← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 20266–20305 · переход к 20271.

стр. 20266

وكل ما طرح من حلول يحاول رفع هذا التناقض، إما من خلال التركيز على قيمة الأوراق المالية المتبادلة باعتبارها لا تملك أية قيمة استعمالية في نفسها، في حين تملك الأشياء الأخرى، وحتى النقدان الذهب والفضة، بل وحتى الفلوس النافقة (التي كانت تقوم مقام النقدين في الأشياء الصغيرة، فكانت قيمتها التبادلية أعلى من قيمتها الاستعمالية) ؛ قيما استعمالية مما يحقق لها نوعا من المثلية، أما هذه الأوراق فهى بطبيعتها قيمية، خصوصا بعد أن تم فصلها تماما عن الغطاء الذهنى، وعادت أموالا عرفية (١) أو من خلال التأكيد على أن مقتضيات العدالة رغم أنها المعتبرة في نظام المعاملات بعد تقرير القرآن الكريم لها بقوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] إلا أن هذه الموارد ترتبط بالجوائح والحوادث الحاصلة للأموال بعد ثبوتها. وأن العدالة إذا كانت تقتضي هنا جبر الخسارة، فإنها تقتضي حفظ النظام وعدم الإخلال به أيضا. فإذا ركزنا على قيمية النقد اختل النظام العام للديون، وحدثت مضاعفات أخرى لا يمكن جبرها، كما نرى فيما بعد.

стр. 20267

٢- المثلي والقيمي وضمانهما لدى الفقهاء: لكي نقف على رأى بعض الفقهاء في الدين نطرح بعض النصوص: ١- ذكر المرحوم الشيخ ابن زهرة في الغنية: " وإن كان للدين مثل بإن يكون مكيلا أو موزونا فقضاؤه بمثله لا بقيمته بدليل الإجماع المتكرر؛ ولأنه إذا قضاه بمثله برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا قضاه بقيمته، إذا كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، وقضاؤه برد قيمته (١) . وقال أيضا: "من غصب شيئا له مثل - وهو ما تساوت قيمة أجزائه كالحبوب والأدهان وما أشبه ذلك - وجب عليه رده بعينه، فإن تلف فعليه مثله، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، ولأن المثل يعرف مشاهدة، والقيمة ترجع إلى الاجتهاد، والمعلوم مقدم على المجتهد فيه، ولأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه، وإذا أخذ القيمة ربما زاد ذلك أو نقص، فإن أعوز المثل أُخذت القيمة " (٢) ونلاحظ هنا تركيز المرحوم ابن زهرة على ما يلي: أ- تعريف المثلي بأنه ما كان مكيلا أوموزونا (في كتاب الدين) ، و (ما تساوت قيمة أجزائه) في كتاب الغصب، والتعريف الثانى أدق، وإن كانا لا يختلفان في النتيجة. ب- الاستدلال على ضمان دفع المثلى، فيرده إلى الإجماع المتكرر وإلى اليقين بالخروج من العهدة، وأن رد المثلي محسوس، أما القيمة فهي اجتهادية، ويقدم المعلوم المحسوس على الاجتهاد، وأن أخذ المثلي هو أخذ وفق الحق دون القيمي، فقد يزيد وقد ينقص. فهو إذن هنا يحاول التركيز على مقتضى الحق والعدالة، وهو ما نلاحظه بوضوح في استدلاله في كتاب الغصب بمضمون الآية الشريفة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]

стр. 20268

٢- يذكر المحقق الحلي في شرائع الإسلام في بحث القرض ما يلي: " وكل ما يتساوى أجزاؤه يثبت في الذمة مثله، كالحنطة والشعير والذهب والفضة، وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم، ولو قيل: يثبت مثله أيضا، كان حسنا ". وفى كتاب القرض يقول: " فإن تلف المغصوب ضمنه الغاصبة بمثله إن كان مثليا – وهو ما يتساوى قيمة أجزائه – فإن تعذر المثل ضمن قيمته يوم الإقباض لا يوم الإعواز، وإن لم يكن مثليا ضمن قيمته يوم غصبه وهو اختيار الأكثر، والذهب والفضة يضمنان بمثلهما وقال الشيخ (يعنى الشيخ الطوسي) : يضمنان بنقد البلد، كما لو أتلف ما لا مثل له " (١) ويلاحظ هنا أيضا: أ – تعريفه للمثلي بأنه ما تساوت قيمة أجزائه. ب – إن الأقرب إلى الحق والعدل ضمان المثل، فإن تعذر ذلك ضمن القيمة يوم الإقباض، وإن كان قيميا ضمن القيمة يوم الإعواز. ج – إن الذهب والفضة من المثليات؛ لأنها تتساوى أجزاؤها، فلا فرق بين هذا الجزء وذلك الجزء.

стр. 20269

٣ – يذكر الشهيد الثاني في المسالك أنه: " إذا تلف المغصوب ضمنه الغاصب لا محالة، ثم لا يخلو إما أن يكون مثليا أو قيميا، فإن كان مثليا ضمنه بمثله؛ لأنه أقرب إلى التالف " (١) ، ويختار بعد هذا تعريف الشهيد الأول في (الدروس) للمثلي، وهو (المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات) . أما في كتاب القرض فيقول بالنسبة للقيمي: " الكلام هنا في موضعين: أحدهما أن الواجب في عوض القيمي _ وهو ما يختلف أجزاؤه في القيمة والمنفعة كالحيوان – ما هو؟ أقوال: أحدهما: وهو المشهور: قيمته مطلقا لعدم تساوي جزئياته واختلاف صفاته، فالقيمه فيه أعدل، وهو قول الأكثر. وثانيهما: ما مال إليه (المصنف) هنا، ولعله أفتى به، إلا أنه لا قائل به من أصحابنا، وهو ضمانه بالمثل مطلقا؛ لأن المثل أقرب إلى الحقيقة، وقد روي أن النبى ﷺ أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أخرى، وحكم بضمان عائشة إناء حفصة وطعامها لما كسرته، وذهب الطعام بمثلها " (٢) . ونلاحظ هنا أيضا السعي لتحقيق العدالة عند الفتوى معبرا عن ذلك تارة بأنه أقرب إلى التالف، وأن هذا أعدل، أو أنه أقرب إلى الحقيقة كما نجده هنا أضاف في تعريف المثلي تقارب المنافع في الصفات إلى تساوي الأجزاء.

стр. 20270

٤ – يقول العلامة الحلي: " ويصح قرض كل ما يضبط وصفه، فإن كان مثليا يثبت ومثله كالذهب والفضة وزنا، والحنطة والشعير كيلا ووزنا، والخبز وزنا وعددا للعرف، وغير المثلي تثبت قيمته وقت القرض لا وقت المطالبة " (١) . ٥ – يقول السيد على الطباطبائي صاحب الرياض في الغصب: " وضمن الغصب مثله إن كان المغصوب مثليا بلا خلاف؛ لأنه أقرب إلى التالف " (٢) ، ثم يذكر بعض التعاريف للمثلي والقيمي ويعقب عليها بقوله: " ولا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات، عدا العرف واللغة، وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثلي المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما، إذ هما فرع تعليق الحكم بلفظ (المثل) في دليل وليس بموجود، عدا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وفيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه، أصل الاعتداء، لا مثل المعتدى فيه الذى هو ما نحن فيه (فتأمل) هذا مع أنه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي، عدا الإجماع والاعتبار، وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات " (٣) . ويقول في كتاب القرض فيما إذا اقترض السلعة القيمية فهل عليه إرجاع قيمتها أو مثلها: " فالقيمة أعدل، وقيل: بل يثبت مثله أيضا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة " (٤) . وهكذا يبدو أنه لا يوجد اتفاق على تعريف واحد للمثلي والقيمي، وأن هذين المصطلحين لم يردا في نص شرعي وما جاء في الآية قد يراد به (المثل) الفقهي، وأن الدليل هو الإجماع والاعتبار العقلي، وهو ينتهي بالتالي إلى اعتبار (الأقربية إلى الواقع والحقيقة والعدل) .

стр. 20271

٦ – أما صاحب الجواهر (الشيخ النجفى) فهو يؤكد ما قاله المحقق الحلي من أن " كل ما تساوى أجزاؤه يجوز قرضه" (١) قائلا: " بلا خلاف، بل النصوص والإجماع بقسميه عليه " (٢) . ويعقب على قول المحقق المذكور: " وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم " بقوله: " والوجه في ثبوت القيمة، أن القرض قسم من الضمانات.. ولا ريب في أن ضمان القيمي بالتلف وغيره بالقيمة لا المثل، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه هناك، وإن كان يظهر من الشهيد في الدروس أن ميل المصنف هنا إلى أن الضمان بالمثل جائز فيها أيضا، لكن هو وغيره صرح في باب الغصب بأن ضمان القيمي بالقيمة، ولعلها لأنها البدل عن العين عرفًا في الغرامات، باعتبار عدم تساوي جزئيات العين المضمونة واختلاف صفاتها، فالقيمة حينئذ أعدل، خصوصًا في مثل الحيوان. الذي لم يعرف الباطن منه ولا كثير من صفاته، ولكن قال المصنف هنا: ولو قيل: يثبت مثله في الذمة أيضًا كالمثلي، كان حسنًا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة من القيمة " (٣) . وينتهي بالتالي إلى القول: " لكن الإنصاف عدم خلو القول به من قوة باعتبار معهودية كون قرض الشيء بمثله، بل مبنى القرض على ذلك، بل قد يدعي انصراف إطلاق القرض إليه، وربما يؤيده نصوص (الخبز) الذي يقوي كونه قيميًا، ولذا تجب قيمته في إتلافه بأكل ونحوه، فالاحتياط فيه لا ينبغي تركه " (٤) . وما نجده هنا أيضًا التركيز على عنصر الحق والعدل والقرب من الحقيقة والانصراف المذكور، إنما هو في حالة عدم تغير القيمة تغيرًا فاحشًا.

стр. 20272

٣- التكييف الفقهي للعملة الورقية، وهل هي مثلية أم قيمية؟ شكلت العملة الورقية كما قلنا وضعًا جديدًا غير مألوف لدى الفقهاء، مما أثر في نظرتهم لها، فلا هي سلعة متعارفة تستمد قيمتها التبادلية من منفعتها الاستعمالية ومدى الرغبة الاجتماعية فيها، ولا هي سند معبر عن رصيد ذهبي بحيث يعتبر مالكها مالكًا لذلك الرصيد، فيكون معنى التعامل بها (وهو التعامل بقيمتها ذهبًا في ذمة الجهة المصدرة) (١) . والحقيقة هي أن الأوراق النقدية هي اليوم (سلع) اعتمادية خاصة لا غير، وإنما قلنا: إنها سلع خاصة، لكي نوضح الفرق بينها وبين السلع القيمية التي لها منافعها الاستعمالية، في حين لا تعتمد هذه الأوراق على منافعها الاستعمالية، وإنما ترتكز على منافعها التبادلية، وتستمد هذه القدرة من خلال القدرة الاقتصادية للدول التي تصدرها وتتعهد بقيمتها دون أن تربط هذه القيمة بأي غطاء. وهذه السلع الخاصة تعتمد في قيمتها التبادلية على قوانين العرض والطلب، والتي تعتمد بدورها على القدرة الاقتصادية للدول المصدرة، وعلى مدى رغبة هذه الدول في الاحتفاظ بالقيمة والقدرة التبادلية لهذه الأوراق، وكذلك على مدى رغبة الدول الأخرى في التعامل مع هذه الدولة، فكلها عوامل مؤثرة في هذه القوانين. وبتعبير آخر: فإن الأشياء سوف تكون على أربعة أقسام: فهناك أشياء يلحظ فيها الجانب الاستعمالي قبل الجانب التبادلي كالسلع العادية. وهناك ما يلحظ فيه الجانبان معًا كالذهب المسكوك، وهناك ما يلحظ فيه الجانب التبادلي أكثر من الجانب الاستعمالي كالفلوس أو حتى الذهب الذي تتجاوز قيمته التبادلية قيمته الاستعمالية. وهناك ما يلحظ فيه الجانب التبادلي لا غير وهو الأوراق النقدية، وهذا يعني أن المالية هي كل قوام هذه الأوراق. فإذا كانت الأفراد الأخرى لهذه الأوراق بما فيها الأوراق الأخرى في طول الزمان تقوم مقامها، كانت مثلية، أما إذا كانت تختلف عنها عرضًا، كما في الدنانير الأردنية مثلًا في قبال الدنانير العراقية، أو طولًا كما في الأوراق التي يختلف سعرها في الظروف الزمانية الأخرى. فلا يمكننا اعتبار المثلية هنا لأننا قلنا إن المثلية تقوم بتماثل الآحاد والأجزاء من الأموال، بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق معتد به عرفًا. وعلى هذا يمكننا القول: إن الأوراق يمكن أن تكون قيمية باعتبار وحدات القيمة واختلافها، وهي في الواقع قيمية قبل أن تكون مثلية؛ لأن اعتبارها بماليتها.

стр. 20273

وهذا المرحوم الأصفهاني (١) عندما يتعرض للمسألة المعروفة حول كيفية الضمان في عهدة من غصب ثلجًا في الصيف وأراد الوفاء في الشتاء، يؤكد وجوب رد المثل، إنما يكون على التضمين والتغريم فلابد من رعاية حيثية المالية؛ إذ المال التالف لا يتدارك إلا بالمال، وأضاف: ومنه يتبين الفرق بين سقوط العين عن المالية وسقوط المثل عنها، ورد العين إنما يكون بلحاظ مالكيتها لا بلحاظ ماليتها، لكن التضمين والتغريم إنما هو بلحاظ المالية، فيجب حفظها كما سيأتي. فالضمان المفروض على الغاصب إنما هو بلحاظ الأثر المالي، وهذا الأثر يختلف في الصيف عنه في الشتاء، بخلاف مسألة الملكية نفسها، وهي علاقة وضعية لا تختلف، وعندما نحاول معرفة الأشياء المثلية نجد أن تعاريف المثلية تختلف خصوصًا وأن المثلية لم ترد في نص شرعي. فالمقدس الأردبيلي يؤكد أن الأمر يحال إلى العرف، وهو كل ما يقال: إن لهذا عرفًا يؤخذ به. فإن تعذر أو لم يكن أصلًا فالقيمة. بل ينبغي ملاحظة مثل المتلف، فلا يجزئ مطلق الحنطة عن الصنف الخاص المتلف، بل لا فرق بينها وبين الثوب، بل والفرس وغيرهما إذا كان لهما أمثال عرفية.

стр. 20274

ويعترض صاحب الجواهر على هذا بأنه مخالف للإجماع، ويفسره بأنه لا يراد به المثل العرفي، بل هو شيء فوق ذلك وهو المماثلة في غالب ماله مدخلية في مالية الشيء، ويضيف: " وهذا لا يمكن إلا في الأشياء المتساوية المتقاربة في الصفات والمنافع والمعلوم ظاهرها وباطنها ". وبعد أن ينقل التعاريف الأخرى يقول: " وبالجملة فالمراد من التعاريف واحد، وهو التساوي الذاتي في غالب ماله مدخلية في الرغبة والقيمة " (١) . ويضيف: " على أنه يمكن أن يقال بل قيل: إن الظاهر من الآية (٢) رخصة المالك بأخذ المثل بالمماثلة العامة؛ إرفاقًا بالمالك، فلا يجوز للغاصب التجاوز عنه مع تقاضيه ذلك، لا أنه لا يجوز للمالك مطالبة الغاصب بالقيمة، فإن الظاهر أن التالف في حكم المثمن، والعوض في حكم الثمن، والتخيير بيد البائع في التعيين، فيجوز للمالك مطالبته بالقيمة ولا يرضى إلا بذلك في عوض ماله، ولا يمكن التمسك بأصالة براءة الغاصب عن لزوم القيمة لاستصحاب شغل الذمة الموقوف براءتها بأداء حق المالك وإرضائه لكونه مطلوبًا. بل ربما يقال: " إن النقدين هما الأصل في الأعواض في الغرامات وغيرها، كما يشعر به بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الزكاة (٢) (٣) " (٤) . وهكذا يتأكد ما قلناه من أن حقيقة الأوراق النقدية في وضعها الحالي قيمية (عند اختلاف القيم) بلا ريب ليس من الممكن قياسها إلى النقدين، باعتبار عدم تغيير السعر إلا بشكل متفاوت متسامح به عرفًا، كما لا تقاس حتى إلى (الفلوس النافقة) (كما فعل البعض) (٥) لوجود قيم ذاتية ضئيلة وللتسامح العرفي فيها باعتبار أنها كانت تستعمل في الأشياء الحقيرة، وعدم تصور الكبير فيها، اللهم إلا إذا كان التغيير في سعر الأوراق المالية أيضًا طفيفا متسامحًا به عرفًا. وعلى هذا يمكن القول بأن رد القيمة له محله الخاص من الاعتبار. ولا معنى للاستناد للإجماع في رد المثل؛ لأنه غير متحقق أولًا، ولأنه إجماع مدركي حتى لو تحققنا منه، ولا قيمة للإجماع المدركي لدى الإمامية.

стр. 20275

٤- تقريبات القائلين برد المثل: الأول: أن ذمة المدين مشغولة بما اشتغلت به من العملة، وهو مثل ما إذا اشتغلت ذمته بالمتاع والعروض. وكما لا ريب في عدم اشتغال الذمة بأزيد من المقدار الذي كانت العروض مشغولة به، وأنها لا تتغير لمجرد رخص القيمة وقلتها، فكذلك هنا. وهذا أهم إشكال متصور في البين، فإذا غصب عينًا مثلًا، فإن عليه إرجاع العين حتى لو انخفض سعرها، فكذلك النقد بلا فرق في ذلك. ولكن رأينا من قبل أن الفقهاء لا يتفقون على مجرد إعادة العين إذا كان هنا كفارق معتد به في القيمة لاختلاف الزمان والمكان، باعتبار أن المنظور إليه هو القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية وهما مختلفان، على أننا ذكرنا أن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد والمتاع، باعتبار أن مصب النقد على قيمته المالية، ويتجلى هذا بشكل واضح جدًا في الأوراق النقدية التي لا تحمل أية منافع استعمالية. فلا معنى لقياس الأوراق النقدية بالأمتعة. ولا ينبغي أن يقاس نقص قيمة الأمتعة على زيادتها، فإن هناك أمورًا أخرى تلحظ في البين من قبيل التمسك بقاعدة الثبات في الملكية بالنسبة للغاصب، باعتبار بقاء العين نفسها على ملك مالكها الأول ولو كانت باقية، وبعد تلفها فإنه ملزم بأشد الحالات (وهي قاعدة مقبولة لدى أغلب الفقهاء) (١) . نعم يمكننا أن نلتزم بأخذ الزيادة بعين الاعتبار بالنسبة للنقود الورقية.

стр. 20276

الثاني: هناك بعض الروايات التي تلغي الفارق في السعر من قبيل: أ- رواية العباس بن صفوان (في رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت، ولا يباع بها شيء، لصاحب الدراهم الدراهم الأولى؟ أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال ﵇: ((لصاحب الدراهمِ الدراهمُ الأولى)) (١) . ب- رواية يونس: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) أنه كان لي على رجل عشرة دراهم، وأن السلطان أسقط تلك الدراهم، وجاءت دراهم أغلى من تلك الدراهم الأولى، ولها اليوم وضيعة، فأي شيء عليه؟ الأولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الأولى) (٢) ولكن جاءت رواية صحيحة عن يونس نفسه يقول فيها: " كتبت إلى الرضا ﵇ أن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكان تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها، أو ما ينفق بين الناس؟ قال: فكتب إليّ: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس " (٣) . ويبدو أن الكليني والصدوق والطوسي حلوا هذا التعارض الظاهري بالقول بأنه متى كان له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلا ذلك النقد، ومتى كان له عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف، فإنما له الدراهم التي تجوز بين الناس (٤) . أما المرحوم محمد تقي المجلسي والد العلامة المجلسي صاحب البحار، في شرحه على (من لا يحضره الفقيه) فهو بعد نقله خبر صفوان، ثم خبر الصفار، ونقله وجه جمع الشيوخ الثلاثة فيقول: " ما ذكره المصنف ممكن، ويمكن أن يكون الخبران الأولان في القرض كما هو مصرح في خبر صفوان، وهذا الخبر من ثمن المبيع مثلًا؛ لأن الزيادة والنقصان حرام في القرض، فيمكن أن تكون الدراهم الجائزة أقل وزنًا كما هو المتعارف الآن، فلو أعطاه تلك الدراهم لزم الربا بخلاف الثمن، فإنه منصرف إلى الجائز بين الناس " (٥) .

стр. 20277

وسواء صح هذا الجمع بين الصنفين من الروايات أم لا فإن الملاحظ أن الفارق في السعر يبدو طفيفًا، وقد جاء التعبير عنه بكلمة (الوضيعة) وهو غير مرودنا؛ إذ لعله لوجود التسامح العرفي في البين، ثم إن الرواية المعللة تنسجم أكثر مع ما قلناه من التركيز في النقد على العنصر التبادلي. وعلى أي حال فلا يقاس موردنا (الأوراق المالية) الذي لا نظر فيه إلا إلى الجانب التبادلي على هذه الموارد. هذا وما يذكر استطرادًا أن صاحب الجواهر ذكر بعدما أيد استحقاقه للدراهم الأولى، خلافًا لرأي الصدوق في المقنع، إذ أوجب التي تجوز بين الناس: أنه من الممكن حمله على مهر الزوجة أو ثمن المبيع، ولكنه رده بأن حكمهما حكم القرض، ثم طرح إمكان ثبوت الخيار في المعاملة بها مع عدم العلم؛ لأنه كالعيب بالنسبة إلى ذلك (١) . هذا وهناك روايات تنفعنا في البين من قبيل: أ- مكاتبة محمد بن الحسن إلى أبي محمد ﵇، رجل استأجر أجيرًا يعمل له أوغيره، وجعل يعطيه طعامًا وقطنًا وغير ذلك، ثم تغير الطعام والقطن عن سعره الذي كان أعطاه إلى نقصان أو زيادة، أيحتسب له بسعر يوم أعطاه أو بسعر يوم حسابه؟ فوقّع ﵇: يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه إن شاء الله " (٢) . ب- في رجل كان له على رجل مال، فلما حل عليه المال أعطاه به طعامًا أو قطنًا أو زعفرانًا ولم يقاطعه على السعر، فلما كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص، بأي السعرين يحسبه؟ قال: لصاحب الدين سعر يومه الذي أعطاه وحل ماله عليه، أو السعر الذي بعد شهرين أو ثلاثة يوم حسابه؟ فوقّع (ع) : ليس له إلا على حسب سعر وقت ما دفع إليه الطعام إن شاء الله (٣) . والملاحظ أن أمثال هذه الروايات تؤكد على القيمة والسعر الذي تحمله السلع يوم إيصالها إلى الآخرين، حتى ولو لم يتم نقلها بعد إليهم باعتبارها أجرة عمل أو وفاء لدين، فالملحوظ هو قيمة يوم الدفع. وهناك مجال للمناقشة في مثل هذا التأييد.

стр. 20278

الثالث – ما رواه الخمسة عن ابن عمر قال: ((أتيت النبي ﷺ فقلت: أنا رجل أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وأخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وأخذ الدنانير، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو بالدراهم وقد يقبض الثمن في الحال، وقد يبيع بيعًا آجلًا وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم، وقد يجد من اشترى بدراهم وليس معه إلا دنانير، أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين؟ أم يوم الأداء؟ فبيّن ﷺ أن العبرة بسعر الصرف هو يوم الأداء، واعتبره الدكتور السالوس أصلًا في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته. والظاهر أنه لا دليل فيه على ما نحن فيه، ويكفينا الفرق الكبير بين النقدين والأوراق، على أن الفارق الكبير غير متصور هنا، والباقي متسامح به عرفًا لتحقيق الاستقرار السوقي. ثم إن احتمال الصلح هنا كبير، وهناك مجال كثير للحديث حول هذا الموضوع وهذه الرواية. الرابع – الاستدلال بالإجماع، وقد رأينا أن لا إجماع في البين ثم إنه إجماع له مدركه ودليليته، ولا حجة فيه لدى الإمامية. الخامس – القول بأن القبول بهذا يعني دخول الجهالة المفضية إلى النزاع والخلاف. إلا أن هذا لو تم فهو يتم أيضًا في القيميات التالفة، ومع ذلك يلتزم الجميع بدفع القيمة ولا نزاع بعد الرجوع إلى العرف، بل بعد الرجوع إلى المقاييس الدقيقة اليوم.

стр. 20279

السادس – أن الذين دعوا إلى رد القرض بقيمته نظروًا إلى الانخفاض فقط، ولو أخذ بالقيمة لوجب النظر إلى الزيادة والنقصان معًا. والحقيقة هي أننا نستطيع أن نلتزم بالاثنين معًا على ضوء القدرة الشرائية لكل منهما بملاحظة العدل العام ولا مانع في ذلك، إذا كان التغيير فاحشًا. السابع – قيل: إن التضخم من مساوئ النظام النقدي المعاصر، فهل المقترض هو الذي يتحمل هذه المساوئ؟ ولماذا لا نبحث عن نظام نقدي إسلامي نقدمه للعالم؟ ومثل هذا لا يمكن أن يعد اعتراضًا وجيهًا بعد التسليم بالأدلة المذكورة، نعم علينا أن نقدم البديل الإسلامي للعالم للتخلص من مثل هذه المساوئ. الثامن – وقيل: إن القرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من الله ، وقد ينتهي بالتصدق ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، فكيف اتجهت الأنظار إلى المقترض بالذات ليتحمل فروق التضخم. والحقيقة هي أن الآيات التي منعت من الربا في القرض أو المعاوضة قررت مبدأ العدالة ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ، والمدعي لهذا الرأي يركز على اقتضاء العدالة لذلك على أن الدليل أضيق من المدعي؛ لأنه يختص بعقد القرض فقط، والمدعي يشمل كل مبلغ مؤجل. التاسع – أن تغيير قيمة النقود لا يظهر في القروض والديون فقط، وإنما يظهر أيضًا في عقود أخرى، فمؤجر العقار مثلًا في معظم البلاد الإسلامية ليس من حقه إنهاء واسترداد ما يملك إلا بموافقة المستأجر، ولهذا يمتد العقد عشرات السنين، وقد تصبح قيمة الإيجار لا تزيد عن واحد واثنين في المائة من قيمة النقود عند بدء العقد. ونحن لم نستطع أن نتعرف على وجه الاستدلال هنا، وهل نستطيع أن نحاكم الإسلام على ضوء قوانين وضعية؟ فإذا ما افترضنا أن الإلزام جاء من حكومة إسلامية كان من الطبيعي أن يلاحظ الحكم الشرعي مقتضيات العدالة الإسلامية، فيفترض شروطًا للتخلص من عوارض التضخم. العاشر – علينا أن نعمم هذا المعنى لمجمل الحياة، فالموظف الذي يبقى راتبه ثابتًا لا يستطيع أن يفي بمقتضيات الزيادة العددية التي تعوض نقص القيمة، ما لم نعمل على تعويضه شخصيًا عما أصابه. وهذا أمر طبيعي يجب الالتفات إليه، أنه لا يمكن أن يؤثر في نتائجنا (١) . الحادي عشر - وقيل:إن المالية الاعتبارية للأوراق النقدية منتزعة من اعتبار من بيده الاعتبار، وهي مالية غير مضمونة، وبتعبير آخر فإن العين بما لها من الخصوصيات تكون في العهدة إلى حين الأداء، وهي في القرض حين الأداء لا قيمة لها، فلا وجه لتدارك القيمة، قيمة يوم الأخذ والفائت، إنما هو اعتبار المعتبر لا شيء من المأخوذ (٢) . وهذا الأمر غريب حقًا؛ وذلك أن حقيقة الأوراق النقدية ليست سوى الاعتبار المعطي من قبل المصدر، فإذا جردناها منه فلا قيمة لها ولا خصوصيات.

стр. 20280

٥- الرأي النهائي في المسألة: يتبين لنا مما سبق: ١- أننا نميل إلى اعتبار الأوراق النقدية من القيميات، إلا إذا اتفقت وحداتها وأفرادها على قيمة واحدة. ٢- أن السيرة العرفية المقبولة شرعًا ترجح استقرار النظام التعاملي على الاختلاف اليسير في السعر، فهي تلغيه عرفًا. ٣- أن الاحتياط يقتضي المصالحة في ما إذا كان الفرق كبيرًا، وهو سبيل حسن في حالات الاقتراض والمهور والديون. ٤- أما في حالات الغصب فيلزم الغاصب بأشد الحالات (وفق القاعدة المقبولة من قبل أغلب الفقهاء) . ٥- للدولة الإسلامية أن تفرض سبيل الاحتياط في مختلف الحالات بعد أن كان صدر الأدلة يتسع لذلك (وقد رأينا المرحوم صاحب الجواهر يسلك هذا السبيل، فيلزم بالاحتياط في بعض الصور) (١) . والله أعلم محمد علي التسخيري

стр. 20281

التأصيل الشرعي للحلول المقترحة لعلاج آثار التضخم بحث مقدم للحلقة الثالثة لندوة التضخم المنامة (البحرين ٩ ١٢- ١٣ جمادى الثانية / ١٤٢٠ هـ. ٢٢- ٢٣ سبتمبر / ١٩٩٩ م إعداد الدكتور حمزة بن حسين الفعر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد: فتعد مشكلة التضخم من أكبر المشكلات التي تهز كيان البنى الاقتصادية في المجتمعات المعاصرة، وهناك عوامل عديدة شديدة التشابك تؤدي إلى حصول هذه المشكلة التي شغلت حيزًا كبيرًا من تفكير أهل الرأي والخبرة، وقد عقدت لذلك المؤتمرات والندوات العديدة، وكتبت فيها البحوث والمقالات والمؤلفات المتنوعة؛ بغية الوصول إلى حل مناسب يقضي على هذه المشكلة أو يخفف من آثارها. وكانت جهود الباحثين متأثرة بما يحمله كل منهم من فكر وما يعتنقه من عقائد وقيم، ولم تكن المجتمعات المسلمة بمعزل عن هذا الأمر، فإنها متصلة بالعالم عبر وسائل متنوعة، فقام أهل الغيرة من أهل العلم والاختصاص من أبنائها بالإدلاء بدلوهم في هذا الأمر، واهتم لذلك البنوك الإسلامية التي تحرص حرصًا شديدًا على تأصيل مسائل الاقتصاد المعاصر تأصيلًا شرعيًا، وإيجاد البدائل الحلال للمعاملات المحرمة، وكان من نتيجة ذلك عقد ندوات بالاشتراك مع بعض الجهات العلمية المرجعية، ومن أبرزها مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والذي عقد بالاشتراك مع بنك فيصل الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والذي عقد بالاشتراك مع بنك فيصل الإسلامي حلقتين لندوة التضخم استكتب فيهما عددًا من الفقهاء والاقتصاديين، وخرجت كل منهما بتوصيات عديدة لمعالجة التضخم على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأفراد. ويجري الإعداد الآن للحلقة الثالثة من هذه الندوة، وقد رغب إليَّ المجمع الموقر بأن أقوم بدراسة الحلول المقترحة في الحلقتين السابقتين وتأصيلها تأصيلًا شرعيًا حسبما رأته اللجنة المشكلة في اجتماعها التمهيدي للإعداد لبحوث الحلقة الثالثة. وأسأل الله التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 20282

تمهيد التضخم المقصود بالحديث هنا ما يسمى في عرف المعاصرين بالتضخم الجامح، وهو يعني بالمصطلح الفقهي: التغير الفاحش في قيمة النقود، بحيث تنخفض قوتها الشرائية في مقابل السلع والخدمات؛ نظرًا للارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار. وهذا يعني أن التضخم ظاهرة عامة يمتد تأثيرها إلى كل أفراد المجتمع على اختلاف بينهم في نوع هذا التأثير قوة وضعفًا وسلبًا وإيجابًا (١) . والتأصيل: الرد على الأصل: قال الفيومي: أصلته تأصيلًا: جعلت له أصلًا ثابتًا يبنى عليه (٢) والمقصود بالأصل هنا المعنى الاصطلاحي، وهو يطلق على عدة معان (٣) ، الذي يتعلق به الغرض منها هنا هو: الدليل. وبهذا يتبين المقصود بهذا البحث، وأنه: النظر في الحلول المقترحة لعلاج التضخم في ضوء الأدلة الشرعية، حتى يتبين المقبول منها من المردود.

стр. 20283

وسنتناول بإذن الله بحث هذه الحلول، بردها إلى الأدلة الشرعية بحسب الطاقة، والبحث هنا مرتب على تمهيد وقسمين: التمهيد لبيان أحوال التضخم الناشئ بعد العقد: التضخم الذي يحدث بعد العقد، يمكن أن ينظر إلى علاج آثاره بدراسة الحلول المقترحة والاستدلال لها أو عليها بالنظر في حالتين: الأولى: نشوء الالتزام - ترتب الحق في الذمة لكل واحد من العاقدين تجاه الآخر بسبب العقد (١) - دون ملاحظة احتمال التغير في قيمة العملة، فيقع التضخم، ويحتاج إلى علاج. الثانية: أن يلحظ احتمال التضخم عند التعاقد، وهذا ينتج عنه حالتان فرعيتان: أ- أن يتم التعاقد بغير عملة البلد التي يتوقع تغيرها – من باب الاحتياط للتغير – بأن يتعاقد بأحد الأثمان التالية: ا- بالذهب أو الفضة. ٢- بعملة أخرى. ٣- بعملة حسابية ٤- بسلة عملات. ٥- بسلعة. ٦- بسلة من السلع. ب- أن يتفق عند إبرام العقد على طريقة لعلاج التضخم إذا حدث، ويكون هذا الاتفاق في صلب العقد، وذلك بإحدى الصور التالية: ١- الربط بمؤشر تكاليف المعيشة. ٢- الربط بالذهب أو الفضة. ٣- الربط بعملة أخرى. ٤- الربط بعملة حسابية. ٥- الربط بسلة من العملات. ٦- الربط بسعر سلعة معينة. ٧- الربط بمعدل أسعار سلة من السلع. ٨- الربط بمعدل نمو الناتج القومي. ٩- الربط بسعر الفائدة.

стр. 20284

القسم الأول: دراسة صور العلاج المتقرحة لآثار التضخم على الالتزامات في الحال الأولى – وهي التي ينشأ فيها الالتزام بدون ملاحظة احتمال التغير في قيمة العملة، وصور العلاج المقترحة هنا أربع: ١- الصلح. ٢-التحكيم. ٣- القضاء. ٤- الإلزام العام من الحكومة لجميع القطاعات أو الخاص لبعضها (كالأجور مثلًا) . وقبل تفصيل القول في هذه الصور لابد من الحديث عن مشروعية النظر في علاج آثار التضخم في هذه الحال، فنقول وبالله التوفيق: لدى التأمل في علاج آثار التضخم هنا فإنا نجد أنه لم يرد له ذكر في صلب العقد، ولم يتناوله شرط، والأصل أنه لا يلزم العاقدين ما لم يلتزما به في العقد الذي تم بينهما، ولم يكن ذلك أيضًا من الشروط التي نص عليها في العقد حتى يقال بأن الوفاء بالشرط واجب إعمالًا للحديث الوارد في هذا: (( ((المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا , أو حرم حلالًا)) )) (١) . إضافة إلى أن الأخذ بهذه الصورة يؤدي إلى الزيادة في جنس الحق الذي ترتب في الذمة، وهو أمر يقود إلى الربا، وقد حرم الله الربا تحريمًا قاطعًا في كتابه الكريم، وتوعد عليه بأشد أنواع الوعيد في مواطن عديدة من كتابه الكريم وعلى لسان رسول الله ﷺ ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ – ٢٧٩] . وبيّن النبي ﵊ أنه من أكبر الموبقات في الحديث الصحيح الذي رواه الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁: قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: (( ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) )) (٢) .

стр. 20285

وكما حرمت الشريعة الربا، فإنها حرمت الوسائل المفضية إليه تأكيدا لتحريمه، وقد اعتبر الجهل بالتساوي محرمًا في بيع الربويات ببعضها كالعلم بالتفاضل فيها، فقد روى الإمام مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: ((نهي النبي ﵊ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر.)) (١) . وروري الشيخان عن سهل بن أبي حثمة قال: ((نهى النبي ﷺ عن بيع التمر بالتمر، وقال: ((ذلك الربا، تلك المزابنة)) )) (٢) . فكيف يمكن القول بجواز النظر في علاج آثار التضخم، مع أنه يترتب على ذلك زيادة من جنس ما ثبت في الذمة قطعًا؟ والجواب على ذلك، أن ما ذكر من تحريم الشريعة للربا وسدها للذرائع المؤدية إليه، وأن هذا الأمر – علاجَ التضخم – قد يؤدي إلى الزيادة في جنس ما ثبت في الذمة من النقود أمرٌ مسلم، ولكن المتأمل في أدلة الشريعة ومقاصدها وقواعدها العامة، لا يعدم أن يجد عددًا من المبادئ الشرعية المسلمة الهادفة إلى تحقيق العدل بين الخلق، والتي تعتبر في جوهرها استثناء مما يقتضيه العقد الملزم بين الطرفين من غير اشتراط لهذا الاستثناء في صيغة العقد، وهي مما يمكن الاستئناس به هنا للقول بمشروعية النظر في علاج آثار التضخم، ومن هذه المبادئ ما يلي: ١- مبدأ وضع الجوائح: الجوائح جمع جائحة، وهي في اللغة: الآفة، يقال: جاحت الآفة المال تجوحه جوحًا إذا أهلكته (٣) . وهي عند الفقهاء: كل شيء لا يستطاع دفعه لو علم به (٤) - وهذا يقرب مفهوم الجائحة إلى ما يعرف الآن بالظروف الطارئة – وقد ورد في اعتبار الجائحة في الشرع حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عند مسلم ولفظه: (( ((لو بعت من أخيك تمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، لِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) )) (٥) . وكذلك حديثه أيضًا عند مسلم: ((أمر النبي ﵇ بوضع الجوائح))

стр. 20286

ويقرر بعض العلماء المعاصرين أن في قوله ﵇: (( ((لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) )) إيماء إلى العلة (١) ؛ لأن هذا الوصف " أخذ المال بغير حق " ذكره في كلام الشارع مع الحكم وهو قوله ﵊: (( ((فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا)) )) . ولم يصرح بالتعليل به، ولو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة، وكان عبثا ولغوًا، ومنصب الشارع مما يُنزَّه عن ذلك (٢) . وعلى هذا فإن الجائحة يمكن أن تعتبر أصلًا خاصًا تقاس عليه مسألة التضخم، انخفاض قيمة العملة. إلا أنه يمكن أن يرد على هذا القياس بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار (٣) ، وبيان ذلك أن هذا القياس يقتضي رفع الضرر عن صاحب الدين بأن يرد إليه من ترتب الحق في ذمته مقدار قيمة دينه وقت الالتزام، وهذا يترتب عليه قطعًا زيادة في قدر النقود المتحدة الجنس، كما لو كان له عليه ألف جنيه مصري فنقصت بحيث أصبحت قيمتها عند حلول الوفاء تساوي أربعة آلاف. فهذه زيادة قد ورد النهي عنها في قوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (( ((الذهب بالذهب)) )) (٤) ، والفضة بالفضة، مثلًا بمثل (٥) ... الحديث. وبزيادة العدد فاتت المثلية. والقياس يوجبها والنص يمنعها. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الحل بالمقترح يمكن تحقيقه بدون الوقوع في مصادمة النص، بأن يجعل التعويض من غير الجنس بعملة أخرى مثلًا.

стр. 20287

٢- مبدأ التعويض عن العيب: العيب: الوصمة، والنقص (١) ، وقد جاء في القرآن والسنة بهذا المعنى، فمن ذلك قوله ﵎ في قصة موسى ﵇ مع الخضر: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] ، ثم قال الخضر مفسرًا لموسى سبب صنيعه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . فبيّن الخضر بهذا لموسى أن خرق السفينة الذي هو انتقاص منها؛ عيبٌ. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ مرّ بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفيه، فمر بجدي أسك - صغير الأذنين – ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (( ((أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟)) .)) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) . قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ (٢) الحديث، فجعل الصحابة نقص الأذن في هذا الجدي عيبًا (٣) . والعيب في اصطلاح الفقهاء قريب مما ذكر، فهو كل ما ينقص القيمة أو العين في عرف التجار (٤) . والعيب يثبت به الخيار لكل واحد من العاقدين إذا لم يعلم به حال العقد، فيثبت للمشتري في عقد البيع في المبيع إذا وجد به عيبًا، ويثبت للبائع كذلك في الثمن إذا وجده معيبًا، كما أنه يثبت للمستأجر إذا وجد العين المستأجرة معيبة بعيب يفوّت عليه غرضه، ويثبت أيضًا للمؤجر في الأجرة إذا وجد بها عيبًا لم يطلع عليه حال العقد. والعاقد في البيع مخير بين الرد وأخذ الثمن، وبين الإمساك فقط، عند جمهور العلماء، وعند الحنابلة له الإمساك مع أخذ الأرش. أما إذا تعذر الرد، كما إذا تعيب المبيع عند المشتري بعيب حادث، ومثاله لو اشترى قماشًا فقطعه ثيابًا، أو اشترى دارًا فوهبها، أو عبدًا فأعتقه؛ فإن له الأرش، وكذلك لو تصرف المؤجر في الأجرة بهبتها أو بيعها ونحو ذلك، ثم علم بالعيب فيها، فإن له الأرش، والعوض في الصرف، إذا بان معيبًا. وكذلك يجب مهر المثل إذا تعيب الصداق قبل القبض، أو قبضته ووجدته معيبًا (٥) .

стр. 20288

وهذا كله دليل على أن العيب يُثبت الحق للعاقد الذي أطلع عليه، ولم يعلم به قبل ذلك، في أن يدفع هذا الضرر عن نفسه بالمطالبة بالرد أو بالمثل – كما في المهر والصرف - أو التعويض عن العيب – الأرش – إذا امتنع الرد، والسبب في ذلك أن صفة المالية معتبرة هنا، فما أوجب نقصًا فيها كان عيبًا في عرف أهل الشأن، وقد أثبت النبي ﵇ الخيار في التصرية لمن اشترى مصراة بين الإمساك والرد مع صاع من تمر (١) ، وهذا تنبيه على ثبوت الخيار بالعيب؛ لأن التصرية عيب، ومطلق العقد يقتضي السلامة من العيب، بدليل ما ثبت عن النبي ﷺ من أنه اشترى مملوكًا فكتب: ((هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد، اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء به ولا غائلة، بيع المسلم المسلم)) (٢) فثبت أن بيع المسلم يقتضي السلامة. وعلى هذا فمتى فاتت السلامة فات بعض مقتضى العقد فلم يلزمه أخذه، وكان له الرد وأخذ الثمن كاملًا (٣) . والرد بالعيب مبني على قاعدة قعّدها العلماء، وهي أن الضرر يزال (٤) ، أخذًا من حديث النبي ﵊: (( ((لا ضرر ولا ضرار)) )) (٥) ومعناه النهي عن أن يضر الرجل أخاه ابتداء وجزاء؛ لأن مشروعية الرد بالعيب إنما هي لإزالة ما قد يلحق من الضرر للعاقد. ويستنتج مما تقدم أن العيوب – ومنها عيوب النقد – يثبت بها الحق في رفع الضرر ودفع الظلم للعاقد الذي يحصل العيب في جهته، ولهذا فإن الكلام في البحث عن طريقة مناسبة لرفع ضرر التضخم سائغ شرعًا.

стр. 20289

وإذا تبين مما سبق مشروعية النظر في علاج آثار التضخم بالبحث عن أسلوب مناسب لتعويض ما حصل من هذا النقص الفاحش؛ فإننا نعود الآن لتفصيل القول في صورة العلاج المقترحة على النحو التالي: أولًا – الصلح: الصلح والصلاح ضد الفساد، وهو التوفيق بين المختلفين، يقال: أصلحت بين القوم، أي وفقت بينهم (١) . ومعناه في الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى التوفيق بين المختلفين (٢) . والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أ- فمن الكتاب: ١- ما ورد من الأمر به بين الطائفتين المتقاتلتين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] . ٢- ما ورد فيه بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . ٣- ذكره في مقام المدح، والوعد عليه بالأجر العظم: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] .

стр. 20290

ب- ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: ١- قوله ﵇: (( ((الصلح جائز بين المسلمين ...)) )) الحديث (١) . ٢- ندبه ﵇ للصلح في حوادث عديدة منها: ما رواه البخاري عن عبد الله بن كعب عن أبيه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ فخرج إليهما ثم نادى: (( ((يا كعب)) .)) قال: لبيك يا رسول بالله، فأشار إليه أن ضع الشطر من دينك، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: (( ((قم فأعطه)) )) (٢) . ٣- وأجمعت الأمة على جواز الصلح فيما لا يخالف الشرع (٣) . وبالنسبة لانخفاض سعر العملة الفاحش بعد أن نشأ الالتزام بها، نتيجة لعقد مشروع من بيع ونحوه، فإنه مما يمكن وقوع الصلح عنه؛ لأنه صلح عن إقرار، حيث إن من ترتب عليه الحق مقر به غير منكر له، ومن له الحق يطالب بحقه، ولكن هل يكون القضاء في هذه الحال بالمثل، بناء على أن الديون تقضي بأمثالها؟ وأن من له الحق ليس له إلا ما وقع عليه العقد، وبناء عليه فإنه في حال الرخص الفاحش للنقود تفوت عليه مصلحة كبيرة في نقصان القيمة الحقيقية لهذه النقود، عما كانت عليه وقت ثبوت الحق في الذمة، وفي هذا مجافاة للعدل الذي أمر الله به في المعاملات وفي غيرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] , وإن قلنا بأنه – أي صاحب الحق _ يأخذ من النقود ما يساوي قيمة دينه وقت ترتب الحق في ذمة المدين، أدى ذلك إلى فوات المماثلة بالزيادة المتحققة في العدد، كما لو كان له عليه ثمن مبيع مؤجل، أو نحوه ألف جنيه مصري في نهاية الشهر الأول من عام (١٤١٠هـ) ، ووقت السداد نهاية الشهر الأول من عام (١٤٢٠هـ) ، أي بعد عشر سنوات، ولكن عندما حل وقت السداد انخفضت قيمة هذه النقود بسبب التضخم الفاحش إلى (٥٠ %) ، فإن وفاء هذا الدين في وقت حلول القيمة التي كانت للنقود وقت ترتب الحق في الذمة بـ (٢٠٠٠) جنيه. وحتى يُحل هذا الإشكال بطريق مقبول شرعًا، فإنه يمكن أن يتصالحا على مقدار معين، إما بتحميل الفرق على المدين، أو عليهما معًا – وهو الأنسب – ولابد أن يكون هذا بجنس آخر من النقود، خروجًا من محذور الربا بالزيادة في الجنس.

стр. 20291

ثانيًا – التحكيم: التحكيم في اللغة مصدر حكم، وهو يعني تفويض الحكم، يقال: حكمت فلانًا في مالي تحكيمًا، إذا فوضت إليه الحكم فيه (١) . وفي الاصطلاح: عقد بين طرفين متنازعين يجعلان فيه برضاهما شخصًا آخر حكمًا بينهما للفصل في خصومتهما (٢) . والتحكيم مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فمنه: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة، أن الله تعالى أمر ببعث حكمين في حال الشقاق بين الزوجين، حكما صالحا عدلا من أهل الزوج وحكما صالحا عدلا من أهل الزوجة؛ لحل النزاع بين الزوجين إذا لم يتمكنًا من تسويته بينهما بأنفسهما؛ تحقيقًا للعدل، وتحصيلًا للمصلحة، ودرءًا لما يتوقع من اتساع دائرة الخلاف فيما لو استمر الشقاق، ولولا مشروعية ذلك لما أمر الله به. ب- ومنه قوله تعالى في جزاء الصيد بالنسبة للمحرم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] . ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله ﵎ أمر بتحكيم ذوي عدل لبيان المثلية في جزاء الصيد، وجعل ما حكما به كافيًا في الفدية من هذا المحظور، ولولا صحة ذلك لما أمر به الشارع ولما أقره.

стр. 20292

وأما السنة: فقد دلت على ذلك بأدلة عديدة، منها: أ- ما رواه النسائي عن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ أنه لما وفد على رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنون هانئ بأبي الحَكَم، فدعاه رسول الله ﷺ : (( ((إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟)) )) . قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال النبي ﵇: (( ((ما أحسن هذا. . .)) )) الحديث (١) . ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﵊ أقره صنيعه واستحسنه منه. ب- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لسعد بن معاذ ﵁ في غزوة قريظة: (( ((هؤلاء نزلوا على حكمك)) )) . فقال سعد: تقتل مقاتليهم، وتسبي ذراريهم، فقال النبي ﵊: (( ((قضيت بحكم الله)) )) (٢) وأما الإجماع فقد دلت عليه الوقائع الكثيرة التي اشتهرت وشاعت بين الصحابة من غير نكير منهم، في لجوئهم للتحكيم وقبولهم بنتيجته (٣) . وإن كان ذلك كله مما يشترط فيه موافقة الشرع (٤) .

стр. 20293

والتحكم يتميز عن غيره من الحلول المقترحة بعدة أمور: ١- المرونة والسهولة، من حيث أنه لا يشترط له زمان معين ولا مكان معين. ٢- سرعة البت في الخصومة؛ لأن المحكَّم عادة ما يكون من أهل الخبرة والمعرفة، إضافة إلى أنه لا يشترط لعمله الإجراءات الكثيرة التي تشترط لعمل القاضي. ٣- قطع دابر النزاع والخصومة بسبب ثقة الطرفين المتنازعين في المحكم، مما يسهل عليهما بعد ذلك قبول قوله والاطمئنان إلى حكمه. ولهذا يمكن الاعتماد على التحكيم بضوابطه الشرعية في حل ما يثور من نزاع في مسألة انخفاض قيمة العملة بحسب مقتضى الحال، مع مراعاة أن تكون الزيادة التي يتفق عليها بالتحكيم في مسألة قيمة العملة، من غير جنس النقد الذي ثبت به الالتزام؛ خروجًا من محذور الربا.

стр. 20294

ثالثًا – القضاء: القضاء في اللغة: الحكم، وقضى، أي: حكم (١) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وفي الاصطلاح: نظر الحاكم بين المترافعين له لإلزام وفصل الخصومات (٢) . والقضاء مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فمنه: أ- قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ﴾ [سورة ص: ٢٦] . ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله ﵎ كلف داود ﵇ بهذا الأمر لفصل الخصومات وتحقيق العدل، ولولا مشروعية ذلك لم يلزمه به. ب- ومنه قوله تعالى أيضًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . ووجه الدلالة هنا أن الله سبحانه أقسم بذاته الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسول الله ﷺ في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرًا وباطنًا، من غير مدافعة ولا منازعة (٣) ، ولولا صحة ذلك لما جعله الشارع بهذه المثابة.

стр. 20295

٢- وأما السنة ففيها أدلة عديدة، منها: أ- قوله ﵇ فيما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (( ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , وإن أخطأ فله أجر)) )) (١) . وقد أجمعت الأمة في كل طبقة من طبقاتها على نصب القضاء للفصل بين الناس (٢) . ويمكن أن يكون اللجوء إلى القضاء حلًا ناجعًا لمشكلة انخفاض قيمة العملة، عندما يرفع الطرف المتضرر الأمر إلى القضاء، فيقوم القاضي بالنظر في ملابسات القضية، وقد يستعين بأهل الخبرة لتقرير مدى الضرر اللاحق بأحد الطرفين , ويحدد بناء على ذلك ما يراه من تعويض عادل؛ لأن القضاء ما جُعل إلا لتحقيق العدل، وفصل الخصومات بين الناس، وفيه مزية على غيره أنه مُلزِم قطعًا لأطراف النزاع، وإن كان أحد الطرفين – المحكوم عليه – يشعر بالهضم، وفوات حقه، ولكن ليس هناك أمام القاضي إلا ما يظهر له، فهو يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر (٣) .

стр. 20296

رابعًا – الإلزام الانتقائي من الدولة: ومعناه قيام الدولة ممثلة في بعض أجهزتها المختصة بإلزام قطاعات، مثل الأجور والرواتب التقاعدية، بتغيير مقدار التزاماتها المالية بنسبة معينة، أو ربطها – أي الالتزامات – بمؤشر معين، مثل سلة السلع، أو العملات، أو عملة معينة ... إلخ، وهذا الإلزام من الدولة إن حصل فإنه يختلف حال إلى حال: ١- فإن حصل في مجال الأجور والرواتب، وبخاصة التي تكون عقودها طويلة الأجل، فقد يتجه القول بالجواز استنادًا إلى مبدأ استحقاق أجرة المثل، ومبدأ التسعير عند الحاجة، والذي هو من حق ولي الأمير تحقيقًا للمصلحة. وأجرة المثل تجب عند جمهور الفقهاء في الإجارة الفاسدة، سواء أكانت الأجرة مجهولة أم معلومة (١) ؛ لأن المستأجر إذا استوفى المنافع فقد ثبت للعامل ما يقابل ذلك من الأجر عملًا بقاعدة: الغنم بالغرم، والعامل لم يرض ببذل منافع نفسه إلا بعوض، فلابد أن يكون هذا العوض متحققًا يكافئ المنفعة التي استوفاها رب العمل. ومثال الإجارة الفاسدة مع جهالة الأجرة، ما لو استأجره على عمل وشرط له أن يعطيه ما يرضيه. ومثال الإجارة الفاسدة مع معلومية الأجرة، ما لو استأجره على سلخ شاة، وجعل أجرته جلدها، فالإجارة هنان فاسدة؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أولًا؟ وهل هو ثخين، أو رقيق (٢) .

стр. 20297

ومن أهم أدلتهم على وجوبها ما يلي: أ- قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ووجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب أجرة المثل في الإجارة الفاسدة: أن من استغل مال غيره بغير حق، فقد انتهك حرمته، فعليه أن يقاصّ بمثله من ماله (١) . ب- ما جاء عن النبي ﷺ في المرأة المفوّضة، وهي: التي مات عنها زوجها بعد الدخول بها، وقبل أن يفرض لها مهرًا من قوله: (( ((فإن دخل بها فلها مهر مثلها، لا وكس ولا شطط)) )) (٢) أي لا نقص ولا زيادة، وهذا يمكن أن يستدل به على وجوب قيمة المثل. ج- القياس على البيع؛ فإنه إذا فسد الثمن اعتبرت فيه قيمة المثل، فكذلك الحال في الإجارة إذا فسدت الأجرة تعتبر أجرة المثل، بجامع أن كلا منهما بيع، فالإجارة بيع المنافع، وذاك بيع الأعيان (٣) .

стр. 20298

٢- وقد يتجه القول بعدم جواز ذلك؛ بناء على الأجرة قد تمت على وجه صحيح عند العقد، وهي ركن من أركان العقد فلا بد من معرفتها، والقول بالإلزام بتغييرها أو ربطها بمؤشر معين أو سلعة، أو عملة مبينة يترتب عليه جهالة الأجرة؛ لأنها إذا كانت نقدًا، فإن من شروطها معرفة قدره وجنسه ونوعه، حتى لا يكون هناك مجال للمنازعة، وعدم العلم بمقدارها أمر يقتضي فسادها؛ لأن هذه الجهالة تفضي إلى الغرر، من حيث إن المستأجر لا يدري ما هو مقدار الأجرة الذي يلزمه حينها، وكذلك الأجير أو الموظف فإنه يجهل ما سيؤل إليه الحال، وهذا كله يؤدي إلى الغرر، وهو منهي عنه شرعًا (١) . وإذا نظرنا إلى ما نحن فيه من انخفاض قيمة الأجرة بسبب التضخم، فإنا نجد أن الأجرة مسماة، وقع عليها الاتفاق بين الطرفين حال العقد، والعقد في ابتدائه صحيح من حيث وجود أركانه وشروطه، ولكن طرأ عليه بسبب طول المدة وانخفاض قيمة النقد ما يمكن أن يجعله فاسدًا لفساد الأجرة المسماة بانخفاضها الفاحش، والذي هو عند التحقيق عيب، لوجود معنى العيب (٢) فيه، فلا ينكر القول بتعويض العامل عنه. وهناك ملحظ آخر أيضًا يمكن أن يستأنس به للقول بتصحيح الإجارة في حال التضخم الفاحش، وهو أن الأجرة عند عدد من العلماء لا تملك بالعقد، وإنما تملك باستيفاء المنافع أو تسليم العمل، ومما يقوي ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: (( ((يغفر لأمتي في آخر ليلة من رمضان)) . قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: ((لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)) )) (٣) . وبناء عليه فإن العامل لما وفّى بعمله، وجب أن يأخذ الأجر العادل لهذا العمل بعد الانتهاء منه، فإن نقص المسمى عن أجرة العدل التي استحقها العمل، وجب أن يعوض عن ذلك بطريق مشروع.

стр. 20299

ويمكن أن يستدل لجواز الإلزام الانتقائي بجواز التسعير لولي الأمر عند الحاجة، تحقيقًا لمصلحة الحفاظ على أموال الناس. والتسعير في اللغة مأخوذ من سعرت النار تسعيرًا إذا أوقدتها حتى جعلت له لهبًا عاليًا، ومنه سعرت الشيء تسعيرًا: جعلت له سعرًا ينتهي إليه؛ لأن السعر ارتفاع لقيمة السلعة (١) . وفي الاصطلاح: تدخل ولي الأمر لتقدير سعر سلعة أو خدمة، بما يحقق المصلحة الشرعية (٢) . والأصل في جواز التسعير لولي الأمر أنه مأمور بحماية مصالح الناس، بما أعطاه الله من سلطان الطاعة في قوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وبناء عليه فإنه إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء مراعاة للمصلحة؛ وجبت طاعته بالمعروف، أما إن كانت في غير المعروف فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لقوله ﵇: (( ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) )) (٣) . وقد قعد العلماء أن تصرف الإمام على بالرعية منوط بالمصلحة (٤) . وبناء عليه فإنه يجوز لولي الأمر أن يتدخل بالإلزام في بعض الصور كالإجارة ونحوها؛ تحقيقًا للمصلحة التي أُلزم بمراعاتها.

стр. 20300

هذا فيما يخص الأجور والمرتبات، وأما بالنسبة لغيرها من أنواع الالتزامات فإنه يمكن أن يقال فيها ما يلي: ١- الودائع المصرفية تحت الطلب: لا يجوز التعويض عن نقصانها لأنها قروض، والإلزام بالزيادة فيها يقود إلى الربا، والنهي عن الغرر وما يؤدي إليه إنما ورد في عقد البيع؛ لكون ذلك مظنة لأكل أموال الناس بالباطل، وهذا موجود في كل عقد معاوضة مالية؛ لأن المال مقصود فيه (١) ، أما عقد القرض فإنه يختلف عنها؛ لأنه عقد إرفاق، وما يحصل فيه من نقص المالية بالنسبة للمقرض يعوضه ما يحصل عليه من الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله. ٢- الأمانات، كأموال المضاربة والمشاركة والوديعة وما بيد الوكيل من مال موكله ونحو ذلك , وهذه لا تدخل فيما سبق من القول بمشروعية التعويض عن النقص الحاصل بسبب التضخم؛ لأن ما يعد من أموال الأمانات لو تلف بالكلية في يد الأمين فإنه لا يضمن شيئًا، فمن باب أولى فيما لو نقصت قوتها الشرائية بسبب التضخم، إلا في حال التعدي أو التفريط، فإنه يضمن ما تعدى أو فرط فيه؛ لأنه يصبح بتعديه أو تفريطه ظالمًا معتديًا، ومثال ذلك لو دفع رجل مالًا لآخر مضاربة وشرط عليه أن يتجر به في العقارات فقط، فوضعه في المواشي فهلكت، فإنه يضمن لتعديه. وكذلك إذا أودع لديه مالًا وطلب منه أن يضعه في صندوق حديدي معين وأن يغلقه، فتركه في مرة من المرات غير مغلق، فسرقه اللصوص، فإنه يضمن لتفريطه (٢) . ٣- الضمانات، كالنقود المغصوبة وبدل المتلفات إذا حبست عن أصحاب الحق حتى نقصت بسبب التضخم نقصًا فاحشًا، فإنه يتجه القول بتعويض ما حصل من نقص بسبب التضخم؛ لأن الغاصب ظالم معتد والمغصوب منه مظلوم لا ذنب له، فوجب أن يتحمل الظالم تبعة ظلمه. وكذلك بدل المتلف؛ فإن صاحب المال المتلف – نقدًا كان أو غيره – تعلق حقه بماله، فإذا اتلف متلف بتعد أو بغيره، فإنه يضمن لصاحب الحق ما فات من حقه بما يضمن له حصوله على مثله. ٤- المدين المماطل وغير المماطل: المطل هو التأخير في أداء الحق، وقد يكون هذا من الظلم فيما إذا كان فاعله قادرًا على الوفاء، كما جاء في قوله ﵊: (( ((مطل الغني يحل عرضه وعقوبته)) )) (٣) ، وقد لا يكون من الظلم إذا كان المدين عاجزًا عن الوفاء بالحق لصاحبه، وفي كلا الحالين فإن الضرر يلحق صاحب الحق، بنقصان ماله بسبب التضخم، إلا أنه انضم إلى الحال الأول الظلم، وخلت عنه الحال الثانية.

стр. 20301

ويمكن هنا أن يقال: إن المماطل يلزم بنقصان المال الذي أخره عن صاحبه ظلمًا حتى نقص بسبب التضخم، حتى ولو كان النقص يسيرًا، وليس في هذا ظلم له؛ لأنه هو الذي تسبب في هذا، أما غير المماطل فإنه لا مانع من إلزامه أيضًا بضمان ما نقص عنده من حق غيره بسبب التضخم، ولكن لا يلزم إلا بالنقص الفاحش، وقد يكون حاله وفقره مدعاة للتيسير عليه من قبل صاحب الحق، أما الأول فإنه يؤخذ بالعدل، ولا يظلم بالزيادة على القيمة الحقيقية وقت الاستحقاق وحبسه المال، وحسابه على الله بسبب ظلمه وهو مستحق للعقوبة التعزيرية الدنيوية التي يقررها القضاء عقابًا له وردعًا لأمثاله.

стр. 20302

القسم الثاني: دراسة صور العلاج المقترحة لآثار التضخم على الالتزامات، وهي التي يلحظ فيها: احتمال التضخم عند التعاقد، ويتفرع عن هذه الحال حالتان فرعيتان: ١- أن يتم التعاقد بغير عملة البلد التي يتوقع تغيرها، مثل: أ- أن يتعاقد بالذهب أو الفضة. ب- أن يتعاقد بعملة أخرى. ج- أن يتعاقد بعملة حسابية. د- أن يتعاقد بسلة عملات. هـ- أن يتعاقد بسلعة. وأن يتعاقد بسلة من السلع. وهذه يصح أن يكون الثمن الذي يتعاقد به واحدًا من هذه الأنواع المتقدمة درءًا لاحتمال التغير في القيمة؛ لأن كل هذه الأموال معلومة متقومة فجاز أن تكون ثمنًا، ولكن لابد من ملاحظة أمرين: الأول: أن لا يكون احتمال التغير كثيرًا فيما لو كان الحق مؤجلًا والثمن سلعة أو سلة من السلع؛ لأن السلع عادة ما تتعرض لتقلبات كثيرة ربما نتج عنها انخفاض كبير في قيمتها، فيؤدي هذا إلى جهالة الثمن وهذا غرر، وهو منهي عنه كما تقدم. الثاني: ألا يشترط في العقد أن الأداء بغير الثمن الذي وقع عليه العقد؛ لأن هذا يجعله من قبيل الصرف المؤجل، وهو غير جائز شرعًا، بل لابد فيه، أي في عقد الصرف من التقابض في المجلس لقوله ﵇: (( ((الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء ...)) )) الحديثَ (١) ، ولقوله ﵇: (( ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد)) )) (٢) . وإذا وقع العقد بشرط أن يكون الأداء بغير الثمن ترتب عليه ما تقدم من كونه صرفًا مؤجلًا، وهو منهي عنه بالأدلة المذكورة وغيرها، فيبطل العقد بهذا الشرط (٣) . وهذا يسري أيضًا على القروض، فإنه لا يجوز أن يشترط في ردها عملة أخرى لما ذكر سابقًا؛ ولأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبض.

стр. 20303

٢- أن يتفق عند إبرام العقد على طريقة معالجة التضخم إذا حصل في صلب العقد، وذلك بالربط القياسي بإحدى الصور التالية: أ- مؤشر تكاليف المعيشة. ب- الذهب أو الفضة. ج – بعملة أخرى. د- بعملة حسابية. هـ – بمعدل الناتج القومي. و بسعر الفائدة. ز- بسعر سلعة معينة. ح- بمعدل أسعار سلة من السلع. - والربط بالذهب أو الفضة أوبعملة أخرى أو بعملة حسابية (١) ، يعني تحديد الالتزام بعملة معينة مثلًا كالدولار، مع اشتراط أن يتغير مقدار الدَّين تبعًا للتغير في سعر الذهب أو الفضة بين يوم التغير ويوم الأداء، ويتم تسديد الدين بتلك العملة، وهذا يؤدي إلى غرر كثير بسبب جهالة المقدار الذي يتم أداؤه، ولا يعرف كل واحد من أطراف العقد ما له وما عليه، فيختل شطر المعلومية المطلوب لصحة العقد، إضافة إلى أنه يترتب على ذلك عدم المماثلة بين ما ثبت في الذمة عند العقد وما يجب أداؤه، وليس هذا تبرعًا ممن ثبت الحق عليه، , إنما هو شرط في العقد، تترتب عليه زيادة في الجنس، وهي من الربا.

стр. 20304

- أما الربط بالمؤشرات الأخرى غير العملات، فإنه يؤدي إلى غرر كثير بسبب الجهالة الكبيرة بما يؤول إليه الحال عند الأداء، لاسيما والسلع وأسعار الفائدة ومعدل الناتج القومي عرضة للتغير والتذبذب أكثر من النقود، ولذلك فهي أولى بالمنع من الربط بالعملات لما ينتج عن ذلك من مفاسد شرعية واقتصادية. وبهذا يتضح أن العلاج للتضخم الذي يتفق مع الأدلة الشرعية ويتحقق به العدل؛ مقصور على صور العلاج في الحال الأولى وهي: الصلح – التحكيم – القضاء – الإلزام الخاص لبعض القطاعات. وعلى الحال الفرعية الأولى من القسم الثاني، وهي أن يتم التعاقد بغير العملة التي يتوقع تغيرها.

стр. 20305

وقبل أن نختم لابد من بيان ثلاثة أمور: ١- مسؤولية الحكومة عن التعويض: الحكومة في المجتمع الإسلامي تتحمل مسؤولية كبيرة في الحفاظ على المجتمع بتحقيق المصالح له ودرء المفاسد عنه، ومن ذلك إقامة ميزان العدل بين الناس، وكف المفسدين والمتطاولين، والمال عصب الحياة في المجتمعات الإنسانية، والمحافظة عليه مقصد من مقاصد الشريعة الكلية، والحكومة أول المطالبين بذلك، فلابد أن تحرص في سياساتها المالية وتصرفاتها في الشؤون الداخلية والخارجية على ما يكفل الثبات النسبي للعملة؛ لأنها هي المقياس الحقيقي للثروات التي بأيدي الناس، فإهمالها وعدم الاحتياط في السياسات المتعلقة بها يؤدي إلى ضياع ثروات الناس، وبالتالي خسارة المجتمع وانحطاط الاقتصاد بوجه عام، مما ينتج عنه ضعف الدولة أيضًا. ويمكن في النظر الشرعي أن تتحمل الدولة نتيجة خطئها في بعض السياسات التي يترتب عليها حدوث التضخم أو زيادته إلى الحد الذي يؤدي إلى تآكل الثروات، فيتعين عليها حينئذ تعويض من تضرر بسبب ذلك من أرباب الأموال، كما أن عليها أن تنهج نهجًا حازمًا في تطبيق الحلول الشرعية لمعالجة آثار التضخم بين الناس، وإلزام المماطلين والمعتدين بإعادة الحقوق إلى أصحابها على الوجه الذي تتحقق به العدالة، وينتفي به الظلم. وإذا كانت هي طرفًا في بعض المعاملات كالأجور والمرتبات، فإن عليها في حال التضخم أن تؤدي ما يلزمها حيال المتضررين. ٢- نسبة التغير المؤثرة في العملة والتي تستدعي الحل: هناك من قدر هذه النسبة بالثلث كما في الجائحة، وهو تقدير له نظائره في عدد من الأحكام الشرعية حيث اعتبر في بعضها فاصلًا بين القليل والكثير، ولكن هذا لايمنع من ربط تقدير النسبة بما يقرره الخبراء، تحقيقًا لما يسمى بالتغير الفاحش؛ لأنه في بعض الأحيان قد يتحقق هذا في أقل من الثلث وقد لا يتحقق إلا فيما هو أكثر من الثلث. ٣-مفهوم الصلح الواجب: وهذا يشترط له عدد من الأمور: أ- ألا يخالف الشرع. ب- أن يكون عاقد الصلح ذا أهلية شرعية لعقده. ج- ألا يكون أحدهما كاذبًا في الدعوى على خصمه؛ لأنه أكل لأموال الناس بالباطل. د- أن يكون المصلح من أهل العدل والعلم والتقي، حتى لا يحابي ولا يجور. وإذا وقع الصلح بهذه الشروط ودخلا فيه برضاهما فإنه يصبح ملزمًا لهما (١) ، وإذا اشترطاه في العقد فهو شرط مقبول ويجب قبول نتيجته بعد ذلك لأنه دخل في العقد، فوجب الوفاء به امتثالًا لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →