الحقيقة، وقد روي أن النبى ﷺ أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أخرى، وحكم بضمان عائشة إناء حفصة وطعامها لما كسرته، وذهب الطعام بمثلها " (٢) .
ونلاحظ هنا أيضا السعي لتحقيق العدالة عند الفتوى معبرا عن ذلك تارة بأنه أقرب إلى التالف، وأن هذا أعدل، أو أنه أقرب إلى الحقيقة كما نجده هنا أضاف في تعريف المثلي تقارب المنافع في الصفات إلى تساوي الأجزاء.
стр. 20270
٤ – يقول العلامة الحلي:
" ويصح قرض كل ما يضبط وصفه، فإن كان مثليا يثبت ومثله كالذهب والفضة وزنا، والحنطة والشعير كيلا ووزنا، والخبز وزنا وعددا للعرف، وغير المثلي تثبت قيمته وقت القرض لا وقت المطالبة " (١) .
٥ – يقول السيد على الطباطبائي صاحب الرياض في الغصب:
" وضمن الغصب مثله إن كان المغصوب مثليا بلا خلاف؛ لأنه أقرب إلى التالف " (٢) ، ثم يذكر بعض التعاريف للمثلي والقيمي ويعقب عليها بقوله: " ولا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات، عدا العرف واللغة، وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثلي المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما، إذ هما فرع تعليق الحكم بلفظ (المثل) في دليل وليس بموجود، عدا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وفيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه، أصل الاعتداء، لا مثل المعتدى فيه الذى هو ما نحن فيه (فتأمل) هذا مع أنه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي، عدا الإجماع والاعتبار، وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات " (٣) .
ويقول في كتاب القرض فيما إذا اقترض السلعة القيمية فهل عليه إرجاع قيمتها أو مثلها:
" فالقيمة أعدل، وقيل: بل يثبت مثله أيضا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة " (٤) .
وهكذا يبدو أنه لا يوجد اتفاق على تعريف واحد للمثلي والقيمي، وأن هذين المصطلحين لم يردا في نص شرعي وما جاء في الآية قد يراد به (المثل) الفقهي، وأن الدليل هو الإجماع والاعتبار العقلي، وهو ينتهي بالتالي إلى اعتبار (الأقربية إلى الواقع والحقيقة والعدل) .