← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم في مسألة القياس، القياس هو في الزكاة وارد وفي العبادات ومن استقرأ الكتب الفقهية في جميع المذاهب يجد أن القياس دخله، ليس هذا فيما يسمونه مدرسة أهل الرأي، ومدرسة الرأي ومدرسة الأثر، المدرستان كلاهما، المذهب الحنبلي. في الصيام ألا يقيسوا على مسألة الاستنشاق في حديث ((إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما)) وقالوا إن الماء إذا دخل من الأنف وقاسوا عليه إذا دخل من غير الأنف، من أي منفذ آخر. موجود هذا في الصيام وفي غيره كما أشار أخونا الشيخ الخليلي من أحاديث النبي ﷺ ، تدل على أن للقياس مدخلا وقياس الشبيه بالشبيه، والنظير بالنظير حتى في العبادات. وفي الزكاة نفسها هي فيها كثير جدا من أمور القياس وهذا أمر أساسي لأن الاعتماد في موضوعنا على القياس، وأعتقد أن الموجدين هنا ليسوا من الظاهرية، لأننا نؤمن بتعليل الأحكام، وحتى الذين ينكرون تعليل أفعال الله من الأشاعرة وغيرهم يعللون الأحكام، هذا أمر معروف وجميع الفقهاء يعللون الأحكام ويبنون عليها أقيستهم فأنا أذكر بعض الأشياء التي جاء فيها القياس، مثلًا عمر ﵁ أمر بأخذ الزكاة من الخيل لما بين له أن فيها ما يبلغ قيمتها مبلغًا عظيمًا من المال وتبعه في ذلك أبو حنيفة، ما دامت سائمة واتخذت للنماء والاستيلاد، أحمد أوجب الزكاة في العسل كما قال ابن القيم لما رود فيه من الأثر وقياسًا على الزرع والثمر وأوجب الزكاة في كل معدن قياسًا على الذهب والفضة. الزهري والحسن وأبو يوسف أوجبوا فيما يستخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر ونحوهما الخمس قياسًا على الركاز والمعادن كل مذهب من المذاهب أدخل القياس فى أحكام عدة , كقياس الشافعية غالب قوت البلد أو غالب قوت الشخص على ما جاء به الحديث في الفطر من تمر أو الزبيب أو غيره وقياسهم كل ما يقتات على الأقوات الأربعة المذكورة فى بعض الأحاديث، والإمام الشافعي ذكر أن الذهب لم يجئ فيه حديث وقال ربما جاء فيه حديث لم يبلغنا أو هو قياس على ما جاء في الفضة، ويستبعد أن يكون هناك حديث في عصر الشافعي في الذهب لم يبلغه ولم يعرفه. وعلى كل حال القياس في جميع المذاهب في أمور الزكاة قائم ولا ينكر، يعني في هذا الأمر. وعلى هذا أقول: أخونا الدكتور علي يقول القياس لا يمكن أن يدخل في الزكاة وذكر مسألة الغنم وأربعين من الغنم ومائة من الغنم وكأنه يؤيد ابن حزم، لأن ابن حزم ذكر هذا أيضًا في نفيه للقياس وإبطاله للقياس وذكر عشرات غير هذا لأنه يرى أن الشريعة تفرق بين المتساوين وتجمع بين المختلفين، وذكر في هذا مئات الأمثلة مما رد عليه ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين"، ولكن لا أظن أن أحدًا يقول بهذا، وأنا عللت مسألة الغنم هذه في الكتاب ولا يتسع الوقت أن أرجع. مسألة القياس مع الفارق أن أهم فارق في الموضوع هو أن الأرض باقية بقاء نسبيًا أيضًا، والمصانع والعمارات وهذه الأشياء غير باقية، وأنا لكي أبطل هذا الفارق قلنا أن يحسب مسألة الاستهلاك، ومع هذا قد يقول قائل إن الأرض نفسها غير باقية لأن الأرض إذا لم تسمد دائمًا ويبذل فيها جهد ممكن أن تموت مع الزمن وتصبح أرضًا غير صالحة. وكما أشار أخونا الدكتور إبراهيم الغويل ممكن عوامل التصحر.

стр. 247

مفيش شيء في الكون اسمه غير مستهلك. فالأرض نفسها تحتاج إلى جهد حتى تصلح للإنبات، في الحقيقة أنا لا أرد على كل جزئية لأن فيه جزئيات كثيرة ولكن هناك البعض يقولون إن العمارات هذه هي عبارة عن أشياء يشتغل فيها عمال ويشتغل فيها ناس وأفادت المجتمع، طيب بهذا المنطق نفسه نقول هذا عن التجارة وعن الأشياء الأخرى، هي نتيجة عمل من الناس وبعض الناس أيضًا في عصرنا ممن يتبنون رأي ابن حزم في إسقاط زكاة التجارة. صحيح الإمامية لا يقولون بوجوب زكاة التجارة ولكنهم يوجبون بما هو أكثر الخمس، عشرين في المائة وليس ٢.٥ %، عشرين في المائة من صافي الدخل. فيه بعض الناس يأخذون بقول ابن حزم ويعللون ذلك بأن هذه الأموال تعمل ويشتغل فيها الناس، فالمهم أن المال يعمل، المهم أن المال يعمل وأن أطهر نفسي من رجس الشح والأنانية وأطهر هذا المال حقًا ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ وأساهم وأواسي المجتمع وأساهم في سبيل الله إلى آخره فكل هذه مطلوبة. فيه أشياء بعضهم أشار إلى الإجحاف. قد يكون هناك صاحب حانوت صغير أو واحد يأكل من كراء داره، أنا لم أوجب في كل هذا ولو حررنا موضع النزاع كما قال أخونا الأستاذ الدكتور العبادي، أنا لم أقل إلا فيما كان له، ما كان فيه دخل، أولًا طبعًا أنا ذكرت الآراء التي توجب في عين هذه الأشياء وتراها كأنها عين تجارية، مثل رأي ابن عقيلي الحنبلي ومثل رأي الهادوية وغيرهم، ولكني لم أتبن هذا الرأي، أنا تبنيت الرأي الذي يقول إن الزكاة في الدخل في الإيراد في العائد في الغلة، سمها ما تسميها. ولذلك لا يعترض علي بما قاله الأخ الدكتور السالوس وكثير من الإخوة إن هذا المستغل قد لا ينتفع به، قد يبني عمارة ولا يؤجرها ولا يسكنها أحد. هذا أنا لا أوجب فيه شيئًا وهذه نقطة خلافية جوهرية بيني وبين من يوجبون الزكاة في عين هذه الأشياء، ويعتبروها كعروض التجارة. أنا أقول تجب الزكاة في الغلة، في الإيراد، إذا بلغ نصابًا بعد أن يكون ذلك فاضلًا عن حوائجه الأصلية بتعبير الفقهاء وبخاصة فقهاء الحنفية، إذا كان فاضلًا عن حوائجه الأصلية هي ما يعبرون عنه في عصرنا الحد الأدنى للمعيشة، وهذه، وأنا قلت استحسانًا: ممكن أن نجعله الثلث، إنما هذا ليس مهمًا. كثير من الإخوة يقولون إن الزكاة لم تعد كافية في عصرنا لماذا؟ لأن وعاء الزكاة ضيقناه جدًا، مع أنه أساس التكافل الاجتماعي وجوهر العدالة الاجتماعية في الإسلام، الزكاة أولًا، لماذا ركنًا من أركان الإسلام؟ تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.

стр. 248

لماذا نأخذ من بعض الأغنياء ونترك بعض الأغنياء ونأخذ من الغني الضعيف الذي يملك الحد الأدنى الذي هو النصاب ومن يملك الأنصبة الكثيرة والملايين لا يؤخذ منه شيء! يقول بعض الإخوة إننا يمكن أن نفرض حقًا في المال. أنا ممن يقولون بوجوب حق وكتبت بابًا كبيرًا عريضًا في فقه الزكاة كهذا، ولكن بعد أن نستوفي الزكاة ونقيم المساواة والعدالة بين الناس حتى لا يعترض علينا معترض. وإخواننا يقولون يقول الشيوعيون ما يقولون، بلاش شيوعية ولا غيره، إنما فعلًا أنا أريد، أنا أنطلق من غيرتي على الشريعة، إن هذه الشريعة شريعة عادلة وتسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا تحابي أحدًا على أحد، فيجب أن تكون الشريعة منطقية والفقه منطقيًا. هذا انطلاقي من هذه الناحية، فأيها الإخوة أنا اجتهدت، واجتهادي من منطلق الحرص على هذه الشريعة والحرص على هذا الدين. وما قيل من أننا يجب أن نقوي الإيمان ونحو ذلك، أنا مع هذا أنا عملي الأول داعية قبل أن أكون فقيهًا. ونحن نحب أن ندعم الإيمان ونثبته ونقويه ونبني الأجيال عليه، ولكن هذا شيء ووضع نظام شيء آخر. والإسلام يمتاز بأنه يسير فيه الأمران معًا، الإيمان والسلطان، أو القرآن والسلطان، وكما قال الخليفة الثالث "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" فلا بد من هذين الأمرين معًا وإذا لم يكن الإيمان قويًا كما نرى في كثير من الناس فلا بد من السلطان. أسأل الله ﵎ أن يغفر لي إذا كنت قد أخطأت وأن يثيبني وإياكم وأن لا يحرمني أجر المخطئ أيضًا، إنه سميع قريب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 249

الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم.. شكرًا لفضيلة الشيخ، شكرًا لجميع المشايخ الأعضاء والباحثين والخبراء. ومن خلال هذه المداولات فإنه تحرر لدينا ما يلي: أولًا: أنه ليس من خلاف يؤثر في الزكاة في أصل المستغلات والمأجورات. ثانيًا: أن الذي اتجهت إليه أكثر الأنظار وهو مذهب الإمام مالك كما في موطئه. ورواية الإمام أحمد كما في كتاب الروايتين للقاضي أبي يعلي وذكرها صاحب المغني وغيرهم من الفقهاء على أن الزكاة تكون في الغلة. - إذن فكونه لا زكاة في أصل المستغلات والمأجورات هذا كشيء مسلم به في أنظار الكثرة إن لم يكن الجميع. - أن الزكاة تكون في الغلة. بقي بعد هذا أمران: أنظار المشايخ أصحاب الفضيلة الأعضاء العاملين حسب التقييدات على أن الزكاة في اللغة تكون ربع العشر من القبض ويبدأ حولان الحول من القبض لا من أصل العقد. ورأى الشيخ يوسف ومن أيده من بعض الإخوة على أن يكون هو العشر مع بعض التقييدات التي ذكرها الشيخ في بحثه ولم يفصح عنها في ملخصة لذلك البحث، ولهذا فإني أرجو من لجنة الصياغة: فضيلة الشيخ السلامي وفضيلة الشيخ طه جابر صياغة القرار بالأكثرية على ما يلي: أولًا: أنه ليس من خلاف يؤثر في الزكاة في أصل المستغلات والمأجورات. ثانيًا: أن الزكاة تكون في الغلة بعد حولان الحول من تاريخ قبضها وتكون ربع العشر. وبهذا انتهت الجلسة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرار رقم ٢ بشأن زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ/ ٢٢ – ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م. بعد أن استمع المجلس لما أعد من دراسات في موضوع "زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية". وبعد أن ناقش الموضوع مناقشة وافية ومعمقة، تبين: أولًا: أنه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات والأراضي المأجورة. ثانيًا: أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية. ولذلك قرر: أولًا: أن الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة. ثانيًا: أن الزكاة تجب في الغلة وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توفر شروط الزكاة، وانتفاء الموانع. والله أعلم

стр. 251

أطفال الأنابيب فضيلة الشيخ عبد الله البسام وبعد: فهذه مقدمة أمام البحث استقيتها من كلام علماء العصر الذين أدركوا الاكتشافات العلمية الحديثة في الطب والرياضة والفلك وطبقات الأرض وأغوار البحار والفضاء وغيرها وصار لهم حظ وافر وإدراك واسع وفكر حر في العلوم الدينية التي أولها التفقه بكتاب الله تعالى حتى استطاعوا أن يطبقوا ثمرات العلم الحديثة على ما تشير إليه الآيات الكريمة ليظهر إعجاز القرآن الكريم ويتحقق بيقين أنه تنزل من لدن حكيم خبير وأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فقد كان المعروف في العصور الغابرة والأديان السابقة أن العلم والدين لا ينسجمان بل بينهما حرب عوان شهدتها القرون الوسطى بين رجال العلم والبحث وبين رجال الكنائس، فهؤلاء رأوا الدين أسطورة من الأساطير وطقوسًا شلت حركة العلم وحدت من حريته وصارت أمرًا لا استفادة منه. أما رجال الكنيسة فقد اعتبروا هذه العلوم الكونية والطبيعية ضلالة وإلحادًا واستغلوا الدين لتجميد العلم وإخضاعه وحصره بما سطر في كتب القدامى التي أكتسبها طول الزمان قداسة وحرمة وجعلوا في معرفة القوى الكونية الخفية بابًا من أبواب السحر وخدمة تقدمها الشياطين لإخوانهم من الإنس. ولذا فروا رجال العلم وحاكموهم وعذبوهم ثم استتابوهم هذا والعلم في ازدياد ولم يقف أمام هذا الظلم والجور فلم يمض زمن طويل حتى عادت الكرة للعلم وأخذ في التطور والظهور. أما الدين فأخذ في الانكماش والضمور، فثار العلم ثورة حطم فيها أبواب السجون وانتقم من الدين وتنكر له وتجاهل دوره واعتبره سدًا يمنع التقدم وقيدًا يحد من الانطلاق. وهذا العداء بين الدين والعلم والصراع بين رجال الدين ورجال العلم إذا وجد بين العلم وجوهر تلك الأديان فإنه لا يوجد –إطلاقًا- بين جوهر الإسلام وحقيقته وبين العلم. ذلك أن كتاب الإسلام وهو –القرآن- وجه الأنظار إلى الكون وما فيه من عجيب الصنع وبديع التركيب. كما أنه عرض لكثير من الحقائق الكونية بأسلوبه الإشاري وطريقته الرمزية التي تومض في العقل بنور روحي باهر إلا أنها كانت خفية كامنة أثناء طفولة العلم وعدم تحديد قوانين الكون، فلم يدرك معناها ولم يفهم حقائقها وأسرارها وقت نزولها إلا أنه جل وعلا عليم بما سيكشفه المستقبل لبيان هذه الآيات ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .

стр. 252

وقد أدرك الناس مكانة العلم في القرآن الذي هو دستور الإسلام. ولذا فإنه من الخطأ أن يتوهم أحد أن العلم هوما أتانا به الغرب إذ الحقيقة أن إشاراته وإيماءاته العملية نزلت مع نزوله منذ أربعة عشر قرنًا وحقائق القرآن لم تتغير ولم تتطور في ذاتها وإنما الذي تغير وتطور العقل البشري الذي لما تطور فكره واستنار عقله وتوسعت مداركه وجد القرآن على حقيقته الأصيلة الخالدة كنزًا من كنوز المعرفة ومعجزة تدعو إلى الإيمان به وتصديقه وأنه ليس من صنع البشر وإنما أكملت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وبهذا يثبت لدينا أن العلوم الطبيعية الحديثة منسجمة تمام الانسجام مع القرآن الكريم وأنه دعا إلى النظر في العلوم وتعلمها والأخذ بها ليكون المتثقف المسلم والعالم المسلم صاحب إلمام واطلاع على معطيات العلم الحديث لأن بعد رجال الدين عن هذه العلوم شجع على انتشار الإلحاد بين أفراد شباب المسلمين المثقف. إذ لا يمكن للعالم المسلم أن يوجه الشباب المسلم ما لم يكن مطلعًا على هذه العلوم ليخاطب الشباب بلغة العلم وبين الموافقة والانسجام بين نصوص الإسلام الشريفة وبين الحقائق العلمية التي أثبتها البحث والتجارب فيحفظ للشباب المسلم دينه ويمسكه عن الزيغ والإلحاد. ثم إن المثقف المسلم إذا حاز العلوم الدينية، ومبادئ العلوم الطبيعية استطاع أن يثبت أمام أعداء الإسلام الذين يحاربون الدين باسم العلم أن هذا الدين قائم على العلم وأن آيات القرآن وتعاليمه تنسجم تمام الانسجام مع معطيات العلم الحديث في أصح مباحثه وأدقها ليتأكد أمام العالم (مسلمه وكافره) أن العلم الذي دعا القرآن إلى طلبه لم يكن العلوم الدينية فحسب إنما دعا إليها وإلى العلوم الطبيعية أيضًا. وإننا لن نتطرق في بحثنا هذا إلا إلى النصوص الكريمة التي جاءت في –خلق الإنسان- فلأنها هي المبدأ لبحثنا والطريق إلى الوصول إليه. قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ .

стр. 253

وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ وقال ﵎: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ﴾ فهذه طائفة من الآيات الكريمة مما يتعلق ببابنا وأما الأحاديث الشريفة فمنها ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ هو الصادق المصدوق فقال: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح)) . كما جاء في الصحيحين أيضًا عن أم سلمة ﵂ أن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، فقالت أم سلمة: وهل تحتلم المرأة؟ قال ﷺ ((تربت يداك، فيم يشبهها ولدها؟)) وقال ﷺ : ((ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئًا لم يمنعه شيء)) . يقول علماء الطبيعة: الخلية آجرة الحياة فأي جسم ما هو إلا مجموع الخلايا، وهذه الواحدة من الخلايا كانت مجهولة إلا في العصور الأخيرة وبالذات أن أول من أدرك انقسام الجسم إلى خلايا هو (روبرت هوك) بأداته المكبرة، وذلك في عام ١٦٦٠م، إلا أن القرآن الكريم قد ذكر هذه الخلية قبل الاكتشاف هذا بقرون فقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ فقد كان الاعتقاد السائد أن الذرة هي أصغر شيء وأنه لا شيء أصغر منها حجمًا ووزنًا ولكن العلم أثبت أن الذرة تلك الشيء الضئيل الذي لا تراه العين مادة قابلة للتجزئة. وهذا ما نطق به القرآن قبل الكشوف العلمية الحديثة التي توصل إليها الإنسان في القرن العشرين. والذي يهمنا في هذا البحث هو:

стр. 254

الخلية الإنسانية: فها هي الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تشير إليها تلك النصوص التي نزلت في بلاد صحراوية قاحلة من العلم والمعرفة وعلى رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب لتحقق بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الدين وهذا الكتاب إنما جاء من حكيم خبير عالم للغيب والشهادة وليس من عند محمد وإنما محمد ﷺ مبلغ ما أنزل إليه من ربه. تلك (الخلية الإنسانية) التي توصل العم عن طريق الدراسات المجهرية إلى اكتشافها وهي إما خلية مذكرة وهي: (الحيوانات المنوية) أو خلية مؤنثة وهي (البيضة) فالحيوان المنوي موجود في ماء الرجل الذي أشار إليه القرآن الكريم: بقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يلتقي أثناء العملية الجنسية بماء المرأة ليتكون من المائين نطفة أمشاج المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ فالأمشاج هي الأخلاط فحيوان الرجل –خلية ذكرية- وبيضة المرأة –خلية أنثوية- فإذاتحدا دخلا في مرحلة التكوين ثم يبدأ انقسام خلايا (البيضة) إلى عدد كبير من الخلايا وتأخذ هذه الخلايا بعد ذلك دورها في التمايز والتخصص حسب أنواعه ووظائفه. قال الدكتور صادق العظم: والخلية الإنسانية معجزة إلهية لا تعليل لها سوى قدرته المطلقة على الخلق. قال محرره: إن هذا المبدأ هو الذي يتفق مع العقل والمنطق فإن العقل البشري محدود والاكتشافات العلمية التي تطالعنا كل يوم بجديد تدل على قصور العقل ومحدوديته كما أنه يوافق النصوص الدينية الكريمة في مثل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ، وقوله تعالى ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ ، وقوله تعالى ﴿وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أما كبرياء رجال الغرب وغرورهم من رفضهم العلل الغائبة والنظرة الغائبة واعتبارها من خيال الإنسان وتفكيره الأسطوري إن اعتبار النظر الغائب يعيق تقدم العلم وتفسيراته للظواهر الطبيعية. هذا المبدأ الغربي يعتمد على أمور. أولها: الإلحاد في الرب المكون لهذه الأشياء والذي يقول للشيء كن فيكون والذي أحاط بكل شيء علمًا والذي يقول عن نفسه تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾

стр. 255

ثانيًا: النظرة المادية البحتة التي تبنى عليها البحوث والتجارب وعدم اعتبار مؤثر سوى الطبيعة التي يشاهدونها. ثالثا: اسمح لنفسي بأن أقول إن هذا قصور في النظر وعدم إحاطة في حقائق الأشياء وظواهرها وإلا فهل يمكن أن يكون هذا النظام الكوني وليد الصدفة أو من أثر الطبيعة، ولا يكون وراء هذا الكون العظيم والنظام البديع خالق مدبر أحاط بكل شيء علمًا ووسع كل شيء حكمة، ولذا فإن العلماء المنصفين والذين لم يسيطر على عقولهم الغرور صرحوا بأن العلم يدعو للإيمان وأنه كلما ازداد علم الإنسان بالكون وطبائعه كلما ازداد إيمانه ورسخ يقينه. واستشهد منهم بقول الأستاذ (يوسف مروه) وهو من علماء الكيمياء والفيزياء المتخصصين. قال: وإنني كعالم فيزياء استطاع أن يجمع إلى جانب ثقافته العلمية ثقافة دينية لا بأس بها أستطيع القول بعد غربة أكثر من عشر سنين قضيتها في معاهد الغرب ومؤسساته أنني عدت إلى وطني – بيروت - وأنا من أشد المؤمنين بالله وملائكته وأنبيائه وأحداث القصص القرآني. وإيماني ليس عاطفة هوجاء بل يرتكز على معطيات العلم الحديث في أدق مباحثه من ذرة وفضاء ونسبية، وأرى في الآيات القرآنية ما يؤثر ويدعم مواضيع العلم الحديث، وإني كلما فهمت قانونًا من هذه القوانين كلما ازددت إيمانًا بقدرة الله وعظمته وحمدته ووقرته فالإنسان لم يصنع قوانين الطبيعة بأنواعها، إن العلماء لم يفعلوا أكثر من كشف الغطاء عن هذه الأنظمة الإلهية ومحاولة فهمها وتفسيرها واستعمالها، وهذه القوانين قائمة سواء كان الإنسان موجودًا أو معدومًا فهي قد وجدت منذ خلق الكون) اهـ. ونعود إلى النطفة التي تركنا البحث وهي (نطفة الأمشاج التي تكونت من ماء الرجل وهو –الحوين- الذي قدر له من بين ملايين الحيوانات السابحة في الماء المهين فينفذ بقدرة الله تعالى إلى (بويضة) المرأة التي تترقبه لينفذ فيها فيلقحها وبعد التلاقي والتلقيح تنتقل إلى ما وصفه الله تعالى بأدق وصف وأحكمه فقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ فالقرار المكين هو رحم المرأة ذلك الوعاء المحروس من جميع جوانبه بوضعه في الحوض الحقيقي لهيكل المرأة الذي يحمي الرحم من أي عدوان خارجي بما جعل في الحوض من عظام مشدود بعضها إلى بعض ومحكمة إحكامًا دقيقًا، ثم إن الرحم موثق بأربطة مختلفة تمسكه من التموج والاضطراب فيبقى الجنين في هذا القرار المكين إلى قدر معلوم ينمو بنموه وعاؤه، حتى يأتي القدر الذي قدره الله تعالى لخروج هذا الجنين ليخرج إلى أول دور من أدوار الحياة وهي الطفولة، وهذا هوالتلاقح الطبيعي بين الرجل والمرأة في النظام الرباني في –خلق الإنسان- وهو النظام السائد الذي جعله الله طريقًا طبيعيًا في التناسل.

стр. 256

التلقيح الطبيعي: هذا هو الأصل الذي جعل الله ﵎ بحكمة الطريق الأصلي للإنجاب والتناسل وبقاء النوع البشري والحيواني والنباتي. وكما أنه الأصل شرعًا وقدرًا فإنه الأفضل حالًا ومآلا. وله من الفوائد والمنافع ما يفوت العد والحصر ولكننا نشير هنا إلى بعض ما استقدمناه من المطالعات العامة في كتب الطب وكتب علم النفس وكتب الفقه في العشرة الزوجية: أولًا: إن الجماع هو من المقاصد الرئيسية في الزواج لما فيه المتعة واللذة التي أوجدها الله تعالى في الصنفين من الرجال والنساء، ولما فيها من تحصين الفرج وحفظه عن الوقوع في الفواحش، وغض البصر وصون الجوارح عن المحرم فإن لكل حاسة وعضو زنا ويصدق ذلك أو يكذبه الفرج، ولما فيه من العشرة الشرعية بين الزوجين. الثاني: أن الحالة الجنسية بين الزوجين هي الطريق الطبيعي التي هيأها الله تعالى وهدى خلقه إليها للتناسل والتوالد وبقاء النوع وعمار الكون وصنع الله الذي أتقن كل شيء هو الذي يجب استعماله وترويجه وهو مقتضى الشريعة البشرية والرغبة الإنسانية المحببة وما حاد عنها فإنه معاكس لتلك الطبيعة فلا يحقق الرغبات والطلبات النفسية والغرائز الطبيعية. الثالث: أن الوقاع بين الزوجين بالحالة الجنسية الطبيعية أستر وأصون للزوج ولا شك أن كشف العورة لغير الزوجين أمر تحرمه الشريعة وتنهى عنه وتمقت عليه وتنفر منه الطباع الشريفة. الرابع: إن الله ﵎ شدد في حفظ النسب ولعن من انتسب إلى غير أبيه وهي أن يسقي الرجل بمائه زرع غيره. ولاشك أن الإنجاب من الوقاع الطبيعي بين الزوجين أمر مضمون العاقبة وسليم النتيجة لصحة النسب بخلاف التلقيح الصناعي فمهما عمل له من الاحتياطات فإن الشكوك تكتنفه وتحوم حوله. الخامس: تقدمت الإشارة إلى أن الجماع هو من المقاصد الرئيسية في النكاح وأنه من أهم مقاصده، وأن العشرة الزوجية شرعًا لا تتم إلا به، وأن الشارع حدد للمولى حدًا فيه إما أن يفيء فيجامع زوجته التي آلى منها وإما أن يطلق، وأن المجاهدين في ميادين الحرب يعودون إلى زوجاتهم في مدة معلومة محدودة، وأن للرجل أن يفسخ نكاحه من الرتقاء وأن للمرأة أن تفسخ نكاحها من العنين والمجبوب كل هذا مراعاة للقيام بالواجب الجنسي بين الزوجين. السادس: يقول الأطباء إن الجوع نوعان: أحدهما: جوع البطن وهذا باعثه الرغبة في البقاء على الحياة في الأجسام. الثاني: الجوع الجنسي وباعثه الرغبة في استمرار الحياة وبقاء الفرع. غريزة الشعور بالجوعين سامية لأنها تحمل في طياتها النفحة الإلهية والإرادة الربانية في حفظ النوع واستمراره. وإشباع الجوع الجنسي هذا لا يتحقق إلا عن طريق الجماع وبدونه تبقى الرغبة مهملة وتبقى معاناة الجوع الجنسي على تلهفه. السابع: نداء الجنس نداء طبيعي يتطلب إجابة ندائه وإشباع نهمته، أما كبته وصم الآذان عن ندائه فهو خرق للقوانين الطبيعية التي وضعها الله تعالى وحكمته كما أن هذا الكبت والحرمان يورث صاحبه الأمراض والعلل والأسقام ويوقف نشاطه وعقله عن الإبداع والإنتاج.

стр. 257

الثامن: أنه لا يمكن أن يوجد رابطة تعوض انعدام الجاذبية الجنسية بن الزوجين، فهي العلاقة الوحيدة التي تجمع القلبين وتوحد الاتجاهين وترسخ التفاهم والتعاون فإذا انعدمت هذه الرابطة انحل معها رباط الزوجية وانفصمت عراها إذ لا يوجد ما يقوم مقامها من أنواع العشرة الكلامية أو المالية. التاسع: الاتصال الجنسي بين الزوجين وهو التعبير الفعلي المتبادل عن الحب بينهما، وهو الدليل العملي على الميل الروحي والاتجاه النفسي من أحدهما للآخر، وهو الرائد الذي لا يكذب على أهله وقد فسر العلماء قوله تعالى ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بهذا المعني فمتى كان الزوج أميل إلى إحدى زوجتيه أو زوجاته كان إلى مسيسها أرغب وبهذا نفهم أن رغبة كل منهما بصاحبه بهذه العملية دليل على تماما الانسجام بينهما وتبادل مشاعر الود والمحبة بينهما. العاشر: السعادة الزوجية لا تتحقق إلا إذا وجد الاتصال الجنسي، ولذا قال الأطباء وعلماء النفس: متى وجدت الزوجين سعيدين فتأكد أن سعادتهما مبنية على تمام الانسجام في الحياة الجنسية ومتى وجدت التعاسة والشقاء بينهما فتأكد من عدم انسجام الحياة الجنسية بينهما فهما أمران متلازمان. والطبيب الذي يهتم بنفسيات مرضاه يركز اهتمامه على السعادة أو ضدها بين الزوجين في الناحية الجنسية إذ هي أساس الراحة والطمأنينة. ولذا فإن بريطانيا لما أرادت تحديد النسل عن الطريق ما يعرف –بالزواج الأبيض- وهو الزواج الذي لا يحصل فيه اتصال جنسي بين الزوجين عادت هذه المحاولة وذلك الزواج بالفشل الذريع لديهم فتقرر إلغاؤه. وبما تقدم من الأحوال التي تتطلب بقاء التلقيح عن طريقه الطبيعي والتي تحتم هذه الحالة قدرًا وشرعًا وعقلًا وعرفًا وكذلك الأحوال التي سقناها تنفر من التلقيح الصناعي، لذا فإننا ندخل في بحث إمكان إباحة شي من أنواعه للضرورة القصوى، وقبل الحكم على التلقيح الصناعي بشيء فإنه يجب علينا أن نستعرضه ونبينه ونأتي على بيان أقسامه وأنواعه ليكون الحكم عليه بعد تصوره وبيانه فإن القاعدة الشرعية تقول: الحكم على الشيء فرع من تصوره.

стр. 258

التلقيح الصناعي في التاريخ: بحث العلماء –قديمًا- في إمكان حمل المرأة بغير ملامسة من الرجال إذا وصل المني بطريقة ما إلى أعضائها التناسلية فكان هذا مستبعدًا جدًا عند الأقدمين، وأثر هذا الحمل والوضع عن الزعيم الديني الهندي-بوذا- فنسجت حول الحمل به ووضعه الأساطير والقصص الخيالية. أما العلامة ابن خلدون وفلاسفة الإسلام قبله كابن سينا والفارابي وغيرهما أشاروا إلى تخلقات تشابه ما نحن بصدده، فهذا ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أشار إلى هذا الموضوع وهو يتحدث عن –الكيمياء- عند الأقدمين. فقال: (واعتمادًا على ما ذكر ابن سينا والفارابي والطغراني أنه يمكن تخليق إنسان من المني في بيئته الطبيعية) يريد البيئة الطبيعية الرحم. ثم يقول (وإذا سلمنا له بالإحاطة بأجزائه ونسبته وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك علمًا محصلًا بتفاصيله حتى لا يشذ منه شيء عن علمه سلمنا له تخليق هذا الإنسان) . فابن خلدون العالم العربي المسلم يسلم بتخليق الكائن الحي من المني وذلك بعد الإحاطة الدقيقة التامة بأجزاء ونسبة جزئيات البيئة التي تم فيها التخليق ثم يقول: (وأنى له ذلك) وهذا الاستبعاد من ابن خلدون بناء على ما توصل إليه العلم في زمنه، ولذا قال: (لقصور العلوم البشرية) . وطبعًا إن ابن خلدون وهو يتحدث عن العلوم البشرية في عصره التي هي قاصرة عن التوصل لمعرفة نسب هذه الأجزاء الدقيقة، ولهذا قال: (وليست الاستحالة فيه من جهة الفصول ولا من الطبيعة إنما هو من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها) هـ. فابن خلدون يقرر أن تخليق الإنسان أو أي حيوان من المني ليس هو أمرًا متعذرًا ومستحيلًا في حد ذاته وإنما المتعذر أن علوم البشر قاصرة عن إيجاد البيئة المناسبة لتخليقه ونموه ومن تهيئة المناخ والبيئة ومن معرفة نسب الجزئيات لتخليق الإنسان من المني خارج الرحم، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم. فابن خلدون لا ينسب استحالة تخليق الإنسان من المني إلى الطبيعة التي ركبها الله تعالى فيه وإنما يسلم بنظرية تخليق الإنسان من المني ولكن متى؟ إذا توفرت الدقة في معرفة نسب الجزيئات الصحيحة، تلك الدقة التي توصل إليها العلم الحديث الآن. وهو يشير بهذا إلى ما نسميه الآن (أطفال الأنابيب) تلك النظرية بل تلك –الحقيقة- التي أصبح في مقدور العلم الحديث أن يهيء البيئة والمناخ الملائم لتخلق الإنسان من المني بعد أن توفرت في هذا العصر الإحاطة والدقة في معرفة نسب الجزيئات الصحيحة. والقصور ملازم لبشر في كل زمان ومكان، فمرد العلم كله إلى الله تعالى: ذلك أن المادة المستعدة للتخلق والاستحالة من حالة إلى حالة ليست من صنعهم وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء. ونهاية ما وصلوا العثور على المفردات والجزيئات والمولدات المناسبة ومزج بعضها بنسب مقدرة اقتداء واحتذاء لما أجراه الله في طبائع الأشياء. كما أن هذه العلوم هي من تعليم الله تعالى وهدايته لخلقه فهذا الذي: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وهو الذي ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وهو بكل شيء عليم.

стр. 259

العلم الحديث: ثم جاء دور العلم الحديث فروت لنا الصحف قصة (أطفال الأنابيب) فقالت تجربة علمية جديدة قام بها أطباء أمريكيون وشدت إليها انتباه الشعب الأمريكي بأسره وتمثلت هذه لتجربة في نقل جنين عمره خمسة أيام من رحم أمه إلى رحم امرأة ثانية حملته تسعة أشهر ثم وضعته، ولأول مرة في التاريخ تلد امرأة استرالية مولود، لقح انطلاقًا من بويضة امرأة ثانية، والقصة الكاملة لهذه التجربة روتها صحيفة (دي باري) الفرنسية فقالت: قدمت امرأة لم يكشف عن هويتها إلى المركز الطبي في (لونج بيتش) فاستقبلها أحد الأطباء وأعلمها أن كل شيء جاهز للقيام بعملية اللقاح الاصطناعي وفعلًا تمت العملية بسهولة متناهية وبعد خمسة أيام أدرك الأطباء أن اللقاح قد ثبت في رحم المرأة، ومنذ تلك اللحظة أصبحت القصة رائعة وأخذت أبعادًا خيالية فالأطباء المذكورون ينتمون في الواقع إلى مؤسسة أمريكية تسمى (شركة الخصوبة والبحث في علم الوراثة) ومهمتها مكافحة عقم النساء. أما المرأة التي قدمت لتحمل الجنين فقد كانت أبرمت عقدًا مع هذه الشركة تستلم بمقتضاه مبلغًا شهريًا قدرة (٢٥٠) دولارًا منذ أن اهتم بها الأطباء ومنذ أن بدأوا يفحصونها لمعرفة ما إذا كانت ستصبح امرأة الأنبوب الأولى في العالم. ثم جاءت المرحلة النهائية من العقد حين جهز الدكتور (جون بوستر) كل أدواته الخاصة وأدخل مسمارًا إلى رحم المرأة وشفط الجنين حيًا وأحاطه بكل عناية ليعرف هذا الجنين شيئًا لم يعشه أي جنين آخر ألا وهو رحم ثان غير رحم أمه الأولى، وفي الواقع فإن العملية كانت تهدف إلى تمكين امرأة ثانية محرومة من الحمل الذي طالما تمنته وهكذا تمت إعادة زرع الجنين في رحمها وبعد (٢٨) أسبوعًا بالضبط تمت الولادة المنتظرة بواسطة عملية قيصرية. وكانت المرأة التي تبلغ الثلاثين من عمرها سعيدة بمولودها الذي لن يعرف مطلقًا هوية أمه الأولى. وكان المولود تامًا جميلًا لا يختلف عن غيره من المواليد، ومنذ ذلك الوقت عرفت هذه التجربة انتشارًا واسعًا في أنحاء العالم وأتاحت الفرصة لمكافحة العقم المنتشر والذي يرجع سببه إلى انسداد القنوات المؤدية إلى الرحم، أما إذا كان المبيض لا يؤدي مهمته فإنه ليس بالإمكان حتمًا أخذ البويضة لتلقيحها خارج الرحم ولابد إذًا من إيجاد طريقة جديدة"وهكذا برزت ممارسات لاقت احتجاجات عديدة وسميت –بمؤاجرات البطون- وتتمثل هذه الطريقة في إجراء تلقيح صناعي لامرأة تؤجر رحمها من زوج المرأة العاقر فتحمل الأولى ثم تضع مولودًا تدفعه إلى أمه بموجب عقد تم إبرامه من قبل، وبهذه الطريقة يباع الطفل إلى الزوجة العاقر لينسب إليها بالتبني، وحقق الأستراليون اكتشافًا جديدًا جنبهم مشاكل العقود حين قاموا بأخذ –بيضة- من امرأة ولقحوها داخل أنبوب بواسطة منويات زوج امرأة عاقر ثم أعادوا زرعها في رحم الزوجة العاقر. وجاء الأمريكيون أخيرًا فنهجوا طريقة لا تختلف كثيرًا عن طريقة الأستراليين إلا أنه بدلًا من أن يجرى التلقيح داخل الأنبوب قاموا به في رحم الأم الأولى ثم أعادوا زرعه في رحم الأم الثانية وفي الحالتين تمثل هذه الاكتشافات ثورة في عالم الوراثات وذلك أن الأم صاحبة البيضة لم تعد هي الأم الوارثة بل أصبحت التي تحمل الطفل وتلده فقط هي أمه الوارثة.

стр. 260

المقابلة العالمية لهذا الاكتشاف: أقيمت ضجة كبرى في جميع صحف العالم ووسائل الإعلام عند مولد الطفلة (لويزا براون) التي أسموها طفلة الأنبوب والتي قد ولدت في ٢٥ يونيه ١٩٧٨م. وقد خصص لها كثير من الصحف والمجلات العلمية أعدادًا خاصة. واستهواهم هذا الاكتشاف إلى أن أخذوا يضربون في متاهات الخيال والأوهام البعيدة حتى كتب بعضهم مقالًا في إحدى المجلات العربية تحت عنوان: (هل تختفي أسطورة الأم) وقد بعث مدير مكتب رابطة العالم الإسلامي بباريس رسالة إلى الأمين العام للرابطة يقول فيها: لقد استطاعت تطبيقات العلوم الحديثة تنويع الطرق الجديدة في التناسل والتكاثر من هذه الطرق نقل ماء زوج إلى رحم امرأة لم يمسها لكنها رضيت أن يتكون في رحمها جنين هو والده وقد وقع هذا الأمر أخيرًا في فرنسا وانقسم الناس إلى طائفتين في قضية استجار الأرحام، فمنهم من يرى في هذه الطريقة وسيلة لإرضاء الألوف من الأزواج والزوجات الذين عجزوا لسبب ما عن التناسل والسعادة بالأولاد، وبعض هذه الطائفة يجد في هذه الطريقة تجارة رائجة لفئات عدة من الناس. القسم الثاني: استهجن الأمر وثار عليه ورآه منقصة لكرامة الإنسان ولاسيما للمرأة التي تصبح آلة تستأجر وطالبوا الحكومة الفرنسية التدخل في الأمر. وإزاء هذا الوضع ألفت الحكومة لحنة من العلماء ورجال الدين والأخلاقيين والزعماء الشعبين وطلبت منهم بيان الرأي الصريح في هذا الموضوع من الناحية الأخلاقية، وقد نشرت الصحف تقرير هذه اللجنة في ٣١/ ١٠ / ١٩٨٤م وخلاصة التقرير ما يلي: ١- لا شك أن طرق التوليد الحديثة في الأنابيب أو في استئجار الأرحام أمر جديد على المجتمع ولابد للمجتمع أن يكون له رأي مدروس مقبول من الأكثرية. ٢- تعود المجتمع استقبال اليتامى واللقطاء فأوجد لهم المؤسسات الخاصة لرعايتهم أما طريقة تأجير الأرحام فإنها ستجر المجتمع على تقبل عدد كبير من الأطفال من نوع جديد لا هم يتامى ولاهم لقطاء وقد يعترف بهم الوالد ولا تعترف بهم الأم. ٣- القابلون لهذه الطريقة الجديدة في توليد الذراري يعرفون جميعًا أن المرأة التي أجرت رحمها مقابل مقدار معين من المال قد تعهدت بعد حمله وولادته التخلي عنه وتسليمه للأسرة أو لرجل دفع لها المال ومن المحتمل كثيرًا أن تغير المرأة المستأجرة رأيها فتحتفظ بالطفل وليس هناك في الوقت الحاضر قانون يجبرها على تسليم جنينها لغيرها. ٤- أما هذه المواقف التي ظهرت للمجتمع فجأة ولم تتهيأ له دراسة نتائجها الأخلاقية طلبت اللجنة الحكومية مهلة كافية من الزمان لدراسة الموضوع واستشارة الناس قبل بيان الرأي وقد سئلنا رأينا فيه بعد ظهور قرارا الجنة الحكومية.

стр. 261

قال أحد الأطباء أمام هذه الضجة الإعلامية، والقائل هو الدكتور السعودي: محمد علي البار: الفكرة في حد ذاتها سهلة ميسورة وتعتمد على أخذ البييضة من المرأة عند خروج البييضة من المبيض ووضعها في أنبوب خاص به وسائل (فسيولوجية) مناسبة ثم يؤخذ مني الرجل فيلقح أحد الحيوانات المنوية البويضة فإذا ما تم تلقيحها انقسمت البييضة الملقحة انقساماتها المعروفة حتى تبلغ مرحلة (التوتة) وذلك في اليوم الرابع من هذا التلقيح ويكون الرحم عندئذ قد استعد لاستقبال البييضة الملقحة فيعاد إدخالها عندئذ إلى الرحم فتعلق به وتثبت بجداره إذ ما نجح العلماء في ذلك فقد انتهت مهمتهم عندئذ وتركوا (النطفة الأمشاج) تعلق بجدار الرحم وتصبح علقة عالقة ثم تنمو بعد ذلك نموًا طبيعيًا إلى مضغة ومن مضغة إلى عظام يكسوها اللحم ثم ينشئه الله خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. هـ.

стр. 262

قال الشيخ مصطفى الزرقاء: تداولت الصحف هذا العنوان في هذه السنوات العشر الماضية، ودرج استعماله للدلالة على الحدث المفاجئ العجيب من منجزات العلم في العالم وهو نجاح تجربة التلقيح الصناعي بين نطفتي الذكورة والأنوثة ضمن أنابيب الاختبار في المختبرات الطبية، ثم نقل الجنين البدائي المتكون من هذا التلقيح وزرعه في رحم المرأة حيث يعلق فيه ويحضن وينمو ويتخلق مدة الحمل المعتادة، ثم يولد ولادة طبيعية كما لو كان حملًا متكونًا من اتصال جنس مباشر بين رجل وامرأة. وكان قد نشر وشاع في أواخر الستينات الماضية أن طبيبين انكليزيين، هما روبرت إدواردز عالم (الفسيولوجيا) وباتريك ستبتو وجراح أمراض النساء، قد توصلا إلى تكوين جنين إنساني في وعاء اختبار، وأنه قامت حول هذا العمل ضجة استنكار عظيمة في الأواسط الدينية الكنسية تمنع متابعة هذا العمل وتراه محرمًا، وفي الوقت نفسه قامت ضجة فرح في الأوساط الإلحادية، إذ رأت في هذا لنبأ العظيم برهانًا على إمكان خلق الإنسان بطريق علمي تركيبي دون حاجة إلى تقدير وجود إله خالق، وزاد الموضوع غرابة ما ذكر من إمكان نقل هذا الجنين المخبري إلى رحم امرأة حيث يعلق وينمو ككل جنين مدة الحمل الكاملة، ثم تلده ولادة طبيعية. وبين هاتين الضجتين اعترى كثير من القراء أو السامعين حيرة ودهشة، ولجأ بعض أهل الدين من المسلمين إلى التكذيب، ولجأ بعض الناس إلى الاستفتاء حول جواز تصديق النبأ، أو حول جواز الإقدام على هذا العمل إن كان النبأ صحيحًا" كما وجهت بعض الجرائد والمجلات أسئلة إلى بعض الأطباء، وإلى بعض علماء الشريعة أو المفتين، تطلب إليهم أن يبينوا آراءهم حول هذا الحدث والإنجاز العلمي والتقني الذي تم فيه، وما يقال في ذلك إذ أصبح في مقدور كل امرأة عقيم أن تحمل وتلد فتروي ظمأها إلى الأمومة، وظمأ زوجها إلى الأبوة بل أصبح في مقدور كل فتاة غير متزوجة أن تصبح أمًا دون أن تتزوج وتتصل جنسيًا بأي رجل، حيث صار من الممكن بل مما يدور في أفكار العلماء إنشاء بنك لنطف تحفظ بطريقة فنية تصونها من الفساد، فإذا أردت امرأة عقيم أو فتاة غير متزوجة إنجاب ولد فما عليها الآن إلا أن تأتي إلى الطبيب الأخصائي ليزرع بعملية تقنية خاصة في رحمها منيًا مهيأ في وعاء خاص مخبري، لتحمله ثم تلده في نهاية مدة الحمل فتصبح أمًا. وإن كانت العقيم متزوجة، وتحرص هي وزوجها على أن تكون بزرة الجنين منهما شخصيًا يستطيع الطبيب أن يأخذ النطفة التي فيها (الحوين) المنوي من زوجها، ويأخذ البويضة من مبيضها هي في الموعد الذي تتولد فيه البويضة (وهو اليوم الرابع عشر من بدء كل دورة طمثية) فيلقحها في الوعاء المخبري والوسط المناسب، ثم ينلقها ملقحة آخذة في النمو، وفي الوقت المناسب إلى رحمها لتعلق وتتطور فيه إلى جنين كامل تلده في نهاية مدة الحمل فيكون ولدًا لهما من أصلابهما كما لو أنجباه بالاتصال الزوجي الطبيعي. بل كتب وقرأنا أكثر من ذلك عن الإمكانات المستقبلة المتوقعة لثمرات هذا الإنجاز العلمي وفوائده، أنه قد يلجأ إلى هذه الطريقة المخبرية في إنتاج الأطفال لتحسين النسل في الأسر ليكون النسل أصح وأقوى بنية وصفات ومميزات، إذ يمكن تلقي بويضات شتى مأخوذة من نساء مختبرات عديدات، بنطفة من رجل قوي سوى جسمًا وذكاء، فيعمل قانون الوراثة الطبيعي عمله في أن يكون الأولاد الذين يتكونون بهذه الطريقة كلهم أصحاء جسمًا وعقلًا. والمزية المدعاة لتلقيح عدد من البويضات مخبريًا أن ذلك يتيح للطبيب فرصة اختيار أجنة أفضل خلال وجودها في الوعاء المخبري بعد تلقيح البويضات وبدء نموها قبل اخذها للزرع في الأرحام، لأن من الممكن في هذه المرحلة تمييز اللقائح الجنينية الأحسن والأصح نموًا وتكونًا في مراحل التطور الجنيني، فتختار اللقيحة أو اللقائح الفضلى لتزرع في الرحم ويتلف الطبيب ما سواها.

стр. 263

وما يقال في الزوجة العقيم يقال كذلك في الزوج العقيم إذا أراد أن تنجب زوجته ولدًا حيث يمكن تلقيحها مباشرة –دون حاجة إلى الطريقة المخبرية المشروحة- بالنطفة المأخوذة منه إذا كان عقمه لغير سبب فقدان الحوينات المنوية أو ضعفها في مائة وذلك بحقن نطفته ذاتها في نهاية مهبل زوجته في الموعد الشهري المناسب (الآنف الذكر) الذي فيه يقذف مبيضها بويضتها المتولدة منه إلى القناة المسماة (قناة فالوب) حيث تلتقي بالحوين المنوي الآتي من ماء الرجل، فيخترق جدارها ويندمج فيها ذلك الاندماج الذي يسمى التلقيح، ثم تأخذ اللقيحة (البويضة الملقحة) طريقها إلى الرحم، لتعلق بجداره جنينًا، كما يحمل تمامًا في الحمل الطبيعي الناشئ عن الاتصال الجنسي بينهما، وليس في هذه الطريقة أي شيء جديد. ولكن إذا كان عقم الزوج لفقدان الحيوانات المنوية من مائه أو ضعفها فلا سبيل عندئذ للحصول على ولد من زوجته إلا باللجوء إلى طريقة تلقيح بويضة منها في وعاء مخبري بنطفة مأخوذة من رجل آخر، ثم زرعها في رحمها بالطريقة التي حققها الإنجاز العلمي الجديد الآنف الشرح. وقد كانت أصعب العقد حلًا في مراحل هذا الإنجاز العلمي عقدتان تطلب حلهما كثيرًا من الجلد والصبر والدأب وتغيير الشروط بين تجربة وأخرى من التجارب الخائبة الكثيرة قبل النجاح، وهاتان العقدتان هما: ١- تركيب الوسط الكيمياوي السائل الخاص، والمعقد كثيرًا في عناصره ومقاديرها فهذا المحلول الخاص يجب أن تحفظ فيه البويضة من فور استخراجها من مبيض المرأة قبل تلقيحها، ثم تعديله مرات بعد تلقيحها بحسب مراحل نمو اللقيحة، ودون ذلك لا يمكن حفظ حياة البويضة ولا اللقيحة حتى تبلغ مرحلة من النمو والتكاثر في خلاياها بطريق الانقسام المعروف في الخلايا الحية، ولتصبح قابلة للشتل في الرحم. وقد قام بتهيئة هذا المحلول الكيمياوي ثم تعديلاته عالم الغريزة (الفسيولوجيا) الدكتور ادواردز. ٢- توقيت (الشتل) في الوقت المناسب من مراحل نمو اللقيحة في المختبر، وهذا قد اقتضى أكبر الجلد والصبر على إخفاق التجارب وتكرارها، فقد كان الدكتور سنبنو يعتقد متأثرًا برأي الطبيب الإيطالي المشار إليه آنفًا، أنه إذا تأخر وقت (الشتل) في الرحم حتى يزداد نمو اللقيحة في وعاء الاختبار، وتتكاثر خلاياها بالانقسام، كان ذلك أقرب إلى النجاح. ثم تبين له، بعد فشل التجارب الخائبة، وتغيير الشروط، أن الصواب هو العكس، فنجحت تجربة الشتل أخيرًا، في الوقت الذي تنقسم فيه اللقيحة ثلاث انقسامات، حتى تصبح ثماني خلايا فقط.

стр. 264

الصور المختلفة للتلقيح الاصطناعي نريد بتعبير (التلقيح الاصطناعي) كل طريقة أو صورة يتم فيها التلقيح والإنجاب بغير الاتصال الجنسي الطبيعي بين الرجل والمرأة، أي بغير عملية الجماع. إن التلقيح الاصطناعي في نطاق ما تحقق فعلًا من الإنجاز العلمي في أوعية الاختبار وما كان معروفًا قبله بالطريقة شبه الطبيعية، يمكن أن يجرى على سبعة أشكال وأحوال ذكرها الباحثون في هذا الموضوع واحتمالاته ونتائجه. والأحوال جميعًا بعضها يتم داخليًا، أي في باطن جسم المرأة وبعضها يتم خارجيًا أي في وعاء الاختبار في المختبر الذي تجمع فيه بويضة المرأة بالحيوان المنوي، من نطفة الرجل في وسط مختبري ملائم، فيلقحها، ويتكون منهما بداية الجنين البشري، وهذه الأحوال السبع هي كما يلي: أ- التلقيح في الداخل: ١- تلقيح بين زوجين، أي بماء يؤخذ من الزوج ويحقن في مهبل زوجته، وهذه حالة يلجأ إليها عندما لا يكون الزوج قادرًا على إيصال مائه إلى نهاية المهبل في المباشرة الطبيعية لسبب ما. ٢- تلقيح بين زوجة ومتبرع، وذلك عندما يكون الزوج عقيمًا لخلو مائه من الحوينات أو لضعفها فيه، فيؤخذ الماء من متبرع به وتحقن به الزوجة. ب- التلقيح يلف الخارج: ٣- تلقيح بين بزرتي الزوجين في وعاء مختبري، وهذا هو الإنجاز العلمي في التلقيح التكنولوجي الذي نتج به ما يسمي: أطفال الأنابيب ويلجأ إليه في حالة عقم الزوجة عندما يكون عقمها بسبب انسداد قناتي فالوب اللتين تصلان ما بين المبيض والرحم، ونحو ذلك من أسباب يكون معها الرحم والمبيض سليمين. ٤- تليقح بين بزرة زوج وبويضة امرأة متبرعة، ويلجأ إلى ذلك عندما تكون الزوجة قد استؤصل مبيضها لسبب مرض، أو كان معطلًا لا يقوم بوظيفته، فيؤخذ عندئذ بويضة من امرأة أجنبية عن الزوج (سميت: متبرعة) وتلقح مخبريًا بماء من زوج المرأة العقيم بفقدان مبيضها أو تعطله، لتزرع اللقيحة المتحصلة من هذا التلقيح في رحم الزوجة.

стр. 265

٥- تلقيح بين بزرتي رجل وامرأة متبرعين، أي ليست إحدى البزرتين من أحد زوجين ويلجأ إلى هذه الحالة عندما تريد امرأة أن تحمل لكن زوجها عقيم ومبيضها معطل فتلجأ إلى طبيب يأخذ لهما الحوين المنوي من مصرف للمني، ويأخذ البويضة من امرأة أخرى، ويجري التلقيح بين البزرتين مخبريًا، ثم (يشتل) اللقيحة في رحم المرأة الراغبة في الحمل بالطريقة السالفة الشرح في واقعة طفل الأنبوب لتحملها جنينًا طبيعيًا، ثم تلده ولادة عادية. ٦- حالة امرأة تتطوع بحمل لقيحة تكونت في وعاء الاختبار بمن بزرتي زوجين،. وسنوضح هذه الصورة في موقعها المناسب عند بيان موقف الشريعة من مختلف الحالات. ٧- أما الحالة السابعة فإنها لم تقع بعد، ولكنها ممكنة الوقوع في نطاق المنجزات العلمية التي تمت، وأشار إليها الباحثون بين الاحتمالات الممكنة التي تتطلب حلًا حقوقيًا في ظل القانون المدني، وقانون الأحوال شخصية هي: تلقيح الزوجة داخليًا، أو تلقيح بويضتها خارجيًا، بماء زوجها المتوفى الذي حفظ ماؤه قبل وفاته في مصرف المني في حسابه الخاص. مقابلة هذا الاكتشاف من علماء المسلمين: قال الشيخ محمود شلتوت ما خلاصته: من المعلوم أن تخلق الولد إنما هو من السائل المنوي الذي يخرج فيصل إلى رحم المرأة المستعد للتفاعل ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يتخلق الولد من هذا السائل متى وصل إلى الرحم المستعد للتفاعل وإن لم يكن وصوله عن طريق الاتصال الجسماني المعروف وهذا قد عرفه الناس جميعًا، وعرفه فقهاؤنا وجاء في كلامهم: (أن الحمل قد يكون بإدخال الماء للمحل دون اتصال عرفوه ورتبوا عليه وجوب العدة، وهو يتضمن تقرير المبدأ المعروف في تكوين الطفل من الماء الحيوي دون حاجة إلى العملية الجنسية وما الاتصال الجسماني إلا وسيلة معتادة لا يتوقف عليها تكون الولد الذى هو من الماء المستكمل مؤهلاته الطبيعية. والتلقيح الصناعي البشري اتخذ سبيلًا لتحقيق رغبة الولد بالنسبة للزوجين اللذين ليس لهما ولد وذلك كحد يقف عندهما الإحساس بالعقم أو يزول وبذلك يشعران في هذه الحياة بزينة الأبوة والأمومة للأولاد، وإن كان لا يخرج عن حد التعلل النفسي بصورة الأبوة والبنوة ثم اتخذ سبيلًا لتكثير سواد الأمة وعدد أفرادها لمجرد الرغبة في التوسع البشري أو تحصيلًا ليعوض عمن تهلكهم الحروب. وبهاتين الرغبتين اللتين بعثتهما (الفلسفة المادية) كان التلقيح الصناعي في الإنسان أمرًا مشروعًا عند أرباب تلك الفلسفة الجافة وبها ساوى التلقيح الصناعي في الحيوان والنبات وليس من ريب في أنهم إذا رجعوا إلى أنفسهم أدركوا أن للإنسان حياة هي أرقى من حياة الفرد نفسه وهي حياة تخضع لتلك المجتمعات التي تخضع لقوانين بشرية وشرائع سماوية تلبي داعي الفطرة الإنسانية في ذلك ويرتبط بها الإنسان في تصرفاته وسلوكه وانتظامه في مجتمعاته. ولعل الزواج وإعلانه كان أنعم الشؤون التي تخضع المجتمعات لحكمها وترتب عليه آثار معينة فيما يتعلق بحياة الأسرة ونسب الأبناء. ومن هنا نستطيع أن نقرر بالنسبة لحكم الشريعة في التلقيح الصناعي الإنساني –أنه إذ كان بماء الرجل لزوجه كان تصرفًا واقعًا في دائرة القانون والشرائع التي تخضع لحكمها المجتمعات الإنسانية الفاضلة وكان عملًا مشروعًا لا إثم فيه ولا حرج وهو بعد هذا قد يكون في تلك الحالة سبيلًا للحصول على ولد شرعي يذكر به الوالدان وبه تمتد حياتهما وتكتمل سعادتهما النفسية والاجتماعية ويطمئنان على دوام العشرة وبقاء المودة بينهما. أما إذا كان التلقيح بماء رجل أجنبي عن المرأة لا يربط بينهما عقد زواج فإنه يزج بالإنسان في دائرتي الحيوان والنبات ويخرجه عن المستوى الإنساني. ولعل هذه الحالة هي أكثر ما يراد من التلقيح الصناعي عندما يتحدث الناس عنه.

стр. 266

وهو في هذه الحالة يكون في نظر الشريعة الإسلامية جريمة منكرة وإثمًا عظيمًا يلتقي مع الزنا في إطار واحد جوهرهما واحد ونتيجتهما واحدة وهي وضع ماء رجل أجنبي قصدًا في حدث ليس بينه وبين ذلك الرجل عقد ارتباط بزوجية شرعية يظلها القانون الطبيعي والشريعة السماوية ولولا قصور في صورة الجريمة لكان حكم التلقيح في تلك الحالة هو حكم الزنا الذي حددته الشرائع الإلهية، وينبو عنه المستوى الإنساني الفاضل وينزلق به إلى المستوى الحيواني الذي لا شعور فيه للأفراد برباط المجتمعات الكريمة وحسب من يدعون إلى هذا التلقيح ويشيرون به على أرباب العقم تلك النتيجة المزدوجة التي تجمع بين الخستين داخل النسب وعار مستمر إلى الأبد. حفظ الله على المسلمين أنسابهم ومستواهم الإنساني الفاضل. وقال أمين الفتوى بالأزهر الشيخ أحمد الشرباصي: إن الشريعة تجيز التلقيح الصناعي بين المرأة وزوجها ولكنها لا تجيزه بين المرأة وأجنبي، هـ.

стр. 267

وقال المحامي العام الأستاذ محمد عبد الله: إن التلقيح الصناعي يعتبر مخالفًا للنظام العام والآداب وهما يرتكزان على الدين. والدين لا يسمح بأن يوضع في رحم امرأة بذرة غير بذرة زوجها ولكن المولود الناجم عن التلقيح الصناعي يعتبر ولدًا شرعيًا طبقًا لقاعدة "الولد للفراش" ولكن هذا التلقيح لا يعد زنا من الناحية الجنائية حيث ينقصه الاتصال الجنسي وهو ركن أساسي في جريمة الزنا وإن جاز اعتباره هتك عرض. وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف: سئلت منذ عدة سنين بالآتي: (أخذت مادة رجل وهي منيه ثم وضعت في رحم زوجته الشرعية بطريقة ما لا بطريقة الجماع ثم بعد فترة شعرت الزوجة بوجود جنين في بطنها واستمر ذلك مدة تسعة أشهر وأيام فوضعته غلامًا تامًا الخلقة والحركة فهل ينسب إلى هذا الزوج بالبنوة منه شرعًا كما نسب إليه سائر أولاده منها؟ فكان الجواب: هذا الجنين إن تكون من مني زوجها الشرعي وخلق في رحمها حتى وضعته غلامًا حيًا فينسب شرعًا إلى أبيه بالبنوة الشرعية وهو زوجها المذكور كما ينسب إليها بالأمومة بلا فرق بينه وبين الغلام الذي يتكون مما يضعه زوجها في رحمها أثناء الوقاع ويبقى رحمها إلى وقت الوضع المقرر شرعًا. هذا هو السؤال والجواب اللذان أشارت إليهما صحف مصرية منذ سنتين عند الحديث عن طفل الأنابيب ولم يعتن في الجواب عن حقيقة (طفل الأنابيب) وما يحوم حوله من بحوث واختبار وإنما الأساس في بيان الحكم الشرعي في النسب وهو تخلق هذا الطفل من مني الزوج الشرعي وتكونه في رحم أمه الزوجة الشرعية لأبيه وذلك هو الذي عناني في الأمر والله أعلم. وقال الشيخ يوسف القرضاوي: وإذا كان الإسلام قد حمى الإنسان بتحريم الزنا والتبني وبذلك تصفو الأسرة من العناصر الغريبة عنها فإنه يحرم ما يعرف بالتلقيح الصناعي إذا كان التلقيح بغير نطفة الزوج بل يكون في هذه الحالة جريمة منكرة وإثمًا عظيمًا يلتقي مع الزنا في إطار واحد جوهرهما واحد ونتيجتهما واحدة هي وضع ماء رجل أجنبي قصدًا في حرث ليس بينه وبين ذلك الرجل عقد ارتباط بزوجية شرعية يظلها القانون الطبيعي والشريعة السماوية ولولا قصور في صورة الجريمة لكان حكم التلقيح في تلك الحالة هو حكم الزنا الذي حددته الشرائع الإلهية ونزلت بكتب السماء. وإذا كان التلقيح البشري بغير ماء الزوج على هذا الوضع وبتلك المنزلة كان دون شك أفظع جرمًا وأشد نكرًا من التبني فإن ولد التلقيح يجمع بين نتيجة التبنى المذكور وهي إدخال عنصر غريب في النسب وبين خسة أخرى وهي التقاؤه مع الزنا في إطار واحد تنبو عنه الشرائع والقوانين وينبو عنه المستوى الإنساني الفاضل وسينزلق به إلى المستوى الحيواني الذي لا شعور فيه برباط المجتمعات الكريمة للأفراد.

стр. 268

قال الشيخ مصطفى الزرقا: الرأي الشرعي في كل من حالات التلقيح الاصطناعي: يجب أن يلاحظ قبل البدء ببيان الحكم الشرعي في كل حالة على حدة ملاحظتان مهمتان: الملاحظة الأولى: حول صلة هذا الإنجاز العلمي الخطير بالإيمان والإلحاد. ففي أواخر الستينات الماضية، لما نشرت الأنباء الأولى نجاح الطبيبين الإنكليزيين في تلقيح بويضة امرأة بحوين منوي من رجل في وعاء اختبار في المختبرة وإن هذه البويضة الملقحة (اللقيحة) أخذت في التكاثر والنمو الجنيني بطريق الانقسام المعتاد في تكاثر الخلايا الحية، وغمرت الملاحدة في كل مكان نشوة ظفر، وظنوا أن هذا هو النصر المؤزر للإلحاد على الإيمان بالبرهان المشهود والتجربة العملية وقد كنت أنا إذ ذاك في الكويت خبيرًا قائمًا على مشروع الموسوعة الفقهية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ولم يكن إذ ذاك موضوع التلقيح المخبري هذا قد بلغ مرحلة زرع اللقيحة في رحم امرأة، ولكن كان التنبؤ ببلوغ هذه المرحلة الأخيرة قد شاع في الأوساط العلمية بعد نجاح التلقيح في وعاء الاختبار. فقال لي أحد الملاحدة متبجحًا: أرأيت لقد أصبح الآن من الممكن عمليًا إنشاء الحياة من مواد غير حية بصنع الإنسان. فقلت له: إن ما حصل ليس فيه إنجاز عجيب تقوم به حجة الإلحاد والمادية على نفي وجود الله الخالق تعالى الذي خلق الموت والحياة، فهو يشبه إلى أبعد الحدود قضية بيضة الدجاجة التي كانت تحتضنها تحت جناحيها فتفرخ، فأصبح الإنسان يهيء لها وسطًا آخر ملائمًا للتفريخ، والفارق الرئيسي بين الحالتين هو أن بيضة الدجاجة قد لقحها الديك بالصورة الطبيعية للتلقيح في جوف الدجاجة قبل أن تبيضها، أما في هذا الإنجاز العلمي الجديد فإن تلقيح بويضة المرأة بحوين الرجل يتم خارج جسم المرأة في وسط صناعي ملائم يقع فيه التلقيح، ويبدأ فيه النمو، وفرق عظيم بين بدء نمو الخلق وبدء الحياة، فبدء الحياة سيبقى من صنع واهب الحياة، ، رغم أنف المادية والماديين. الملاحظة الثانية: يجب أن يلاحظ سلفًا أن حالات التلقيح الاصطناعي السبع الداخلية والخارجية، جميعها يستلزم تطبيقها انكشاف عورة المرأة على شخص أجنبي، سواء كان هذا الشخص رجلًا أو امرأة (طبيبًا أو طبيبة) .

стр. 269

وهذا يثير في الذهن تساؤلًا: هل تبيح معالجة العقم في المرأة هذا الانكشاف؟ إن من القواعد الشرعية المتفق عليها بين أئمة الفقه والدين أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ومن تطبيقاتها أن مداواة المرض في مكان العورة تبيح كشفها بقدر حاجة المداواة، وقد صرح فقهاء المذاهب بذلك. والمراد بالمرض هنا –فيما يظهر- ما كان مؤذيًا لصاحبه بألم أو أثر مزعج، أو كان له عواقب مؤذية أو مزعجة لراحة الإنسان في المستقبل لو أهمل علاجه، كانتشاره إلى أجزاء أخرى من البدن، أو إمكان تطوره إلى حالات مزعجة، فكل ذلك لا يوجب الشرع تحمله والصبر على المرض دون علاج تفاديًا لكشف العورة، في الرجال والنساء على سواء. يبدو لي أن الغرض المشروع في الحصول على الولد، سواء في ذلك رغبة الزوج أو الزوجة، يمكن أن يعتبر مبيحًا لانكشاف الزوجة في سبيل معالجة العقم أو التلقيح الصناعي إن لم تكن طريقة التلقيح نفسها تنطوي على محظورات أخرى. ففي ضوء ذلك نستعرض الآن فيما يلي الحالات السبع في التلقيح الاصطناعي، على التعاقب، لنرى ما ينبغي أن يكون موقف الشريعة منها، غير معتبرين انكشاف المرأة في شيء منها مانعًا، بل ننظر إلى ما سوى ذلك من موجبات الحظر والإباحة في الطريقة نفسها التي تسلك للتلقيح.

стр. 270

(أ) التلقيح الاصطناعي داخليًا ١- الحالة أو الطريقة الأولى: الحالة الأولى، كما رأينا في موضعها من هذا البحث، تتم داخليًا في جسم الزوجة ولا يدخل فيها عنصر أجنبي، بل تؤخذ نطفة الزوج خارجيًا بطريق الاستمناء، وتزرق في مهبل الزوجة، ثم تسلك النطفة بنسفها طريقها الطبيعي إلى الرحم، ثم إلى القناة التي تصل بينه وبين المبيض وتسمى قناة فالوب (نسبة إلى عالم التشريح الإيطالي الذي اكتشفها) حيث تكون البويضة التي قذفها المبيض إلى هذه القناة بانتظار الحويني المنوي الذي يسعده الحظ بأن يكون هو الفائز بالسبق إلى تلقيح البويضة من بين الملايين من زملائه التي تحملها نطفة الرجل، فمن سبق من هذه الملايين المتسابقة إلى البويضة اخترق جدارها، واندمج فيها فكونا منهما معًا خلية واحدة تسمى في اصطلاح الأطباء: (البويضة الملقحة) وقد فضلت أن أسميها: (اللقيحة) ثم تأخذ هذه اللقيحة طريقها في قناة فالوب إلى رحم المرأة لتعلق في جداره وتنمو بالانقسام إلى ملايين الخلايا، التي تتجمع كل مجموعة منها في ناحية فيتكون منها بعض أعضائه وهذا هو التخلق، يتضح من هذا التصوير الواقعي لما يتم في الحالة الأولى من التلقيح الاصطناعي أن الذي يحصل فيها هو الذي يحصل في حالة المباشرة الطبيعية بين الزوجين، لا فرق سوى الاستعاضة عن عضو الذكورة بمزرقة تزرق بها نطفة الزوج في الموقع المناسب من مهبل الزوجة أمام عنق الرحم.

стр. 271

فإذا استبعدنا من الاعتبار محظور انكشاف المرأة لمصلحة (الولادة) المشروعة على ما سلف بيانه، لم يكن في هذه الطريقة الأولى من التلقيح الاصطناعي أي مانع شرعي يوجب حظرها، فيمكن إعلان جوازها شرعًا عندما يحتاج إليها لتحمل الزوجة من زوجها. والشيء الوحيد الذي يجب أن يلحظ وينبه إليه هنا، وفي كل مقام علاجي آخر هو أنه كلما وجدت في المكان امرأة عالمة مختصة كطبيبة أو قابلة مأذونة، قادرة على تنفيذ المعالجة التي تحتاج إلى انكشاف المرأة على من يعالجها تنفيذًا صحيحًا سلميًا بالنظر الطبي، لم يجز شرعًا أن يعهد إلى طبيب من الرجال ليقوم بهذه المعالجة. هذا ما يقرره فقهاء الشريعة بوجه عام ويعللونه بأن انكشاف الجنس على نظيره أهون وأقل محذورًا، وهذا أمر معقول جدًا في نظام يقوم على فكرة الحلال والحرام كالإسلام ومن القواعد الفقهية في حكم الضرورات أن "الضرورة تقدر بقدرها". وهذا أمر ذو بال يجب التنبه إليه، ومعظم الناس عنه غافلون اليوم لاسيما في الولادة بالمستشفيات. ٢ - الحالة الثانية: بين زوجة ومتبرع بنطفة: هذه الحالة تمارسها اليوم المصارف المنوية في العالم الغربي على أوسع نطاق إذ يرون فيها حلًا لمشكلة الأمومة حينما يكون الزوج عقيمًا، وقد أقرها النظام في العديد من الولايات المتحدة الأمريكية، كما أقرتها فرنسا، واعتبروا الأطفال الذين يتولدون منها أولادًا شرعيين للزوجين. أما ألمانيا فيعتبرون أولادًا شرعيين أيضًا ما لم يطعن في شرعيتهم ذو مصلحة في نفيها، فتسلب عنهم الشرعية، وقد يكون هذا الطاعن في الشرعية الولد نفسه حينما يكبر ويعلم أن المتبرع لأمه بالنطفة ذو غنى أو جاه ونفوذ، فيطلب إلحاق نسبه به. وأما في بريطانيا فهذا التلقيح بنطفة متبرع لزوجة مسموح به قانونًا، ولكنها لا تعتبر الأطفال منه شرعيين، وهناك من دول أوروبية من تحرمه وتعتبره ضربًا من الزنى كسويسرا. أما بالنظر الإسلامي فلاشك في تحريمه قطعًا، ففي شريعة الإسلام يعتبر نسب الولد لأبيه، ويستدل الفقهاء على ذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: آية ٢٣٣] . وقوله تعالى في إبطال التبني: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب آية ٤، ٥] . فقد اعتبر الأب هو المولود له – فهو صاحب حق النسب الذي يدعى الولد إليه، أي ينسب. ففي هذه الحالة الثانية من التلقيح الداخلي خلط بين الأنساب إذ تكون البزرة الذكرية من رجل، والزوجية التي سيتبعها النسب هي لآخر.

стр. 272

(ب) التلقيح خارجيًا ٣- الحالة الثالثة من التلقيح الاصطناعي، وهي التي تتم خارجيًا بين بزرتي زوجين في وعاء مختبري وتزرع في رحم الزوجة صاحبة البويضة نفسها، وهي التي جاءت إلى العالم البشري بأول طفلة أنبوب (لويزا براون) . معظم من بحثوا أو أجابوا من علماء الإسلام المعاصرين في موضوع التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب من أساتذة في كليات الشريعة أو مفتيين أو قضاة شرعيين –فيما علمت- قد اتفقت كلمتهم على أن هذه الحالة جائزة بلا تحفظ، وأما المحظور شرعًا فهو الحالات التي تكون فيها البزرتان أو إحداهما من مصدر متبرع. وقليل منهم من تحفظ وتردد في الجواز. وإنني كنت في سابق أجوبتي في هذه القضية ترددت في جواز هذه الصورة الثالثة التي تبدو مبدئيا جائزة شرعا. وكان ترددي فيها من ثلاث نواح: ١- من ناحية غموض نتائج التجربة في مستقبل حياة الولد المنتوج فيها من حيث احتمال الارتفاع في نسبة التشوه في هذا الطريق الاصطناعي عن المعتاد في الحمل بالطريقة الطبيعية لعدم إمكان كشف ذلك قبل التكرار الكثير، ومن حيث احتمال تأديتها إلى أضرار أخرى مرضية لا يمكن الجزم بالأمان منها في هذه الطريقة قبل مضي زمن طويل من عمر الوليد. ٢- من جهة كونها صالحة لأن تتخذ ذريعة إلى الفساد والشك في الأنساب التي يقوم عليها الإسلام كيان الأسرة والحقوق الشرعية بين أفرادها، وحرمات القرابة والمصاهرة. ذلك لأن سلوك هذا الطريق الاصطناعي الخارجي لإنتاج الولد سيجعل أمر نسبة تابعا لقول الطبيب الذي سيقرر أنه أجرى التلقيح بين بزرتي الزوجين، وهذا يفسح مجالا للشك بأن الطبيب قد غلط بين وعاء وآخر أو أنه قد ساير رغبة المرأة الراغبة في الأمومة لأمر ما، فيهيأ لها الجنين المطلوب في المختبر من بويضة سواها، ولم يكن في مبيضها هي بويضة. إلى غير ذلك من احتمالات وتكون في صدق الطبيب لأسباب شتى. ٣- من حيث ما سبقت الإشارة إليه وهو أن كل تلقيح اصطناعي يستلزم انكشاف عورة المرأة على أنني قد انتهيت فيما سلف بيانه عن انكشاف العورة إلى أن هذا المحظور الشرعي يمكن صرف النظر عنه باعتبار أن حاجة المرأة إلى الأمومة ومصلحتها المشروعة فيها وصحتها تبيع هذا المحظور. ولكن إذا اسقطنا من الاعتبار هذا المحظور الثالث بقي السببان السابقان كافيين للتحفظ والتردد الكبير في جواز هذه الطريقة من التلقيح الصناعي لذلك يترجح في نظري جانب الحظر فيها مبدئيا، فلا تمارس إلا في أٌقصى درجات الأضرار أو الحاجة الشديدة حين لا يكون للزوجين ولد، والطبيب عدل ثقة ٤- الحالة الرابعة من التلقيح الصناعي، وهي التي تتم خارجيا بين بزرة زوج وبويضة متبرعة ثم تزرع في رحم الزوجة.

стр. 273

هذه الحالة واضح فيها سبب التحريم لأن اللقيحة متكونة من مصدرين غير زوجين، فهي تؤدي إلى نسب منتحل غير مبني على زوجية. ومثل هذا يقال في حالة العكس، وهي ما لو كانت البويضة من زوجة والنطفة الذكرية من متبرع ثم زرعت اللقيحة في الزوجة صاحبة البويضة. ٥- الحالة الخامسة وهي حالة زوج عقيم وزوجته معطلة المبيض يتبرع لهما رجل بنطفة، وامرأة ببويضة، ويجري التلقيح بينهما خارجيا في المختبر وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة المتبرع لها. يبدو واضحا في هذه الصورة أن اللقيحة لا صلة لها بالزوج ولا بالزوجة المتبرع لهما وهذا ما يميزها في الحالة الرابعة. ولا شك في تحريم هذه الصورة أيضا، إذ لا مجال لأن يترتب فيها نسب. ٦- الحالة السادسة: وهي حالة امرأة تتطوع بحمل لقيحة تكونت في وعاء الاختبار من بزرتي زوجين. ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها لكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفها. والفارق بين هذه الحالة والحالة السابقة أن البزرتين هنا من زوجين، وإنما تبرعت امرأة أخرى بحمل اللقيحة المتكونة منهما – أما في الحالة السابقة فإن البزرتين ليستا من زوجين، بل متبرع بهما لراغبين في الولد ولكنهما عقيمان، وتزرع اللقيحة في الزوجة لأن رحمها صالح للحمل. وكما تفترق هذه الحالة عن سابقتها الخامسة من هذه الناحية الأساسية، فهيا شبه بالحالة الثالثة السابقة في ناحية أساسية أيضا هي أن البزرتين من زوجين والفارق بينهما أن هذه السادسة تزرع لقيحتها في رحم امرأة غير الزوجة التي أخذت منها البويضة. وقد رأينا في الحالة الثالثة أن فيها ثلاثة محاذير (هي: المخاطرة بغموض النتائج بالنسبة للجنين، وفتحها باب الشك في النسب حيث تربطه بقول الطبيب وتأديتها إلى انكشاف العورة. ففي الصورة السادسة التي نحن بصددها تجتمع هذه المحاذير الثلاثة مضافا إليها كشف عورة المتطوعة بالحمل (إذ لا يمكن زرع اللقيحة في رحمها دون ذلك) وإذا كنا قد انتهينا في تلك الحالة الثالثة إلى ترجيح الحظر ففي هذه الحالة السادسة يكون الحظر أظهر للأسباب ذاتها. وإذا أمكن اعتبار كشف عورة الزوجة هناك لأجل الحمل جائز، كما أسلفنا بيانه، فانه هنا غير جائز للمتطوعة بالحمل لأنها ليست هي الزوجة المحتاجة إلى الأمومة.

стр. 274

على أنه لو وقعت هذه الحالة فعلا رغم حظرها الشرعي فماذا عن نسب الولد، وعن علاقته بالأطراف الثلاثة: الزوجين والمتطوعة بالحمل (الأم المستعارة) ؟ والذي يظهر لي في الجواب أن نسب الولد يكون للزوجين مصدر اللقيحة بلا شك. أما المتطوعة بالحمل فإنها لا تعتبر أما نسبية قطعة، ولكنها تعتبر كالأم الرضاعية بطريق الأولوية لأن الجنين قد اكتسب نموا من جسمها أكثر مما يكتسب الرضيع من لبن المرضع. وقد اصدر المجمع الفقهي الإٍسلامي قرارا شرعيا هذا نصه: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السابعة المعقدة بمكة المكرمة في الفترة بين ١١- ١٧ من ربيع الآخر ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤/١/١٩قد نظر في الدراسة التي قدمها عضو المجلس مصطفى الزرقاء حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل الناس وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم. واستعرض المجلس ما تحقق في هذا المجال من إنجازات طبية توصل إليها العلم والثقافة في العصر الحاضر لإنجاب الأطفال من بني الإنسان والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد. وقد تبين للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها أن التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد (بغير الطريق الطبيعي وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة) يتم بأحد طريقين أساسين: - طريق التلقيح الداخلي. وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من باطن المرأة. - وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة (اللقيحة) في رحم المرأة. ولا بد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية وقد تبين لمجلس المجمع في تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع ومما أظهرته المذاكرة والمناقشة أن الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه الداخلي والخارجي لأجل الاستيلاء هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة، للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعا، وهي الأساليب التالية: في التلقيح الاصطناعي الداخلي: الأسلوب الأول: أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته أو رحمها حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع. وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور لسبب ما عن إيصال مائة في المواقعة إلى الموضع المناسب. الأسلوب الثاني: أن نؤخذ نطفة رجل وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر حتى يقع التلقيح داخليا ثم العلوق في الرحم كما في الأسلوب الأول. ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيما لا بزرة في مائة، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره. في طريق التلقيح الخارجي: الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من مبيض زوجته فتوضعا في أنبوب اختبار طبي بشروط فيزيائية معينة حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار ثم بعد أن تأخذ اللقيحة الانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة لتعلق في جداره وتنمو تتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلا أو طفلة. وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسره الله. وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورا وإناثا وتوائم تناقلت أخبارها الصحف العالمية ووسائل الأعلام المختلفة.

стр. 275

ويلجأ إلى هذا الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيما بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب) . الأسلوب الرابع: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته (يسمونها متبرعة) ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته. ويلجئون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلا أو معطلا، ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه. الأسلوب الخامس: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل وبويضة من امرأة ليست زوجة له (يسمونهما متبرعين) ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة. ويلجؤون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيما بسبب تعطل مبيضا لكن رحمها سليم وزوجها أيضا عقيم ويريدان ولدا. الأسلوب السادس: أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بزرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها. ويلجؤون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفها، فتتطوع لها امرأة أخرى بالحمل عنها.

стр. 276

الأسلوب السابع: هو السادس نفسه إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة فتتطوع لها ضرتها لحمل اللقيحة عنها. وهذا الأسلوب لا يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد. هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي الذي حققه العلم لمعالجة أسباب عدم الحمل. وقد نظر مجلس المجمع فيما نشر وأذيع أنه يتم فعلا تطبيقه في أوروبا وأمريكا من استخدام هذه الإنجازات لأغراض مختلفة منها تجاري ومنها ما يجري تحت عنوان (تحسين النوع البشري) ومنها ما يتم لتلبية الرغبة في الأمومة لدى نساء غير متزوجات أو نساء متزوجات لا يحملن لسبب فيهن، أو في أزواجهن، وما انشئ لتلك الأغراض المختلفة من مصارف النطف الإنسانية التي تحفظ فيها نطف الرجال بصورة تقانية تجعلها قابلة للتلقيح بها إلى مدة طويلة، وتؤخذ من رجال معينين أو غير معينين تبرعا أو لقاء عوض، إلى آخر ما يقال أنه واقع اليوم في بعض بلاد العالم المتمدن. النظر الشرعي بمنظار الشريعة الإسلامية: هذا وأن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بعد النظر فيما تجمع لديه من معلومات موثقة مما كتب ونشر في هذا الشأن، وتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية ومقاصدها لمعرفة حكم هذه الأساليب المعروضة وما تستلزمه، قد انتهى إلى القرار التفصيلي التالي: أولا: أحكام عامة: (أ) أن انكشاف المرأة المسلمة على غير من يحل شرعا بينها وبينه الاتصال الجنسي لا يجور بحال من الأحوال إلا لغرض مشروع يعتبره الشرع مبيحا لهذا الانكشاف. (ب) أن احتياج المرأة إلى العلاج من مرض يؤذيها، أو من حالة غير طبيعية في جسمها تسبب لها إزعاجا ـ يعتبر ذلك فرضا مشروعا يبيح لها الانكشاف على غير زوجها لهذا العلاج. وعندئذ يتقيد ذلك الانكشاف بقدر الضرورة. (ج) كلما كان انكشاف المرأة على غير من يحل بينها وبينه الاتصال الجنسي مباحا لغرض مشروع يجب أن يكون المعالج امرأة مسلمة أن أمكن ذلك، وإلا فامرأة غير مسلمة وإلا فطبيب مسلم ثقة، وإلا فغير مسلم بهذا الترتيب. ولا تجوز الخلوة بين المعالج والمرأة التي يعالجها إلا بحضور زوجها أو امرأة أخرى. ثانيا: حكم التقليح الاصطناعي: ١- أن حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل وحاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضا مشروعا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من طرق التلقيح الاصطناعي. ٢- أن الأسلوب الأول (الذي تؤخذ فيه النطفة الذكرية من رجل متزوج ثم تحقن في رحم زوجته في طرقة التلقيح الداخلي) هو أسلوب جائز شرعا بالشروط العامة الآنفة الذكر وذلك بعد أن تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل. ٣- أن الأسلوب الثالث (الذي تؤخذ فيه البزرتان الذكرية والأنثوية من رجل وامرأة زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحها خارجيا في أنبوب اختبار، ثم تزرع اللقيحة في رحم لكنه غير سليم تماما من موجبات الشك فيما يستلزمه ويحيط به من ملابسات. فينبغي أن لا يلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى وبعد أن تتوفر الشرائط العامة الآنفة الذكر. ٤- أن الأسلوب السابع الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى للزوج نفسه، حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا الحمل عن ضرتها المنزوعة الرحم يظهر لمجلس المجمع أنه جائز عند الحاجة وبالشروط العامة المذكورة.

стр. 277

٥- وفي حالات الجواز الثلاث يقرر المجمع أن نسب المولود يثبت من الزوجين مصدر البزرتين ويتبع الميراث والحقوق الأخرى ثبوت النسب فحين يثبت نسب المولود من الرجل أو المرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام بين الولد وبمن التحق نسبه به. أما الزوجة المتطوعة بالحمل عن ضرتها (في الأسلوب السابع المذكور) فتكون في حكم الأم الرضاعية للمولود لأنه اكتسب من جسمها وعضويتها أكثر مما يكتسب الرضيع من مرضعته في نصاب الرضاع الذي يحرم به ما يحرم من النسب. ٦- أما الأساليب الأربعة الأخرى من أساليب التلقيح الاصطناعي في الطريقين الداخلي والخارجي بما سبق بيانه فجميعها محرمة بالنظر الإسلامي لا مجال لإباحة شيء منها لأن البزرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من زوجين أو لأن المتطوعة بالحمل هي أجنبية عن الزوجين مصدر البزرتين. هذا، ونظرا لما في التلقيح الاصطناعي بوجه عام من ملابسات في الصور الجائزة شرعا ومن احتمال اختلاط النطف واللقائح في أوعية الاختبار ولاسيما إذا كثرت ممارسته وشاعت فان مجلس المجمع ينصح الحريصين على دينهم أن لا يلجأوا إلى ممارسته إلا في حالة الضرورة القصوى وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقائح. هذا ما ظهر لمجلس المجمع في هذه القضية ذات الحساسية الدينية القوية من قضايا الساعة ويرجو من الله أن يكون صوابا. والله سبحانه أعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل وولي التوفيق. هذا القرار صدر بالأكثرية من أعضاء المجلس والذي له مخالفة واضحة هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجمع المذكور فان سماحته توقف في كل الصور الثلاث التي أجازها المجمع بالأكثرية. وكاتب هذا البحث – عبد الله بن عبد الرحمن البسام – أحد أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي – ممن وافق على إجازة الأحوال الثلاث المذكورة في القرار المذكور وإلى هذا المجمع الموقر ما يراه حيال هذه المشكلة التي شغلت أذهان الناس وأقلامهم. وأرجو أن يخرج من ذلك بنتائج مرضية. سدد الله خطي الجميع ووفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 278

مراجع البحث ١- القرآن الكريم ٢- الصحيحان ٣- كشاف القناع البهوتي ٤- فتاوى حسنين مخلوف ٥- فتاوى محمود شلتوت ٦- الحلال والحرام للقرضاوي ٧- مقدمة ابن خلدون ٨- العلوم الطبيعية في القرآن يوسف مروه ٩- الإعجاز العلمي في القرآن محمد إسماعيل ١٠- خلق الإنسان بين الطب والقرآن محمد علي البار ١١- الوجيز في علم الأجنة في القرآن محمد علي البار ١٢- منع الحمل صلاح عدس ١٣- تحديد النسل فائق الجوهري ١٤- الحياة وعجائبها إسماعيل خليل ١٥- حياتنا الجنسية القباني ١٦- بحث مصطفى الزرقاء ١٧- بحث عبد الله باسلامة ١٨- خطاب مكتب الرابطة بباريس

стр. 279

التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب الدكتور محمد علي البار مقدمة: منذ أن نجح الدكتور استبتو والدكتور ادواردز في تلقيح بويضة السيدة ليزلي براون بمنى زوجها جون براون في ١٠ نوفمبر ١٩٧٧ وأدى ذلك إلى نجاح أول حمل وولادة أول طفلة أنبوب (لويزا براون) في ٢٥ يوليه ١٩٧٨، قامت حملات إعلامية منظمة شغلت الناس صباح مساء ثم خفقت الضجة وانضم إلى نادي أطفال الأنابيب عشرات الأطفال حتى جاوز الرقم بضع مئات في أنحاء العالم منهم مجموعة من التوائم. وتحول الأطباء والصحفيون وأجهزة الإعلام إلى مواضيع أكثر إثارة ... مثل تجميد الأجنة المخصبة ... ونقل البويضة الملقحة من امرأة إلى أخرى وهو ما عرف باسم الرحم الظئر. وبدأت المشاكل الأخلاقية والدينية تظهر على السطح. وصرح الدكتور ادواردز العالم الفسيولوجي الرائد في أطفال الأنابيب بقوله " إن هناك حاجة صارخة إلى وضع إطار لآداب وأخلاقيات هذا الميدان. وإن كل مؤسسة تجري العملية المذكورة يجب أن يكون لديها لجنة آداب خاصة " (١) . ولقد تم بالفعل ولادة أو طفلة من الرحم الظئر. ودخلت القضية إلى المحاكم الإنجليزية ذلك لأن الأم بالوكالة أو الرحم الظئر رفضت تسليم الطفل لصاحبه البويضة بعد ولادته رغم أنها وقعت عقدا بتسليم الطفل بعد أن تلده (٢) . وتحولت القضية إلى مشكلة إعلامية ومادة للإثارة كما انشغل بها القضاء الإنجليزي لعدم وجود سابقة. وقضية أخرى ... أن إجراء محاولة إيجاد أطفال أنابيب تتم بإعطاء المرأة أدوية وعقارات مثل الكلوميد تزيد من إفراز البويضات فيأخذ الطبيب عدة بويضات ويلقحها ... ويزرع عددا منها في اليوم الثالث إلى الخامس في رحم المرأة. ولذا كثرت ولادات التوائم في أطفال الأنابيب في الآونة الأخيرة. وذلك تحسبا للفشل كما أن الطبيب يحتفظ بمجموعة من البويضات الملقحة مثلجة ومجمدة فإذا فشلت المحاولة الأولى أعاد الكرة ... وإذا نجحت المحاولة ... ماذا يتم في الأجنة المجمدة؟

стр. 280

سؤال أثار ضجة كبرى في الإعلام الغربي ومناقشات حامية. هل يسمح بإجراء التجارب على هذه الأجنة وذلك قد يفيد الإنسانية في معرفة الأمراض الوراثية والمتعلقة بالصبغيات وغيرها أم ترمى الأجنة. وإلى أي يوم يمكن تنمية هذه الأجنة واستخدامها في المختبر؟ قضية أخلاقية ودينية شائكة. وفي بريطانيا تكونت لجنة من البرلمان وبعض المختصين ورجال الدين عرفت باسم وارنك Wamock وأنيط بها دراسة هذه المشكلة. واقترحت هذه اللجنة بعد خلاف طويل حاد بين أعضائها أن استخدام الأجنة يسمح به لمدة أسبوعين فقط. وذلك قبل أن تتشكل أول بداية للجهاز العصبي الذي يناط به تكوين الدماغ والنخاع الشوكي والإحساس. وتفرعت مشاكل عديدة، كلها جديدة مثيرة تستحق الدرس والبحث ...وإذا كانت هذه المشاكل لا تزال في الغرب فإنها ستفد إلينا في القريب العاجل بل إن بعضها قد وفد بالفعل. وأعلنت إحدى المستشفيات الخاصة في جدة قيامها بمشروع طفل الأنابيب حسب الشريعة الإسلامية!! كما تم توليد أول امرأة سعودية تحمل بواسطة الأنابيب في جدة في مستشفى جامعة الملك عبد العزيز وذلك بعد أن تم التلقيح في بريطانيا. وأما بالنسبة للتلقيح الاصطناعي فليست هناك مشكلة في الغرب. يتبرع المانح بمائه فيحفظ في بنك المنى ... ثم تأخذه امرأة ما. طبعا غير زوجته ... وقد تكون غير متزوجه أصلا ... وهناك موجة من نكاح الاستبضاع الذي كان معروفا في الجاهلية والذي وصفته السيدة عائشة ﵂ في حديثها عن أنواع النكاح والذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. ونكاح الاستبضاع هو أن يعتزل الرجل زوجته ويرسلها إلى شخص أشتهر بالذكاء والقوة فينام معها عدة أيام وليال حتى يتبين حملها فإذا تبين حملها منه أتاها زوجها إن شاء ... وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ... وهذا ما تقوم به شركات متخصصة في الولايات المتحدة الآن .... تأخذ منى العباقرة والحائزين على جوائز نوبل وغيرهم، وتحتفظ به في ثلاجاتها. وتعطيه لمن تطلب وتدفع الثمن ... وقد يذهب الزوج إلى الحرب كما حصل في فيتنام وهو يريد الولد فيدفع بمنيه إلى البنك لتلقح به زوجته في الوقت المناسب فتحبل منه وهو في فيتنام أو بعد وفاته وانتقاله إلى العالم الآخر.

стр. 281

وتقول النيوزويك (١٨ مارس ١٩٨٥) أن هناك ما لا يقل عن ربع مليون طفل ولدوا نتيجة التلقيح الصناعي بماء غير ماء آبائهم (١) . ولا غضاضة عند هؤلاء القوم في كل هذا فالفوضى الجنسية ضاربة أطنابها ونادرا ما يستطيع الشخص هناك أن يجزم بأن فلانا أبوه ... لشيوع الزنى .... فأكثر من ٨ % من الزوجات اعترفن بخيانة أزواجهن .... ومثل هذا العدد من الرجال يخون زوجته (٢) . والتبني نظام شائع معترف به، ولا غضاضة فيه. والأم تبيع طفلها في المحكمة وتتنازل عنه لأسرة تدفع لها ثمنا وتأخذ منها وليدها ... فلا ينسب بعد ذلك إلا لمن تبناه ورباه. طفل الأنبوب: ما هو؟ ولماذا؟ وكيف يتم؟ وما هي محاذيره؟ فكرة طفل الأنبوب: إن فكرة طفل الأنبوب في حد ذاتها سهلة ميسورة، وتعتمد الفكرة على أخذ البويضة (الأصح البييضة) من المرأة عند خروجها من المبيض وذلك بواسطة مسبار خاص يدخله الطبيب في تجويف البطن عند موعد خروج البييضة من المبيض فيلتقطها ثم يضعها في طبق بيتري Petri dish وليس أنبوبا كما شائع. وفي هذا الطبق سائل فسيوليجي مناسب لبقاء البييضة ونموها. ثم يؤخذ منى الرجل ويوضع في الطبق مع البييضة ... فإذا ما تم تلقيح البويضة بأحد الحيوانات المنوية Spermatozoa وذلك يمكن مشاهدته تحت الميكروسكوب تركت هذه البييضة الملقحة لتنقسم انقساماتها المعروفة المتتالية. الخلية الأمشاج (الزيجوت) المكونة من التحام نواة البييضة ونواة الحيوان المنوي تنقسم فتصبح الخلية خليتان .... والخليتان أربع .... والأربع ثمان وتدخل فيما يعرف باسم مرحلة التوتة Morula لأنها تشبه ثمرة التوتة المعروفة. عند ذاك تأخذ هذه التوتة التي سرعان ما تتحول إلى ما يعرف بالكرة الجرثومية Blastula ويحدث في داخلها تجويف كما هو موجود في الكرة ويمتلأ التجويف بسائل وتوضع هذه الكرة في جدار الرحم حيث تتغرز فيه وتنمو نمو الحمل الطبيعي حتى الولادة. والمدة التي تبقى فيها البييضة في الطبق لا تعدو يومين أو ثلاثة ففي أول حالة طفل أنبوب أخذ الدكتور باتريك استبتو بويضة الأم ليزلي براون في ١٠ نوفمبر ١٩٧٧ ووضعها في الطبق الذي حضر محلوله الدكتور روبرت ادواردز وبعد أن قاما بتلقيح البويضة أعادها الدكتور استبتو إلى رحم الأم ليزلي براون في ١٢ نوفمبر ١٩٧٧ وفي ٢٥ يوليه ١٩٧٨ ولدت لويزا براون أول طفلة أنبوب في العالم والتي أثارت ضجة كبرى في جميع أجهزة الإعلام وفتحت صفحة جديدة في تاريخ التناسل البشري.

стр. 282

هذه هي الفكرة ببساطة: أخذ البويضة من الأم في الوقت المناسب وتلقيحها في الطبق وإعادتها إلى الرحم بعد يومين أو ثلاثة لتنمو نموا طبيعيا وتلد ولادة طبيعية أو بالعملية القيصرية كما يولد ملايين الأطفال في كل عام. الفكرة بسيطة سهلة ميسورة. ولكن التنفيذ هو العسير ويحتاج إلى دقة ومهارة ومع هذا فإن ٩٠ % من محاولات الاستيلاد بطريق طفل الأنبوب تفشل (١) . (٢) هذه الصعوبات تتلخص في الآتي: ١- معرفة موعد خروج البويضة أو البويضات من المبيض ... وهذا يستدعى أولا إعطاء المرأة مجموعة من العقاقير أشهرها الكلوميد Clomide التي تجعل المبيض يفرز عددا من البويضات في الشهر الواحد بدلا من بيضة واحدة. ويستدعى ثانية دراسة كاملة للأم ومعرفة موعد الأبياض ... حتى يتم إدخالها المستشفى في الموعد المناسب وإدخال منظار البطن ورؤية المبيض ثم التقاط البييضات وهي عملية فنية قد تكتنفها صعوبات نتيجة التهابات القناة الرحمية وما حولها أو التهاب سابق بالمبيض أو وجود تليف إلى آخر قائمة الصعوبات الفنية.

стр. 283

٢- بعد أن يتم شفط البييضات ينبغي أن توضع في محلول فسيوليجي مناسب لنموها وبقائها فيه ... وتركيب هذا المحلول ليس يسيرا بل يحتاج إلى تقنية عالية ... ومهارة فائقة. ٣- تلقيح البييضات وملاحظة مرورهن بمراحل النمو حتى يصلن إلى مرحلة التوتة Morula أو الكرة الجرثومية Blastula. ٤- إعادة غرز البييضات في الرحم. وعادة ما توضع أكثر من بييضة ملقحة في الرحم لأن الرحم عادة يلفظ هذه البويضات ... كلما زاد عدد البييضات المغروزة في الرحم كلما زاد الاحتمال بنجاح نمو واحد منهن إلى مرحلة الجنين والحمل والوليد. ولكن هذا في حد ذاته يعتبر أحد العوائق إذ يتم فجأة ما ليس في الحسبان حيث تنمو أربع أو ست بويضات ملقحات إلى أجنة كاملة فتحمل المرأة حمل توائم متعددة وتلد أربعة أو ستة من الأطفال وحمل التوائم المتعددة له مخاطره على الأم وعلى الأجنة. ٥- وعادة ما يترك الطبيب مجموعة البييضات ملقحة بحيث إذا فشل نمو البييضات الموضوعة في الرحم يعاود الكرة مرة أخرى دون الحاجة إلى إدخال المنظار مرة أخرى إلى رطن المرأة وأخذ البويضات وشفطها. ٦- إذا نجحت جميع هذه الخطوات السابقة وتم الحمل ... تظهر مشكلة جديدة وهو ماذا يصنع بهذه البويضات الملقحة المجمدة ... هل ترمى؟ هل تستخدم لامرأة أخرى؟ هل تجرى عليها التجارب لمعرفة التكوينات المبكرة في النطفة الأمشاج (الزيجوت) ومرحلة التوتة ومرحلة الكرة الجرثومية وما بعدها؟ وإلى متى يسمح للأطباء بإجراء تجاربهم وبحوثهم على هذه الأجنة وإلى أي مرحلة من مراحل النمو تنمو ... ثم بعد ذلك تقتل؟ أليست حياة إنسانية ولو كانت في مهدها؟ أيحق للأطباء والعلماء أن يعبثوا بالحياة الإنسانية حتى في مهدها وحتى لو كان الغرض شريفا وهو العلم ومعرفة الأمراض والأسرار الوراثية.

стр. 284

وتكونت لجان وقامت دراسات وندوات وجلسات صاخبة في أوروبا والولايات المتحدة وفي بريطانيا تكونت لجنة وارنك Wamock مكونة من أطباء مختصين وقانونيين وأعضاء برلمان ورجال دين ... وأصدرت اللجنة قراراتها وكان من بين هذه القرارات أن التلقيح خارج الجسم ln Vitro Fertilization أمر تدعو إليه الحاجة ويحل مشكلات بعض الأسر التي تعاني من العقم ... وعليه فينبغي تشجيع هذه الأبحاث في هذا المجال. وبخصوص الأجنة الفائضة فقد سمحت اللجنة (بالأغلبية خمسة ضد صوتين) بإجراء التجارب على الأجنة الناتجة عن البويضات الملقحة الفائضة حتى اليوم الرابع عشر لنمو الجنين (١) (٢) ولكن النائب البرلماني اينك باول Enoch powell جمع أنصارا عديدين لإصدار قرار من البرلمان بمنع التجارب على الأجنة الإنسانية مطلقا (٣) . وقد حددت اللجنة اليوم الرابع عشر وذلك لأن الجنين يظهر فيه بعد ذلك الميزان العصبي Neural groove وهو البداية الأولى لتكون الجهاز العصبي .... ورغم أن الجهاز العصبي يبدأ العمل المبكر في اليوم الثاني والأربعين. وقد اختارت اللجنة اليوم الرابع عشر حتى تكون قد ابتعدت تماما عن بداية تكون الجهاز العصبي. والغريب حقا أن نجد علماء الإسلام القدماء قد بحثوا هذه النقطة الهامة والخطيرة قبل عدة قرون من ظهور المشكلة إلى السطح ... يقول ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن: (٤) . " فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟ قيل كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات. ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة. فلما نفخت (الروح) انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه ". وبذلك أعاد ابن القيم علامات نفخ الروح إلى وجود الإحساس وإلى وجود الحركة الإرادية وكلاهما لا يتم إلا بتكوين الجهاز العصبي.

стр. 285

ويقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وهو يتحدث عن أول ما يتشكل من أعضاء الجنين: " ولا حاجة له (أي الجنين) حينئذ إلى حس ولا حركة إرادية لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس (أي الروح) به " (١) . وهكذا ميز علماء الإسلام الأجلاء بين الحياة النباتية Vegetative life التي ليس فيها إلا النمو والاغتذاء والحياة الإنسانية Human life التي تتميز بوجود الحس والإرادة أي بتكون الجهاز العصبي. ورغم أن الحياة النباتية مقدمة للحياة الإنسانية ولها نوع احترام إلا أنها ليست كالحياة الإنسانية ولا تأخذ حكمها ... فهي أقل منها درجة، وهذا ما نبه إليه الفقهاء حتى الإمام الغزالي الذي كان متشددا في موضوع الإجهاض قال ما يلي في الأحياء (٢) : " وليس هذا (رأي العزل) كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على موجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة. وتستعد لقبول الحياة. وإفساد ذلك جناية. فإن صارت نطفة فعلقة كانت الجناية أفحش، وأن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا .... ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيا ". وهذه نظرة عميقة تدل على سعة فهم ... والشيء الجديد الذي حدث الآن بعد ظهور طفل الأنبوب هو أن أول مراتب الوجود أن تلقح البييضة بماء الرجل في طبق (أنبوب) وليس كما ذكر الإمام الغزالي أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة.
следующие страницы →