← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وكذلك ابن ناصر حين سئل عن طعام اليهود والنصارى الصابئين والمجوس أيحل أكله أم لا؟ وهل هؤلاء كلهم أهل كتاب أم لا؟ بعض الطلبة أفتى بأكله مستدلًا بقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وكيف يأكل المسلم ما مسته أيدي اليهود وهو نجس بين لنا؟ فأجاب: أما طعام اليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، يجوز أكله مطلقًا، وأما غيرهم إن كان طعامهم مما ليس فيه ذكاة فلا بأس بأكله وإلا فلا، ومن عفاف ذلك تركه (١) ومن المعاصرين الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في الفتوى الترنسفالية الشهيرة، والتي أخذ فيها وهو المالكي مذهبًا باجتهاد ابن العربي وقد نشرت الفتوى في المجلد السادس في الجزء عشرين بتاريخ ١٦ من شوال سنة ١٣٢١ والوقوف عليها ميسور (٢) وكذلك العلامة البحر المفتي المالكي بالديار التونسية شيخي وسيدي محمد الفاضل ابن عاشور ﵀ الذي سئل: ما هو حكم الله في أكل اللحم المعروض للبيع عند جزارين أوربيين في أوربا؟ فأجاب: إن هذه المسألة مختلف فيها بين العلماء وأن الإمام القاضي أبا بكر بن العربي من فقهاء المالكية أفتى أن ما يقتله النصراني على أن من دينه ويأكل منه رهبانه، ولم يرد في ديننا ما يقتضي تكذيبهم في ذلك فإنه حلال لنا في ديننا والسلام (٣)

стр. 2417

ويدل على تأييده لابن العربي أمور: أ- تلك التحلية له بالإمام القاضي. ب- أن القاعدة في الفتوى أنها لا تكون إلا بالراجح أو المشهور أو مما جرى به العمل من أقوال ضعيفة أيدها العرف، وإلى هذا الأخير أشار الزقاق في اللامية في الفصل الذي خصصه لما جرى به العمل في فاس بقوله: فإن قيل إن البعض مما نقلته ضعفت؟ نعم لكن العرف عولا (١) ج – لم يذكر أي وصف من مرجوحية، أو شذوذ لقول ابن العربي، والذي يبدو لي والله أعلم بالصواب، أن قول ابن العربي راجح لا مرجوح للأدلة التالية: ١- أن الآية القرآنية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مطلقة. ٢- روى الإمام أحمد والإمام البخاري والإمام مسلم من حديث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك وإنما أمسك على نفسه، قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر)) واللفظ للبخاري وجاء في البخاري أيضًا في كتاب الذبائح والصيد في باب ما أصاب المعراض بعرضه عن عدي بن حاتم من حديث له أنه سأل النبي فقال: ((إنا نرمي بالمعراض، قال: كل ما خرق، وما أصابه بعرضه فلا تأكل)) وفي نفس الكتاب من صحيح البخاري في باب صيد القوس روى الإمام البخاري قال: فقال: وقال الحسن وإبراهيم: إذا ضرب صيد فبان منه يد أو رجل، لا تأكل الذي بان وكل سائره، وقال إبراهيم: إذا ضربت عنقه أو وسطه فكله، وقال الأعمش عن زيد: استعصى على رجل من آل عبد الله حمار فأمرهم أن يضربوه حيث تيسر، دعوا ما سقط منه وكلوه". وروى البخاري أيضًا أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنمًا له بالجبيل الذي بالسوق وهو بسلع فأصيبت بشاة، فكسرت حجرًا فذبحتها به فذكروا للنبي ﷺ فأمرهم بأكلها. وروى البخاري أيضًا عن رافع بن خديج قال، قال النبي ﷺ : ((كل – يعني ما أنهر الدم- إلا السن والظفر)) .

стр. 2418

وروى أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: ((إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة أيام، فأدركته فكله ما لم ينتن)) . فهذه الأحاديث وغيرها مما أذكر تدل على مدى التيسير في صيد المسلم بكلبه المعلم وبمعراضه، وهو سهم لا نصل له ولا ريش، وقيل: هو خشبة ثقيلة في آخرها عصا محدد رأسها، وقيل هو عصا في طرفها حديدة، وكأنه كان يطلق على هذه الأشياء وكانوا يرمون الصيد بها (١) وبقوسه على مدى التيسير في ذبحه بكل ما أنهر الدم من حجر أو غيره خلا السن والظفر رفقًا بالحيوان، أفلا يقاس عليها التيسير على المسلم الذي أباح له الله ﷻ الارتباط بأهل الكتاب وأباح لهم طعامهم بإطلاق، أي ذبائحهم على قول جمهور المفسرين بأية وسيلة أنهرت الدم خلال السن والظفر؟ ٣- قال أبو عبد الله الحفار مدعمًا وجهة نظر ابن العربي: إذ كانت الذكاة تختلف في شريعتنا فيكون ذبحًا في بعض الحيوانات، ونحرًا في بعض، وعقرا في بعض، وقطع عضو كرأس وشبهه كما هي ذكاة الجراد، أو وضع في ماء حار كذكاة الحلزون، فإذا كان هذا الاختلاف موجودًا بالنسبة إلى الحيوانات، فكذلك قد يكون شرع في غير ملتنا سل عنق الحيوان على وجه الذكاة، فإذا اجتزأ الكتابي بذلك أكلنا طعامه كما أذن لنا ربنا سبحانه، ولا يلزمنا أن نبحث على شريعتهم في ذلك إذ رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك، أكلنا كما قال القاضي: لأنها طعام أحبارهم ورهبانهم (٢) ولا يفوتني وأنا بصدد الحديث على من استبعدوا فتوى أبي بكر بن العربي أن أشير إلى ما أوهمه قول بعض الفقهاء المعاصرين من المالكية أن ابن عرفة لم يسلم استبعاد شيخه ابن عبد السلام الهواري ورده اعتمادًا على ما قاله الحطاب وهذا نصه: قال ابن ناجي في شرح الرسالة: واختلف المذهب إذا كان يسل عنق الدجاجة فالمشهور لا تؤكل، وأجاز ابن العربي أكلها، ولو رأيناه يسل عنقها لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو بعيد، وبحث ابن عرفة مع ابن عبد السلام في ذلك (٣)

стр. 2419

ونص المسألة كما في المختصر الفقهي لابن عرفة من باب الذكاة، وقول ابن عبد السلام وأجاز ابن العربي أكل ما قتله الكتابي، ولو رآه يقتل الشاة لأنه من طعامهم، يرد بأن ظاهره نوى بذلك الذكاة أم لا؟ وليس كذلك، بل نصه وأورد ابن عرفة نص فتوى الإمام ابن العربي السالف الذكر، وقال: فحاصله أن ما يرونه مذكى عندهم حلال لنا أكله، وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة (١) فكلام ابن عرفة ليس ردًا على ابن العربي، ولا تأييدًا، وإنما هو تصويب لما وقع فيه شيخه من خطأ في أن ابن العربي يحل ما قتله الكتابي نوى بذلك الذكاة أو لم ينو بينما ابن العربي لا يحل إلا ما كان قتله عندنا ذكاة عند الكتابي لكن لابن عرفة رد على ابن العربي في تقييدات بعض الطلبة لما يلقيه في دروس تفسيره عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال: أخذ من هذا ابن العربي جواز أكل المسلم من الدجاجة التي فك النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه وأطعمه منها، لأنها من طعامه، ثم رده بأنه ليس من طعامهم الفعلي الوجودي الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذا في شرعهم محرم عليهم، قال باش مفتي تونس الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي: وهو قريب من كلام شيخه ابن عبد السلام (٢) وبعد كل ما سبق يتضح أن فتوى ابن العربي ليست مرجوحة لقوة الدليل ولا شاذة لتبني أثبات لها، وإصدار فتاويهم على مقتضاه، ولا بعيدة كما وصفها ابن عبد السلام وخليل لأن ما أيد به ابن عبد السلام استبعاده قد رده نقادة المذهب ابن عرفة، وما أيد به خليل استبعاده من أن فتل عنق الدجاجة ليس ذكاة عندهم بإطباق أهل شرعهم على منع أكل ذلك وتحريمه لا يخالف القاضي فيه، لأنه حين أفتى اشترط أن يكون ذلك طعامًا للنصراني وطعامًا لرهبانه ومراده واضح، ويزيده وضوحًا أنه قبل الفتوى وفي نفس تفسيره للآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم وهو علينا.

стр. 2420

فالمدار في حيلة أكلها، وحرمته على أن فتل العنق ذكاة عند الكتابي فيحل الأكل، أو ليس بذكاة فلا يحل –والله أعلم- وقد جاءت الإشارة إلى ما ذكرت في كلام المحقق الرهوني في رده على ابن سراج السالف الذكر. وأما ما جاء في تقييدات بعض طلبة ابن عرفة من دروسه في التفسير فالرد عليه واضح وجلي، وذلك لأن ابن عرفة –﵀ رد قول ابن العربي بأن أكل المسلم من الدجاجة التي فك النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه وأطعمه منها حلال له أكلها لأنها طعامه وطعام أحباره بقوله: إنه ليس من طعامهم الفعلي الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذا في شرعهم محرم، وكان هذا من الإمام ابن عرفة خلاف الصواب على كلا احتمالين لكلامه وهما: ١- أن فتل عنق الدجاجة ليس ذكاة للكتابي، والجواب ما أجبت به عن استبعاد العلامة خليل قول ابن العربي سابقًا. ٢- وإن أراد أن ذلك ليس ذكاة في شرعهم قبل التبديل والتحريف (١) فالجواب أن الآية نزلت مبيحة طعام أهل الكتاب رخصة للمسلمين وتيسيرًا عليهم، وأهل الكتاب هم الذين كفروا لاعتقادهم التثليث وبنسبة عيسى إلى ربه وبقولهم هو الله وهم يفرقون بين الله ورسله ويحرفون التوراة والإنجيل ويغلون في دينهم وقد لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم وكانوا يعتدون ولا يتناهون عن منكر فعلوه ويلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون ويخونون في الدينار إذا أؤتمن أحدهم به فلا يؤديه إلى من ائتمنه إلا ما دام عليه قائمًا، ويقتلون النبيين ويكذبونهم، ويستهزئون بالمسلمين، وكان منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ... " (٢) أي شيء أحدثه أهل الكتاب في فترة التنزيل من القبائح لم يكن في أوائلهم؟ وأي شيء أحدثوه من القبائح في فترة صدور الفتوى عن ابن العربي زائدًا على ما كان عليه الأولون منهم؟ فالقول بأنهم حرفوا شرعهم وبدلوه مردود كما ترى –والله أعلم- فأهل الكتاب هم قبل الإسلام وبعده.

стр. 2421

ومما ينبغي الحذر منه قول بعض المفتين بحتمية التأكد من كتابية الذابح لفشو الإلحاد واللائكية في بلاد الغرب، فهو خطأ لما قلته سلفًا، ولما رواه مالك في الموطأ في كتاب الذبائح فيما يجوز من الذكاة حال الضرورة عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس بها، وتلا هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ولأن ذلك من المشادة في الدين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ومذهب ابن عباس هو مذهب جمهور الصحابة، وكان علي ﵁ ينهى عن ذبائح بني تغلب لأنهم عرب، ويقول: إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر، وهو قول الشافعي، وعلى هذا فليس ينهي عن ذبائح النصارى المحققين منهم وكذلك اليهود (١) وأما ما جاء في السؤال من عدم التسمية على الذبيحة فالتسمية في حق الكتابي لدى فقهاء المالكية ليست بواجبة في حقه. قال سيدي عبد الباقي الزرقاني في شرحه على مختصر خليل في باب الذكاة: تؤكل ذبيحة الكافر ... ولو لم ينو أو يسم لأنهما خاصان بالمسلم. (٢) قال الأجهوري: محل وجوب التسمية إذا كان المذكي مسلمًا، وأما إن كان كافرًا فلا يعتبر في أكل ذكاته نية ولا تسمية، وقال الشيخ إبراهيم اللقاني: إن نية الذكاة لا بد منها حتى في حق الكافر، وأما النية تقربًا فتطلب من المسلم دون الكافر، ولكن نية الفعل كافية على الصواب، ولو لم يلاحظ التقريب. (٣) هذا وما ذكرته هنا لا ينافي ما ذكرته سابقًا من أن ذبحه لصنم لا يؤكل لأن عدم أكله لكونه ذبح لصنم، ولم يذكر اسم الله عليه، وأما ذبحه لا لصنم ولا لوثن، ولم يذكر اسم الله عليه فيؤكل.

стр. 2422

بقي أن صيد البر بالنسبة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى هل يأخذ حكم الذبائح فيحل أكله في الإطار المذكور آنفًا، أو لا يحل لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ ؟ قال مالك ﵀: تؤكل ذبيحتهما فأما صيدهما فلا يؤكل، وتلا هذه الآية ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ فلم يذكر الله بهذا النصارى ولا اليهود، ولا يؤكل صيدهما. قال ابن القاسم: ورأيي أن لا يأكله (١) قال الحطاب: وفي التوضيح لخليل: المشهور منع الصيد البري للكتابي. وقال ابن هارون وأشهب بإباحته واختاره ابن يونس والباجي واللخمي لأنه من طعامهم، ولمالك في الموازية كراهته. قال ابن بشير: ويمكن حمل المدونة عليه (٢) أي على الكراهة للإطلاق في الآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ . وأما صيد البحر فيحل أكله ولو من مجوسي، روى ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه سئل: أرأيت ما صاده المجوسي من البحر أيؤكل؟ فقال: نعم. (٣) ولا بد من ملاحظة أن ما ذكرته من عدم افتقار ذكاة الكتابي إلى تسمية أو نية، إنما هو فيما ذكاه لنفسه ويباح أكله، وأما ما ذكاه لمسلم فقيل: بإباحة أكله، وقيل بعدم ذلك، وذلك مقيد بغير الأضحية، أما الأضحية فلا تصح أضحيته، قال خليل بن إسحاق ﵀: وفي ذبح كتابي لمسلم قولان (٤) : قال النفراوي معقبًا على قول خليل هذا في جواز الأكل وعدمه، في غير الضحية، وأما الضحية فلا تصح ضحيته إذ ذكاها الكتابي اتفاقًا، ويجري في أكلها القولان (٥) وبهذا تنتهي الإجابة عن الجزء الأول من السؤال. وأما الجزء الثاني من السؤال وهو حكم ما يقدمونه في مطاعمهم: فالجواب عنه أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الطعام الذي لا علاقة له بالذكاة كالفاكهة والبر جائز أكله، وما فيه محاولة منعه لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وعصر الزيت فيباح أكله أيضًا، وإن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز (٦)

стр. 2423

وأما ما له علاقة بالذكاة كجبن الروم الوارد علينا من النصارى من سائر أصقاع العالم فإن شاهده يجبن بأنفحة الميتة أو الخنزير أو يجعل بعد تجبينه في بطون الخنازير ليحل ما فيها من الودك إليه، أو كتب عليه من طرف المصنع إعلان بذلك أو تواتر ذلك حتى حد القطع فلا يحل لنا أكله؛ لأن الله حرم علينا بالخصوص الميتة والخنزير. وأما إذا لم يحصل لنا علم بالطرق السالفة جاز لنا الأكل من غير بحث عن ذلك، وكذلك الشأن في الأطعمة المحتوية على شيء من عين الخمر بشتى أصنافه، جاء في العتبية أن مالكًا ﵀ سئل عن جبن الروم، فقال: ما أحب أن أحرم حلالًا، وأما أن يكرهه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأسًا، وأما أن أحرمه على الناس فلا أدري ما حقيقته، قد قيل: إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير وهم نصارى، وما أحب أن أحرم حلالًا، وأما أن يتقيه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأسًا (١) قال ابن رشد في شرحه عليها الموسوم بالبيان والتحصيل: كره للرجل في خاصة نفسه من أجل ما قيل له: إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير ولو لم يسمع ذلك لم يكن عليه أن يبحث عن ذلك، لأن الله قد أباح لنا أكل طعامهم بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فأكل طعامهم جائز ما لم يوقن فيه بنجاسة، فإن خشي الرجل لشيء سمعه استحب له أن يتركه (٢) وحل الطعام الذي لا علاقة له بالذكاة لا يقتصر على الكتابيين فحسب، قال القرطبي: ولا بأس بأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة" (٣) أو له كتاب وليس بسماوي كالمجوس.

стр. 2424

وجاء في العتبية عن ابن القاسم أنه قال: " وسمعت مالكًا يقول: أكره جبن المجوس لما يجعل فيه من أنافح الميتة، وأما السمن والزيت فلا أرى به بأسًا إذا كانت آنيتهم لا بأس بها، فإن كان في آنيتهم بعض ذلك فلا أرى أن يؤكل، وإن شككت في آنيتهم، وكانوا يأكلون الميتة فلا أحب ذلك (١) قال ابن رشد في شرحه المذكور سابقًا: أما المجوس فبين أنه لا خير فيه لأنه إنما يجعلون فيه من أنافيح ذبائحهم التي لا تحل لنا، فقوله: أكره ذلك لفظ فيه تجاوز، وقد روي أن أبا موسى الأشعري ﵁ كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يذكر أن المجوس لما رأوا المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن أهل الكتاب عمدوا فصلبوا (أي جعلوا عليه صورة صليب) على الجبن كما يصلب أهل الكتاب ليشترى من جبنهم فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: " ما تبين لكم أنه من صنعتهم فلا تأكلوه، وما لم يتبين لكم فكلوه ولا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم" (٢) والخلاصة أن طعام أهل الكتاب وغير أهل الكتاب لا علاقة له بالذكاة ولا يحتوي على شيء من النجاسات المحرمة علينا حلال أكله، وإن ترك أكله خشية نجاسة محرمة من المسلم تورعًا فحسن، وقد تورع عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود في خاصة أنفسهم ﵃ عن أكل الجبن مخافة أن يكون من جبن المجوس (٣) هذا وقد اقتصرت في هذه الفتوى على مذهب الإمام ﵀ غالبًا (٤) وبناء على كل ما سبق واعتمادًا على ما نقلته عن فقهاء مذهب إمام دار الهجرة، أفتي المسلمين في أي صقع من أصقاع الأرض كانوا بإباحة ذبائح أهل الكتاب ولو كانوا يذكونها بحطم الرأس وفتل العنق من غير ذكر اسم الله عليها، إذا أكل منها أحبارهم ورهبانهم ما لم تكن محرمة علينا بالخصوص، كالميتة إن كانوا يستحلونها وكالخنزير الذي هو حلال عندهم، أو محرمة عليهم في كتابنا فلا تعمل فيها ذكاتهم كالإبل والأوز وكل ذي ظفر المحرم عند اليهود، وبكل الأطعمة التي طهيت بها، وبالشراء من جزاريهم رخصة من الله لنا وتيسيرًا علينا، وبإباحة أكل ما يقدمونه في مطاعمهم من شتى صنوف الأطعمة والفواكه ما لم نقطع باحتواء بعضها على نجاسة فلا يحل لنا أكلها من غير بحث منا عن ذلك، ومن تورع من المسلمين عن أكل بعض الأطعمة خشية احتوائها على نجاسة فحسن لتورع ثلة من السلف الصالح من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم عن أكل الجبن خشية أن يكون جبن المجوس. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة والله أعلم.

стр. 2425

السؤال الواحد والعشرون كثير من المناسبات العامة التي يدعى المسلمون لحضورها تقدم فيها الخمور، ويختلط فيها النساء والرجال، واعتزال المسلمين لبعض هذه المناسبات قد يؤدي إلى عزلهم عن بقية أبناء المجتمع، وفقدانهم لبعض الفوائد. فما حكم حضور هذه الحفلات من غير مشاركة لهم في شرب الخمر والرقص أو تناول الخنزير؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي الإرشاد والتسديد قال أشهب عن مالك: لا يدخل في طاعة الله بمعصية الله، وأنا أقول: لا نظفر ببعض الفوائد، ونجترح كبائر الذنوب فقد جاء من الدردري في الوليمة وأحكامها بيان ما يمنع من حضورها، وإن كان المدعو صائمًا فيجب الأكل، وإن المفطر فلا يجب، إن لم يكن في المجلس من يتأذى منه لأمر ديني كمن شأنه الخوض في أعراض الناس، أو من يؤذيه، أو منكر كفرش حرير يجلس عليه هو أو غيره بحضرته، وآنية نقد من ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو تبخير أو نحو ذلك، ولو كان المستعمل غيره بحضرته كسماع غانية ورقص نساء، وآلة لهو غير دف وزمارة وبوق، وصور حيوان كاملة لها ظل لا منقوشة بحائط، أو فرش إذا كانت تدوم كخشب وطين.. والنظر إلى الحرام حرام، أو كثرة زحام فإنها مسقطة لوجوب الدعوة. وقد تعقب محشية الصاوي قوله: أو كثرة زحام فقال: مثله إذا كان الداعي امرأة غير محرم، أو كانت الوليمة لغير مسلم، ولو كان الداعي مسلمًا، أو كان في الطعام شبهة كطعام مكاس.. أو كانت الطريق فيها نساء واقفات يتعرضن للداخل (١) ففي هذه الحالات كلها يسقط وجوب تلبية الدعوة ويحرم الذهاب؛ لأن الذهاب وسيلة والغاية الوليمة وقد اختلط فيها الحلال بالحرام والقاعدة الفقهية المتعارفة تقول: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال" قال الحافظ أبو الفضل العراقي: ولا أصل له، رادًا على من أورده حديثًا، وقال السبكي في الأشباه والنظائر نقلًا عن البيهقي: هو حديث رواه جابر الجعفي رجل ضعيف عن الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الطريق في مصنفه، وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع. ثم قال السبكي: غير أن القاعدة في نفسها صحيحة، قال الجويني: لم يخرج عنها إلا ما ندر.

стр. 2426

قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم (١) وأما كون الأصل في الدعوة إلى الوليمة وجوب التلبية والحرمة عرضت نقول: مقصد من مقاصد شريعة الإسلام، أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والأصل في ذلك قوله ﵊: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم)) وجاء عن ابن جزي: المجالسة والمواكلة لا تجوز مع من يمنع النظر إليه إلا لضرورة (٢) وجاء عن الونشريسي: يجب نهي النساء عن اجتماعهن مع الرجال اجتماع ملاصقة، لأن ذلك كله حرام، ومن غلب على ظنك أنه يعلم ذلك ويستبيحه فهذا كافر يجب جهاده بيدك أو بلسانك، فإن لم تقدر فبقبلك (٣) وجاء عن الونشريسي أيضًا: وسئلت عمن له زوجة تخرج بادية الوجه وترعى وتحضر الأعراس والولائم مع الرجال والنساء يرقصن، والرجال يكفون: هل يجرح من له زوجة تفعل ذلك؟ فأجاب بما نصه: الحمد لله وحده: الجواب والله سبحانه ولي التوفيق بفضله: أن الشيخ أبا علي منصور بن أحمد المشذالي أفتى فيمن كانت له زوجة تخرج وتتصرف في حوائجها بادية الوجه والأطراف كما جرت به عوائد البوادي انه لا تجوز إمامته، ولا تقبل شهادته، ولا يحل أن تعطى له الزكاة إن احتاج إليها، وأنه لا يزال في غضب الله ما دام مصرًا على ذلك. وقال أبو عبد الله الزواوي: إن كان قادرًا على منعها ولم يفعل فما ذكر أبو علي صحيح، وقال سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق: إن قدر على حجبها ممن يرى منها ما لا يحل ولم يفعل فهي جرحة في حقه، وإن لم يقدر على ذلك بوجه فلا. ومسألة هؤلاء القوم أخفض رتبة مما سألتم عنه، فإنه ليس فيها أزيد من خروجها وتصرفها بادية الوجه والأطراف، فإذا أفتوا فيها بجرحة الزوج فجرحته في هذه المسؤول عنها أولى وأحرى لضميمه ما ذكر في السؤال من الشطح والرقص بين يدي الرجال والأجانب ولا يخفى ما ينتج الاختلاط في هذه المواطن الرذلة من المفاسد وقد قال رسول الله ﷺ : ((باعدوا بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء، حتى لو كان عظم هذه بالمشرق وعظم هذا بالمغرب لحن هذا إلى هذا حتى يلتقيان)) عصمنا الله وإياكم من الضلالة والفتن ما ظهر منها وما بطن وهو سبحانه ولي التوفيق بفضله (٤)

стр. 2427

وجاء عن الغزالي في إحياء علوم الدين في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منكرات الضيافة أن منها: فرش الحرير للرجال فهو حرام، وكذلك تبخير البخور في مجمرة فضة أو ذهب، أو الشراب أو الأكل في أواني الذهب والفضة أو استعمال ماء الورد في مرشات الذهب والفضة، وسماع الأوتار، وسماع القينات، واجتماع النساء على السطوح للنظر إلى الرجال مهما كان في الرجال شباب يخاف الفتنة منهم فكل ذلك محظور ومنكر يجب تغييره، وقد خرج الإمام أحمد ﵁ من ضيافة من أجل وجود مكحلة فضة في مجلس الضيافة ومن عجز عن التغيير لزمه الخروج، ولم يجز له الجلوس فلا رخصة له في الجلوس في مشاهدة المنكرات. وإن كان فيها من يتعاطى شرب الخمر وحده فلا يجوز الحضور، إذ لا يحل حضور مجالس الشراب، وإن كان مع ترك الشراب، ولا يجوز مجالسة الفاسق في حالة مباشرته لفسقه، وكذلك إن كان في مجلس الضيافة من يلبس الحرير وخاتم الذهب من الرجال فهو فاسق لا يجوز الجلوس معه من غير ضرورة، وكذلك المبتدع يتكلم ببدعته لا يجوز حضور الضيافة معه لغير القادر على الرد عليه وإفهامه، كما لا يجوز حضور ضيافة فيها مضحك بالفحش والكذب. وعند الحضور يجب الإنكار. وهكذا مهما كان الطعام حرامًا، أو كان الموضع مغصوبًا، أو كانت الثياب المفروشة حرامًا فالحضور في مجلس الضيافة من أشد المنكرات (١) هذا وقد أكثرت من جلب النصوص حتى نرى رأي العين ونلمس لمس اليد أن فقهاء الإسلام حرموا حضور مجالس اللهو والشراب والقيان والرقص والحرام بصورة عامة، وعدوا حضورها وحضور موائدها من أشد المنكرات، وجرحوا في عدالة من يسمح لزوجته في حضور هذه المجالس لحديث: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) ولحديث ((لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري، والمشتراة له)) رواه الترمذي وابن ماجه ولما روي عن ابن مسعود: ((الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل)) رواه أبو داود ورواه البيهقي. وانطلاقًا من كل ذلك، وترتيبًا على ما ذكرت لا يجوز لإخواني في بلاد الغربة حضور حفلات من النوع الموصوف في السؤال ولو مع عدم المشاركة، والله أعلم.

стр. 2428

السؤال الثاني والعشرون بعض الأقطار في شمال أوربا يقصر فيها الليل كثيرًا، ويطول فيها النهار، حيث تصل ساعات الصيام في بعض هذه البلدان إلى عشرين ساعة أو تزيد، وكثير من المسلمين يجدون مشقة زائدة في الصيام، هل يجوز اللجوء في هذه البلدان إلى التقدير؟ وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده إذا كان جائزًا؟ وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكة؟ أو بساعات النهار في أقرب البلدان اعتدالًا، أو بماذا؟ وإذا لم يكن ذلك جائزًا، فهل يعتبر هذا النوع من المشقة من المشاق التي يجب على المسلم احتمالها، والصبر عليها مع احتمال الضرر؟ وهل يجب عليه أن يترك عمله في شهر الصيام، إذا لم يكن بمقدوره الصيام إلا بترك العمل من قبيل ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي الفتح والتسديد في السؤال المطروح ليل قصير، ونهار طويل، ليل طوله ثلاث ساعات ونهار طوله إحدى وعشرون ساعة، ومجموع الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالحكم يكون منوطًا بطلوع الفجر الصادق وغروب الشمس فيجب على المسلم المكلف صوم نهاره، وإفطار ليله، قال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فجعل ﵎ الليل ظرفًا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفًا للصيام، فبين أحكام الزمانين، وغاير بينهما، فلا يجوز في النهار شيء مما أباحه في الليل إلا لمريض أو مسافر، شرعًا عامًا خالدًا لسائر أصقاع الدنيا لا فارق بين قطر وقطر، قال العلامة شهاب الدين القرافي من المالكية في كتابه "اليواقيت في أحكام المواقيت": "مسألة من نوادر أحكام المواقيت، فتيا جاءت من بلاد البرغال (هكذا) من الإقليم السابع إلى بخاري يقولون فيها: " إنه جاءنا رمضان وطول الليل نحو ثلث ساعة إن اشتغلنا بالفطر طلع علينا الفجر قبل أن نصلي المغرب والعشاء، وإن اشتغلنا بالصلاة فاتنا الفطر لضيق الزمان بأيهما نبدأ؟ وأيهما يفوت؟ فأفتاهم فقهاء بخارى بالاشتغال بالفطر، وتفويت الصلاة لأن مصلحة الأجساد مقدمة على العبادات، بدليل المريض يسقط الطهارات، وإن كان الصلوات والصوم وغير ذلك. وهذا الفرض ممكن قطعًا، وواقع فيما إذا كان عرض البلاد نيفا وستين درجة.. فهذه الفتيا صحيحة، وواقعة غير أن هذه الحالة لا تدوم في جميع الأعوام، بل تصادف رمضان في بعض السنين، وفي بعضها لا تصادفه بحسب اختلاف الشمس مع حركة القمر والهلال.

стр. 2429

ولا بد من وقفة تأمل في هذه الفتيا الصادرة عن فقهاء بخارى، ومراكز الاهتمام فيها ثلاثة: ١- لم يطرح السائلون قضية التقدير بأقرب البلاد إليهم، وإنما سألوا هل تقدم صلاة المغرب والعشاء؟ أو يقدم الفطر؟ ٢- لم يطرح فقهاء بخارى قضية التقدير لأن هنالك ليلا ونهارًا وفجرًا وغروبًا وإن كان الليل يساوي عشرين دقيقة، ولو كان التقدير شرع الله فكيف يكتمونه؟ والفتوى إعلام الموقعين عن رب العالمين. ٣- أن العلامة شهاب الدين القرافي وصف الفتيا بالصحة وهو العالم بعلم الهيئة والمواقيت وقد عقب على فتوى فقهاء بخارى بقوله: "وقد بينت في الجهاد الموضوع، والسقف المرفوع، وهو جغرافيًا وضعتها وصورت فيها، أحكام الأرض وأصقاعها وبحارها وأوضاعها، وأحوال السموات وأسرارها، وأن النهار والليل يكون كل واحد منهما من عشر عشر ساعة إلى نصف السنة، وأكثر من ستة أشهر لا يكون، وذلك مما قام عليه البرهان القطعي في علم الهيئة. وقبل القرافي بقرون نجد أمام الحرمين يقول: "ولا خلاف في أن الشمس تغرب عند قوم، وتطلع عند آخرين، والليل يطول عند قوم ويقصر عند آخرين، وبين الليل والنهار اختلاف ما في الطول والقصر عند خط الاستواء، وفي بعض البلاد قد يطلع الفجر قبل أن يغيب شفق الغروب، وفي عرض تسعين لا تزال ما دامت في البروج الشمالية، وغاربة ما دامت في البروج الجنوبية فالسنة نصفها ليل، ونصفها نهار، (١) ونجد الكرخي الحنفي يقول: "إن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة فهما مختلفان في الأمكنة، فكل ساعة عينتها، فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي آخر عصر، وفي آخر مغرب، وفي آخر عشاء، وهلم جرا.

стр. 2430

هذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول، أما البلاد المختلفة في العرض فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر، كانت أيامه الصيفية أطول، وأيامه الشتوية بالضد من ذلك. فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد وعروضها أمر عجيب (١) وغير هؤلاء كثير، فالفقهاء في شتى المذاهب كانوا على علم بما يحتاجون إليه من علم الهيئة فأمر التقدير الذي يذهب إليه فقهاؤنا المعارضون في مثل السؤال المطروح، أو أضيق منه مثل السؤال الوارد على فقهاء بخارى السالف الذكر، لا أدري ما هو دليلهم في قولهم بالتقدير والليل ليل، والنهار نهار، وإن اختلفا طولًا وقصرًا، حتى أوقعوا المسلمين في حيرة من الأمر وتساءلوا مشرقًا ومغربًا كيف تكون الشمس في السماء والمسلم مفطر نظرًا لكون النهار طويلًا، والليل قصيرًا؟ وحديث الدجال الذي اعتمده من قال بالتقدير من المعاصرين لا ينطبق على الصورة التي تضمنها السؤال المطروح وأمثاله من الأسئلة، ونص الحديث كما رواه مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان الطويل وما به الحاجة منه هو: ((قلنا: يا رسول الله، وما لبثته في الأرض؟ قال أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، بذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره)) . الحديث. وذلك لأن الصورة المطروحة في السؤال الزمان فيها يحتوي على ليل ونهار، وفجر وغروب، غاية ما في الأمر أن الليل قصير، والنهار طويل، وطوله مع قصر الليل لم يزد عن الأربع والعشرين ساعة، ويوم الدجال طوله سنة، هذا أولًا. وثانيًا: قال القاضي عياض من المالكية: هذا حكم مخصوص بذلك الزمان شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة، واكتفينا بالصلوات الخمس، ونقله عنه النووي وقبله (٢)

стр. 2431

هذا، وحيث لا تتحدد الأوقات في اليوم والليلة بأربع وعشرين ساعة وهو الناموس الذي أقام عليه أغلب أصقاع الأرض، يخرق هذا النظام حيث تكون السنة فيها يومًا وليلة، نصفها نهار، ونصفها ليل، فإن الفقهاء قالوا بالتقدير على اختلافهم في كيفيته والمراد به، صلاة وصومًا، وكذلك الشأن إذا كان الليل والنهار أربعًا وعشرين ساعة ولكن لا يتميز أحدهما عن الآخر. قال العلامة شهاب الدين القرافي ﵀ ناقلًا مسألة وقعت في مذهب الشافعي وهي: قطر يطلع فيه الفجر قبل غروب الشفق لصغر القوس الكائنة تحت الأرض من دائرة الشمس فكيف يصنع بالصلاتين الفجر والعشاء؟ هل يصير الصبح قبل مغيب الشفق أم لا يجوز ذلك؟ وهي يقضى على العشاء بالقضاء لأجل طلوع الفجر؟ أم يقضى عليها ببقاء الشفق؟ قال الشيخ أبو محمد والد إمام الحرمين: لا يصلى العشاء حتى يغيب الشفق ولا يكون قضاء لبقاء وقتها، ويتحرى بصلاة الصبح فجر من يليهم من البلاد ولا يعتبر فجرًا هذا الفجر الذي هم فيه (١) ونقل الحطاب هذه المسألة، وعقب عليها بقوله: وكأنه ارتضاه، ولم يسلم نقله للمسألة من تحريف حيث نسب القول إلى إمام الحرمين (٢) وليس بقوله، وإنما هو قول والده كما نقلته سالفًا فراجعه مقارنًا إياه بما ورد في كتاب المواقيت، وقد ذكرها الحصكفي من الحنفية في الدر المختار وقال: إن ذلك يحصل في أربعينية الشتاء، وصوبه محشيه خاتمة المحققين في المذهب النعماني العلامة ابن عابدين ﵀ بقوله: صوابه في أربعينية الصيف كما في الباقالي وعبارة البحر وغيره: في أقصر ليالي السنة (٣) وأفاض في المراد بالتقدير بين علماء الأحناف ودليل كل واحد منهم، فليراجعه من شاء.

стр. 2432

والعجيب أن العلامة شلتوت في فتاواه قال بالتقدير في مسلم يوجد بجهة يطول نهارها حتى لا يكون ليلها إلا جزءًا يسيرًا، ومجموع الليل والنهار فيها يساوي أربعًا وعشرين ساعة (١) ولعل فتواه ﵀ سببت ما لاحظه قراء جريدة "المسلمون" من اضطراب في فتاوى مجلة الأزهر في هذا الموضوع ففي عدد شوال سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وألف لهجرة خير الأنام ﷺ جاء في باب الفتوى الذي يعده محمد أبو شادي بعد الديباجة ما يلي: متى كان هناك شروق وغروب مجموع الليل والنهار معهما أربع وعشرون ساعة فإن الحكم يكون منوطًا بالشروق والغروب فيجب صوم نهاره من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإفطار ليله الخ.. وجاء في عدد رمضان سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف في باب الفتوى الذي يعده محمود رسلان نقل فتوى سماحة الشيخ محمود شلتوت ﵀ واعتمادها جوابًا (٢) (٣) بقي ما يتعلق بشطر السؤال الثاني وهو قول السائل، وإذا لم يكن ذلك جائزًا فهل يعتبر هذا النوع من المشقة من المشاق التي يجب على المسلم احتمالها والصبر عليها مع احتمال الضرر؟ وهل يجب عليه أن يترك عمله في شهر الصيام، إذا لم يكن بمقدوره الصيام إلا بترك العمل من قبيل ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب؟ وعند التأمل فيه نجده يتفرع إلى فرعين: ١- بيان المشقة المعتبرة في العبادة والتي يجب على المسلم تحملها مع احتمال الضرر. ٢- هل يجب عليه أن يفوت عمله، إذا لم يستطع الجمع بينه وبين الصيام؟

стр. 2433

أما الفرع الأول فقد تقرر أن قصد الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهوائها، وعوائدها، فلا تعتبر في شرعية الرخصة بالنسبة إلى أكل من هويت نفسه أمرًا، ألا ترى كيف ذم الله تعالى من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص كقوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية، لأن الجد بن قيس قال: إيذن لي في التخلف عن الغزو ولا تفتني ببنات الأصفر فإني لا أقدر على الصبر عنهن، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ الآية، ثم بين القدر الصحيح في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيات، فبين أهل الأعذار وهم الذين لا يطيقون الجهاد وهم الزَّمْنَى والصبيان والشيوخ والمجانين والعميان ونحوهم، وكذلك من لم يجد نفقة أصلًا ولا وجد من يحمله، وقال فيه ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ومن جملة النصيحة لله ورسوله أن لا يبقوا من أنفسهم بقية في طاعة الله ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقال ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ الآية، فما ظنك فيمن كان عذره هوى نفسه؟ نعم وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها. وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم وأحوالهم وتنعماتهم على وجه لا يفضي إلى مفسدة، ولا يحصل بها المكلف على مشقة، ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا أخذه على الوجه المحدود له فلذلك شرع له ابتداء رخصة السلم، والقراض، والمساقاة وغير ذلك مما هو توسعة عليه، وإن كان فيه مانع في قاعدة أخرى، وأحل له من متاع الدنيا أشياء كثيرة، فمتى جمحت نفسه إلى هوى قد جعل الشرع له منه مخرجًا وإليه سبيلًا، فإن لم يأته من بابه كان هوى شيطانيًا واجبًا عليه الانفكاك عنه كالمولع بمعصية من المعاصي فلا رخصة له البتة، لأن الرخصة هنا هي عين مخالفة الشرع بخلاف الرخص المتقدمة فإن لها في الشرع موافقة إذا وزنت بميزانها" (١)

стр. 2434

وأما الفرع الثاني وهو إذا لم يستطع الجمع بين عمله وبين الصيام فيجب أن يكون السبب وهو حصول مشقة يتعذر معها الصوم عادة مطردة في أنه يوجد ووجد بالفعل، أي صام هؤلاء الإخوة في بلاد الغربة من شمال أوربا وأجهدهم الصوم إلى حد لم يستطيعوا معه القيام بأعمالهم، ولو قرنوا بين الصوم والعمل لأضر بهم في أبدانهم، وأموالهم، فهؤلاء يرخص لهم في الفطر عند حصول ذلك بالفعل لا أنهم منذ الليل يظنون أن ذلك سيحصل فينوون الفطر ويصبحون مفطرين فيلزمهم القضاء والكفارة، لأن أهواء النفوس الأمارة بالسوء تقدر أشياء لا حقيقة لها وإنما هي من إملاء الشيطان فليحذر إخوتي في بلاد الغربة أن يقولوا مقالة الجد بن قيس لرسول الله ﷺ السالفة الذكر، وفي نوازل البرزلي الفتوى عندنا: أن الحصاد المحتاج يجوز له الحصاد وإن أدى إلى الفطر، وإلا كره له، بخلاف رب الزرع فلا حرج عليه مطلقًا لحراسة ماله وقد نهي عن إضاعة المال. قال ميارة معقبًا على كلام البرزلي بعد نقله: وإنما يجوز الفطر للحصاد بعد أن تناله الضرورة لا قبل ذلك فلا يجوز أن يصبح مفطرًا، إذ من الجائز أن يصده أمر عن الحصاد رأسًا في ذلك اليوم فيكون كمن أفطر قبل أن يسافر أو في يوم الحيض قبل مجيئه. قال شيخنا الإمام العالم أبو زيد عبد الرحمن الفاسي ﵀ في بعض فتاويه ما نصه: ينبغي تقييد مسألة رب الزرع بعدم إمكان استئجاره لمن ينوب عنه في ذلك ممن يكون محتاجًا ومضطرًا للأجرة على ذلك، إما بأن لا يكون له مال يستأجر به على زرعه، أو يكون ولكن لا يجد من يستأجره على ذلك كما تقرر في مسألة الحامل والمرضع، وإما إن وجد ما يستأجر به، ومن يستأجر فلا يتعاطى ذلك ويدخل نفسه فيما يضطره إلى الفطر لعدم الضرورة حينئذ، ووجود المندوحة عن إضاعة المال.. ومثل مسألة الحصاد ما أفتى به الإمام ابن عرفة من أن المرأة المحتاجة يجوز لها غزل الكتان في رمضان دون غيرها (١) وعلى ضوء فتاوى الأسلاف من فقهاء بخارى والبرزلي وشيخه الإمام ابن عرفة أفتي إخواني في بلاد الغربة من شمال أوربا أنهم يصومون رمضان كسائر إخوانهم المسلمين نهارهم، ويفطرون ليلهم لوجود ليل ونهار متمايزين، ويقومون بأعمالهم المحتاجين إليها في معاشهم، أو التي يلزم من عدم القيام بها إضاعة أموالهم فإن أجهدتهم مشقة الصوم إجهادًا يعود عليهم بالضرر ورخص لهم في الفطر كما رخص للحصادين المحتاجين للأجرة بدون كراهة إن كانوا محتاجين إليها، وإن كانوا غير محتاجين لحراسة ماله، وقد نهي عن إضاعته إن كانوا من أصحاب المصانع أو الورشات أو غير ذلك والله أعلم. حرره الفقير إلى مولاه الغني محيي الدين قادي.

стр. 2435

السؤال الثالث والعشرون في كثير من الولايات الأمريكية وكذلك الأقطار الأوربية تصعب أو تتعذر رؤية هلال رمضان أو شوال، والتقدم العلمي الموجود في كثير من هذه البلدان يمكِّن من معرفة ولادة الهلال بشك دقيق بطريق الحساب، فهل يجوز اعتماد الحساب في هذه البلدان؟ وهل تجوز الاستعانة بالمراصد وقبول قول الكفار المشرفين عليها؟ علمًا أن الغالب على الظن صدق قولهم في هذه الأمور. وما يجدر بالملاحظة أن اتباع المسلمين في أمريكا وأوربا لبعض البلدان الإسلامية المشرقية في صيامها أو إفطارها قد أثار بينهم اختلافات كثيرة، غالبًا ما تذهب بأهم فوائد الأعياد، وتثير مشكلات شبه دائمة، وفي الأخذ بالحساب ما قد يقضي على هذا في نظر البعض أو يكاد. وفي الجواب عن هذا أفيد والله ولي التوفيق فأقول: هذه المسألة من مداحض الأنظار فعلى المفتي فيها بالتدبر والاعتبار، وقد كتبت فيها الرسائل والكتب قديمًا وحديثًا، فقد كتب فيها ابن البناء رسالة عام سبعمائة، وكتب فيه السبكي رسالة عام ثمان وأربعين وسبعمائة، وكتب فيها العلامة بخيت رسالة عام تسع وعشرين وثلاثمائة، وكتب فيها الشيخ طنطاوي جوهري رسالة سنة اثنتين وثلاثمائة، وكتب فيه الشيخ أحمد بن محمد السلاوي التطاوني سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكتب فيها الشيخ محمد بن عوض رسالته "منحة العلي المتعال" سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وكتب فيها الشيخ عبد الرحمن بن زيدان كتابه "تبيين وجوه الاختلال في مستند إعلان العدلية لثبوت رؤية الهلال" وذلك عام خمس وستين وثلاثمائة وألف. وتناولتها المجلات الإسلامية القيمة كالمنار ونور الإسلام والأزهر والمجلة الزيتونية باعتبارها مشكلة من مشاغل المسلمين. وعقدت من أجلها المؤتمرات العديدة في أصقاع عالمنا الإسلامي ومع هذه الجهود كلها فالقضية ما زالت تثير جدلًا حادًا، وما انفكت مناخ نظر إثبات الفقهاء بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة أو مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ولعل من الأعمال العلمية الجادة في هذه القضية، لدراستها للمشكلة دراسة معمقة من ناحيتي الفقه والفلك ذلكم المجلد الضخم ذا الجزأين المرسوم بـ "العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال" للعلامة محمد بن عبد الوهاب المراكشي، والذي فرغ من تأليفه في ١٨ محرم الحرام ١٣٦٧ هـ وطبع لأول مرة بتحقيق الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري مدير الشؤون الدينية بدولة قطر.

стр. 2436

هذا وقصدت من هذا التقديم الذي ليس من طبيعة الفتاوى إلى مزيد الاهتمام من المجامع الفقهية، ومجمع البحوث الإسلامية، والجامعات الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن والمراكز الإسلامية ببلاد الغرب، وجمع الشمل في أيام دراسية لهذه القضية، والوصول إلى اجتهاد جماعي في حلها، ونشر هذا الاجتهاد في عالمنا الإسلامي بشتى لغاته في شكل رسالة، وتتولى كل جهة مختصة في كل قطر إسلامي الإعلان عن ذلك بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، ويومها فقط يتحقق لأمتنا الإسلامية ما يصير اختلافها اتفاقًا واضطرابها طمأنينة في مسألة من أهم مسائل دينها لكثرة ما ينبني عليها من الأحكام الدينية والدنيوية، قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ إن تقدير الزمن بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين، وبعضها بالدنيا، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة، منها: الصوم، قال تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ وثانيها: الحج قال الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ثالثها: عدة المتوفى عنها زوجها: قال الله تعالى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ورابعها: النذر التي تتعلق بالأوقات، ولفضائل الصوم أيام لا تعلم إلا بالأهلة. وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات، والإجارات، والمواعد، ومدة الحمل والرضاع، كما قال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وغيرها، فكل ذلك ما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر (١) والسؤال المعروض على المجمع الموقر يتعلق بالصوم والإفطار، وهل يمكن اعتماد المسلمين المغتربين بأميركا وأوربا وغيرهما من بلاد الكفر، أو الذين أسلموا من هذه البلاد على الحساب في إثبات دخول شهر رمضان وشوال لتعذر رؤية الهلال في هذه الأصقاع من الدنيا، ووجود تقدم علمي دقيق وأمين بها؟ وهو جانب من هذه المشكلة. والجواب والله الملهم للصواب: لا يجوز لهؤلاء الإخوة المغتربين أو أبناء هذه البلدان الذين أسلموا التعويل على الحساب في الصوم والفطر، والاستغناء عن الرؤية، قال ابن رشد الجد من المالكية: لا يجوز لأحد أن يعول في صومه، وفطره على ذلك فيستغني عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء.

стр. 2437

وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال هل له أن يعمل على معرفته بذلك أم لا؟ فقال مطرف بن الشخير: إنه يعمل في خاصته على ذلك، وقاله الشافعي أيضًا في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك (١) وقال الباجي في المنتقى: وقد روى ابن نافع عن مالك في المدنية في الإمام: لا يصوم لرؤية الهلال، ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب: إنه لا يقتدى به (٢) وقال العلامة ابن عابدين من الحنفية: لا عبرة بقول المنجمين ولو كانوا عدولًا بالإجماع (٣) وقال الجمل من الشافعية: لا يجب رمضان بقول المنجم، ولا يجوز صومه به، نعم له أن يعمل بحسابه، ويجزئه عن فرضه على المعتمد وإن وقع في المجموع عدم إجزائه عنه. والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر، وتقدير سيره في معنى المنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني (٤) وأدلة الجمهور قائمة من سنة رسول الله ﷺ ، وإجماع السلف الصالح. أما السنة فحديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)) وروى ابن عمر أيضًا: ((الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) رواهما الإمام البخاري في الجامع الصحيح، وروى مالك عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) وفي رواية للبخاري ((فإن غمي عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وهناك روايات أخرى.

стр. 2438

وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا، قال أهل اللغة: قدرت الشيء أَقْدُرُهُ وأُقَدِّرُهُ، وقَدَرْتُه وأَقْدَرْتُه بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابي ومنه قوله تعالى ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ واحتج الجمهور بالروايات المذكورة فأكملوا العدة ثلاثين، وهو تفسير ((فاقدروا له)) ، ولهذا لم يجتمعا في رواية واحدة، بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا، ويؤكده رواية، ((فاقدروا له ثلاثين)) قال الباجي في قوله: ((فاقدروا له)) يريد: قدروا الشهر وتقديره إتمام الشهر الذي أنت فيه ثلاثين، لأن الشهر إنما يكون تسعة وعشرين يومًا بالرؤية، فأما بالتقدير فلا يكون إلا ثلاثين، وقد فسر ذلك في حديث أبي هريرة فقال ﷺ : ((فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) ، وفي حديث ربعي بن خراش: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة)) (١) وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن معنى ((اقدروا له)) : ضيقوا له وقدروه تحت السحاب: قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ فروى عنه "وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان" واختارها أكثر شيوخ أصحابنا وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وبه قال بكر بن عبد الله وأبو عثمان النهدي وابن أبي مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاوس ومجاهد. وروي عنه: أن الناس تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وهذا قول الحسن وابن سيرين لقول النبي ﷺ ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) قيل معناه: الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

стр. 2439

وحكى ابن قدامة رواية ثالثة عن الإمام أحمد كالجمهور والأئمة الثلاثة (١) وقال ابن سريج وجماعة منهم: مطرف بن الشخير من كبار التابعين وابن قتيبة: معناه قدروه بحساب المنازل، وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي قد غم فإن له أن يعتقد الصوم ويجزئه. ومذهب الجمهور حجته لا تدحض بحال، لأن روايات ((اقدروا له)) مجملة، وروايات إتمام العدة مفسرة، والقاعدة الأصولية المتفق عليها بينهم أن المجمل يحمل على المفسر، ولا تعارض عند الأصوليين بنيهما (٢) أصلًا، هذا أولًا. وثانيًا: ما قاله القرافي ملخصًا في الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلاة يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب، المذهب عدم اعتبار الحساب، قال سند: إن كان الإمام يرى الحساب، فأثبت الهلال به، لم يتبع لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي فإن الله سبحانه أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة السيارة على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال الله تعالى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي هما ذوا حساب فلا ينخرم ذلك أبدًا، وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك، بل طفلًا لأجل عادة الله تعالى بذلك، وإلا فالعقل يجوِّز ولادته كذلك، والقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات فإنه لا غاية بعد حصول القطع.

стр. 2440

والفرق - وهو المطلوب ههنا وهو عمدة السلف والخلف - أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات بالأوامر الواردة في الكتاب والسنة الدالة على أن نفس الوقت السبب، فمن علم السبب بأي طريق كان، لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات. وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببًا للصوم بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم. ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببًا للصوم قوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ثم قال: فإن غم عليكم، أي خفيت عليكم رؤيته ((فاقدروا له)) وفي رواية ((فأكملوا العدة ثلاثين)) فنصب ((رؤية الهلال)) أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع (١) وهذه التفرقة حسنة من العلامة شهاب الدين القرافي الفقيه الفلكي والذي اهتم بأثر علم الهيئة في الأحكام الشرعية في كتابه اليواقيت في أحكام المواقيت (٢) واهتم بأحكام الأرض وأصقاعها وبحارها وأوضاعها وأحوال السموات وأسرارها في كتاب الجغرافيا الذي وضعه وهو: المهاد الموضوع والسقف المرفوع (٣) وتقوم حجة قاطعة على أن مذهب الجمهور هو الحق خصوصًا أن ابن الشاط قد قبلها، وأن الحطاب وصفها بالحسن (٤) وثالثًا: قال المازري ﵁: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ ((فاقدروا له)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فسر في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، والله أعلم (٥)

стр. 2441

هذا والذي يبدو لي من خلال ما نقلته من نصوص أن عدم الاعتماد على الحساب ليس راجعًا إلى بطلانه، وعدم الوثوق بصحة نتائجه في الواقع إذ لا أحد من الفقهاء يقول بتزييفها بعد التفريق بين التنجيم الذي هو استدلال بحركة الأفلاك على الحوادث، والذي فيه ادعاء علم الغيب، وبين الحساب الذي هو علم صحيح، بل رأينا حذاق الفقهاء يصرحون بإفادته القطع، إذ لم يقع خطأ من الحاسبين كالعلامة شهاب الدين القرافي، وإنما كل ما في الأمر أن الشارع ألغى ربط الصوم بخروج الهلال من شعاع الشمس دفعًا للعسر؛ إذ لا يتسنى ذلك إلا ليسير الأفراد وربطه برؤية خروج الهلال من شعاع الشمس، أو بإكمال العدة ثلاثين، رحمة بالمكلفين وتيسيرًا عليهم، إذ هو متآت لجماهيرهم والإلغاء شيء والبطلان شيء آخر كما يعرف ذلك من علم أصول الفقه. وأما استفسار الإخوة المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية والأقطار الأوربية عن قبول حساب الكفار المشرفين على المراصد في هذه الأصقاع فمردود من وجهتين: ١- أن العمل بالحساب في الصوم والفطر والاستغناء عن الرؤية لا يجوز كما أسلفت. ٢- أن الكفار لا تقبل شهادتهم ولا روايتهم في أمور الديانة، قال سعد الدين التفتزاني في التلويح عند اشتراط صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود في قبول خبر الواحد في الديانات ورد حبر الكافر فيها مع أن الكذب حرام في كل دين. وتوجيه ذلك: وربما كان الكافر مستقيمًا في دينه، فيغلب على الظن صدقه، ومع ذلك يرد قوله في الديانات لأن شأن الكافر التعصب على دين الإسلام وهدم أركانه بقدر الطاقة، وعدم المبالاة فيه، فيرد قوله فيه، فظهر أن رد قول الكافر لا لأنه يصدق أو يكذب بل لأن صاحب الشرع من أصوله المؤسسة في هذا الدين أن أقوال المعتوه والكافر كلها ساقطة عن الاعتبار في الديانات، والقول الفصل أن النبي ﷺ جاءه أعرابي فقال: إني رأيت الهلال، فقال له ﷺ : ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا)) .

стр. 2442

هذا بعض ما جاء في فتوى سماحة الشيخ سيدي أحمد بن الخوجة المفتي الحنفي بتونس ﵀ للوزير خير الدين في برقية تضمنت الإعلام بثبوت رؤية هلال شهر رمضان زمن الحماية الفرنسية من مشرف كافر على مصلحة البرق (١) وفي المذهب المالكي كذلك إذ من أوصاف الشاهد الإسلام قال ابن رشد القفصي: لا تجوز شهادة الكافر أصلًا، أو ارتدادًا سواء شهد لمسلم أو كافر، لأن الشهادة من شرطها العدالة، ولا عدالة لكافر وقد تقدم الخلاف في قبول شهادته في الوصية في السفر (٢) ويقول المالكية: قال الشافعية جاء في شرح المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري: فلا تقبل (أي الشهادة) ممن به رق أو صبا أو جنون، ولا من عادم مروءة أو مغفل لا يضبط، وأخرس ومحجور عليه بسفه ومتهم وغير عدل من كافر الخ.. وتعقبه محشيه سليمان الجمل بقوله: ولو على مثله لأنه أخس الفساق (٣) وذكر الخرقي الحنبلي أن شهادتهم لا تجوز في غير الوصية فقال ما نصه: "وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك" (٤) فالأخبار بثبوت هلال رمضان أو شوال من أمور الديانة التي لا تقبل فيها شهادة أو رواية من كافر بالإجماع بين فقهاء المذاهب. وأما قول السائل: إن اتباع المسلمين المغتربين في أمريكا وأوروبا أو غيرهما من بلاد الكفر لرؤية مشرقية إلخ ما جاء في السؤال؟ فالجواب عنه: أن هؤلاء الإخوة إذا تعذرت عليهم رؤية هلال رمضان وشوال لغيم، أو قتر أو أي مانع آخر أتموا شعبان ثلاثين كما جاء ذلك في الحديث الشريف برواياته السالفة.

стр. 2443

وإذا اتصل غم الهلال أشهرًا فقد روى ابن نافع عن مالك في المدنية في القوم يكونون في مركب فلا يرون هلال رجب ولا شعبان، ولا رمضان، فقال: ينظرون أي هلال رأوه رمضان أو غيره فيعدونه ثلاثين، ثم رجب بثلاثين، ثم شعبان بثلاثين، ثم رمضان بثلاثين، فإن تبين لهم هلال شوال قبل الثلاثين أفطروا وقضوا ما أفطروا، وروى عيسى عن ابن القاسم مثله (١) وذكر ابن الأثير، وكذلك الزمخشري أن ناسًا كانوا يسكنون بين الجبال فأتوا عمر ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا ناس بين الجبال، لا نهل الهلال إذا أهلته الناس فيم أمرنا؟ فقال: صوموا من الوضع إلى الوضع (٢) فإن خفي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يومًا ثم انسكوه، وفي رواية أن عمر كتب إلى امرأة الأجناد المفندة، صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا، ثم صوموا وأفطروا (٣) وهذا إذ لم ير في بلد غير متباعد. وأما تخصيص السائل الرؤية بالمشرقية فليس بصواب لأن العبرة في رؤية بلد غير البلد الموجود فيه الشخص إنما هي بأن لا يكون متباعدًا لا بمشرقيته، ولا بمغربيته، قال الباجي: وإذا رأى أهل البصرة هلال رمضان، ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة، والمدينة واليمن فالذي رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك في المجموعة، لزمهم الصيام، أو القضاء إن فات الأداء. وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء، وإن كان إنما ثبت عندهم بشهادة شاهدين عدلين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ذلك ثبت عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين، قال: وهذا قول مالك (٤) ونقل القرطبي هذا النص في تفسيره لقوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ في آخر المسألة السادسة قبله في نفس المسألة السادسة عن ابن عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين.

стр. 2444

كما نقل عن ابن العربي الاختلاف في تأويل قول ابن عباس ﵄، في حديث كريب المشهور: "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، فقيل رده لأنه خبر واحد، وقيل رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح لأن كريبًا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثابت بالشهادة، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجري فيه خبر الواحد، ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بإشبيلية ليلة السبت، فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم، لأن سهيلًا يكشف من أغمات ولا يكشف من إشبيلية، وهذا يدل على اختلاف المطالع (١) وممن نقل الإجماع من فقهاء المالكية على أنه لا نقل مع البعد جدًا ابن رشد الحفيد حيث قال بعد أن نقل الخلاف إلى تعدي الرؤية من بلد إلى بلد: وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز (٢) ونقله أيضًا ابن جزي حيث قال: إذا رأوه (هكذا بلهجة أسد شنوءة) أهل بلد لزم الحكم غيرهم من أهل البلدان إلى أن قال: ولا يلزم في البلاد البعيدة كالأندلس والحجاز إجماعًا، (٣) وقال الحطاب عند قول خليل: وعم أن نقل بهما عنهما، تنبيه: قال ابن عرفة: قال ابن عمر: وأجمعوا على عدم لحوق رؤية ما بعد كالأندلس من خراسان، (٤) وكأنه ارتضاه واستحسنه. وقال أبو الحسن القابسي ﵀ في كتاب الأسئلة: جملة المتفقهين يطلقون لزوم حكم الرؤية عن موضعها من غير تقييد، ولا فرق بين بعيد فقط وبين بعيد أبعد بما تختلف به أحوال الأقاليم، وتتباعد فيه الأراضي بانخفاض وارتفاع، وبحسب ذلك تختلف المطالع والمغارب والاستواءات وغير ذلك مما لا خفاء به عند أهل المعرفة بوضع الأرض، وتسيير الأفلاك، وإطلاق ذلك مع الافتقار إلى البيان، ومسيس الحاجة إليه من الخطأ البين الذي لا يشك فيه أحد (٥) ونقله غيرهم كالبناني وجنون وابن البناء. ومن العلماء الأثبات الذين حرروا القول في هذه المسألة تحريرًا شافيًا كافيًا لجمعه بين العمق في الفقه وبين المعرفة بعلم الهيئة الفقيه الأصولي الفلكي الحنفي محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقًا ﵀، في كتابه "إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة" فقال: وبالجملة فالقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع مخالف للمعقول والمنقول.

стр. 2445

أما مخالفته للمعقول فلما علمته من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأن النهار عند قوم قد يكون ليلًا عند آخرين. وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما تقدم عن كريب، وذلك لأن المتبادر من قول كريب لابن عباس: نعم رأيته ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، وقول ابن عباس: لكنا رأيناه.. إلخ وقول كريب بعد ذلك: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ وقول ابن عباس في جوابه: لا، أي لا نكتفي برؤية معاوية، أن قوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ يرجع إلى عدم الاكتفاء برؤية معاوية ورؤية كريب، والناس وصومهم، وصوم معاوية، وهذا ظاهر في أن كل قوم مكلفون برؤيتهم، ولا شك أن مورد هذا النص في الشام والحجاز، وقد وجد بينهما مسافة القصر، واختلاف الإقليم، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرؤية، فاستند كل طائفة إلى واحد منها وأيد به قوله: كذا قال الإمام الأسنوي، لكن احتمال عدم الرؤية بعد أن قال ابن عباس لكريب: أنت رأيته؟ فقال له: نعم، ورواه الناس وصاموا، وصام معاوية، ومعاوية كان الخليفة بعيدًا جدًا، لا يلتفت إليه فلم يبق إلا احتمال مسافة القصر، واختلاف الأقاليم واختلاف المطالع، فإذا رجعنا إلى الواقع نجد أنه لا دخل في اختلاف الناس في رؤية الهلال بعد الغروب لمسافة القصر، ولا لاختلاف الأقاليم، وأن المدار في ذلك على اختلاف المطالع. وبعد تحرير العلامة محمد بخيت المطيعي ﵀ لمدار المسافة قال في موضع آخر من الكتاب السالف الذكر: فالواجب التوفيق بما وفقت به المالكية، فيحمل على قول من قال بعدم اعتبار اختلاف المطالع على ما إذا كان اختلافها لا يؤدي إلى تفاوت في رؤية الهلال بعد الغروب وقول من قال باعتباره على ما إذا كان اختلافها يؤدي إلى ذلك فإن اختلاف مطالع البلاد كما علمت مبني على اختلاف عروضها، وأن عرض كل بلد هو بعده عن خط الاستواء، وهذا الاختلاف قد يكون يسيرًا جدًا لا يترتب عليه اختلاف في رؤية الهلال بين البلدين بعد الغروب، وقد يكون فاحشًا يترتب عليه ذلك، وهذا الذي يتعين المصير إليه حملًا لكلامهم على السداد، لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات، والله الموفق لما فيه الصواب.

стр. 2446

ولا عبرة بغير ما قررت من القول بتعدي رؤية بلد إلى سائر البلدان الإسلامية، لأن ذلك مداره على القول بعدم اختلاف المطالع، وهو قول قال به كثير من الفقهاء بمعطيات عصورهم، ولكن لا ينبغي أن يقرر اختلافًا فقهيًا في عصرنا الحاضر لانبنائه على خطأ قديم وقع فيه جمع من المفسرين، وشايعهم عليه كثير من الفقهاء، وهو القول بأن الأرض مسطحة، لأخبار كثير من الآيات بأن الأرض فراش، وبساط ومهاد، وقرار، ومد، ودحي، ووضع، وبسط، وطحي، وكلها ألفاظ متقاربة تفيد التسطيح، وقد تأولها الإثبات من المفسرين والفقهاء قديمًا وحديثًا بما يطول جلبه هنا. ولا مجال في عصرنا الحاضر إلى الخلاف في كروية الأرض إذ هذا قد أصبح من يقيني العلم الموجب لتأويل ظواهر النصوص الشرعية بما يتفق معه، تأويلًا غير متعسف كقول الفخر الرازي: إن الكرة إذا كانت في غاية الكبر كانت كل قطعة منها تشاهد كالسطح، إلى غير ذلك من وجوه التأويل وهي كثيرة. وبعد كل ما ذكرت، وانطلاقًا منه، وترتيبًا عليه أخلص إلى أن الاتحاد بين المسلمين في وقت الصوم والفطر ليس مقصدًا للشارع، وأنه لا يجوز للمسلمين في أي صقع من أصقاع الأرض كانوا، التعويل على الحساب في صومهم وفطرهم، وإنما يصومون لرؤية الهلال، ويفطرون لرؤيته في بلدهم الذي هم فيه، أو في بلد متحد معه في خطوط العرض، أو مختلف اختلافًا يسيرًا لا يؤدي إلى تفاوت في رؤية الهلال بعد الغروب، وإن تعذر ذلك أكملوا عدة شعبان، أو رمضان ثلاثين، وإذا اتصل غم الهلال في بلدهم الذي هم فيه، أو البلد المتحد معه في خطوط العرض أو المختلف اختلافًا يسيرًا أشهرًا متوالية نظروا إلى هلال رأوه، هلال رمضان أو غيره فيعدونه بثلاثين ثم رجب بثلاثين ثم شعبان بثلاثين ثم رمضان بثلاثين، فإن تبين لهم هلال شوال قبل الثلاثين أفطروا وقضوا ما أفطروا، أفتي بذلك وأنا الفقير إلى رحمة مولاه الغني محيي الدين قادي فإن كان صوابًا فمن فضل الله علي، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله الموفق للصواب.

стр. 2447

السؤال الرابع والعشرون ما حكم عمل المسلم في دوائر الوزارات الحكومة الأمريكية أو غيرها من حكومات البلاد الكافرة، وخاصة في مجالات هامة كالصناعات الذرية، أو الدراسات الاستراتيجية ونحوها؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي التوفيق: يجوز للمسلم أن يعمل في دوائر الوزارات الحكومات الكافرة رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، ويستطيع المحافظة على عزة المسلم وكرامته وإبائه، بل يطلب ذلك ويسعى إليه إذا تعين فيه إقامة الحق وبسط العدل دون سواه، وقد طلب رسول الله يوسف ﵇ حين علم أن المكين الأمين عند فرعون مصر الولاية على خزائن أقوات أرض مصر وأموالها ليتوصل، كما قال الزمخشري إلى إبقاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما من أجله تبعث الأنبياء إلى العباد (١) ومن فرعون مصر ذكر ذلك القرآن الكريم في سورة يوسف حيث يقول تعالى ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ . وهذه الآية الكريمة كما يقول سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ﵀: أصل وجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة، وقد علم يوسف ﵇ أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الرحمن، لا تسال الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردًا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحًا على جميعهم. ومن هذه الآية أخذ ففقهاء المذاهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل، وإن لم يول ضاعت الحقوق، قال المازري: يجب على من هو أهل الاجتهاد والعدالة السعي في طلب القضاء إن علم أنه لم يله ضاعت الحقوق، أو وليه من لا يحل أن يولى وكذلك إن كان وليه من لا تحل توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله.

стр. 2448

وقال ابن مرزوق: لم أقف على هذا لأحد من قدماء أهل المذهب غير المارزي. وقال عياض في كتاب الإمارة من شرحه على صحيح مسلم: ما ظاهره، الاتفاق على جواز الطلب في هذه الحالة (١) وما خصه السائل بمزيد الاهتمام ففي السؤال الملقى على المجمع الموقر بالذكر من الصناعات الذرية، والدراسات الاستراتيجية فجوازه للمسلم أحرى لأنه إن وجه إلى الشر حاول المسلم بكياسة منعه كلية أو التخفيف منه في حدود ما تسمح به إمكانياته وإن وجه إلى الخير دفعه بكل ما أوتي من مكانة وظيفية، وخبرة علمية، وإخلاص في البر بالناس، قال ابن جزي من المالكية: ويستدل بطلب يوسف الولاية، رغبة منه في العدل، وإقامة الحق الإحسان، على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر: إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال (٢) ولنقف عند قوله: "بعض الأحوال" ولنتأمل مدى واقعيته، فلم يقل: كل الأحوال وذلك هو المشروع والمعقول، وفعل رسول الله يوسف ﵇ في قطر لا يوجد فيه مؤمن سواه يثبت أصول الفضائل التي اقتضتها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ فهؤلاء المغتربون من المؤمنين شموع تضيء وسط حالك ظلام الكفر، إن أخلصوا لرب العالمين، هذا أولًا. وثانيًا: هنالك ضرورة إسلامية إلى معرفة التخطيط العلمي للأشياء، والصناعات الذرية المندرجة ضمن الواجبات الكفائية، في حق الأمة الإسلامية كما تنطق بذلك النصوص الفقهية، قال حجة الإسلام الغزالي ﵀ وهو يتحدث عن العلوم الواجبة كفائيًا: "أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في بقاء حاجة الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها. وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها، حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة (٣) وقال العلامة ابن عابدين ﵀ وهو يقرر ما يجب وجوبًا كفائيًا على المسلمين من العلوم والصناعات: "وأما فرض الكفاية من العلم فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب واللغة.. وأصول الصناعات كالفلاحة والحياكة والنسيج والسياسة والحجامة" (٤) وفي حاضرنا الإسلامي إذا لم تعلم أمة الإسلام بعمق علم التخطيط والصناعات والذرية حرجت وإذا تعلم عدد من المسلمين ذلك بمقدار ما فيه الكفاية ارتفع الإثم عن الجميع. والعلم بالنسبة إلى الإسلام لا يعرف حدود المكان ولا حدود الزمن ولا يتقيد بدين الشخص ليقع التعلم عليه، بل هو مطلق من كل ذلك، فقد روى العسكري من حديث عنبسة بن عبد الرحمن عن شبيب بن بشير عن أنس رفعه: ((العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه)) (٥) بالمفهوم الذي تضمنه السياق كله هذا ما فتح الله به على في الإجابة عن هذا السؤال ولا أراه مندرجًا في باب الإجارة، وإنما هو من صميم الأحكام السلطانية والله أعلم.

стр. 2449

السؤال الخامس والعشرون ما حكم تصميم المهندس المسلم لمباني النصارى كالكنائس وغيرها علمًا بأن هذا هو جزء من عمله في الشركة الموظفة له، وفي حالة امتناعه قد يتعرض للفصل من العمل؟ وفي الجواب عن هذا السؤال المفيد والله ولي التسديد: العمل في شركة من أعمالها الأساسية ما هو حرام على الإسلام لا يجوز من البداية قال ابن رشد في البيان والتحصيل: إن إجارة المسلم نفسه من النصراني واليهودي على أربعة أقسام جائزة، ومكروهة، ومحظورة وحرام. فالجائز: أن يعلم له المسلم عملًا في بيت نفسه كالصانع الذي يعمل للناس. والمكروهة: أن يشيد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده، مثل أن يكون مقارضًا أو مساقيًا. والمحظورة: أن يؤاجر نفسه في علم يكون فيه تحت يده كأجير الخدمة في بيته، وإجارة المرأة لترضع له ابنته في بيته وما أشبه ذلك، فهذه تفسخ أن عثر عليها، فإن فاتت مضت، وكانت لها الأجرة. والحرام: أن يؤاجر نفسه منه فيما لا يحل: من عمل الخمر أو رعي الخنازير، فهذا يفسخ قبل العمل، فإن فات تصدق بالأجرة على المساكين (١) وتصميم المهندس المسلم لمباني ذات صبغة دينية كالكنائس والبيع والمراكز التنصير هي من القسم الرابع وهو مؤاجرة المسلم نفسه من الكتابي فيما لا يحل له من عمل الخمر، ورعي الخنازير. جاء في المدونة: قلت: أرأيت لو أن مسلمًا آجر نفسه من نصراني يرعى له الخنازير فرعاها، فأراد إجارته، قال: قال مالك في النصراني يبيع من المسلم خمرًا: أن النصراني يضرب على بيعه الخمر من المسلم إذا كان النصراني يعرف أنه مسلم فباعه، وهو يعرف أنه مسلم أدبًا للنصراني، ويكسر الخمر في يد المسلم،

стр. 2450

قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تؤخذ الإجارة من هذا النصراني ويتصدق بها على المساكين ولا يعطاها هذا المسلم أبدًا لهذا المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا إذا كانت إجارته من رعي الخنازير، وأرى أن يضرب هذا المسلم أدبًا له فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه بالأجر من رعيه الخنازير إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة فيكف عنه في الضرب، ولا يعطى من الإجارة شيئاَ ويتصدق بالأجرة على المساكين ولا تترك الأجرة للنصراني مثل قول مالك في الخمر (١) ونص المدونة ألقى الأضواء على الإجراءات الواجب اتخاذه مع المسلم المؤاجر نفسه من كتابي فيما فلا يحل له، وأبان أن الإجارة باطلة من هذا النوع، فقول السائل: وفي حالة امتناعه قد يتعرض للفصل من العمل ولا يكون مبررًا، إذ العمل من أصله لا يجيزون فلا يرخص له من أجل تعرضه للفصل في الاستمرار في العمل ولو مع فعل المحرم. قال السيوطي: إن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء نظر في ذلك الشيء فإن كان تعاطيه في نفسه حرامًا امتنع معه فعل الرخصة وإلا فلا (٢) والعمل بالشركة التي من بين أعمالها ما هو محرم على المسلم عمل حرام لا يجوز بحال، لأن المسلم مهان فيه، في أقدس الأشياء لديه وهو دينه، وفاقد لعزته والله ﷻ يقول ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ما ظهر للعبد الفقير إلى مولاه الغني محيي الدين وبه أفتي إخواني في بلاد الغربة، والله أعلم.

стр. 2451

السؤال السادس والعشرون كثير من العائلات المسلمة يعمل رجالها في بيع الخمور والخنزير، وما شاب ذلك، وزوجاتهم وأولادهم كارهون لذلك، علمًا بأنهم يعيشون بمال الرجل فهل عليهم من حرج في ذلك؟ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الملهم بالصواب، فأقول: قد جاء الأمر الملزم بأكل الحلال، وجاء النهي عن أكل الحرام في فيض آي القرآن وسنة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضوان الله عليهم أجمعين. أما الآي الكريمة فمنها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال ابن عباس ﵄: وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، وقد قدم تعالى أكل الحلال على صالح الأعمال، تبينها على أن الانتفاع بالأعمال لا يتوصل إليه إلا إصلاح الرزق واكتسابه من حله. وأما السنة الشريفة فمنها قوله ﵊ الذي رواه الترمذي من حديث كعب بن عجرة وحسنه: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به)) ، وقوله ﵊ الذي رواه مسلم: ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟)) وأما آثار السلف الصالح فمنها: أن الصديق ﵁ شرب لبنًا من كسب عبده ثم سأله، فقال: تكهنت لقوم فأعطوني، فأدخل يده في فيه، وجعل يقيء، وقال سفيان الثوري ﵁: من أنفق من الحرام في طاعة كان كمن طهر الثوب النجس بالبول، والثوري النجس لا يطهره إلا الماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال، وقال الإمام علي كرم الله وجهه: إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وشبهتها عتاب (١) وقال عمر: كنا ندع أربعين بابًا من الحلال مخافة الوقوع في الشبهة من الحرام، وإنما الورع في الحلال، وأما الحرام فتركه واجب (٢)

стр. 2452

وقال مالك في رواية ابن وهب عنه: إذا كان المسلم معروفًا بأكل الربا والعمل به وبيع الخمر لم أر لأحد أن يستلف منه، ولا يقتضي دينه منه، ولا يخالطه، ولا يؤكله (١) لأن الله ما حرم شيئًا إلا حرم أكل ثمنه، فقولة مالك صريحة في حرمة اقتضاء الحقوق من المال الحرام. وقال أصبغ من المالكية في مال المرابي وعاصر الخمر والغاصب، والظالم وتارك الزكاة: إنه فاسد كله، لا يجوز أن يؤكل منه شيء دون شيء، ولا يشرب (٢) وترتيبًا على هذه النصوص القرآنية، والسنية من أحاديث وآثار، وفقهية أقول: لا يجوز للمسلم المكلف أكل المال الحرام، ولا لبس اللباس الحرام، ولا سكنى المسكن الحرام، ولا استعمال أي شيء مما ينتفع به من الحرام. وجاء في السؤال كراهية الزوجات والأولاد لا كلهم من كسب عائلهم، وليس الأمر كراهة فحسب بل حرام، ويجب امتناعهم عن الأكل من كسبه لأن أكلهم لو كان الكسب حلالًا حق والحقوق لا تقتضي من الحرام كما جاء ذلك عن إمام دار الهجرة في النص السالف، وعن أصبغ. ومحل حرمة ذلك بالنسبة للأولاد إذا كانوا مكلفين وشأن الزوجات التكليف، هذا كله إذا كان كسب عائلهم من الحرام المحض.

стр. 2453

وأما إذا كان مختلطًا لأنه يبيع في مغازته مثلًا المحرمات كالخمر ولحم الخنزير والنتن (السجاير) ويبيع المبارحات كالمواد الغذائية، ولم يتعين الحلال من الحرام ولم يمتز هذا عن ذاك فيجوز لمن ذكر الأكل من ماله وكسبه في طعامهم وشرابهم وملبسهم ومسكنهم وما ينتفعون به، قال حجة الإسلام الغزالي رحمة الله عليه في كتاب الحلال والحرام من إحياء علوم الدين: في اختلاط الحلال بالحرام غير المحصورين: والذي نختاره أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيئًا بعينه احتمل أنه حرام، وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام، فإن لم يكن هناك علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع، وأخذه حلال، ولا يفسق به آكله (١) وعدم جواز الأكل بالنسبة للزوجات والأولاد المكلفين مقيد بما إذا كانوا قادرين على العمل بالحلال، وواجدين له في حدود الكفاية. وأما إذا كانوا عاجزين عن العمل حقيقة أو حكمًا، وسدت في وجوههم الأبواب كل الأبواب من العمل الحلال واضطروا إلى الأكل من كسبه الحرام، أكلوا منه ما يسد رمقهم، ويحفظ حياتهم إذ الضرورة تقدر بقدرها، قال تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ويجب عليهم السعي ما استطاعوا إليه سبيلًا لإيجاد عمل حلال، مهما كانت نوعية العمل المقدور عليه، ومتى وجدوه حرم عليهم الأكل من كسب عائلهم المتمحض للحرام كما ذكر، لأن ما جاز للضرورة أو الحاجة المنزلة منزلها بطل بزوالها. هذا ما ظهر في الإجابة عن هذا السؤال، وهذا ما أفتي به إخواني السائلين والله أعلم.

стр. 2454

السؤال السابع والعشرون ما حكم تبرع المسلم فردًا كان أو هيئة لمؤسسات تعليمية أو تنصيرية، أو كنسية؟ وفي الجواب عن هذا أفيد والله ولي التوفيق فأقول: إن كلمة تبرع في السؤال غير دقيقة إذ التبرعات أنماط في الفقه الإسلامي عديدة، ولكن سنحاول الإجابة عن السؤال عارضين لأهمها من صدقة، وهبة، ووقف، ووصية. وقبل الشروع في الإجابة حتم علي تفكيك السؤال إلى قسمين: أ- تبرع مسلم فرد أو هيئة إسلامية لمؤسسات تعليمية. ب- تبرع مسلم فرد أو هيئة إسلامية لمؤسسات تنصيرية أو كنسية. أما الفرع الأول فالجواب أن العلم سلاح ذو حدين فما يفيد البشرية فائدة حقيقية، تقرها الشريعة الإسلامية، من عمل دنيوي سياسي أو اقتصادي أو زراعي أو تجاري هو من البر الذي يحبه الله لعباده ويأمرهم بالتعاون عليه قال ﷺ ((الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله)) ، رواه البزار والبيهقي وأبو نعيم وأبو يعلى والطبراني والحارث بن أبي أسامة وابن أبي الدنيا والعسكري وآخرون من جهة يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس مرفوعًا، وعن ابن أن عمر مرفوعًا، قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ قال: ((أنفع الناس للناس)) وروى الطبراني من حديث زيد بن خالد مرفوعًا: ((خير العلم ما نفع وخير الهدى ما اتبع، وخير الناس أنفعهم للناس)) وبعضها يؤكد بعضًا، قاله السخاوي (١) والعلم المختص في السياسة، أو الاقتصاد أو الزراعة والتجارة أو غير ذلك مما ينفع الناس هو السبيل إلى ذلك، فإعانة هذه المؤسسات التعليمية في بلاد الغربة في الإطار الذي حددت بما ندبت الشريعة إليه ورغبت فيه، لأن العلم المحاط بسياج من الخلق العظيم إنساني النفع، سواء تصدق عليها، ووهب لها، أو وقف عليها أوقافًا، أو أوصى لها أو بعبارة أشمل تبرع عليها بوجه من وجه التبرع المشروع، وأما العلوم التي لا فائدة فيها بل تحمل الضرر والدمار كمصانع الأسلحة المدمرة والمؤسسات التي تؤهل المختصين في صناعتها وكعلم الشعوذة، وقراءة الكف، والفلسفة الملحدة، ومعاهد الاقتصاد الشيوعي أو نحو ذلك فهذه لا يجوز التبرع لها بوجه من وجوه التبرع، والتبرع عليها حرام؛ لأنها تمرد على شريعة الإسلام، وعصيان الديانة، وتعاون على الإثم والعدوان.

стр. 2455

وأما الفرع الثاني فلا يجوز له وهبة ولا صدقة، ولا وقف ولا وصية ولا غيرها من التبرعات التي ندب الإسلام إليها، قال ابن قدامة: لا يصح الوقف على معصية كبيت النار والبيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر وهذه الكتب مبدلة منسوخة، ولذلك غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال: ((أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان موسى أخي حيًا ما وسعه ألا اتباعي)) ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه، والوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ويعمرها كالوقف عليها لأنه يراد تعظيمها. وسوءا كان الواقف مسلمًا أو ذميًا، قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعًا كثيرة وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم. وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا (١) وقال في المغني أيضًا: ولا تصح الوصية بمعصية وفعل محرم مسلمًا كان الموصي أو ذميًا، فلو وصى ببناء كنسية، أو بيت نار أو عمارتهما، أو الإنفاق عليهما كان باطلًا، ولهذا قال الشافعي ﵁ وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي: يصح، فأجاز أبو حنيفة بأرض تبنى كنيسة وخالفه صاحباه، وأجاز أصحاب الرأي أن يوصى بشراء خمر أو خنازير ويتصدق بها على أهل الذمة. وهذه وصايا باطلة، وأفعال محرمة لأنها معصية فلم تصح الوصية بها كما لو وصى بعبده أو أمته للفجور. وإن وصى لكتب التوراة والإنجيل لم تصح لأنها كتب منسوخة إلخ ما ذكره سابقًا في عدم صحة الوقف عليها (٢) وجاء عن القرافي في الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل أن وسيلة المحرم محرمة (٣) وانطلاقًا من كل ما سلف وترتيبًا عليه أفتي وأنا الفقير إلى مولاه الغني محيي الدين قادي بعدم جواز تبرع المسلم فردًا كان أو هيئة لمؤسسة تنصيرية أو كنيسة، ومن فعل ذلك من المسلمين فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه كما جاء في الفروق للقرافي "إن إرادة الكفر كفر، وبناء كنيسة يكفر فيها بالله كفر، لأنه إرادة الكفر" (٤) وجواز التبرع بكل وجوهه لمؤسسة التعليم النافع. والله أعلم.
следующие страницы →