والقول هنا بدفع ما يعدل ذلك بالسعر الذي كان يوم البيع أو العقد - أي وقت الثبوت في الذمة - قول مخالف لما تم عليه التعاقد صراحة، وكل ما أدى إلى إبطال العقد الشرعي الصحيح فهو باطل، ولا يقف الحد عند بطلان ذلك العقد من حيث عدم احترام صيغة العقد ذاته، بل لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن؛ لأن ذلك الثمن الذي قد يحسب بحسب صرف قيمة العملة التي اشتمل عليها العقد وقت الأداء لم يكن مذكورًا في العقد. وبالتالي يؤدي ذلك إلى النزاع المستمر، والشريعة الإسلامية يلاحظ في أحكامها قطع النزاع وسد أي ذريعة تؤدي إلى إثارة النزاع في معاملاتهم، وترك من عليه التعاقد وجهل الثمن وعدم ثبات العملة في عالم اليوم كفيلٌ بما يؤدي إلى النزاع والخلاف، ومن هنا شدد الفقهاء عند وضعهم شروط معرفة قدره وصفته كل ذلك؛ مخافة النزاع، فكيف يتجاهل المجتهد كل تلك الأركان والشروط التي يجب توافرها لصحة العقد، ويجتهد في معرفة حكم سعر تلك العملة في السوق، والتي هي خارجة عن نطاق العقد وأركانه وشروطه.
نعم نقول: إن رضي عن الحق فيما اشتمل عليه العقد صراحة فلا مانع، كما لو انقطع التعامل بالدينار بأن حلت محله عملة أخرى، مثلاً بدل الدينار جنيه يمني، فإن الحكم في هذه الحالة يختلف، إذ ليس لصاحب الحق إلا بما يعدل القيمة المالية للدينار بحسب الصرف من أي من العملة بين الناس، وبالسعر السائد بالسوق وقت الأداء، إذ ليس لصاحب الحق إلا أخذ المسمى في العقد أو مثله برضاه، ولكن إذا لم يوجد المسمى في العقد بسبب فساد العملة وانقطاعها، فليس لصاحب الحق إلا المثيل.
стр. 2102
ومن الصور في ذلك: قيمة الدينار اليمني إلى عشرين قطعة نقدية تسمى كل قطعة درهمًا، فلو صدر قرار من الجهة المختصة بعدم التعامل بالدينار وإحلال عملة أخرى بدل الدينار تحمل نفس القيمة المالية للدينار، وإنما زادت وحدات القطع النقدية لهذه العملة الجديدة بأن كانت خمسة وعشرين درهمًا بدلاً من عشرين درهمًا بالعملة الملغاة، أو كان العكس، بأن نقصت وحدات العملة الجديدة، فكانت قطع الوحدات النقدية خمسة عشر قطعة نقدية، أي خمسة عشر درهمًا مع تساوي قيمة العملة المالية الجديدة بقيمة العملة المالية الملغاة، والتي تم التعاقد بها،
فإن الأداء يجب أن يكون بتلك العملة التي حلت محل الدينار في قيمته المالية، سواء زادت قطعها النقدية بأن كانت خمسة وعشرين درهمًا، أو نقصت بأن كانت خمسة عشر ردهمًا، طالما كانت القيمة المالية للعملة الجديدة تحمل نفس القيمة المالية للعملة الملغاة. قس على ذلك كل عملة ألغيت وحلت محلها عملة أخرى تحمل نفس قيمتها المالية، فإن لم توجد عملة أخرى تحمل قيمتها المالية وتحل محل العملة الملغاة، فليس لصاحب الحق إلا ما يعادل قيمة العملة الملغاة قبل إلغائها من أنواع العملات السائدة في معاملات الناس وقت ثبوت هذا الحق في الذمة، وبسعره وقت الأداء من الغلاء يرخص، وليس من حق من وجب الحق بذمته أن يدفع وقت الأداء السعر الذي كان يوم العقد أو يوم ثبوته في ذمته، ولا نعتقد قائلاً به من الفقهاء؛ لأن الدينار اليمني الذي ضربنا به المثل إذا كانت وحداته النقدية عشرين درهمًا، ثم زادت تلك القطع النقدية إلى خمسة وعشرين درهمًا، أو نقصت إلى خمسة عشر درهمًا، وصار ذلك هو حقيقة قيمة الدينار المالية في البلد يتعامل به الناس كذلك، فكيف يحسب بصرف يوم التعاقد؟ أي بعشرين درهمًا، ولو كان الدينار موجودًا والتعامل به قائمًا بين الناس.
стр. 2103
فلو قائل قال بأن سعر الدينار كان يوم العقد أي يوم ثبوته في ذمة المشتري أو المدين عشرين درهمًا، نقول: لقد قوي عليه الالتباس، وزاد حدا في القياس، إنما المعتبر شرعًا قيمة المسمى في العقد وليس غيره. ولم يقل أحد من الفقهاء - حسب علمي - باعتبار غير المسمى، ولو قلنا بذلك للزمت الجهالة في الثمن وحصل النزاع الذي كان العلماء دائمًا يراعونه في أحكامهم وفتاويهم، بل وفي استنباطاتهم الفقهية، جاعلين نصب أعينهم قاعدة الفقهاء المشهورة: " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح "، وليس من حق المشتري أو المدين أن يكون مخيرًا في أداء ما وجب عليه من أي نوع شاء من العملة، بل الواجب عليه التقيد بنوع العملة الواردة في العقد إن كانت قائمة، أو ما يعادل قيمتها وقت العقد أو وقت ثبوتها في الذمة، وبسعرها وقت الأداء طلوعًا كان سعرها أو نزولاً، إلا إذا رضي من له الحق، وكانت العملة البديلة مستوية في قيمتها المالية مع قيمة العملة المبدل منها وفي انتشارها في التعامل بين الناس، إلا برضى من له الحق.
فإن أراد المشتري أو المدين دفع الدينار الكويتي بدلاً من الدينار اليمني بالسعر السائد بين وقت الأداء وأبى من له الحق، لا يجبر على القبض لاختلاف العملة والجنس، فكيف يجبر على قبضه بالسعر القديم؟ كما أنه ليس للمشتري جبر البائع على أخذ الذهب بدلاً من الفضة أو الدينار بدلاً من الدولار، فلو باع بالدينار وكتب المشتري الثمن بالريالات بدون إذن البائع، فإن من حق البائع أن يطالب المشتري بدفع الثمن بالعملة التي تم عليها التعاقد، فإن لم يستجب المشتري فمن حق البائع أيضًا أن يرفع القضية إلى القضاء، فإذا لم يستطع البائع إقناع القضاء بالأدلة المتوفرة لديه، فليس للقاضي إلا تحليف البائع على صحة دعواه، ويحكم له بدفع الثمن بالدينار الذي عليه التعاقد.
стр. 2104
ومن هنا يتضح بأن البائع إذا كان لا يجبر على قبض الريال بالدينار، ولا الذهب بالفضة، ولا قبض غير المسمى في العقد مما اختلفت ماليته وإن انتفت قيمته، فكيف ينبغي القول بوجوب إعطاء البائع النقود المتفق عليها بالسعر القديم؟ وهل عند القائل بهذا نقل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح؟
فإذا احتج بمسألة رخص العملة المتقدمة التي تم عليها التعاقد، فجوابه بأن مسألة الغلاء والرخص في المسمى في العقد لا في غيره من النقود،، وإذا باع في حالة غلاء الذهب أو غلاء الريال، فهل يتناوله لفظ الدينار ويكون من باب فرد من أفراده مع اختلاف حقيقته؟ كمن باع بالدينار ثم رخص الذهب أو الريال، ومن هنا نرى الواجب شرعًا والأسلم لذمة المشتري أو المدين أو من ثبت في ذمته الحق في نظر الشرع الذي شدد في نصوص لا تحصى كثرة على تحقيق العدالة بين الناس في معاملاتهم، وبوجه أخص فيما تعود قيمته المالية من العملات إلى ميزان النقد - الذهب والفضة - الذي حرم الشارع التفاضل والنسيئة فيه، إلا أن الواجب الشرعي الذي تطمئن إليه نفس المجتهد إنما هو عين المسمى في العقد أو مثله أو قيمته كما تقدم ولا رابع لها، وبالتالي فلا أجد أي تخريج لحكم شرعي اجتهادي لدفع غير المسمى في العقد من النقود بأي وجه من وجوه تخريج الأحكام الاجتهادية من ضوابط قواعد الفقه وأصوله حسب علمي.
стр. 2105
ومثل عقد الإجارة، كما إذا أجد شيئًا بمائة دينار، فإن الناس قد تعارفوا على تأجيل دفع الأجرة المستحقة المنصوص عليها في عقد الإيجار إلى نهاية مدة التأجير، فإن المؤجر يقبضها بالسعر السائد وقت الأداء لا وقت العقد، سواء طلعت قيمة العملة المنصوص عليها في عقد الإجارة أو هبطت عن سعرها وقت العقد، فليس للمؤجر إلا العملة المنصوص عليها في العقد بسعرها وقت حلول الأجل، سواء أكان السعر لصالحه أم لصالح المستأجر؛ لأن زيادة سعر العملة أو نقصانها منصب على العملة المسماة المتفق عليها في العقد لا في غيرها. ولو قلنا: يأخذها المستأجر بسعرها يوم الإجارة، فقد يكون سعرها طلع ثم انخفض عند الأداء، وبالإضافة إلى المحاذير التي سبقت الإشارة إليها، فإننا لو سمحنا لأحد طرفي العقد بأن يعطيها حسب تقلبات سعر تلك العملة في الأسواق، فإنه يلزمنًا التناقض في الأحكام الشرعية وعدم ثباتها في القضية الواحدة؛ فتارة نحكم للمستأجر إذا انخفض سعر العملة وقت العقد، وتارة نحكم عليه إذا كان سعر العملة وقت العقد مرتفعًا ثم انخفض سعرها وقت الأداء. وهذا باب واسع للحيل وفتح الفتن والنزاع، فإن الناس عامة يحرصون على مصالحهم، والتي قد لا تكون هذه المصالح مشروعة في كثير الأحيان من الأوقات. فقد يرفض المؤجر عن استلام أجرته إذا لم يكن لسدادها وقت محدد؛ طمعًا في طلوع سعر تلك العملة، وقد يؤخرها المستأجر إذا لم يكن دفعها مجددًا بوقت معين طمعا في انخفاض سعر العملة التي اشتمل عليها عقد الإيجار، وقس على ذلك البيوع والديون ... إلخ.
والذي جرى عليه عرف المسلمين بأن المائة الدينار المنصوص عليها في عقد الإيجار يدفع المستأجر وقت الأداء بسعرها السائد في السوق، وبقيمتها المالية مائة دينار المنصوص عليها في العقد، فيدفعها بسعرها وقت الأداء، سواء زاد سعرها عن يوم العقد أو نقص؛ لأن زيادة السعر أو نقصانه واردة على المسمى في العقد لا على غيره، والمحذور شرعًا هو أن يزاد عن القيمة المالية الحقيقية لتلك العملة التي اشتمل عليها العقد، وبأن يزيد مثلاً المؤجر على المائة الدينار خمسة دنانير، فتصبح مائة وخمسة، وهي التي نهى عنها الشرع، أما زيادة أو نقصان العملة ذاتها المتفق عليها فإنها لا تدخل تحت أي باب من أبواب الربا على الإطلاق.
وهذا ما عليه التعامل في البلاد الإسلامية، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحته، وإن كان إجماعًا سكوتيا إلا أنه في ميدان المعاملة من الضروريات التي لا يخفى على المسلمين حكمها، فكان إجماعهم السكوتي في قوة الإجماع الصريح، ونحن خلف لخير السلف لا نقول بغير هذا. وبالله التوفيق والله أعلم.
стр. 2106
مراجع البحث
١- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٢- الجامع لأحكام القرآن محمد بن محمد الأنصاري
٣- الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم
٤- تفسير ابن كثير إسماعيل ابن كثير
٥- ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض
٦- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
٧- فتح العلام لشرح بلوغ المرام أنور الحسين
٨- مختصر نيل الأوطار د. نقوي مبارك
٩- الفكر الإسلامي الحديث محمد البهي
١٠- الإسلام والرأسمالية مكسيم رودنسون
١١- كتاب المعاملات السيد فكري
١٢- فلسفة الفكر الديني لويس غريب
١٣- المدونة الكبرى الإمام مالك بن أنس.
١٤- الفتاوى الكبرى لابن تيمية
١٥- أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية
١٦- فقه القرآن والسنة على قراعة
١٧- الاقتصاد النقدي والمصرفي د. مصطفى رشيدي.
١٨- اقتصاديات النقود د. عبد الرحمن يسري أحمد
١٩- النظرية والسياسات النقدية د. مصطفى رشيد.
стр. 2107
النقود الورقية
لفضيلة الدكتور علي أحمد السالوس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إياك نعبد وإياك نستعين)
الحمد لله حمدًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد؛
فمما يعد أصلاً في موضوعنا ما رواه الخمسة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخد الدنانير؟ فقال: ((لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) .
وفي لفظ بعضهم: ((أبيع بالدنانير وآخد مكانها الورق، وأبيع بالورق وأخد مكانها الدناير)) .
فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو بالدراهم، وقد يقبض الثمن في الحال، وقد يبيع بيعًا آجلاً، وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم، وقد يجد من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير، أفياخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟
مثلاً إذا باع بمائة دينار، وكان سعر الصرف: الدينار بعشرة دراهم، أي أن له ما قيمته ألف درهم، وتغير سعر الصرف يوم الأداء، فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهمًا، أفيأخذ الألف أم ألفا ومائة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط، أفيأخذ تسعمائة درهم يمكن صرفها بمائة دينار يوم الأداء، أم يأخذ ألف درهم قيمة مائة الدينار يوم البيع؟
بين الرسول ﷺ أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء، وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كريّ لهما، له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير، فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق.
فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته، حيث يؤدى عند تعذر المثلية إلى ما يقوم مقامها، وهو سعر الصرف يوم الأداء، لا يوم ثبوت الدين. وهذا الحكم الشرعي من الأحكام التي استقرت في الفقه الإسلامي، ولم يختلف حولها الأئمة الأعلام.
стр. 2108
ومما ساعد على استقرار الحكم، إلى جانب وجود النص، أن النقود كانت سلعية، وكانت من الذهب أو الفضة قبل التعامل بالفلس. وبعد انتشار الفلس كان له دور محدود للغاية كنقد مساعد، وظهر الخلاف في إلحاقه بالنقدين، وتحدثت عن النقود وأحكامها في كتاب "النقود واستبدال العملات دراسة وحوار"، فأرجو التكرم بالرجوع إليه.
في عصر التشريع كان سعر الصرف غالبًا الدينار بعشرة دراهم، ولذا كان نصاب الزكاة عشرين دينارًا أو مائتي درهم، وبالبحث في النصاب، ووزن كل من الدينار والدرهم، نجد أن قيمة الذهب كانت سبعة أضعاف الفضة.
ومع أن الذهب والفضة يتميزان بالاستقرار النسبي، غير أن العلاقة بينهما لم تظل ثابتة، فتغير سعر الصرف من وقت لآخر حتى وجدنا الفضة تهبط إلى ما يقرب من واحد في المائة (١ %) من قيمة الذهب.
كما أن العلاقة بينهما وبين باقي الأشياء لم تظل ثابتة، مثال هذا عندما غلت الإبل في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فزاد مقدار الدية من النقدين.
إن هذه الزيادة تعني أن النقود انخفضت قيمتها بالنسبة للإبل، ولكن الأمر لم يكن قاصرًا على الإبل، فغيرها قد يرتفع ثمنه وقد ينخفض، وارتفاع الثمن يعني انخفاض قيمة النقود، وانخفاض ثمن السلع يعني ارتفاع النقود.
ومع احتمال زيادة قيمة السلع أو النقود ما وجدنا إمامًا من أئمتنا يفتي بأن القرض يرد بقيمته لا بمثله.
غير أن الزيادة والنقصان لم تكن بالصورة التي شهدها عصرنا، عصر النقود الورقية، وعلى الأخص بعد التخلي عن الغطاء الذهبي، ولجوء بعض الدول أو اضطرارها إلى خفض قيمة ورقها النقدي.
ومن هنا وجدنا من يدعو إلى رد القرض بقيمته يوم الإقراض لا بمثله، ومن يقول: إن المثلية ذاتها غير متحققة في الورق النقدي الذي انخفضت قيمته.
والواقع أن هذه مشكلة تحتاج إلى دراسة واجتهاد عصري، ولقد أحسن المجمع صنعًا إذ جعل هذا الموضوع من أبحاث مؤتمره الثالث.
стр. 2109
وأحب أن أضع أمام مؤتمركم الموقر ما يلي:
أولاً: الموضوع فيه حديث ابن عمر ﵄، وإجماع لم يرد ما يخالفه من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المجتهدين، والاجتهاد يجب أن يكون في ضوء النص والإجماع.
ثانيًا: العقود المشروعة لا تشتمل على جهالة تفضي إلى الخلاف والنزاع. ورد النقود الورقية بقيمتها تجعل المقرض لا يدري ماذا سيأخذ، والمقترض بماذا سيطالب؟ ولا يدري الاثنان المقياس الذي يلجئان إليه عند الخلاف في القول بالزيادة أو النقصان أو الثبات، وتحديد مقدار الزيادة أو النقصان.
ولهذا وجدنا القوانين الوضعية، مع سوئها وإباحتها الربا المحرم، تنص على أن القرض يرد بمثله عددًا دون نظر إلى القيمة.
ثالثًا: ما استقر في الفقه الإسلامي من رد القرض بمثله لا بقيمته، وهو ما تسير عليه القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية وغيرها من بلدان العالم، هو أيضًا ما أخذت به القوانين الدولية، فالقروض الدولية ترد بمثلها عددًا.
فكيف نطالب دولنا الإسلامية بترك هذه القوانين التي تتفق ولا تتعارض مع الفقه الإسلامي؟
رابعًا: الذين دعوا إلى رد القرض بقيمته نظروا إلى الانخفاض فقط، ولو أخذ بالقيمة لوجب النظر إلى الزيادة والنقصان معًا.
وعلى سبيل المثال:
إذا اقترض أحد من أخيه في الدول النفطية التي تعد نقودها أساسًا ثمنًا للنفط، ثم انخفض النفط إلى الربع، فما حق المقرض؟ أهو الربع فقط؟
فإذا اقرضه أربعة آلاف، وهي ثمن قدر معين من النفط، فبعد الانخفاض يكون ثمن هذا ألفا فقط، فهل من حق المقترض أن يقول للمقرض: ليس لك عندي إلا ألف، أو مقدار كذا من النفط قيمة الألف بسعر اليوم، وقيمة أربعة الآلاف وقت الإقراض؟
وإذا تركنا النفط وجئنا لغيره.
مثلاً كيس الذرة وصل إلى مائتي جنيه، ثم انخفض إلى خمسة وعشرين، فإذا اقترض مائتين ليشتري كيس الذرة، فهل بعد الانخفاض يرد كيس ذرة أو خمسة وعشرين جنيها فقط؟
стр. 2110
خامسًا: الذين دعوا إلى رد القرض بقيمته نظروا أيضًا إلى الأفراد فقط ولم ينظروا إلى الدول والهيئات والشركات، فمثلاً الحساب الجاري في المصارف يعتبر عقد قرض؛ لأن المصرف يمتلك المال، وينتفع به ويتصرف فيه كيف يشاء، الربح له والخسارة عليه، وهو ضمان لرد المثل.
وما قال أحد بأن المصرف مطالب برد القيمة، وإن كانت المصارف ملكًا لدولة هي نفسها خفضت قيمة نقدها.
(ملحظ: أثبت أن ودائع البنوك عقد قرض شرعًا وقانونًا في بحث قدمته للمؤتمر الثاني للمجمع، كما بينت هذا في أكثر من كتاب) .
سادسًا: زيادة التضخم تعني انخفاض قيمة النقود، ويلاحظ أن هذه الزيادة تفوق ما تحققه المصارف الإسلامية من أرباح، وما تحدده البنوك الربوية من ربا.
فلو أن القرض يرد بقيمته فلا حاجة للاستثمار وللتعامل مع البنوك، ويكفي أن تعطي الأموال مقترضًا يحتفظ لنا بقيمة القرض، ويتحمل زيادة التضخم التي تصل أحيانًا إلى مئات في المائة.
سابعًا: التضخم يعد من مساوئ النظام النقدي المعاصر، فهل المقترض هو الذي يتحمل هذه المساوئ؟
أفلا يجب البحث عن أسباب التضخم وعلاجه، وعن عيوب النظام النقدي، ووسائل تجنبها؟
أفلا نبحث عن نظام نقدي إسلامي نقدمه للعالم كما قدمنا له مثلاً البديل الإسلامي للبنوك الربوية؟
ثامنًا: القرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من الله ، وقد ينتهي بالتصدق ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فكيف اتجهت الأنظار إلى المقترض بالذات ليتحمل فروق التضخم ومساوئ النظام؟!
والقروض الإنتاجية الاستثمارية من النادر أن نجدها في عصرنا من باب البر والإحسان، وإنما هي في الغالب الأعم تعود إلى ما كانت عليه في الجاهلية، فهي قروض ربوية. وهنا نجد الحل الإسلامي عن طريق الشركات وغيرها مما لا ينظر فيه إلى تغير قيمة النقود.
стр. 2111
تاسعًا: من حق المقرض أن يمنح ما يرى أنه أكثر ثباتًا وأقل عرضة للانخفاض، من حقه أن يقرض ذهبًا أو فضة أو عملة يرى أنها أكثر نفعًا له، ولعل هذا يساعد على وجود مخرج لمن يحجم عن الإقراض خوفًا من انخفاض قيمة النقود الورقية، فكأنه يدخر ما يرى أنه أنفع له، ولكن ليس من حقه بعد هذا أن يطالب بغير المثل إذا جاء الأمر على خلاف ما توقع، فماذا يفعل من انخفاض قيمة مدخراته في غير حالة الإقراض؟
عاشرًا: عندما ننتهي من خير القرون، وعصر الأئمة المجتهدين، ونأتي إلى متأخري الفقهاء، فلا أعلم أحدًا قال: إن القرض يرد بقيمته لا بمثله إلا إذا تعذرت المثلية، كأن يكون القرض فلوسًا أبطلها السلطان.
أما الدين إذا كان ثمنًا لبيع آجل، وانخفضت القيمة انخفاضًا يتضرر منه البائع، فقد ذهب بعض المتأخرين هؤلاء، إلى القول باللجوء إلى الصلح لمنع الخلاف.
وفي عصرنا ظهرت الدعوة إلى رد القيمة في القرض، ولم نكد نسمع من يقول بالالتزام بالقيمة في البيع الآجل الذي قد يمتد أكثر من عشرين سنة، تنخفض النقود خلالها إلى ما لا يمكن تصوره وقت البيع. والمشتري يلتزم بالثمن المحدد عددًا لا قيمة، والبائع لا يطالب بأكثر من هذا، وليس من حقه إلا ما حدد عند عقد البيع.
стр. 2112
فلو جاز النظر إلى القيمة لكان في مثل هذا البيع لا في القرض الذي يجب ألا يكون إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى.
حادي عشر: تغير قيمة النقود لا يظهر في القروض والديون فقط، وإنما يظهر أيضًا في عقود أخرى، فمؤجر العقار مثلاً في معظم البلاد الإسلامية ليس من حقه إنهاء العقد واسترداد ما يملك إلا بموافقة المستأجر، ولهذا يمتد العقد إلى عشرات السنين، وقد تصبح قيمة الإيجار لا تزيد عن واحد أو اثنين في المائة من قيمة النقود عند بدء العقد.
فالنظرة إلى تغير قيمة النقود لا بد أن تكون شاملة عامة.
ثاني عشر: ومن الشمول والعموم أيضًا - وهو ضروري وهام جدًا - أن ننظر إلى من يلتزم بالقيمة أو بالمثل.
فمثلاً الأجير الخاص الذي يأخذ راتبًا شهريًا محددًا، عندما تنخفض قيمة النقود فهذا يعني أن راتبه قد انخفض في الواقع العملي، فإذا كان مقترضًا ومدينًا بثمن شراء ومستأجرًا، فكيف نطالبه بالزيادة العددية التي تعوض نقص القيمة قبل أن نعوضه هو شخصيًا عما أصابه من نقص في قيمة راتبه؟
وبعد:
فلم أعلم بأن الموضوع سيناقش في هذا المؤتمر إلا في وقت متأخر، وكنت غير مهيأ للبحث مكانًا وزمانًا، فرأيت أن أكتب هذه الكلمة الموجزة علها تسهم في توضيح الفكرة، وتساعد على الوصول إلى الصواب إن شاء الله تعالى. والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل، وهو المستعان.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
كتبه
د. على أحمد السالوس
كلية الشريعة جامعة قطر
стр. 2113
الربا
فضيلة الأستاذ أحمد بازيع الياسين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الربا
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وهو المستعان ، الحمد لله رب العالمين، خلقنا ورزقنا، ويميتنا ثم يحيينا، لا إله إلا هو الحي القيوم، بديع السموات والأرض، والصلاة والسلام الأكملان على من اختاره ربه رحمة للعالمين نبينا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الكرام الغر الميامين، أهل التقى والرشاد، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإن الربا في وقتنا هذا انتشر في المعمورة انتشارًا عامًّا، حتى لا تكاد تسلم منه قرية من القرى، أو مغارة من المغارات، وهو متمثل بالنظام المصرفي العالمي الذي يقنن له من قبل دول العالم كافة، وكأنه ضرورة من ضروريات الحياة، بينما هو شر مستطير، وربما يكون انتشاره بهذه الطريقة سببًا في دمار العالم وفنائه وهلاكه، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، وأي فسق أعظم من أكل أموال الناس بالباطل؟ وأي خطر أعظم من إعلان جبار السموات والأرض الحرب على آكله؟ ربَّاه لطفك ورحمتك وسترك الجميل. وبعد هذه المقدمة أقول: ما هو الربا؟
стр. 2114
الربا: المعنى اللغوي: هو الزيادة والمرتفع من الأرض، يقال له رابية أو ربوة وأصل الكلمة المجردة ربا: زاد، ربت الأرض بعد نزول المطر: ارتفعت وتشققت وأنبتت، وفي قوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] الآية دليل على ذلك.
المعنى الفقهي:
كل زيادة بدون عوض بعقد، معنى ذلك كل زيادة بدون مقابل في أي عقد من عقود المعاملات بين صنفين من نفس النوع فهو من الربا المحرم شرعًا، وهو الكبائر ومن السبع الموبقات، جاء تحريمه نصًا صريحًا بالكتاب والسنة، ويقينًا قطعيًا لا لبس فيه ولا شك في ذلك.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٧٦] .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] .
وقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] .
وقال: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] .
ومن أحاديث الرسول الكريم في الربا قوله: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) رواه البخاري.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : ((من أين هذا؟)) . قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : ((أوه عين الربا عين الربا، لا تفعل, لكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره)) . أخرجه البخاري.
стр. 2115
وروي أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄: "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) . قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا)) . أخرجه البخاري.
ما حكم الفائدة المصرفية؟ :
الجواب: انشغل علماء الفقه الإسلامي أهل الاختصاص بعد أن تصوروا تصورًا تامًّا ما هي الفائدة البنكية وكيفيتها وقواعدها وأصلها وفروعها وأسبابها ومسبباتها وآثارها بالبحث المتواصل الدؤوب، بدون ملل، وبتجرد من المؤثرات، وبحرية تامة؛ لما لهذا الموضوع من حساسية وخطورة تؤثر على الأمة الإسلامية جميعها، وحصيلة البحوث المتكررة، قرر الفقهاء المسلمون المعاصرون الباحثون: أن الفائدة البنكية هي من الربا المحرم شرعًا وإليك قراراتهم:
قرار مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية القاهرة نقلاً عن مقال الدكتور أحمد النجار لسنة ١٩٧٥م:
المعاملات المصرفية في إطار التشريع الإسلامي في البلاغ الكويتية (بتاريخ ٦ جمادى الثانية سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ١٥ يونيو ١٩٧٥م العدد ٢٠٩) نذكر ما اتفق عليه علماء مؤتمر البحوث الإسلامية الثاني في شأن المعاملات المصرية حيث قرروا ما يلي:
(أ) الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.
(ب) كثير الربا وقليله حرام كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في تحريم النوعين.
(جـ) الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه عن المقترض إلا إذا دعت الضرورة.
стр. 2116
(د) أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات التداخلية، التي يقوم عليها العمل بين المتاجر والبنوك في الداخل، كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من باب الربا.
(هـ) الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، كلها من المعاملات الربوية، وهي محرمة.
(و) أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية فقد أُجِّلَ النظر فيها إلى أن يتم بحثها.
المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي:
إن مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي، المنعقد بمقر بنك دبي الإسلامي بإمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، خلال المدة من ٢٣ جمادى الثانية إلى ٢٥ جمادى الثانية عام ١٣٩٩ هـ (الموافق من ٢٠ إلى ٢٢ مايو ١٩٧٩م) .
قد تناول بالبحث والدراسة المواضيع الفقهية الشرعية والاقتصادية المتعلقة بأعمال المصارف الإسلامية وفحص هذه الأعمال وبحثها بحثًا مستفيضًا بما ارتاحت إليه قلوب المؤتمرين من فقهاء الشريعة الإسلامية والمفكرين والاقتصاديين، ورجال الاقتصاد ورجال القانون من حيث سلامة تلك الأعمال، والتحقق من نفعها الأكيد، ومطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.
لذلك يؤكد المؤتمر أن ثقتهم في أن السلوك الذي تنتهجه المصارف الإسلامية، وكذلك التطبيق الذي تلتزم به خليقان بأن يصححا المسار الاقتصادي للأمة الإسلامية، وما تفرضه عليهم تعاليم دينهم الحنيف، وما ترتاح إليه ضمائرهم وقلوبهم.
ولذلك يناشد المؤتمر دول العالم الإسلامي أجمع أن تبادر إلى إقامة مصارفها على أسس وقواعد المصارف الإسلامية، وأن تقدم لهذه المصارف كافة المساعدات التي تمكنها من تسيير أعمالها بيسر، وأن تباشر نشاطها بما يدعم اقتصاديات العالم الإسلامي وتحقيق تكاملها، وبما يمكن من إتمام المبادلات التجارية الخارجية فيما بين تلك الدول بطريقة مباشرة وبدون وساطة، وبما يطابق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء.
стр. 2117
كما يهيب المؤتمر بالمسلمين جميعًا في أرجاء العالم أن يساندوا هذه المصارف؛ لتمكينها من تحقيق رسالتها الاقتصادية الإسلامية.
المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي:
(٦ – ٨ جمادى الثانية ١٤٠٣ هـ ٢١ – ٢٣/٣/١٩٨٣م) .
جاء في التوصيات والفتاوى الثلاث الأولى للجنة العلماء ما يلي:
١- يؤكد المؤتمر أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعًا.
٢- يوصي المؤتمر أصحاب الأموال من المسلمين بتوجيه أموالهم أولاً إلى المصارف والمؤسسات والشركات الإسلامية داخل البلاد العربية والبلاد الإسلامية ثم إلى خارجها، وإلى أن يتم ذلك تكون الفائدة التي يحصلون عليها كسبًا خبيثًا، وعليهم استيفاؤها والتخلص منها بصرفها في مصالح المسلمين العامة. ويعتبر الاستمرار في إيداع الأموال في البنوك والمؤسسات الربوية مع إمكان تفادي ذلك؛ عملاً محرمًا شرعًا.
٣- يوصي المؤتمر بتشجيع المصارف الإسلامية القائمة ودعم إنشاء المزيد من هذه المصارف لتعم منافعها على جميع المستويات.
стр. 2118
المؤتمر الثالث للمصرف الإسلامي:
(٩-١١ صفر ١٤٠٦ – ٢٥/١٠/١٩٨٥) :
جاء في فتاوى لجنة العلماء بالمؤتمر في البندين (١ – ٢) ما يلي:
أولاً – إقامة المصارف الإسلامية على أسس شرع الله ودينه من تحريم الربا والغرر والجهلة وغيرها؛ ضرورة شرعية، ومصلحة من مصالح الأمة الجوهرية.
ثانيًا – نظرًا للخدمات التي تؤديها المصارف الإسلامية من تيسير التجارة الدولية والمحلية، وتسهيل استبدال العملات، وجمع فائض الأموال من المسلمين واستثمارها على الوجه المشروع، وتوجيهها إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لا غنى للمجتمع المسلم عنها، تقرر أن:
إقامة المصارف الإسلامية – حيث يوجد تجمع للمسلمين – فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون.
ويحرم التعامل مع البنوك الربوية في جميع المعاملات المحظورة شرعًا.
ويتعين على المسلم التعامل مع المصارف الإسلامية إن أمكن ذلك؛ توقيًا من الوقوع في الحرام أو الإعانة عليه.
ثالثًا – يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل والخارج، إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، ويستغني بالحلال عن الحرام.
رابعًا- يدعو المجلس المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من رجس الربا؛ استجابة لنداء ربهم في قوله سبحانه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وبذلك يسهمون في تحرير مجتمعاتهم من آثار الاستعمار القانونية والاقتصادية.
خامسًا – كل ما جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا، لا يجوز أن ينتفع به المسلم – مودع المال – لنفسه أو لأحد ممن يعوله في أي شأن شؤونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين، من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من باب الصدقة، وإنما هو من باب التطهير من الحرام.
стр. 2119
توصيات ندوة البركة في المدينة المنورة:
جاء في إحدى فتاوى الندوة جوابًا على سؤال: هل يجوز أن يقوم البنك بالتعامل بالطريقتين الربوية واللاربوية – إذا كانت السلطات الحكومية في ذلك البلد اشترطت ذلك حتى تقتنع السلطات بالطريقة اللاربوية ومدى تطبيقها وفاعليتها؟
جاء في الفتوى ما يلي:
"التعامل الربوي غير جائز شرعًا، ويوصي فقهاء الندوة بأن تتعاون البنوك الإسلامية في إنشاء بنك أو أكثر خارج البلاد الإسلامية، وأن تتعاون وتتعامل مع أي بنك إسلامي قائم فعلاً أو يقوم في المستقبل:.
ويؤكد فقهاء الندوة أيضًا الجهود التي قام بها الشيخ صالح عبد الله كامل في إنشاء البنك الإسلامي في أوربا وتحرجه من أي تعامل ربوي) .
وكانت الهيئة التي صدرت عنها تلك الفتاوى مكونة من:
١- فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح.
٢- فضيلة الشيخ صديق الضرير.
٣- الأستاذ الدكتور زكريا البري.
٤- فضيلة الشيخ حسن عبد الله الأمين.
٥- فضيلة الشيخ عبد الله ناصح علوان.
فتاوى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية:
جاء في الفتوى رقم ٤١٣ من الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية المجلد الثالث حول دراهم البنك، هل هي حرام أم لا؟ وفيما يؤخذ منها على سبيل التجارة، هل يعد ربا أم لا؟ جاء ما يلي:
"أما الجواب عن حرمة دراهم البنك أو حلها فيؤخذ من حاشية الحموي على الأشباه، ونص عبارتها في التمر تأتي في باب مسائل متفرقة من كتاب الكراهة مانصه: "للرجل مال حلال اختلطه مال من الربا أو الرشا أو الغلول أو السحت أو مال الغصب أو السرقة أو الخيانة أو مال يتيم، فصار ماله كله شبهة، ليس لأحد أن يشاركه أو يبايعه أو يستقرض منه أو يقبل هدية أو يأكل في بيته. وكذا إذا منع صدقاته وزكاته وعشره، صار ماله شبهة لما فيه أخذه من مال الفقير.
стр. 2120
وينبغي أن ترى الأشياء حلالاً في أيدي الناس في ظاهر الحكم، ما لم يتبين لك شيء مما وصفناه". انتهى.
وأما الأخذ من دراهم البنك على سبيل التجارة بالفائض كما هو المعتاد الآن، فلا شك أنه من باب الربا المحرم إجماعًا.
تقرير اللجنة الباكستانية:
وجاء في الفصل الأول من تقرير اللجنة الباكستانية تحت عنوان "القضايا والمشاكل الإستراتيجية" (المسلم المعاصر ع ٢٨) :
لقد حرم القرآن الكريم الربا بشكل واضح ومؤكد، وثمة إجماع تام بين جميع المدارس الفكرية في الإسلامي على أن الربا يعني الفائدة بجميع أنواعها وأشكالها، وأن لغة الآيات التي يطالب فيها الناس باجتناب الفائدة وقوة التحذير الذي يوجه لهؤلاء الذين لا يلتزمون بالتعليم الإلهي في هذا الصدد، لا تترك أي شك في الذهن أن نظام الربا يعد بغيضًا تمامًا لروح الإسلام، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٧٦] . ويستمر الموضوع نفسه من الآيات ٢٧٨- ٢٧٩ من السورة نفسها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] .
إن التحذير السابق ذكره ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] يوضح لنا تمامًا أن نظام الفائدة يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولا بد من إيجاد نظام اقتصادي واجتماعي خال من الربا والاستغلال والتسلط.
وبعد هذه القرارات هل يأتي أحد يقول: أعيدوا النظر، وجاروا العصر، وكونوا معتدلين، وعدلوا القرارات، وقولوا مجاراة للعصر الحديث: إن الفائدة البنكية ليست من الربا المحرم شرعًا؟ الله أكبر، إذا كانت الفائدة البنكية ليست من الربا المحرم شرعًا، فما هو الربا المحرم شرعًا إذًا؟
أليس بيع نقد بنقد بزيادة، سواء أكان آجلاً أم عاجلاً ربا فالأمة الإسلامية مدعوة الآن - وبأكثر من أي وقت آخر - لتصحيح المسار من منهج ربوي إلى منهج مشروع.
стр. 2121
بيوع النقود بالأجل محرمة
حيث لا يجوز بيع النقود بأجل حتى ولو اختلفت أجناسها، ولا يجوز بزيادة إذا كانت من نفس النوع، والربا قاعدة فيها جور وظلم على الإنسان تخدش كرامته وتذل الناس بعضهم لبعض، وإليك بعض مضارها التي ظهرت لي:
١- الوقوع فيما حرم الله تعالى، والتعرض لمحاربة الله القوي العزيز.
٢- أكل أموال الناس بالباطل.
٣- زيادة التكلفة على الحاجيات التي يحتاجها الناس بمقدار ما تحمل من فوائد بسيطة أو مركبة.
٤- تركيز الثروة عند فئة قليلة من الناس غير منتجة تعيش على كدح الآخرين.
٥- عند عجز المدين عن الوفاء يتراكم عليه الدين بزيادة الفائدة، مما يزيد من عجزه حتى يثقل كاهله، فإما يعلن إفلاسه أو تستمر الفائدة بالزيادة حتى يركع ويبيع كل ما عنده ليسدد دينه وفوائده.
٦- الحقد والكراهية والحسد بين طبقات الناس، مما يؤدي إلى الفتن والحروب.
٧- تسلط الفئة الدائنة على المدينين، وتسيير السياسة التي يفرضونها على مجتمعاتهم بما يتمشى مع مصالحهم حتى ولو تضرر المجتمع.
٨- عند عجز المدينين عن الوفاء للفئة الدائنة تعجز هذه الفئة عن تسليم الودائع لأصحابها عند حلولها، وبالتالي يعتبر الجميع في حالة إفلاس.
٩- النقود وحدة قياسية للأثمان بها قوة اعتبارية وقوة ثمنية، والوحدة القياسية ثابتة عندما تقاس مع ذاتها تساوي ذاتها تمامًا، كالوحدة القياسية الطولية المتر، وكالوحدة القياسية للأوزان، فالمتر يساوي مترًا، والكيلو يساوي كيلو، وكذلك الدينار يساوي دينارًا، وإذا قلنا غير ذلك اختلت القواعد للوحدات، القياسية ويحصل الارتباك العظيم.
على أن الله عندما حرم الربا أحل البيع وأبوابًا أخرى كثيرة، منها القراض والشراكة والإجارة والوكالة، فانظر إلى الفرق بين عملية الربا وعملية البيع.
стр. 2122
فتمامًا كما حرم الله الزنا أحل الزواج، فالربا ظلم اقتصادي وفوضى اقتصادية، والزنا ظلم اجتماعي وفوضى في الأنساب والأعراض.
فعلمية الربا: طرفان يتعاقدان على تبادل صنف مماثل لنفس الصنف بزيادة، مثل ذهب بذهب بزيادة، أو فضة بفضة بزيادة، أو عملة بعملة من جنسها بزيادة، سواء كان هذا التبادل عاجلاً بعاجل أو عاجلا بآجل أو آجلا بآجل فما الذي فعله الطرفان؟
الجواب: عمل الطرفان تضخمًا في الأثمان للصنف المتعاقد عليه بدون مبرر، فكلما تكررت العملية تكرر التضخم لذات الصنف، وهو لم يطرأ عليه تغيير.
وهذا التضخم بالتالي من يعاني منه؟
الجواب: المستهلك هو الذي يعاني من هذا التضخم، والمستهلك غالبًا من أصحاب الدخل المتوسط أو المحدود.
وحرم الله هذا التعامل بين الناس حتى لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء بدون وجه حق وبدون مسوغ أو أي مبرر، هذا فهم متواضع حسبما ظهر لي في الربا، ناهيك عن بقية المحذورات المترتبة على استمرار التعامل بالربا من أمراض اجتماعية وأخلاقية وسياسية حتى الأمراض البدانية، وما الفتن والحروب بين الناس والتباغض والتطاحن إلا نتيجة للربا.
والعالم الآن يعاني من هذا، والعجيب العجيب انهم يعانون من الربا ولا يريدون الخلاص منه، كالمخمور الذي قضت عليه الخمر ولا يريد الفكاك منها، إنا لله وإنا إليه راجعون. خبروني: متى تسدد البلاد النامية الديون التي عليها بعد أن تراكمت عليها الفوائد؟ ثم خبروني: هل تستطيع المصارف العالمية أن تقف على أرجلها إذا سحب أصحاب الودائع ودائعهم منها، أم أنها الحرب المنتظرة ويكون سببها الربا؟
المعاملات البديلة:
عندما أغلق الإسلام أبواب الربا أتى بالبدائل المشروعة ومنها:
البيع:
أما البيع فهو معاملة بين طرفين على صنفين مختلفين، إما نقد مقابل عين، أو عين مقابل صنف آخر.
стр. 2123
فالعين المباعة مقابل النقد، تمت هذه المعاملة بين طرفين، طرف محتاج للعين المباعة وطرف محتاج للنقد، هذا أخذ العين وانتفع بها انتفاعًا مباشرًا، والآخر أخذ النقد وراجت سلعته وتحركت ونمت تجارته أو صناعته أو أي نوع من أنواع الاستثمار، وبذلك حصل المستهلك على بضاعته بسعرها المجرد من التضخم، وصاحب السلعة المباعة أو المستثمر استطاع أن ينمي عمله. ومعنى هذا تشغيل اليد العاملة، والقضاء البطالة قضاء على الأمراض سالفة الذكر.
ثم انظر عندما تنمو التجارة، أوجب الله تعالى فيها الزكاة، كما أوجب الزكاة على النقود وعلى ريع المستغلات؛ لأن عروض التجارة تعتبر بحكم النقود السائلة، فيزكى (رأس المال والربح) ، أما المستغلات فلكونها استثمارًا طويل الأجل استفادت وتستفيد منه اليد العاملة، فإن الزكاة فيها قاصرة على الريع دون أصولها.
نظام القراض (المضاربة) :
أحله الإسلام وهو اشتراك المال مع العمل حسب شروط معينة مقبولة لدى المتعاقدين: صاحب المال يأخذ نصيبه من الربح، وصاحب العمل يأخذ نصيبه من الربح حسب الاتفاق، إذا – لا سمح الله – حصلت خسارة لا يتحمل العامل أي خسارة، ويرجع ما بقي من المال لصاحبه، إلا إذا قصّر العامل أو أهمل أو تسبب للخسارة، فهذه لها حكمها.
стр. 2124
نظام الشراكة:
بين طرفي المال والإدارة أو في المال فقط، ويدار العمل حسب مقتضى الشريعة، وتقسيم الأرباح والخسائر بينهما حسب الاتفاق.
الإجارة:
العين المؤجرة ينتفع بها المستأجر مقابل مبلغ من المال يدفعه حسب الاتفاق، كإيجار العمارات والآلات والسيارات والبواخر والطائرات، فالمنافع متبادلة بين المتعاقدين، والمدرس والطبيب والمهندس والموظف يجوز أن يعمل هؤلاء بأجر متفق عليه، وكلها خدمات ملموسة.
الوكالة:
عمل يقوم به أحد الأطراف للآخر مقابل مبلغ من المال متفق عليه، وهذا جائز كالمحامي والمهندس المشرف. وتجوز الوكالة في كثير من الأعمال كالمتاجرة ووكيل العقارات ووكيل في الصناعة والزراعة، أو أي عمل مشروع استثماري يجوز التوكيل فيه.
انظر أيها المسلم في هذه الأعمال المشروعة تجدها ذات فائدة للجميع، دون أن تطغى فائدة فئة معينة على فئة أخرى، وفيها العدل وفي ذلك المحافظة على كرامة الإنسان التي يعتبرها الإسلام في المرتبة الأولى في المنهج الإسلامي ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وكتب الفقه الإسلامي تزهو بالتفصيلات الكافية لما تقدم، وما عليك إلا أن تطالعها وتفقهها.
стр. 2125
ثم بغض النظر عن معرفة هذه الحقائق أو جهلها، أو معرفة غيرها من الحقائق، فنحن كأمة إسلامية مطالبون بتطبيق منهج الله تعالى الذي فرضه وأرسل به نبيه محمدًا ﷺ تطبيقًا كاملاً في العبادات والمعاملات والسلوك والأخلاقيات، فمتى يتحقق ذلك؟ ونقلع عن اتباع منهج الهوى والشيطان، فإما الرجوع إلى الله تعالى وإلا فالاستعداد لتلقي الكوارث، كارثة تلو الأخرى.
فالأمة الإسلامية مدعوة في هذه الأيام وبسرعة لإعادة النظر في المنهج المستورد وتغييره بالالتزام بمنهج الله تعالى، ولو عزمت على ذلك فليس هناك قوة على وجه الأرض تجبرها على غير ذلك، والله ناصرها ومؤيدها، وبذلك يكون فتح باب خير للأمم الأخرى المحتارة لاتباع منهج الله تعالى، ويكون بذلك خلاصها من شرور الدنيا والحصول على الحياة السعيدة في آخرتها، أما إذا عزفت الأمة الإسلامية عن تطبيق منهج الله تعالى في جميع أمورها، فبذلك تكون انتفت الحكمة من وجودها في هذا الكون، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، ومفهوم العبادة شامل لكل ما يحبه الله ويرضاه. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .
والله المستعان وهو ولي التوفيق.
стр. 2126
أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة
فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الحى القيوم، العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحبه أهل العلم الصحيح والمنهج القويم والذوق السليم. وبعد؛ فهذا بحث في نقود الكاغد محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، يحتوي - إن شاء الله - على بعض الفوائد، لا يدعي اقتناص الشوارد، ولا تقيد الأوابد، في مجال لم يترك الرواد فيه وشلا لوارد، صغته في شكل مسائل، وسلكت فيه سبيل أهل الفتوى في النوازل، لا أقول فيه كما قال الشاعر:
كَمْ تَرَكَ الْأَوْلُ لِلْآخِر
بل اكتفى على قدر الجهد بالاتباع، واغتني بنصيف المد عن تطفيف الصاع.
فضيلة الشيخ عبد الله ولد بيه
أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز
كلية الآداب
جدة في ٢٠/١/١٤٠٧هـ
стр. 2127
التعريف:
النقود جمع نقد، وهو في الأصل مصدر لنقد إذا ميز الدراهم الجياد من الزايفة، أو إذا أعطاها معجلة، إلا أنه مصدر وُصف به، فقيل: درهم نقد: أي جيد، وأصبح فيما بعد اسما لواسطة التبادل، وتنوسي أصل المصدرية كما تنوسي أصل الوصفية، فأصبح مرادفًا للدرهم والدينار وما في معناهما، وذلك ليس بمستبعد من الناحية اللغوية.
فالوصف إذا كثر استعماله يقوم مقام الموصوف، فلا يحتاج إلى تقدير موصوف، كقولهم: هبت الجنوب والشمال، بدون حاجة إلى ذكر الريح، وكالهجان أصلها صفة للأبل البيض الكرام، يستوي فيها الفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، يقال: جمل هجان وإبل هجان قال جرير:
سيكفيك العواذل أرحبي
هجان اللون كالفرد اللياح
ويجمع على الهجن والهجائن، وأصبحت الهجن وصفًا قائما ًمقام الإبل مهما كان لونها، فيقولون: سباق الهجن، وله أصل في اللغة العربية قال الشماخ:
أعائش ما لقومك لا أراهم
يضيعون الهجان مع المضيع
يريد به الإبل، وكانت زوجته عائشة تلومه على عدم إتلاف ماله فردّ عليها بأن قومها لا يتلفون مالهم، (ذلك رأى سيبويه الذي حكم بأصالة (لا) في البيت) .
стр. 2128
ونعتقد أن هذا التفسير سائغ لدى النقاد، فلا نحتاج إلى ذكر النقاد، وتتبع مادة نقد كما فعل القس الكرملي الذي جعله من النقاد لجنس من الغنم وهو بعيد، بل أصله وصف أخذ محل الموصوف بسبب كثرة الاستعمال، فأصبح يوصف كما قال مرتضى في التاج: ونقود جياد. وكذلك الزمخشري في أساس البلاغة فوصف النقود بأنها جياد، يعنى أنها أصبحت اسما يوصف بدلاً من أن تكون وصفًا يصف.
التعريف الاصطلاحى:
كلمة (النقود) قد مرت بمراحل وتطورات فقهية جعلت من الصعب تعريفها تعريفًا ثابتًا لا علاقة له بالزمن، ولا يعرف المخاطبين. إذن فالتعريف يمكن أن يكون عرفيا، ومن المعلوم أن الحقيقة العرفية لا يُلجأ إليها إلا بعد عزل الحقيقة اللغوية؛ لعدم أدائها للمعنى المطلوب وانعدام الحقيقة الشرعية، فهذه الكلمة بعد أن رأينا أنها كانت يعنى بها الدرهم الجيد الكامل - لغةً - نجدها تطلق على النقود: الذهب والفضية، ونجدها بعد ذلك تختص بالمضروب منها دنانير ودراهم.
قوله: " نقد " يوهم قصر الربا على المسكوك؛ لأن النقد خاص به، فتكون مرادفة للعين. قال الخطابي: التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع، والعين المضروب دنانير ودراهم. القرطبي.
وانتشر التعبير بالنقد في كل ما استعمل ثمنًا للأشياء وغيرها مما يكون واسطة للتبادل، ويشعر إمام الحرمين بالحرج لذلك فيقول: "قال قائلون ممن يصحح العلة القاصرة: فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا جرت نقود" إلى آخر كلامه الذي قد نتعرض له في مناقشة الربوية (١) .
стр. 2129
فإمام الحرمين لا ينفي إطلاقا إطلاق الاسم على الفلوس؛ لأنه مرادف للوساطة في التبادل أي الثمنية، وإنما ينفي النتائج المترتبة على ذلك.
وقد انتشر هذا التعريف للنقد في أوساط الفقهاء، وهنا يلتقي الفقهاء مع تعريف الاقتصاديين الذي يتمثل باختصار في كون النقد كل شيء يلقى قبولاً ورواجًا كوسيط للتبادل، مهما كان ذلك الشيء، وعلى أي حال يكون. ولا نطيل عليكم بذكر التعريفات المختلفة.
وهذا التعريف للنقد لا نجد حرجًا من قبوله كمصطلح اقتصادي، فقد رأينا أن الفقهاء وصلوا إليه في النهاية، وخصوصًا المدرسة المعللة بالثمنية المتعدية، فقد بالغت في ذلك حتى إن ابن العربي ضرب مثلاً بالخبز في بغداد، وقد شاهده كوسيلة تبادل حتى إن الحمام يُدخل به.
فهذا هو غاية تطور كلمة النقد عند الفقهاء، ولا نطيل عليكم بتطور النقود في أوربا من سندات إلى أوراق معتمدة لها غطاء وبدون غطاء، فهذه أمور معروفة لديكم.
стр. 2130
أحكام النقود الورقية في مسائل
المسألة الأولى
حكم طبع النقود الورقية هو الجواز إذا خضع لضوابط تمنع إنزال الضرر بالناس لحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) . أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً وأحمد وأبو داود، وقال السيوطي: إنه صحيح.
ولهذا فيمنع إحداث نقود تؤدي إلى الفوضى والتضخم، فلا يجوز للأفراد ولا للسلطة أن تحدث ذلك للقاعدة الشرعية.
فالعفو هو الأصل، وإن كانت السكة في ذلك الوقت تعني الدنانير الهرقلية والدراهم البغلية الفارسية التي كانت ترد على العرب، وأقرب في زمنه ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين، حتى زمن دولة بنى أمية، حيث ضرب عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين السكة (١) .
وقد ظهرت الفلوس في صدر الإسلام بجانب الدناير والدراهم، كما تدل عليه فتاوى الأئمة الكبار في ذلك الوقت؛ قال السيوطي في الحاوي: التعامل بالفلوس قديم. وبعد ذكره التعريف اللغوي قال: "قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: لا بأس بالسلف في الفلوس". أخرجه الشافعي في الأم، والبيهقي في سننه دليلاً على أنه لا ربا في الفلوس. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد "لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد".
وأخرج عن حماد مثله، وأخرج عن الزهري أنه سئل عن الرجل يشتري الفلوس بالدراهم، قال: "هو صرف فلا تفارق حتى تستوفيه".
وذكر الصولي في كتاب الأوراق أنه سنة إحدى وسبعين ومائتين ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي حسبة بغداد في زمن الخليفة المعتمد، فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها".
стр. 2131
وكانت خاصة باشتراء المحقرات كما يقول المقريزي في كتابه: "إغاثة الأمة بكشف الغمة": "إن سبب ضرب الفلوس أيام الكامل من الدولة الايوبية، هو شكوى امرأة إلى خطيب الجامع بمصر أبي الطاهر المحلي مسألة من مسائل الصرف الربوي تصعب السلامة منها؛ لأنها تشتري الماء من السقاء بنصف درهم، فتعطي درهما ويرد السقاء نصف درهم ورقا، فكأنها اشترت الماء ونصف درهم، فأنكر أبو الطاهر ذلك وكلم السلطان، فضرب الفلوس، واستمر الناس في ذلك حتى أصبحت هي الرائجة في مصر، وحلت محل الذهب والفضة، وخصوصًا أيام السلطان برقوق إلى أيام المقريزي في القرن التاسع.
ولعله يشير بهذه الحكاية إلى المسألة المشهورة عند الشافعية بمد عجوة ودرهم؛ وهي: أن يبيع أحد ربويين بمثله ومع أحد العوضين جنس آخر، فالبيع باطل عند الشافعية والمالكية، إلا أن هؤلاء يتسامحون في المحقرات.
أما النقود الورقية فإنها ظهرت في الصين لأول مرة كما يذكر ابن بطوطة: ثم ظهرت في الغرب فكان بنك استكهولم بالسويد أول حلقة سنة ١٦٠٨م في سلسلة تطور النقود الورقية الذي استمر إلى عصرنا الحالى من سندات إلى أوراق مغطاة بالذهب، إلى أوراق غير مغطاة.
ولا أرى ضرورة للتوقف عند ذلك، المهم أنه لا اعتراض للفقهاء على توسيط أي شيء في التبادل ما لم يكن محرم العين أو مغشوشًا بشكل لا يمكن تحديد نسبته ولم يتواضع عليه، علمًا بأن بعض العلماء كالمقريزي في كتابه "إغاثة الأمة" أنكر إنكارًا شديدًا التعامل بالفلوس واستبعاد الذهب والفضة من دورة التعامل قائلاً بعد أن ذكر أن الفلوس أصبحت عوضًا عن المبيعات كلها، من أصناف المأكولات والمشروبات، وسائر أنواع المبيعات: ويأخذونها في خراج الأرضيين، وعشور أموال التجارة، وعامة مجابي السلطان، ويصيرونها فيها في الأعمال جليلها وحقيرها، ولا نقد لهم سواها، ولا مال إلا إياها، بدعة أحدثوها، وبلية ابتدأوها، لا أصل لها في سنة نبوية، ولا مستند لفعلها من طريقة شرعية، ولا شبهة لمبتدعها في الاقتداء بفعل أحد ممن غبر. إلى آخر كلامه، حيث أبرز ما حل بالبلاد من الدمار والاضمحلال بسبب التعامل بالفلوس.
وقال: إن النقود المعتبرة شرعًا وعقلاً وعادة، إنما هي الذهب والفضة فقط، وما عداهما لا يصح أن يكون نقدًا.
стр. 2132
إلا أن ضابط الجواز هو ما ذكرناه سابقا من عدم إلحاق الضرب الناس في ممتلكاتهم، ومعاملاتهم وعدم بخس أشيائهم وتعريض اقتصادهم للفوضى والاضمحلال، فالأصل الجواز فيما سلم من ذلك، خصوصًا إذا عري عن سبب يجعل شبهة التحريم قائمة، كنيابة النقود الورقية عن العين الغائبة، مما يؤدي إلى الصرف المؤجل، ومع ذلك فنحن نشاهد فوضى نقدية تتلاعب بأموال الناس، وتحيل أرصدتهم إلى أوراق من الكاغد لا قيمة لها، مما يجعل جوازها خاضعًا للقاعدة الشرعية المتمثلة في أن الحاجي ينزل منزلة الضروري كالإجارة، حيث خالفت القياس لورود العقد على منافع معدومة. فالحاصل أنها إذا لم تترتب عليها أضرار اقتصادية فهي جائزة.
المسألة الثانية
هل بيع هذه النقود بعضها ببعض يدخله الربا؟
إذا كان بيع هذه النقود بعضها ببعض أو بالذهب والفضة يدخلهما الربا كما يدخل في الذهب والفضة، أولا يدخل فيها الربا إلا ما يدخل في العروض، فما هو الحكم في هذه المسألة؟
стр. 2133
إن هذه المسألة مطروحة منذ ظهرت الفلوس، وأفتى فيها الأئمة، ولم يخل مذهب من خلاف في داخله حول هذه القضية، حتى وصلت إلى عصرنا هذا.
ولا يزال النقاش مفتوحًا لصعوبة إقناع أيٍّ من الفريقين الآخرَ في غيبة نص صريح أو أثر للخلاف رافع، أو إجماع قاطع، أو قياس جلي ناصع.
ويمكن أن نقسم اختلاف الفقهاء إلى موقفين: موقف يعتمد النص الحرفي أو دلالته القريبة، ويتمثل في مذهب أهل الظاهر، وهو رأي كثير من علماء المذاهب الأخرى. وموقف يبتعد عن النص إلى حد ما عن طريق التعليل واستكناه مغزى النصوص ومراميها، ويجد سندا في بعض المذاهب الأخرى.
ولكثرة ما كتب في الموضوع فسأتحدث بإيجاز عن كلا الموقفين، ثم أذكر مختاري في المسألة.
الموقف الأول: يتمثل في انتفاء الربوية، وقد يختلف معتنقوه في التعبير عنه بسبب اختلاف مشاربهم ومذاهبهم بين مانع القياس مكتفيا بالنص كأساس في سائر الأصناف، وبين من لا يتخذ هذا الموقف المبدئي فهو يجيز القياس، إلا أنه ينفي وجود علة في هذا المكان بالذات، أو يعترف بوجود علة فيه، غير أنه يدعي فيها القصور.
واقتصارا للبحث فإننا نجعل تحت هذا الموقف من يعتبرها كالفلوس وهو ينفي الربوية عن الفلوس، ومن يجعلها كالعروض لأنه يثبت للفلوس نوعًا من الربوية لا يخضع لعلة الثمنية.
أما الظاهرية فإن موقفهم ينسجم مع مذهبهم الذي يرفض القياس ويرى من النصوص كفاية للقضايا المتجددة، وقد دافع ابن حزم عن موقفهم، ورد عليه ابن القيم وغيره بضراوة لا تقل قوة. فموقف الظاهرية معروف له ما له وعليه ما عليه. وقد نحى منحى الظاهرية في هذه المسألة جملة من العلماء، فمن السلف طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان.
стр. 2134
كما حذا حذوهم ابن عقيل من الحنابلة، وأبو بكر الباقلاني من المالكية، والأخير عن ابن رشد في البداية، واللخمي أيضًا من المالكية عن أحمد بن علي المنجور، في شرحه القواعد في مخطوطة ابن التلاميذ الشنقيطي ص٦٠.
ونصف في نفس الاتجاه من يعلل علة لا تتناول النقود الورقية، كالوزن عند أبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه، ولا داعي لنقل كلام هؤلاء لوضوح كلامهم واشتهاره، كما نصف في نفس الاتجاه أيضًا من يعلل بالثمنية أو الثمنية الغالبة، وهو يصرح بأن هذه العلة قاصرة وليست صالحة للتعدية إلى غير محلها، وهؤلاء يجدر بنا أن نتعرض لبعض أقوالهم وآرائهم نظرًا للالتباس الذي يوحي به التعليل بالثمنية.
ونقف وقفة قبل أن نسترسل معهم لنشير إلى أن بعض العلماء ممن يعترف بمبدأ القياس يقترب في تحليل فقهه من الظاهرية، وكمثال على ذلك نذكر ما نقله إمام الحرمين عن القاضي أبي بكر الباقلاني المالكي – وقد رأينا أنه غير معلل في هذه المسألة – حيث قال القاضي: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ملحق بهما، والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه.
стр. 2135
أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة، وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها، فانتقاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به، وقال أيضًا: المعاني إذا حصرتها الأصول ضبطتها النصوص، كانت منحصرة في ضبط الشارع.
وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم ينضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتنفاء حكمة الحكماء. فيصير ذوو الأحلام بمنزلة الأنبياء، إلى أن قال: ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون (١) .
ولعل كلام القاضي، وإن كان إمام الحرمين اعترضه، إلا أنه ليس بعيدًا من تفكير الشافعية، فهم وإن كانوا يقولون بالثمنية أو غلبة الثمنية لعلة، إلا أنهم يقولون بأنها علة قاصرة، والعلة القاصرة عند من يقول بها هي التي لا تتعدى معلولها؛ لكونها محل الحكم أو جزء علة أو وصفًا لازمًا.
وقد ناقش علماء الأصول العلة القاصرة لإثبات وجودها، ثم بعد ذلك لتحديد وظيفتها وعلاقتها بهذه المسألة، ومن هؤلاء إمام الحرمين في البرهان (٢) .
مسألة: إذا استنبط القائس علة في محل النص، وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه، فالعلة صحيحة عند الامام الشافعي ﵁.
ونفرض المسألة في تعليل الشافعي تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية، وهي خاصة بالنقدين لا تتعداهما، وقد أطال النفس وناقش نفاة العلة القاصرة كالأحناف. وفي هذه المناقشة عرج على مسألة الفلوس أكثر من مرة، فقال: ولقد اضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى، ونحن نذكر المختار من طرفهم، ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه، ثم نص على ما نراه.
قال قائلون ممن لا يصحح العلة القاصرة: فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا جرت نقودا، وهو خرق من قائله، وضبط على الفرع والأصل، فإن المذهب أن الربا لا يجري في الفلوس إن استعملت نقودا، فإن النقدية الشرعية مختصة بالمصنوعات من التبرين، والفلوس في حكم العروض، وإن غلب استعمالها، ثم إن صح المذهب قيل لصاحبه: إن كانت الفلوس داخلة تحت اسم الدراهم فالنص متناول لها، والطلبة بالفائدة قائمة، وإن لم يتناولها النص فالعلة متعدية إذًا، والمسألة مفروضة في العلة القاصرة.
стр. 2136
كلام إمام الحرمين واضح في أن النقدية قاصرة على النقدين، وافتراضه الجدلي ظاهر في صعوبة منحاه، حيث يجعل النقدية وهي الثمنية علة، ثم يمنع طردها.
ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح باطل إلى التعليل بالنقدية قلنا: لم نر أحدًا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده. والصحيح عندنا أن مسائل الربا شبهية، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب، كما قررناه في مجموعاتنا.
ثم الشُّبَهُ على وجوه، فمنها التعلق بالمقصود، وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم، ومن النقدين النقدية، وهي مقتصرة لا محالة وليست علة، إذ لا شبهة فيها ولا إخالة فيها. . . إلى آخر كلامه.
وقال بعد ذلك في التعارض بين العلة القاصرة والمتعدية وما قررناه لا يجري في النقدين، فإن العلة التي عداها الخصم فيهما باطلة من وجوه سوى المعارضة.
وقال أيضًا فإن قيل: قد علل أبو حنيفة ﵀ في باب النقدين بالوزن وهو متعد إلى كل موزون، وعلل الشافعي ﵀ بكونهما جوهري النقدين. وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك؟
قلنا: الوزن علة باطلة عند الشافعية، والقول في التقديم والترجيح يتفرع على اتصاف كل واحدة من العلتين بما يقتضي صحتها لو انفردت (١) .
وقد أوضح النووي في المجموع مذهب الشافعي فقال: وأما الذهب والفضة فالعلة عند الشافعية فيهما كونهما جنس الأثمان غالبًا، وهذه عنده علة قاصرة عليهما؛ إذ لا توجد في غيرهما. وبعد ذلك يوضح المسألة فيقول: إذا راجت الفلوس رواج النقود لم يحرم الربا فيها، هذا هو الصحيح المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور (٢) .
وقد أطال جلال الدين المحلي في شرحه لجمع الجوامع للسبكي حيث قال ممزوجا بالنص " والعلة القاصرة وهي التي لا تتعدى محل النص منعها قوم أن يعلل بها مطلقًا"، والحنفية منعوها إن لم تكن ثابتة بنص أو اجماع، قالوا جميعا: لعدم فائدتها، وحكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الاتفاق على جواز الثابتة بالنص معترضة بحكاية القاضي عبد الوهاب.
стр. 2137
كما أشار إلى ذلك المصنف بحكاية الخلاف.
والصحيح جوازها مطلقًا، وفائدتها معرفة المناسبة بين الحكم ومحله، فيكون أدعى للقبول ومنع الإلحاق بمحل معلولها، حيث يشتمل على وصف متعد لمعارضتها له ما لم يثبت استغلالها بالعلة، إلى أن قال: ومن صورها ما ضبطه بقوله: "ولا تعدي لها" أي العلة عند كونها محل الحكم، أو جزءه الخاص بأن لا يوجد في غيره، أو وصفه اللازم بأن لا يتصف به غيره لاستحالة التعدي حينئذ.
مثال الأول: تعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبًا، وفي الفضة كذلك.
ومثال الثاني: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج.
ومثال الثالث: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء.
وبمراجعة كلام السبكي وشارحه جلال الدين يتضح أن الثمنية لا تعني التعدي، وأنها ثمنية تختص بمحل الحكم لكونها وصفه اللازم.
وقد نظم سيدي عبد الله الشنقيطي المالكي في "مراقي السعود" كلام السبكي فقال:
وَعَلَّلُوا بِمَا خَلَتْ مِنْ تَعْدِيَهْ
لِيُعْلَمَ امْتِنَاعُهُ وَالتَّقْوِيَهْ
مِنْهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ أَوْ جُزْء وَزَدْ
وَصْفًا إِذَا كُلٌّ لُزُومِيًّا يَرِدْ
قال في شرحه "نشر البنود": يعنى أن المالكية والشافعية والحنابلة جوزوا التعليل بالعلة القاصرة، إلى أن قال: فتعدية العلة شرط في صحة القياس ااتفاقًا، والجمهور على أنها ليست شرطا في صحة التعليل بالوصف كتعليل طهورية الماء بالرقة والنظافة دون الإزالة. وتعليل الربا في النقدين بالنقدية أو بالثمنية أو بغلية الثمنية. . . إلى أن قال: يعني أن من صور العلل القاصرة أن تكون العلة محل الحكم أو جزءه الخاص به أو وصفه اللازم له، والمحل ما وضع اللفظ له كالخمرية، إلى أن قال: والمراد بالوصف اللازم هنا هو ما لا يتصف غير المحل به، كالنقدية في الذهب والفضة، أي كونهما أثمان الأشياء، فإنهما وصف لازم لهما في أكثر البلاد (١) .
ونلاحظ حرصهم على التمثيل للعلة القاصرة بالنقدية أو الثمنية أو غلبة الثمنية، أو كونهما قيمة للأشياء، كل هذا يدل على أن المعللين بالثمنية أو غلبتها ويقولون بقصور العلة، يرون أنها ثمنية من نوع خاص، وهذا كقول البهوتي الحنبلي في زكاة الذهب والفضة في كتابه"كشاف القناع": وهما الأثمان فلا تدخل فيها الفلوس ولو كانت رائجة.
إن النقدية الشرعية - كما سماها إمام الحرمين - تعني فيما يبدو كون النقدين أثمانًا بالخلقة، حين تعتبر ثمنية غيرها ثمنية عارضة.
ونرى أن علماء الفروع بنى كثير منهم على هذه النظرية فقال الشيخ زكريا الشافعي: إنما يحرم الربا في نقدين ذهب وفضة، ولو غير مضروبين كحلي تبر، بخلاف العروض، كفلوس وإن راجت.
وفي الدر المختار للشيخ محمد علاء الدين قوله: يحل بيع فلس بفلسين أو أكثر. وفي حاشية ابن عابدين جوازه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف: ليست أثمان خلقة فهي كالعروض.
стр. 2138
وقد أسقط جل المالكية الزكاة في الفلوس، إلا أن موقفهم ظل من الربوية مترجحًا بين الحكم بها وعدمه، فهي إذًا ثمنية من نوع خاص؛ لأنها وحدها الغالبة، ولأنها: "أصل الأثمان عند الشافعي " (١) ، ولأنها النقد الشرعي، كل هذه العبارات تدل على تهرب المعللين بالعلة القاصرة من شمولها للفلوس وما جرى مجراها.
أما وجهة النظر الأخرى التي تقول بالثمنية المتعدية - سواء عبر عنها بغلبة الثمنية، أي غلبة الاستعمال في التبادل، أو مطلق الثمنية - ويمثلها المالكية؛ لأن مالكًا ﵀ كره ذلك.
قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الفلوس تباع بالدنانير والدراهم نظرة - أي تأخيرا - ويباع الفلس بالفلسين؟ قال مالك: إني أكره ذلك، وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهة.
وفي المدونة نصوص تدل على كراهة مالك لبيع الفلوس بالذهب والفضة نظرة، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود، وكانت لها عين وسكة فإن مالكًا يكره بيعها بالذهب والفضة نظرة.
وانطلاقا من نص الامام فإن علماء المالكية وضعوا قاعدة الثمنية أوغلبيتها، أي هل تعتبر مطلق الثمنية كافيا لتلحق الفلوس بالنقدين، أو لا بد من أن يكون استعمالها غالبا؟ وكلا العلتين متعدية عند أكثر المتأخرين من أصحاب مالك، إلا أنهم بسبب الترجح بين العلتين، أي بين علة واقعة وهي الثمنية القائمة في الفلوس فعلا، وبين علة لم تقع زمانهم وهي غلبة الثمنية، وعلى أصل مالك في التوسط بين الدليلين وهو ما يسمى بالبينية، أي وجود حكم بين دليلين، وهو إعمال كل من الدليلين من وجه يناسب أعماله.
стр. 2139
قال الزقاق في المنهج المنتخب:
وَبَيْع ذِمِّيٍّ وَعِتْق هَلْ وَرَدْ
الْحُكْم بَيْنَ كَوْنِهِ اعْتَقدْ
كَالْبَيْعِ منْ شَرط يَصِحّ وَبَطلْ
وَحُكْمُ زِنْدِيقٍ وَشُبهة نقلْ
قال المنجور في شرحه (مخطوطة) ابن التلاميذ الشنقيطي ص٥٧: اختلف هل ورد الحكم بين بين، أي حكم بين حكمين، فأثبته المالكية وهو من أصولهم، ونفاه الشافعية، ويعمل به عند من أثبته في بعض صور تعارض الأدلة ولا ترجيح، كما أذا اشبه الفرع أصلين ولم يترجح أحد الشبهين، ونقل أمثلة منها البيع بشرط عدم القيام بالجائحة، فإن البيع يصح والشرط يبطل، وساق الأدلة المتعلقة بالشروط، إلى أن قال: قال أبو عبد الله المقري: قاعدة: قال ابن العربي: القضاء بالترجيح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطل عليه بحسب مرتبته؛ لقوله ﵊ ((الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة)) .
وهذا مستند مالك فيما كره أكله، فإنه حكم بالتحليل لظهور الدليل وأعطى المعارض أثره، فتبين مسائله تجدها على ما رسمت لك.
وقد نقل قبل ذلك انتقاد تقي الدين ابن دقيق العيد حيث قال عنه: "جعل بعض المالكية الحديث دليلا لقاعدة من قواعد مذهبهم، هي أن الفرع إذا أشبه أصلين ودار بينهما يعطى حكمًا بين حكمين؛ لأنه لو أعطى حكم أحدهما فقط لزم إلغاء شبهة بالآخر، والفرض أنه أشبه" إلى آخر كلامه (١) . انتهى محل الاستشهاد منه.
ولهذا فإن كثير من علماء المذهب المالكي جزموا بالكراهة وقالوا: إن " أَكْرَهُ " على بابها ولا تعنى الحرمة، وبنوا هذه المسألة أيضًا على قاعدة أخرى هي قولهم: هل يعطى النادر حكم نفسه، أو يلحق بالغالب في حكمه؟ قال أبو عبد الله المقري في قواعده:
قاعدة: اختلف المالكية في مراعاة حكم النادر، في نفسه أو إجراء حكم الغالب عليه، وقد نظم ذلك أبو الحسن على بن القاسم الفاسي الشهير بالزقاق في المنهج المنتخب فقال:
وَهَلْ لِمَا نَدُرْ حُكْمُ مَا غَلَبْ
أَوْ حُكْمُ نَفْس كَالْفُلُوسِ وَالرُّطَبْ
وَكَسُلَحْفَاةٍ وَقُوتٍ نَدُرَا
كَذَا مُخُالِطٌ وَعَكْسٌ ذُكٍرَا.
стр. 2140
قال أحمد بن علي الشهير بالمنجور في شرحه لهذه الأبيات: أي نوادر الصور هل تعطى حكم نفسها أو حكم غالبها؟ وعليه إجراء ابن بشير الربا في الفلوس، ثالثها يكره، ورد إجراء اللخمي على أنه في العين غير معلل، والعلة الثمنية والقيمة. يقول أشهب: إن القائسين مُجمعون على التعليل، وإن اختلفوا في عين العلة، اللخمي: من رأى أن علة الربا في النقدين كونهما أثمان المبيعات وقيمة المتلفات، ألحق بهما الفلوس. ومن رأى أنه شرع غير معلل منع لحوق الفلوس بهما، ابن بشير: وهذا غير صحيح للإجماع أنه معلل، وإنما اختلفوا في عين العلة، وإنما سبب الخلاف في الفلوس الصور النادرة هل تراعى؟ فمن رعاها ألحق الفلوس بالعين، ومن لا فلا. ويمكن أن يتخرج الخلاف فيها على اختلاف العوائد، فيحمل على الجواز حيث لا يعمل بها والمنع على العكس. ثم قال بعد ذكر بعض الأمثلة وذكر نص المقري في القاعدة السابقة: هو عندي على أن العلة في العين كونها ثمنًا أو قيمة أو كونها أصلاً في ذلك الشافعى.
وقال النعمان بالوزن وأجرى الربا في كل موزون، وقال ابن العربي: ليست العلة القاصرة في الأصول إلا في هذه المسألة (١) .