٤- مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، سواء منها ما يتعلق بالتغيير في الإيرادات، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك بتأسيس تلك السياسات على مبادئ العدالة والمصلحة العامة للمجتمع، ورعاية الفقراء، وتحميل عبء الإيراد العام للأفراد حسب قدراتهم المالية المتمثلة في الدخل والثورة معًا.
٥- ضرورة استخدام جميع الأدوات المشروعة للسياستين المالية والنقدية ووسائل الإقناع والسياسات الاقتصادية والإدارية الأخرى. للعمل على بتخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم، بحيث تهدف تلك السياسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن.
٦- وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي ومحاربة التضخم، ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات الاقتصادية والمالية، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة.
٧- دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنظور الإسلامي؛ لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، مما يسهم في تخفيف التضخم.
٨- دعوة المسلمين أفرادًا وحكومات إلى التزام النظام الإسلامي، وبخاصة مبادئة الاقتصادية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية، مما يحقق الاعتدال في الاستهلاك والترشيد في الإنفاق، ويعالج جذور المشكلات الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك التضخم.
ومن أبرز تلك المبادئ تحريم الربا والإسراف، وتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها، والترغيب في الإنفاق الخيري كالصدقات والأوقاف وغير ذلك.
стр. 20372
٩- مع مراعاة قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، بشأن الربط القياسي في الأجور، فإنه في الإجارات الطويلة للأعيان، والإجارة الخاصة (الموظف والعامل) يمكن تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معين، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة.
١٠ – لقد برزت من خلال الأبحاث والمناقشات عدة قضايا تحتاج إلى مزيد من البحث، منها الاتفاق عن الإقراض بعملة حقيقة على اعتبار قيمتها بالنسبة للذهب، أو لعملة اعتبارية، أو لسلة من العملات أو السلع. ومنها تطبيق مبدأ الصلح الإلزامي في حالة التضخم غير المتوقع، كما تبين أن هناك اتجاهات فقهية متعددة لمعالجة آثار تغير القوة الشرائية للعملات الورقية، بالإضافة إلى ضرورة النظر في معاملات البنوك الإسلامية المتأثرة بالتضخم، والمشكلات التي تنشأ عن ذلك، مما يتطلب تكوين لجان والقيام باستكتاب أبحاث فقهية واقتصادية تستفيد من أبحاث ونتائج هذه الحلقة وسابقتها، وذلك لعرضها في الندوة الفقهية المزمع عقدها في البحرين بعون الله تعالى.
ويتقدم المشاركون في الحلقة بخالص الشكر والتقدير لمنظمي الحلقة (مجمع الفقه الإسلامي بجدة – وبنك نيجارا ماليزيا – ومصرف فيصل الإسلامي البحرين – والبنك الإسلامي الماليزي – وشركة أبرار المحدودة) .
стр. 20373
حلقة العمل الثالثة
ضبط الحلول المطروحة لمعالجة آثار التضخم على الديون
والحقوق الآجلة
المنامة (البحرين) : ١٢ – ١٣ جمادى الثانية ١٤٢٠ هـ / ٢٢ – ٢٣ سبتمبر / ١٩٩٩ م.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
البيان الختامي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حضرة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة، راعي الحلقة الثالثة من ندوة التضخم.
أصحاب السماحة والفضيلة، أصحاب المعالي والسعادة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وبالتعاون مع مصرف فيصل الإسلامي البحرين، عقد بهذا البلد الكريم المضياف الحلقة الثالثة من ندوة التضخم؛ تنفيذًا لرغبة المؤتمر التاسع للمجمع والمنعقد بأبو ظبي.
وقد تم بحمد لله وحسن عونه القيام في يومي (١٢ – ١٣ جمادى الآخرة ١٤٢٠ هـ الموافق ٢٢ – ٢٣ سبتمبر ١٩٩٩ م) بعرض عدد من البحوث والاستماع إلى كثير من المداخلات بشأنها.
وقد ترأس جلسة الافتتاح سعادة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة، وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية، وألقى بيانًا هامًا تحدث فيه عن قضية التضخم وآثاره في الاقتصاد العالمي، وتبعت ذلك كلمة ترحيب من سعادة الأستاذ نبيل عبد الإله نصيف، الرئيس التنفيذي لمصرف فيصل الإسلامي البحرين، وتولى بعد هذا سماحة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي إلقاء بيان حول ما طرح من موضوعات وقضايا تتصل بالتضخم في حلقتي جدة وكوالالمبور،وبإثر ذلك تتابعت الجلسات خلال ليومين، فعرض ما تم بحثه في اللجنة التمهيدية الثانية في هذه الحلقة وبحثت في الجلسة الأولى قضية تجزؤ الأحكام، وقضية التفصيل بين عقود الضمانات وعقود الأمانات.
стр. 20374
ثم طرحت قضايا أخرى هامة تتصل بضبط الحلول المقترحة لمعالجة التضخم، سواء الحلول الدائمة أو المؤقتة المرحلية أو الحلول العامة، أو الخاصة ببعض الحالات، كما وقع النظر في تكييف الحلول المقترحة من الناحية الشرعية والاقتصادية.
وفي الجلسة الثانية وقع النظر في التأصيل الشرعي للحول المقترحة والحديث عن نسبة التغيير المؤثرة بالعملة التي تستدعي الحل، كما درست الحلقة موضوع التضخم على الجائحة والظروف الطارئة، وأجريت إثر ذلك مناقشات.
وتقدم بعض الأساتذة الحضور بجملة من الاقتراحات، وفي صباح هذا اليوم استؤنف العمل ببحث مسؤولية الحكومة عن التعويض وبالاستماع إلى موضوع مفهوم الصلح الواجب وتبعت ذلك مناقشات، كما تم بعد ذلك ضبط الملاحظات والنقاط التي تم التوصل إليها وتحديد الحلول المقترحة للوفاء بالديون الآجلة.
ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أرفع إلى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى بن سليمان آل خليفة أمير البلاد المفدى، كاملَ التقدير والشكر والامتنان على ما أظهره من رعاية وما شملنا به من عناية.
وأرفع إلى مقام صاحب السمو الشيخ سليمان بن حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد الأمين، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سليمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر وصاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة وزير العدل والشؤون الإسلامية أزكى التحيات وأخلص التقدير؛ لما وجده مجمع الفقه الإسلامي ومصرف فيصل الإسلامي البحرين من إعانة وتيسير لعقد هذه الحلقة، هذا وإن المشاركين في هذه الندوة ليتقدمون إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد الفيصل آل سعود رئيس مجلس إدارة مصرف فيصل الإسلامي البحرين، بعظيم التقدير وكامل العرفان على مساعداته الفائقة ودعمه الدائم لنشاط مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أتقدم بخالص الشكر وكبير الثناء للعلماء والأستاذة الذين أمدونا ببحوثهم القيمة ودراساتهم النافعة التي على أساسها انبنت التوصيات والمقترحات الصادرة عن هذه الحلقة، فهم الأساس لنجاح هذا العمل والتقدم خطوات ببحث قضية التضخم وإيجاد الحلول الممكنة لها.
وإنه لمن الواجب أن نشكر في هذه المناسبة وسائل الإعلام المختلفة على ما قامت به من جهد في التعريف بما دار في هذين اليومين من عمل علمي فقهي واقتصادي، ولا ننسى زمرة الإخوان من كتبة ومنظمين لهذين اليومين الدراسيين، وكل من بذل جهدا لتسهيل أعمالها وتيسير قيامنا بالواجب من شكر وثناء خالصين لهم.
كما لا يفوتني أن أشكر وأحيي إدارة الفندق وعماله على ما قدموه من خدمات ساعدتنا على العمل بمنتهى النشاط والراحة، وإنا لنأمل من الله أن يمدنا بعونه ويكلأنا برعايته لمواصلة العمل في مثل هذه اللقاءات المباركة والندوات العلمية التي يلتقي فيها رجال الاقتصاد ورجال الشريعة متعاونين على بحث قضايا الساعة ودراسة المشاكل والقضايا القائمة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.
والله من وراء القصد، وهو ولينا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 20375
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التوصيات والمقترحات
أولًا – تأكيد العمل بالقرار السابق رقم ٤٢ (٤ / ٥) في غير حالات التضخم، ونصه:
" العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار ".
وأما في حالات التضخم فيطبق ما يلي:
ثانيًا – مدى اعتبار التضخم مؤثرًا في الديون الآجلة:
أ- إذا كان التضخم عند التعاقد (ثبوت الحق في الذمة) متوقعًا فإنه لا يترتب عليه أي تأثير في تعديل الديون الآجلة، فيكون وفاؤها بالمثل وليس بالقيمة. وذلك لحصول التراضي ضمنًا بنتائج التضخم، ولما في ذلك من استقرار التعامل.
ب- لا مانع في الحالة السابقة من التحوط عند التعاقد بتحديد الدين الآجل بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يكون الدين مما يلي:
أ- الذهب أو الفضة
ب- سلعة أخرى (موصوفة في الذمة)
ج – سلة من السلع (موصوفة في الذمة)
د – عملة أخرى.
هـ – سلة عملات.
و عملة حسابية ثابتة بالنسبة بين مكوناتها منذ وقت العقد إلى وقت الأداء.
وذلك لانتفاء الربا أو شبهته؛ لأن للعاقدين الحق في تحديد الثمن بما يتراضيان عليه.
مع مراعاة أن يكون بدل القرض في الصور السابقة بالعملة التي وقع بها القرض نفسها؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلًا.
وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما، مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى (الربط بتلك العملة) أو بسلة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم ٧٥ (٦ / ٨) رابعًا.
стр. 20376
ثالثًا – إن كان التضخم عند التعاقد غير متوقع الحدوث وحدث، فإما أن يكون وقت السداد كثيرًا أو يسيرًا، وضابط التضخم الكثير أن يبلغ ثلث مقدار الدين الآجل:
أ- إذا كان التضخم يسيرًا فإنه لا يعتبر مسوغًا لتعديل الديون الآجلة؛ لأن الأصل وفاء الديون بأمثالها، واليسير في نظائر ذلك من الجهالة أو الغرر أو الغبن مغتفر شرعًا.
ب- وإذا كان التضخم كثيرًا، فإن وفاء الدين الآجل حينئذ بالمثل (صورة) يلحق ضررًا كثيرًا بالدائن يجب رفعه، تطبيقًا للقاعدة الكلية (الضرر يزال) والحل لمعالجة ذلك (فيما عدا الحسابات الجارية) هو اللجوء إلى:
الصلح:
وذلك باتفاق الطرفين – عند سداد الدين الآجل فيما عدا الحسابات الجارية – على توزيع الفرق الناشئ عن التضخم بين المدين والدائن بأي نسبة يتراضيان عليها.
стр. 20377
رابعًا – لا يجوز شرعًا الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي:
أ- الربط بمؤشر تكاليف المعيشة أو غيره من المؤشرات.
ب- الربط بالذهب أو الفضة.
ج – الربط بسعر سلعة معينة.
د- الربط بعملة حسابية.
هـ – الربط بمعدل نمو الناتج القومي.
و– الربط بعملة أخرى.
ز- الربط بسعر الفائدة.
ح – الربط بمعدل أسعار سلة من السلع.
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير وجهالة فاحشة، بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود، وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد فإنه يترتب على ذلك عدم التماثل بين ما في الذمة وما طلب أداؤه، وهذا مشروط في العقد، فتكون فيه شبهة الربا.
стр. 20378
خامسًا – إذا تعذر الصلح بين الدائن والمدين لتحديد ما يتحمله كل منهما من الفرق الناشئ عن التضخم، فإنه يصار إلى إحدى هاتين الوسيلتين:
١ - التحكيم:
وهو اتفاق طرفي خصومة معينة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق الشريعة الإسلامية، هو مشروع سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية. وقد صدر في شأن التحكيم قرار المجمع رقم ٩١ (٨ / ٩) .
٢- القضاء:
وذلك برفع أحد الطرفين الأمر إلى القضاء، فينظر القاضي في مقدار الضرر الواقع على الدائن (فرق التضخم) ويحدد ما يتحمله المدين على نحو ما قيل في الصلح.
ولا ينبغي لأحدهما التعنت برفض اللجوء إلى إحدى الوسائل السابقة.
والقول بتعديل الديون الآجلة بسبب التضخم الكثير، وجعل الثلث حد الكثرة يستند إلى عمومات نصوص الكتاب والسنة الآمرة بالعدل والإنصاف والنهاية عن الظلم. ويستأنس لذلك بقاعدة (وضع الجوائح) الثابتة في السنة الصحيحة، وبأساس التعويض عن العيب بناء على قاعدة الجوابر، باعتبار أن التغير الكبير في القوة الشرائية للعملة عيب يستوجب جبر النقص، وبمبدأ (المظالم المشتركة) ، وهي النوائب التي تنزل بواحد ممن يجمعهم وصف مشترك فيتم تحميلها بالعدل على المشتركين.
سادسًا:
سبق أن أصدر مجلس المجمع القرار رقم ٧٥ (٦ / ٨) الفقرة أولًا بجواز الربط القياسي للأجور، تبعًا للتغير في مستوى الأسعار.
стр. 20379
حلقة العمل الثانية
التضخم وآثاره على المجتمعات
كوالالمبور: ٢٠ – ٢١ صفر ١٤١٧ هـ / ٦ – ٧ يوليو / ١٩٩٦ م.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
البيان الختامي
الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، وأفاض علينا كرمه ومننه، وجعلنا من الملتزمين بهدي نبيه، والآخذين بمنهجه، المتبعين لسننه، نحمده حمد الشاكرين، ونزلف إليه زلفى الضارعين المتقربين، وندعوه أن يجعل أعمالنا متسمة بسمي العبادة والإخلاص، قاصدين بها وجهه، راجين من ورائها أعلاء كلمته، وخدمة دينه، وحفظ ملته، وصلى الله على رسوله ومصطفاه، خيرته من خلقه، سيد المرسلين وإمام المتقين، بينا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حضرات أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة والسعادة،
أيها السادة الأكارم،
في خلال يومين سعيدين قضيناهما بهذا البلد الكريم، كنا فيهما ضيوفًا على بنك نيجار ماليزاي، استمعنا أولًا إلى بحثين قيمين عند دور السياسات المالية في معالجة التضخم في إطار الاقتصاد الإسلامي، ثم إلى تعقيبين جيدين عليهما، كما قدمت دراسة عن دور السياسات النقدية في نفس الموضوع تميزت بالجدة والطرافة، وقد تبعها تعقيبان دقيقان أيضًا.
وفي نهاية اليوم الأول توجت الدراسات المقدمة بعرض جيد لتطبيقات السياسات المالية النقدية في معالجة التضخم، كشف عن التجربة الماليزية الرائدة، التي استحقت التقدير والتنويه، كما استوجبت التهنئة لحكومة ماليزيا على الجهود الكبيرة التي بذلتها في هذه السبيل، وقد تبعت البحوث الأربعة والتعقيبات عليها مناقشات عامة وجزئية أبرزت أهمية البحوث المعروضة والآراء والملاحظات التي كانت مرة تعديلًا، وأخرى استدراكًا وتكميلًا لما تقدم به الباحثون والمعقبون.
стр. 20380
وفي صباح اليوم الثاني محوران: أحدهما يرتبط بقضية مؤشرات وضوابط الربط القياسي مع عرض آراء الاقتصاديين الأماميين فيها. والآخر يقوم أساسًا على إبراز الآراء الفقهية التي تم عرضها في دورات المجمع السابقة، واقتضت تنسيقًا وتفصيلًا ومقارنة. بعد عرض البحوث الثلاثة والتعقيبات عليها دار النقاش حلوه أن وأفرز النظريات الفقهية والأحكام المتعلقة بالربط القياسي، والتي يتم عن طريقها التعرف على وجه الوفاء بما في الذمة من الالتزامات الآجلة.
وكانت جلسة ما بعد الظهر متناولة لمحورين: الاتجاهات الشرعية لمعالجة التضخم في المصادر الفقهية، وآثار التضخم على المعاملات التعاقدية في البنوك الإسلامية والوسائل المشروعة للحماية.
وقد قدمت فيه ذا الغرض أوراق ثلاثة تبعتها أربعة تعقيبات. وبأثر مناقشة المحورين وما دار فيهما اجتمعت لجنة الصياغة وأعدت تقريرًا مفصلًا عن نتائج وتوصيات الندوة – هو الذي تم توزيعه عليكم للمراجعة، وقام المقرر العام بقراءته محررًا -.
وإنه ليشرفني، في نهاية الحلقة الثانية لندوة التضخم، أن أرفع باسم مجمع الفقه الإسلامي وباسم مصرف فيصل الإسلامي وباسمكم جميعًا جزيل الشكر والامتنان لحكومة ماليزيا الرشيدة وللشعب الماليزي لما يتسم به من جد واستمرار على البذل من أجل تحقيق النهضة الاقتصادية الشاملة، ونثنى على ذلك بشكر بنك نيجارا الماليزي والبنك الإسلامي الماليزي برهاد على الاستضافة الكريمة والرعاية الشاملة والتعاون الكامل مما وفر أسباب النجاح لندوتنا المباركة هذه.
ويسعدني، من جهة ثانية، أن أتقدم إلى حضراتكم جميعًا بعظيم التقدير وخالص الشكر لما تم على أيديكم في هذه الندوة من إعداد للبحوث والدراسات، وما وليها من تعقيبات عليها لا تقل عنها إمتاعًا ونفعًا وجدوى، وما لحق ذلك كله من مناقشات كانت إغناء للدرس وسبيلًا للتوصل إلى النتائج والتوصيات التي تفضلتم بإقرارها.
стр. 20381
وقد كانت كل هذه المشاركات بأنواعها، بحمد الله، جيدة ودسمة لا يجرى من ورائها غير البحث عن الحقيقة ونشدانها، وإرادة التوصل إلى الكشف عن الأحكام المقبولة شرعًا.
وأعود إلى لجنة الصياغة السادة المقررين معترفًا بما لهم علينا من حقوق لما بذلوه من جهد لجمع الآراء الكثيرة، وضبط النتائج وعرض التوصيات التي وقع استخلاصها مما أفضتموه علينا من دقيق المعرفة، ونافع العلم، وصائب الرأي في هذه الندوة.
ولا أنسى في نهاية هذا البيان الختامي أن أنوه بجهود اللجنتين التحضيريتين هنا وبجدة، وبعمل السكرتارية الدؤوب، وبالدور بالكبير الذي اضطلع به الإخوة المترجمون, وبوسائل الإعلام كافة، فلهم منا جميعًا خالص الشكر وعظيم التقدير.
وأملنا بإذن الله تعالى أن يطرد هذا النشاط العلمي: الفقهي والاقتصادي بين مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، فنعود بفضل ذلك لنلتقي من جديد وقريبًا في الحلقة الثالثة لهذه الندوة البحرين، وفي ندوات وأنشطة أخرى كثيرة.
وهكذا يستمر العطاء العلمي والإفادة من الدراسات والاجتهادات لمعالجة الكثير من القضايا المشكلة والمستجدة. والأمل معقود على عملكم وفضلكم. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سوءا السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * *
стр. 20382
التوصيات
١- إدراكًا لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلًا من أهم العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل، فإنه ينبغي العمل على زيادة الإنتاج والطاقة الإنتاجية في البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق وضع الخطط واتخاذ الإجراءات التي تشجع على بالارتفاع بمستوى كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة.
وقد لاحظ المشاركون في الندوة بعين التقدير ما حققته ماليزيا من حيث النجاح في الحفاظ على الاستقرار النقدي،وتحقيق معدلات عالية من الادخار والاستثمار،وتخفيض نسبة البطالة وتحقيق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي، وخططها المستقبلية نحو تطبيق النظام الإسلامي.
٢- بما أن للتضخم أضرارًا عامة، سواء من حيث إساءته إلى تخصيص استعمال الموارد وكفاءتها، أم من حيث إحداثه لأوضاع توزيعية في الدخل والثروة تناقض مع العدالة الإسلامية.
وحيث إن التضخم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة الإصدار النقدي وبوجود عجز في ميزانية الدولة في معظم الأحيان، فإن المشاركين يوصون حكومات الدول الإسلامية بعدم اللجوء إلى إصدار النقود (طبع العملة) في تمويل عجز ميزانياتها.
٣- مناشدة حكومات الدولة الإسلامية العمل على توازن ميزانياتها العامة (بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها) وذلك بالالتزام بتقليل النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي.
وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات والإجارات. ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين.
стр. 20383
٤- مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، سواء منها ما يتعلق بالتغيير في الإيرادات، أم بالتغيير في الأنفاق العام، وذلك بتأسيس تلك السياسات على مبادئ العدالة والمصلحة العامة للمجتمع، ورعاية الفقراء،وتحميل عبء الإيراد العام للأفراد حسب قدراتهم المالية المتمثلة في الدخل والثورة معًا.
٥- ضرورة استخدام جميع الأدوات المشروعة للسياستين المالية والنقدية ووسائل الإقناع والسياسات الاقتصادية والإدارية الأخرى. للعمل على بتخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم، بحيث تهدف تلك السياسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن.
٦- وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي ومحاربة التضخم، ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات الاقتصادية والمالية، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة.
٧- دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنظور الإسلامي، لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقلي الأعباء المالية عن الميزانية، مما يسهم في تخفيف التضخم.
٨- دعوة المسلمين أفرادًا وحكومات إلى التزام النظام الإسلامي، وبخاصة مبادئة الاقتصادية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية، مما يحقق الاعتدال في الاستهلاك والترشيد في الإنفاق، ويعالج جذور المشكلات الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك التضخم.
ومن أبرز تلك المبادئ تحريم الربا والإسراف، وتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها، والترغيب في الإنفاق الخيري كالصدقات والأوقاف وغير ذلك.
стр. 20384
٩- مع مراعاة قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، بشأن الربط القياسي في الأجور، فإنه في الإجارات الطويلة للأعيان، والإجارة الخاصة (الموظف والعامل) يمكن تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معين، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة.
١٠ – لقد برزت من خلال الأبحاث والمناقشات عدة قضايا تحتاج إلى مزيد من البحث، (منها) الاتفاق عن الإقراض بعملة حقيقة على اعتبار قيمتها بالنسبة للذهب، أو لعملة اعتبارية، أو لسلة من العملات أو السلع (ومنها) تطبيق مبدأ الصلح الإلزامي في حالة التضخم غير المتوقع، كما تبين أن هناك اتجاهات فقهية متعددة لمعالجة آثار تغير القوة الشرائية للعملات الورقية، بالإضافة إلى ضرورة النظر في معاملات البنوك الإسلامية المتأثرة بالتضخم والمشكلات التي تنشأ عن ذلك، مما يتطلب تكوين لجان والقيام باستكتاب أبحاث فقهية واقتصادية تستفيد من أبحاث ونتائج هذه الحلقة وسابقتها، وذلك لعرضها في الندوة الفقهية المزمع عقدها في البحرين بعون الله تعالى.
ويتقدم المشاركون في الحلقة بخالص الشكر والتقدير لمنظمي الحلقة (مجمع الفقه الإسلامي بجدة – وبنك نيجارا ماليزيا – ومصرف فيصل الإسلامي البحرين – والبنك الإسلامي الماليزي – وشركة أبرار المحدودة) .
стр. 20385
حلقة العمل الثالثة
ضبط الحلول المطروحة لمعالجة آثار التضخم على الديون
والحقوق الآجلة
المنامة (البحرين) : ١٢ – ١٣ جمادىالثانية ١٤٢٠ هـ / ٢٢ – ٢٣ سبتمبر / ١٩٩٩م.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
البيان الختامي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حضرة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة، راعي الحلقة الثالثة من ندوة التضخم.
أصحاب السماحة والفضيلة ... أصحاب المعالي والسعادة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . وبعد:
إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي وبالتعاون مع مصرف فيصل الإسلامي البحرين عقد بهذا البلد الكريم المضياف الحلقة الثالثة من ندوة التضخم تنفيذًا لرغبة المؤتمر التاسع للمجمع والمنعقد بأبو ظبي.
وقد تم بحمد لله وحسن عونه القيام في يومي (١٢ – ١٣ جمادىالآخرة ١٤٢٠ هـ ـ الموافق ٢٢ – ٢٣ سبتمبر ١٩٩٩ م) بعرض عدد من البحوث والاستماع إلى كثير من المداخلات بشأنها.
وقد ترأس جلسة الافتتاح سعادة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية، وألقى بيانًا هامًا تحدث فيه عن قضية التضخم وآثاره في الاقتصاد العالمي، وتبعت ذلك كلمة ترحيب من سعادة الأستاذ نبيل عبد الإله نصيف الرئيس التنفيذي لمصرف فيصل الإسلامي البحرين وتولى بعد هذا سماحة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي إلقاء بيان حول ما طرح من موضوعات وقضايا تتصل بالتضخم في حلقتي جدة وكوالالمبور،وبإثر ذلك تتابعت الجلسات خلال ليومين، فعرض ما تم بحثه في اللجنة التمهيدية الثانية في هذه الحلقة وبحثت في الجلسة الأولى قضية تجزؤ الأحكام، وقضية التفصيل بين عقود الضمانات وعقود الأمانات.
стр. 20386
ثم طرحت قضايا أخرى هامة تتصل بضبط الحلول المقترحة لمعالجة التضخم سواء الحلول الدائمة أو المؤقتة المرحلية أو الحلول العامة أو الخاصة ببعض الحالات، كما وقع النظر في تكييف الحلول المقترحة من الناحية الشرعية والاقتصادية.
وفي الجلسة الثانية وقع النظر في التأصيل الشرعي للحول المقترحة والحديث عن نسبة التغيير المؤثرة بالعملة التي تستدعي الحل، كما درست الحلقة موضوع التضخم على الجائحة والظروف الطارئة، وأجريت إثر ذلك مناقشات.
كما تم بعد ذلك ضبط الملاحظات والنقاط التي تم التوصل إليها وتحديد الحلول المقترحة للوفاء بالديون الآجلة.
ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أرفع إلى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى بن سليمان آل خليفة أمير البلاد المفدي كامل التقدير والشكر والامتنان على ما أظهره من رعاية وما شملنا به من عناية.
وأربع إلى مقام صاحب السمو الشيخ سليمان بن حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد الأمين، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سليمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر وصاحب السعادة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة وزير العدل والشؤون الإسلامية أزكى التحيات وأخلص التقدير ما وجده مجمع الفقه الإسلامي ومصرف فيصل الإسلامي البحرين من إعانة وتيسير لعقد هذه الحلقة، هذا وإن المشاركين في هذه الندوة ليتقدمون إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد الفيصل آل سعود رئيس مجلس إدارة مصرف فيصل الإسلامي البحرين بعظيم التقدير وكامل العرفان على مساعداته الفائقة ودعمه الدائم لنشاط مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أتقدم بخالص الشكر وكبير الثناء للعلماء والأستاذة الذين أمدونا ببحوثهم القيمة ودراساتهم النافعة التي على أساسها انبنت التوصيات والمقترحات الصادرة عن هذه الحلقة، فهم الأساس لنجاح هذا العمل والتقدم خطوات ببحث قضية التضخم وإيجاد الحلول الممكنة لها.
وإنه لمن الواجب أن نشكر فيه هذه المناسبة وسائل الإعلام المختلفة على ما قامت به من جهد في التعريف بما دار في هذين اليومين من عمل علمي فقهي واقتصادي، ولا ننسى زمرة الإخوان من كتبة ومنظمين لهذين اليومين الدراسيين وكل من بذل جهد لتسهيل أعمالها وتيسير قيامنا بالواجب من شكر وثناء خالصين لهم.
كما لا يفوتني أن أشكر وأحيي إدارة الفندق وعماله على ما قدموه من خدمات ساعدتنا على العمل بمنتهى النشاط والراحة وإنا لنأمل من الله أن يمدنا بعونه ويكلأنا برعايته لمواصلة العمل في مصل هذه اللقاءات المباركة والندوات العلمية التي يلتقى فيها رجال الاقتصاد ورجال الشريعة متعاونين على بحث قضايا الساعة ودراسة المشاكل والقضايا القائمة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.
والله من وراء القصد وهو ولينا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 20387
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التوصيات والمقترحات
أولًا – تأكيد العمل بالقرار السابق رقم ٤٢ (٤ / ٥) في غير حالات التضخم، ونصه:
" العبرة في وفاء الدين الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تقضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار ".
وأما في حالات التضخم فيطبق ما يلي:
ثانيًا – مدى اعتبار التضخم مؤثرًا في الديون الآجلة:
أ- إذا كان التضخم عند التعاقد (ثبوت الحق في الذمة) متوقعًا فإنه لا يترتب عليه أي تأثير في تعديل الديون الآجلة، فيكون وفاؤها بالمثل وليس بالقيمة. وذلك لحصول التراضي ضمنًا بنتائج التضخم، ولما في ذلك من استقرار التعامل.
ب- لا مانع في الحالة السابقة من التحوط عند التعاقد بتحديد الدين الآجل بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يكون الدين مما يلي:
أ- الذهب أو الفضة
ب- سلعة أخرى (موصوفة في الذمة)
ج – سلة من السلع (موصوفة في الذمة)
د – عملة أخرى.
هـ – سلة عملات.
و عملة حسابية ثابتة بالنسبة بين مكوناتها منذ وقت العقد إلى وقت الأداء.
وذلك لانتفاء الربا أو شبهته، لأن للعاقدين الحق في تحديد الثمن بما يتراضيان عليه.
مع مراعاة أن يكون بدل القرض في الصور السابقة بالعملة التي وقع بها القرض نفسها، لأنه لا يثب في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلًا.
وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى (الربط بتلك العملة) أو بسلة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم ٧٥ (٦ / ٨) رابعًا.
стр. 20388
ثالثًا – إن كان التضخم عند التعاقد غير متوقع الحدوث وحدث، فأما أن يكون وقت السداد كثيرًا ا, يسيرًا، وضابط التضخم الكثير أن يبلغ ثلث مقدار الدين الآجل:
أ- إذا كان التضخم يسيرًا فإنه لا يعتبر مسوغًا لتعديل الديون الآجلة، لأن الأصل وفاء الديون بأمثالها، واليسير في نظائر ذلك من الجهالة أو الغرر أو الغبن مغتفر شرعًا.
ب- وإذا كان التضخم كثيرًا فإن وفاء الدين الآجل حينئذ بالمثل (صورة) يلحق ضررًا كثيرًا بالدائن يجب رفعه، تطبيقًا للقاعدة الكلية (الضرر يزال) والحل لمعالجة ذلك (فيما عدا الحسابات الجارية) هو اللجوء إلى:
الصلح:
وذلك باتفاق الطرفين – عند سداد الدين الآجل فيما عدا الحسابات الجارية – على توزيع الفرق الناشئ عن التضخم بين المدين والدائن بأي نسبة يتراضيان عليها.
стр. 20389
رابعًا – لا يجوز شرعًا الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي:
أ- الربط بمؤشر تكاليف المعيشة أو غيره من المؤشرات.
ب- الربط بالذهب أو الفضة.
ج – الربط بسعر سلعة معينة.
د- الربط بعملة حسابية.
هـ – الربط بمعدل نمو الناتج القومي.
و– الربط بعملة أخرى.
ز- الربط بسعر الفائدة.
ح – الربط بمعدل أسعار سلة من السلع.
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير وجهالة فاحشة بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود، وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد فإنه يترتب على ذلك عدم التماثل بين ما في الذمة وما طلب أداؤه، وهذا مشروط في العقد فتكون فيه شبهة الربا.
стр. 20390
خامسًا – إذا تعذر الصلح بين الدائن والمدين لتحديد ما يتحمله كل منهما من الفرق الناشئ عن التضخم فإنه يصار إلى إحدى هاتين الوسيلتين:
١ - التحكيم:
وهو اتفاق طرفي خصومة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق الشريعة الإسلامية، هو مشروع سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية. وقد صدر في شأن التحكيم قرار المجمع رقم ٩١ (٨ / ٩) .
٢- القضاء:
وذلك برفع أحد الطرفين الأمر إلى القضاء فينظر القاضي في مقدار الضرر الواقع على الدائن (فرق التضخم) ويحدد ما يتحمله بالمدين على نحو ما قيل في الصلح.
ولا ينبغي لأحدهما التعنت برفض اللجوء إلى إحدى الوسائل السابقة.
والقول بتعديل الديون الآجلة بسبب التضخم الكثير، وجعل الثلث حد الكثرة يستند إلى عمومات نصوص الكتاب والسنة الآمرة بالعدل والإنصاف والنهاية عن الظلم. ويستأنس لذلك بقاعدة (وضع الجوائح) الثابت في السنة الصحيحة، وبأساس التعويض عن العيب بناء بعلى قاعدة الجوابر، باعتبار أن التغير الكبير في القوة الشرائية للعملة عيب يستوجب جبر النقص، وبدأ (المظالم المشتركة) ، وهي النوائب التي تنزل بواحد ممن يجمعهم وصف مشترك فيتم تحميلها بالعدل على المشتركين.
سادسًا:
سبق أن أصدر مجلس المجمع القرار رقم ٧٥ (٦ / ٨) الفقرة أولًا بجواز الربط القياسي للأجور، تبعًا للتغير في مستوى الأسعار.
* * *
стр. 20391
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: ١١٥ (٩/ ١٢)
بشأن موضوع
التضخم وتغير قيمة العملة
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشر بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ – ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠ م) .
بعد اطلاعه على البيان الختامي للندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم (بحلقاتها الثلاث بجدة، وكوالالمبور، والمنامة) وتوصياتها، ومقترحاتها، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.
قرر ما يلي:
أولًا: تأكيد العمل بالقرار السابق رقم ٤٢ (٤ / ٥) ونصه:
" العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار".
ثانيًا: يمكن في حالة التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يعقد الدين بما يلي:
أ- الذهب أو الفضة
ب- سلعة مثلية
جـ- سلة من السلع المثلية.
د – عملة أخرى أكثر ثباتا.
هـ – سلة عملات.
ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلًا.
وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما، مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى (الربط بتلك العملة) أو بسلة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم ٧٥ (٦ / ٨) رابعًا.
стр. 20392
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي:
أ- الربط بعملة حسابية.
ب- الربط بمؤشر تكاليف المعيشة أو غيره من المؤشرات.
ج – الربط بالذهب أو الفضة.
د – الربط بسعر سلعة معينة.
هـ - الربط بمعدل نمو الناتج القومي.
و– الربط بعملة أخرى.
ز – الربط بسعر الفائدة
ح- الربط بمعدل أسعار سلة من السلع.
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير وجهالة فاحشة، بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود، وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد، فإنه يترتب على ذلك عدم التماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه ومشروط في العقد، فهو ربا.
رابعًا: الربط القياسي للأجور والإجارات:
أ- تأكيد العمل بقرار مجلس المجمع رقم ٧٥ (٦ / ٨) الفقرة: أولًا بجواز الربط القياسي للأجور تبعًا للتغير في مستوى الأسعار.
ب- يجوز في الإجارات الطويلة للأعيان تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى، والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معين شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة.
стр. 20393
التوصيات:
يوصي المجمع بما يلي:
١- بما أن أهم أسباب التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تصدرها الجهات النقدية المختصة لأسباب متعددة معروفة، ندعو تلك الجهات للعمل الجاد على إزالة هذا السبب من أسباب التضخم الذي يضر المجتمع ضررًا كبيرًا، وتجنب التمويل بالتضخم، سواء أكان ذلك لعجز الميزانية أم لمشروعات التنمية، وفي الوقت نفسه ننصح الشعوب الإسلامية بالالتزام الكامل بالقيم الإسلامية في الاستهلاك؛ لتبتعد مجتمعاتنا الإسلامية عن أشكال التبذير والترف والإسراف التي هي من النماذج السلوكية المولدة للتضخم.
٢- زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية وبخاصة في ميدان التجارة الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من البلدان الصناعية، والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه البلدان الصناعية.
٣- إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على موجوداتها واقتراح الوسائل المناسبة لحمايتها وحماية المودعين والمستثمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة استحداث المعايير المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية.
٤- إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي على التضخم، ما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي.
٥- دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل من أشكال ارتباط العملة بالذهب، كأسلوب لتجنب التضخم.
٦- إدراكًا لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلًا من أهم العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل، فإنه ينبغي العمل على زيادة الإنتاج وتحسينه في البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق وضع الخطط واتخاذ الإجراءات التي تشجع على الارتفاع بمستوى كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة.
стр. 20394
٧- دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة (بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها) ، وذلك بالالتزام بتقليل النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي. وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات والإجارات. ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين.
٨- مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، سواء منها ما يتعلق بالتغيير في الإيرادات العامة، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك بتأسيس تلك السياسات على مبادئ العدالة والمصلحة العامة للمجتمع، ورعاية الفقراء، وتحمل عبء الإيراد العام للأفراد حسب قدراتهم المالية المتمثلة في الدخل والثروة معًا.
٩- ضرورة استخدام جميع الأدوات المقبولة شرعًا للسياستين المالية والنقدية ووسائل الإقناع والسياسات والاقتصادية والإدارية الأخرى، للعمل على تخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم، بحيث تهدف تلك السياسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن.
١٠- وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي ومحاربة التضخم ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات الاقتصادية والمالية، من أجل أهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة.
١١- دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنهج الإسلامي؛ لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، مما يسهم في تخفيف التضخم.
١٢ -دعوة المسلمين أفرادًا وحكومات إلى التزام نظام الشرع الإسلاميومبادئه الاقتصادية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية.
توصية:
- وأما الحلول المقترحة للتضخم فقد رأى المجمع تأجيلها وعرضها لدورة قادمة.
والله أعلم.
стр. 20395
حقوق الأطفال والمسنين
إعداد
الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
جامعة دمشق – كلية الشريعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله صحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا بحث طريف وجديد ومهم حول " حقوق الأطفال والمسنين " في نطاق أحكام الشريعة الإسلامية وتوجيهاتها الرشيدة والقويمة، القائمة على الحق والعدل والإنصاف، وأخلاق الإسلام التربوية التي يراد بها وضع الضوابط للمجتمع الفاضل، وإبقاء همزة الوصل بين بدء حياة الإنسان ونهايتها.
وتنبع أهميته العلمية من ضرورة العناية بجيلين: جيل الأطفال الذين يعدون للمستقبل، ويحتفي الناس بهم عادة لإنشائهم وتربيتهم والأخذ بيدهم إلى تسلم زمام الحياة بعد رحيل من قبلهم، وجيل الكبار المسنين الذين ينبغي توديعهم بغاية الحفاوة والإكرام، والإقرار بما لهم في أعناق أولادهم وغيرهم، من حقوق الرعاية والإكبار، أو الاحترام والتقدير؛ لما قدموه لمجتمعهم من جلائل الأعمال، التي ضحوا فيها بأعز وأغلى ما لديهم من إمكانات وطاقات أو قدرات، فذابت حياتهم كالشموع لإضاءة الدرب لمن يخلفهم، ويسير في منهجهم وخطتهم، بل ويضيف لإعمالهم الجديدَ النافع، ويمنعون عنهم كل شر وضرر، ويتلافون الأخطاء ويتجاوزان المحن والمشكلات من أجل بقاء النوع الإنساني والحفاظ على مبدأ استخلاف الإنسان في الأرض لعمارتها وتقدمها وتمدنها.
стр. 20396
وعالم الطفولة أو مرحلة الطفولة تشمل كل من في عيال الشخص من الذرية الصغار بالولاية أو النيابة الشرعية كالأولاد، أو بالكفالة كاليتامى.
وعالم الشيخوخة يشمل الوالدين أو أحدهما ببلوغ الكبر أو المسنين من غيرهم.
وتزداد أهمية بحث حقوق المرحلتين من اعتبار رعاية هذين الجيلين (حقوقا) إنسانية مقررة في الأعراف الدولية، حرصا على ضرورتها، وتأكيدا لأهميتها، وضمانا لتحصيل نتائجها الإيجابية في توثيق عرى الأسرة أو العائلة، والعشيرة، والمجتمع.
وبحث هذه الحقوق في مجال أحكام الشريعة الإلهية له مدلول عالمي خاص، يستند إلى توجيه الإلهي بالأطفال والشيوخ والضعفاء، وورود طائفة من النصوص الشرعية التي تأمر أو تنصح، أو تحذر أو تلوم المقصر، أو توجه إلى رعاية الفئات الضعيفة في المجتمع، سواء كان الضعف دائمًا أو مرحليًا أو طارئًا، ويدخل هذا التوجيه تحت مبدأ " التكافل الاجتماعي في الإسلام".
стр. 20397
وينبغي الالتفات إلى أن هناك شريانًا دمويًا قويًا يجمع بين مرحلتي الطفولة والشيخوخة، ويحقق ارتباطًا جذريًا وتلازمًا عضويًا حيويًا بينهما، ويثير الانتباه إلى أن ما يفعله الولد أو الشاب أو الكهل بأبويه أو بكل من هو أكبر سنًا منه، يجد ثمرته بنفسه في الحياة، فليس هناك ما تلمس آثاره، ويتأتى فيه القصاص والتشابه في المعاملة، وتعجيل العقاب، وجعل الجزاء من جنس العمل؛ مثل عقوق الوالدين، وترك رعاية أو احترام أو رحمة الكبار والضعفاء، كما جاء في الحديث النبوي الثابت: (( ((البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان)) )) (١) . أي فكما يعامل الإنسان غيره وقت الكبر يعامله أولاده كذلك.
وحديث (( ((ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه)) )) (٢) .
وفي حديث آخر: (( ((البر حسن الخلق)) )) (٣) . وكذلك حديث (( ((بروا آباءكم تبركم أبناؤكم)) )) (٤) .
وجسور التواصل بين المرحلتين قائمة وقوية ومحكمة، لا يمكن فصل إحداهما عن الآخرى؛ لأن الغالب في الإنسان إكماله مرحلة الشيخوخة بعد اجتياز مرحلة الطفولة وما يليها، كما أن الغالب في المرحلة الثانية التعرض للضعف، كما كان عليه الحال في عهد الطفولة، وبروز الحاجة إلى مساعدة الآخرين، وتشتد الحاجة إلى الرعاية في مرحلة الشيخوخة؛ لأنها في دور التصفية والغروب أو الوداع، فهي إما أن تحيا في ذاكرة المجتمع الصغير أو تنسى عادة أعمال من تقدمهم، أما في مرحلة الطفولة فيعتني الناس بها عادة بنحو أكثر؛ لأنها مرحلة بناء وتأهيل وإعداد، وغرس آمال، وتطلع إلى مزيد من التنمية والعطاء والنتاج. قال النبي ﷺ : (( ((ابغوني في الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) )) (٥) . أي أعينوني على طلب الضعفاء.
وما أروع وأحكم الربط في آي القرآن المجيد بين المرحلتين بمناسبات عديدة؛ لشحن ذاكرة الأجيال والنشء المتلاحق، بعلاقة التلازم والتكميل وترتيب إحدى المرحلتين على الأخرى، فقال الله تعالى في بيان مراحل عمر الإنسان: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] .
ثم يبين الله تعالى أن الكبير قد يعود في عقله وفكره إلى مرحلة الطفولة، ليتعظ ويعتبر، ويحذر التفريط في الأعمال، والقيام بالواجب، في عهد القوة والشباب، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] . وأرذل العمر: أردؤه وأخسه، بسبب الهرم والخرف.
стр. 20398
هدف البحث:
لابد من إدراك الصلة والتلازم بين العناية بالصغار، واحترام الكبار، حتى يتحقق التكامل والتلاحم والتواصل بين الجيلين، وتقديم كل جيل لمن يأتي بعده أو يتبعه، كل أنواع البر والخير والرحمة الإحسان. وحينئذ تكون الغاية من بحث أحكام الصغار ما يلي:
١- تنشئة جيل قوي مؤمن بالله وبرسالاته وبواجبات الحياة الخاصة والعامة.
٢- رفد الأمة أو الوطن بعناصر خيرة وقوية وجريئة ومنتجة.
٣- تثقيف الجيل الصاعد وتسليحه بكل وسائل المعرفة أو الخبرة التي توفر له دخلًا طيبًا أو مكسبًا معيشيًا لائقًا، ورجالًا أقوياء يبنون مجد أمتهم.
٤- إيجاد جيل قوي متوازن معتدل، مسلح بالأخلاق الكريمة والدين الصحيح والتربية الفاضلة.
٥- الإعانة أو المساعدة على توفير مستقبل باسم زاه مشرق للأولاد.
٦- العناية الخاصة بتربية البنات تربية إسلامية صالحة.
٧- إن بناء الأطفال جسديًا وعقليًا وصحيًا وتربويًا يأتي في مقدمة كل أولوية إنسانية؛ لأنهم يمثلون مستقبل البشرية.
стр. 20399
وأما بيان أحكام الكبار فله مسوغاته الكثيرة:
١- الوفاء لمن قدموا العون والفضل والتربية ومزيد العطاء لغيرهم ومن أجل صالح أمتهم.
٢- التعاون بين أبناء المجتمع الواحد على أساس من الرحمة والإحسان.
٣- تقدير إحسان المحسن، وتجنب إساءة المسيئ.
٤- الإفادة من خبرات ومعارف المتقدمين التي لا تكاد توجد في كتاب، وإنما يتناقلها الناس جيلًا عن جيل.
٥- إنصاف الحقائق، عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] ، فالحقيقة جوهر براق لا يطمس لمعانه، ونور لا يخبو بريقه.
٦ – من الخير العظيم إجلال الخلف للسلف، والأبناء للآباء، والبنات للأمهات، ومن سوء الطالع والشؤم والشر أن يلعن الخلف أسلافهم، أو أن يظلموهم ويسيئوا إليهم ولا ينصفوهم، فإن الحياة قصاص وأمانة، كما تقدم.
وتظهر أهمية بحث حقوق الأطفال من الناحية الدولية: أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت الإجماع في جلستها المنعقدة في ٢٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٩ (اتفاقية حقوق الطفل) ، وهي ثمرة جهود عشر سنوات من المشاورات بين الحكومات ووكالات الأمم المتحدة، وأكثر من خمسين جمعية تطوعية، وأما أهمية بحث حقوق المسنين فقد اعتبرت هذه السنة " السنة الدولية لكبار السن ١٩٩٩"، ودعت الجمعية العامة للأمم المتحدة للاحتفال بها تحت شعار " نحو مجتمع لكل الأعمار".
стр. 20400
خطة البحث:
أولًا – حقوق الأطفال:
أ- اعتناء الفقهاء بأحكام الصغار في شتى الأبواب الفقهية، وفي كتب الأشباه والنظائر.
ب- عناية الإسلامي بالطفل منذ كونه جنينًا، بل قبله بحسن اختيار الزوجة، وأهم أحكام الجنين.
ج- التنويه بأحكام الولاية الشرعية على الصغار وترتيبها، وضوابطها، وصلاحيات الأولياء.
د – نبذة عن أحكام الوصاية على الصغار.
هـ – تشريع الحضانة للصغار، وتوفير المناخ العائلي لهم، حتى في حالات الفرقة بين الأب والأم.
و أحكام الإنفاق على الصغار.
ز – عناية الإسلام بتربية الأطفال منذ بداية الوعي، والتشريعات والتوجيهات في كل مرحلة.
ثانيًا – حقوق المسنين:
أ- العناية بمعالجة أمراض الشيخوخة، وتوفير مستلزمات التطبيب لها بصورة تتاح لجميع المسنين حسب ظروفهم.
ب- توفير دور الرعاية للمنقطعين من المسنين، وعدم اتخاذها بديلًا لرعاية من لهم أهل من أولاد أو إخوة، إلا في حالات الاستثنائية التي تتطلب رعاية خاصة لا تتوافر في الأشخاص العاديين.
ج- الإنفاق عليهم إذا فقدوا القدرة على التكسب، ولم تكن لهم مدخرات أو موارد مالية، سواء تم ذلك من خلال نظام النفقات في الشريعة أو الضمان الاجتماعي المنظم حكوميا.
هـ – إيجاد الأنشطة والقنوات التي تحقق للمسنين استمرار الحيوية والأمل، وتتيح دوام الاستفادة من خبراتهم.
د – عدم حجب المهام أو الوظائف التي تظل الطاقة لأدائها متوافرة في المسنين، ولاسيما ما لا يحتاج إلى قوة بدنية.
و وضع مشروع لوثيقة عن حقوق المسنين تشتمل على التوجيهات والمقررات الشرعية في هذا الشأن.
стр. 20401
أولًا – حقوق الأطفال
الطفولة قاعدة بناء الشخصية الإنسانية، وانطلاقتها الأولى، ومرتكز تكوين الإنسان تكوينًا قويًا وسليمًا من النواحي المختلفة: الجسدية المادية، والصحية، والنفسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. ويتأثر الكبار عادة بما تعودوا عليه في مرحلة الصغر، ولا يمكن لإنسان أن ينسى تلك المرحلة بما لها من حسنات أو إيجابيات، وما عليه من هنات وعثرات أو سلبيات، وتظل ذاكرته لأحداث الطفولة راسخة، وتنطبع أو ترتسم في مخليته منذ عهد المهد صور الحياة التي يمر بها، قال ابن سينا في الطفل أو الإنسان عامة:
أتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
أ- اعتناء الفقهاء بأحكام الصغار في شتى الأبواب الفقهية وفي كتب الأشباه والنظائر:
وعلى الرغم من كون بدء التكليف الشرعي من تاريخ البلوغ الطبيعي أو من سن الخامسة عشرة، وأن مرحلة الطفولة معفاة من التكاليف الشرعية غالبًا أو في الجملة، عملًا بالحديث الثابت: (( ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)) )) (١) . إلا في الجنايات، فإن فقهاء الإسلام في مختلف الأبواب الفقهية يذكرون أحكامًا فقهية متناثرة كثيرة متعلقة بالصغار، دون إفراد أو تمييز مستقل لها عن بيان أحكام الكبار.
стр. 20402
ومع ذلك فقد أفرد الإمام الجليل الفقيه محمد بن محمود بن الحسين الأستروشني (١) الحنفي المتوفى بعد عام (٦٥٢هـ) (٢) كتابًا سماه (جامع أحكام الصغار) شمل أحكام الطهارات والعبادات والأحوال الشخصية وتوابعها، والحدود الشرعية والجنايات، والعقود، والسير، واللقيط، والغصب والضمان، والدعوى والشهادات والإقرار، والمحاضر وأدب القاضي، والنسب والإكراه، والجنين، والذبائح والأضحية، والوقف، والوصايا، والفرائض (المواريث) .
وذلك من أجل معرفة أحكام شرع الله المتعلقة بأفعال غير المكلين، من قبيل الحكم الوضعي، الضابطة لتصرفاتهم المنظمة لسلوكهم، المبينة للأحكام التي تترتب على أقوالهم وأفعالهم، والشارحة لعقوبات الجنايات التي قد تترتب على بعض تصرفاتهم، هذا بالإضافة إلى بيان علاقة الصغار بالأولياء والأوصياء والقضاة، وذلك لتنشئة الأبناء والبنات تنشئة إسلامية رشيدة، قائمة على محبة طاعة الله، وكراهية معاصيه.
كما أن علماء أصول الفقه بحثوا في "الحكم الشرعي" موضوع الأهلية وأقسامها، وأحكام مراحل الإنسان أو أدوار الأهلية وعوارضها، وفيها تبيان أحكام الجنين (مرحلة الاجتنان) ، ثم أحكام مرحلة الطفولة والبلوغ والرشد، وأحكام الصغر باعتباره أحد عوارض الأهلية الطبيعية أو السماوية، وتصرفات الصغير المدنية والجنائية.
ويخصص الفقهاء عادة أيضًا بابًا خاصًا في كتب الأشباه والنظائر لأحكام الصبيان المختلفة، وفيها بيان شاف لتلك الأحكام، ويذكر العلامة القرافي في كتابه (الفروق) في الفرق السادس والعشرين بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع، مسألة تتعلق بالصبي في غاية الأهمية: وهي أن الصبي إذا أفسد مالًا لغيره، وجب على وليه إخراج الجابر من مال الصبي، فالإتلاف سبب للضمان، ومن خطاب الوضع (٣) ، فإذا بلغ الصبي ولم تكن القيمة أخذت من ماله، وجب عليه إخراجها من ماله بعد بلوغه، فقد تقدم السبب في زمن الصغر، وتأخر أثره إلى ما بعد البلوغ (٤) .
стр. 20403
ب- عناية الأسرة بالطفل منذ كونه جنينًا بل قبله، بحسن اختيار الزوجة، وأهم أحكام الجنين:
الأولاد هم ثمرة أو نتاج الحياة الزوجية، وهم الأثر الملموس للإنسان في الحياة وبعد الممات، ويعدون من كسب الإنسان وحصاد أعماله، فإن كانوا صلحاء سعد الأبوان حتى في قبورهما، وإن كانوا أشقياء تحسر الأبوان وتضايقا لسوء السمعة والأثر، وقد يكون سوء الأبوين أو أحدهما سببًا في سوء الأولاد، كما قد يكون الإعداد للإنجاب وإيجاد الذرية الصالحة متوقفًا على صلاح الآباء والأجداد، وحسن اختيار الزوجة الصالحة، وصلاح الزوجة بصلاح دينها وأخلاقها وآدابها، لذا رغب الشرع الشريف بأن يحسن الزوج اختيار زوجته، واصطفاءها من خير المعادن، فقال النبي ﷺ : (( ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) )) (١) .
وسبيل الاصطفاء أو الاختيار هو ما أبانه النبي ﷺ ، خلافًا لما يؤثره أغلب الشبان، وهو قوله: (( ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) )) (٢) . ومعناه كما قال النووي في رياض الصالحين: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربعة، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها، فمن عارض ذلك وقع في الفقر أو البؤس وتعس في حياته؛ لأنه لم ينشد تحصيل مقوم السعادة الدائمة والاستقرار والهناءة.
стр. 20404
وتأكيدًا لهذا نوه الحديث النبوي لمستقبل المرأة، فقال النبي ﷺ : (( ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) )) (١) . وعلى الزوجين الحرص على أن يكون بدء تكون الجنين واستمراره إلى الولادة قائمًا على طيب المكسب وحل روافد المعيشة، فإذا تغذى الطفل من أمه وهو في رحمها بالحلال الطيب، نشأ نشأة حسنة، وإن تغذى بالحرام والمكسب الخبيث، نشأ نشأة سيئة، ومن أخص هذه الحالات: حالة الوحام، فلا تتناول المرأة ما تشتهيه إلا إذا كان طيبًا خالصًا من الشبهات والمحرمات، وطيب المنبت والمأكل والمشرب سبب واضح لطيب النشأة وسلامة البنية والتكوين.
ولم ينس فقهاؤنا الصالحون مرحلة الاجتنان، ودونوا لها الأحكام وأوضحوا الحقوق المقررة للطفل؛ حفاظًا على حياته ومستقبله ومنع تعرضه للمخاطر أو الصيرورة عالة على الآخرين، أو إصابته بالعقد النفسية وإضماره الغيظ والحقد على المجتمع برمته، إذا لم يحسن الأبوان له ولم يحفظوا حقوقه المادية المعنوية.
стр. 20405
وأما أحكام الجنين أو أحكام الاجتنان (١) : فتعرف من خلال إثبات أهليته، والأهلية نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء، وكل من النوعين إما ناقصة وإما كاملة، بحسب أدوار أهلية الإنسان من مبدأ الحياة إلى وقت البلوغ (٢) .
طور الاجتنان: إن أهلية الوجوب الناقصة تثبت للجنين في بطن أمه، فيكون أهلًا لأن تثبت له حقوق فقط، دون أن تترتب عليه واجبات، بشرط ولادته حيًا، فإن الجنين تثبت له حقوق أربعة لا تحتاج إلى قبول، وهي:
١- حقه في النسب من أبويه وأسرته.
٢- حقه في الميراث من مورثه لتفرعه عن النسب.
٣- استحقاق الوصية، أي ما يوصى له به حال كونه جنينًا.
٤- استحقاق الوقف، أي ما يوقف عليه من قريب أو بعيد.
ولا تجب عليه لغيره واجبات أو التزامات.
ويترتب عليه أن الحقوق التي تحتاج إلى قبول كالشراء والهبة لا تثبت له؛ لأن الجنين ليست له عبارة، وكذلك لا تصح الهبة منه والصدقة والشراء له، فمن وهب له شيئًا أو اشتراه له من أب أو غيره، فلا يملكه، ولا يجب في ماله شيء من نفقة أقاربه المحتاجين.
والسبب في نقص أهلية الجنين اعتباران: اعتبار بأنه جزء من أمه، واعتبار بأنه نفس مستقلة، فبحسب الاعتبار الأول لم يجعل له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات، وبالاعتبار الثاني جعل له ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب الحقوق فقط.
ونظرًا لأن وجود الجنين محتمل، فربما يولد حيًا أو ميتًا، فقد اشترط الفقهاء لاستحقاقه الحقوق المالية أن ينفصل حيًا، فلو انفصل ميتًا لم يكن الموصى به لورثته، والميراث الموقوف له من تركة مورثه يبقى على ذمة المورث الأصلي ويوزع لبقية الورثة.
стр. 20406
وفي مرحلة الطفولة (من الولادة حتى سن السابعة عند الحنفية والمالكية، وتمام السابعة عند الفقهاء الآخرين) : تثبت للطفل أهلية وجوب (١) كاملة، لاتفارقه في جميع أدوار حياته، فيصلح لتلقي الحقوق والالتزام بالواجبات.
غير أن الصبي قبل سن السابعة ليس له إلا أهلية وجوب كاملة، فيصلح لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يجوز للولي أداؤها بالنيابة عنه، كالنفقات والزكاة وصدقة الفطر. وليس له أهلية أداء مطلقًا لضعفه وقصور عقله، وإذا كلف ببعض الواجبات المالية، فيكون الخطاب الشرعي موجهًا لوليه أو لوصيه، وليس هو المخاطب، مثل الزكاة في ماله في رأي الجمهور غير الحنفية، وضمان المتلفات والجنايات.
وفي مرحلة التمييز (من سن السابعة حتى البلوغ) : تثبت للطفل أهلية أداء ناقصة، ولكن يميز بين حقوق الله تعالى وحقوق العبادة.
أما حقوق الله تعالى: فتصح من الصبي المميز كالإيمان والكفر والصلاة والصيام والحج. ولكن لا يكون ملزمًا بأداء العبادات إلا جهة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها عند الحنفية القائلين بوجوب إتمام النافلة بعد الشروع فيها.
لكن اختلف الفقهاء في صحة الكفر من الصبي (الردة) بالنسبة لأحكام الدنيا، مع اتفاقهم على اعتبار الكفر منه في أحكام الآخرة، فيرى أبو حنيفة ومحمد: أنه تعتبر منه ردته فيحرم من الميراث وتبين امرأته.
ويرى أبو يوسف والشافعي: أنه لا يحكم بصحة ردته في أحكام الدنيا؛ لأن الارتداد ضرر محض لا يشوبه منفعة، وهو لا يصح من الصبي، فلا يحرم من الإرث ولا تبين امرأته.
стр. 20407
وأما حقوق العباد: فيذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تعتبر عقود الصبي وتصرفاته باطلة، ويرى الحنفية والمالكية أن تصرفاته تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- تصرفات نافعة نفعًا محضًا: وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل، كقبول الهبة والصدقة، وتجب له الأجرة إذا أجّر نفسه، وتصح وكالته عن غيره بلا التزام عليه؛ لأن فيها تدريبًا له على التصرفات، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] ، أي اختبروهم ودربوهم على شؤون التجارة والمعاملة، فهذه التصرفات تصح من الصبي وتنفذ، دون حاجة إلى إذن وليه أو إجازته.
٢- تصرفات ضارة ضررا محضا: وهى التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل، كالطلاق والعتق والهبة والصدقة والوقف والكفالة بالدين أو بالنفس، وهذه لا تصح من الصبى المميز، ولو بإجازة الولي؛ لأن الولي لا يملك هذه التصرفات.
٣ – تصرفات دائرة بين النفع والضرر: وهى التي تحتمل الربح والخسارة، كالبيع والشراء والإجازة والنكاح ونحوها، وتصح من الصبى المميز وتنعقد صحيحة بإذن الولى، بناء على ثبوت أصل أهلية الأداء له فإن لم يأذن الولي تكون موقوفة على إجازته بسبب نقص هذه الأهلية، فإذا أجاز نفذت، وإلا بطلت، فالإجازة تجبر النقص، فيصير العقد أو التصرف صادرا من ذى أهلية كاملة.
стр. 20408
وفي مرحلة البلوغ: إن بلغ الصبى عاقلا، تثبت له أهلية الأداء (١) الكاملة، ما لم يعترضه عارض من عوارض الأهلية، ويصبح الولد أهلا للتكاليف الشرعية، ويجب عليه أداؤها، ويأثم بتركها، وتصح منه جميع العقود والتصرفات، وتترتب عليها مختلف آثارها، ويؤاخذ على جميع الأعمال الصادرة منه.
فيطالب باتفاق الفقهاء بالإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وعليه أداء العبادات المفروضة، وتعلم العلم الضرورى لإقامة الدين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس واللسان. ويصبح مسؤولا عن احترام النظام الشرعي في المعاملات المدنية وارتكاب الجرائم، ويخضع لنظام العقوبات الشرعي.
والبلوغ: وإما بأماراته الطبيعية من احتلام الفتى أو الإحبال، وأدنى المدة اثنتا عشرة سنة، وحيض أو حمل الفتاة، وأدنى المدة تسع سنين أو بتمام سن الخامسة عشرة عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية: بدخول الغلام في التاسعة عشرة، وفي الفتاة إذا دخلت في السابعة عشرة.
والأصل أن أهلية الأداء تتحقق بتوافر العقل، ولما كان العقل من الأمور الخفية ارتبط بالبلوغ؛ لأنه مظنة العقل، والأحكام ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة، فيعتبر الشخص عاقلًا بمجرد البلوغ، وتثبت له حينئذ أهلية أداء كاملة، ما لم يطرأ عليه أحد عوارض الأهلية.
أما مرحل الرشد: فيتوقف عليها تسليم أموال القاصر له.
والرشد يراد به عند الجمهور صلاح المال، أي البصيرة في الشؤون المالية التي يتوقف عليها حسن التصرف بالمال، ولو كان فاسقًا من الوجهة الدينية. وعند الشافعي: الرشد صلاح الدين والمال.
والرشد: قد يرافق البلوغ وقد يتأخر عنه، ويقابله السفه، وهو تبذير المال وإتلافه في غير وجوه الحكمة، سواء في شر أو خير.
فمن بلغ رشيدًا اكتملت أهليته، وتحرر من الولاية أو الوصاية، ونفذت تصرفاته وإقراراته، وتُسلم إليه أمواله، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] .
وإذا لم يثبت رشده مع بلوغه تستمر الولاية المالية عليه، حتى يثبت رشده، ولا تنفذ تصرفاته وعقوده وإقرارته.
وتحديد سن الرشد شرعًا متروك لولاة الأمر، بحسب ظروف الزمان ومقتضى المصالح المرسلة.
стр. 20409
ضمان الصغير اعتداءاته:
الصغر أحد عوارض الأهلية السماوية، والصغير قبل التمييز كالمجنون، فيؤاخذ بضمان الأفعال في إتلاف الأموال، كما إذا أتلف مال إنسان، فإنه يضمنه وإذا قتل إنسانًا، وجبت الدية في ماله إن كان عمدًا، وعلى عاقلته (عصبته) إن كان خطأ.
أما أقواله: فلا يعتد بها شرعًا لانتفاء تعقّل المعاني، فلا تصح إقراراته وعقوده، وإن أجازها الولي. أما بعد التمييز فيصبح له – كما تقدم – أهلية أداء ناقصة لقصر عقله، فيسقط عنه ما يحتمل السقوط عن البالغ، من حقوق الله تعالى كالصلاة والصيام وسائر العبادات، فإنها تحتمل السقوط بأعذار، ولكن لا يسقط عنه ما لا يحتمل السقوط، كفريضة الإيمان، فإنه فرض دائم.
وتصح منه مباشرة التصرفات النافعة نفعًا محضًا، أو التي لا ضرر فيها كقبول الهبة والصدقة كما تقدم، أما ما يحتمل الضرر والنفع فيحتاج إلى إجازة الولي، كما تقدم (١) .
стр. 20410
التنويه بأحكام الولاية الشرعية على الصغر وترتيبها وضوابطها، وصلاحيات الأولياء:
رعى الشرع الحنيف شؤون الصغير الشخصية والمالية، ضمانًا لتنشئة صالحة للأولاد في حياتهم، وحفاظًا على أموالهم، وقيامًا باستثمارها وتنميتها، كما يفعل الكبير الراشد في أحواله كلها، كما راعى الشرع ضعف الصغار، فلم يكلفهم بشيء من التكاليف الدينية كالصلاة والصيام وسائر العبادات، وفوض أمر إدارة استثمار أموالهم - مثل المجانين - إلى الوالي (الأب أو الجد أو الوصي أو القاضي) ، وجعل شأن التربية والحضانة إلى النساء رحمة بالصغار.
وأما الولاية: فهي لغة إما بمعنى المحبة والنصرة، كما في قوله الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] . وقوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وإما بمعنى السلطة والقدرة، يقال: الوالي، أي صاحب السلطة.
واصطلاحًا: الولاية: هي القدرة على مباشرة التصرف من غير توقف على إجازة أحد. ويسمى متولي العقد: الولي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والأولياء جمع ولي: وهو المتولي للأمر (١) . وعرفها الحنفية بأنها: تنفيذ القول على الغير، شاء أم أبى (٢) .
وهي بعبارة أخرى: تدبير الكبير الراشد شؤون القاصر الشخصية والمالية.
والقاصر: من لم يستكمل أهلية الأداء، سواء أكان فاقدًا لها كغير المميز، أم ناقصها كالمميز.
وسبب مشروعية الولاية على القاصرين والمجانين هو رعاية مصالحهم وحفظ حقوقهم الشخصية والمالية، بسبب عجزهم وضعفهم حتى لا تضيع وتهدر.
والولاية – كما قسمها الحنفية (٣) - ثلاثة أنواع: ولاية على النفس، وولاية على المال، وولاية على النفس والمال معًا.
١- الولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية، كالتزويج والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل، وهي تثبت للأب والجد وسائر الأولياء.
٢- والولاية على المال: هي تدبير شؤون القاصر المالية، من استثمار وتصرف وحفظ وإنفاق، وتثبت للأب والجد ووصيهما ووصي القاضي.
٣- والولاية على النفس والمال معًا: تشمل الشؤون الشخصية والمالية، ولا تكون إلا للأب والجد فقط.