← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 20336–20375 · переход к 20341.

стр. 20336

إذن التضخم عيب شرعي في النقود. ولا يعكر على ذلك ما ورد في كتب الفقه على لسان بعض الفقهاء من أن رخص النقد وغلائه ليس عيبًا. فالوضع والظروف والملابسات مختلفة تمامًا، وساء نظرنًا إلى مادة النقود أو تنظيمها والكثير من الفقهاء المعاصرين يرون ذلك، وإن كان البعض منهم - وتحت التأثير القوي لمقولات بعض الفقهاء السابقين حيال غلاء النقد ورخصه - لا يرون التضخم عيبًا في نقودنا، مع أن الفقهاء القدامى هم الذين قالوا لنا إن المرجع في ذلك ليس إلى الفقهاء وإنما إلى أهل الاختصاص (الاقتصاديين) ، فالفقيه الجيد لا يقول بادئ ذي بدء هذا عيب وهذا غير عيب، وإنما يعتمد في ذلك على أهل الخبرة؛ الأطباء المهندسين، الاقتصاديين ... إلخ (١) . ٢- هناك زاوية جديرة بالاهتمام وهي أن الحديث الفقهي المفصل والمسهب في العيوب انصرف أساسًا إلى العيوب التي كانت قائمة بالمعقود عليه عند التعاقد، لكنها غير معلومة لكلا الطرفين أو أحدهما، ثم ظهرت بعد ذلك. فإلى أي مدى ينطبق ذلك على ما نحن فيه من تضخم؟ طبعًا الواضح أننا نتحدث عن تضخم متوقع وغير معلوم وقائم لدى العقد. وإلا فإنه لو كان موجودًا ومعلومًا عند التعاقد كان كعيب معلوم وموجود لدى المتعاقدين، وهذا لا كلام لاحد من المتعاقدين نفيه، فقد دخل على علم بالعيب وقد رضي به، وغالبًا ما يكون قد كيف موقفه معه , ومع ذلك فيمكن وجود تضخم قائم وموجود، ولكنه غير معلوم على الأقل لأحد الطرفين، كما إذا تعاقد وطني مع أجنبي يجهل أوضاع العملة الوطنية. لكننا سنغض النظر عن تلك الصور التي قد لا تكون شائعة، وإذن فما زال الإشكال قائمًا، حيث أن كلام الفقهاء القدامى كان عن عيوب موجودة عند العقد غير معروفة، ولكننا الآن حيال عيب يطرأ بعد العقد وقبل القبض، فهل يأخذ حكم العيب القديم؟ المسألة متروكة لاجتهاد الفقهاء المعاصرين، مع الإشارة إلى أن بعض الفقهاء القدامى قد تحدث عن حكم عيوب تحدث في المعقود عليه قبل قبضه، وألحق بها العيوب التي كانت قائمة قبل التعاقد. يقول السرخسي: " إذا اشترى الرجل جارية بألف درهم وقيمتها ألف درهم فولدت عند البائع بنتًا تساوي ألف درهم، وأنقصت الولادة الأم فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء تركها لأنها تعيبت في ضمان البائع، والعيب الحادث قبل القبض فيها يجعل المقترن بالعقد " (٢)

стр. 20337

لو قلنا بتطبيق مبدأ العيب على موضوعنا فعلينا أن نتعرف جيدًا على أحكام تطبيق هذا المبدأ، والخيارات المتاحة أمام أحد الطرفين، وهل تتوقف عند خيار الرد أو الإمضاء أم تمتد للتعويض بمقدار العيب؟ وهل من حق الطرفين عند التعاقد اشتراط العمل به أو عدم العمل به؟ المسألة خلافية (١) ، وبعض المعاصرين يرى أن إقحام مسألة الشروط العقدية في العيب والجائحة لا مجال لها، فكل منهما سبب شرعي لا يحتاج إلى ذلك، والبعض اعتبر التعويض بعيدًا عن الربا حتى في مجال الأموال الربوية، وذهب البعض إلى أنه في تلك الحالة ترد القيمة ولا يرد المثل مع الزيادة، والقيمة هي مال مساو في المعنى دون الجنس، وقدم البعض مخرجًا آخر هو أن أمام المتعاقدين بدلًا من اشتراط العمل به الاتفاق على أنه إذا حدث ينظر فيه المحكمون. وبتقليب النظر في هذا الحل وما يعتمد عليه من مؤيدات وما يواجه به من اعتراضات أرى أن هذا يعد من أنسب الحلول المطروحة لمواجهة مشكلة التضخم وتغير قيمة العملة، وهو قريب جدًا من الحل عن طريق الجائحة، وإن كان يتيح خيارات أوسع أمام الطرف المضار، فنطاق العيوب أوسع من نطاق الجوائح عادة، كما أنه لا يشترط فيها بلوغ الثلث.

стр. 20338

تطبيق نظام الصلح ثم التحكيم ثم القضاء: من المسلم به أنه في حال حدوث تضخم غير متوقع وفي بعض حالات تراكم التضخم المتوقع، فإن ضررًا يلحق بصاحب الحق أو الدين، ومن المسلم به أيضًا أن الطرف الثاني لم يكن المتسبب المباشر في هذا التضخم، وتحميل هذا الضرر للطرف الثاني هو لدى الكثير إزالة ضرر بضرر، وقد يكون التضخم من الارتفاع بحيث يتعذر على الطرف الثاني تحمله، لهذا كله ذهبت الكثرة الكثيرة من الفقهاء المعاصرين إلى أن أفضل الحلول لمواجهة هذه المشكلة هو تطبيق نظام الصلح، فإن لم يكن فنظام التحكيم، فإن لم يكن فنظام القضاء. معنى هذا أنه إذا حدث تضخم قبل الوفاء فالباب مفتوح على مصراعيه أمام الطرفين للتراضي والتصالح فيما بينهما، فيما يتحمله كل طرف من الضرر، وباب الصلح موجود وفسيح في الشرع، في إطار من الضوابط الشرعية، فإذا لم يتمكن الطرفان من الاتفاق الودي على شيء بمفرديهما فلهما اللجوء إلى التحكيم، والتحكيم هو الآخر نظام معترف به شرعًا، وعليهما الإذعان لما يحكم به، فإذا لم يكن ذلك فلهما اللجوء إلى القضاء الذي ينظر في الموضوع من جوانبه المختلفة وملابساته وظروف كل طرف، ويحكم بما يراه أقرب إلى العدالة بينهما. ومتى قلنا بذلك فإنه يسري في حالة ما إذا لاحظ الطرفان التضخم المتوقع، واتفقا على أنه إذا حدث بالفعل فأمامهما التصالح أو التحكيم أو القضاء، وفي حالة ما إذا لم يلاحظاه عند التعاقد ولكن حدث بعد ذلك، فلهما عند الوفاء اللجوء إلى الحلول المذكورة. ومعنى ذلك أن هذا الحل لا يقف عند التضخم غير المتوقع بل يشمل النوعين معًا؛ المتوقع وغير المتوقع. وقد قال بهذا الحل فقهاء قدامى (١) وقالت به جماهير الفقهاء المعاصرين (٢) وكذلك جماهير الاقتصاديين الإسلاميين، وذلك لبعده عن المحظورات الشرعية من جهة ولسلامته الاقتصادية من جهة ثانية، لاسيما إذا ما تم من خلال التصالح أو حتى التحكيم، حيث لا يتطلب الأمر مزيدًا من الجهد والمال والوقت، كما أنه يهيئ السبيل أمام المزيد من استقرار المعاملات وازدهارها. وفي ضوء ذلك كله فإنني أرى أن هذا الحل هو أنسب الحلول على الإطلاق لمعالجة موضوعنا. برغم ما في الحلين السابقين القائمين على الجائحة والعيب من ميزات، فإن هذا الحل يتميز عنهما لخلوه من الكثير من الاعتراضات التي وردت عليهما، وكذلك لإعطائه مجالًا أوسع أمام الطرفين للاتفاق على ما يحقق لهما معًا أكبر قدر ممكن من المصلحة.

стр. 20339

تنصيف الضرر بين الطرفين: قلة من الفقهاء ذهبت إلى تنصيف الضرر إجبارًا بين الطرفين (١) ، استنادًا إلى أننا حيال ضرر واقع كرهًا، وأن كلا الطرفين في الحقيقة مضار وإن تفاوتت درجة الضرر لدى كل منهما، ومن ثم فليس من المقبول أن يتحمل أحد الطرفين الضرر وحده، وإنما يتقاسمانه جبرًا. وبعض من قال بذلك أيد موقفه - إضافة إلى ما سبق - بما هو مدون لدى الفقهاء القدامى من نظام المظالم المشتركة، بجامع أن كلا منهما يمثل ضررًا واقعًا كرهًا من غير الطرفين، ومن ثم فلا يسوغ أن يحمله واحد منهما بمفرده، بل يشتركان فيه، تحقيقًا لمبدأ العدالة حتى في الظلم. وجمهور الفقهاء المعاصرين لا يرون هذا الحل؛ لأنه ليس من العدل ولا من الحق إلزام طرف من طرفي التعاقد بتحمل نصف ضرر وقع لا دخل له فيه. وبالنظر المتأنى في مسألة المظالم المشتركة نجدها، وإن تشابهت في بعض المظاهر مع التضخم، فإنها تختلف عنه اختلافًا جذريًا، فهناك مظلمة مفروضة على الجميع، فلا يسوغ لفرد أن يتهرب منها، حيث سيتحملها من لا يتهرب منها، وبالتالي يلحق به ظلم فوق ظلم، ومن ثم ذهب بعض الفقهاء إلى أنه في تلك الحالات يتحمل الجميع ما وقع عليهم من مظالم بالعدل. والملاحظ أن التضخم مغاير لذلك تمامًا، فهو لا يلحق ضررًا بكل الأفراد، فالبعض يضار والبعض يستفيد، ثم إن موقف طرفي التعاقد أمام هذه الظاهرة غير متماثل، فليس الضرر الذي لحق بالمدين إن كان هناك ضرر لحقه أصلًا مساويًا للضرر الذي لحق بالدائن، حتى يتحمل معه الدائن نصف الضرر. وهكذا فإن الاستناد إلى القول بذلك على نظام المصالح المشتركة لا يخدم هذا الحل. على أن فكرة المشاركة في تحمل المضار بين الطرفين أمر مقبول، وقال به الكثير، لكن لا علي سبيل الإلزام من جهة، ولا على سبيل تحديد نسب المشاركة بالنصف أو بغيره من جهة أخرى، وإنما الأمر خاضع للتراضي أو لما يراه المحكمون أو القضاة في ضوء الظروف والملابسات المحيطة. وفي ضوء ذلك فإنني أرى أن هذا الحل من حيث درجة قبوله هو أقل بكثير من الحل عن طريق الجائحة أو العيب أو الصلح.

стр. 20340

الحل عن طريق التمييز بين الحالات والعقود: نظرًا لتعدد الحالات والملابسات ولتعدد أنواع العقود الآجلة وتنوع طباعها، فهل الأمثل فقهيًا أخذها كلها كشيء واحد وتطبيق ما يطرح من حل عليها كلها دون تمييز؟ أم الأمثل التمييز والتفريق بين كل حالة وأخرى وكل عقد وآخر؟ أو على الأقل مراعاة ما قد يكون هنالك من فروقات ضخمة بارزة؟ بعض الفقهاء لا يرى التمييز ولا التفريق؛ لأن ذلك يفتح أبوابًا لممارسات قد تكون خاطئة، ولأن العدالة تقتضي المعاملة الواحدة للجميع طالما أننا أمام تضخم، إما بمراعاته أوعدم مراعاته، لكن البعض يرى التمييز (١) . وأبرز مواطن التمييز ما يلي: ١- المعاوضات والأمانات: ذهب فريق من العلماء إلى أن محل النقاش والحوار حيال مسألة التضخم ينبغي أن يكون فقط في عقود المعاوضات، مثل البيوع والإجارات والقروض ... إلخ. ويستبعد من ذلك عقود الأمانات، مثل المضاربات، إذ في الأولى نجد طرفين مستقلين وعوضين متقابلين، ومن ثم فمن المتصور والممكن حدوث ضرر لطرف دون الآخر، وإذن فالأمر قد يستدعي النظر لإزالة هذا الضرر، لكن في الأمانات الأمر مختلف، إن الطرفين بمثابة طرف واحد، فالمضارب مثلًا أو المودع لديه هو بمثابة رب المال أو المودع. ومعنى ذلك أنه ليس لرب المال إلا مثل ماله الذي دفعه ولايعتد بتغير قيمته في حال المضاربة. وهناك نصوص فقهية تؤيد هذا التمييز. ومع ذلك إن البعض لا يرى هذا التمييز، بل ويصرح بأنه ينبغي أن يجري الربط في الأمانات عند حدوث التضخم تمامًا بتمام كما يجري في الديون المضمونة تحقيقًا للعدالة، وحتى لا يظلم رب المال بعودة ماله ناقصًا، ويأخذ المضارب أموالًا هي ليست في الحقيقة أرباحًا تجارية بعمل يده، وهذا مثال توضيحي، لنفرض أن رجلًا دفع مائة جنيه مضاربة وفي نهاية العام كان الربح ٢٠ جنيهًا تقسم مناصفة، وكان معدل التضخم (٢٠ %) ، فمعنى ذلك أن صاحب المال قد حصل في نهاية العام على (١١٠) ، وأن المضارب قد حصل على (١٠) جنيهات. وإذا تأملنا جليًا لوجدنا أنه من حيث المالية والقيمة الحقيقية، فإن رأس المال الذي عاد لصاحبه قد نقص تقريبًا (٢٠ %) أي كأنه ثمانون جنيهًا، يضاف عليها (١٠) لتصبح تسعين جنيهًا. معنى ذلك أنه لم يسلم له رأسماله حقيقة، فكيف يكون هناك ربح ويوزع، إذن ما العمل؟ هل يأخذ رب المال كل المبلغ وهو ١٢٠ جنيهًا بحجة أن هذا هو في الحقيقة ما دفعه من قبل؟ وهل هذا عدل في حق المضارب الذي عمل طول العام وتحمل ما تحمل من جهد ومشقة وكلفة؟ بل حقق من الناحية الواقعية الملموسة ربحًا، هل من المستساغ أن يقال له بعد كل ذلك: إن هذا ربح تضخمي أو صوري محض، وليس لك أي حق فيه؟ ومن الذي حول المال النقدي وهو المائة إلى سلع تستفيد من التضخم وترتفع أسعارها؟ ومن الذي تسبب في تحقيق (٢٠) جنيهًا ربحًا؟ إذن المسألة تحتاج إلى نظر دقيق، والأقرب في نظري عدم إخضاع عقود الأمانات للتقويم.

стр. 20341

٢- البيع والقرض: يذهب بعض الفقهاء إلى قيام معاملة متغايرة لكل من البيوع والقروض حيال التضخم غير المتوقع، فمن الممكن مراعاة التضخم في ديون البيع، لكن ذلك مرفوض في ديون القرض، للنصوص الصريحة الواردة فيه، وابتعادًا عن الربا وشبهه، إضافة إلى أن القرض عقد إرفاق ومعاونة، عكس البيع فهو عقد مشاحة ومكايسة. والبعض لا يرى هذا التمييز ويرى أن تعامل القروض نفس المعاملة التي تعامل بها البيوع الآجلة، بل قد يكون من الأولى رعايتها بدرجة أكبر، حيث إن الدائن في البيع الآجل من حقه أن يراعي في الثمن ما قد يحدث مستقبلًا ويحتاط له، لكن المقرض لا يسوغ له ذلك، وإلا فهو الربا الجلي. ولم تعد القروض في أيامنا هذه في كثير من الحالات قروض إرفاق وإحسان، وبفرض أنها كذلك في بعض الصور فليس من المطلوب أن يكافأ المحسن بالضرر، وليس المطلوب أن يحسن إليه، وإنما المطلوب ألا يضار. وعمومًا فإن الخلاف قوي حيال هذه القضية، ورجوع الطرفين إلى التراضي والتصالح حل جيد لجميع الحقوق والالتزامات.

стр. 20342

٣- القروض والودائع المصرفية الجارية: التكييف الشرعي الصحيح وكذلك التكييف القانوني والاقتصادي للودائع المصرفية الجارية أنها قروض من صاحبها للمصرف. ومن ثم فتجري عليها أحكام القروض، وخاصة ما يتعلق بضمانها وعدم جواز الحصول على زيادة مشروطة أو متعارف عليها بالنسبة لها. معنى ذلك أن ما يجري على القروض حيال مسألة التضخم يجري عليها، سواء قلنا بالربط أو بالصلح أو بغير ذلك. هذا ما يتمشى مع الأصول الشرعية. لكن البعض ذهب إلى التمييز بينهما في المعاملة هنا استحسانًا، ناظرًا إلى ما هنالك من خلاف بينها يراه جوهريًا مؤثرًا في المعالجة، وهو اختلافهما في مدى حرية صاحب القرض أو الوديعة في استرداد حقه عندما يريد. فليس له ذلك في القروض العادية، لكن ذلك حقه في الودائع المصرفية الجارية، ومعنى هذا أنه كان بوسع صاحب الوديعة أن يسحبها ويتصرف بها كيف يشاء، في الوقت الذي يريده، وبالتالي فقد كان بإمكانه التحصن ضد التضخم، ولم يمنعه المصرف من ذلك، لكنه بمطلق حريته لم يفعل، فكيف يجيء ويطالب بالتعويض عما ألحقه التضخم به من مضار؟ بينما ذلك غير متأتى في القروض العادية، حيث لها أجل محدد، ومن الواضح أن هذا الاختلاف هو اختلاف فعلي واقعي، وهو من جهة أخرى اختلاف مؤثر في القدرة على التصرفات من قبل أصحاب الأموال، ومن ثم فقد يكون للتمييز وجه قوي.

стр. 20343

٤- المدين المماطل والمدين غير المماطل: كذلك نجد من يقول بالتمييز بين الحالتين، بحيث إن جاز القول بمراعاة التضخم بأي شكل من الأشكال بالنسبة للمدين غير المماطل، فإن ذلك مستبعد بالنسبة للمماطل، كما استبعد وضع الجائحة عن المشتري الذي فرط في جني ثمرته أو اقتلاع زرعه، ومعنى القول بالتمييز هنا أنه إن ساغ استبعاد تحميل المدين غير المماطل الضرر أو بعضه الواقع على دائنه من جراء التضخم، فإن من غير المستبعد أن يحمل المدين المماطل بذلك، بل ينبغي أن يكون هذا هو الموقف حياله، وقد استأنس من يقول بذلك ببعض المواقف الفقهية السابقة. وأعتقد أن الخلاف إذا كان قويًا حيال المدين غير المماطل وما يمكن العمل معه عند حدوث التضخم، فإن الخلاف حيال المدين المماطل أقل حدة، حيث إن الكثرة من الآراء على تحميله ما نجم عن التضخم من ضرر للدائن. ٥- الربط العام والربط الانتقائي، والربط الإجباري والربط الاختياري: بعض الأفكار التي طرحت ذهبت إلى أهمية التفرقة والتمييز بين ربط وآخر، وفضلت تغيير المواقف الشرعية والاقتصادية بتغير أنواعها، وذهبت إلى تفضيل القول بالربط في بعضها وعدمه في بعضها الآخر. لكننا لسنا أمام اتفاق في ذلك. فمثلًا يرى البعض الربط الانتقائي لأنه من الناحية العملية هو البديل الممكن، ثم إن آثاره الاقتصادية السلبية أقل، بينما يرى البعض الآخر أنه إن كان ولابد فليكن ربطًا عامًا؛ لأنه هو الذي يحقق المستهدف منه. وأعتقد أن الخلاف هنا غير مؤثر كثيرًا، طالما توصلنا إلى أن أسلوب الربط وخاصة الربط القياسي منه لا يحظى بقبول جمهور الفقهاء المعاصرين ولا العدد الكبير من الاقتصاديين الإسلاميين.

стр. 20344

الخاتمة بعد هذا العرض المركز لملف هذه القضية التي ظلت ساخنة لمدة طويلة في أَرْوقة المجمع، وإن خفت حدتها حاليًا من الناحية الواقعية، ففي الكثير من الدول التي كانت منذ فترة تقع تحت وطأة تضخم جامح نجد اليوم ضبطًا قويًا لهذا التضخم ونزولًا مستمرًا في معدلاته، ومع هذه الخفة في التضخم المتوقع أو المعتاد، ظهر في الآونة الأخيرة نوع آخر من التضخم المصاحب أو المسبوق بتدهور حاد في قيم العملات، والذى يحل كالعاصفة المفاجئة، حيث خلال أيام معدودات تفقد العملات معظم قيمتها نتيجة مضاربات خارجية وعوامل أخرى، وأعتقد أن هذا اللون الذي يحدث فجأة وبقوة بالغة يعد من الكوارث الاقتصادية التي تفوق في قوتها الكوارث الطبيعية، ولا ينجو منه أحد، وهذا ما يجعلنا نوليه اهتمامًا قويًا عند تقديم القرارات والتوصيات المجمعية. بعد هذا العرض نجدنا في حاجة ملحة إلى إبراز أهم النتائج المستخلصة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي: أولًا: ليس هناك خلاف حول ماهية وأهمية الحلول الواقعية من التضخم والتقلبات المستمرة في قيم العملات الحقيقية والخارجية، الكل مجمع على ماهيتها وضرورة أخذ المسؤولين بها. والمشكلة فيها أنها حلول طويلة الأجل لا تتحقق بين يوم وليلة، ثم إنها تتطلب إحداث العديد من التغيرات الجوهرية في السياسات الاقتصادية وغيرها.

стр. 20345

ثانيًا: تبقى الحلول العلاجية للآثار التوزيعية للتضخم وتغير قيمة العملة، وهي حلول تتميز بالسرعة من جهة، والقابلية للتطبيق بدرجة أكبر من جهة ثانية، إضافة إلى مالها من خاصية الإسعاف ورفع المضار بدرجة مناسبة من السرعة بدلًا من ترك الحال على ما هو عليه إلى أن يتم إنجاز حلول دائمة، وجميع الأفكار المطروحة حيال هذه الحلول تلتقي على أنها ليست حلًا للمشكلة، بل هي علاج لبعض آثارها، ومعنى ذلك ضرورة الوعي بأهمية القيام بالحلول الجذرية بشكل متواز مع هذه الحلول، وألا يؤدي العمل بها إلى عرقلة أو عدم الاهتمام بالحلول الدائمة. ثالثًا: تقديم علاج شرعي لآثار التضخم وتدهور قيم العملات، وخاصة ما يتعلق منها بما يلحق بأطراف التعاقدات المالية الآجلة، من الصعوبة بمكان، ومرجع ذلك أن المشكلة بالغة التعقيد؛ لما يكتنفها ويحيط بها ويؤثر فيها من عوامل واعتبارات متعددة متعارضة، فهناك الربا وهناك الغرر والجهالة، وهناك العدالة وهناك الضرر، وهناك مآلات الأمور من الناحية الاقتصادية والناحية الشرعية، وهناك الطبيعة الفريدة للنقود الورقية المعاصرة وللأنظمة النقدية السائدة المغايرة تمام المغايرة للأنظمة النقدية التي كانت سائدة من قبل، وهناك النصوص العامة الحمالة للتفسيرات والتأويلات، وقد اعترف بهذه الصعوبة صراحة بعض الفقهاء القدامى، فيقول الإمام الرهوني: " إنها مسألة اضطرب فيها المتقدمون والمتأخرون " (١) ، ويقول ابن عابدين: " إنها مسألة ذات اشتباه، وهذا غاية " ما ظهر له فيها (٢) وبرغم ما لهذه المشكلة من هذه التعقيدات، فإن لها وجهًا ميسرًا يتمثل في كونها - باتفاق الفقهاء وخاصة المعاصرين - مسألةً اجتهادية، وبالتالي فهناك مجال فسيح لإعمال العقل، وهناك ساحة متسعة للرأي والرأي الآخر، ولا شك أن ذلك ييسر المهمة أمام فقهاء العصر، ومن جوانب عظمة التشريع الإسلامي أنه حيال هذا اللون من القضايا يقدم العديد من المخارج والحلول التي يمكن من خلال بعضها على الأقل التعامل الفعال مع هذه المشكلات، لكن ذلك يبقى رهين التصرف الصحيح مع هذه المخارج وتوظيفها التوظيف الجيد، ولا يقوى على ذلك إلا من رزقه الله تعالى صحة فهم وبعد نظر، والحمد لله فذاك متوفر لدى جميع من تناول هذه القضية من المشاركين في أعمال المجمع.

стр. 20346

رابعًا: واضح أننا أمام حلول يتجاوز عددها العشرة، وبرغم أن كلا منها له مؤيداته فإنها ليست على درجة واحدة من الصواب، وليست على مسافة واحدة من مقصود الشريعة ومبناها، فمنها ما هو أبعد ما يكون عن ذلك، ومنها ما هو أقرب ما يكون من ذلك، ومن الضروري في ضوء ذلك، النظر في هذه الحلول نظرة تقويمية بهدف ترتيبها تبعًا لدرجة اقترابها من الحق والصواب بقدر الإمكان، وأمامنا في ذلك معياران: معيار كمي يتمثل في عدد من قال بهذا الحل أو ذاك في مقابلة من رفضه، أو في مقابلة كل المشاركين، فحل يقول به سبعون في المائة أفضل من حل يقول به خمسون في المائة. ومعيار كيفي أو نوعي يتمثل فيما قد يكون لبعض الحلول من اعتبارات قوية، وإن خفيت على الكثير، مما يجعل الحل وإن لم يقل به الكثير لكنه معتمد على مبررات قوية، ولقد عودنا الفقه على أنه ليس بالضرورة أن يكون رأي الجمهور أو الرأي المشهور هو الرأي الراجح، وبالطبع فإن هذين المعيارين قد يتفقان في الجهة ويسيران سويًا وقد يختلفان، ومن فضل الله أنه في موضوعنا هذا – وحسب فهمي – نجد المعيارين متوافقين.

стр. 20347

خامسًا: حاولت قدر جهدي واعتمادًا على ما تحت يدي من أوراق وما عايشته من محاورات ولقاءات أن أحصر المشاركين في هذا الموضوع وأحدد موقف كل منهم، وفي ضوء ذلك أستطيع القول بقدر من الثقة والاطمئنان ما يلي: ١- الحل عن طريق الربط القياسي بمؤشر تكاليف المعيشة لا يحظى بموافقة الأغلبية لا من الفقهاء ولا من الاقتصاديين، بل لن أكون مجازفًا إن قلت: إنه لا يحظى بموافقة نصف المشاركين من الفقهاء، إضافة إلى ما عليه من ملاحظات اقتصادية وشرعية ليس من السهل التغاضي عنها، وبالتالي فمن الأفضل تجاوزه والنظر في غيره، على الأقل مراعاة للخلاف من جهة، واتباعًا لما هو أولى وأفضل من جهة ثانية. ٢- الحل عن طريق الربط غير القياسي (بعملة أو سلعة أو سلة منهما) هو الآخر لم يحظ بقبول الأغلبية من الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين، وإن كان عدد من يقبله منهما أكبر من عدد من قبل الحل عن طريق الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، ويلاحظ أن الاعتبارات الشرعية وراء عدم قبول هذا الحل كانت أكثر بروزًا من الاعتبارات الاقتصادية، وأرى أنه من الأفضل تجاوزه هو الآخر؛ لأن الخلاف بشأنه ما زال قويًا، ولوجود ما هو أولى وأفضل منه. ٣- الحل عن طريق الربط بمعدل نمو الناتج القومي وبسعر الفائدة مرفوض من كل الفقهاء والاقتصاديين المشاركين في أعمال المجمع، ومن ثم فهما حلان مرفوضان، ومرجع ذلك ما فيهما من مآخذ شرعية واقتصادية لا يجادل فيها إلا مكابر. ٤- الحل عن طريق تطبيق مبدأ وضع الجوائح أو طريق تطبيق مبدأ العيب فهو يحظى بقبول غالبية الفقهاء والاقتصاديين، وليس عليه إلا اعتراضات قليلة هينة، ومن ثم فهو من الحلول القابلة للأخذ بها. ٥- الحل عن طريق تنصيف الضرر أو ما سماه البعض تطبيق نظام المظالم المشتركة، لا يحظى إلا بقبول قلة من الفقهاء. وأهم نقاط الضعف فيه هو الإلزام بتحميل الطرفين معًا الضرر وبنسبة متساوية، مع أن الملابسات المحيطة قد لا تؤيد ذلك. ٦- الحل عن طريق الصلح أولًا، فإن لم يكن فالتحكيم ثانيًا، فإن لم يكن فالقضاء ثالثًا؛ يحظى بقبول أكبر عدد من الفقهاء والاقتصاديين، ومن ثم فهو يعد أفضل الحلول على الإطلاق. ٧- وفي كل الحالات ظهر اتجاه للتمييز والتفرقة في الأحكام بين الحالات المختلفة والعقود والمتغايرة بحيث لا يعمم حكم على الكل، بل يفرد لكل حالة حكم يناسبها ومع ذلك فلم يسلم هذا الاتجاه بدوره من معارضة تشتد وتقوي في حالات وتهون في حالات أخرى. والأمر في الأول والأخير معروض على أعضاء وخبراء المجمع، وهم بحمد الله على قدر رفيع من العلم والمعرفة، وعلى خلفية طيبة بالموضوع وأبعاده، ومن ثم فالثقة كاملة في التوصل إن شاء الله إلى الموقف الأقرب إلى الحق والصواب والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. شوقي أحمد دنيا

стр. 20348

نسبة التضخم المعتبرة في الديون إعداد الشيخ عبد الله بن بيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه. نسبة التضخم المعتبرة في الديون ذلك العنوان الذي طُلب مني أن أكتب عنه لندوة التضخم، وقد كنت قد قدمت بحثا مستفيضًا عالجت فيه جوانب عدة من التضخم، وحيث إن البحث لم يعد مطلوبًا حول مبدأ اعتبار التضخم في الديون، أو عدم اعتباره. إنما أصبح المطلوب هو المقدار الذي إذا وصل إليه تراجع سعر العملة يعتبر موجبًا لمطالبة الدائن من المدين جبر الضرر، فإذا كان ذلك هو موضوع بحثنا، فستكون خطتنا كالتالي: - الفصل الأول: تحديد المقادير المؤثرة في الأحكام بين النص والقياس والعرف. - الفصل الثاني: الجائحة أصل يقاس عليه التضخم من جهتين: من جهة الحكم، ومن جهة المقدار المؤثر. - خاتمة الفصل الأول المقادير المؤثرة في الأحكام بين النص والقياس والعرف إنه باستقراء نصوص الشرع وأقوال الفقهاء يستطيع الباحث أن يدرك المقادير المعتبرة حدًا فاصلًا بين حكمين، ومعبرًا للانتقال من نهي إلى إذن، ومن كثرة إلى قلة، وقد يكون المقدار عبارة عن نصيب حده الشارع لفائدة شخص، كأنصاب الورثة والتي حددها الشارع في الثمن والسدس والربع والثلث والنصف والثلثين. ومن هذا القبيل تحديد الشارع نصف الصداق للمطلقة قبل المسيس، وتحديد الشارع الثلث في الوصية. ومما هو من قبيل المرفوع قول سعيد بن المسيب بتقدير الثلث في معاقلة المرأة الرجل، تعاقله أي تساوي ديتها ديته حتى تبلغ الثلث، فإذا زادت رجعت إلى ديتها التي هي نصف ديته، قائلًا إن ذلك هو السنة، بمعنى أنه مرفوع إلى النبي ﵊، كما قال أبو عمر بن عبد البر النمري: حديث سعيد رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية؛ أصبعها كأصبعه، وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته. وكذلك روى مالك عن ابن شهاب، وبلغه عن عروة بن الزبير أنهما كانا يقولان كقول سعيد بن المسيب في المرأة: أنها تعاقل الرجل إلى ثلث دية الرجل، فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت إلى النصف من دية الرجل (١) .

стр. 20349

وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ فقال عشر من الإبل، فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: كم في ثلاثة؟ فقال: ثلاثون من الإبل، فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا بن أخي (١) . ومما هو من قبيل النص عمل أهل المدينة فيما تحمله العاقلة في قتل الخطأ، فإنها لا تعقل إلا فيما زاد على الثلث. فقد قال مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: " والأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث فصاعدًا " (٢) . أما المسائل الأخرى التي اعتبر فيها الثلث فهي مسائل مقيسة، فهي الخف إذا انخرق، فإذا كان الشق ثلث القدم فأكثر لم يمسح عليه، قال في المختصر: " فلا يمسح واسع ومخرق قدر ثلث القدم وإن بشك " (٣) . وذنَب الأضحية فإن الثلث فيه كثير، قال خليل عاطفًا على ما يمنع الأجزاء: " أو ذاهبة ثلث ذنَب " (٤) . استحقاق الشيء من دار جامعة كفندق مثلًا فيستحق منها جزء شائع، فإن استحق منها سهم دون الثلث لزم البيع في الباقي، وإن استحق الثلث فأكثر رد الباقي. وكذلك دار السكنى وإن كانت تنقسم بلا نقص في الثمن كما قال ابن رشد. ذكر هذه المسائل صاحب المنهج (٥) .

стр. 20350

قلت: هذه المسائل الأخيرة اجتهادية لا يرجع فيها إلى أصل كما في المسألتين قبلها. وقد تعرضوا لمسائل أخرى اعتبروا فيها الثلث يسيرًا كالوصية لأنه يجوز بلوغه في الوصية، القمح الغلث الذي فيه الزوان، فيجوز أن يكون الغلث ثلثه، ويباع بلا غربلة قال خليل في باب القسمة: " ووجبت غربلة قمح كبيع إن زاد غلثه على الثلث وإلا ندبت " (١) وكذلك تبرع الزوجة بثلث مالها بلا إذن زوجها، قال خليل: " على الزوجة لزوجها ولو عبدًا في تبرع زاد على ثلثها، وله رد الجميع إن تبرعت بزائد، وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يعد " (٢) . وكذلك مسألة الثمر والصبرة، أي استثناء قدر الثلث في الثمار في بيعها وقدر الثلث في الصبرة في بيعها، وهذا الذي اعتمده خليل في مختصره حيث قال عاطفًا على الحائز " وصبرة وثمرة واستثناء قدر ثلث " (٣) . وكذلك الشجر يكون على الأرض المؤجرة: " واغتفر ما في الأرض ما لم يزد على الثلث بالتقويم " (٤) . وكذلك الغبن على القول به المرجع السابق، ص ٢٣٩ يكون بالثلث، كما قال ابن عاصم " والغبن بالثلث فما زاد وقع " فقد نفى خليل القيام بالغبن، وكذلك البياض في مسألة المساقاة فيكون ثلثًا للشجر كما قال خليل: " كبياض نخل أو زرع ... إلى قوله: وكان ثلثا " (٥) . وكذلك المحبس يستثنى من حبسه ما ينتفع فيه ويسكنه يجوز إن كان ثلثًا، وكذلك البائع يستثنى ثلاثًا من نخله، قال في التوضيح: " إن كانت قدر الثلث فأدنى جاز " (٦) .

стр. 20351

وقد يسوون بين النصف والثلث في بعض الأحكام، كما في استحقاق نصف أو ثلث بعد القسمة، فإنه يخير المستحق من يده بين بقاء القسمة على حالها، ولا يرجع بشيء وبين رجوعه شريكًا فيما بيد شريكه بقدر ماله. قال خليل: " وإن استحق نصف أو ثلث خير لا ربع وفسخت في الأكثر " (١) . واعتبر النصف في بعض المسائل حدًا فاصلًا بين القلة والكثرة، ومنها مسألة المدونة: من أسلم ثوبين في قرش موصوف فاستحق أحدهما، فإنه كان وجه الثوبين بطل السلم (أي الأعلى قيمة) ، وإن كان الأدنى فعليه قيمته، وثبت السلم، وكذلك في استحقاق الجزء الشائع في العروض. وقد دارت تقديرات الفقهاء حول الثلث باعتباره حدًا فاصلًا بين القلة والكثرة للحديث السالف الذكر، فذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى: " أنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة؛ ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة بدليل قول النبي ﷺ : (( ((الثلث، والثلث كثير)) )) . فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة فلهذا قدر به " (٢) . ونقل الباجي عن بعض البغداديين أن النصف قليل محتجا بآية المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢ – ٣] ورد ابن بشير باحتمال كون نصفه بدلًا من الليل (٣) . ويقع التحديد بالربع في بعض المسائل كالعيب في المثلي، قال خليل " ولا كلام لواجد في قليل لا ينفك كقاع، وإن انفك فللبائع إلزام الربع بصحته " قال الزرقاني: أما إذا زاد على بالربع فليس له ذلك، وقد يقدر بالعشر في العيب القليل بدار. قال خليل: " وعيب قل في دار وفي قدره تردد ".

стр. 20352

قال المواق في حاشيته على خليل: ورأيت لابن عتاب العيب الذي في الدار ربع الثمن كثير بحيث الرد به، وقال ابن العطار: وإن كانت قيمة العيب مثاقلين فهو يسير يرجع المبتاع على البائع، ولا يرد المبيع وإن كانت قيمته عشرة مثاقيل فهو كثير يجب الرد به، فقال: إن كانت عشرة مثاقيل، ولم يبين أي ثمن. والذي عندي أن عشرة مثاقيل من مائةٍ كثير يجب الرد به، انتهى من ابن رشد. وقدرت مجلة الأحكام الغبن الفاحش بنصف العشر في العروض، والعشر في الحيوان، والخمس في العقار. وما يزيد على الخمس هو رأي نصر بن يحيى من الحنفية (١) . ولعل هذه النقول السريعة تفيد رجحان الثلث لكثرة مسائله وثبوت أصله، ولأن ما زاد عليه يعتبر خسارة فادحة خارجة على المعتاد، ومع ذلك فإن التقدير بالعرف أمر وارد، فيفرق بين التضخم الجامح والتضخم اليسير الذي هو عبارة عن تذبذب للعملة لا يخلو منه اقتصاد. والله تعالى أعلم. ١٣- إن التقدير بالثلث يرجع إلى أنه ﵊ جعله حدًّا فاصلًا بين الضرر المؤثر في الحكم، وبين الضرر اليسير الذي لا يؤثر، فرد الوصية بما زاد على الثلث إنما كان لمنع الإضرار بالورثة، يفسر ذلك قوله ﵊ في الحديث السابق: (( ((الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ؛ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) )) . لهذا كان ما دون الثلث يعتبر أمرًا غير مؤثر، فلهذا يمكن أن يكون الثلث أساسًا مقبولًا لتحديد مقدار التضخم.

стр. 20353

التقدير بالعرف: التقدير يكون بالعرف والعادة، قال ابن قدامة: " إن ظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلفه كالشيء اليسير الذي لا ينضبط فلا يلتفت إليه "، قال أحمد: " إني لا أقول في عشر ثمرات ولا في عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف: الثلث أو الربع أو الخمس، توضع ". وقد وجه ابن قدامة هذه الرواية عن أحمد بقوله: " ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه يجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من ضمان الباع وإن كان قليلًا، كالتي على وجه الأرض، وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط، إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف الشيء له قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذهب " (١) . والتقدير بالعرف في مذهب مالك في الجائحة والغبن، ولعل هذا أولى، بناء على أن ما لا حد له في الشرع أو الوضع يرد إلى العرف (٢) . وإليك نموذجًا من تردد علماء المالكية بين الثلث وما تقضي به العادة في مسألة الغبن، قال الحطاب: " قال ابن الحاجب بعد أن حكى ما تقدم: والغبن قيل: الثلث، وقيل: ما خرج عن المعتاد، قال ابن عبد السلام: حيث يكون للمغبون الرجوع في الغبن إما في محل الوفاق أو في محل الخلاف، فقيل: قدر الغبن في حق البائع أن يبيع بما ينقص عن ثمن المثل الثلث فأكثر، وفي حق المشتري أن يزيد على ثمن المثل قدر الثلث فأكثر، وقيل: لا يحد بالثلث ولا بغيره من الأجزاء سوى ما دلت العادة على أنه غبن. وظاهر كلام المؤلف – يعني ابن الحاجب - أن هذين القولين في الغبن المتفق على اعتباره، وفي المختلف في اعتباره، وظاهر كلام غيره أن الغبن المتفق على اعتباره لا يوصل فيه إلى الثلث ولا إلى ما قاربه، إذا خرج عن الثمن المعتاد في ذلك المبيع صح القيام به، ونقله في التوضيح وزاد فقال: وقال ابن القصار إذا زاد على الثلث فيكون قولا ثالثًا. انتهى وحكى ابن عرفة ثلاثة الأقوال، ويظهر من كلام ابن عبد السلام والتوضيح ترجيح القول بأنه ما خرج عن المعتاد وصدر به في الشامل، وعطف القولين الأخيرين بقيل، فقال: والغبن ما خرج عن العادة وقيل: الثلث، وقيل: ما زاد عليه. انتهى.

стр. 20354

الفصل الثاني الجائحة: أصل يقاس عليه التضخم إن مسألتنا هذه في التضخم تقاس على الجائحة بجامع اشتراك التضخم مع الجائحة في كون كل منهما تمتع فيه طرف بأفضل مما بذل مع وجود طرف متضرر، وهذا ما عبر عنه ﵊ بقوله: (( ((لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) )) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التضخم يشارك الجائحة في أنه ما لا يمكن دفعه إن علم، وذلك تعريف ابن القاسم للجائحة الذي لم يجعل الجائحة خاصة بالأمر السماوي، بل السارق والجيش عنده جائحة، قال زروق: " ما كان من الأمور الأرضية التي لا يقدر على دفعها كالدود والفأر والجيش والحاكم الجائر ... جائحة " (١) . وزاد علماء المذهب الفندق يستأجره فيجلو الناس عن المنطقة، والفرن للخبز فيجلو السكان (٢) . وقد توسع الفقهاء في أسباب الجائحة وموضوعها بالقياس، وقد قال به القاضي أبو بكر وابن سريج وجماعة، فقال ابن جني في المصنف وبالإضافة إلى ما تقدم أن لنا ثبوت اللغة، فإن التضخم جائحة لأن يجيح المال ويهلكه ويتلفه، أما الوجه الثاني لقياس التضخم على الجائحة فهو قياسه عليها من جهة مقدار الثلث لو ثبت نص عن الشارع يحدد الثلث، وذكر المالكية حديثين.

стр. 20355

ذكره عبد الحق الصقلي قائلًا: روى أبو محمد من حديث عبد الملك بن حبيب عن مطرف عن أبي طوالة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (( ((إذا أصيب ثلث الثمر فقد وجب على البائع الوضيعة)) )) ، وقال عبد الملك: وحدثني أصبغ بن الفرج عن الشعبي عن عبد الجبار عن عمر عن ربيعة الرأي أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح إذا بلغت ثلث الثمر فصاعدًا. وسكت عنه عبد الحق، ولم يتعقبه ابن القطان، انتهى كلام ابن عرفة في مختصره الفرعي (١) . ومهما يكن من غرابة هذين الحديثين. فالأول في سنده أندلسيان إذا كان أبو محمد هو علي بن حزم الظاهري، كما استظهر المحقق، وعبد الملك بن حبيب السلامي القرطبي، عن مدنيين هما: مطرف بن عبد الله بن سليمان، ابن أخت مالك، والثاني أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري النجاري، وهما من رجال الصحيح، لكن ابن حزم لا يمكن أن يروي عن عبد الملك بن حبيب، وكلام عبد الحق ليست فيه عنعنة، بل إنه قال: إنه رواه من حديثه، أما الحديث الثاني، فهو مرسل مع ما في سنده من ضعف وجهالة، فلو صح هذان الحديثان أو أحدهما لكان ذلك نصًا وتعين الثلث، ولكن ذلك لم يثبت. وقد نقل في المدونة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أن الجائحة تكون إذا أصابت الثلث، وهناك أصل عام وهو في الوصية، حيث جعل النبي ﷺ الثلث حدًّا أقصى فيها.

стр. 20356

خاتمة إن التقديرات منها ما هو منصوص وهو القليل ومنها ما هو مقيس ومنها ما هو موكول إلى العرف، والأرجح في النصوص والقياس الثلث والعرف هو الاستحسان فقد اختلف العلماء بينهما كاختلافهم في الجائحة والغبن وغيرهما، ويتعضد العرف بالقاعدة الفقهية التي تقول: " إن ما لا حد له في الشرع أو الوضع يرد إلى العرف " (١) . كما أن موقف الاقتصاديين المتعلق بتعريف التضخم الجامح قد يكون من باب تحقيق المناط بالعرف، ولهذا فإن الضرر الفادح بدون شك معتبر في هذا الباب، أما كيف يحدد هذا الضرر فإن الثلث والربع والخمس والعشر كلها كانت أساسًا للتقدير في مجالات مختلفة، ترجع إلى الاجتهاد ومجاري الظنون. أما العرف فإنه أساس للقاعدة الشرعية التي ذكرناها وهو الذي أختاره في هذه المسألة، ويمكن أن يبنى على رأي الاقتصاديين في التضخم الجامح. والله أعلم وأحكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. عبد الله بن بيه

стр. 20357

مجمع الفقه الإسلامي بجدة مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين الحلقة الأولى حقيقة التضخم النقدي: مسبباته – أنواعه – آثاره جدة ٢٨ – ٢٩ / ٧ / ١٤١٦ هـ = ٢٠ -٢١ / ١٢ / ١٩٩٥ م. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ البيان الختامي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فسيرًا على المنهج الذي اختاره ورسمه لنا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية – أطال الله عمره وأجزل مثوبته مع دوام الصحة والعافية – وقد جاء ذلك منصوصًا عليه في الخطاب المتميز التوجيهي الذي ألقاه، حفظه الله، في المجلس التأسيسي لمجمع الفقه الإسلامي بجدة. وبمساندة كاملة ومطردة من معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور حامد الغابد، الذي ما فتئ يرعى نشاطات المجمع كلها بحضوره مؤتمراته وندواته، جزاه الله خيرًا. تم بتوفيق من الله سبحانه انعقاد حلقة العمل الأولى لندوة التضخم والسياسات العلاجية له، وذلك على مدى يومين: الأربعاء والخميس (٢٨ و٢٩ رجب ١٤١٦ هـ الموافق ٢٠ و٢١ ديسمبر ١٩٩٥ م) ، بمقر البنك الإسلامي للتنمية، بتنظيم من مجمع الفقه الإسلامي بجدة ومصرف فيصل الإسلامي البحرين وبالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب.

стр. 20358

وفي تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم الأول استهلت جلسة الافتتاح بتلاوة آي من الذكر الحكيم، وأعقبها معالي الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية بكلمة رحب فيها بالسادة المشاركين من الضيوف وأصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة الفقهاء والاقتصاديين والمصرفيين، ثم نوه بأهمية موضوع هذه الحلقة شاكرًا لمجمع الفقه الإسلامي بجدة ولمصرف فيصل الإسلامي بالبحرين جهودهما المبذولة لإعداد وإنجاز هذه الحلقة، متمنيًا تحقيق الأهداف المرجوة من انعقادها. ثم ألقى سعادة الأستاذ نبيل عبد الإله نصيف، الرئيس التنفيذي لمصرف فيصل الإسلامي بالبحرين كلمة رحب فيها بالمشاركين، وبيّن اهتمام البنوك الإسلامية وبخاصة مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين بمتابعة القضايا الاقتصادية المعاصرة، بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي بجدة للتوصل إلى حلول علمية مقبولة من منظور الشريعة الإسلامية الغراء. ثم ألقى معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة - الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة - كلمة ضافية بيّن فيها الباعث على إقامة هذه الحلقة، وما سيتبعها من لقاءات وأن ذلك كان تلبية لقرار مجلس المجمع في دورته التاسعة من أجل تقديم التصور الصحيح لقضايا النقود، تمهيدًا لإصدار القرارات المعالجة لها، وبما يحقق المقاصد الشرعية والمصالح المعتبرة، ثم أشار معاليه إلى أن حلقة العمل الثانية ستعقد، بإذن الله، في ماليزيا، كما ستعقد بعدها الندوة الجامعة بالبحرين، إن شاء الله تعالى، حتى ترفع نتائج ومداولات وتوصيات وأوراق عمل حلقات الندوة إلى اجتماع مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته المقبلة.

стр. 20359

وقد تناولت الأوراق المقدمة لحلقتنا هذه جملة قضايا وموضوعات لها أهمية كبرى في تركيز التصور العلمي الدقيق لقضية التضخم، وللسياسات المتبعة في مختلف البلاد المتقدمة والنامية لمكافحة آثاره والحد من أخطاره، وهذه الموضوعات تدور حول: ١- التضخم: وهذه الدراسة عبارة عن مدخل نظري يبحث فيه مفهومه ويتعرض فيه لبيان أسبابه وآثاره. ٢- السياسات العلاجية للتضخم في البلدان المتقدمة والنامية. ٣- سياسات مكافحة التضخم في الدول النامية. ٤- المصادر المحلية والدولية للتضخم في بعض الدول الإسلامية، دراسة ميدانية. ٥- التضخم وعلاقته بسعر الفائدة. ٦- الربط القياسي: حقيقته وأنواعه وتجارب الدول فيه. وقد ألقيت التعقيبات على هذه الأوراق وما تناولته من قضايا وموضوعات بالدرس من قبل الأستاذة الفقهاء والاقتصاديين، كما دارت بعد ذلك المناقشات المستفيضة حول البحوث والتعقيبات، وقدمت إثر ذلك المقترحات والتوصيات بشأنها، مما أثرى هذه الحلقة، وأسهم في التوجه نحو تحقيق الأهداف المرجوة منها. وقامت لجنة الصياغة عندئذ بإعداد التقرير العام وتقديم النتائج والتوصيات والمقترحات الصادرة عن هذه الحلقة.

стр. 20360

وإننا في ختام أعمالنا لنتوجه باسم مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، وباسم مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين؛ بخالص الشكر وفائق التقدير لأصحاب البحوث والدراسات المقدمة، وللعلماء المشاركين من فقهاء واقتصاديين ورجال أعمال ومصرفيين؛ لما أسهموا به من بحث وتعقيب ومناقشة وحوار بنّاء حول القضايا المطروحة. وإننا حين ننوّه بما قاموا به من جهود في ذلك، يطيب لنا أن نشيد بما قام به البنك الإسلامي للتنمية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب من دعم لنشاطنا، وتيسير لأعمالنا، كما نتوجه بخالص الثناء والشكر لوسائل الإعلام لما قامت به من خدمات، تعريفًا بما دار في هذه الحلقة، وتغطية لجلساتها. ولا يفوتنا في نهاية هذا البيان أن نشكر للجنة التحضيرية ولأعضاء لجنة الصياغة والسادة المترجمين والسكرتارية والعلاقات العامة، ما بذلوه من جهود طيبة ذللت الصعاب وأنالت الآراب. هذا، ونشكر لدولة ماليزية عرضها استضافة الحلقة الثانية لندوة التضخم بكوالالمبور، وإنها لمبادرة حميدة ومأثرة كريمة تنسجم مع التوجه العام في ماليزية بإرساء قواعد النظام المالي الإسلامي وتطبيقه. وفي انتظار لقائنا القادم بإذن الله حول الحلول الشرعية للتضخم والحد من أخطاره، ندعو لحضراتكم بالعون والتوفيق في أعمالكم والتسديد لخطاكم، ونرجوه سبحانه أن يهدينا أقوم السبل لخدمة دينه، واعتماد شريعته، والسير على منهاج الأسلاف الطاهرين في الاجتهاد، للقضايا المستجدة اجتهادًا يظهر على التحديات، ويبلغنا أقصى الغايات، وهو المسؤول سبحانه أن يكلل مساعينا بالنجاح إنه سميع مجيب، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 20361

نتائج الحلقة اتضح من الأبحاث وتعقيباتها ومناقشاتها أن للتضخم تعاريف متعددة، ويستخلص منها جميعًا أن التضخم عبارة عن الارتفاع المستمر للمستوى العام للأسعار بأنواعها المتعددة، بحيث يكون الوجه المقابل له الانخفاض في القوة الشرائية للنقود، كما اتضح أنه لا تتوافر مقاييس دقيقة للتضخم، ولكن هناك مجرد مؤشرات أهمها الأرقام القياسية للأسعار لأنواعها المتعددة. وللتضخم أسباب عديدة منها ما يلي: ١- العامل النقدي من حيث زيادة كمية النقد المعروضة في التداول عن الكمية التي يحتاج إليها التعامل، وتكون هذه الزيادة إما بطباعة العملة الورقية من قبل الدولة، أو بتوسع الودائع تحت الطلب نتيجة للتوسع في الائتمان المصرفي. ٢- زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات في المجتمع عن الناتج الكلي، بحيث يحصل عدم التوازن وترتفع الأسعار، ويكون هذا الارتفاع نتيجة لزيادة الطلب على الاستثمار أو لزيادة الاستهلاك، ويتوافق ذلك مع وجود قوة شرائية لدى المستثمرين والمستهلكين، ويلحظ منه أن الإنتاج العام لا يزداد إما لبلوغ مرحلة الاستخدام الكامل للموارد، أو بسبب وجود اختناقات وتشوهات في الأوضاع الاقتصادية أو عوامل مؤسسية وبنيوية وأسباب سياسية وسلوكية أخرى لا تمكن من زيادة الإنتاج رغم عدم الاستخدام الكامل للموارد. ٣- زيادة تكاليف الإنتاج، مما ينعكس على أسعار السلع المنتجة، وتشمل تكاليف الإنتاج ما هو معروف من: تكاليف العمالة – تكلفة المواد الأولية مستوردة أو محلية – تكلفة التمويل سواء أكان بالطريقة المشروعة أم بغيرها، وما يلحق ذلك من قدرة البائع والمنتج على التحكم بمقدار الربح الذي يرغب به، وينشأ هذا عن عوامل مؤسسية مثل وجود النقابات والاتحادات القوية، ووجود الاحتكار وعدم توافر العوامل التنافسية في السوق، وغير ذلك من عوالم مؤسسية وسلوكية واجتماعية وسياسية يدخل فيها الواقع المشهود إضافة إلى التوقعات.

стр. 20362

٤- العوامل الخارجية للتضخم التي يمكن تلخيصها في الارتفاع في أسعار المستوردات من سلع استهلاكية وإنتاجية ووسيطة، وفي زيادة الأرصدة النقدية الخارجية التي يتم بالاستناد إليها توسيع الائتمان المصرفي من قبل المصارف المحلية. ومن المعلوم أن هناك أسبابًا عديدة لارتفاع أسعار المواد المستوردة منها ما هو سياسي، ومنها ما يتعلق بانخفاض أسعار المواد الأولية (التي تنتجها البلاد النامية) مع زيادة أسعار المواد المصنعة المستوردة. وقد تطرق النقاش إلى علاقة الفائدة بالتضخم وتأثير زيادة أسعار الفائدة في تخفيض معدل التضخم وبالعكس، وبالرغم مما رآه بعض الاقتصاديين من عدم التلازم بين التضخم والفائدة، فقد ذهب بعضهم إلى أن للفائدة دورًا ملحوظًا في إحداث التضخم من حيث إن الفائدة هي سعر للمديونية تجعل لها سوقًا يؤدي إلى تراكم التعامل بالمديونية تراكمًا ضخمًا يعرض الاقتصاد للهزات الشديدة، وبالإضافة إلى أن سعر الفائدة يدخل في عناصر التكلفة في مراحل الإنتاج. ولا أثر لهذا الخلاف في ظل تحريم الفائدة (الربا) في الاقتصاد الإسلامي؛ لأنه لا يسمح بوجود مديونية مستقلة عن تداول السلع والخدمات، ولا يسمح كذلك بتداول المديونية، كما لا يمكن من تضخيم الحسابات الجارية باعتبارها جزءًا من كمية النقود عن طريق الإقراض البحت (المنفصل عن سوق السلع والخدمات) وبالتالي فإن عدم وجود الفائدة يقلل من إمكانية حدوث التضخم. وتبين أيضًا من الأبحاث والتعقيبات والمناقشات أن للتضخم غير الطفيف آثارًا وخيمة على النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية وقيم وسلوكيات الأفراد، ويتمثل ذلك فيما يلي: - الانحراف في تخصيص الموارد بحيث تتجه نحو إنتاج وتداول السلع التي ارتفعت أسعارها أكثر من المعدل العام، ويغلب أن تكون في غير الاستثمارات التنموية. - الإضرار بذوي الدخول النقدية الثابتة، وبذوي الثروات النقدية. - نشوء طبقة طفيلية منتفعة تعيش على فروق الأسعار والمراهنة على زياداتها. ويستتبع ذلك آثارًا اجتماعية وسلوكية متعددة لا داعي للتفصيل فيها.

стр. 20363

ومما تناولته البحوث السياسية العلاجية للتضخم المتبعة من الدول المتقدمة والنامية، وهي سياسات تقوم كلها على معالجة أسباب التضخم، سواء أكانت هيكلية تتناول البنية الشاملة للاقتصاد، أو مؤسسية تتعلق بالنقابات والاتحادات والاحتكارات ذات العلاقة بالأسعار، أم نقدية تتعلق بكبح جماح الزيادة التضخمية في كمية النقود، أم تتعلق بتوازن الميزانية العامة للدولة. وتقوم هذه السياسات على الارتكازات الآتية: - تخفيض الطلب الكلي على السلع والخدمات عن طريق تخفيض الإنفاق الحكومي. - وضع حدود للتغيرات في الأسعار والأجور. - زيادة الضرائب واستخدام الوسائل الأخرى التي تؤدي إلى امتصاص فائض النقود لدى الأفراد. - زيادة معدلات الاحتياطات النقدية المفروضة على البنوك التجارية لتقليل قدرتها على إيجاد الائتمان. - معالجة العجز المزمن في ميزان المدفوعات عن طريق الميزان التجاري والمدفوعات الأخرى. - الإنتاج المحلي البديل للسلع المستوردة. يضاف إلى ذلك وجود سياسات لمعالجة بعض الآثار الناجمة عن التضخم، وأهم هذه السياسات: - التسعير الذي يعمل على كبت التضخم كعلاج مؤقت لا يصل إلى إلغاء أسبابه. - الربط القياسي للالتزامات الآجلة ولأسعار بعض السلع والخدمات (الأجور) .

стр. 20364

وقد اتضح من خلال عرض بحث الربط القياسي وتطبيقاته ومناقشته أن المقصود به إجراء التعديل التلقائي للقيم الاسمية للالتزامات الآجلة، ولقيم السلع والخدمات وفقًا للتغير في مؤشر التضخم المعتمد للربط، ويكون هذا الربط تعاقديًا أو إلزاميا من قبل الدولة. وللربط القياسي أنواع وصيغ لا تختلف من حيث مؤداها. وقد لوحظ أن الربط القياسي لا يمكن أن يكون حلًّا شاملًا لجميع المشكلات التي تنشأ عن التضخم، فلا يمكن تطبيقه في جوانب الاقتصاد كلها، وإن كان يمكن أن يحقق جدوى في بعض أنواع المعاملات، وهو يحدث التغيير في القيمة الاسمية للتعاملات التالية له دون المتقدمة عنه، وبوجه عام هو علاج مؤقت لبعض الأفراد في بعض الأحيان ويصعب الاستمرار فيه إلى أمد طويل، والتراجع عنه يولد مشكلات أخرى لا تقل عن مشكلات التضخم. كما لوحظ أن تطبيق الربط القياسي لا يحل المشكلات الناشئة عن التضخم بين الدائن والمدين، بسبب الخصوصيات المتعددة للعلاقة بينهما ولوجود فروق فردية في ظروفهما الاقتصادية. من الناحية التطبيقية دارت المناقشة حول المصادر المحلية والدولية للتضخم في بعض الدول الإسلامية، حيث كشف الدراسة التي أجريت على مصر، والمغرب، وباكستان، وتركيا: أن الأسباب ليست أحادية، وإنما هي أسباب متنوعة يرجع بعضها إلى ظروف خاصة بكل دولة؛ وذلك لأن النتائج التجريبية لا تؤيد متغيرًا معينًا، فمصادر التضخم مختلفة في جميع هذه الدول، وبالتالي فاتباع سياسة معينة مناهضة للتضخم قد يكون فعالًا في بعض الدول وعاجزًا في دول أخرى، وحتى الآثار فإنها تختلف بعض الشيء من دولة إلى أخرى. فمثلًا إن نمو عرض النقود مصدر مهم للتضخم في بعض الدول، مما يتطلب سياسات نقدية صارمة ضمن استراتيجية واضحة إضافة للقيود النقدية، كما أن انخفاض القيمة الخارجية للعملة في بعض الدول يؤدي إلى حالة تضخمية مرتفعة قد لا توجد في دولة أخرى، ولذلك فإنه لن يكون باستطاعة السياسة النقدية الصارمة، ولا النمو الاقتصادي الأسرع ضبط التضخم والسيطرة عليه، وكذلك زيادة كمية النقود وأسعار الواردات ليس لهما أثر ملحوظ على التضخم في بعض الدول، حيث يلعب النمو الاقتصادي دورًا رئيسًا في عملية التضخم، ويلحظ أن انخفاض قيمة العملة له بعض التأثيرات على التضخم.

стр. 20365

التوصيات * بما أن أهم أسباب التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تصدرها الجهات النقدية المختصة لأسباب متعددة معروفة؛ نناشد تلك الجهات العملَ الجاد على إزالة هذا السبب من أسباب التضخم الذي يضر المجتمع ضررًا كبيرًا، وتجنب التمويل بالتضخم، سواء أكان ذلك لعجز الميزانية أم لمشروعات التنمية. وفي الوقت نفسه نتوجه إلى الشعوب الإسلامية للالتزام الكامل بالقيم الإسلامية في الاستهلاك، لتبتعد مجتمعاتنا الإسلامية عن أشكال التبذير ولترف والإسراف التي هي من النماذج السلوكية التي تولد التضخم. * زيادة التعاون الاقتصادي بن البلدان الإسلامية وبخاصة في ميدان التجارة الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من البلدان الصناعية. والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه البلدان الصناعية. * إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على موجوداتها، واقتراح الوسائل لحمايتها وحماية المودعين والمستثمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة استحداث المعايير المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية. * إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي على التضخم، وما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي. * دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل ارتباط العملة بالذهب، كأسلوب لتجنب التضخم.

стр. 20366

المقترحات لمنهجية الحلقة الثانية * أن تعرض في الحلقة الثانية بحوث اقتصادية حول الحلول والمعالجات التي يراها الاقتصاديون الإسلاميون للتضخم؛ لتتم مناقشتها من قبل الفقهاء من الوجهة الشرعية. ويشمل ذلك تقديم دراسة عن النمط الإسلامي للإنفاق الحكومي وغير ذلك مما يتعلق بالاقتصاد العام والسياسات الاقتصادية، وذلك بالإضافة إلى الدراسات المشار إليها في التوصيات حول آثار التضخم على موجودات البنوك وتأثير أدوات التمويل والاستثمار الإسلامية فيما يتعلق بالتضخم. وسيكون من الطبيعي إذن أن يطلب إلى الأساتذة الفقهاء التعليق المباشر على تلك البحوث الاقتصادية، لإبداء وجهة النظر الشرعية فيها. * أن يراعي في الحلول والعلاجات المقترحة من الاقتصاديين الواقع القائم في البلدان الإسلامية وأسباب التضخم فيها وآثاره والخبرات العملية المتراكمة لدى بعض هذه الدول، وبخاصة في التنمية مع استقرار الأسعار. وقد يكون من المناسب أن تأخذ الحلول بالاعتبار الواقع العملي في ظل الأنظمة الاقتصادية الموجودة حاليًا في البلدان الإسلامية، بحيث تطرح الحلول المرحلية إضافة إلى الحلول الكلية في ظل التطبيق الشامل للنظام الاقتصادي الإسلامي. * إعطاء الوقت الكافي لعرض الأبحاث والدراسات، وللتعقيبات والمناقشات، بحيث تستوفي جميع جوانب الموضوعات المطروحة، ولو كان ذلك بتقليل عدد الأبحاث على أن يختار لها كتّاب ذوو وجهات نظر مختلفة.

стр. 20367

حلقة العمل الثانية التضخم وآثاره على المجتمعات كوالالمبور: ٢٠ – ٢١ صفر ١٤١٧ هـ / ٦ – ٧ يوليو / ١٩٩٦ م. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ البيان الختامي الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، وأفاض علينا كرمه ومِنَنَه، وجعلنا من الملتزمين بهدي نبيه، والآخذين بمنهجه، المتبعين لسننه، نحمده حمد الشاكرين، ونزلف إليه زلفى الضارعين المتقربين، وندعوه أن يجعل أعمالنا متسمة بسيمى العبادة والإخلاص، قاصدين بها وجهه، راجين من ورائها إعلاء كلمته، وخدمة دينه، وحفظ ملته، وصلى الله على رسوله ومصطفاه، خيرته من خلقه، سيد المرسلين وإمام المتقين، نبينا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حضرات أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة والسعادة، أيها السادة الأكارم، في خلال يومين سعيدين قضيناهما بهذا البلد الكريم، كنا فيهما ضيوفًا على بنك نيجارا ماليزيا، استمعنا أولًا إلى بحثين قيمين عند دور السياسات المالية في معالجة التضخم في إطار الاقتصاد الإسلامي، ثم إلى تعقيبين جيدين عليهما، كما قدمت دراسة عن دور السياسات النقدية في نفس الموضوع تميزت بالجدة والطرافة، وقد تبعها تعقيبان دقيقان أيضًا. وفي نهاية اليوم الأول توجت الدراسات المقدمة بعرض جيد لتطبيقات السياسات المالية النقدية في معالجة التضخم، كشف عن التجربة الماليزية الرائدة، التي استحقت التقدير والتنويه، كما استوجبت التهنئة لحكومة ماليزيا على الجهود الكبيرة التي بذلتها في هذه السبيل، وقد تبعت البحوث الأربعة والتعقيبات عليها مناقشات عامة وجزئية أبرزت أهمية البحوث المعروضة والآراء والملاحظات التي كانت مرة تعديلًا، وأخرى استدراكًا وتكميلًا لما تقدم به الباحثون والمعقبون.

стр. 20368

وفي صباح اليوم الثاني بُحث محوران: أحدهما يرتبط بقضية مؤشرات وضوابط الربط القياسي مع عرض آراء الاقتصاديين الإسلاميين فيها. والآخر يقوم أساسًا على إبراز الآراء الفقهية التي تم عرضها في دورات المجمع السابقة، واقتضت تنسيقًا وتفصيلًا ومقارنة. وبعد عرض البحوث الثلاثة والتعقيبات عليها دار النقاش حولها أن وأفرز النظريات الفقهية والأحكام الشرعية المتعلقة بالربط القياسي، والتي يتم عن طريقها التعرف على وجه الوفاء بما في الذمة من الالتزامات الآجلة. وكانت جلسة ما بعد الظهر متناولة لمحورين: الاتجاهات الشرعية لمعالجة التضخم في المصادر الفقهية، وآثار التضخم على المعاملات التعاقدية في البنوك الإسلامية والوسائل المشروعة للحماية. وقد قدمت فيه هذا الغرض أوراق ثلاثة تبعتها أربعة تعقيبات. وبإثر مناقشة المحورين وما دار فيهما اجتمعت لجنة الصياغة وأعدت تقريرًا مفصلًا عن نتائج وتوصيات الندوة، هو الذي تم توزيعه عليكم للمراجعة، وقام المقرر العام بقراءته محررًا. وإنه ليشرفني - في نهاية الحلقة الثانية لندوة التضخم - أن أرفع باسم مجمع الفقه الإسلامي وباسم مصرف فيصل الإسلامي وباسمكم جميعًا جزيل الشكر والامتنان لحكومة ماليزيا الرشيدة وللشعب الماليزي، لما يتسم به من جد واستمرار على البذل من أجل تحقيق النهضة الاقتصادية الشاملة، ونثني على ذلك بشكر بنك نيجارا الماليزي والبنك الإسلامي الماليزي برهاد على الاستضافة الكريمة والرعاية الشاملة والتعاون الكامل، مما وفر أسباب النجاح لندوتنا المباركة هذه. ويسعدني من جهة ثانية أن أتقدم إلى حضراتكم جميعًا بعظيم التقدير وخالص الشكر؛ لما تم على أيديكم في هذه الندوة من إعداد للبحوث والدراسات، وما وليها من تعقيبات عليها لا تقل عنها إمتاعًا ونفعًا وجدوى، وما لحق ذلك كله من مناقشات كانت إغناء للدرس وسبيلًا للتوصل إلى النتائج والتوصيات التي تفضلتم بإقرارها.

стр. 20369

وقد كانت كل هذه المشاركات بأنواعها، بحمد الله، جيدة ودسمة لا يرجى من ورائها غير البحث عن الحقيقة ونشدانها، وإرادة التوصل إلى الكشف عن الأحكام المقبولة شرعًا. وأعود إلى لجنة الصياغة السادة المقررين معترفًا بما لهم علينا من حقوق؛ لما بذلوه من جهد لجمع الآراء الكثيرة وضبط النتائج وعرض التوصيات التي وقع استخلاصها مما أفضتموه علينا من دقيق المعرفة ونافع العلم وصائب الرأي في هذه الندوة. ولا أنسى في نهاية هذا البيان الختامي أن أنوه بجهود اللجنتين التحضيريتين هنا وبجدة، وبعمل السكرتارية الدؤوب، وبالدور بالكبير الذي اضطلع به الإخوة المترجمون, وبوسائل الإعلام كافة، فلهم منا جميعًا خالص الشكر وعظيم التقدير. وأملنا بإذن الله تعالى أن يطرد هذا النشاط العلمي: الفقهي والاقتصادي بين مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، فنعود بفضل ذلك لنلتقي من جديد وقريبًا في الحلقة الثالثة لهذه الندوة البحرين، وفي ندوات وأنشطة أخرى كثيرة. وهكذا يستمر العطاء العلمي والإفادة من الدراسات والاجتهادات لمعالجة الكثير من القضايا المشكلة والمستجدة. والأمل معقود على علمكم وفضلكم. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 20370

التوصيات ١- إدراكًا لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلًا من أهم العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل؛ فإنه ينبغي العمل على زيادة الإنتاج والطاقة الإنتاجية في البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق وضع الخطط واتخاذ الإجراءات التي تشجع على الارتفاع بمستوى كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة. وقد لاحظ المشاركون في الندوة بعين التقدير ما حققته ماليزيا من حيث النجاح في الحفاظ على الاستقرار النقدي،وتحقيق معدلات عالية من الادخار والاستثمار، وتخفيض نسبة البطالة، وتحقيق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي وخططها المستقبلية نحو تطبيق النظام الإسلامي. ٢- بما أن للتضخم أضرارًا عامة، سواء من حيث إساءته إلى تخصيص استعمال الموارد وكفاءتها، أم من حيث إحداثه لأوضاع توزيعية في الدخل والثروة، تتناقض مع العدالة الإسلامية، وحيث إن التضخم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة الإصدار النقدي وبوجود عجز في ميزانية الدولة في معظم الأحيان؛ فإن المشاركين يوصون حكومات الدول الإسلامية بعدم اللجوء إلى إصدار النقود (طبع العملة) في تمويل عجز ميزانياتها. ٣- مناشدة حكومات الدولة الإسلامية العمل على توازن ميزانياتها العامة (بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها) ، وذلك بالالتزام بتقليل النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي. وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات والإجارات. ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين.

стр. 20371

٤- مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، سواء منها ما يتعلق بالتغيير في الإيرادات، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك بتأسيس تلك السياسات على مبادئ العدالة والمصلحة العامة للمجتمع، ورعاية الفقراء، وتحميل عبء الإيراد العام للأفراد حسب قدراتهم المالية المتمثلة في الدخل والثورة معًا. ٥- ضرورة استخدام جميع الأدوات المشروعة للسياستين المالية والنقدية ووسائل الإقناع والسياسات الاقتصادية والإدارية الأخرى. للعمل على بتخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم، بحيث تهدف تلك السياسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن. ٦- وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي ومحاربة التضخم، ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات الاقتصادية والمالية، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة. ٧- دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنظور الإسلامي؛ لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، مما يسهم في تخفيف التضخم. ٨- دعوة المسلمين أفرادًا وحكومات إلى التزام النظام الإسلامي، وبخاصة مبادئة الاقتصادية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية، مما يحقق الاعتدال في الاستهلاك والترشيد في الإنفاق، ويعالج جذور المشكلات الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك التضخم. ومن أبرز تلك المبادئ تحريم الربا والإسراف، وتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها، والترغيب في الإنفاق الخيري كالصدقات والأوقاف وغير ذلك.

стр. 20372

٩- مع مراعاة قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، بشأن الربط القياسي في الأجور، فإنه في الإجارات الطويلة للأعيان، والإجارة الخاصة (الموظف والعامل) يمكن تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معين، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة. ١٠ – لقد برزت من خلال الأبحاث والمناقشات عدة قضايا تحتاج إلى مزيد من البحث، منها الاتفاق عن الإقراض بعملة حقيقة على اعتبار قيمتها بالنسبة للذهب، أو لعملة اعتبارية، أو لسلة من العملات أو السلع. ومنها تطبيق مبدأ الصلح الإلزامي في حالة التضخم غير المتوقع، كما تبين أن هناك اتجاهات فقهية متعددة لمعالجة آثار تغير القوة الشرائية للعملات الورقية، بالإضافة إلى ضرورة النظر في معاملات البنوك الإسلامية المتأثرة بالتضخم، والمشكلات التي تنشأ عن ذلك، مما يتطلب تكوين لجان والقيام باستكتاب أبحاث فقهية واقتصادية تستفيد من أبحاث ونتائج هذه الحلقة وسابقتها، وذلك لعرضها في الندوة الفقهية المزمع عقدها في البحرين بعون الله تعالى. ويتقدم المشاركون في الحلقة بخالص الشكر والتقدير لمنظمي الحلقة (مجمع الفقه الإسلامي بجدة – وبنك نيجارا ماليزيا – ومصرف فيصل الإسلامي البحرين – والبنك الإسلامي الماليزي – وشركة أبرار المحدودة) .

стр. 20373

حلقة العمل الثالثة ضبط الحلول المطروحة لمعالجة آثار التضخم على الديون والحقوق الآجلة المنامة (البحرين) : ١٢ – ١٣ جمادى الثانية ١٤٢٠ هـ / ٢٢ – ٢٣ سبتمبر / ١٩٩٩ م. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ البيان الختامي الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حضرة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة، راعي الحلقة الثالثة من ندوة التضخم. أصحاب السماحة والفضيلة، أصحاب المعالي والسعادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وبالتعاون مع مصرف فيصل الإسلامي البحرين، عقد بهذا البلد الكريم المضياف الحلقة الثالثة من ندوة التضخم؛ تنفيذًا لرغبة المؤتمر التاسع للمجمع والمنعقد بأبو ظبي. وقد تم بحمد لله وحسن عونه القيام في يومي (١٢ – ١٣ جمادى الآخرة ١٤٢٠ هـ الموافق ٢٢ – ٢٣ سبتمبر ١٩٩٩ م) بعرض عدد من البحوث والاستماع إلى كثير من المداخلات بشأنها. وقد ترأس جلسة الافتتاح سعادة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة، وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية، وألقى بيانًا هامًا تحدث فيه عن قضية التضخم وآثاره في الاقتصاد العالمي، وتبعت ذلك كلمة ترحيب من سعادة الأستاذ نبيل عبد الإله نصيف، الرئيس التنفيذي لمصرف فيصل الإسلامي البحرين، وتولى بعد هذا سماحة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي إلقاء بيان حول ما طرح من موضوعات وقضايا تتصل بالتضخم في حلقتي جدة وكوالالمبور،وبإثر ذلك تتابعت الجلسات خلال ليومين، فعرض ما تم بحثه في اللجنة التمهيدية الثانية في هذه الحلقة وبحثت في الجلسة الأولى قضية تجزؤ الأحكام، وقضية التفصيل بين عقود الضمانات وعقود الأمانات.

стр. 20374

ثم طرحت قضايا أخرى هامة تتصل بضبط الحلول المقترحة لمعالجة التضخم، سواء الحلول الدائمة أو المؤقتة المرحلية أو الحلول العامة، أو الخاصة ببعض الحالات، كما وقع النظر في تكييف الحلول المقترحة من الناحية الشرعية والاقتصادية. وفي الجلسة الثانية وقع النظر في التأصيل الشرعي للحول المقترحة والحديث عن نسبة التغيير المؤثرة بالعملة التي تستدعي الحل، كما درست الحلقة موضوع التضخم على الجائحة والظروف الطارئة، وأجريت إثر ذلك مناقشات. وتقدم بعض الأساتذة الحضور بجملة من الاقتراحات، وفي صباح هذا اليوم استؤنف العمل ببحث مسؤولية الحكومة عن التعويض وبالاستماع إلى موضوع مفهوم الصلح الواجب وتبعت ذلك مناقشات، كما تم بعد ذلك ضبط الملاحظات والنقاط التي تم التوصل إليها وتحديد الحلول المقترحة للوفاء بالديون الآجلة. ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أرفع إلى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى بن سليمان آل خليفة أمير البلاد المفدى، كاملَ التقدير والشكر والامتنان على ما أظهره من رعاية وما شملنا به من عناية. وأرفع إلى مقام صاحب السمو الشيخ سليمان بن حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد الأمين، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سليمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر وصاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة وزير العدل والشؤون الإسلامية أزكى التحيات وأخلص التقدير؛ لما وجده مجمع الفقه الإسلامي ومصرف فيصل الإسلامي البحرين من إعانة وتيسير لعقد هذه الحلقة، هذا وإن المشاركين في هذه الندوة ليتقدمون إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد الفيصل آل سعود رئيس مجلس إدارة مصرف فيصل الإسلامي البحرين، بعظيم التقدير وكامل العرفان على مساعداته الفائقة ودعمه الدائم لنشاط مجمع الفقه الإسلامي الدولي. ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أتقدم بخالص الشكر وكبير الثناء للعلماء والأستاذة الذين أمدونا ببحوثهم القيمة ودراساتهم النافعة التي على أساسها انبنت التوصيات والمقترحات الصادرة عن هذه الحلقة، فهم الأساس لنجاح هذا العمل والتقدم خطوات ببحث قضية التضخم وإيجاد الحلول الممكنة لها. وإنه لمن الواجب أن نشكر في هذه المناسبة وسائل الإعلام المختلفة على ما قامت به من جهد في التعريف بما دار في هذين اليومين من عمل علمي فقهي واقتصادي، ولا ننسى زمرة الإخوان من كتبة ومنظمين لهذين اليومين الدراسيين، وكل من بذل جهدا لتسهيل أعمالها وتيسير قيامنا بالواجب من شكر وثناء خالصين لهم. كما لا يفوتني أن أشكر وأحيي إدارة الفندق وعماله على ما قدموه من خدمات ساعدتنا على العمل بمنتهى النشاط والراحة، وإنا لنأمل من الله أن يمدنا بعونه ويكلأنا برعايته لمواصلة العمل في مثل هذه اللقاءات المباركة والندوات العلمية التي يلتقي فيها رجال الاقتصاد ورجال الشريعة متعاونين على بحث قضايا الساعة ودراسة المشاكل والقضايا القائمة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية. والله من وراء القصد، وهو ولينا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 20375

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التوصيات والمقترحات أولًا – تأكيد العمل بالقرار السابق رقم ٤٢ (٤ / ٥) في غير حالات التضخم، ونصه: " العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار ". وأما في حالات التضخم فيطبق ما يلي: ثانيًا – مدى اعتبار التضخم مؤثرًا في الديون الآجلة: أ- إذا كان التضخم عند التعاقد (ثبوت الحق في الذمة) متوقعًا فإنه لا يترتب عليه أي تأثير في تعديل الديون الآجلة، فيكون وفاؤها بالمثل وليس بالقيمة. وذلك لحصول التراضي ضمنًا بنتائج التضخم، ولما في ذلك من استقرار التعامل. ب- لا مانع في الحالة السابقة من التحوط عند التعاقد بتحديد الدين الآجل بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يكون الدين مما يلي: أ- الذهب أو الفضة ب- سلعة أخرى (موصوفة في الذمة) ج – سلة من السلع (موصوفة في الذمة) د – عملة أخرى. هـ – سلة عملات. و عملة حسابية ثابتة بالنسبة بين مكوناتها منذ وقت العقد إلى وقت الأداء. وذلك لانتفاء الربا أو شبهته؛ لأن للعاقدين الحق في تحديد الثمن بما يتراضيان عليه. مع مراعاة أن يكون بدل القرض في الصور السابقة بالعملة التي وقع بها القرض نفسها؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلًا. وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما، مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى (الربط بتلك العملة) أو بسلة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم ٧٥ (٦ / ٨) رابعًا.
следующие страницы →