كلام إمام الحرمين واضح في أن النقدية قاصرة على النقدين، وافتراضه الجدلي ظاهر في صعوبة منحاه، حيث يجعل النقدية وهي الثمنية علة، ثم يمنع طردها.
ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح باطل إلى التعليل بالنقدية قلنا: لم نر أحدًا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده. والصحيح عندنا أن مسائل الربا شبهية، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب، كما قررناه في مجموعاتنا.
ثم الشُّبَهُ على وجوه، فمنها التعلق بالمقصود، وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم، ومن النقدين النقدية، وهي مقتصرة لا محالة وليست علة، إذ لا شبهة فيها ولا إخالة فيها. . . إلى آخر كلامه.
وقال بعد ذلك في التعارض بين العلة القاصرة والمتعدية وما قررناه لا يجري في النقدين، فإن العلة التي عداها الخصم فيهما باطلة من وجوه سوى المعارضة.
وقال أيضًا فإن قيل: قد علل أبو حنيفة ﵀ في باب النقدين بالوزن وهو متعد إلى كل موزون، وعلل الشافعي ﵀ بكونهما جوهري النقدين. وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك؟
قلنا: الوزن علة باطلة عند الشافعية، والقول في التقديم والترجيح يتفرع على اتصاف كل واحدة من العلتين بما يقتضي صحتها لو انفردت (١) .
وقد أوضح النووي في المجموع مذهب الشافعي فقال: وأما الذهب والفضة فالعلة عند الشافعية فيهما كونهما جنس الأثمان غالبًا، وهذه عنده علة قاصرة عليهما؛ إذ لا توجد في غيرهما. وبعد ذلك يوضح المسألة فيقول: إذا راجت الفلوس رواج النقود لم يحرم الربا فيها، هذا هو الصحيح المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور (٢) .
وقد أطال جلال الدين المحلي في شرحه لجمع الجوامع للسبكي حيث قال ممزوجا بالنص " والعلة القاصرة وهي التي لا تتعدى محل النص منعها قوم أن يعلل بها مطلقًا"، والحنفية منعوها إن لم تكن ثابتة بنص أو اجماع، قالوا جميعا: لعدم فائدتها، وحكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الاتفاق على جواز الثابتة بالنص معترضة بحكاية القاضي عبد الوهاب.
стр. 2137
كما أشار إلى ذلك المصنف بحكاية الخلاف.
والصحيح جوازها مطلقًا، وفائدتها معرفة المناسبة بين الحكم ومحله، فيكون أدعى للقبول ومنع الإلحاق بمحل معلولها، حيث يشتمل على وصف متعد لمعارضتها له ما لم يثبت استغلالها بالعلة، إلى أن قال: ومن صورها ما ضبطه بقوله: "ولا تعدي لها" أي العلة عند كونها محل الحكم، أو جزءه الخاص بأن لا يوجد في غيره، أو وصفه اللازم بأن لا يتصف به غيره لاستحالة التعدي حينئذ.
مثال الأول: تعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبًا، وفي الفضة كذلك.
ومثال الثاني: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج.
ومثال الثالث: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء.
وبمراجعة كلام السبكي وشارحه جلال الدين يتضح أن الثمنية لا تعني التعدي، وأنها ثمنية تختص بمحل الحكم لكونها وصفه اللازم.
وقد نظم سيدي عبد الله الشنقيطي المالكي في "مراقي السعود" كلام السبكي فقال:
وَعَلَّلُوا بِمَا خَلَتْ مِنْ تَعْدِيَهْ
لِيُعْلَمَ امْتِنَاعُهُ وَالتَّقْوِيَهْ
مِنْهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ أَوْ جُزْء وَزَدْ
وَصْفًا إِذَا كُلٌّ لُزُومِيًّا يَرِدْ
قال في شرحه "نشر البنود": يعنى أن المالكية والشافعية والحنابلة جوزوا التعليل بالعلة القاصرة، إلى أن قال: فتعدية العلة شرط في صحة القياس ااتفاقًا، والجمهور على أنها ليست شرطا في صحة التعليل بالوصف كتعليل طهورية الماء بالرقة والنظافة دون الإزالة. وتعليل الربا في النقدين بالنقدية أو بالثمنية أو بغلية الثمنية. . . إلى أن قال: يعني أن من صور العلل القاصرة أن تكون العلة محل الحكم أو جزءه الخاص به أو وصفه اللازم له، والمحل ما وضع اللفظ له كالخمرية، إلى أن قال: والمراد بالوصف اللازم هنا هو ما لا يتصف غير المحل به، كالنقدية في الذهب والفضة، أي كونهما أثمان الأشياء، فإنهما وصف لازم لهما في أكثر البلاد (١) .
ونلاحظ حرصهم على التمثيل للعلة القاصرة بالنقدية أو الثمنية أو غلبة الثمنية، أو كونهما قيمة للأشياء، كل هذا يدل على أن المعللين بالثمنية أو غلبتها ويقولون بقصور العلة، يرون أنها ثمنية من نوع خاص، وهذا كقول البهوتي الحنبلي في زكاة الذهب والفضة في كتابه"كشاف القناع": وهما الأثمان فلا تدخل فيها الفلوس ولو كانت رائجة.
إن النقدية الشرعية - كما سماها إمام الحرمين - تعني فيما يبدو كون النقدين أثمانًا بالخلقة، حين تعتبر ثمنية غيرها ثمنية عارضة.
ونرى أن علماء الفروع بنى كثير منهم على هذه النظرية فقال الشيخ زكريا الشافعي: إنما يحرم الربا في نقدين ذهب وفضة، ولو غير مضروبين كحلي تبر، بخلاف العروض، كفلوس وإن راجت.
وفي الدر المختار للشيخ محمد علاء الدين قوله: يحل بيع فلس بفلسين أو أكثر. وفي حاشية ابن عابدين جوازه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف: ليست أثمان خلقة فهي كالعروض.
стр. 2138
وقد أسقط جل المالكية الزكاة في الفلوس، إلا أن موقفهم ظل من الربوية مترجحًا بين الحكم بها وعدمه، فهي إذًا ثمنية من نوع خاص؛ لأنها وحدها الغالبة، ولأنها: "أصل الأثمان عند الشافعي " (١) ، ولأنها النقد الشرعي، كل هذه العبارات تدل على تهرب المعللين بالعلة القاصرة من شمولها للفلوس وما جرى مجراها.
أما وجهة النظر الأخرى التي تقول بالثمنية المتعدية - سواء عبر عنها بغلبة الثمنية، أي غلبة الاستعمال في التبادل، أو مطلق الثمنية - ويمثلها المالكية؛ لأن مالكًا ﵀ كره ذلك.
قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الفلوس تباع بالدنانير والدراهم نظرة - أي تأخيرا - ويباع الفلس بالفلسين؟ قال مالك: إني أكره ذلك، وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهة.
وفي المدونة نصوص تدل على كراهة مالك لبيع الفلوس بالذهب والفضة نظرة، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود، وكانت لها عين وسكة فإن مالكًا يكره بيعها بالذهب والفضة نظرة.
وانطلاقا من نص الامام فإن علماء المالكية وضعوا قاعدة الثمنية أوغلبيتها، أي هل تعتبر مطلق الثمنية كافيا لتلحق الفلوس بالنقدين، أو لا بد من أن يكون استعمالها غالبا؟ وكلا العلتين متعدية عند أكثر المتأخرين من أصحاب مالك، إلا أنهم بسبب الترجح بين العلتين، أي بين علة واقعة وهي الثمنية القائمة في الفلوس فعلا، وبين علة لم تقع زمانهم وهي غلبة الثمنية، وعلى أصل مالك في التوسط بين الدليلين وهو ما يسمى بالبينية، أي وجود حكم بين دليلين، وهو إعمال كل من الدليلين من وجه يناسب أعماله.
стр. 2139
قال الزقاق في المنهج المنتخب:
وَبَيْع ذِمِّيٍّ وَعِتْق هَلْ وَرَدْ
الْحُكْم بَيْنَ كَوْنِهِ اعْتَقدْ
كَالْبَيْعِ منْ شَرط يَصِحّ وَبَطلْ
وَحُكْمُ زِنْدِيقٍ وَشُبهة نقلْ
قال المنجور في شرحه (مخطوطة) ابن التلاميذ الشنقيطي ص٥٧: اختلف هل ورد الحكم بين بين، أي حكم بين حكمين، فأثبته المالكية وهو من أصولهم، ونفاه الشافعية، ويعمل به عند من أثبته في بعض صور تعارض الأدلة ولا ترجيح، كما أذا اشبه الفرع أصلين ولم يترجح أحد الشبهين، ونقل أمثلة منها البيع بشرط عدم القيام بالجائحة، فإن البيع يصح والشرط يبطل، وساق الأدلة المتعلقة بالشروط، إلى أن قال: قال أبو عبد الله المقري: قاعدة: قال ابن العربي: القضاء بالترجيح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطل عليه بحسب مرتبته؛ لقوله ﵊ ((الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة)) .
وهذا مستند مالك فيما كره أكله، فإنه حكم بالتحليل لظهور الدليل وأعطى المعارض أثره، فتبين مسائله تجدها على ما رسمت لك.
وقد نقل قبل ذلك انتقاد تقي الدين ابن دقيق العيد حيث قال عنه: "جعل بعض المالكية الحديث دليلا لقاعدة من قواعد مذهبهم، هي أن الفرع إذا أشبه أصلين ودار بينهما يعطى حكمًا بين حكمين؛ لأنه لو أعطى حكم أحدهما فقط لزم إلغاء شبهة بالآخر، والفرض أنه أشبه" إلى آخر كلامه (١) . انتهى محل الاستشهاد منه.
ولهذا فإن كثير من علماء المذهب المالكي جزموا بالكراهة وقالوا: إن " أَكْرَهُ " على بابها ولا تعنى الحرمة، وبنوا هذه المسألة أيضًا على قاعدة أخرى هي قولهم: هل يعطى النادر حكم نفسه، أو يلحق بالغالب في حكمه؟ قال أبو عبد الله المقري في قواعده:
قاعدة: اختلف المالكية في مراعاة حكم النادر، في نفسه أو إجراء حكم الغالب عليه، وقد نظم ذلك أبو الحسن على بن القاسم الفاسي الشهير بالزقاق في المنهج المنتخب فقال:
وَهَلْ لِمَا نَدُرْ حُكْمُ مَا غَلَبْ
أَوْ حُكْمُ نَفْس كَالْفُلُوسِ وَالرُّطَبْ
وَكَسُلَحْفَاةٍ وَقُوتٍ نَدُرَا
كَذَا مُخُالِطٌ وَعَكْسٌ ذُكٍرَا.
стр. 2140
قال أحمد بن علي الشهير بالمنجور في شرحه لهذه الأبيات: أي نوادر الصور هل تعطى حكم نفسها أو حكم غالبها؟ وعليه إجراء ابن بشير الربا في الفلوس، ثالثها يكره، ورد إجراء اللخمي على أنه في العين غير معلل، والعلة الثمنية والقيمة. يقول أشهب: إن القائسين مُجمعون على التعليل، وإن اختلفوا في عين العلة، اللخمي: من رأى أن علة الربا في النقدين كونهما أثمان المبيعات وقيمة المتلفات، ألحق بهما الفلوس. ومن رأى أنه شرع غير معلل منع لحوق الفلوس بهما، ابن بشير: وهذا غير صحيح للإجماع أنه معلل، وإنما اختلفوا في عين العلة، وإنما سبب الخلاف في الفلوس الصور النادرة هل تراعى؟ فمن رعاها ألحق الفلوس بالعين، ومن لا فلا. ويمكن أن يتخرج الخلاف فيها على اختلاف العوائد، فيحمل على الجواز حيث لا يعمل بها والمنع على العكس. ثم قال بعد ذكر بعض الأمثلة وذكر نص المقري في القاعدة السابقة: هو عندي على أن العلة في العين كونها ثمنًا أو قيمة أو كونها أصلاً في ذلك الشافعى.
وقال النعمان بالوزن وأجرى الربا في كل موزون، وقال ابن العربي: ليست العلة القاصرة في الأصول إلا في هذه المسألة (١) .
стр. 2141
يلاحظ عزو المنجور الإجماع على التعليل لابن بشير، وقد علمت مما مر أن الإجماع غير وارد، والصواب مع أشهب أن الإجماع إجماع القائسين، ثم أن اللخمي من علماء مذهب الإمام مالك يعتبر خلافه مؤثرا داخل المذهب، حتى إن خليلاً في مختصره التزم ذكر اختياراته.
وقد أوجز ميارة الفاسي موقف المالكية بقوله في التكميل:
الثَّمَنِيَّة وَقِيلَ الْغَلَبَهْ
فِي الثَّمَنِيَّة فَحَقِّقْ مَذْهَبَهْ.
عِلَّة ذَا الرِّبَا عَلَيْهِمَا الْفلُوس
نُقُودًا أَوْ عَرَضًا فَحقِّقِ الْأُسس
وَجُلُّ قَوْلِهِ الْكَرَاهِيَةَ بِذَا
تَوَسُّطًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ خُذَا
قال الرهوني في حاشيته على الزرقاني: إن مالكا ﵀ تردد في علة الربا في النقدين، هل هي الثمنية المطلقة فتكون الفلوس ربوية؟ أو الثمنية المقيدة بالغالبية فلا تكون الفلوس ربوية؟ ففى بعض أبواب الفقه جعل العلة هي الثمنية المطلقة كالسلم؛ لأنه جعل الفلوس فيه كالعين، وكذلك في باب الرهن وغيرهما، وفي بعض الأبواب جعلها الثمنية المقيدة بالغالبية كالقراض؛ لأنه قال: لا يقارض بالفلوس؛ لأنها تؤول إلى الفساد والكساد، فجعلها كالعرض، ولم يجعلها كالعين في كل شيء، وقد اختصر مذهبه ابن عرفة بقوله: وفي كون الفلوس ربوية ثالث الروايات يكره فيها. . . إلى آخره.
ومع أن جميع شروح خليل ذكروا القول بالحرمة في باب السلم، فإنهم ذكروا الكراهة، وقال الرهوني: إنها الراجحة، ولكنهم تركوا الباب مفتوحًا لتحقيق المناط، أي للحكم بالربوية عندما تتحقق غلبية الثمنية؛ لأنهم لا يفسرون الغلبية كما يفسرها غيرهم بأنها صفة لازمة للنقدين لتكون العلة قاصرة.
وإنما اعتبروها حالة واقعة بحيث إذا تحققت تلك الحال فلا مناص من تحقق الحكم طبقا لتعريف جمهور الأصوليين، فإن تحقيق المناط إثبات الصلة المتفق عليها أصلا في الفرع.
قال سيدي عبد الله الشنقيطي ناظما كلام السبكي في جمع الجوامع:
تَحْقِيق عِلّة عَلَيْهَا ائْتَلَفَا
فِي الْفَرْعِ تَحْقِيقُ مَنَاط ألفَا
قال في نشر البنود: يعنى أن تحقيق المناط، أي العلة هو إثبات العلة المتفق عليها في الفرع كتحقيق أن النباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان سارق، فإنه وجدت فيه العلة وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، فيقطع خلافا لأبي حنيفة.
стр. 2142
وتجدر الإشارة هنا إلى أن: تحقيق المناط ليس من المسالك، بل هو دليل تثبت به الأحكام، فلا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه يحتاج في كل شريعة. قال أبو إسحاق الشاطبي ﵀: "لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع؛ إذ لا يمكن التكليف إلا به ومنه".
وقال القرافي في شرح التنقيح في تعريفه ما نصه: "وأما تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع".
مثاله: أن يتفق على أن العلة في الربا (يعنى في البر والشعير) هي القوت الغالب ويختلف في الربا في التين، بناء على أنه يقتات به غالبا في الأندلس أو لا، نظرا إلى الحجاز وغيره، فهذا هو تحقيق المناط، ينظر هل هو محقق أم لا بعد الاتفاق عليه. ومثله في البيضاوي.
وعرفه الآمدي في الإحكام بأنه النظر في معرفة وجود علة الحكم ومناطه في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها. ومثل له بالنظر في وجود علة تحريم الخمر، وهي الشدة المطربة في النبيذ.
وسلك الإمام الغزالي في تعريفه طريقا آخر ترجع إلى الاجتهاد في تطبيق حكم كلي منصوص عليه في بعض جزئياته، فقال في كتابه المستصفى ما نصه: "أما الاجتهادي في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه، مثاله: الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع على تعيين الإمام الأول بالنص، وكذا تعيين الولاة والقضاة، وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير الكفايات في نفقة القرابات وإيجاد المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات وطلب المثل في جزاء الصيد، فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية، وذلك معلوم بالنص، أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين.
فتحصل من مراجعة كتب المالكية والعلل التي أشاروا إليها والقواعد التي قعدوها في المسألة قيام ثلاثة أقول:
١- قول بالتحريم.
٢- وقول بالجواز.
وقول بالكراهة.
стр. 2143
ومن المعلوم أن بعض العلماء الأعلام خارج المذهب المالكي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى يتخذان موقفا متميزًا يجعل الثمنية المطلقة علة صالحة وكافية للحكم بربوية النقود، وقد أكدوا ذلك تأكيدا لا يضاهيه إلا موقف القاضي أبو بكر بن العربي ﵏ جميعًا حيث قال في " العارضة" عند كلامه على حديث عبادة بن الصامت ﵁ ما نصه: "نبه بالبر على ما يقتات في حال الاختيار، وبالشعير على ما يقتات في حال الاضطرار، وبالتمر على القوت الذي يتحلى به كالزبيب والعسل، ونبه بالملح على ما يصلح الأقوات من توابل الطعام. ونبه بالذهب والفضة على ما يتخذ أثمانًا للأشياء وقيما للمتلفات كالفلوس ونحوها. وهذه حكم ما غاص على جوهرها إلا مالك، وقد بيناها في مسائل الخلاف للنظر هنالك، وذكر علماؤنا عن مالك أن علة الربا في النقدين كونهما أثمانًا للأشياء، وقيما للمتلفات، وأنهما علة قاصرة لا تتعدى، وقال مالك: إنها تتعدى إلى ما يتخذه الناس أثمانًا للأشياء، حتى لو اتخذ الناس الجلود بينهم أثمانًا لجرى فيها الربا، وقد رأيت أهل بغداد يتجرون بالخبز، حتى إن الحمام يُدخل به، وبه يبتاع كل إدام، فإذا اجتمع عندهم أوردوه على الخباز باردًا، وباعه بسعر آخر حتى يفنى بالأكل، إذ لا يعاد ثانية إلى الشراء به، فصارت العلة عند مالك معنوية، وهو الصحيح".
стр. 2144
وتكلم أبو عبد الله محمد بن خليفة الوشتاتي المالكي الشهير بالأبي في شرح صحيح مسلم عند كلامه على حديث أبي سعيد الخدري ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) .
فذكر قولين في الفلوس واستشهد لربويتها بقول المدونة في آخر السلم " الثالث: لا يصح فلس بفلسين لا نقدا ولا مؤجلاً".
ثم قال في تعريف الصرف: الصرف بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس لقوله في المدونة " ومن صرف دراهم بفلوس، فأطلق على ذلك اسم الصرف. والأصل في الإطلاق الحقيقة".
وذكر كل شراح خليل الخلاف في المسألة مفرعين على الحرمة غالبًا في الصرف وعلى الكراهة أيضًا، ويجري مثل ذلك في السلم، وكلامهم معروف لا نطيل عليكم بنقله.
المناقشة
فتلخص مما مر قيام مذهبين أو موقفين من النقود الورقية:
أولهما: موقف من يقول بعدم ربوية النقود، أو على الأصح يذهب إلى عدمها؛ لأنه لا نص من الأقدمين في النقود الورقية، ولكنها مشمولة بالعموم، وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأي أكثر العلماء كما أسلفنا.
ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءة متأنية إلى ما يلي:
١- أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة، فهو من قبيل الابتلاء والاختبار، وما كان من هذا القبيل يقتصر فيه على محل الورود.
٢- أن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما، فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة، ويبقيان على الزمن، هذا من ناحية الخلقة، أما من الناحية الشرعية فيحرم اقتناء آنيتهما، ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثنى الشارع. فهما أثمان بالخلقة، وهما أصل الثمنية، وهما النقدان الشرعيان.
٣- صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة، وقد قدمنا قول إمام الحرمين أنه لا شبهة فيها ولا إخالة.
стр. 2145
٤- نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص، نجد مثالاً له في ترجيح العلة القاصرة على المتعدية على رأي الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني إذا صح التعليل بهما "ومن رجح العلة القاصرة احتج بأنها متأيدة بالنص، وصاحبها آمن من الزلل في حكم العلة، فكان التمسك بها أولى" (١) .
٥- أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة ومعرضة الزوال في أي لحظة، ومن شأن هذا أن يجعل الثمنية فيه صفة عارضة.
٦- أن التحريم تكليف والتكليف يحتاج إلى ورود النص كحديث ((الطعام بالطعام)) الذي جعل الشافعي ﵀ يرجع عله الطعمية، ويسهل ذلك على أصحابه المترددين في قبول العلة، وقبول تعديها، ولأن جهة التحريم محصورة، وجهة الإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر فذلك، وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذي أعفي من الحصر.
٧- في الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائمًا في هذه المسألة ما ترك بيانها، والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلي:
١- الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئًا لمفسدة، وتترك شيئا فيه نفس المفسدة فنظير الحرام حرام (٢) .
٢- التعليل أولى لأنه أكثر فائدة، وترك التعليل خشية، وما في ترجيح العلة القاصرة من الأمن لا وقع له، فإنه راجع إلى استشعار خيفة، لا إلى تغليب ظن وتلويح متلقى من مسالك الاجتهاد (٣) .
٣- إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في اثنين تحكم، أي ترجيح بلا مرجح.
٤- أن الغلبة الثمنية أصبحت واقعًا للنقود الورقية، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط وليس إحداثًا لاجتهاد جديد إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط؛ لأن الحكم كان موجودا معلقًا، وقد تحقق شرطه في جزئيته، فيجب إثبات الحكم.
стр. 2146
٥- أن عدم إجراء الربا فيها تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات.
وبعد، فإن تصفح كلام العلماء لا شك يساعد على تكوين رأي وإعطاء صورة مميزة لأي موضوع، ذلك هو الهدف وراء مراجعة كلام الأقدمين والمتأخرين، ومقارنة أقوال المحللين والمحرمين.
إلا أن النتيجة الأولى التي يمكن أن يخرج بها المرء بعد أن طالع أقوال الفقهاء، هي ملاحظة الاضطراب الواضح عند أكثرهم في هذه المسألة، فلا يكاد أحدهم يبرم رأيا إلا كر عليه بالنقض، ولا يبسط وجها إلا عاد عليه بالقبض، وهكذا دواليك، حتى يقول القارئ: حنانيك بعض القول أهون من بعض، والفلوس إلا تكن عينًا فإنها ليست غير عرض ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) .
والشبهة بدون شك قائمة إذ حدها: ما تجاذبته الأدلة، أو أشبه أصلين دون قياس علة مستقل، وهنا تجاذب هذه القضية العفو، وهو أصل يرجع إليه عند سكوت الشارع، وعدم ثبوت سبب أو قيام مانع لحديث: ((وما سكت عنه فهو عفو فاقبلو من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] )) (١) .
стр. 2147
والأصل الثاني: هو شبه النقود الورقية بالعين لوجود علة مظنونة وحكمة مقدرة، وقد أجمل الفخر الرازي حكمة الربا في أربعة أسباب:
١- أولهما أنه أخذ مال الغير بغير عوض.
٢- ثانيهما: أن في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الاشتغال في الاكتساب؛ لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا؛ خف عليه اكتساب المعيشة، فإذا فشى في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق؛ لأن مصلحة العالم لا تنتظم إلا بالتجارة والصناعة والعمارة.
٣- الثالث: أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض.
٤- الرابع: أن الغالب في المقرض أن يكون غنيًا، وفي المستقرض أن يكون فقيرًا، فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف (١) .
وعلله الشيخ ابن عاشور بأنه حكم معلل بالمظنة.
أن كثرة العلل قد يدل على صعوبة التعليل، وفي التعليل بالمظنة خروج من المأزق، وكل ذلك يدل على صعوبة مركب القائسين وتوجه وجه حكم بين حكمين، لاشتباه الشبه في أوجه السالكين، فالشبهة تنشأ عن أسباب منها كون النص خفيا وورود نصين متعارضين، ومنها ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا" (٢) .
ومعلوم أن موضوعنا لا يوجد فيه نص خفي أو ظاهر، فضلا عن وجود نصين متعارضين، فهو بالطبع من النوع الثالث الذي يؤخذ من القياس، وقد اختلف فيه العلماء، فهو إذًا شبهة، فما هو حكم الشبهة؟
وقد فسر الإمام أحمد ﵀ الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام (٣) .
وقال الماوردي "هي المكروه؛ لأنه عقبة بين الحلال والحرام" (٤) .
стр. 2148
فإذا كان الأمر على ما ذكرت، والإمام مالك يصرح بالكراهة، ومن أصول مذهبه قيام حكم بين حكمين، والأئمة الآخرون لا يكرهون، فأنا أكره ما كرهه مالك ﵀، والكراهة حكم من الأحكام الخمسة يجب أن يعاد إلى حياة المسلمين العملية في بيوعهم وأنكحتهم، فيمتاز أهل الورع عن غيرهم، ويترك لذي الحاجة مندوحة عن ارتكاب الأثم السافر، إلا أنها كراهة تحريم شديدة، والله أعلم.
وكأني بقائل يقول: أحللت الربا، وأنا أقول ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين أفتى في الخمر بأنها إذا طبخت وتخللت حتى ذهبت شدتها يجوز شربها، فقال له قائل: احللتها ياعمر. فقال: والله لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله، والحق أحق أن يتبع".
стр. 2149
المسألة الثالثة
التغيرات التي تطرأ على العملات من غير الذهب والفضة من بطلان ونقصان أو رجحان، وأثرها في المعاملات:
١- إذا بطل التداول بعملة كانت رائجة في جميع البلدان، فهل لذلك تأثير على العقود التي وقعت بها؟
ومن كانت مترتبة في ذمته، فهل له أن يدفعها بعينها وإن كانت باطلة، أو عليه أن يدفع قيمتها؟
في ذلك مذاهب، ومذهب أبي حنيفة أن العقد يفسد ببطلان رواج الثمن، ويفسخ البيع ما دام ذلك ممكنا بوجود المبيع بحاله قبل قبضه، فيرده المشتري، وإن تلف رد مثله أو قيمته، وإن كانت قرضا أو مهرا مؤجلاً رد مثلها وإن كانت كاسدة؛ لأنها هي الثابتة في ذمته.
والمشهور عند الشافعية والمالكية أن ذلك لا يفسد العقد، وأن الذي ترتب في ذمة المدين وليس عليه الدائن سواه، ويعتبر ذلك كجائحة نزلت به، سواء كان الدين قرضا أو ثمن مبيع أوغير ذلك، وذهب بعض المالكية إلى أن الواجب على المدين السلعة يوم قبضها من العملة الرائجة.
ومن الجدير بالملاحظة أن الخلاف في المذهب المالكي، وإن كان الراجح فيه أن يدفع مثل الفلوس الباطلة، كما قال خليل في مختصره: "وإن بطلت فلوس فالمثل، أو عدمت فالقيمة"، فإنهم مع ذلك بنوا هذه المسألة على قاعدة يفهم منها اعتبار القول المقابل؛ لأنهم بنوا عليه لزوم القيمة إذا مطل المدين، وبناء القول الراجح على قول مرجوح يدل على أن له حظا من النظر، تلك القاعدة هي: إذا فقد المعنى المقصود مع وجود العين المحسوسة، هل يجعل الحكم تابعًا للمعنى فيقرر بعدمه عدم العين، أو لا يقدر كالعدم لوجود عينه؟
قال ميارة الفاسي في تكميل المنهج:
إِن فقدَ الْمعنَى الذي قَد قَصَدَا
مع بقاءِ العينِ فِي حسٍّ بَدَا
هلْ يجعلُ الحكمَ لمعنًى تَبعا
أو يتبعُ العين خلافٌ سُمِعَا
كَسِكةٍ فِي ذمةٍ ثم انقطعْ
بِهَا التعاملُ فَحقّقْ تتبعْ
لِلأولِ القيمةُ والثاني المثل
وشهرَ الثاني نعم به العمل
لكنه مقيدٌ بما إِذا
لم يحصلِ المطلُ فقلْ ياحبَّذَا
وإن يكن فأوجبنْ عليهِ ما
آلَ لهُ الأمرُ لظلمٍ قد سَمَا
قلتُ وهذا ظاهرٌ إِن كان ما
آلَ له الأمرُ رفيعًا فَاعْلَمَا
(١) .
стр. 2150
٢- بطلان رواجها في بعض البلاد دون بعض، فالمشهور عند الأحناف أن ذلك لا يوجب فساد العقد، وأن البائع بالخيار بين أن يدفع له المشتري العملة التي وقع العقد عليها، أو التي تروج في بعض البلدان، وإن كانت لا تروج في بلد البيع، وبين أخذ قيمتها من عملة رائجة فيه، وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن الحكم في ذلك مثل الحكم في بطلان العملة في جميع البلدان.
٣- انعدام العملة المترتبة في الذمة بفقدانها وعدم توفرها في الأسواق، والجمهور على أنه تجب قيمتها، إلا أنهم اختلفوا في الوقت الذي تجب فيه، فعند الحنابلة أنه آخر وقت قبل الانقطاع، وهو مذهب الحنفية المفتى به عندهم وهو، قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: إنه يوم التعامل.
وأما أبو حنيفة فقال: إن ذلك يوجب فسادا لبيع كبطلان العملة، وعند الشافعية أن القيمة تجب في وقت المطالبة.
والمشهور عند المالكية أنها تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق والانعدام، على ما اختاره خليل بن إسحاق في مختصره تبعًا لابن الحاجب، والقول الثاني أنها تعتبر يوم الحكم، قال أبو الحسن: وهو الصواب. البرزلي: وهو ظاهر المدونة.
стр. 2151
فكان على المصنف أن يذكر القولين أو يقتصر على الثاني.
٤- طرق النقصان والرجحان، أي أن العملة بعد تقررها في ذمة المدين تغيرت قيمتها بالزيادة أو بالنقص، فماذا عليه أن يؤديه للداين في هذه الحال؟
فيه ثلاث أقوال:
الأول: وهو المشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة وقولٌ لأبي حنيفة: أن الواجب على المدين أداؤه نفس العملة التي وقع التعاقد عليها وإن نقصت أو زادت.
الثانى: قول أبي يوسف وهو: أن على المدين أن يؤدي قيمة العملة التي تغيرت بالنقصان أو بالزيادة، ولا يلزم الدائن أن يقبل ما وقع عليه التعاقد إذا نقص.
الثالث: ما استظهره الرهوني من التفصيل مقيدا به القول المشهور في مذهب المالكية من كون اللازم في بطلان الفلوس وأولى تغيرها بالزيادة والنقصان؛ هو المثل. قال: وينبغى أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه؛ لوجود العلة التي علل بها المخالف (١) .
стр. 2152
وبعد، فإن تفصيل الرهوني جيد، إلا أنه لم يحدد النسبة التي إذا وصل إليها الرخص رجع بها الدائن على المدين، سواء كان دين قرض يقصد به المعروف والإحسان أو دين بيع تتوخى فيه المكايسة والربح، ونحن نقترح للبحث نسبة الثلث قياسا له على الجائحة في الثمار؛ لأن الجائحة أمر خارج عن إرادة المتعاقدين، وليست من فعل أحد حتى يرجع عليه البائع أن شاء. أما ما كان بفعل آدمي فقال القاضي: المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة، وهنا لا يوجد شخص معين مسئول حتى يقيم عليه المتضرر دعوى، فالحكمة في الجائحة أنه لما كان الناس لابد لهم من بيع ثمارهم أَمَرَ الشارع برد الجائحة.
ففى الحديث ((إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) ، رواه مسلم في صحيحه وابن ماجه وأحمد، يدل على أن العلة في وضع الجائحة هو أخذ المال بغير حق، وهو إيماء إلى العلة، وذهب إلى اعتبار الجائحة في الجملة أحمد ومالك وأكثر أهل المدينة، وبه قال الشافعي في القديم،، وقد رد الاستشهاد بالحديث الذي تمسك به الشافعي في الجديد وأبو حنيفة.
وقال مالك: إن الجائحة تكون في ضمان البائع إذا وصلت إلى الثلث فما فوق، وهي رواية عن أحمد.
стр. 2153
كما أن الثلث يعتبر في الغبن الذي يقع على أحد المتعاقدين قبل الاكتفاء بالثلث، لتحقيق الغبن عند ابن عاصم، وقيل: لا بد من الزيادة على الثلث عند ابن القصار، ونفى خليل اعتباره مطلقًا فقال: "لا بغبن، ولو خالف العادة".
وقال ابن عاصم الغرناطي:
وَمَنْ بِغَبْنٍ فِي مَبِيعٍ قَامَا
فَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يَجُوزَ الْعَامَا
وَأَنْ يكونَ جَاهِلاً بِمَا صَنَعْ
وَالْغَبْنُ بِالثُّلُثِ فَمَا زَادَ وَقَعْ.
والحاصل أن الغرر اليسير مغتفر، والغرر الكثير معتبر، والثلث مرة كثير ومرة يسير عند الفقهاء. قال الزقاق في المنهج المنتخب:
وكثرةُ الثلثِ فِي الْمعَاقلهْ
جَائِحَة خَفَّ وحملُ العاقلهْ
وَذَنب الأضْحَاةِ وَالَّذي اسْتحَقّ
مِن فندقٍ وشبهه قاضٍ يحقّ
أَن ْيَنْقَسمَ كَدَارِ سُكْنَى رَدفْ
لاَ ضرَّ لا نَقْصَ وفِي الْعَيْبْ اخْتلفْ
فِي الدَّارِ كالمِثلي مُطلقًا كَما
فِي ذنب وَنَزر نصفٌ عُلِمَا
إلى أن قال في المسائل التي يعتبر الثلث فيها نزرًا، إذ لابد من الزيادة عليه لإحداث حكم مؤثر:
стр. 2154
أمَّا مسائل الوصايا وَالْغَلثْ
تَبرعُ العرسِ فَمن نزرَ الثلثْ
فِي قصدِهَا لا ذِي خلافٍ وَثمرْ
كصُبْرةٍ دَانيةٍ وَمن ذكرْ
غَبنًا فَمنْهُ وبياض قَد ألفْ
فِي أُذنِ أصخاةٍ تَرددٌ عُرفْ
كَحليةٍ وَالحوزِ والأباري
مَسَائل الزَّكاةِ غرس جَارِي
تَبرعُ المريضِ أو حَابى وما
ضُمِن كالعرسِ وَشبه عُلِمَا
أجمل المنجور في شرحه هذه الأبيات عند كلامه على الغبن أقوال المالكية.
فقال ابن عبد السلام: مشهور المذهب عدم القيام بالغبن، وعن ابن الحاجب قيل: الثلث غبن، وقيل: ما خرج عن المعتاد. ابن القصار: يقام بالغبن إذا زاد على الثلث.
ولعل هذه المسألة يرجع فيها إلى قاعدة أخرى، وهي: هل يتعين ما في الذمة أو لا يتعين، فإذا قلنا بتعيينه لزمه ما تقرر في الذمة يوم التعاقد قدرًا وصفة، وإذا قلنا بعدم تعينه لم يلزمه إلا ما آل إليه الأمل، وهذه القاعدة ذكرها صاحب المنهج المنتخب فقال:
وَهل تعين لِمَا فِي الذمةِ
هل ينقل الحكم بعَيدِ نيتى
تبدلت ... إلخ. يراجع في هذه المسألة المنجور، والفرق السابع والثمانون من فروق شهاب الدين الفراقي.
والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الطريق.
стр. 2155
الخلاصة
الحاصل أن هذه المسألة وإن كانت أكثر نصوص الفقهاء فيها على عدم إلزام المدين بجبر الضرر الذي نزل بالدائن؛ فإن وجه المصلحة بيّن، واندراج هذه الجزئية تحت عمومات كثيرة ترقى بها عن المصالح المرسلة لتجعلها في نطاق المصالح المعتبرة للشارع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وخبر ((لا ضرر ولا ضرار)) ، ((ولم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) .
وهي جديرة بالاجتهاد؛ لأن تغير العملة يقترب من الجوائح كالثمار في مهب الرياح الغوادي والروائح مما يستدعي الاستنجاد بمقيدات ومرسلات المصالح.
وبهذا يقيد استرسال الأقلام، ونكتفى من طرق الموضوع بالإلمام، وإن لا نكن قد وفقنا في فتق رتقه وفتحه، فعسى أن نكون قد ساهمنا في إثارة بحثه وطرحه.
ونستغفر الله العظيم ونتوب إليه مما بدر منا فيه من هفوة أو زلل، أو تقصير في حق أو تجاوز في نطق أو علم.
اللهم صل على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا.
стр. 2156
الوثائق
أحكام النقود واستبدال العملات في الفقه الإسلامي
فضيلة الدكتور علي أحمد السالوس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحكام النقود واستبدال العملات في الفقه الإسلامي
الحمد لله، نحمده ، ونستعينه ونستهديه، ونسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصبحه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.
أيها الأخوة. . .
الذين يدرسون تاريخ النقود، وتاريخ التعامل البشري، يعرفون أن الإنسان، مر بمراحل تسبق النقود، عندما كان هناك نظام المقايضة، وأن نظام المقايضة كانت له عيوبه الكثيرة، ولذلك اهتدى الإنسان بفضل الله تعالى، إلى اختراع وسيلة للتبادل، تكون مقياسًا للقيمة، وتكون معيارًا متعارفًا عليه، لتقييم السلع والخدمات، ووسيلة للتعامل، يقبلها الناس، عامة الناس.
стр. 2157
اتخذ الإنسان أشياء معينة أو أنواعًا معينة من السلع، إلى أن هداه الله تعالى إلى الذهب والفضة. فأخذ الإنسان يتعامل بهذين المعدنين كالنقود؛ لما للذهب والفضة من خصائص تميز كلا منهما، من حيث البقاء دون تلف، والتقسيم إلى قطع، وعدم التغير بالاستعمال، وعدم التغير بالتخزين. . . إلى آخره.
لا نريد أن نخوض كثيرًا في هذه النواحى الاقتصادية، ولكن الذي أريد أن أقوله بأن الرسول ﷺ عندما بعث كان العالم آنذاك يتعامل بنوعين من النقود، هما: الدينار الذهبي، والدرهم الفضى.
وقد وضع الرسول ﷺ أحكامًا عامة لتعامل الناس، من هذه الأحكام ما يتصل بالنقود، ولذلك نجد في أبواب الفقه بابًا يسمى "باب الصرف"، وهذا خلاف النحو والصرف.
ونجد عنوان "الربا في الصرف"، فما الصرف؟
تعريف الفقهاء للصرف هو: بيع الأثمان بعضها ببعض: فإذا بعنا ثمنًا بثمن فهو صرف. والأثمان آنذاك كانت من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، هذا الباب" - باب الصرف - له أحكام خاصة.
حتى نعرف هذه الأحكام، ننظر إلى ما روي من أحاديث شريفة تبين هذه الأحكام.
من هذه الأحاديث الشريفة ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه، من أن الرسول ﷺ قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد)) . ومن الأحاديث الشريفة الأخرى: ((الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء)) (والورق: العملة الفضية) .
وفي رواية أخرى: ((فمن زاد أو استزدا فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) .
إذا تتبعنا أحاديث سيدنا رسول الله ﷺ نجد أن هذه الأحكام التي ذكرت اتصلت بستة أصناف هي: القمح، والشعير، والتمر، والملح، والذهب أو الدينار، والفضة أو الدرهم.
وهذه الأصناف الستة هي المسماة بالأصناف الربوية، أي الأصناف التي لها تعامل خاص، فإذا خالفنا هذا التعامل وقعنا في الربا.
стр. 2158
ما هذا التعامل؟
ننظر مرة أخرى: بعد ذكر الأصناف ((مثلاً بمثل، سواء بسواء)) ، ثم ((يدًا بيد)) وفي حديث آخر ((هاء وهاء)) وكلمة هاء معناها: خذ، ومعنى ذلك أن كل واحد من المتبايعين يقول للآخر: خذ وفي رواية ((هاء وهات)) أي خذ وهات.
من هذه الأحاديث الشريفة استنبط الفقهاء شرطين واضحين، ولا خلاف حول هذين الشرطين.
ما هذان الشرطان؟
الأصناف الستة التي ذكرت، عند تبادل صنف بصنف من نفس الجنس، وإن اختلفا في الجودة أو الرداءة، لا بد أن يكون بنفس الكيل أو الوزن؛ ((مثلاً بمثل، سواء بسواء)) هذا شرط.
والشرط الثاني هو ((يدًا بيد)) ((هاء وهاء)) خذ وهات، أي القبض في المجلس. إذن معنى هذا أيها الأخوة، أننا عندما نتعامل في هذه الأصناف الستة – حتى لا نقع في الربا، ولسنا في حاجة إلى أن نتحدث عن الربا وما ذكره القرآن الكريم عن هذا الموضوع وكذلك السنة النبوية الشريفة، لعل القرآن الكريم لم يتحدث عن شيء بالصورة التي تحدث بها عن الربا بالنسبة للمعاملات، حتى ذكر الخلود في النار بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لسنا في حاجة إلى أن نتحدث في هذا، حتى لا يطول الحديث، وإنما تقول هنا: هذه الأصناف الستة، إذا أردنا أن نبادل جنسًا بجنسه فلا بد من أمرين:
١- التساوي في الكيل أو الوزن.
٢- القبض في المجلس.
يعنى مثلاً: عندي نوع من التمر، وأنت عندك نوع آخر من التمر، وأنا أريد ما عندك، وأنت تريد ما عندى.
يشترط هنا أن يكون نفس الكيل، وأن يتم القبض في المجلس، ربما قال بعضهم: إنه مختلف هذا، جيد وهذا ردئ، فكيف يكون نفس الكيل؟
التمر الجيد هذا مثل التمر الرديء!
стр. 2159
حدث هذا في عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، جاءه نوع من التمر جيد، يسمى "جنيب" ليس فيه صفة رديئة يسأل الرسول ﵊: أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبتاع الصاع من هذا بالصاعين، (نبتاع أي نشتري) والصاعين بالثلاثة. فقال سيدنا رسول الله ﷺ : ((لا تفعل)) . وفي رواية أخرى ((إنه عين الربا)) .
ماذا يفعل إذن؟ تمر جيد وتمر ردئ، قال له: ((بع الجمع (أى الرديء) بالدراهم، وابتع بالدراهم جنيبًا))
ومعنى هذا أننا إذا أردنا أن نتبادل نوعًا بنوع آخر من الجنس نفسه، فلا بد من التساوي في الكيل أو الوزن، فإذا كان الفرق بين النوعين كبيرًا من حيث الجودة، ولا نرضى بالتساوي مع هذا الفرق، ولا يجوز التفاضل مع اتحاد الجنس، فمن الممكن أن نبيع هذا بالنقود ونشتري ذاك، فعندئذ نعود إلى المقياس، مقياس القيمة، الوسيلة التي نتبادل بها، كمقياس للقيمة، للسلع والخدمات، الوسيلة المتعارف عليها " بع الجمع بالدراهم - بالنقود - ثم ابتع بالدراهم جنيبًا".
إذن هنا الأصناف الستة هذه عند تبادل الصنف بالصنف، لا بد من أن يكون التماثل تامًا في الوزن أو الكيل، وأن يكون القبض في المجلس.
стр. 2160
"فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم - لا مساواة ولا تماثل - إذا كان يدًا بيد ".
ومعنى هذا أن الشرطين ذهب منهما شرط، وبقي شرط آخر دنانير بدراهم: لا مانع، ولكن إذا كان يدًا بيد ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء ... )) (في المجلس) ولذلك أيها الإخوة، من الأخطاء الشائعة في عصرنا تبادل بعض هذه الأصناف وعدم القبض في المجلس، أو تبادل جنس بجنسه والاختلاف في الوزن، مثل: ذهب قديم وذهب جديد.
هذه المسألة شائعة، الفرق الذي يدفع في مثل هذه المسألة ربا، مثل التمر الجنيب والجمع.
فإذا أردت أن ابتعد عن الربا هنا إما أن يكون نفس الوزن، أو أبيع هذا الذهب وأشتري غيره، أما في حالة التبادل، فلا بد أن يكون بنفس الكيل أو نفس الوزن، بالنسبة لهذه الأصناف الستة.
الرسول ﵊ ذكر أصنافًا ستة، فهل معنى ذلك أن التعامل بهذين الشرطين، يقتصر على الأصناف الستة؟ أم أن هذا ذكر كأمثلة، وما يشترك مع هذه الأصناف في العلة، يأخذ نفس الحكم؟
стр. 2161
أهل الظاهر، قالوا: لا، الرسول ﷺ ذكر ستة أصناف، فالحكم لا يتعداها، لا يشمل شيئًا غيرها. الصحابة الكرام والفقهاء قالوا غير هذا.
إن هناك قاعدة أصولية أبسطها: البر والشعير هذا يسمى (لقب) ، فإذا ذكر شيء مع التحديد باللقب فهنا ننظر: ما يخالف هذا اللقب، وإن اشتراك معه في العلة، أيدخل أم لا يدخل؟
جمهور الأصوليين يقول: بأن اللقب لا يؤخذ به في مفهوم المخالفة؛ لأننا إذا قلنا بأن في البر زكاة أو في الماشية زكاة، فهذا لا يعني ألَّا زكاة في غير البر ولا زكاة في غير الماشية.
ولذلك جمهور الفقهاء قالوا: هنا توجد علة. لنبحث عن هذه العلة،
بدأوا يبحثون عن هذه العلة، فقسموا الأصناف الستة إلى قسمين:
الأول: الذهب والفضة (الدنانير والدراهم) ، هذا قسم.
الثاني: البر والشعير والتمر والملح، قسم آخر.
وجعلوا للأصناف الأربعة علة، وللصنفين علة. فما علة الأصناف الأربعة؟ قال بعضهم: الطعام. وقال آخرون: طعام يدخر، وقال آخرون: شيء يكال.
أى أن من قال بالطعام فقد أدخل كل الطعام، وهذا هو الرأي الراجح.
стр. 2162
ويؤيده ما ورد عن الرسول ﷺ : ((الطعام بالطعام)) وهنا ذكرت كلمة ((طعام)) .
أما بالنسبة للذهب والفضة - الدنانير والدراهم - فوجدنا الفقهاء هنا يختلفون أيضًا في العلة.
الإمام أبو حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد أن العلة هنا هي الوزن، أي أن هذه الأشياء توزن، فكل ما يوزن ينطبق عليه نفس الحكم. (النحاس، الرصاص، الحديد ... إلخ) .
الإمام مالك والإمام الشافعي ورواية ثانية عن الإمام أحمد: أن العلة هنا هي الثمنية، أى أن هذه الأشياء أثمان.
ونلاحظ هنا أيها الأخوة دقة هؤلاء الفقهاء، وكيف أن الله قد وهبهم الفقه ودقة الفهم، بالنسبة للأثمان لم توجد أثمان أخرى غير هذا، ولكنهم لحظوا هنا أن العلة الثمنية.
стр. 2163
ولذلك نجد في تعريف الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، إذن هنا أثمان وطعام.
طعام من نفس الجنس، أو ثمن من نفس الجنس. الشرطان لا بد منهما: التماثل، والقبض في المجلس.
والطعام إن كان من جنس آخر من الطعام، والذهب بالفضة، في هذه الحالة يسقط شرط التماثل، ويبقى شرط القبض في المجلس، الطعام بثمن، أو الثمن بطعام، في هذه الحالة يسقط الشرطان، ولعلكم تذكرون هنا الأحكام الخاصة بالبيع الآجل والسلم.
البيع الآجل هو أن تكون السلعة حاضرة والثمن مؤجلاً.
والسلم هو أن يكون الثمن حاضرًا والسلعة مؤجلة.
إذن معنى هذا: لا يشترط التماثل في الكيل ولا في الوزن، ولا يشترط قبض في المجلس إلا للسلعة في البيع الآجل، ورأس مال السلم. .
نترك ما يتصل بالطعام ونأتي إلى موضوعنا وهو: أحكام النقود.
في عصر الرسول ﵊ وجدنا هنا أن الحكم الذي ذكره الرسول ﷺ كان يتصل بالذهب أو الدينار، والفضة أو الدرهم، ونلاحظ أنه لم يكن هناك دينار إسلامى؛ لأن الدينار الإسلامي لم يظهر إلا في عهد الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي، فكان المنتشر هناك الدنانير الرومية.
стр. 2164
فإذا أريد استبدالها بغيرها من الدنانير أو من الذهب، فلا بد عندئذ من التماثل في الوزن، والعدد عند التساوى في الوزن، وكذلك الدراهم إن كانت يمانية بشامية أو غير ذلك، فلا بد من نفس الوزن أو نفس العدد ما دام التبادل دراهم بدراهم أو دينار بدينار، أما دراهم بدنانير، فالتبادل بحسب السعر السائد، ولكن يشترط القبض في المجلس.
هذا الحكم يسمى حكم الصرف، لكن وجدنا أحكامًا أخرى متصلة بالنقود في عهد النبي ﷺ ، وجدنا السلم فرأس مال السلم يكون من النقود، عندما ندفع، ندفع نقودًا، شركة المضاربة - الشركة التي تقوم عليها البنوك الإسلامية الآن - رأس مالها كان من الذهب أو الفضة، الدنانير أو الدراهم.
حد السرقة، ربع دينار، نقطة أهم من هذا بكثير، الزكاة، عندنا زكاة الزروع، زكاة الحيوان، زكاة التجارة، ولكن النقود أخذت حكما خاصًا، فجعل في النقود زكاة، سواء استخدمناها في التجارة أم لم نستخدمها، عندنا سلع نتاجر فيها، نأتي في نهاية العام ونقوم القيمة ونخرج الزكاة، هذه السلع إذا لم نستخدمها في التجارة، لا شيء عليها مهما بلغت قيمتها، ولكن إذا كان لدينا نقود من الذهب أو الفضة ننظر: هل تصل النصاب أم لا تصل؟ إذا وصلت النصاب لابد من الزكاة، حتى لو كانت مدخرة في البيت غير موظفة في عمل ما، والرسول ﷺ حدد نصاب الزكاة، زكاة النقود والتجارة ٢. ٥ %، ولكن النصاب حدده المصطفى ﷺ بـ ٢٠ دينارًا من الذهب أو ٢٠٠ درهم من الفضة، إذن من وجد عنده عشرين دينارًا أو أكثر - وهذا المبلغ زائد عن حاجاته الفعلية - هنا يخرج الزكان بنسبة ٢. ٥ % من مجموع المبلغ.
стр. 2165
عنده ٢٠٠ درهم، هنا يخرج أيضًا ٢. ٥ %، إذن تحدد النصاب بالدنانير الذهبية والدراهم الفضية، وجاء القرآن محذرًا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ ٣٥]
الذهب والفضة يشملان كما ذكرنا من قبل الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، وأي كنز لا بد من الإنفاق منه، وكل مال أخرجت زكاته فليس بكنز، هذه ناحية.
وناحية أخرى أنه مادام مالاً، فيجب أن يكون في صالح الجماعة؛ لأن المال مال الله، ومال الله معناه أن يكون في صالح الجماعة، ولذلك حتى مع إخراج الزكاة، على المسلم إلا يكنزه، إلا إذا كان مضطرًا، ولكن إذا استطاع أن يستثمره لصالحه وصالح الجماعة، فلا بد أن يفعل هذا، والأحكام هنا جاءت هكذا، بلا مشكلات، ثم بدأت تظهر مشكلة. بعد مدة ظهرت الفلوس، والفلس عملة نحاسية، الدينار يمكن أن يؤخذ من عدد أكبر من الدراهم. ولكن الدرهم إذا أردنا أقل منه فما كنا نجد عملة أقل إلا أجزاءه كالنصف والربع. فبدأت تظهر الفلوس، وهنا بدأ الخلاف يظهر في التطبيق العملي.
الفلوس: أتأخذ حكم الذهب والفضة، أم لا تأخذ؟ ما دامت أثمانًا فهل ينفذ عليها حكم الذهب والفضة؟ سئل الإمام مالك عن ذلك.
стр. 2166
وأرجو أن نلاحظ هنا كيف كان فقهاؤنا؟ انظروا إلى ما قاله إمام دار الهجرة بعد أن بين أن الفلوس تأخذ نفس الحكم ما دامت أثمانًا.
قال: لو أن الناس اتخذوا الجلود حتى يكون لها سكة وعين (فتكون مثل الدنانير والدراهم) لكرهتها أن تباع نظرة (أى نسيئة وتأجيلاً) ، أي لا بد أن يكون القبض في المجلس. ننظر إلى هذا القول من الإمام مالك.
الفلوس تأخذ حكم الدنانير والدراهم، ليس هذا فقط بل إذا وجدنا الناس يتعاملون بالجلود، فأصبحت الجلود مقياسًا للقيمة ووسيلة للتبادل، وتحظى بالقبول العام، هنا تأخذ نفس الحكم؛ لأنها أصبحت نقودًا، فتأخذ نفس الحكم.
الذين قالوا بأن العلة هي الوزن، قالوا هنا: مع أن هذه من النحاس، والنحاس يوزن، إلا أن هذا خرج عن الوزن، فأصبح بالعد، فلا يأخذ الحكم، ولكن إذا كان النحاس عملة رائجة، فلا يجوز أن نتبادل مع الزيادة.
الشافعية مع أنهم قالوا بأن العلة هي الثمن، قالوا: هذا لا ينطبق على الفلوس؛ لأنها عروض وليست أثمانًا.
علماء خراسان من الشافعية رأوا الفلوس تروج هناك، فقالوا: تأخذ نفس الحكم، وجمهور الشافعية اعتبر هذا رأيا شاذًا، فلم يوافقوا علماء خراسان.
وتأتي هنا مناقشة لطيفة بين فقهاء الحنفية وفقهاء الشافعية، قال الحنفية للشافعية: أنتم قلتم بأن العلة هي الثمنية، وأن هذه العلة قاصرة، لا تتعدى الذهب والفضة، فما قيمة هذه العلة؟ ما دمنا قد أخذنا الحكم من النص، بالنسبة للذهب والفضة، فالعلة إنما هي للتطبيق؛ لإلحاق شيء بشيء، أما أنتم فلم تلحقوا.
فرد الشافعية هنا بقولهم: إن العلة القاصرة لها فائدتان:
الأولى: حتى نعلم أن هذه الأشياء لا يقاس عليها، فلا نطمع أن نقيس عليها شيئًا آخر.
والثانية: أنه قد يجدّ شيء يشترك مع هذه الأشياء في العلة، فيلحق بها.
معنى هذا أنهم رأوا في وقتهم، ما جاء شيء يلحق بالذهب والفضة.
واعتبروا أن النحاس ليس من الأثمان، والعملة النحاسية عملة صغيرة، ولذلك كلمة المفلس تطلق على من لا يملك إلا الفلوس.
стр. 2167
أنهم اعتبروا أن هذه لا تبلغ أن تكون قيمة للأشياء وأثمانًا؛ لأن هناك الذهب والفضة.
إذن بدأ الخلاف هنا بالنسبة للفلوس، وقد كان للفلوس دور قليل جدًا، فالخلاف لم يبد له أثر، هذا الخلاف على أشياء لا قيمة لها، أشياء ثانوية، ولكن نجد بعد هذا تطور النقود، حتى وجدنا العملة الذهبية تختفي، والعملة الفضية كذلك، وهنا تأتي المشكلة الحقيقية.
الأحكام تعلقت بالعملة الذهبية والعملة الفضية، وفي عصرنا لا توجد عملة ذهبية ولا فضية، وإنما يتعامل الناس بالعملة الورقية، أوراق بنكنوت شيكات ... إلخ.
فهنا أصبحت مشكلة بالنسبة لأحكام الصرف، هل تطبق أم لا تطبق؟ الربا: هل يطبق على هذه النقود أم لا يطبق؟ الزكاة: هل تخرج من هذه النقود، أم هي ليست نقودًا فلا نخرج زكاة؟
السارق إذا سرق بعض هذه الأوراق؟ هل تقطع يده أم لا تقطع؟ أتعتبر هذه الأوراق نقودًا أم لا نعتبرها؟
شركة المضاربة الآن، لا يوجد نقود من ذهب ولا فضة، إذن لا توجد شركة مضاربة الآن، لا يحل أن تكون هذه شركة موجودة الآن، لذلك كان الأمر محتاجًا إلى اجتهاد من فقهاء العصر.
стр. 2168
مجمع البحوث الإسلامية نظر في هذا الموضوع من ناحية الزكاة، هل هذه الأوراق نقود أم ليست كذلك؟ لا شك أنها نقود؛ لأنها تقوم بنفس الدور الذي كان يقوم به الدينار الذهبي والدرهم الفضي، نفس الشيء، مقياس للقيمة قيمة السلع والخدمات ووسيلة للتبادل يحظى بالقبول العام، بل الآن أصبح القبول العام إجباريًا.
هنا ننظر باعتبار أنها نقود أمر مفروغ منه، وإنما النظر بالنسبة للزكاة.
هذه الأوراق نخرج زكاتها أم لا زكاة فيها؟ وإذا كنا نخرج عنها زكاة فما نصابها؟
بحث المؤتمر هذا الموضوع المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية وقرر الآتي:
إن هذه الأوراق تقدر بقيمتها ذهبًا، فإذا بلغت نصابًا وجبت فيها الزكاة.
وما النصاب؟ عشرون دينارًا، وأين الدنانير هذه؟ بالبحث وجد أن العشرين دينارًا تزن خمسة وثمانين جرامًا من الذهب، إذن معنى هذا مثلاً إذا كان معي ريالات قطرية، فلكي أعرف أوصلت نصابًا أم لا؟ فعلي أن أبحث عن سعر الذهب، فإذا وجدت هذه الريالات تساوي ما قيمته ٨٥ جرامًا من الذهب أو أكثر ففي هذه الحالة تجب الزكاة، فأخرج ريالاً عن كل أربعين ريالاً.
стр. 2169
بعض الناس عندما ظهرت العملة الورقية لأول مرة شككوا فيها، وما عرفوا تكييفها، بعضهم يقول: هذه ليست نقودًا، وآخرون يقولون: هذه نقود، ثم بحث هذا الأمر هيئة كبار العلماء بالسعودية، فماذا قالوا؟ فتوى هذه الهيئة بعد البحث والتعاون مع خبراء من الاقتصاد، رأي هؤلاء العلماء أن النقود لها وظيفة، وليس لها حد شرعي، كما ذكر ذلك من قبل ابن تميمة، فما قام بنفس الوظيفة التي كان يقوم بها الدينار والدرهم أخذ نفس الأحكام.
إذن هذه نقود، مثل الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، ولكن إذا كان ريال قطري بريال قطري، نعرف أن هذا مثل هذا، فإن اختلف الأمر بين الدنانير والدراهم، فكيف نحدد الاختلاف؟ قالوا هنا بأن عملة كل دولة تعتبر جنسًا، فالريالات السعودية جنس، والقطرية جنس، والدولار الأمريكى جنس، والجنيه الاسترلينى جنس، وهكذا...
فإذا أردت أن أبادل ريالات قطرية، بأخرى سعودية فلا مانع مع الزيادة أو النقصان، " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد "، وإن سمي هذا ريالا وذاك ريالاً، فدرهم قطر مثلاً غير درهم الإمارات، والجنيه المصري غير الجنيه الإسترليني، والدينار الكويتي غير الدينار العراقي، وهكذا ...
إذن هنا أصبح عندنا نقود لكل دولة، وكل نقد يعتبر جنسًا، فلا يحل أن أعطي ريالات قطرية بريالات قطرية أكثر، لا يحل هذا لأنه ربا، ولا يحل أن أبادل ريالات قطرية بأخرى سعودية ما لم يتم القبض في المجلس، إذن عند اتحاد العملة يشترط هنا التساوي تمامًا، فإذا اختلفت العملة جاز التبادل، مع اشتراط القبض في المجلس، فإن العملة الورقية الحالية تقوم، لا بدور الفلوس، وإنما بدور الذهب والفضة تمامًا. فلان غني، ليس معناه أن عنده مبلغًا كبيرًا من الذهب والفضة، فقد لا يملك إلا ثروة ضخمة من العملة الورقية.
السارق إن سرق، فإنه يسرق ورقًا. مهر الزوجة مجموعة ورق، وتُستحل الفروج بهذه الأوراق، ما لم تكن نقودًا فكيف تستحل؟
البنوك الإسلامية عندما قامت وأرادت أن تطبق نظام شركة المضاربة اعتمدت على العملة الورقية الحالية.
عندما نشتري بطريق السلم الآن، فرأس مال السلم الآن عملة ورقية.
стр. 2170
إذن العملة الورقية تقوم بنفس الدور تمامًا،
وإذا لم نكنز ذهبًا ولا فضة، ولكن كنزنا مليارًا من العملة الورقية، ألا يعتبر ذلك كنزًا وإن لم يكن ذهبًا ولا فضة؟
إننا لا نتعامل بنقود ذهبية ولا فضية، والآن يعرف فلان بأنه غنى؛ لأن عنده مبلغ كذا من الريالات الورقية مثلاً، أو غير الريالات،
إذن لابد أن نتقيد بهذا القيد، وهو القبض في المجلس عند التبادل، ما دامت نقود اليوم تأخذ أحكام نقود الأمس.
تذهب إلى البنك، إلى محل الصرافة، إلى أي مكان؛ لتغيير عملة واستبدالها بعملة أخرى، لا بد من القبض الفوري في نفس المجلس.
إذا تأخرت أو أجلت، ولو لوقت قصير، وقعت في الربا.
ولكن أيها الأخوة، جدت في عصرنا مشكلات، فمثلاً: معي ريالات قطرية أريد أن أستبدلها بجنيهات مصرية، لو ذهبت إلى البنك لأخذ جنيهات مصرية، فلا يمكن أن أقبضها؛ لأن الدولة تمنع هذا، وكثير من الدول تمنع هذا فعلاً، نسمع هذه عملة حرة، وهذه عليها قيود معينة في الدخول والخروج، فلا يسمح بذلك إلا بشروط معينة.
إذن هنا: سأدفع هنا وأتسلم في مصر.
واحد هنا يريد أن يرسل مالا لابنه في أمريكا، يدفع هنا ويتسلم ابنه في أمريكا، أين القبض في المجلس؟ مشكلة.
واحد عليه دين بالجنيهات المصرية، ويريد أن يدفعها هنا بالريالات القطرية، مشكلات كثيرة جدت.
ننظر أيها الأخوة إلى شيء حدث في عهد الرسول ﷺ ، وشيء آخر حدث بعد عهده.
الذي حدث في عهد الرسول ﷺ ، هو: أن عبد الله بن عمر كان يبيع الأبل بالنقيع، فكان يبيع أحيانًا بالعاجل وأحيانًا بالآجل، فيبيع لهذا بالدنانير، ثم يأتي عند الاستلام، فيقول له صاحب الدنانير: ليس معي إلا دراهم. ويبيع لهذا بدراهم، وعند الدفع يقول له المشتري: ليس معي إلا دنانير، فذهب إلى الرسول فقال: جئت أسألك أني أبيع الأبل بالنقيع، أبيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير.
قال له الرسول ﷺ : لا بأس إن كان بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء.
стр. 2171
ما معنى هذا؟
باع هذا بعشرة دنانير، وجاء يوم السداد فقال له: ليس معي إلا دراهم. ننظر إلى السعر في هذا اليوم، يوم السداد، عشرة دنانير تساوي كم درهمًا؟
فهو يأخذ عند السداد من الدراهم ما يساوي تمامًا الدنانير العشرة، أي كأنه يأخذ عشرة دنانير غير منقوصة.
وهذا " ما لم تفترقا وبينكما شيء "، أي لا بد من السعر الآن، ولا بد من القبض في المجلس.
يعني لا نأتي ونحول في الذمة ثم ننصرف، وبعد ذلك نأخذ الدراهم، فلا بد إذن من أن نتسلم بسعر اليوم عند السداد، وفي الحال.
شيء آخر، نحن عرفنا من قبل ما كان من شأن الزبير بن العوام ﵁، وكيف أن الله بارك في ماله.
عبد الله بن الزبير كان في مكة، وأخوه مصعب كان في العراق، فكان بعضهم يأتي إلى عبد الله أحيانًا ويقول له: أنا ذاهب إلى العراق، ومعي نقود من الذهب أو الفضة، وأخشى عليها أن تضيع مني في الطريق، ثم يعرض عليه أن يأخذ منه نقوده في مكة، ليتسلم بدلا منها في العراق من أخيه مصعب، فيقبلها ابن الزبير، ويكتب له ورقة، فإذا وصل المسافر إلى العراق، ذهب إلى مصعب، وأبرز الورقة، ثم يأخذ المبلغ المكتوب فيها، والذي سلمه إلى ابن الزبير في مكة.
الورقة هذه التي أعطاها عبد الله بن الزبير لذلك الرجل في مثل هذه الحالة، تسمى في الفقه الإسلامي "السَُفْتَجة"، وهذا نظير ما يحدث الآن؛
أذهب إلى البنك وأقول له: أريد جنيهات مصرية، أعطني شيكًا بتاريخ اليوم أو حوالة، فكأن القبض في المجلس قد تم.
فكما تم مع عبد الله بن الزبير، (النقود من جانب، والسفتجة من جانب آخر) والآن أيضًا، النقود من جانب، والشيك أو الحوالة من جانب آخر، بشرط تاريخ اليوم وسعر اليوم.
ولذلك مجمع البحوث بحث مسألة الحوالة هذه، وأفتى بأنها حلال.
تأتي النقطة الأخرى، وهي: ما واجهنا بكثير من الأسئلة، مسألة الديون، أنا حولت كذا منذ كذا عام لفلان، وأريد أن آخذ منه الآن، نقول له: ماذا طلب منك؟ هل طلب منك ريالات، أم جنيهات مصرية؟ يقول: جنيهات مصرية.
إذن هو مدين لك بكم؟ ألف جنيه مصري.
إذن لك عنده ألف جنيه مصري.
стр. 2172
يقول هذا ألف جنيه مصري الآن، أحول كذا (ريال) ، ولكن وقتها كذا (ريال) ، لا شأن لنا بهذا، هو مدين بكذا، إذن يعطيك ألف جنيه مصري، وإذا أخذت جنيهًا واحدًا زيادة، فهو ربا. فإذا أردت أن تأخذ بالريالات يعطيك بسعر اليوم، وليس بسعر عام أو عامين. يقول المقرض: أنا دفعت وقتها ٤٠٠ ريال مثلاً، فآخذ الآن ٤٠٠ ريال. نقول له: انظر إلى القرض، أنت ماذا اقرضت؟ أقرضت ريالات؟ أم جنيهات؟
إذا كان ريالات تأخذ ريالات، وإن كان جنيهات تأخذ جنيهات.
ولذلك نذكر هنا من عمل البنوك الإسلامية ما يتصل بموضوعنا، أشرنا من قبل إلى الاعتمادات المستندية.
وقلنا بأنه أحيانًا، بعد النظر في المستندات، البنك عندما يدفع النقود للمصدر، قد يجد النقود لا تكفي، فيدفع مما معه جزءا من النقود، البنك الإسلامي يذكر صراحة أن هذا القرض حسن، والبنك الربوي يحسب هذا بفائدة، من يوم الدفع إلى يوم وصول المستندات، فإذا وصلت المستندات ولم يدفع يعتبر لهذا دينا بفائدة أعلى. أما البنك الإسلامي فيذكر صراحة أن هذا قرض حسن. البنك هنا عندما يدفع النقود للمصدر في دولة أخرى، قد يدفع عملة مختلفة عن التي يتعامل بها مع عميله.
مثلا: بيت التمويل الكويتي يستورد أشياء من إنجلترا، المصدر هنا يريد الإسترليني، والبنك يتعامل بالدينار، ولا شأن له بالجنيه الإسترليني، ماذا يعمل؟ هناك وكيل على العميل، يدفع بالدينار الكويتي، ويقوم بعملية الصرف بالإسترليني، ويقيد الآن في الحال ما دفعه بالدينار الكويتي، بعد هذا إذا ارتفع الدينار أو انخفض، لا شأن له.
يقول له: أنا دفعت لك مبلغ كذا بالدينار الكويتي، والمصدر طلب الثمن بالجنيه الإسترليني، فحولنا فالتحويل كان كذا، الآن لو أنني أريد أن أقرض أحدًا، وأخشى مثلاً من العملة هذه. أقرض بعملة أخرى، ولكن العملة التي أقرض بها هي التي آخذها عند السداد، لا أقرض بعملة وآخذ بأخرى، فإذا أخذت بأخرى، آخذ بسعر يوم السداد، وليس بسعر يوم الدفع.
فلا بد أولاً أن أحدد القرض الآن بأي عملة؟
اختر العملة التي تشاء، ولكن المهم أنني ما دامت أقرضت، فلا أنظر إلى اختلاف سعر العملة بين يوم القرض وبين هذا اليوم، وإنما آخذ نفس العدد الذي أقرضته بسعر يوم السداد.
стр. 2173
عقدت عدة مؤتمرات، وبحث موضوع النقود وأحكام النقود، وأقرت الكثرة الكاثرة التي حضرت هذه المؤتمرات بأن العملة الورقية الحالية ينطبق عليها أحكام الصرف.
ولذلك نجد بعض البنوك الربوية تتعامل بسعرين: بالسعر العاجل كذا، والسعر الآجل كذا، البنوك الإسلامية، إذا أردت أن تستبدل عملة منها، لا بد أن يكون في الحال، سعر الصرف، سعر اليوم كذا، لا تسمح بالتأجيل.
ولهذا أيها الإخوة ما نسمع عنه من أعمال البورصة، وأن هناك شراء أو بيع عملة بالآجل، هذا نوع من الربا، لكي نتبادل عملة لا بد أن يكون الآن القبض في المجلس، فإذا لم يتم ذلك لسبب من الأسباب، أو ضرورة من الضرورات، أو ظرف من الظروف القاهرة، فهناك شيء يقوم مقامه، كما قامت السفتجة، بغير هذا نقع في الربا، والعياذ بالله.
إذن مجمع البحوث الإسلامية، هيئة كبار علماء السعودية، مؤتمرات مختلفة. كل هؤلاء قالوا بأن هذه نقود؛ لأنها هي كذلك فعلاً، تقوم بدور النقود، وأن الاقتصاديين يعرفون النقود بالوظيفة بأنها هي كل ما يقوم بدور النقود.
إذا وجدنا رأيا يعارض هذا، فإننا نقول: ما وجدنا رأيًا جماعيًا قط، وإنما وجدنا رأي فَردٍ، نتج عنه أشياء خطيرة للغاية، كيف هذا؟
стр. 2174
يأتي أحدهم لتحويل عملة - وهذا كان شائعًا لدرجة غير عادية في الكويت نتيجة فتوى معينة - يقول: أنا أريد أن أحول دنانير إلى جنيهات مصرية، فيسألونه: أتريد الآن؟ الدينار مثلاً بثلاثة جنيهات، أو بعد شهر: بزيادة عشرين قرشًا، أو بعد عام: أربعة جنيهات، وهكذا ... يزيد الثمن كلما زاد الأجل، معنى هذا أيها الإخوة أنها حيلة للوصول إلى الربا. يعني: هو أخذ بثلاثة جنيهات، مائة دينار بثلاثمائة جنيه، ثم قال له: بعد شهر مثلاً كم تبلغ فائدتها؟ ويرفع الفائدة، بعد عام، الفائدة كم؟ فيرفع الفائدة ...
لا يقول له: فائدة، وإنما ما دام مؤجلاً فهو بسعر كذا، فجاءت فتوى بأن هذا حلال. فقلنا: إذا كان هذا حلالا، فما الربا إذن؟ أي حالة ربوية يمكن أن نحولها إلى بيع بهذه الطريقة، والفتوى قاست هذه المعاملة على السلم.
ولكن معنى السلم: سعلة ونقود، النقود أولا والسلعة مؤجلة، وإنما هذه المعاملة: نقود بنقود، والنقود لا يكون فيها سلم، وإنما فيها قبض في المجلس، ولذلك السلم فيما يقوم به السعر ربا، والشبهة آتية من أن النقود مثل السلعة في نظر الذي أفتى بالحل، نقول له حينئذ: لا، السلعة نريدها ذاتها، نستعملها، نستفيد منها، أما الورقة هذه فلا قيمة لها إلا أنها مقياس لقيمة، ووسيلة للتبادل، أما في ذاتها فقد نجد ورقة مثل هذه نافعة أكثر منها (وأشار المحاضر إلى منديل من الورق) .
إذن، هذه الفتوى كان لها أضرار خطيرة للغاية. والحمد لله تعالى أن الفتاوى الجماعية ظهرت، فأوقفتها عند حدها، وأبطلت ما جاءت به، وإلا لكانت كارثة. لذلك عندما رد على هذا رد ببيان الفتاوى الجماعية، وبالطبع مشكلات العصر لا تحل باجتهاد فردي، وإنما تحل باجتهاد جماعي.
هذا والحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 2175
قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة
المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة:
بـ. د/٧/٢- ١٤٠٦/٣
القرار السادس
حول العملة الورقية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدم إليه في موضوع العملة الورقية وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرر ما يلي:
أولاً: أنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة.
وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل.
وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوم الأشياء في هذا العصر؛ لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية.
وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه، فضلاً ونسيًا، كما يجرى ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا؛ باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسا عليهما. وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.
ثانيا: يعتبر الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس. وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلاً ونسيًا، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان.