← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

إلا أن مذهب الإمام أحمد ﵀ في مثل هذا أن المسجد يجوز بيعه عندما وقع الاستغناء عنه بالكلية فقد جاء في المغني لابن قدامة: "أن الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في وضعه، أو تشعب جميعه، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه، (المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير: ٦/ ٢٢٥) . وهناك قول آخر: وهو قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني، أن الوقت إذا استغني عنه تمامًا، فإنه يعود إلى ملك الواقف، أو إلى وراثه بعد موته، يقول صاحب الهداية: "وعند محمد يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد موته، لأنه عينه لنوع قربة، وقد انقطعت، فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه" (٥/ ٤٤٦) . فإذا عاد إلى ملك الواقف جاز له بيعه بعد ذلك. وأن الجمهور استدلوا على قولهم بعدم جواز البيع، وعدم انتقاله إلى ملك الواقف، بقصة عمر ﵁ بخيبر على عهد رسول الله ﷺ وكان من شرائط الوقف: ((أنه لا يباع أصلها، ولا تابع، ولا تورث ولا توهب)) أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم في باب الوقف. واستدل الإمام أبو يوسف للجمهور بالكعبة أيضًا، فإن في زمن الفَتْرَة قد كان حول الكعبة عبدة أصنام، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، ثم لم يخرج موضع الكعبة به من أن يكون موضع طاعة وقربة خالصة لله تعالى فكذلك سائر المساجد، واعترض عليه ابن الهمام في فتح القدير: ٥/ ٤٤٦، بأن الطواف لم يزل باقيًا على عهد الفترة أيضًا، فلم تترك العبادة المقصودة بالكعبة رأسًا، وأجاب عنه الشيخ العثماني التهانوي ﵀ بأن القربة التي عينت لها لكعبة هي الصلاة إليها، دون الطواف وحده، لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ بعد ذكر إسكانه ذريته عند البيت الحرام ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ولم يذكر الطواف، وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ مفسر بالمسافرين والمقيمين كقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (راجع إعلاء السنن: ١٣/ ٢١٢) ، وإن من أقوى أدلة الجمهور في هذا الباب قوله الله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .

стр. 2312

قال ابن العربي: إذا تعينت لله أصلًا، وعينت له عقدًا، صارت عتيقة عن التملك، مشتركة بين الخليفة في العبادة " أ" (أحكام القرآن لابن العربي: ٤/ ١٨٦٩) وأخرج ابن جرير في تفسيره ٢٩/ ٧٣ عن عكرمة ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال: المساجد كلها. وأما الإمام أحمد فاستدل له ابن قدامة في المغني: ٦/ ٢٢٦، بما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغ أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل. وأجاب عنه ابن الهمام (في فتح القدير: ٥/ ٤٤٦) بأن يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال في المسجد. ويبدو أن المذهب الراجح في هذا مذهب الجمهور، فلا ينبغي أن يباع مسجد بعد ما تقرر كونه مسجدًا، وإلا لصارت المساجد مثل كنائس النصارى، يبيعونها كلما شاءوا، ولكن المسألة لما كانت مجتهدًا فيها، وفي كلا الجانبين دلائل من الكتاب والسنة، فلو خيف الاستيلاء من قبل الكفار على مسجد ارتحل عن جواره أهله، ولم يرج عود المسلمين إلى ذلك المكان، ففي مثل هذه الضرورة الشديدة، يبدو أنه لا بأس بالأخذ بقول الإمام أحمد أو محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى، ويباع بناء المسجد ويصرف ثمنه إلى بناء مسجد آخر، لا إلى مصرف سوى المسجد، قد نص عليه فقهاء الحنابلة حيث قالوا: "ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة، لجاز تخريب المسجد، جعله سقاية وحوانيت، ويجعل بدله مسجدًا في موضع آخر" (راجع المغني لابن قدامة: ٦/ ٢٢٨) . ثم إن جواز هذا البيع إنما يصار إليه أن تحقق انتقال جميع السكان هما حول المسجد، ولم يرجع عودهم إليه، فإن انتقل أكثر السكان، وبقي منهم بعض، فلا سبيل إليه، قد نص عليه الفقهاء الحنابلة أيضًا حيث قالوا: "وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلت: وكان غيره أنفع منه، وأكثر ردًا على أهل الوقف لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع وإن قل ما يضيع المقصود (المغني لابن قدامة: ٦/ ٢٢٧) .

стр. 2313

٧- سفر المرأة بغير محرم: أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها زوج أو ذو رحم محرم منها)) هذا الحكم الصريح قد أخذ به جمهور الفقهاء، حتى إنهم لم يجوزوا لها أن تسافر بدون محرم لضرورة الحج، وأن الدراسة والعمل في البلاد الأجنبية ليس من ضرورة النساء المسلمات في شيء، إن الشريعة لم تأذن للمرأة بالخروج من دارها إلا لحاجة ملحة، وقد ألزم أباها وزوجها بأن يكفل لها بجميع حاجاتها المالية، فليس لها أن تسافر بغير محرم لمثل هذه الحوائج. أما إذا كانت المرأة ليس لها زوج أو أب، أو غيرهما من أقاربها الذين يتكفلون لها بالمعيشة، وليس عندها من المال ما يسد حاجتها، فحينئذ يجوز لها أن تخرج للاكتساب بقدر الضرورة، ملتزمة بأحكام الحجاب، فيكفي لها في مثل هذه الحال أن تكتسب في وطنها، ولا حاجة لها إلى السفر إلى البلاد الأجنبية، ولو لم تجد بدًا من السفر في وطنها من بلد إلى آخر، ولم تجد أحدًا من محارمها، ففي مثل هذه الحالة فقط يسع لها أن تأخذ بمذهب مالك، والشافعي، حيث جوزوا لها السفر مع النساء المسلمات الثقات، (راجع له المغني لابن قدامة: ٣/ ١٧٠) . ٨ - إقامة النساء بمفردهن: قد ذكرنا في الجواب عن السؤال السابع أن النسوة المسلمات لا ينبغي لهن السفر إلى بلاد غير المسلمين للدراسة أو الاكتساب، وأما إذا كانت المرأة قد توطنت إحدى هذه البلاد مع محارمها، ثم بقيت مفردة لموت محارمها، أو انتقالهم من ذلك المكان لسبب ما، فإنه لا مانع لها من الإقامة بمفردها، ما دامت ملتزمة بأحكام الشرع في الحجاب. ٩- حجاب الوجه والكفين: إن جواب هذا السؤال موقوف على مسألة مستقلة وهي: هل الوجه داخل في أحكام الحجاب أو لا؟ وإن هذه المسألة تحتاج أن تكون موضوعًا مستقلًا من موضوعات الدراسة التي في المجمع، فإن البحث فيه يطول، فالمناسب أن تجعل هذه المسألة في جدول أعمال المجمع لدورة من الدورات القادمة.

стр. 2314

١٠ و ١١ – العمل في المطاعم التي تبيع الخمور والخنازير: العمل في مطاعم الكفار إنما يجوز بشرط أن لا يباشر المسلم سقي الخمر أو تقديم الخنزير، أو المحرمات الأخرى، فإن سقي الخمر أو تقديمها إلى من يشربها حرام بنص صريح، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)) . (أخرجه أبو داود في الأشربة، باب العنب يعصر للخمر: ٣/ ٣٢٦ رقم الحديث: ٣٦٧٤) . وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك، قال: ((لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له)) ، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روى نحو هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر عن النبي ﷺ . (جامع الترمذي: ٢/ ٢٨٠ كتاب البيوع باب ما جاء في بيع الخمر: رقم: ١٣١٣) . وأخرج ابن ماجه حديث أنس بلفظ: ((عاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له، وحاملها، والمحمولة له، وبائعها، والمبيوعة له، وساقيها، والمستقاة له)) (سنن ابن ماجه: ٦/ ١١٢٢، كتاب الأشربة، رقم: ٣٣٨١) . وقد أخرج الشيخان عن عائشة قالت: ((لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﷺ فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر)) (أخرجه البخاري في المساجد، وفي البيوع، وفي تفسير سورة البقرة، ومسلم في البيوع، باب تحريم بيع الخمر) . وأخرج مسلم عن ابن عباس مرفوعًا ((أن الذي حرم شربها حرم بيعها)) وأخرجه أحمد في مسنده: ١/ ٢٤٤) عن عبد الرحمن بن وعلة أنه سأل ابن عباس، قال: إنا بأرض لنا بها الكروم، وإن أكثر غلاتها الخمر فذكر ابن عباس أن رجلًا أهدى إلى النبي ﷺ رواية خمر، فقال رسول الله ﷺ ((إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها)) . فتبين من هذه الأحاديث أن التجارة في الخمر أو حملها، أو سقيها بالأجرة حرام، وظهر من فتوى ابن عباس ﵁ أن ذلك لا يحل لمسلم، ولو للاكتساب في أرض شاع فيها عصر الخمر من الكروم. ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أباح مثل هذا العمل.

стр. 2315

١٢- حكم الأدوية المركبة من الكحول: هذه المسألة لا تختص بالبلاد الأجنبية، وإنما عمت بها البلوى في سائر البلدان، بما فيه البلاد الإسلامية، والحكم فيها على طريق الحنفية سهل، لأن الأشربة المتخذة من غير العنب والتمر تحل عند أبي حنيفة وأبي يوسف بقصد التقوي أو التداوي، ما لم تبلغ حد الإسكار (كما في فتح القدير: ٨/ ١٦٠) ، وإن معظم الكحول المستعملة في الأدوية اليوم لا تصنع من عنب ولا تمر، وإنما تصنع من السلفات والكبريتات، والعسل، والدبس، والحب، والشعير، والجودار، وغيرها. (راجع دائرة المعارف البريطانية: ٦/ ٥٤٤، المطبوعة ١٩٥٠ م) . فإن كانت الكحول المستعملة في الأدوية متخذة من غير العنب والتمر فإن تناولها جائز في مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، ما لم تبلغ حد الإسكار، ويمكن أن يؤخذ بقولهما لحاجة التداوي، وأما إذا كانت الكحول متخذة من العنب أو التمر، فلا يجوز استعمالها إلا إذا أخبر طبيب عدل أنه ليس له دواء آخر، لأن التداوي بالمحرم يجوز عند الحنفية في هذه الحالة (كما في البحر الرائق ١/ ١١٦) . وأما الشافعية فلا يجوز عندهم استعمال الأشربة المحرمة للدواء صرفًا، ولكن إذا كانت مستهلكة مع دواء آخر، فيجوز التداوي بها عندهم إن عرف بنفعها وتعيينها، بأن لا يغني عنها طاهر، كما صرح به الرملي في نهاية المحتاج حيث قال: "أما مستهلكة مع دواء آخر، فيجوز التداوي بها، كصرف بقية النجاسات إن عرف، أو أخبره طبيب عدل بنفعها بأن لا يغني عنها طاهر". (نهاية المحتاج للرملي: ٨/ ١٢) . والكحول لا تستعمل للدواء صرفًا، وإنما تكون مستهلكة في دواء آخر، فتناولها لحاجة الدواء جائز عند الشافعية أيضًا. وأما المالكية والحنابلة فلا يجوز عندهم فيما أعلم التداوي بالمحرم في حال من الأحوال إلا عند الاضطرار.

стр. 2316

وحيث عمت البلوى في هذه الأدوية، فينبغي أن يؤخذ في هذا الباب بمذهب الحنفية، أو الشافعية، والله أعلم. ثم هناك جهة أخرى، ينبغي أن يسأل عنها خبراء الكيمياء وهو: أن هذه الكحول بعد تركيبها بأدوية أخرى، هل تبقى على حقيقتها أو تستحيل حقيقتها وماهيتها بعمليات كيمياوية؟ فإن كانت ماهيتها تستحيل بهذه العمليات بحيث لا تبقى "كحول" وإنما تصير شيئًا آخر، فيظهر أن عند ذلك يجوز تناولها باتفاق الأئمة، لأن الخمر إذا صارت خلًّا جاز تناولها في قولهم جميعًا لاستحالة الحقيقة. ١٣- الخمائر والجلاتين المتخذة عن الخنزير: إن كان العنصر المستخلص من الخنزير تستحيل ماهيته بعملية كيمياوية، بحيث تنقلب حقيقته تمامًا، زالت حرمته ونجاسته، وإن لم تنقلب حقيقته بقي على حرمته ونجاسته، لأن انقلاب الحقيقة مؤثر في زوال الطهارة والحرمة عند الحنفية. ١٤- حفلات الزواج في المساجد: أما عقد النكاح في المسجد فشيء مندوب، نطقت باستحبابه الأحاديث ولكن ما يصحبه من الرقص، والغناء فلا يجوز أصلًا، فإن كانت حفلات الزواج لا تخلو من هذه المنكرات، فلتجنب المساجد منها. ١٥- التسمي بالأسماء النصرانية: إذ كان التسمي بالأسماء النصرانية لازمًا من قبل الحكومة، فيجوز أن يختار من الأسماء ما هو مشترك بين المسلمين، والنصارى، كإسحاق، وداود، وسليمان، ومريم، ولبنى، وراحيل، وصفوراء، وما إلى ذلك، ويمكن أيضًا أن يسجل المولود باسم من أسماء القائمة اللازمة في دوائر الحكومة، ويدعى في البيت باسم آخر إسلامي.

стр. 2317

١٦- النكاح بإضمار نية الفرقة: ما دامت صيغة النكاح لا تتقيد بوقت ولا زمان، وتستوفي الشروط انعقاد النكاح، فإن النكاح منعقد، والتمتع به جائز، وأما ما يضمره المتعاقدان أو أحدهما من نية الفرقة بعد اكتمال مدة ما، فلا أثر له في صحة النكاح غير أنه لما كان النكاح في الشريعة عقدًا مؤبدًا، فالمطلوب فيه أن يستدام من قبل الزوجين، ولا ينقص إلا عند حاجة شديدة تقتضي ذلك، وإن إضمار نية الفرقة منذ أول الأمر ينافي هذا المقصود، فلا يخلو من كراهية ديانة، فلا يصار إليه لا عند الضرورة من شدة الشبق فرارًا من الزنا الحرام. ١٧- التزين في محلات العمل: قد أسلفنا في الجواب عن السؤال السابع حكم خروج المرأة للاكتساب، وبناء على ذلك، لو كان هنالك ما يبرر خروجها شرعًا، فمن اللازم عليها ألا تخرج متبرجة بزينة. ١٨- مصافحة المرأة للأجانب: إن مصافحة المرأة للأجانب لا تجوز بحال، قد نطقت بذلك الأحاديث، واتفق عليها الفقهاء. ١٩- استئجار الكنائس لإقامة الصلاة: لا بأس باستئجار الكنائس لتتخذ أماكن لإقامة الصلاة، لقوله ﵊: ((جعلت لي الأرض كلها مسجدًا)) ولكن ينبغي أن تزاح منها التماثيل والأصنام، فإن الصلاة في بيت فيه تماثيل مكروهة، وقد امتنع عمر بن الخطاب ﵁ من دخول الكنائس من أجل التماثيل، فيما علقه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، وأسنده عبد الرزاق، وذكر البخاري أيضًا أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل وأسنده البغوي في الجعديات، وزاد فيه: "فإن كان فيها تماثيل خرج، فصلى في المطر" (راجع فتح الباري: ١/ ٥٣٢ رقم ٤٣٥) .

стр. 2318

٢٠- حكم ذبائح أهل الكتاب: الذي أعتقده وأدين الله تعالى عليه أن مجرد كون الذابح من أهل الكتاب لا يجعل الذبيحة حلالًا، حتى يسمى الله تعالى عليه، ويفري الأوداج بطريق شرعي، كما أن مجرد كون الذابح مسلمًا، لا يذكي الذبيحة، حتى يستوفي جميع شرائط الزكاة الشرعية، وإنما أحل الإسلام ذبائح أهل الكتاب دون من سواهم من المشركين؛ لأن أهل الكتاب كانوا ملتزمين بشروط الزكاة الإسلامية. وعلى هذا الأساس، لا تحل ذبائح أهل الكتاب إلا بهذه الشروط، وبما أن معظم النصارى قد تركوا اليوم الالتزام بشروط الزكاة التي هي واجبة في أصل دينهم فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين إلا إذا تحقق أنهم قد استوفوا هذه الشروط. وهذا بخلاف ما يزعمه كثير من الناس اليوم أن ذبائحهم حلال، وإن لم يذكروا اسم الله عليها، وعندي في ذلك دلائل قوية من الكتاب والسنة، وأقوال الفقهاء، وعبارات كتب أهل الكتاب، ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل لا يسعه هذه الفتوى فالأحسن أن يدرج هذا الموضوع في قائمة أعمال المجمع، ويطلب من الأعضاء الكتابة عليه كموضوع مستقل، وحينئذ تعرض الدلائل ببسط وتفصيل إن شاء الله تعالى. ٢١- حضور المناسبات التي فيها منكرات شرعية: لا يجوز للمسلمين أن يحضروا مثل هذه المناسبات التي تتعاطى فيها الخمور والخنازير، وتراقص فيها النساء الرجال، ولا ضرورة داعية لذلك، إلا الحصول على الجاه والسمعة، ولا ينبغي لمسلم أن يخضع لكل ما يعتريه من أسباب الفسق، وخوارم الديانة، وإنما ييجب عليه في مثل هذه المواضع أن يصمد على دينه ولو أجمع المسلمون- وعددهم في البلاد الأجنبية غير قليل- على تجنب مثل هذه المناسبات، للجأ الأجانب عند دعوتهم إلى إخلائها من هذه المنكرات. ٢٢ و ٢٣ – إن هذين السؤالين يجب أن يكونا موضوعين مستقلين في قائمة أعمال الدراسات في المجمع، لأن الجواب عنهما يحتاج إلى دراسة أوسع وأعمق.

стр. 2319

٢٤- عمل المسلم في دوائر الحكومة: لا باس بأن يتوظف الرجل عملًا في دوائر وزارات الحكومة الأمريكية، أو غيرها من حكومات البلاد الكافرة، وكذلك لا بأس بقبول مثل هذه الأعمال في مجالات الصناعة الذرية، أو الدراسات الاستراتيجية، ولكن إن فرض إليه عمل يضر بعامة المسلمين في بلد من البلاد، فمن الواجب عليه أن يتجنبه، ولا يعنيهم لفي ذلك ولو على قيمة استقالته من ذلك العمل. ٢٥- تصميم المهندس كنائس النصارى: لا يجوز لمهندس مسلم أن يصمم معابد الكفار لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . ٢٦- عمل الأزواج والآباء في بيع الخمور: يجب على الزوجات في مثل هذه الحال أن يبذلوا أقصى ما في وسعهم في تحذير أزواجهن عن العمل في بيع الخمور والخنازير ولكنهم إن أبوا إلا العمل فيه، فإن تيسر لهن تحمل نفقات أنفسهن بطرق مباحة، فلا يجوز لهن الأكل من أموال أزواجهن، وإن لم يتيسر لهن ذلك، فيسع لهم الأكل، والإثم على الأزواج والآباء، للأطفال الصغار حكم الزوجات، أما الأولاد الكبار فعليهم أن يكتسبوا لأنفسهم، ولا يأكلوا من هذا المال. وجواز الأكل للزوجة في مثل هذه الحالة قد صرح به بعض الفقهاء، قال ابن عابدين ﵀: "امرأة زوجها في أرض الجور، إذا أكلت من طعامه ولم يكن عينه غصبًا أو اشترى طعامًا أو كسوة مال أصله ليس بطيب فهي في سعة من ذلك، والإثم على الزوج" (رد المحتار، كتاب الحظر والإباحة، فصل في البيع: ٥/ ٢٤٧ وكتاب البيوع، باب البيع الفاسد) . ٢٧- التبرع للكنيسة: لا يجوز لمسلم سواء كان فردًا أو هيئة، أن يتبرع لمؤسسات تنصيرية، أو كنيسة أما المؤسسات التعليمية الخالصة، فلا بأس بالتبرع لها. ٢٨ - شراء المنزل بواسطة البنوك: إن المعاملة المذكورة غير جائزة لاشتمالها على الربا الحرام شرعًا، وينبغي للمسلمين وعددهم غير قليل أن يجتهدوا لإيجاد بدائل هذه المعاملة الموافقة للشرعية الإسلامية، بأن يكون البنك نفسه هوا لبائع بتقسيط، ويزيد في ثمن البيوت وغيرها من الثمن المعروف، فيشتريها من الباعة، ويبيعها إلى زبائنها بربح مناسب، وينبغي أن تطرح هذه المسألة على لجنة مستقلة تكون لتخطيط نظام البنوك اللاربوي، لتنظر في تفاصيلها. هذا ما تبين لي، الله أعلم بالصواب.

стр. 2320

أجوبة فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. السؤال الأول: حكم التجنس بجنسية بلد غير إسلامي: الجنسية أمر حادث نشأ في القرن الثامن عشر تبعًا لتطور المفهوم الوطني وقد قام أولًا على نظريتين متقابلتين: النظرية الأولى: نظرية جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، "كل إنسان هو في ذاته ليس لأي كان مهما كانت الذريعة التي يتذرع بها أن يخضع غيره بدون موافقته، وانفتحت فكرة الإرادة العامة هذا أخيرًا على مبدأ السيادة القومية، فتبع الإعلان عن حقوق الإنسان الإعلان عن حقوق الأمم. فإذا كانت السيادة تكمن في الشعب وإذا كان القانون من جهة ثانية تعبيرًا عن الإرادة الجماعية فإنه يتبع ذلك أن الإدارة العامة هي وحدها المؤهلة لأن تفرض أو تتنازل أو تحول السيادة فيستطيع المجلس التأسيسي أن يعلن مبكرًا حق الشعوب في قيادة نفسها بنفسها". أما النظرية الثانية: فهي النظرية الألمانية التي تؤمن بأن الجنسية هي عبارة عن اتخاذ جماعة بشرية في التاريخ واللغة والجنس ويقول فيشت في حواره الخامس: الجنسية الألمانية: إن الذين يتكلمون لغة واحدة هم ينسبون قبل كل شيء إلى جنسية واحدة. تصارعت النظريتان بين الثوريين الفرنسيين الذين يرون الجنسية عقد يقوم على حرية الإرادة والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي يقوم على حرية الإرادة والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي بصفة أصلية في اللغة الأولى للشعب. وكان ميدان الصراع الذي طبقت فيه النظريتان الألراس واللوران. وقد انتهى الصراع بفوز النظرية الفرنسية خاصة بعد إعلان ولسون في الحرب العالمية الأولى وإعلان ميثاق الأطلنطي أثناء الحرب العالمية الثانية فكلما تألفت مجموعة بعقد اجتماعي بينها نابع من الإرادة الحرة، تكونت الدولة والجنسية الخاصة، إلا أن هذه الجماعة لتحمي نفسها ووحدتها تعطي شروط الانتساب إليها، فثارت قضية التجنس ويسرت بعض الشعوب قيود الانتساب إليها، وضيقت أمم أخرى حسب المصالح الخاصة لكل دولة، وبما أن الدولة عقد اجتماعي فكل داخل في الجنسية الجديدة هو قطعًا ملزم باحترام الميثاق الاجتماعي في كل بنوده وفصوله، وينفذ عليه، رعاية لما اتفقت عليه كلمة الجماعة.

стр. 2321

ولما كان كل إنسان منتسبًا إلى دولة من الدول فإن خروجه عن جنسيته وانتسابه إلى جنسية أخرى يتبعها حتمًا انتهاء سيادة الدولة الأولى عليه وقبوله بسيادة الدولة الجديدة دون تفصيل، فهو يعامل حتى في بلده الأصلي معاملة الأجنبي عنه. إلا أنه حدث في النصف الثاني من هذا القرن إمكانية جديدة تجعل الفرد قادرًا على الانتساب إلى جنسيته الأصلية، وإلى جنسية البلد الذي يقيم فيه جنسية مزدوجة. وبهذا أصبح البشر على ثلاثة أنواع: - محتفظ بجنسيته الأصلية لم يتخل عنها. - متخل عن جنسيته الأصلية منتسب بعد قبوله إلى الدولة الجديدة. - جامع لجنسيتين يعتبر في كلا البلدين مواطنًا لذلك البلد. التحصيل على الجنسية: يتبع المولود جنسية أبويه، وفي بعض الدول يعتبر مواطنًا يحمل جنسية البلد كل من ولد بين حدود ذلك البلد كما نصت التشريعات على الشروط التي يخول بموجبها قبول انتساب أي شخص من جنسية أخرى في جنسية البلد الذي يرغب في الانتقال إليه، فإذا ما قبل طبقت عليه أحكام ذلك البلد في الحقوق والواجبات. التجنيس في العهد الاستعماري: عملت بعض الدول الاستعمارية على تيسير دخول المستعمرين في جنسيتها بل أغرتهم على ذلك بفوائد مادية، وهي تهدف من ذلك إلى كثير أفراد شعبنا من ناحية وإلى سلخ القوة العديدة للشعب المستعمرة وقام العلماء في أقطار العالم الإسلامي بفضح الكيد الاستعماري وتحذير المسلمين من ذلك اعتبروا ذلك خروجًا عن الملة.

стр. 2322

فبينوا أولًا: أن المتجنس هو شخص قد اختار عن طواعية رفض أحكام الشريعة مفضلًا عليها أحكام القانون الوضعي، فيصبح ملزمًا في حياته الزوجية بتطبيق الأحكام الوضعية لا ينفذ له طلاق ويجبر على الإقامة معها والإنفاق عليها، وتقسيم تركته حسب القانون الوضعي المتغير، ولا يترافع في قضاياه إلى المحاكم الشرعية بل يرفعها إلى المحاكم القانونية الوضعية ويقبل أحكامها مطبقًا. وحدوث الفتاوى بكفره اعتمادًا على ما جاء في الفتاوى الخيرية، سئل عن رجل قال: لا أعمل بالشرع، إنه إذا قال ذلك لاعتقاد عدم أحقية الشرع أو استخفافًا فلا ريب في كفره (ص ١٠٦) والمتجنس رافض لحكم الشرع. وكذا على ما جاء في الفتاوى الهندية أنه لو طلب أحد الخصمين غريمه أن يذهب معه إلى الشرع فامتنع قائلًا: لا أذهب إلا جبرًا، يكون كافرًا (٢ / ٧٢٢) وفي نفس الصفحة لو قال الرجل لغيره: حكم الشرع في الحادثة كذا، فقال: أنا أعمل بالرسم لا بالشرع يكفر. واستندت فتاواهم من كفر المتجنس إلى قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وإلى قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ثم قوله بعد ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

стр. 2323

والمتجنس في العهد الاستعماري هو رجل يقيم في دار الإسلام بعد أن تغلب عليها غير المسلمين فيكون اختباره لتغيير جنسيته رفضًا لأحكام الإسلام وتفضيلًا أن يطبق علي قانون الدولة الغازية، ولا شك أن ذلك موجبا للارتداد، يقول القرطبي: وكل من طعن في حكم الحاكم ورده فيه ردة، يستتاب، وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه (أحكام القرآن: ٥/ ٢٦٦) إذ الطعن في الحكم معناه رمي الشارع إما بالظلم أو القصور، وكلاهما موجب كفر. ثم إنه بعد أن استقلت الأمم الإسلامية واجهت مشاكل متعددة بعضها اقتصادي إذ كانت سوق العمل لا تستطيع أن تستوعب الأيدي العاملة، فهاجر كثير من العمال بالفكر أو الساعد إلى الدول غير المسلمة، وهاجر البعض الآخر لأن ظروف العمل في الدول الصناعية أفضل منه في الدول الإسلامية، وهاجر فريق ثالث لأن نشاطه الإسلامي يعرضه للخطر في بلده: إما في ذاته بالسجن أو التصفية الجسدية وإما في ماله. القسم الأول والثاني: منها أن العامل الأجنبي لا يتمتع بنفس الامتيازات التي يتمتع بها العامل من أبناء البلد، خاصة في المنح الاجتماعية، كما أن حقه في البقاء في عمله أضعف من حق ابن البلد، فكان هذا التمييز في الحقوق دافعًا لكثير من المقيمين بأرض الكفر أن يطلبوا سحب جنسية البلدان الكافرة عليهم، وفعلًا تحصل بعضهم على الجنسية المطلوبة وبعضهم في طريق التحصيل. اندفعوا إلى هذا الاختيار دون أن يعودوا بالسؤال لمعرفة حكم الله في العمل الذي قاموا به وهذا تقصير منهم وتهاون بمقتضيات دينهم. إن من يتجنس بجنسية بلد غير إسلامي معناه أنه أصبح مواطنًا يتمتع بكامل الحقوق التي لأبناء ذلك الوطن ويلزم بأن يقوم أيضًا بكل الواجبات ويترتب على ذلك أحكام يلزم بها رغب في ذلك أو لم يرغب. أولًا: إن قضايا العلاقات في تكوين الأسرة وانحلالها وحقوقها ونقل الملكية بطريق الإرث تطبق فيها الأحكام التي تقرها الدولة التي انتسب إليها: ١- هو راض عن زواجه لا يكون زواجًا إلا إذا سجل مدنيًا وهذا لا ضير فيه. ٢- هو راض أنه لا تطلق زوجته عليه بلفظ الطلاق ولا بغيره إلا إذا حكم الحاكم ولو حكم بالفراق البدني مع بقاء العصمة فهو ملزم بقبوله. وأن ابنته إذا بلغت سن الرشد القانوني ارتفعت كل ولاية له عليها، وأنه لا يستطيع أن يمنع ولده من ارتكاب أي محرم في الإسلام إذا كان قانون الدولة التي انتسب إليها يبيحه.

стр. 2324

٣- هو راض بأن تقسم تركته بعد موته حسب القانون وأن يرث هو غيره حسب القانون. هو راض بأن الزنا إذا كان برضا الطرفين الراشدين لا منكر فيه. ثانيًا: أنه عضو من أعضاء الدولة التي انتسب إليها فإذا اشتعلت الحرب بينها وبين دولة إسلامية فهو مطالب قيامًا بواجبه أن يقاتل المسلمين وأن يصب على رؤوسهم القنابل ويعمل جهده ويبذل كل طاقته لهزمهم والتنكيل بهم. وقد طالعت في هذه السنة بجريدة لوموند الفرنسية (١٩٨٦) أن الولايات المتحدة الأمريكية أجرت بحثًا سريًا لمعرفة قيام الجنود الأمريكيين من أصل ألماني قيامهم بواجبهم الوطني في تهديم القوة الألمانية حربيًا واقتصاديًا، فكشف البحث أنه لم يسجل أن أي جندي أمريكي غلب أصل انتسابه على واجباته القتالية إذ كانوا جميعًا متحمسين لهزيمة ألمانيا بلد أجدادهم وأصولهم. الخلاصة: أن كل ما قدمناه من لوازم التجنس هو رفض قاطع لأحكام الإسلام، وعزم أكيد على التنكر لها وابتغاء حكم غير حكم الله، وإطراح اختياري لما ثبت من ضروريات الدين، ولذا رأى بعض العلماء أن هذا موجب للردة، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ شرط وجوابه أي لأنه خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجب معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم (٦/ ٢١٧) .

стр. 2325

وذهب كثير من المفسرين إلى أنه من باب التغليط يقول الألوسي: "أي من جملتهم وحكمه حكمهم كالمستنتج من قبله وهو مخرج التشديد والمبالغة من الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافرًا وليس بمقصود، وقيل: المراد من ﴿يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فإنه كافر مثلهم حقيقة، وحكى عن ابن عباس ﵄، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهودًا أو نصارى (٦/ ١٤٠) . فالألوسي يصرح بأن مجرد التحالف مع اليهود والنصارى والتناصر لا يخرج المؤمن من الإيمان وإنما الذي يوجب ارتداده واعتقاده أن دين اليهودية أو النصرانية أولى بالتزام وأن النصراني بالتحالف والتناصر لكونه نصرانيًّا، فهو إذن لا يعتبر مرتدًا إلا إذا فضَّل اليهودية أو النصرانية على الإسلام. وهذا الحل هو الذي ارتضاه أبو حيان قال: ومن تولاهم بأفعاله دون معتقده ولا اختلاف بإيمان لهو منهم في المقت والمذمة، ومن تولاهم في المعتقد فهو منهم في الكفر (البحر: ٣/ ٥٠٦) . وعلى هذا جاءت فتوى علماء الأندلس التي ذكرها الونشريسي في المعيار (١٢/ ١٤٨) وما بعدها فعلماء الأندلس لم يزيدوا على وصف الذين خرجوا عن جماعة المسلمين واستنصروا بصاحب قشتالة لم يعتبروهم مرتدين وإنما هو عصاة واحتجوا بالآية.

стр. 2326

نص فتوى المعيار حكم الشرع فيمن نبذ بيعة الإمام وسئل فقهاء الأندلس بما نصه: سيدي رضي الله عنكم وأدام النفع بكم، جوابكم في عصابة من قواد الأندلس وفرسانها نبذوا بيعة مولانا أبي الحسن نصره الله وخرجوا عن طاعته وقاموا بدعوة ابنه ودعوا الناس إلى بيعته، وطاوعهم على ذلك من شاء الله تعالى، إلى أن وقعت كائنة اللسان وفقد فيها جملة منهم وأُسِرَ الأمير وانجلى من سلم منهم عن الحضرة فلجأوا إلى صاحب قشتالة - دمره الله - مستنصرين به، ومعتصمين بحبل جواره، فواطؤوه على شروط التزموها، ووعدهم بتسريح الأمير المذكور للخروج به لأرض المسلمين وعقد له صلحًا ما طاع له من البلاد، ولا خفاء بما هو قصد الكافر قصمه الله في هذا الذي فعل فلكم الفضل في الجواب عن فعلهم، أولًا:هل كان له متمسك من الشرع أو إنما كل بمحض عصيان الله تعالى وخروج عن طاعة الله وطاعته رسوله؟ وإن قدرة الله بخروجهم من أرض النصارى مصرين على ما كانوا عليه من التعصب على الفتنة والخلاف، فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم على ذلك والأخذ معهم فيه؟ وهل يحل لأهل مدينة من المدن أو حصن من الحصون أن يأويهم؟ وما حكم الله فيمن آواهم وأعانهم وانتظم في سننهم أو مال بقلبه أو قوله أو فعله إليهم؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا ليستضاء بنوره، ويهتدى بهديه، والله يبقي بركتكم، ويعطي أعلام العلماء درجتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجابوا بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله. صدرت الفيتا من السادات العلماء، الجلة الأعلام، هداة الأنام، ومصابيح الظلام، بالحضرة العلية غرناطة حرسها الله، على السؤال فوقه: وهم: السيد البركة المفتي أبو عبد الله المواق، والسيد قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن الأزرق، والسيد المفتي أبو الحسن علي بن داود، والسيد المفتي أبو عبد الله محمد الجعدالة، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد الفخار، والسيد الشيخ الحاج أبو الحسن علي القلصادي، والسيد الشيخ أبو حامد بن الحسن، والسيد القاضي أبو عبد الله محمد بن سرحونة، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد المشدالي، والسيد الخطيب أبو محمد عبد الله الزليجي، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد الحذام، والأستاذ الشيخ الحاج أبو جعفر أحمد بن عبد الجليل، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن فتح، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد البر، والأستاذ أبو جعفر محمد البقني، أبقى الله بركتهم، وحفظ في درجة العلام رتبتهم، بأن خلع القوم المسؤول عنهم، لبيعة مولانا أبي الحسن نصره الله، وقيامهم بدعوة ابنه، ليس له متمسك من دين الله.

стр. 2327

وإنما هو محض عصيان، وخروج عن طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ لما ارتكبوه بذلك من وجوه المفاسد التي لا يرضى الله بها من شق عصا الإسلام في هذا الوطن الغريب، وتفريق أمره بعد ما كان مجتمعًا، وإيقاد نار الفتنة، وإلقاء العداوة والبغضاء بسببها في قلوب المسلمين وإفساد ذات البين التي قال فيها رسول الله ﷺ : ((إنما هي الحالقة)) مع ما في ذلك من توهين المسلمين وإطماع العدو الكافر في استئصال بيضتهم، واستباحة حريمهم، وكل ذلك محرم بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وإجماع العلماء فإلى غير ذلك من وجوه المعاطب التي لا تخفر وأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم، لا يخفى أنهم داخلون به في وعيد قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال سبحانه في الآية الأخرى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ، وأن تجديد بيعتهم للأمير المأسور، إصرارًا على ما ذكر من المعاصي والمحرمات، وتأكيدا لما ارتكبوه من الجرائم والسيئات، فمن آواهم أو أعانهم بقول أو فعل، فهو معين على معصية الله تعالى، ومخالف لسنة رسوله، ومن هوى فعلهم أو أحب ظهورهم، فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه بأعظم العصيان، هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف، فالواجب على المسلمين قبولهم، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر نفوسنا، وأن يصلح ذات بيننا أنه ولي ذلك والقادر عليه، ومن أشهده السادات المذكورون فيه، بما سطر وكتب عنهم من الجواب على السؤال المنبه عليه، وأنهم قائلون به، وصادر عنهم ولا خفاء بمعرفتهم وهم بحال كما الإشهاد قيد بذلك شهادته في أواسط شهر رمضان المعظم، عام ثمانية وثمانين وثمانمائة عرفنا الله خيره، محمد بن شهد ومحمد بن علي بن شهد، أعلم بثبوته محمد بن علي الأصبحي، وفقه الله وكان له انتهى.

стр. 2328

وإذ قد اختلف العلماء فيمن يوالي النصارى اليهود ويدخل في حلف معهم هل هو مرتد أو لا؟ وإذ قد تجاوزنا العهد الاستعماري الذي كان التجنس فيه مفضيًا لذوبان الأمة الإسلامية وفقد شخصيتها ونظرًا لما حققه الشاطبي من اختلاف الحكم يبن الجزئية المنفردة وبين الكلية العامة، وأن المباح بالجزء قد يصير واجبًا بالكل. وانظر خاصة المسألة السادسة في الأوامر والنواهي في قوله: وأما المنهيات فإنك تجده قد جعل اتخاذ الكافرين أولياء والرضى بحكم الطاغوت والوهن بالأعداء والخيانة من النواهي التي لما بلغ بها نص الشارع الغاية من الترهيب فليس ذلك دليلًا على أن جزئياتها على وزان واحد بل هي محل اجتهاد (٣/ ١٣٦ – ١٤٤) . لذلك كله فالذي مرجح عندي أن التجنس بجنسية دولة غير إسلامية معصية لا تبلغ درجة الردة إذا كان إقدامه على ذلك تسوية لأوضاعه المادية مع اقتناعه وإيمانه أن الإسلام هو الدين الوحيد وأنه يغضب الله من كل من يحاول النيل من الإسلام أو التطاول عليه، أما إذا كان أمر الدين عنده لا يوازي مصالحه وأنه متهاون به لا يشعر برابطة بينه وبين دينه إلا رابطة تاريخية ضعيفة الأثر فلا شك عندي في ارتداده، وخروجه من الملة. على أن القسم الأول مطالب بأن يحرص على تلقين أبنائه أصول الإسلام وأن يحرص على إقامة شعائرهم معهم وأن لا يتهاون في هذا الأمر، ليكون ما في يقوله بلسانه مصدقًا بأعماله مع دعوته إلى العمل على الإقلاع عن المعصية والتوبة والعزم على عدم العودة بالإسراع للانسلاخ من الجنسية التي اكتسبها إن كان يحمل جنسية واحدة أو بالرجوع إلى بلده الأصلي إن كان يحمل جنسيتين.

стр. 2329

القسم الثالث الذين يتعرضون إلى الفتنة في حياتهم سجنًا وقتلًا أو في عائلاتهم تشريدًا وتتبعًا أو في أموالهم استصفاء فهؤلاء يجوز لهم أن يتجنسوا بجنسية غير إسلامية إذ لم يجدوا بلدًا إسلاميًا يقبلهم ويحميهم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ . قال ابن العربي: قسم العلماء ﵃ الذهاب من الأرض قسمين: هربًا وطلبًا. فالأول: ينقسم إلى ستة أقسام: الأول: الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكان فرضًا من أيام النبي ﷺ وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان من أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام، فإن بقي في دار الحرب عصى ويختلف في حاله. الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف، قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قوله (الظالمين) . الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك فضل من الله رخص فيه، فإذا خشي على نفسه أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من فعله إبراهيم ﵇ فإنه لما خاف من قومه قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وقال ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقال عن موسى ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ . الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة وقد أذن الله للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله منه بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ بيد أن علماءنا قالوا: هو مكروه.

стр. 2330

السادس: الفرار خوف الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه. والأهل مثله وأوكد – (القرطبي: ٥/ ٣٥٠) . وذكر ابن قدامة: أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه وهو يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿مَصِيرًا﴾ وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني: من لا تجب عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف لقوله تعالى ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ . الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لكن يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فتستحب له يتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين وعمومتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة وقد كان العباس مقيمًا بمكة مع إسلامه (المغني: ٢/ ٤٥٧) . إن ما ذكره ابن العربي في القسم الرابع والسادس يبين لنا أن الملتجيء إلى دولة غير إسلامية حفاظًا على نفسه أو ماله لا يعد عاصيًا فضلًا عن كونه كافرًا وإذا كان أمنه لا يتم إلا بتجنسه كان له أن يتجنس مع شد عزمه على تحين أول فرصة يستطيع فيها أن يعش آمنًا في ديار الإسلام ليغتنمها، ذلك أن هذا قد أبيح له كضرورة تقدر بقدرها وعلى المضطر أن يجتهد للخروج من حالة الاستثناء. والمنطبق على المتجنس في دار الكفر من تقسيم صاحب المغني هو القسم الثاني وليس الثالث ذلك أن المتجنس في بلاد الكفر لا يتمكن من إقامة دينه في جميع أحكامه وإن كانت بعض الأحكام في بلاد الإسلام لا يقرها الإسلام إلا أن الشعائر الدينية معلنة والمجتمع إسلامي يؤثر في تربية الأطفال.

стр. 2331

السؤال الثاني حكم الهجرة باعتبار تأثيره على الذرية يقول أبو بكر الرازي الجصاص في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام (٢/ ٣٠٥) . وقال مالك: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيه بغير الحق (جامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٥/ ٣٤٨) . إن ما قدمناه في الجواب عن السؤال الأول يجري في الإجابة عن هذا السؤال على ما فصلنا له من الأقسام. إن ما جاء في تبرير الهجرة وأن خطر الانحراف بذريتهم عن الإسلام وارد في بلاد الإسلام وروده من غيرها من بلاد الكفر بل أشد، ما جاء من التبرير هو مغالطة غير مقبولة فالدولة التي تجبر رعاياها على التنكر للإسلام هي دولة غير إسلامية، وما هو موجود في البرامج التعليمية من توضيح لبعض المذاهب المادية أو الفلسفات الإلحادية ليس دعوة إليها وإنما هو ثقافات عامة قد يسيء بعض الأساتذة عند السكوت عن تهافتها وسقطها، وليس معنى ذلك أن أية دولة إسلامية تدعو إلى الإلحاح، على أني أؤكد هنا ما ورد في الجواب السابق أن البيئة لها أثرها الكبير في تكوين الطفل، فسماعة للأذان، وابتهاج الأمة بشهر رمضان، وبعيد الفطر، ووفود الحجاج إلى بيت الله الحرام، وعيد الأضحى، وما يلقاه من عادات إسلامية في مباشرة الحياة، ومن حرص على الطهارة، وابتداء بالسلام، وذكر اسم الله على لسان كثير من أهل الفضل، كل ذلك يجعل البيئة الإسلامية بيئات تختلف أساسًا عن البيئة في بلاد الكفر.

стр. 2332

السؤال الثالث حكم زواج المسلمه بغير المسلم يقول تعالى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فزوج المسلمة لا بد أن يكون مسلمًا، وقد أكد القرآن هذا التأكيد ليركز في نفوس المؤمنات والمؤمنين أن زواج المسلمة بغير المسلم باطل ومنكر سواء نظرت إليه من جانب الزوج أو من جانب الزوجة ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ نظير قوله تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إيماء إلى قوة الاتصال والتلبس. أما الطمع في الإسلام فلا معنى للطمع في الأحكام إذ الأحكام تبنى على الواقع لا المتوقع إنما الحكمة التي يظهرها الفقهاء للأحكام تأليفًا للعقول بشرع الله هي التي يعتمد فيها الفقيه الواقع والمتوقع. والكفاءة المتحدث عنها جماعها قوله ﷺ : ((إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة (فيض القدير: ١/ ٢٤٣) . ويقول الإمام الشافعي: إذا أسلمت لامرأة أو ولدت على الإسلام أو اسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال، ولو كان أبواها مشركين فوصفت الإسلام وهي تعقل صفته منعتها من أن ينكحها مشرك (الأم: ٥/ ٥) . فيتبين مما قدمناه أنه يحرم زواج المسلمة بغير المسلم، ولا عذر يبرر ذلك، والنكاح لاغ غير معتبر شرعًا لو وقع فعلًا.

стр. 2333

السؤال الرابع حكم استمرار الزوجية إذا أسلمت الزوجة إذا أسلمت المرأة وبقي الزوج كافرًا فإنه يفرق بينهما ويمكن أن تعود الزوجية بينهما بدون عقد جديد إذا أسلم زوجها السابق قبل أن تخرج من عدتها، أما إذا أسلم بعد العدة فلابد من عقد جديد وما ذكر في السؤال من ضياع الأولاد والانحراف احتمالات لاغية تؤثر في الحكم نظير احتمال موت الزوج المسلم. السؤال الخامس حكم دفن المسلم بمقابر غير المسلمين الواجب الأول بعد تحقق الموت هو الغسل ثم الصلاة على الميت ثم دفنه فإذا مات بديار الإسلام دفن في مقابر المسلمين وإن كانت الهالكة حاملًا من زوج مسلم وهي غير مسلمة دفنت بين مقبرة المسلمين والنصارى ووجهها عكس القبلة ليكون جنينها متجهًا إلى القبلة، وإذا كانت الوفاة بأرض الكفر وتعذر نقله إلى بلاد الإسلام دفن حيثما تيسر وعلى المجموعات الإسلامية أن تتدارك هذه الناحية وتعمل على تخصيص جانب من المقبرة العامة لموتى المسلمين إذا لم يتيسر لها تخصيص المسلمين بمقبرة.

стр. 2334

السؤال السادس حكم بيع المسجد لانتقال الجالية الإسلامية ذكر صاحب المعيار نازلتين: الأولى: استفتي فيها الشيخ الحفار لما سئل عن رجل بنى مسجدًا لله في ملكه وحبس له أحباسًا من أرض وزيتون، ثم انتقل الناس عنها وبقي في ربضها القليل من الناس فهل لها أن تبدل إلى موقع آخر بالقرب من الديار الكثيرة؟ وكان جوابه: أن نقل المسجد المذكور عن محله لا يحل ولا يجوز لأن ذلك تغيير للحبس من غير موجب بل يصلي فيه من بقي منهم ولو رجل واحد والله حسيب من يسعى في تغييره (٧/ ١٣٦) . الثانية: استفتي فيها ابن سراج لما سئل عن مسجد قرية خلت من السكان ولم يبق فيها للسكنى إلا داران غير أن القرية والمسجد في وسط العمران وعلى طريق تسللك على الدوام فقلما يخلو المسجد ممن يصلي وله حبس أضيف إلى حبس مسجد القرية القريبة منه التي هي عامرة وأصبح ينتفع به ومسجد القرية هو جيد البناء إلا أن بعضه يحتاج إلى الإصلاح وفيه مدة جيدة فهل يجوز هدمه واستخلاص أنقاضه وآلته ويبنى بذلك مسجد القرية العامرة لكون بعض أهل الموضع يرون ذلك خوفًا أن يبقى المسجد الذي بالقرية الخالية على ما هو عليه فتهدم آلته أم يؤخذ من فائدة أحباسه التي أضيفت لمسجد القرية العامرة ما يصلح به بناؤه ويبقى مسجدًا كما كان؟ على أن القرية الخالية لم يبق فيها أحد يسكن وهي منذ عشرين عامًا خالية وإنما بقي من الدارين اللتين بقيتا فيها بعض بنائهما بغير سكنى فكان جوابه: أنه إن كان المسجد المشار إليه في السؤال أعلاه يخاف من اجتماع أهل الشر والفساد فيه فيهدم ويستعان بنقضه في مسجد آخر وإن كان لا يخاف من ذلك فيه فيبنى ما تهدم منه من أوقاف التي نقلت لغيره من المساجد (٧/ ١٥٤) . فالفتوى الأولى والثانية بينهما تكامل ذلك أن الفتوى الأولى عن مسجد في قرية لم تخل بتاتًا من السكان وإنما تحول معظم الناس عنها وبقي قليل فالباقي حقه ثابت في إقامة الصلاة بالمسجد ولا يحول المسجد عن مكانه، أما القضية الثانية فقد خلت القرية عن السكان تمامًا، وأن الدارين الباقيتين خاليتان من السكان ويخشى من بقائه في الخلاء وأن يتخذه أهل المنكر وكرًا للفساد فكان الجواب بهدمه ونقل نقضه. وفي صورة السؤال الوارد إن انقطع السكان المسلمون تمامًا من ذلك ولم يبق أي واحد منهم فيجوز بيع المسجد وتحويل أمواله لشراء أو توسيع أو ترميم مسجد آخر يؤمه المسلمون لأداء الصلاة جماعة وإن لم ينقطع المسلمون من تلك البلدة بل قالوا فلا يحل نقل المسجد ولا التفويت فيه، إذ هو يقوم بوظيفته وأما في الصورة الأولى فقد انقطع عن القيام بوظيفته وسيحتله قطعًا غير المسلمين إما للسكنى أو لغير ذلك. كما أني لا أجد وجهًا لصرف المال في أي وجه من وجوه الخير غير بناء أو ترميم مسجد آخر، لأن الذين ساهموا في تأسيس المسجد الأول إنما ساهموا في إقامة بيت من بيوت الله فلا يحول ما لهم إلى غير الجهة التي قصدوها.

стр. 2335

السؤال السابع سفر المرأة بدون محرم من مقاصد الشريعة حفظ الأنساب وهو أصل من الأصول التي اتفقت عليها الشرائع ومما يكمل حفظ هذا الأصل ما جاء من الأمر بغض البصر وستر مواطن الفتنة، ومنع المرأة من السفر إلا مع ذي محرم يغار عليها ويحفظها، ولذا رأى مالك أن امرأة الأب لا تسافر مع ربيبها وقد ورد عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة، فروى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم)) وفي رواية ((مسيرة ثلاث ليال)) وفي رواية ((فوق ثلاث)) وفي رواية ((يومين)) وفي رواية ((يوم)) وفي أخرى ((ليلة)) وفي أخرى ((لا يخلو رجل بامرأة إلا معها ذو محرم)) . يقول القرطبي: ليس هذا اختلافًا في الحديث ولكن ذلك أن رسول الله ﷺ تكرر سؤاله عن السفر كل مرة بظرف فكان يجيب السائل حسب سؤاله. ويقول الأبي: الفقه جمع أحاديث الباب وحق الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصها وينيط به الحكم وأخصها باعتبار ترتيب الحكم عليه يوم لأنه إذا امتنع فيه امتنع فيما هوأكثر ثم أخص من يوم وصف السفر المذكور في جميعها فيمتنع في أقل ما يصدق عليه اسم سفر، ثم أخص من السفر الخلوة. هذا في السفر غير الواجب وأما في السفر الواجب فرأى مالك والشافعي أن لها أن تخرج مع رفقة مأمونة، يشترط الشافعي وجدود امرأة تقية مع الرجال، واختلف تأويل قول مالك واستند مالك والشافعي إلى الآية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ واستأنسا بأن المرأة إذا أسلمت هاجرت من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ولو بدون محرم ولا رفقة. وقال الباجي: إن هذه الأحكام هي في الانفراد والعدد القليل، وأما القوافل العظيمة فهي عندنا كالبلاد تسافر فيها دون فساد ودون محرم. وقال آخرون: هذا التفصيل يعني من اشتراط المحرمية أو الرفقة المأمونة هو في الشابة: أما العجوز التي لا أرب لرجل فيها فلها أن تسافر وحدها. (الأبي: ٣/ ٤٣٦، الزرقاني على الموطأ: ٤/ ٢١٣) .

стр. 2336

ما نقلته عن العلماء يدل على أن الاختلاف بينهم في غير الحج هو على ثلاثة أنحاء: ١- لا تسافر إلا مع محرم. ٢- تسافر مع القوافل العظيمة المأمونة. ٣- الشابة لا تسافر إلا مع محرم والعجوز تسافر وحدها. والذي أطمئن إليه حسبما ينشر في الصحف من انتشار حوادث الاغتصاب التي بلغت حدًا مفزعًا وتسلط الاغتصاب حتى على العجائز أنه لا تسافر المرأة إلا مع محرم يصونها ويحميها وأن التساهل في سفرها بدون رعاية محرمية قد تسببت عنه فضائح معلنة ومناكير وإن سترت على الأسماع وحفظت من القالة وإلا أنه دنس عنه الشرف واختلط النسب وقد يكون وضع المرأة في ظرف محدود ملجئًا لها إلى السفر فهي جزئية يعود فيها السائل أو السائلة بعينه ليعرضها على الفقيه الذي ينظر في كل الملابسات ويحدد الحكم حسب ظهور الضرورة وحدها ولا يصح إعطاء فتوى عامة.

стр. 2337

السؤال الثامن لا يجوز للمرأة المسلمة أن تقيم مع نسوة غير مسلمات بعيدة عن بلد الإسلام. السؤال التاسع لا خلاف بين العلماء أن عورة المرأة مع غير المحرم من الرجال جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها لما رواه أبو داود عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال: ((يا أسماء، إن المرأة إذا بلغة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه)) (مختصر المنذري٦/ ٥٨) . إلا أن ما ورد في السؤال من أن بعض الجهات تمنعهن من ستر ما أمر الله بستره، فالسؤال مجمل ولا تتسنى الإجابة عنه إلا إذا بين المواطن التي تؤمر بكشفها وما تتعرض له إذا لم تكشف وما هو موقف الجماعة الإسلامية من ذلك. السؤال العاشر يقول في البحر الرائق شارحًا لقول الكنز: وحمل خمر لذمي بأجرة يعني جاز ذلك، وهذا عند الإمام وقال يكره لأنه ﵊ لعن في الخمرعشرة وعد منها حاملها وله الإدارة على الحمل وهو ليس معصية وإنما المعصية بفعل فاعل مختار فصار كمن استأجره لعصر خمر العنب وقطفه، والحديث يحمل على الحمل المقرون بقصد المعصية، وعلى هذا الخلاف إذا آجر دابته ليحمل عليها الخمر أو نفسه ليرعى الخنازير فإنه يطلب له الأجر عنده وعندهما يكره، وفي التتارخانية وإن آجر المسلم نفسه ليعمل في الكنيسة فلا بأس به (البحر: ٨/ ٢٣١) ، قال في النهاية: وقول الإمام قياس وقولهما استحسان (ابن عابدين: ٥/ ٢٥١) . وبناء على أن فرص العمل المحدودة بالنسبة للمسلمين في بلاد الكفر ولما كان الإمام أبو حنيفة ﵁ يبني على اصل القياس القول بجواز ذلك فإنه يفتى به ويعتمد، ولا أثم على العامل في مطعم يقدم فيه الخمر لغير المسلمين أما إذا كان أحد حرفاء المطعم مسلمًا وطلب أن يقدم له مع طعامه خمرًا أو لحم خنزير، فإنه يحرم على النادل أن يقوم بذلك. وإذا جهل دين الحريف يحمل على أنه غير مسلم لأنه الغالب ومع الجهل يحمل على الغالب في كل شيء.

стр. 2338

السؤال الحادي عشر حكم التجارة في الخمر أو صناعته حكم تجارة الخمر أو صناعتها لا شك في حرمتها وأن صاحبها ملعون ولو كان ذلك لغير المسلمين وما اتخذه بعض المسلمين حرفة لهم في بلاد الكفر لا يحل ما حرمه الله وفي الحلال سعة، مع أن علمي أنه حتى في بلاد الكفر تكونت جمعيات تحارب الخمور والتزم أصحابها أن لا يقدموا في مطاعمهم خمرًا وتحصلوا من الدولة على إعفاءات تعوض لهم بعض الخسارة وهم حماية للأخلاق تنازلوا عما يوفره لهم بيع الخمر من ربح مع أن دينهم لا يمنعهم من تناولها وترويجها، فكيف يليق بالمسلم الذي حرم الله عليه ملابسة الخمر أن يصبح مروجًا لها، وإن جرت له منفعة مالية ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ . السؤال الثاني عشر الأدوية المحتوية على نسبة من الكحول ينظر فيها من ناحيتين: ١- الإسكار. ٢- النجاسة أما القسم الأول: فإن هذه الأدوية المحتوية على نسب من الكحول هي أدوية تفاعل فيها عنصر الكحول مع بقية العناصر من العقاقير وذهبت كل خصائص الكحول ولا يتخذ أي دواء للسكر. ومن ناحية أخرى، فإن المسكر هو المطرب الذي يندفع به شاربه إلى ارتكاب الفواحش ويتكون منه نوع من الإقدام وارتفاع الحياة ما لا يجده عندما يكون صاحيا وهذه الأدوية لا يتكون منها ذلك بل على العكس هي توجب أضعاف التهيج والتشنجات. وقد ذكر القرافي في الفرق الأربعين ما ملخصه: فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور ويدلك على ضابط المسكر قول الشاعر: ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقال من الأعداء والمناسبة في العطاء أخلاق الكرماء. ثم عقد تنبيهًا قال فيه ما ملخصه: تنفرد المسكرات عن المرقدات بثلاثة أحكام الحد والتنجس وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا نجاسة فمن صلى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعًا، ويجوز تناول اليسير منها لا لم يصل إلى حد التأثير في العقل أو الحواس.

стр. 2339

وتناول الأدوية المختلطة بالكحول هو من النوع المرقد لا المسكر المحدث للنشوة ولا المفسد المثير للأخلاط الكامنة على أن الحنفية يرون عدم الحرمة أصلًا ولو خلط الخل بالخمر وصار حامضًا يحل وأن غلب الخمر وإذا دخل فيه بعض الحموضية لا يصير خلًا عنده حتى تذهب تمام المرارة وعندها يصير خلالً (٥/ ٢٩٥) . أما القسم الثاني: وهو نجاسة الدواء بحلول الكحول فيه، فالمسألة مختلف فيها يقول ابن عباس، (٥/ ٢٩١) : عبارة صاحب الهداية في باب الأنجاس: وفي باقي الأشربة روايات التغليظ والتخفيف والطهارة، اهـ، وذهب إلى طهارتها ربيعة والليث والمزني وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وقصروا الحرمة على شربها (الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٢٩٩) . السؤال الثالث عشر الخمائر الجلاتين على نوعين حيوانية ونباتية، فالنباتية جائزة بلا خلاف، وأما الجلاتين الحيواني فبعضه مستخرج من تحت جلد الخنزير وهذا لا خلاف في نجاسته وحرمة أكله ولا ضرورة تدعو للانتفاع به لإمكان الاستغناء عنه بالجلاتين النباتي أو الجلاتين الحيواني المستخرج من البقر. السؤال الرابع عشر يقول الله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فهذا هو القصد من بناء المسجد واختلف في تدريس العربية والشعر بها وكذلك اتخاذ القاضي مجلسه بها، يقول ابن عاصم: وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد وعللوا ذلك بأن المسجد لا يعترض على داخله فيصل إليه كل الناس. وذكر الشيخ المهدي في خاتمة بحثه لجلوس القاضي في المسجد نقلًا عن ميارة، واعتبار حال الوقت يرجح ترك جلوسه اليوم بالمسجد، وإذا قال ابن عبد السلام: والأقرب من زماننا اليوم الكراهة وسلمه المصنف في التوضيح فكيف بزماننا هذا؟ ولذا قال أبو علي بعد أن صرح بأن المشهور ما عند المصنف الجلوس به ما نصه: هذا تحرير الكلام من جهة النقل وأما من جهة المعنى فما قاله ابن عبد السلام والمصنف من أن الكراهة باعتبار وقت لا إشكال في أصله ولا يتوقف فيه إلا من لم ينصف أو من لم يطلع على ما يقع في المساجد في هذه الأزمنة التي هي بعد أزمنة ابن عبد السلام بكثير، وأما الكلام في تحريم القضاء في المسجد في هذه الأوقات والذي أتقلده وإن كنت لست أهلًا لأن أقلد هو التحريم لأن الأحكام تتغير بحسب ما يعرض لها وإن وردت عن الشارح وقد أشار علي الأجهوري لبعض هذا، وهذا الذي ذكرنا تلقيناه من أشياخنا غير ما مرة (ج أكراس ١٥ ص ٣ و ٤) .

стр. 2340

وقد ختم الترمذي البيوع بباب النهي عن البيع في المسجد وروى فيه حديثًا حسنًا عن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيها الضالة فقولوا: لا رد الله عليه)) علق عليه ابن العربي: اختلف فيه العلماء فمنهم من كرهه، ومنهم من رخص فيه، وقوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ يعني عما لا يجوز فأما المباح فيجوز منه اليسير، أما النكاح فيه فجائز، وقد عقد ﷺ في الموهوبة نصًا وذلك لأنه قربة ولأنه أيضًا نادر، والله أعلم (٦/ ٦٢) . وقد ذكر القرطبي في تفسير سورة النور من الجامع أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت؟ ثم قال: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من الأقذار والوسخ. وبهذا يتضح أن إقامة الحفلات في المساجد مع الرقص والإنشاد حرام ولا ضرورة لإقامة مثل ذلك إذ إن أمره ﷺ بإعلان الزواج وإطعام بعض الناس لا يبلغ درجة الرقص والغناء.

стр. 2341

السؤال الخامس عشر أمر ﷺ الوالد بأن يحسن تسمية ابنه، والأسماء الممنوعة هي الأسماء الدالة على شرك، فلا يجوز أن يسمي ابنه الله أو الواحد القهار، ولذا فإن اضطر الأب لتسمية ابنه من قائمة لا شرك فيها جائز، ولكن الذي شاهدته في الصين أن المولود يحمل اسمين اسمًا إداريًا على الطريقة الصينية، واسمًا عائليًا إسلاميًا تناديه به عائلته: محمد، علي، صالح، إلخ. السؤال السادس عشر جاء في السؤال حكم زواج الطالب أو الطالبة، والحكم لا يختص بالطالب أو الطالبة، إذ الزواج ينعقد إذا ما توفرت أركانه من الزوج والزوجة والصيغة والمهر والولي، والشهود على خلاف بين العلماء في بعض هذه الأركان. ونية الزوج عند العقد أنه سيطلق زوجته بعد مدة إذا قدرها في نفسه ولم يبح لها ولم يقع عليها العقد، إن هذه النية غير مؤثرة كنية الزوج طلاق زوجته ولم يصرح ذلك فالعصمة قائمة. ثم إن هذه النية كثيرًا ما ينفيها الزوج ذاته إذ يجد من زوجته ما يغريه بالحياة معها وكثيرًا ما ينجبان فيكون الولد عامل استقرار. ونكاح المتعة المنهي عنه هو نكاح ينفسخ عند حلول الأجل من ذاته فهو من تاريخ العقد مبني على الاستمتاع المحدود الأجل فإذا جاء الأجل ذهب كل في سبيل حاله ولا يحتاج إلى طلاق.

стр. 2342

السؤال الثامن عشر عجبت من هذا السؤال، الحرج من عدم مد الأنثى يدها لمصافحة الأجانب عنها، الحرج من امتناع الرجل من مصافحة المرأة التي تمد يدها إليه كان مصدر عجبي تعميم كلمة الحرج في كل مناسبة وفي كل أمر فيه تراخٍ خلقي الحرج له مفهوم في الإسلام وهو كل ما أوقع المسلم في ضيق حقيقي لا وهمي يجد صعوبة زائدة على المعتاد ومشقة من تحمله، وهذا قد نفاه الله عن المسلمين فقال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . أما مجرد الصعوبة والمشقة فهو أمر مقارن للتشريع، والتكليف ما أطلق حقيقة إلا على ما فيه كلفة، ولذلك وقع البحث في إدخال المباح في الأحكام التكليفية. واتقاء الشبهات أصل من أصول تكوين الفرد المسلم ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) . لقد اتقى رسول الله ﷺ هذه الشبهة وهي مصافحة النساء فروى في الصحيح عن عائشة أن رسول الله ﷺ ((ما مست يده يد امرأة قط)) وروي ((أنه بايعهن بين يديه وأيديهن في ثوب)) . وقالت أم عطية ((: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن ﵇ فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن: ألا تشركن بالله شيئًا. فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت ومددن أيدينا من داخل البيت)) . (القرطبي: ٦٥٥٠) . إن هذه الأحاديث لا خلاف بينها وإن لم يقبل منها ابن العربي إلا ما ورد في الصحيح لأنها تؤكد على أن الرسول ﷺ لم تمس يده يد امرأة ولم يباشر ذلك. وأن رسول رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ لم يمس هو يد امرأة معروفة بعينها وإنما كانت النساء خلف الستر والمبايعة مختلطة تنفي الريبة. وما ورد من إطلاق في بيعة الصفا يحمل على المقيد الوارد فيه أن المبايعة كانت بحائل أو من وراء ستر. وبناء على ما قدمناه فإن الذي نطمئن إليه أن المرأة لا تصافح أجنبيًا غير محرم ولا زوج، وأن الرجل لا يصافح امرأة أجنبية عنه، وقد رأيت في البلاد الشيوعية أن المرأة المسلمة لا تمد يدها لأي رجل أجنبي وتشير بابتسامة.

стр. 2343

السؤال التاسع عشر الصلاة في الكنائس إذا كانت على طاهر أو الأرض فالصلاة جائزة لقوله ﷺ ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)) فعم إذ لا دليل على التخصيص، والتماثيل لا تبطل الصلاة وإنما أمرها أنها ربما تشغل عن الصلاة فليصرف بصره عنها كما لا يتعمد التوجه إليها بل ينحرف قليلًا. السؤال العشرون طعام أهل الكتاب أنواع: ١- الطعام الذي لم يدخل اللحم في تركيبه، وهذا جائز أكله وهو الوجه الأول من الأوجه التي حملت عليها الآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ . يقول ابن العربي: في ذكر الطعام قولان: أحدهما: أنه كل مطعوم على ما يقتضيه مطلق اللفظ وظاهر الاشتقاق، كان حالهم ألا يؤكل طعامهم لقلة احتراسهم عن النجاسات ولكن الشرع سمح بذلك لأنهم أيضًا يتوقون القاذورات ولهم في دينهم مروءة يوطونها، ألا ترى أن المجوس الذين لا تؤكل ذبائحهم لا يؤكل طعامهم ويستقدزرون ويستنجسون في أوانيهم. ٢- الطعام الذي دخل اللحم في التركيبة، وهذا أيضًا على نوعين: (أ) ما ذبح أو نحر على الطريقة الشرعية وسمي الله عليه فهذا يؤكل. (ب) اللحم الذي لم يجمع شروط الذبح الشرعي كما لم يسم الذابح عليه اسم الله، يقول ابن العربي: قال جماعة من العلماء: تؤكل ذبائحهم وإن ذكروا عليها اسم غير المسيح، وهي مسألة حسنة نذكر لكم منها قولًا بديعًا، وذلك أن الله سبحانه حرم ما لم يسم الله عليه من الذبائح وأذن في طعام أهل الكتاب وهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وأنه ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإن لم يذكروا اسم الله سبحانه أُكِلَ طعامهم، وإن ذكروا فقد علم ربك ما ذكروا وأنه غير الإله وقد سمح فيه فلا ينبغي أن يخالف أمر الله ولا يقبل عليه، ولا تضرب الأمثال له.

стр. 2344

وقد قلت لشيخنا المقدسي: إنهم يذكرون غير الله قال لي: هم من آبائهم، وقد جعلهم الله تبعًا لمن قبلهم مع علمه بحالهم، وكالقتل لا على الطريقة الشرعية وقد رأى ابن العربي جوازه أيضًا، يقول الحطاب: واختلف المذهب إذا كان يسل عنق الدجاجة فالمشهور لا تؤكل وأجاز ابن العربي أكلها ولو رأيناه يسل عنقها لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو يعمد ويحث معه (ابن عرفة: ٣/ ٢١٣) . ومثله لابن ناجي في شرح الرسالة وقد انتصر لابن العربي اعتمادًا على قوله لأن الله لما أباح أكل طعامهم فهو عالم بطريقة إزهاق روح ما يأكلونه من الحيوان (ابن ناجي ١/ ٣٣٧) . السؤال الواحد والعشرون حكم حضور الحفلات التي تختلط فيها النساء بالرجال وتقدم الخمور حرام وإن كان في ذلك اعتزال المسلمين، والواجب أن يكونوا بعيدين عن هذه التجمعات وقد بين الفقهاء حكم إجابة الدعوة وأنها تكون حرامًا إذا كان مما يقع فيها حرامًا.

стр. 2345

السؤال الثاني والعشرون أوقات الصلاة في بعض البلدان التي لا تتبين فيها الأوقات ذكر ابن عابدين أن في ذلك ثلاثة أنظار: ١- أن الصلاة التي فقد وقتها تسقط عن المكلف باعتبار أن السبب ما يلزم من أجل وجوده الوجود ومن أجل عدمه العدم بالنظر لذاته وأوقات الصلوات أسباب الوجود فإذا لم يدخل الوقت يسقط الوجوب. ٢- أن يقدر وقت دخول الصلاة على قرب البلدان إليهم ويكون أداء فينوي الأداء. ٣- أن يقدر الوقت حسب أقرب البلاد إليهم وينوي القضاء لفوات الوقت بطلوع الفجر، (انظر رد المحتار: ١/ ٢٤٢- ٢٤٣) . وما يرجع عدم سقوط الصلاة الحديث الذي أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان والذي جاء فيه: ((قلنا يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا يوم كسنة ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدرة)) (إكمال الإكمال: ٧/ ٢٦٩- ٢٧٠) . كما أنه لا يستبعد بناء على الحديث الذي رواه مالك في موطئه، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: ((ما بين هذين وقت)) أن يكون وقت المدينة مرجعًا لمن تداخل عندهم الوقت، والله أعلم.

стр. 2346

السؤال الثالث والعشرون الذي أعتقده حسبما هو مفصل في البحث الذي قدمته لمجمع الفقه الإسلامي أن دخول الشهور هو من الوقت الذي يمكن فيه رؤية الهلال وهذا الوقت قد يستند إلى الرؤية البصرية مع ما يصحب الرؤية البصرية من وهم وخداع نظر وإمكان كذب المخبر، وقد يستند إمكان رؤية الهلال إلى الحساب، وقد بلغ من الدقة في عصرنا هذا مبلغ اليقين وإذا كانت الرؤية البصرية ظنية والرؤية الحسابية يقينية فإن من القواعد تقديم اليقين على الظن إلا أن الحساب يجب أن يدقق لا على وقت ميلاد الهلال وإنما على وقت إمكان رؤيته. السؤال الرابع والعشرون حكم عمل المسلم في الدوائر الحكومية في البلدان المسلمة قد اختلفت فيه أقوال العلماء: فذهب ابن رشد إلى أن إجارة المسلم نفسه من الكافر على أربعة أنواع: جائزة: أن يعمل المسلم عملًا في محله لا في محل الكافر كالصانع الذي يعمل للناس في مصنعه. ومكروهة: أن يكون العمل كله للمؤجر، ولكنه ليس تحت يده كالمقارض والمساقي. ومحظور: ما كان تحت يد الكافر كأجير في بيت وإجارة المرأة نفسها المرضع ولده. والحرام: أن يؤاجر منه نفسه فما لا يحل من عمل الخمر ورعي الخنازير وهذا يفسخ فإن فات تصدق بالأجرة على المساكين (الحطاب: ٣/ ٤١٩) . وفي المهذب أن من الشافعية من قال: لو استأجر الكافر مسلمًا ففيه قولان: ومنهم من قال: يصح قولًا واحدا (التحفة بحاشية الشرواني: ٦/ ١٢٢) . وبهذا فإن عمل المسلم في الحقل الإداري غير الإسلامي قد تبين حكمه في أعلاه ونزيد هنا بيانًا لبعض الخصوصيات: أن العمل في الدوائر الاستراتيجية أو الذرية إن كان الغرض من ذلك مجرد التحصيل على القوت بواسطة الشغل فإن العمل في هذه الدوائر لا يجوز لأن فيه عونا على تخريب العالم وتهديد أمنه، وإن كان الغرض منه اكتساب الخبرات ليستفيد منها العالم الإسلامي في يوم من الأيام فهي جائزة بل مأجور صاحبها.

стр. 2347

أجوبة فضيلة الشيخ محيي الدين قادي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على أفضاله وأهل الصلاة والسلام سيدنا محمد وصحبه وآله. السؤال الثالث (١) ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم، خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج حيث تدعي مسلمات كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان إذ إنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في وضع شديد الحرج؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد بأن زواج المسلمة بغير المسلم محظور لا يجوز بحال من الأحوال عند فقهاء الإسلام. جاء في المذهب الحنفي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز لقوله تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ لأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في الدين. وقد أشار القرآن إلى ذلك في آخر الآية الكريمة السالفة الذكر بقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأنهن يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببًا داعيًا إلى الحرام فكان حرامًا. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار تعم الكفرة أجمعين، فيعم الحكم بعموم العلة، فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي، لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز (٢) وجاء في المذهب المالكي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز البتة وقد أخذ ابن القاسم الحكم بعدم زواج المسلمة من غير المسلم من قول مالك في ذمي اشترى أمة مسلمة ووطئها: أن يقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبوا على ذلك ويضربوا بعد التقدم (٣) فإذا كان هذا في وطء الكافر الأمة المسلمة فمن باب أولى نكاحه الحرة المسلمة عند مالك.

стр. 2348

وقد أورد سحنون فيها عدة آثار مع الصحابة والتابعين تمنع زواج المسلمة بغير المسلم بكل وضوح، وها هي ذي تلكم الآثار: ١- روي عن سيدنا عمر ﵁ أنه كتب يقول: إن المسلم ينكح النصرانية، ولا ينكح النصراني المسلمة. ٢- وروي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: لا ينكح اليهودي المسلمة ولا النصراني المسلمة. ٣- وروي عن ربيعة شيخ مالك بن أنس وأحد فقهاء التابعين أنه قال: لا يجوز للنصراني أن ينكح الحرة المسلمة. وعنه أيضًا أنه قال في نصراني أنكحه قوم، وهو يخبرهم أنه مسلم فلما خشي أن يطلع عليه أسلم وقد بنى بها. قال: يفرق بينهما وإن رضي أهل المرأة؛ لأن نكاحه كان لا يحل، وكان لها الصداق ثم إن رجع إلى الكفر بعد إسلامه ضربت عنقه. ٤- روي عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن أبي سلمة يسأل: هل يصح للمسلمة أن تنكح النصراني؟ قال: لا. قال بكيري: وقال ذلك قسيط والقاسم بن محمد،قال: ولا يهودي، وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قالوا: فإن فعل ذلك فرق بينهما السلطان (١) وهكذا في المذهبين: الشافعي والحنبلي قال في المغني: والإجماع منعقد على تحريم تزوج المسلمات للكفار (٢)

стр. 2349

والإجماع كما قال سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور –﵀ إما مستند إلى دليل تلقاء الصحابة من النبي ﷺ وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فعلق النهي عن الكفر وهو أعلم من الشرك وكقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ في الآية الآنفة الذكر، والإشارة إلى المشركين والمشركات إلا لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع، وهي تعليل للنهي عن نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، والدعاء إلى النار معناه الدعاء إلى أسباب الدخول إلى النار لأن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم. ولما كانت رابطة الزواج رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها ممن يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء أشدهما للآخر، ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله، ولا يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدًا جدًا، لا يجمعهم شيء يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين. أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله، وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء، ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى من طرفهم وعدم اعتقادنا ذلك، وإيماننا برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعدم إيمانهم بذلك، ويفرق بيننا وبين اليهود عدم إيمانهم بمحمد ﷺ وعدم تصديقهم بنبوة عيسى ﵇ فأباح الله للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج المسلمة من الكتابي اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية، وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالبًا إياه إلى الإسلام لأنها أضعف منه جانبًا. وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه لذلك السبب، وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج المسلم الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة (١)

стр. 2350

وما سقناه من نصوص عن فقهاء المذاهب الإسلامية يتضح منع زواج المسلمة بغير المسلم دل على ذلك: ١- ظواهر القرآن الكريم كقوله تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وكقوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ . ٢- ظواهر من الآثار عن الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم أجمعين. ٣- القياس كما جاء فيما نقلناه عن سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور – ﵀ ولعله يعني قياس الكتابي على المشرك في حرمة تزوج المسلمة به. ٤- إجماع فقهاء الإسلام من لدن انتقاله صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى إلى يوم الناس هذا، وهو أظهر الأدلة وأقواها، إما الاستناد إلى تضافر الأدلة الشرعية، وإما إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي ﷺ وتواتر بينهم إذ الاجتماع لا يحصل إلا بذلك. ٥- ما يمكن أن نسميه بالدليل العقلي، والذي نقله سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور عن شيخه الأستاذ سالم أبي حاجب رحمهما الله. وانطلاقًا من كل ذلك نجيب بعدم حلية زواج المسلمة بغير المسلم ولو رجت إسلامه بعد الزواج. وأما دعوى مسلمات كثيرات عدم توفر الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان وتوافر الأكفاء في غيرهم فمردودة إذ لا كفاءة بحال من الأحوال بين مسلمة وكافر ولو أعجبها لما سقناه من الأدلة السابقة، ولأن الكفاءة قائمة بالقرآن والسنة بين المسلمين والمسلمات، وليعلم هؤلاء النسبة أن مسلمًا ذا دين خير من كافر ولو أعجبهن قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ والأخوة تقتضي المساواة بين الإخوة ما لم يقم مانع شرعي يمنعها، وقال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال تعالى ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ .
следующие страницы →