← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

السؤال الثالث والعشرون الذي أعتقده حسبما هو مفصل في البحث الذي قدمته لمجمع الفقه الإسلامي أن دخول الشهور هو من الوقت الذي يمكن فيه رؤية الهلال وهذا الوقت قد يستند إلى الرؤية البصرية مع ما يصحب الرؤية البصرية من وهم وخداع نظر وإمكان كذب المخبر، وقد يستند إمكان رؤية الهلال إلى الحساب، وقد بلغ من الدقة في عصرنا هذا مبلغ اليقين وإذا كانت الرؤية البصرية ظنية والرؤية الحسابية يقينية فإن من القواعد تقديم اليقين على الظن إلا أن الحساب يجب أن يدقق لا على وقت ميلاد الهلال وإنما على وقت إمكان رؤيته. السؤال الرابع والعشرون حكم عمل المسلم في الدوائر الحكومية في البلدان المسلمة قد اختلفت فيه أقوال العلماء: فذهب ابن رشد إلى أن إجارة المسلم نفسه من الكافر على أربعة أنواع: جائزة: أن يعمل المسلم عملًا في محله لا في محل الكافر كالصانع الذي يعمل للناس في مصنعه. ومكروهة: أن يكون العمل كله للمؤجر، ولكنه ليس تحت يده كالمقارض والمساقي. ومحظور: ما كان تحت يد الكافر كأجير في بيت وإجارة المرأة نفسها المرضع ولده. والحرام: أن يؤاجر منه نفسه فما لا يحل من عمل الخمر ورعي الخنازير وهذا يفسخ فإن فات تصدق بالأجرة على المساكين (الحطاب: ٣/ ٤١٩) . وفي المهذب أن من الشافعية من قال: لو استأجر الكافر مسلمًا ففيه قولان: ومنهم من قال: يصح قولًا واحدا (التحفة بحاشية الشرواني: ٦/ ١٢٢) . وبهذا فإن عمل المسلم في الحقل الإداري غير الإسلامي قد تبين حكمه في أعلاه ونزيد هنا بيانًا لبعض الخصوصيات: أن العمل في الدوائر الاستراتيجية أو الذرية إن كان الغرض من ذلك مجرد التحصيل على القوت بواسطة الشغل فإن العمل في هذه الدوائر لا يجوز لأن فيه عونا على تخريب العالم وتهديد أمنه، وإن كان الغرض منه اكتساب الخبرات ليستفيد منها العالم الإسلامي في يوم من الأيام فهي جائزة بل مأجور صاحبها.

стр. 2347

أجوبة فضيلة الشيخ محيي الدين قادي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على أفضاله وأهل الصلاة والسلام سيدنا محمد وصحبه وآله. السؤال الثالث (١) ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم، خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج حيث تدعي مسلمات كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان إذ إنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في وضع شديد الحرج؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد بأن زواج المسلمة بغير المسلم محظور لا يجوز بحال من الأحوال عند فقهاء الإسلام. جاء في المذهب الحنفي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز لقوله تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ لأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في الدين. وقد أشار القرآن إلى ذلك في آخر الآية الكريمة السالفة الذكر بقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأنهن يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببًا داعيًا إلى الحرام فكان حرامًا. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار تعم الكفرة أجمعين، فيعم الحكم بعموم العلة، فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي، لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز (٢) وجاء في المذهب المالكي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز البتة وقد أخذ ابن القاسم الحكم بعدم زواج المسلمة من غير المسلم من قول مالك في ذمي اشترى أمة مسلمة ووطئها: أن يقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبوا على ذلك ويضربوا بعد التقدم (٣) فإذا كان هذا في وطء الكافر الأمة المسلمة فمن باب أولى نكاحه الحرة المسلمة عند مالك.

стр. 2348

وقد أورد سحنون فيها عدة آثار مع الصحابة والتابعين تمنع زواج المسلمة بغير المسلم بكل وضوح، وها هي ذي تلكم الآثار: ١- روي عن سيدنا عمر ﵁ أنه كتب يقول: إن المسلم ينكح النصرانية، ولا ينكح النصراني المسلمة. ٢- وروي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: لا ينكح اليهودي المسلمة ولا النصراني المسلمة. ٣- وروي عن ربيعة شيخ مالك بن أنس وأحد فقهاء التابعين أنه قال: لا يجوز للنصراني أن ينكح الحرة المسلمة. وعنه أيضًا أنه قال في نصراني أنكحه قوم، وهو يخبرهم أنه مسلم فلما خشي أن يطلع عليه أسلم وقد بنى بها. قال: يفرق بينهما وإن رضي أهل المرأة؛ لأن نكاحه كان لا يحل، وكان لها الصداق ثم إن رجع إلى الكفر بعد إسلامه ضربت عنقه. ٤- روي عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن أبي سلمة يسأل: هل يصح للمسلمة أن تنكح النصراني؟ قال: لا. قال بكيري: وقال ذلك قسيط والقاسم بن محمد،قال: ولا يهودي، وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قالوا: فإن فعل ذلك فرق بينهما السلطان (١) وهكذا في المذهبين: الشافعي والحنبلي قال في المغني: والإجماع منعقد على تحريم تزوج المسلمات للكفار (٢)

стр. 2349

والإجماع كما قال سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور –﵀ إما مستند إلى دليل تلقاء الصحابة من النبي ﷺ وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فعلق النهي عن الكفر وهو أعلم من الشرك وكقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ في الآية الآنفة الذكر، والإشارة إلى المشركين والمشركات إلا لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع، وهي تعليل للنهي عن نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، والدعاء إلى النار معناه الدعاء إلى أسباب الدخول إلى النار لأن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم. ولما كانت رابطة الزواج رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها ممن يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء أشدهما للآخر، ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله، ولا يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدًا جدًا، لا يجمعهم شيء يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين. أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله، وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء، ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى من طرفهم وعدم اعتقادنا ذلك، وإيماننا برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعدم إيمانهم بذلك، ويفرق بيننا وبين اليهود عدم إيمانهم بمحمد ﷺ وعدم تصديقهم بنبوة عيسى ﵇ فأباح الله للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج المسلمة من الكتابي اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية، وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالبًا إياه إلى الإسلام لأنها أضعف منه جانبًا. وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه لذلك السبب، وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج المسلم الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة (١)

стр. 2350

وما سقناه من نصوص عن فقهاء المذاهب الإسلامية يتضح منع زواج المسلمة بغير المسلم دل على ذلك: ١- ظواهر القرآن الكريم كقوله تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وكقوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ . ٢- ظواهر من الآثار عن الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم أجمعين. ٣- القياس كما جاء فيما نقلناه عن سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور – ﵀ ولعله يعني قياس الكتابي على المشرك في حرمة تزوج المسلمة به. ٤- إجماع فقهاء الإسلام من لدن انتقاله صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى إلى يوم الناس هذا، وهو أظهر الأدلة وأقواها، إما الاستناد إلى تضافر الأدلة الشرعية، وإما إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي ﷺ وتواتر بينهم إذ الاجتماع لا يحصل إلا بذلك. ٥- ما يمكن أن نسميه بالدليل العقلي، والذي نقله سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور عن شيخه الأستاذ سالم أبي حاجب رحمهما الله. وانطلاقًا من كل ذلك نجيب بعدم حلية زواج المسلمة بغير المسلم ولو رجت إسلامه بعد الزواج. وأما دعوى مسلمات كثيرات عدم توفر الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان وتوافر الأكفاء في غيرهم فمردودة إذ لا كفاءة بحال من الأحوال بين مسلمة وكافر ولو أعجبها لما سقناه من الأدلة السابقة، ولأن الكفاءة قائمة بالقرآن والسنة بين المسلمين والمسلمات، وليعلم هؤلاء النسبة أن مسلمًا ذا دين خير من كافر ولو أعجبهن قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ والأخوة تقتضي المساواة بين الإخوة ما لم يقم مانع شرعي يمنعها، وقال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال تعالى ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ .

стр. 2351

وقال ﷺ : ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، وإلا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) ، قالوا: وإن كان فيه؟ (أي فقر وقلة مثلًا) فقال ﷺ : ((إذا جاءكم من ترضون)) الحديث ثلاث مرات (١) وقال ﷺ ((إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا)) (٢) وزوج النبي زينب بنت جحش من زيد بن حارثة مولاه (٣) وقد قال تعالى ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ إذن فالكافر في الدين بهذا المفهوم أعني الطاعة والإدعاء لأوامر الله، واجتناب لنواهيه سرًا وعلانية مجمع عليها بين فقهاء الإسلام أيضًا. وقول هؤلاء النسوة: إنهن إن لم يتزوجن بأكفاء غير مسلمين يتعرضن إلى الانحراف أو يعشن في وضع حرج هو من نزغ الشيطان ومن رواسب الجاهلية، فعليهن أن يبرأن إلى الله من خواطر ولَّدَهَا الهوى ورباها الكبرياء وأن يدرسنَّ بإمعان سيرة النساء الصحابيات، وأن يتزودن لحسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة حتى يكنَّ على بصيرة من الأمر والله الموفق للجميع.

стр. 2352

السؤال الرابع ما حكم استمرار الزوجية والمعاشرة بين زوجة دخلت الإسلام وبقي زوجها على الكفر، ولها منه أولاد تخشى عليهم الضياع والانحراف، ولها طمع في أن يهتدي زوجها إلى الإسلام لو استمرت العلاقة الزوجية بينها وبينه؟ وما الحكم فيما إذا لم يكن هناك طمع في إسلامه، ولكنه يحسن معاشرتها وتخشى لو تركته ألا تعثر على زوج مسلم؟ وفي الجواب على هذا السؤال، والله الموفق للصواب، أقول: إذا أسلمت الزوجة، وبقي زوجها على الكفر فلا يخلو الحال من أمرين: ١- أن تسلم قبل البناء فلم يقر على زوجيتها لبينونتها بمجرد إسلامها قال خليل بن إسحاق المالكي: "وقبل البناء بانت مكانها" (١) ٢- وأما إن أسلمت الزوجة بعد البناء: فلا فرق بين أن تكون مجوسية أو كتابية (أي يهودية أو نصرانية) فقد قال إمام دار الهجرة ﵁ "الزوج أملك بالمرأة إذا أسلم وهي في عدتها، فإن انقضت عدتها فلا سبيل له عليها" (٢) . ولا تقبل دعواه الإسلام قبل انقضاء العدة إلا ببينة (٣) . وإن بانت منه بانقضاء عدتها فهل بينونتها طلاق أو فسخ؟ سئل مالك ﵁ عن ذلك فقال: "لا يكون إسلام أحد الزوجين طلاقًا إنما هو فسخ بلا طلاق" (٤)

стр. 2353

والأدلة على ما ذكر معرفة في هدي خير العباد ﷺ مستفيضة منها: ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه بلغه، أن نساء كن في عهد رسول الله ﷺ بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، إلى أن قال: فشهد حنينًا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنه امرأته بذلك النكاح (١) والمدة التي كانت بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام زوجته عاتكة نحوا من شهرين وروى مالك ﵀ في الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: "كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحوا من شهرين، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها" (٢) والمراد بعدم التفرقة بين صفوان بن أمية وزوجته أن نكاحهما لم يفسخ من لدنه ﷺ وأما التفرقة بأن لا يجامعها فهي متيقنة وأن يذكر الراوي كما قال الباجي (٣) والمدة قدرت في هذا الحديث بنحو الشهرين وجاء في المدونة أن مالكًا قال: قال ابن شهاب: كان بين إسلام امرأة صفوان وبين إسلام صفوان نحوا من شهر (٤) ومنها ما رواه مالك أيضًا عن ابن شهاب: "أن أم حكيم بنت الحراث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك" (٥) والحديثان مرسلان.

стр. 2354

قال الباجي: "ومراسيل ابن شهاب لا يحتج بها غير أن هاتين القصتين: قصة صفوان بن أمية، وقصة عكرمة قد شهرتا وتواتر خبرهما فكان ذلك يقوم لهما مقام الإسناد المتصل" (١) ومن الأدلة أيضًا ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ رد ابنته زينت على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئًا" رواه أحمد وأبو داود وفي لفظ: رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقًا" وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقًا" رواه أحمد وأبو داود، وكذلك الترمذي وقال فيه: ((لم يحدث نكاحًا)) وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس (٢) وقد روي بإسناد ضعيف عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، ((أن النبي ﵌ رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد)) قال الترمذي في إسناده قال: وقال أحمد: هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرهما على النكاح الأول، وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت والصواب حديث ابن عباس، أن النبي ﵌ ردها بالنكاح الأول (٣) وفي حديث ابن عباس ﵄ يبدو معارضًا لما قلناه سالفًا من أنهما يقران على الزواج الأول ما لم تنقض عدة الزوجة، فإذا انقضت عدتها حصلت الفرقة بين الزوجين، وقد حوصل الباجي إجابات العلماء عن هذا الحديث فقال: ولو ثبت ما روي عن عكرمة عن ابن عباس أنه ردها عليه بالنكاح الأول لاحتمل أن يريد به على مثل الصداق الأول، وقال الزهري: كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، وقال قتادة: كان ذلك قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بين المشركين والمسلمين، ويحتمل أنها لم تكن استكملت ثلاث حيض، ويحتمل أن يكون حكمها منسوخًا، وثبت النسخ بالإجماع على أنها إذا انقضت عدتها وقد بانت منه.. (٤)

стр. 2355

وأما الحديث المروي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن جده فحسبنا ما قبل فيه وما نقلناه عن المذهب المالكي: فمن أسلمت بعد البناء بها هو ما ذهب جمهور الفقهاء والأمصار خلافًا لأهل الكوفة في قولهم: هذا حكم الحربيين دون الوثنين وأهل الذمة فإن أسلمت منهم المرأة قبل عرض عليه (أي الإسلام) فإن أسلم في الوقت فهو أحق بها، وإن لم يسلم عجل التفريق بينهما. والدليل على ما نقوله: أن هذا كفر يمنع استدامة النكاح فكان حكمه موقوفًا على إسلام ككفر الكتابيين الحربيين" (١) وخلافًا للنخعي الذي شذ عن جمهور الفقهاء فلم يتبعه أحد زعم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ ((رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا)) أي يكون الزوج أملك لحق الزوجية وإن طالت المدة (٢) وقد ذهب ابن القيم مذهبًا آخر فقال ما ملخصه: إن اعتبار العدة مجال لإقرار الزوجية بين الزوجة التي أسلمت وتأخر إسلام زوجها عن إسلامها لا نعرفه في شيء من الأحاديث ولا نعلم أن النبي ﵌ سأل امرأة أسلمت وتأخر إسلام زوجها عنها هل انقضت عدتك أم لا؟ ولو كان مجرد الإسلام فرقة لكان فرقة بائنة لا رجعة فيها فلا يكون للعدة أثر في بقاء النكاح الأول، وإنما أثرها في صنع نكاحا لغير زوجها الأول فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة، ولكن الذي دل عليه حكمه ﵌ أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انتهت العدة فهي بالخيار إن شاءت تزوجت غيره، وإن شاءت انتظرته، فإن أسلم لم يحتج إلى إحداث زواج جديد، وحسبه زواجه الأول ولا نعلم أحدًا ممن أسلم بعد إسلام زوجته جدد إسلامه البتة.

стр. 2356

وبعد عرض ابن القيم وجهة نظره أعرب عن كونها منبثقة عن اختيار الخلال وأبي بكر صاحب الخلال وابن المنذر وابن حزم، وكونها مذهب الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم (١) ووصف الشوكاني وجهة نظر ابن القيم هذه معقبًا عليها بقوله: وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة (٢) ووصفها الصنعاني بقوله: هي الأقرب في المسالة (٣) وأنا أقول: إنني منذ اهتممت بهذه المسألة في السنة النبوية نحيت هذا المنحى لموافقته لنصوص الحديث الشريف ومواردها، ولكن قلت لا بد من نص من إمام رواية ودراية فوجدت ضالتي في زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، وناهيك به من إمام. وبعد عرضي لمناحي الاجتهاد في هذه القضية، وتعلقي بالمنحنى الاجتهادي القيم لابن القيم أفتي السائلين بأن الزوجة التي أسلمت وطمعت في إسلام زوجها الذي ظل كافرًا بعدها بأن لا تمكنه من الوطء ولا تساكنه في خلوة سدا لذرائع الفساد، وهي زوجته ما دامت في العدة، وتدعوه إلى الإسلام، وتكون معه كأم حكيم مع عكرمة كلما دعاها إلى الفراش وهما باليمن تأبى وتقول أنت كافر وأنا مسلمة فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير، كما روى ذلك ابن مردويه والدارقطني والحاكم (٤) وإن لم يسلم حتى خرجت من العدة فإن شاءت تزوجت، وإن أحبت انتظرته بشرط عدم ملامسته لها المجمع على تحريمه. وأما ما جاء في السؤال من قول السائل: ما الحكم إذا لم تطمع في إسلامه ولكنه يحسن معاشرتها فمردود بأنه لا يتصور إسلاميًا حسن معاشرة مع زوج كافر يشرب الخمر، ويأكل الخنزير ويكفر برسولها وبكتابها ويلد أولادًا فيتبعونه في دينه، وتطعمه الحرام وتسقيه، ويقوم عليها والشرع قد قطع ولاية الكافرين على المؤمنين فقال تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . وأما إدعاء السائل من خوفها على ضياع الأولاد وانحرافهم فمردود أيضًا لأن مالكًا ﵁ سئل عن زوجين نصرانيين أسلمت الزوجة ولها أولاد منه صغار لمن تكون الأولاد؟ وعلى دين من؟ فأجاب: هل على دين الأب.. وكذلك النصرانية إذا كانت حاملًا فأسلمت، ثم ولدت بعد ما أسلمت أن الولد للأب وهم على دين الأب (٥) فأي انحراف يزعمه هذا السائل بعد الكفر؟ بهذا أفتي وأسال الله التوفيق للصواب والله أعلم.

стр. 2357

السؤال الخامس ما حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين حيث لا يسمح بالدفن خارج المقابر المعدة لذلك، ولا توجد مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات الأمريكية، والأقطار الأوربية؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الملهم للصواب فأقول: إن الدفن للمسلم في مقابر الكفار في الظروف العادية، ومع الاختيار محرم، وإن حصل وجب التداول ما لم يخش التغير، جاء في العتبية أن ابن القاسم سئل عن امرأة نصرانية قال لها ختنها: أسلمي يا فلانة. فقالت: نعم، وأمرت بغسل ثيابها، وقالت كيف أقول؟ قال: قلت لها: قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، فقالت كل هذا، ثم ماتت، فدفنت في قبور النصارى. وقال ابن القاسم: اذهب فانبشها، ثم غسلوها، وصلوا عليها، إلا أن تكون قد تغيرت (١) قال ابن رشد في شرحه عليها المسمى بـ "البيان والتحصيل" وهذا كما قال لأن الكفار يعذبون في قبورهم وهي تتأذى من أجل ذلك لمجاورتهم، فواجب أن تنبش وتحول إلى مقابر المسلمين (٢) وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق في مختصره وقال عاطفًا على ما يتدارك بعد الدفن بالنبش، "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، إن لم يخف التغير" (٣) وقد صرح سيدي عبد الباقي الزرقاني في شرحه عليه بأن التدارك هنا واجب ما لم يخش التغير (٤) وذكر الشيخ سليمان الجمل من فقهاء الشافعية أنه إذا مات مسلم بالبحر في سفينة والساحل بعيد، أو به مانع فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ثم يجعل ندبًا بين لوحين لئلا ينتفخ ثم يلقى لينبذه البحر إلى الساحل وإن كان أهله كفارًا، لاحتمال أن يجده مسلم فيدفنه، ويجوز أن يثقل لينزل إلى القرار وإن كان أهل البر مسلمين.

стр. 2358

وذلك لأن القصد من دفن الميت في شرعنا العزيز صونه عن انتهاك جسمه، وانتشار ريحه، المستلزم للتأذي بها، واستقذار جيفته، ومنع أذاها عمن عند القبر بحيث لا يتأذى تأذيًا لا يحتمل عادة (١) كما ندبت إلى دفنه في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى ﵇ لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي ﷺ : ((لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر)) (٢) ونهت نهي تحريم عن دفنه في مقابر الكفار لتأذيه بمجاورتهم، قال الخرقي من فقهاء الحنابلة: "وإن ماتت نصرانية، وهي حاملة من مسلم دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى (٣) قال شارحه ابن قدامة: اختار هذا أحمد لأنها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها ولا في مقبرة الكفار لأن ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم، وتدفن منفردة (٤)

стр. 2359

إلى هذا الحد شدد فقهاء الإسلام النكير على دفن المسلم في مقابر الكفار، فإن توفي ببلاد الكفر وحيث لا توجد مقبرة خاصة بالمسلمين فكيف الصنيع في ميزان الشرع؟ إن أمكن نقله إلى بلدة بها مقبرة خاصة بالمسلمين، لا يخشى تغير الميت في أثنائه، وانتهاك حرمته، وثقل مؤنته، ونقل وجوبًا، وإن خيف تغيره أثناء النقل أو ثقلت مؤنة النقل بالوسائل السريعة لا ينقل، أما الأول فلانتهاك الحرمة والرسول ﷺ يقول: ((كسر عظم الميت ككسره حيًّا)) قال السيوطي في بيان سبب هذا الحديث وسياقه ما يلي: عن جابر: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظمًا ساقًا أو عضدًا فذهب ليكسرها، فقال النبي ﷺ لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتًا ككسرك إياه حيًا، ولكن درسه في جانب القبر)) (١) فالحديث دليل صريح على أن حرمة الإنسان ميتًا كحرمته حيًا. وأما الثاني فلثقل المؤنة: فالنقل بالطائرة يستلزم أموالًا باهظة لا يستطيعها الكثير ويستطيعها النزر اليسر، والحي من المسلمين أولى بها، ولذلك أنكرت عائشة ﵂ لما وقفت على قبر عبد الرحمن أخيها، وقد نقل من الحبشة إلى مكة حيث دفن والمسافة بعيدة، فقالت: والله لو حضرتك ما دُفِنْتَ إلا حيث مِتَّ، قال صاحب المغني: لأن ذلك أخف لمؤنته، وأسلم له من التغيير (٢) وترتيبًا على ما ذكر أفتي إخواني في بلاد الغربة لأن يدفنوا موتاهم متى بعدت المسافة عن مقابر إسلامية بمقابر الكفار، لأن ذلك أخف مؤنة على الأحياء وأبقى لحرمة الأموات وأسلم لهم من التغيير، والله أعلم.

стр. 2360

السؤال السادس ما حكم بيع المسجد إذا انتقل المسلمون عن المنطقة التي هو فيها، وخيف تلفه أو الاستيلاء عليه، فكثيرًا ما يشتري المسلمون منزلًا ويحولونه مسجدًا فإذا انتقلت غالبية المسلمين من المنطقة لظروف العمل هجر المسجد أو أهمل، وقد يستولي عليه آخرون، ومن الممكن بيعه واستبداله بمسجد مؤسس في مكان فيه مسلمون فما حكم هذا البيع أو الاستبدال؟ إذا لم تتيسر فرصة استبداله بمسجد آخر فما أقرب الوجوه التي يجوز صرف ثمن المسجد فيها؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله الموفق للصواب- سلف المالكية لا يرون بيع الأحباس الأصول والمسجد منها، قال خليل بن إسحاق في مختصره "لا عقار، وإن خرب، ونقض ولو بغير خرب" (١) عاطفا على ما لا يجوز. وأدلتهم على ذلك ما يلي: ١- قوله ﵊ حين قال له عمر: ((أصبحت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث)) (٢) الحديث رواه الجماعة. ٢- عمل السلف الصالح يدل على عدم جواز بيع الأحباس الأصول وإن خربت، جاء فيها: لو كان البيع يجوز فيها (أي الأصول) لما أغفله من مضي ولكن بقاؤه خربًا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة قفي أمر قد كان متقادمًا بأن تأخذ منه ما جرى منه، فالأحباس قديمة ولم تزل وجل ما يوجد منها بالذي به، لم يزل يجري عليه فهو دليلها، فبقاء هذه خرابًا دليل على أن البيع فيها غير مستقيم، لأنه لو استقام لما أخطأ من مضى من صدر هذه الأمة، وما جهله من لم يعمل به حتى تركت خرابًا" (٣) ٣- إن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق.

стр. 2361

٤- سد ذريعة التطرق إلى بيع الأوقاف بدعوى الخراب. ولا يمكن أن يتأول موقف السلف بحال، جاء عن مالك بكتاب ابن المواز: "وما خرب من الحبس فأراد صاحبه بيعه، والاتخاذ بثمنه ما هو أفضل منه، أو انتقل أهل تلك الناحية، وبطل الموضع فأراد صاحبه، أو من هو بيده بحبس، أو بحوزه أو ولاية بيعه، والاشتراء بثمنه في موضع ظاهر عامر يكون حبسًا لا يجوز له ذلك في الرباع بحال وإن ذهب به الزمان أو العدو (١) بقي أن سلف المالكية استثنوا من الحكم السابق أرضًا بجوار المسجد يعني محبسة احتيج إليها لتوسعة المسجد أو الطريق، قال ابن جزي: العقار لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجدًا تحيط به دور محبسة، فلا بأس أن يشتري منها ليوسع به، والطريق كالمسجد في ذلك، وقيل: إن ذلك في مساجد الأمصار لا في مساجد القبائل (٢) ورأى المتأخرون من المالكية جواز بيع الأحباس الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها، وتعويضًا بأصل آخر وجعله حبسًا عوضًا عنها، وكثرت فتاواهم بذلك فقد أفتى أبو عبد الله محمد الحفار ببيع فدان محبس على مصرف من مصاريف البر لا منفعة فيه: أن يباع ويشترى بثمنه فدان آخر يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الأول على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو، وأفتى ابن رشد في أرض محبسة عدمت منفعتها بسبب جيران: أن تباع ويعوض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة من العلماء في الربع المحبس إذا خرب، ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن يثبت أن المنفعة فيه، قاله محمد الحفار.

стр. 2362

وبمثل فتوى أبي يعبد الله الحفار أفتى الأستاذ سعيد بن لب (١) وبمثل فتواهما أفتى ابن هلال في سدس جنان محبس بتازة لا تفي غلته بخدمته: بأن يباع، ويعوض بثمنه ما هو أغبط للحبس (٢) وفي النوازل البرزلي عن شيخه الإمام ابن عرفة ما نصه: "وقعت عندنا مسائل بتونس منها: فندق ابن معطاس تهدم، أفتى شيخنا أن تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارًا ورجع هذا القول وحكم به قاضي الجماعة. ومنها دار خربت من دور المدرسة بالقنطرة أفتى شيخنا ببيعها فبيعت واشترى بثمنها رسم في الغابة بتونس (٣) والقول الأول هو المشهور وعليه جرى العلامة خليل في مختصره، وإن كان العمل قد جرى بتونس وفاس على القول الثاني الذي هو قول المتأخرين والعبرة في جريان العمل العرف لا شهرة القول ورجحانه، قال الزقاق في لاميته: فإن قيل إن البعض مما نقلته ضعيف، نعم لكن العرف عولا (٤) وكما أفتى المتأخرون من المالكية بجواز بيع الأحباس الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها أو قلت أفتوا بجواز الاستبدال والمناقلة والحالة ما ذكر. قال الشيخ ابن أبي زيد القيرواني خاتمة المتقدمين، وفاتحة المتأخرين الملقب بمالك الصغير: "واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب" (٥) وعدم جواز المعاوضة فيما ذكر هو المشهور والذي عليه ابن القاسم، وجرى عليه العلامة خليل في قوله الذي نقلته سابقًا عاطفًا على ما لا يجوز: لا عقار وإن خرب ونقض ولو بغير خرب، أي لا يجوز بيع الربع الخرب ولا استبداله بغير خرب ولا بيع أنقاضه، ولكن جرى العمل في تونس وفاس بغير قول ابن القاسم وبغير ما نقله عن مالك وأفتى الكثير من علماء القطرين بجواز معاوضة الربع الحبس الخرب بغير خرب متى وجد الخراب وقَلَّتِ المنعفة، أو تعطلت من باب أولى، وكان الربع الجديد أكثر قيمة ونفعًا في العمليات الفاسية: كذا معاوضة ربع الحبس على شروط أسست للمؤتسي

стр. 2363

وما قررته سابقًا من الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين في حكم بيع الوقف الأصل إذا خرب وتعطلت منفعته أو قلت مقيدًا بما إذا لم يجعل الواقف للموقوف عليه بيعه، وإلا جاز بيعه بإطلاق، كما لو شرط الواقف بيعه لنفسه فيجوز له بيعه عملًا بالشرط قياسًا على شرط الرجوع في صدقته. ومقيد أيضًا بغير المساجد عند المتأخرين منهم. أما المساجد فلا يجوز بيعها بحال ولو خربت وتعطلت منفعتها، أو كان بجانبها جيران سوء، أو انتقلت العمارة عنها، قال ابن عسكر المالكي البغدادي في كتابه إرشاد السالك: "ولا يجوز بيع المسجد وإن انتقلت العمارة" (١) وقال القرطبي: ولا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة" (٢) وحكى ابن جزي الإجماع على ذلك (٣) واختلفوا في بيع أنقاضها فعن ابن عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة، لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها إذا أضيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وأفتى ابن عرفة في مساجد خربت وأيس من عمارتها بدفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها (٤) وقد أفاض أبو إسحاق الشاطبي في هذه المسألة بما فيه مزيد ضبط وتحقيق فليراجعه من شاء ذلك في الفتاوى له (٥) والخلاصة أن المتقدمين من فقهاء مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ لا يرون جواز بيع الأحباس الأصول ولو خربت، وتعطلت منفعتها، ولا معاوضتها بربع غير خرب إلا لتوسعة المسجد، والطريق، أو المقبرة، ولا سبيل إلى التوسعة إلا بها، ما لم يجعل الواقف عليه ذلك ولا جاز ما ذكر.

стр. 2364

وإن المتأخرين منهم أجازوا ذلك بشرط خراب الوقف، وتعطل منفعته، وجعل ما اشتري أو استبدل من ربع غير خرب حبسًا في مصرف البر الذي كان فيه الأول لكنهم قيدوا ذلك بغير المساجد، أما المساجد فلا يجوز بيعها ولو خربت وتعطلت منفعتها، أو خربت العمارة حولها، ولا استبدالها بما هو أغبط بالإجماع، واختلفوا في جواز بيع أنقاضها، أو دفعها إلى عمارة مسجد آخر كما سبق. وأما المذهب النعماني فقد جاء فيه: إذا خرب ما حول المسجد، واستغني عنه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف يبقى مسجدًا، لأن المحبس أسقط ملكه بتحبيسه فلا يعود إلى ملكه كالإعتاق، ولأن المسجد الحرام استغنى عنه أهله في زمن الفترة، ولما جاء الله بالإسلام لم يعد إلى ورثة الباني له. وقال محمد بن الحسن الشيباني: لا يبقى مسجدًا، ويعود إلى ملك المحبس، أو إلى ملك ورثته بعد موته، لأنه عينه لجهة وقد انقطعت بخرابه ففات غرضه منه، وهو القرابة إلى الله تعالى بمكان يصلي فيه الناس فيعود إلى ملكه، كما لو كفن ميتًا ثم أكله سبع وبقي الكفن يعود إلى ملكه كذا هذا، وقال أيضًا: إذا خرب المسجد حتى لا يصلى فيه، فالذي بناه إن شاء أدخله داره وإن شاء باعه، فإن لم يبق المسجد بان فخرب، وبنى أهل المسجد مسجدًا آخر، ثم أجمعوا على بيعه واستعانوا بثمنه، في بناء المسجد الآخر فلا بأس بذلك كما جاء عنه أيضًا: مسجد بادت القرية من حوله، خربت وجعلت مزارع، وخرب المسجد، ولا يصلي فيه أحد، ولا بأس أن يأخذه صاحبه ويبعه لمن يجعله مزرعة، ويأخذ ثمنه فيأكله، أو يجعله مزرعته (١) وفي المذهب الشافعي: إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد أو خرابها أو بخراب المسجد فلا يعود مملوكًا خلافًا لمحمد بن الحسن "ولا يجوز بيعه بحال ولا التصرف فيه كما لو أعتق عبدًا، ثم زمن لا يعود مملوكًا ثم إن خيف أن تنقضه الشياطين نقض وحفظ، وإن رأى القاضي أن يبنى بنقضه مسجدًا آخر، قال القاضي وابن الصباغ والمتولي: يجوز، وقال المتولي: الأولى من ينقل إلى أقرب الجهات إليه، فإن نقل إلى البعيد جاز، ولا يصرف النقض إلى غير المسجد كالرباطات والقناطر والآبار كما لا يجوز عكسه، لأن الوقت لازم، وقد دعت الضرورة إلى تبديل المحل دون الجهة، والحاصل من ريع وقف عمارة هذا المسجد يصرف إلى عمارة مسجد آخر.

стр. 2365

وقال في الحاوي: ريع المسجد الذي خربت محلته يصرف إلى المساكين لأنه مصرف لا ينقطع لفافتهم على الأبد وقال الخوارزمي في الكافي: إذا خرب المسجد لا يجوز بيعه، ولا بيع شيء منه، ولا نقله إلى موضع آخر، ولا نقل شيء منه، هذا هو المنقول عن عامة الأصحاب، قال: وكذلك مسجد في محلة، أو قرية خربت المحلة واندرست القرية لا يجوز نقل ذلك المسجد إلى موضع آخر، قال: والأصلح عندي جواز نقله إلى موضع آخر وهو مذهب أحمد (١) (محرر مذهب الشافعي من إعلان الساجد للزركشي) . وفي المذهب الحنبلي إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولا يمكن توسعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه. وجاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية إفاضة في هذا الموضوع وبيانًا للمفتى به في المذهب الحنبلي ومما جاء في فتاواه: إجازة نقل المسجد من مكان إلى آخر محتجًا بعمل عمر ﵁ – وذلك لما قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذي نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن لا تقطع الرجل وانقل المسجد، واجعل بيت المال في قبلته فإنه لن يزال في المسجد مصلى فنقله عبد الله، فخط له هذه الخطة. وكذلك أفتى بنقله لضيق المسجد، أو لقذارة موضعه، أو لخوف اللصوص وبجواز بيعه ونقله إلى موضع آخر، فعمر بن الخطاب خرب المسجد الأول مسجد الجامع الذي كان لأهل الكوفة وجعل بدله مسجدًا في موضع آخر، وصار موضع المسجد الأول سوق التمارين.

стр. 2366

وذكر أن هذه الصورة هي التي احتج بها أحمد وأصحابه على من خالفهم، وقال أصحاب أحمد: هذا يقتضي إجماع الصحابة –﵃ عليها من غير نكير، مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدون خطأ لأنهم أنكروا على عمر النهي عن المغالاة في الصدقات حتى ردت عليه امرأة، وردوه عن أن يحد الحامل فقالوا: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلًا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلًا، وأنكروا على عثمان في إتمام الصلاة في الحج حتى قال: إني دخلت بلدًا فيه أهلي، وعارضوا عليًا فحين رأى بيع أمهات الأولاد، فلو كان نقل المساجد منكرًا لكان أحق بالإنكار، لأنه أمر ظاهر ففيه شناعة ونقل عن أبي عبد الله ابن تيمية في "ترغيب القاصد" أن المسجد إذا ضاق بأهله أو تفرق الناس عنه، لخراب المحلة، فإنه يباع، ويصرف ثمنه في إنشاء مسجد آخر أو في شقص (مناب) في المسجد (١) وبعد عرض نصوص المذاهب وأدلتها، وبعد يقيننا بأنه متى وجدت المصلحة فثم شرع الله، وأنه إذا لم يبع ما اتخذ مسجدًا، استولى عليه آخرون، ولم يبقوه مسجدًا، وإن عمر من أجل المصلحة نقل المسجد الجامع من مكانه، وصير المسجد العتيق سوقًا تجارية تعرف في ذلك العهد بسوق التمارين أفتي وأن فقير ربه محيي الدين قادي بجواز بيع المسجد الذي انتقلت بسوق التمارين أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين قادي بجواز بيع المسجد الذي انتقلت غالبية المسلمين عنه لمنطقة أخرى وشراء محل صغير للأقلية الباقية لاتخاذه مسجدًا، والاشتراء بالباقي من ثمنه مسجدًا آخر أو منابًا في مسجد، وإن لم يفِ بذلك صرف في سبل الخير لأن ذلك أصلح المسلمين لما روي عن عائشة –﵂ لما قيل لها: إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع، ويجعل ثمنها في سبيل الخير (٢) والله أعلم.

стр. 2367

السؤال السابع كثيرات من بنات المسلمين ونسائهم تدعوهن ظروف العمل أو الدراسة إلى السفر إلى ولايات أخرى (أبعد من مسافة القصر) بالطائرة أو غيرها من وسائل السفر بدون محرم، ومن غير رفقة من نسوة تعرفهن أو يعرفنها غير رفقة المسافرين والمسافرات عادة، فما حكم هذا السفر؟ فأقول في الجواب –والله الموفق للصواب-: ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ((: لا يحل لامرأة تؤمن باله وباليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها)) (١) والحديث ناطق بحرمة سفر المرأة وحدها، ولا فرق في المرأة بين الشابة والمتجالة (التي ليس للرجل فيها مطمع) وفي نقل للقاضي عياض ﵀ عن بعض الفقهاء: أن النهي منوط بالشابة، وأما المتجالة فتسافر كل الأسفار بلا محرم ولا زوج. وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنه تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، وإن لم يرتضه القرطبي وقال: فيه بعد؛ لعدم جواز الخلوة بالمتجالة واعتبار ما لا يطلع لعيه غالبًا من حسدها عورة يحرم النظر إليه، فالظنة موجودة فيها، والعموم صالح فينبغي أن تخرج منه. وأما ما ورد في السؤال من تقييد السفر بمسافة القصر فمرجعه أن الحديث روي بعديد من الروايات، فحديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما: ((أن تسافر فوق ثلاثة أيام فصاعدًا)) وفي حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين وسنن أبي داود: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها زوج أو محرم)) وفي رواية أحمد ﵁ ((يوم)) وفي أبي داود: ((بريد)) عوض ((يوم)) وفي رواية ((بيومين)) وفي رواية إطلاق السفر من غير التقييد (٢)

стр. 2368

والفقهاء قد اختلفوا في مسافة القصر على نحو عشرين قولًا، ومن بين أسباب الاختلاف بينهم اختلاف السنن والآثار ومن بينها هذا الحديث المروي بروايات متعددة. والحق أنه لا تلازم بين مسافة القصر، ووجوب المحرم، لجواز التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفًا على العباد (١) بالإضافة إلى ما أجاب به العلماء على اختلاف هذه الروايات وأنه لا تعارض بينها، وأن هذا الاختلاف بحسب السائلين، فسئل مرة عن سفر المرأة يومًا؛ فقال: "لا" وهلم جرا، وليس فيه تحديد، ولا مفهوم أحدها. والخلاصة أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لا يجوز للمرأة وإلا ومعها ذو محرم منها (٢) ولم يستثن الإمام الأعظم والإمام أحمد ومن وافقهما سفرًا من الأسفار لا سفر الحج ولا غيره عند انعدام الزوج أو المحرم منها، قالوا: إن الزوج أو المرحم شرط في استطاعة الحج للمرأة، فالسفر حرام عليها إلا مع أحدهما. وذهب مالك والشافعي في المشهور عنهما ومن وافقهما إلى عدم اشتراط المحرم في سفر الحج، وجاء في المدونة: من لا ولي لها تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء واختلف في تأويلها: هل مرادة مجموع الصنفين أو مع جماعة من صنف منهما؟ وأكثر ما نقل عن الإمام ﵁: اشتراط النساء (٣) وقال الشافعي: تحج مع امرأة مسلمة حرة ثقة. هذا والخلاف يجري في حج الفرض، أما حج التطوع فالاتفاق جار على اشتراط المحرم منها أو الزوج (٤) وقيده لحطاب من المالكية بيوم وليلة فأكثر، شابة كانت أو متجالة.

стр. 2369

وسبب الخلاف في حج الفرض معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم وذلك أنه ثبت عنه ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه قال ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)) فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بهذا الحديث أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم (١) وقد نقل الحطاب أن حكم سفرها الواجب جميعه حكم سفرها لحجة الفريضة في الخروج مع الرفقة المأمونة، وعزا هذا القول إلى القاضي عبد الوهاب وغيره، وذلك كسفرها لحجة النذر، والقضاء وجميع الأسفار الواجبة عليها. كما نقل عن الباجي تقييد إطلاق الحديث بالانفراد والعدد اليسير، أما القوافل العظيمة فهي عند الباجي كالبلاد يصح سفر المرأة فيها بدون نساء وذوي محارم، وذكر هذا القيد الزناتي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد ﵁ على أساس أنه المذهب وقيد به قول ابن أبي زيد: والقوة على الوصول إلى مكة، إما راكبًا أو راجلًا مع صحة البدن، ونص كلام الزناتي على ما ذكر الحطاب ما يلي: "إذا كانت في رفقة مأمونة ذات عَدَدٍ وعُدَدٍ أو جيش مأمون من الغلبة والمحلة العظيمة فلا خلاف في جواز سفرها من غير ذي محرم في جميع الأسفار الواجب منها والمندوب والمباح من قول مالك وغيره إذ لا فرق بين ما تقدم ذكره وبين البلد، هكذا ذكره القابسي ونقله في الإكمال عن الباجي وقَبِلَه: ولم يذكر خلافه " (٢) . وبعد بسطنا للمسألة من خلال فقه أئمة المذاهب، واعتمادًا منا على ما قيد به الباجي الحديث، وعلى وصف الزناتي لذلك القيد بأنه المذهب (أي المعتمد في المذهب المالكي) وعزوه للقابسي وبعد نقل صاحب الإكمال له، دون ذكر خلافه، وبعد نظرنا في تطور وسائل النقل تطورًا سريعًا تكفي الدقائق لانتقال الإنسان من ولاية إلى ولاية أبعد من مسافة القصر وبعد نظرنا في تقييد الحطاب السفر بمسيرة ليوم وليلة فأكثر وبعد الاطلاع على أن للشافعي قولًا أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا (٣) أفتى هؤلاء البنات المسلمات بجواز السفر بالحافلات والقطارات والطيارات وبغيرها من وسائل النقل التي تعظم فيها الجماعات ويكون لها شبه بالجيوش والبلدان والمحلات بغير زوج لهن ولا محرم منهم، والله أعلم. حرره فقير ربه محي الدين قادي.

стр. 2370

السؤال الثامن بعض النساء أو الفتيات تضطرهن ظروف العمل، أو الدراسة إلى الإقامة بمفردهن، أو مع نسوة غير مسلمات، فما حكم هذه الإقامة؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي التسديد- فأقول: جاء الإسلام الحنيف معلنا مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة الإنسانية، فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقال ﷺ : ((النساء شقائق الرجال)) ، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، ومبدأ المساواة بينهما في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وصرح فقهاء الإسلام بأن خطاب الأمة الإسلامية في القرآن الكريم يشمل الجنسين: الذكر والأنثى ولو كان بصيغة التذكير. وانطلاقًا من مساواة المرأة للرجل فيما ذكر، جاءت المساواة في التشريع بينهما أصلًا لا يتخلف، إلا عند وجود مانع: جبلي أو شرعي أو اجتماعي، أو سياسي، وفي كل إما أن تكون دائمًا أو مؤقتًا (١) ، ولم ينص على شيء من ذلك فيما أعلم. واهتداء هذا الأصل من أصول التشريع الإسلامي للنظام الاجتماعي تقرر في الفقه الإسلامي جواز إقامة المرأة المسلمة في مسكن خاص بها له غلق ومرافق متى توفر لها الأمن ولا أعلم في ذلك خلافًا، فعن ابن مسعود ﵁ في نساء نعي إليهن أزواجهن، وتشكين الوحشة يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة إلى بيتها بالليل، وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلًا: ((أن رجالًا استشهدوا بأحد، فقال نساؤهم: يا رسول اله، أنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهن أن يتحدثن عن إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها)) كما دل قوله ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: ((لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم)) بطريق دلالة الالتزام على أن المسلمة يجوز لها أن تقيم في مسكن بمفردها وإلا لما ورد النهي عن البيات معها إلا لناكح أو ذي محرم.

стр. 2371

هذا ما يتعلق بشطر السؤال الأول، وهو إقامتها بمفردها في منزل خاص بها. وأما ما يتعلق بشطر السؤال الثاني وهو: إقامتها مع نسوة غير مسلمات فلا يجوز لها ذلك، قال تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن قال ﷻ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال القرطبي في تفسير ذلك يعني المسلمات، وتدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة غيرهم فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئًا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وكان ابن جريح وعبادة بن نسي وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأولون ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وقال عبادة بن نسي: وكتب عمر ﷺ إلى أبي عبيدة بن الجراح: "أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنع ذلك، وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة، قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة، وابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر، لا تريد إلا أن تبيض وجهها، فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه، وقال ابن عباس ﵄: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصرفها لزوجها، وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء" (١) وهذا أولًا، وثانيًا عملًا بقاعدة سد الذرائع وذلك أن المرأة المسلمة موجودة بمجتمع الغرب الذي يعيش بلا قيم ولا أخلاق، لا سيما في مجال الجنس فقد أصبح طليقًا من كل اليوم، فلا يعقل أن نلقي بها في بؤرة فساد ونلزمها بعد ذلك أن تكون عفيفة طاهرة؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه: ألقاه في اليم مكتوفًا، وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وثالثًا: أن الخلاف قد جرى بين السلف من الفقهاء في نظر غير المسلمة إلى المسلمة، لا في مساكنتها، وللمساكنة معنى زائد عن النظر. رابعًا: أن الخلاف بين السلف من الفقهاء في نظر الذمية إلى المسلمة. ونحن نعلم أن شيمة أهل الذمة الصغار بخلاف كفار اليوم فهم الأعزاء والمتسلطون على العالم. وترتيبًا على ذلك أُفتي أخواتي في بلاد الغربة بأنه يجوز لهن الإقامة بمفردهن في مسكن خاص له غلق ومرافق متى توفر الآن، ولا يجوز لهن أن يساكن غير المسلمات كتابيات أو غير كتابيات لأنهن كالرجل الأجنبي بالنسبة لهن، والله أعلم.

стр. 2372

السؤال التاسع كثيرات من النساء هنا (أمريكا الشمالية) يذكرن أن أقصى ما بإمكانهن سترة من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين، وبعضهن تمنعهن جهات العمل، أو الدراسة، من ستر رؤوسهن وأعناقهن، فما أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم المرأة بين الأجانب في محلات العمل أو الدراسة؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الموافق للصواب: أن ما قاله جل النسوة من أن أقصى ما يستطعن ستره من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين هو شرع الله جلل جلاله، إذ عورة المرأة إذا حاضت جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين عند مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: أن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، مع قول أبي حنيفة: أنها كلها عورة كذلك إلا وجهها وكفيها وقدميها ومع الرواية الأخرى عن أحمد: إلا وجهها خاصة (١) ونسب ابن رشد الحفيد إلى الأمام أحمد قولًا ثالثًا وهو أن المرأة كلها عورة (٢) ولم يعزه ابن قدامة في مغنيه إلى الإمام أحمد وإنما إلى بعض أهل المذهب الحنبلي، فقال: وقال بعض أصحابنا المرأة: كلها عورة لأنه قد روى في حديث عن النبي ﷺ : ((المرأة عورة)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ولكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث ابن هشام قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها (٣) وأرجع ابن رشد الحفيد الخلاف في هذه المسألة إلى الاحتمال القائم في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هل هذا المستثنى إلى أن المقصود أعضاء محدودة أم إنما المقصود ما لا يملك ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة، قال: بدنها كله عورة حتى ظهرها واحتج لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه والكفان ذهب إلى أنهما ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج" (٤)

стр. 2373

وسيأتي في الجواب عن السؤال السابع عشر مزيد إيضاح لهذه المسألة. وأما منع بعض الجهات النسوة العاملات عندهن وبعض أماكن الدراسة التلميذات أو الطالبات أو المدرسات من ستر رؤوسهن وأعناقهن وسؤالهن عن أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم المرأة، فالجواب عنه على حسب مذهب الجمهور هو أن بدن المرأة كله عورة ما عدا وجها وكفيها إذا بلغت المحيض، ورخص ابن جرير الطبري لها في كشف يديها إلى نصف الذراع معتمدًا على حديث يرويه عن سيدتي عائشة أم المؤمنين ﵂ وهو: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع)) (١) كما ذكر الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور أن بعض الفقهاء جعل الشعر من الزينة الظاهرة حاكيًا له بقيل المشعرة بتمريضه (٢) ويدل على ضعفه وأيضًا أنه إذا كشف شعر الرأس بدا الجيد واللبة، ولا أحد من الفقهاء فيما أعلم قال بجواز كشفهما، بل جاء في حواشي يوسف الصفتي من المالكية على شرح ابن تركي على متن العشماوية أن الوجه في العورة غير الوجه في الوضوء، لأنه يجب ستر الشعر ولو كانت غماء (٣) هذا أولًا، وثانيًا لما لهما من الأثر العجيب في تحريك الشهوة. وترتيبًا على ذلك أقول: لا يجوز للمرأة إذا عركت- عاملة كانت أو تلميذة في ثانوية، أو طالبة في جامعة أو مدرسة- أن تبدي أكثر من وجهها وكفيها، والله أعلم.

стр. 2374

السؤال العاشر يضطر كثير من الطلاب المسلمين إلى العمل في هذه البلاد لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة لأن كثيرًا منهم لا يكفيه ما يرده من ذويه مما يجعل العمل ضرورة له، لا يمكن أن يعيش بدونه، وكثير منهم لا يجد عملًا إلا في المطاعم تبيع الخمور وتقدم الوجبات فيها لحم الخنزير وغيره من المحرمات فما حكم عمله في هذه المحلات؟ وفي الجواب عن هذا السؤال والله الموفق للصواب، أقول: لم يضبط في السؤال دين صاحب المطعم أو نحلته، والذي يظهر أنه غير مسلم أصالة أو استحلالًا للمحرمات، أو فاسقا معايشا للمعاصي. وعلى كل فالشريعة الإسلامية تحرم على السلم إجارة نفسه للمعاصي قال عبد الرحمن بن عسكر البغدادي المالكي: "لا تجوز إجارة نفسه أو عبده أو دابته أو داره في عمل معصية" (١) ، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد تعدى حدود الله ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وللقاضي ردعه وتأديبه (٢) ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والإجارة على المعصية إعانة عليها. وتنوعت أمثلة ذلك، قال ابن عبد البر في كافيه: ولا يجوز لأحد أن يكري معصرته ولا دابته، ولا سفينته ممن يعمل الخمر ويحملها، وإن فعل ذلك أخذ منه ما قبض ذلك من النصراني لم يحكم له بشيء، وهكذا لو أكرى بيته، أو حانوته، أو قطعة من أرضه ممن يبيع فيها الخمر (٣) وكلام ابن عبد البر عام في المؤاجر نفسه لمعصية عند مسلم أو عند كافر، وأما قوله: "وإن لم يقبض من النصراني" فهو مخرج على الغالب، أن المعهود في عصره ﵀ أنه لا يتاجر في الخمرة بيعًا إلى النصارى.

стр. 2375

وأما إن كان هؤلاء الطلبة يؤاجرون أنفسهم في بلاد الحرب لغير المسلمين في مطاعم تبيح الخمور ولحم الخنزير لحرفائها وغيرها من المحرمات فذلك أشد لأن فقهاء الإسلام كرهوا للمسلم مؤاجرة نفسه للنصراني واليهودي في الحلال له، قال ابن القاسم المالكي: وبلغني أن مالكًا كره أن يؤاجر المسلم نفسه من النصراني (١) وقال أيضًا: سئل مالك عن المسلم يأخذ من النصراني مالًا قرضًا، فكره ذلك له وغيره من أهل العلم قد كره ذلك، وقال: سئل مالك عن المسلم يؤاجر نفسه لنصراني ليحرس له زيتونه، أو يجره له أو يبني له بنيانًا؟ فأجاب: أكره أن يؤاجر نفسه في خدمة هذا النصراني" (٢) والكراهة هنا كراهة تنزيه، ويجوز للمسلم ذلك لأن الإجارة عقد معاوضة كالبيع وإجارة المسلم نفسه فيها مباح له لخدمة النصراني مشروطة بعدم إذلالها أو ليس للمسلم أن يذل نفسه عمومًا وخصوصًا للكافر والله ﷻ يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وأما مع الإهانة فحرام ككونه خادمًا في بيته يقدم له الطعام ويغسل يديه منه ويجري خلفه ويفسخ وله أجر ما عمل (٣) وأما موقف فقهاء الإسلام من مؤاجرة المسلم نفسه في عمل معصيته هي محرمة عليه في شريعة الإسلام فالمنع البات جاء في المدونة: قلت: أرأيت مسلمًا آجر نفسه من نصراني يحمل له خمرًا على دابته أو على نفسه، أيكون له من الأجر شيء؟ أم تكون له إجارة مثله؟

стр. 2376

قال: قال مالك: لا تصلح هذه الإجارة، ولا أرى أنا له من الإجارة التي سمى، ولا من إجارة مثله قليلًا ولا كثيرًا، لأن مالكًا قال في الرجل المسلم يبيع خمرًا، قال مالك: لا أرى أن يعطى من ثمنها قليلًا ولا كثيرًا، والكراء عندي بهذه المنزلة لا أرى أن يعطى من الإجارة قليلًا ولا كثيرًا، قلت: وكذلك أن آجر حانوته من نصراني يبيع فيه خمرًا قال ابن القاسم: وأرى كل مسلم آجر نفسه أو غلامه أو دابته أو داره أو بيته أو شيئًا مما يملكه في شيء من الخمر فلا أرى له من الإجارة قليلًا ولا كثيرًا، ولكن يفعل فيه إن كان قبض ما وصفت لك في ثمن الخمر" (١) قال خليل بن إسحاق المالكي ﵀ في مختصره ذاكرًا مفهوم المنفعة المحظورة: "ولا تعليم غناء ودخول حائص لمسجد أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها لذلك وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح" (٢) ومثل ذلك الإجارة على تقديم لحم الخنزير الذي هو حرام على المسلم في هذه المطاعم، ويؤدب فاعل ذلك، قال ابن القاسم في مسلم آجر نفسه لنصراني ليرعى له خنازيره: أنا أرى أن تؤخذ الإجارة من هذا النصراني ويتصدق بها على المساكين ولا يعطاها هذا المسلم أدبًا لهذا المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا المسلم إذا كانت إجارته من رعيه الخنازير، ورأى أن يضرب هذا المسلم أدبًا، فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه من رعيه الخنازير إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة فيكف عنه في الضرب ولا يعطى من الإجارة شيء، ويتصدق بالأجرة على المسلمين ولا تترك الأجرة للنصراني" (٣) وجاء في المذهب الحنفي: "من استأجر حمالًا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة، عند أبي يوسف ومحمد لا أجر له، كذا ذكر في الأصل وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة وعندهما يكره لهما لأن هذه إجارة على المعصية، لأن حمل الخمر معصية، لكونه إعانة على المعصية وقد قال الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ولهذا لعن الله تعالى عشرة منهم: حاملها والمحمول إليه، ولأبي حنيفة أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب المعصية وهو الشرب لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب فكانت سببًا محضًا فلا حكم له كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: إن ذلك معصية ويكره أكل أجرته (٤)

стр. 2377

السؤال العاشر ما قررناه في المذهب المالكي قال به الإمام الشافعي واعتمد في المذهب الحنبلي حسبما ذكره ابن قدامة في مغنيه (١) وأدلة تحريمه كثيرة مستفيضة في هدي خير العباد وفي آثار السلف الصالح. أما هديه ﷺ فمن جوامع كلمه قوله: ((إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) ، وفي حديث الموطأ أن ابن وعلة المصري سأل عبد الله بن عباس ﵄ عما يعصر من العنب؟ فقال: ابن عباس: ((أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر فقال له رسول الله ﷺ : أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له ﷺ : بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها: فقال له رسول الله ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم بيعها)) (٢) والإجارة بيع لمنفعة. وأما أثار السلف الصالح فقد ساق منها سحنون في المدونة الكثير من ذلك: ١- ما روي عن عياض بن عبد الله السلامي أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: إن لي إبلًا تعمل في السوق ريعها صدقة تحمل الطعام فإذا لم تجحد فربما حملت خمرًا؟ فقال: لا يحل ثمنها، ولا كراؤها ولا شيء منه كان ثمنها فيه سببا" ففتوى عبدا لله بن عمر صريحة ناطقة بتحريم كل ثمن أنجز من حركة في الخمر.

стр. 2378

٢- ما روي عن عميرة المعافري فقال: خرجت حاجًا أنا وصاحب لي حتى قدمنا المدينة فأكرى صاحبي راحلته من صاحب خمر فأخبرني فذهب إلى عبد الله بن عمر فسأله عن ذلك فنهاه عن ذلك وقال: لا خير فيه. ٣- ما روي عن مالك بن كلثوم أنه سأل سعيد بن المسيب عن غلمان له يعملون في السوق على دواب له، فربما حملت خمرًا، قال: فنهاني سعيد عن ذلك أشد النهي، وقال: إن استطعت أن لا تدخل البيت الذي فيه الخمر فلا تدخله (١) وبعد هذا العرض الواسع والمشتمل على تحريم الإجارة في كل منفعة محرمة وبعد إفرادنا للإجارة في الخمر عصرًا وحملًا، وللإجارة على رعي الخنازير وهو أقل جرمًا من تقديم لحومها إلى آكليها، وهو (أقل جرمًا) وبعد تيقنا من أن السنة النبوية الشريفة ما حرمت شيئًا إلا حرمت أكل ثمنه بيعًا، وأنها لعنت في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له، وبعد علمنا بكل ذلك أفتي هؤلاء الطلبة أن لا يؤاجروا أنفسهم في شيء من عمل الخمر، ولا من عمل الخنازير حملًا وتقديمًا وغير ذلك ولا في عمل محرم لأن الله ما حرم شيئًا إلا حرم أكل ثمنه، وما جعل كسب المسلم في ما حرم عليه وما أحل الله أوسع وأطيب، والله الموفق للصواب وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 2379

السؤال الحادي عشر ما حكم بيع المسلم للخمور والخنازير، أو صناعة الخمور وبيعها لغير المسلمين، علمًا بأن بعض المسلمين في هذه البلدان قد اتخذوا من ذلك حرفة لهم؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الموفق للصواب أقول: روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم وعن أبي وعلة المصري أنه سأل عبد الله بن عباس ﵄ عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: ((أهدى رجل رسول الله ﷺ راوية خمر فقال له رسول الله ﷺ : أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح الراجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما)) (١) وروى مالك في الموطأ أيضًا " عن نافع عن بن الله أن رجالًا من أهل العراق قالوا له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فعنصره خمرًا، فنبيعها؟ فقال عبد الله بن عمر: إني أشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها، ولا تباعوها ولا تعصروها، ولا تشربوها ولا تسقوها، فإنها رجس من علم الشيطان" (٢) وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) رواه الجماعة (٣)

стр. 2380

وعن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) رواه أحمد وأبو داود. وإذا تأملنا هذه الأحاديث الشريفة وجدنا أن حديث الموطأ الأول متضمن حرمة عصر الخمور وصناعتها، لأن ابن وعلة المصري سأل حبر الأمة عن حكم ذلك فروى له هذا الحديث الشريف جوابًا عن سؤاله، كما تضمن الحديث أن حرمة أكل الثمن، تابعة لحرمة الشرب. وأما علة التحريم فالرجسية أي النجاسة، والنجس لا يصح بيعه بوجه عام إلا ما رخص فيه، فقال ابن عاصم في تحفة الأحكام: ونجس صفقته محظورة ورخصوا في الزبل للضرورة هذا أولًا، وثانيًا: سد الذريعة، لأن إباحة بيعها تؤدي إلى شربها، ذلك ما قاله العلامة الزرقاني في شرحه على الموطأ (١) هذا وإذا عصرها مسلم لتشرب خمرًا محظورًا وجب عليه أن يريقها، فإن اجترأ وخللها فعن مالك في ذلك روايتان: بالجواز والكراهة. وأما حديث الموطأ الثاني فالعراقيون السائلون لعبد الله بن عمر ﵄ صانعو خمور ولعلهم حديثو عهد بالإسلام (كما قال الزرقاني) وابن عمر منعهم من ذلك، ولا خلاف نعلمه في منعه، والأصل في ذلك الحديث الأول فقد قال صلوات الله وسلامه عليه، للذي أهدي إليه راوية خمر: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها)) .

стр. 2381

والعصير المستخلص من التمر والعنب متفق على ما منبع بيعه وابتياعه وجمهور الفقهاء على إطلاق اسم الخمير على كل ما خامر العقل فأسكره، وأن ما أسكر كثيره قليله حرام شراب وبيعها، فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه: ((كل مسكر خمر)) قال ابن القيم: وهذا نص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده: ولا إجمالا في متنه.. وإخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر يتضمن محذورين: أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه. والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الإسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكمًا آخر. ولما علم النبي ﷺ أن من أمته من يبتلى بهذا كما قال: ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)) قضى قضية كلية عامة، لا يتطرق إلها إجمالًا ولا احتمال، بل هي شافية كافية فقال ﷺ ((كل مسكر خمر)) (١) هذا والذي يظهر من قول ابن عمر ﵄: "ولا تعصروها ولا تشربوها، ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان" المنع من كل تصرف مقصود فيها، وعمل لها، معللًا ذلك بالرجسية، وكونها من عمل الشيطان ومريدًا والله أعلم قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والاجتناب قاض بالكف عن كل تصرف مقصود ففها وعمل لها، وفي الحديث: ((لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبايعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له)) هذا ما يتعلق ببيع الخمر وعصرها وصناعتها، وكل تصرف مقصود فيها، وعمل لها. وأما ما يتعلق بيع الخنازير فقد ورد في هدى خير العباد في الحديث الثالث الذي رواه جابر بن عبد الله ﵄ تحريم بيع الخمر الخنزير والانتفاع به مع ترخيص المالكية في الانتفاع بشعره للخرز بعد جزه لطهارته، فقال خليل بن إسحاق بالعطف على الطاهر وشعر ولو من خنزير إن جزت (٢) وعلى هذا أبو يوسف والأوزاعي. والجمهور على أن علة تحريم بيع الخنزير نجاسته، وعند المالكية ومن وافقهم تحريمه (٣) وأما ما ورد في السؤال ممن تقيد بيعها بغير المسلمين فهو قيد لاغ، لأن اختلاف الدارين لتباين الأحكام إذ دعوة الإسلام نور وهدى، ورحمة وشفاء لا يختلف باختلاف الرباع والأماكن، فإن باع مسلم نصرانيًا خمرًا تراق عليه بحكم أن كان ثم حاكم يرى تخليلها، وإلا أراقها من غير رفع، لأن المسلم لا يصح له تملك الخمر بحال. وترتيبًا على كل ما سبق أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين قادي أنه لا يجوز لمسلم أن يبيع الخمور والخنازير، ولا أن يصنع الخمر وأن ليؤدي على ذلك، والله أعلم.

стр. 2382

السؤال الثاني عشر هناك كثير من الأدوية تحوي كميات مختلفة من الكحول تتراوح بين ٠١? و ٢٥? ومعظم هذه الأدوية من أدوية الزكام واحتقان الأنف والحنجرة والسعال وغيرها من الأمراض السائدة، وتمثل هذه الأدوية الحاوية للكحول ما يقرب من ٩٥? من الأدوية في هذا المجال مما يجعل الحصول على الأدوية الخالية من الكحول عملية صعبة أو متعذرة فما حكم تناول هذه الأدوية؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أقول والله الموفق للصواب: التداوي بالخمر مسألة جرى فيها الخلاف بين علماء الإسلام ففي المذهب الحنفي أثيرت هذه المسألة فقال الزيلعي في شرحه على الكنز في كتاب الكراهية: كل تداو لا يجوز إلا بالأشياء الطاهرة ولا يجوز بالنجس كالخمر، لما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: ((أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) ذكره البخاري. وقال: وقال في النهاية: يجوز التداوي بالمحرم كالخمر والبول، إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء، ولم يجد غيره من المباح ما يقوم مقامه، والحرمة ترتفع للضرورة فلم يكن متداويًا بالمحرم، فلم يتناوله حديث مسعود. ويتحمل أنه قال في داء عرف له دواء غير المحرم (١) كلام الزيلعي. وقال العلامة ابن نجيم في البحر من كتاب الشهادات: إن الإنسان لو شرب الخمر للتداوي لم تسقط عدالته، لأن الاجتهاد فيه مساغًا، ونسبه لابن الكمال (٢) وجاء في المذهب المالكي في هاته المسألة الإشارة أيضًا إلى الخلاف داخل المذهب فيما قال المواق في التاج والإكليل في باب: المباح طعام طاهر، بعد أن تكلم عن جواز إزالة الغصة بالخمر وعدم الجواز: وأما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل، وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعماله للضرورة، فالفرق أن التداوي لا يتيقن البرء بها" (٣)

стр. 2383

وقال العتبي: وسئل (أي مالك) عن الذي تكون له القرحة أيغسلها بالبول والخمر؟ فقال: إذا أنقى ذلك بالماء بعد فنعم له ذلك، وأني لأكره الخمر في كل شيء الدواء وغيره يعمد إلى ما حرم الله في كتابه، وذكر نجاسته يتداوى به، ولقد بلغني أنها أشياء يدخلها من يريد الطعن في الدين والغض عليه، فقيل له: فالبول عندك أخف؟ فقال: نعم. قال ابن رشد الجد في شرحه على العتبية: "إنما رأى غسل الجرح بالبول أخف من غسله بالخمر، لأن لله ﵎ قال في الخمر: أنها رجس، وأمر باجتنابها حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فاقتضى ظاهر الأمر باجتنابها بحمله على مقتضاه من العموم الشرب وغيره، والبول لم يأت فيه ذلك إلا أنه نجس بالإجماع، فحرم التداوي بشربه، وجاز الانتفاع به في غسل الجرح وشبهه، قياسًا على ما أجازته السنة من الانتفاع بجلد الميتة النجس" (١) إذن مذهب إمام دار الهجرة يحرم التداوي بالخمر شربًا وغسلًا ودهنًا على المعتمد، وأما المذهب الشافعي فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "كتاب الأشربة والتعازير" من شرحه على منهجه: "كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيره حرم تناوله وإن قل ولم يسكر لآية ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ ولخبر الصحيحين: ((كل شراب أسكره فهو حرام)) وخبر مسلم: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)) ولو كان تناوله للتداول أو عطش لو لم يجد غيره لعموم النهي عنه (٢)

стр. 2384

وقيد سلمان الجمل في حاشيته على شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري على منهجه كلامه بقيدين: ١- ما لم تستهلك الخمر في غيرها. ٢- أن لا يوجد دواء طاهر يقوم مقامها. وإلا جاز التداوي بها. ثم قال: والأصح تحريمها صرفًا لخبر: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)) . وأما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية النجاسات، إن عرف، أو أخبر طبيب عدل بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر. ولو احتيج في قطع يد متآكلة إلى زوال عقل صاحبها نحو ساعة ببنج جاز لا بمسكر مائع (١) وجاء في آخر كتاب الأشربة لابن عابدين في حاشية رد المحتار على الدر المختار ما نصه: سئل ابن حجر المكي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك؟ فأجاب: إن علم ذلك قطعًا حل له بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه كالميتة للمضطر، ويجب عليه التدريج في تنقيصه شيئًا فشيئًا حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق. قال الرملي: وقواعدنا لا تخالفه (٢) وفي المذهب الحنبلي لا يجوز شربها للتداوي فإن شربها لذلك لم يبح له. وعليه الحد. ودليلهم ما رواه الإمام أحمد بإسناد عن طارق بن سويد أنه سأل رسول الله ﷺ : إنما أصنعه للدواء، فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) . وبإسناده عن مخارق ((أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة، وقد نبذت في جرة، فخرج والنبيذ يهدر، فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها، فدافعه برجله فكسره، وقال: إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء)) ولأنه محرم لعينه، فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير، ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح كالتداوي بها فيما لا تصلح له (٣)

стр. 2385

وبعد عرض نصوص المذاهب الأربعة من أمهاتها المعتمدة في الفتوى وبعد استخلاص أن ثلاثة منها جري فيها الخلاف في جواز التداوي بالخمر وعدم الجواز وهي الحنفي والمالكي والشافعي وأن المذهب الحنبلي فقط لا يجيز شربها للتداوي فيما علمت، وبعد وضعنا نصب أعيننا ما رواه وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه عنها: فقال: ((إنما أصنعها للدواء؟ فال: إنه ليس بدواء ولكنه داء)) وقول ابن مسعود في المسكر الذي ذكره البخاري: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، وما رواه الإمام أحمد عن مخارق: إن النبي ﷺ دخل على أم سلمة وقد نبذت نبذًا في جرة، فخرج ولا نبيذ يهدر فقال: ((ما هذا؟)) فقالت: فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه برجله فكسره، وقال: ((إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء)) ، وبعد العلم أنه لا منازع في عموم قوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وأنهم اختلفوا في تخصيص القرآن العام بالسنة واتفقوا على عدم تخصيص عموم القرآن بالحديث الضعيف، وبعد العلم بما أولت به هذه الأحاديث وما شابهها من قبل القائلين بجواز التداوي بالمحرمات وبالمسكر منه فقالوا: إن الأحاديث المانعة من التعالج بالخمر محمولة بالمحرمات وبالمسكر منها فقالوا: إن الأحاديث المانعة من التعالج بالخمر محمولة على أن الحرمة ارتفعت بالضرورة، أو الحاجة منزلتها لما يلحق تارك التعالج بها من انخرام في صحته، أو لحاق شديد الحرج به إن لم يتداو بها، فلم تتناول الأحاديث المذكورة، أو أن الرسول ﷺ قال ذلك في أمراض عرف لها دواء طاهر ميسور غيرا لخمر أو أنها محمولة على الخمر صرفًا.
следующие страницы →