الشيخ معروف الدواليبي:
بسم الله الرحمن الرحيم، سيادة الرئيس، إخواني المحترمين، إنني أعتقد وأرجو أن يسمح لي لا أقول بالإطالة، وإنما أن أركز على موضوع صندوق التضامن الإسلامي؛ لأنني شاهدته وعملت فيه منذ يوم تأسست هذه المنظمة، وأعرف كنه الصعوبات، ويتوقف اليوم حياة المنظمة فيما أعتقد كلها على فكرة التضامن الإسلامي، كيف نحققه؟ وعندما كنا في مؤتمر مقديشيو في سنة ١٩٦٤ برئاسة المرحوم الحاج أمين الحسيني، وكان الرئيس الأول للصومال آدم عثمان، وبدعوته أقيم ذلك المؤتمر، فحضر ممثلو العالم الإسلامي على مستوى الشعوب، فهذا كان يشكو التنصير، هذا يشكو الفقر، هذا يشكو الجهل، هذا يشكو الاستعمار، فوقفت وقلت: إننا أمام جدار مكة، وماذا نصنع نحن معشر الشعوب؟ يجب على الدول الإسلامية أن يسمعوا ما نسمع، ولكنني أعرف أن الدول الإسلامية لن تجتمع تحت اسم الإسلام، ولكن علينا أن نجد طريقة حكيمة لجمعها. فقلت: لا بد من دعوة رؤساء الدول الإسلامية وإقامة صندوق للتنمية، وإقامة وكالة أنباء عالمية تقف إلى جانب وكالة يونايتدبريس، والأسوشيتدبريس، وأجنس فرانس بريس إلى آخره؛ لأن كل شيء إسلامي يشوه أو يخون. فهذه العناصر الثلاثة يجب تحقيقها. فقدمت اقتراحا بذلك وتبنته الصومال عندئذ آدم عثمان، ولكنها كانت حديثة العهد، وقال: نحن دولة فقيرة وحديثة العهد، أنا أتبناه باسم الدولة. ولكنه وقد نودي بالملك فيصل ﵀ ملكا، فدعوني أن أذاكره إذا كان هو يتحمل. فقبلنا الفكرة بمنتهى الفرح، وتقبلها فيصل، ودعي مؤتمر الرابطة في دورته الثانية، عرضت عليه الأمر، فأنشأ المؤتمر أو أخذ يدعو الحقيقة للمؤتمر، ولكن قامت صعوبات، فكان هنالك من يقول: هذا مؤتمر استسلامي، وليس مؤتمرا إسلاميا؛ لأنه حدث حريق المسجد الأقصى والعالم كله تأثر، وثار على فكرة الحريق قادة حركة اليونسكو باعتبارها آثارا، والعالم كله كان يذكر هذا الحريق بالويل والثبور على من أحرقه، فاجتمع العالم الإسلامي عندئذ على حياء في مراكش في الرباط، واجتمعت ١٨ دولة، وإذا بهذا الاجتماع يخرج عن بيان، وأرادوا أن ينصرفوا فوقف ذلك العملاق فيصل، وقال: إلى أين تنصرفون؟ قالوا: المؤتمر وضعنا بيانه. فقال: لا بد من إيجاد منظمة. قالوا: لن نجتمع، ارفعوا لفظ الإسلام، وعندئذ نعمل منظمة. اسمحوا لي أن أشرح بعض النقاط، وكيف يمكن التغلب عليها فيما أرى. فقال: لا بد من كلمة الإسلام، فمن شاء فليبق، ومن شاء فليخرج.
وتقرر وضع دستور لهذه المنظمة. بعد شهرين اجتمعنا في جدة ١٨، نقص منهم ٦، فاجتمعنا ١٢ دولة، عادت الفكرة من جديد، تخلف ٦ رفضوا الاجتماع، لا يقبلون، اجتمعنا ١٢ وقف أربعة منهم يقولون أيضا وضع بعد الدستور: ارفعوا لفظ الإسلام، وكان هنالك من يقول: أنا علماني، وهذا يقول: اشتراكي، إلى آخره، فوقف أيضا فيصل وأعطى الأوامر لوفده، قال: المنظمة يجب أن تشتمل على لفظة إسلامي، شاؤوا أو كرهوا، ولو بقينا وحدنا. فانسحب أيضا يا إخوان من ١٢ أربعة، فبقيت ثماني دول، ولكن الاقتراح اقتضى أن نضع بنك التنمية، وكانت الخيرات ابتدأت على الدولة العربية من البترول، فلما وضع بعد سنتين الدستور، ونشأ بنك التنمية، واشترطنا في نظامه ألا يستفيد منه إلا من يدخل في المنظمة السياسية، وإذا بهذه الدول ترتفع من ثمانية اليوم إلى ٤٤ دولة، لما وضع الدستور كانت المشكلة كيف نمول المنظمة، الواقع قلت: سيكون تمويل المنظمة لبقائها تعرضه نفس المشكلات التي تعرض الأمم المتحدة، هذه تغضب إذا لم ينفذ مطالبها، وتوقف مخصصاتها.
وهكذا أخذ يتعثر مورد المنظمة بنفسه، فقدمت أيضا اقتراحا على أساس إيجاد ما يمكن من الوحدة النقدية، فلنطلق عليها مثلا الآن الدولار الإسلامي، ولكن فلنمول هذه المنظمة أولا عن طريق الشعوب؛ فإن اليهود من عشرة ملايين يجمعون من كل يهودي في العالم مائتي دولار وسطيا، ومعنى ذلك الوكالة اليهودية تجمع كما اطلعت على بعض الوثائق ملياري دولار من اليهود في العالم بوسطية أن كل واحد لازم يدفع ٢٠٠، طبعا فيه منهم من لا يدفع، فيه منهم من يدفع أكثر، ولكن يجمعون ٢٠٠ مليون دولار، ويخصصون منها ٧٥ % للجباة، للمنظمات المحلية، ويصلهم نصف مليون دولار، فهم أقاموا نصف مليون دولار إسرائيلي، ولا تزال مع وجود إسرائيل الدولة القائمة. فقلت: نحن عددنا مليار، فلماذا لا نقوم بفكرة الدولار الإسلامي، كوحدة نقدية نسميها ما شئنا، ولكن نقول لكل مسلم في العالم: عليه أن يدفع دولارا في السنة، ولو صام في النهار، وإذا المنظمة قامت هي بإيجاد هذه الصناديق في كل بلد إسلامي مستقل، هذا الصندوق غير أنه تحت إشراف الحكومة فإنني أعتقد أن هذا المال سيبلغ مليار دولار، وليس ٣ ملايين دولار. في ذلك الوقت ابتدأت المنظمة بثلاثة ملايين، وهنالك من يدفع، وهنالك من لا يدفع حتى الآن، بطبيعة الحال، الحاجة اقتضت أن يكون هنالك صندوق، هنالك أن يكون مركز للدراسات والبحوث، هنالك مركز للتكنولوجيا، وأذكر أنني دعيت من قبل المنظمة لإقامة ندوة في مالي حول حقوق الإنسان، فوقف أحد المجتمعين، وكانت الندوة برئاسة الحكومة، وقام أحد إخواننا من أفريقيا، أظنه ليس من مالي، قد يكون من جهة أخرى، وقال: نحن ماذا نستفيد من الدول الإسلامية؟ فنحن إسرائيل هي تطبع لنا المصاحف وتعطيها لنا. فقلت له: أنت أشك في لونك. وكان أسمر. انظروا في لوني. قلت له: انظر ماذا تصنع إسرائيل في جنوب أفريقيا؟ فلا تريد أن يكون لكم حكم، ولكن قال: نحن في حاجة، فإسرائيل بالفعل زورت المصاحف، وطبعت كميات كبيرة للسنغال، فحذفت كل ما هنالك من آيات تتعلق ببني إسرائيل، حتى انتبه إليها الملك فيصل، ﵀، فأمر بطباعة القرآن وتوزيعه للصومال وغيرها.
стр. 3222
فالآن نحن يا إخوان، هذا المجمع كنا أيضا نفكر فيه في سوريا كشباب، وصاحب الفكرة فيه العلامة الكبير أخونا مصطفى الزرقاء، ولما جاءت بي الظروف التي أحمد الله عليها هذه المملكة بدعوة من الملك فيصل، نقلنا الفكرة، فحققت فحققه عن طريق الرابطة، ولما وجدت المنظمة وجدنا أن يكون المجمع له صفة دولية، على مستوى الدول، فتحقق مجمعكم.
فالآن التضامن كما قلت، لكن يقف هذا الأخ الأفريقي ويقول: ماذا نستفيد نحن؟ فهم في حاجة إلى جامعات، في حاجة إلى مؤسسات ومساع، وأعمال ومساعدات مختلفة، فإذا لم نستطع، وأنا لي تجربة في قضية الجباية الشعبية، لما جاءني المرحوم الشيخ محمد الإبراهيمي وعلال الفاسي في سنة ٦٤ وكنا راجعين نتيجة انقلاب زال ورجعنا إلى الحكم، فقلت: لا بد من إحداث ثورة في شمال أفريقيا، على أن تنتظم بين الجزائر وتونس ومراكش، وأنا جئت وقمت بأسبوع الجزائر، ولسنا في ذلك الوقت نملك ما نستطيع أن نؤديه لإخواننا الجزائريين، ولا مائة ألف ليرة سورية، فقلت: أسبوع الجزائر، فلنجمع من شعب سوريا، وكل فرد يدفع ليرة سورية في ذلك الأسبوع، فوضعنا المشروع تحت رئاسة المرحوم شكري القوتلي، وكنت وزير الدفاع، وعملنا نشرات عن طريق الجيش، وإذا بالشعب كان يتحمس، أنا أذكر كانت تأتي النساء فتنزع حليها وتدفعها إلى الصندوق، فكانت هي النواة للثورة الجزائرية، ومن هنا بعد ذلك ابتدأت أسبوع الجزائر في أمكنة أخرى.
فيا إخواننا مجمعكم هذ االذي يضم على مستوى الدول ممثليها وإخوانكم، من العاملين معكم، من خبراء وإلى آخره، أعتقد أننا لو أخذنا قرارا بصفتكم كمجمع علمي، بدعوتكم لكل مسلم أن يساهم في التضامن الإسلامي، وأن نبدأ بأقرب الدول إلينا، كمثل هنا المجمع يبدأ بالمملكة، نفتح هذا الصندوق تحت إشراف الدولة، ولكن هنالك كل مواطن نطلب منه أن يدفع ريالا، فأنا متأكد على عشرة ملايين، سوف يأتيكم فوق العشرة ملايين إلى صندوقكم، فنبدأ شيئا فشيئا، وكلما أمكنا إيجاد مندوب عندئذ يمكن أن يتحقق هذا المبلغ، ولا نلبث حتى نجمع المليار دولار، فنترك ٢٥ % للجمعيات المحلية لتستفيد منها، جمعنا عشرة ملايين، نقول: خذوا مليونين ونصف، أنفقوها على حاجاتكم، ولكن البقية تأتي إلى المجمع الفقهي، والمجمع الفقهي عندئذ هو الذي يشرف عليه كهيئة علمية ويدفعه إلى صندوق التضامن، ليستطيع صندوق التضامن عندئذ أن يقوم فيمول المنظمة نفسها.
تعلمون أن المنظمة حتى الآن ليس لها دار، فلولا أن المملكة قامت ببناء دار لها وبأرضها لما كان لها. ونحن نجتمع الآن كما تفضل سيادة الأمين العام بالمعونات التي تفضلت بها المملكة، فلو أوجدنا رأسمال إسلامي لقضايانا. ولا بأس أن نقلد خصومنا وأعداءنا، فبالملياري دولار الذي يجمعونها من اليهود حتى الآن هذان الملياران تجمع.
فنحن نستطيع أن نجمع هذين المليارين من العالم الإسلامي بشكل أسهل. ولذلك أرجو أن تبحثوا عن قضية.
قضية الزكاة أن لا نمسها، ولكن التضامن الإسلامي في حاجة من العالم الإسلامي أن يشحن بالإعلام من قبل إخواننا العلماء هنا، فيصدر بيان قوي وعزمكم على تأسيس هذا الصندوق وجربوا. فأسسوه أولا في المملكة وفي بعض البلاد الحاضرة الآن التي تحب أن تشارك مثلا الأردن أو مصر. وإنني متأكد أنكم ستجمعون المبالغ التي يمكن أن تسعف صندوق التضامن. حضرت صندوق التضامن، فعندما ينادي أن هنالك حاجة إلى جامع فهنا تبدأ التبرعات، ولكن بعد التنفيذ لا يبقى إلا القليل الذي يدفع سيأتي وتتغير الظروف. فلنمول إذن صندوق التضامن في رأيي عن طريق الشعوب الإسلامية، وذلك بشكل منظم، ونبدأ به بأقرب الدول إلينا.
وشكرا لكم على إطالتي الكلمة؛ لأننا إذا لم نوجد هذا الصندوق وهو بعيد فابدأوا بصندوق الزكاة لأهله، ولكن علينا أن نشعر كل مسلم في العالم ولو فقيرا، فليصم نهاره وليدفع دولارا، فدعوة من علماء المسلمين بوجوب أن يتحسس كل مسلم بما يتوجب عليه من نشاط وعمل إسلامي، فالمصيبة والكارثة واليهودية العالمية التي الآن تثير المشاكل والإعلام ضدنا في كل مكان وتموله بطرق مختلفة مما تستطيع أن تموله ونحن نستطيع أن نمول إعلاما حقيقيا للإنسانية، لا ضد أحد من الناس. وشكرا لكم.
стр. 3223
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وبعد،
فأشكر سماحة الرئيس على إتاحته لي هذه الفرصة المباركة، كما أشكر معالي الدكتور معروف الدواليبي على ما أعطانا من فكرة عن نشأة التضامن الإسلامي، وما تفرغ عنه من شعب، ومنها صندوق التضامن الإسلامي.
في الواقع لقد استمعت إلى ملخص البحوث الثلاثة التي قدمها الإخوة جزاهم الله خيرا، كما استمعت إلى التعليقات ممن علق من الزملاء على مسألة صرف الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي، كما اطلعت على اللائحة التفسيرية لصندوق التضامن الإسلامي، وعلى نظامه، وعلى البيانات المرفقة، بما يشعر بنشاطه وموقف الدول من هذا الصندوق.
في الواقع لقد استبشرت وفرحت فرحا كبيرا بالروح الإسلامية التي دعت على إيجاد هذا الصندوق من دول منظمة المؤتمر الإسلامي، وهو في الواقع يجسد التضامن الإسلامي، لكني في الواقع صدمت حينما رأيت المواقف السلبية، أو شبه السلبية من دول المنظمة.
فأولا إذا نظرنا إلى موقف هذه الدول من تبرعهم نجد أن الدول التي قامت بالتبرع لا تتجاوز عشر دول، وقد نجد من بين هذه الدول من تبرع بتبرع هو في الواقع قد يخجل منه رجل أعمال متوسط الحال. فهذا في الواقع موقف لا يبشر بالخير. ونأمل أن تعيد الدول موقفها من هذا التضامن الإسلامي أو من هذه الصندوق. الصندوق الذي له أثره في سبيل رأب كل حادثة من الحوادث، أو كل نازلة من النوازل، أو كل كارثة من الكوارث التي تحل بالعالم الإسلامي. هذا في الواقع ناحية.
ناحية ثانية وهو ما يتعلق بموضوع الزكاة، وهو موضوع البحث، لا شك أن الزكاة، الله تولى بيان مصارفها، وذكر أن من مصارفها سبيل الله، وسبيل الله قد اختلف العلماء ﵏ في مدلوله وفي مفهومه، فاتجه غالبهم وجمهورهم إلى حصره في الجهاد وفي مشتقات الجهاد، على خلاف بينهم فيمن يستحق الصرف من المشتغلين بالجهاد في سبيل الله، واستدلوا على هذا بدليلين:
الدليل الأول: هو أن المستقرئ لكتاب الله يجد أن سبيل الله دائما يعبر عنه بما يتعلق بالجهاد، ولا يوجد أو في الغالب لا يوجد أي تعبير يخرج عن الجهاد في سبيل الله؛ لأن السياق يدل على ذلك.
стр. 3224
الدليل الثاني: الناحية التطبيقية العملية، فالناحية التطبيقية العملية في الصدر الأول من الإسلام لا يعرف أن هناك نوعا من الزكاة صرفت في مصارف أخرى غير من عينهم الله ، وهي المصارف الثمانية، ومن ذلك سبيل الله. وسبيل الله خاص بالجهاد في سبيل الله، هناك مجموعة من أهل العلم، وإن كانوا في الواقع بالنسبة إلى القائلين بالقول الأول هم قلة، إلا أنهم اتجهوا أو قالوا بصرف الزكاة، أو بالتوسع لمدلول مفهوم قوله : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقالوا: إن سبيل الله أكثر من أن يحصر في أمر معين، واستدلوا على ذلك بمجموعة أمور:
الأمر الأول: أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ ، واستأذنه في الحج، وطلب منه المعونة، فرسول الله ﷺ وجهه إلى الحج، فاعتذر بأنه ليس له ظهر إلا جملا أنفقه في سبيل الله، فقال ﷺ : ((إن الحج من سبيل الله)) .
ثم هناك حديث أو أثر جاء في صحيح البخاري فيما أعلم ورواه ابن عباس موقوفا، ولكن له حكم الرفع. ثم كذلك كلمة في سبيل الله الواردة في حديث رسول الله ﷺ ، من أن الحج من سبيل الله، وفي الأثر الموقوف على ابن عباس ﵁ بأن العتق في سبيل الله يقضي أن (من) تبعيضية.
هذه في الواقع هي نفس الأدلة التي استدل بها القانون بأن سبيل الله أعظم أو أوسع من أن يحصر في موضوع معين. الواقع أن المسألة ممكن أن نقول بأنه نظرا لأن العبادة ينبغي أن يحتاط لها الاحتياط الكامل، وألا يتصرف فيها إلا التصرف الذي فيه البراءة الكاملة، ونظرا إلى أن الأخذ بالحصر أو بتضييق في الجهاد في سبيل الله فيه شيء من الاحتياط للعبادة، وفيه شيء من الخروج من خلاف من لم يدفع الزكاة إلى غير من عينه الله ، ومن ذلك سبيل الله الذي اتجه جمهور أهل العلم على حصره في الجهاد في سبيل الله.
стр. 3225
ثم هناك أمر ثالث، وهو أنه يخشى من التوسع في صرف أموال هذا الصندوق حينما نصرف الزكاة فيه يخشى أن يتوسع في صرفه إلى أمور ليست من الزكاة في شيء، كما رأينا في المذكرة التفصيلية بأنه صرف على الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري، صرف عليه أكثر من ثمانية ملايين، وهو في الواقع من صندوق التضامن الإسلامي. هذا في الواقع يقضي بأننا نحتاط الاحتياط التام لهذه العبادة، ولا شك أن التضامن الإسلامي وصندوق التضامن الإسلامي له أثره وله قيمته وله اعتباره، ولا يمكن التقليل منه.
ويمكن أن نأخذ بما تفضل به معالي الدكتور معروف الدواليبي من أن نوجد مشروع دينار إسلامي على كل مسلم. وهذا فيه خير كثير، وسيعطي عطاء جزلا، وسيغني عن دفع الزكاة في هذا الصندوق. كما أنني أقترح أن يصدر من المجمع توصية للدول الإسلامية في أن تعنى بهذا الصندوق العناية التامة، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تفي بما أقدمت على إقراره واعتباره، بأن تعطي عطاء جزلا، فنحن يا إخواني لو نظرنا إلى ما تنفقه الدول الإسلامية على ما يتعلق بالرياضة وتشجيع الرياضة لوجدنا أنها تنفق الأموال الكثيرة التي يمكن أن تغني المسلمين وتغنيهم عن مشكلهم، ومع هذا يوجد البخل على هذا المشروع الذي فيه الخير.
نحن لو نظرنا إلى الأموال التي صرفت من صندوق التضامن الإسلامي في المذكرة التفصيلية لوجدنا أنه صرف على المساجد أكثر من مائة وخمسين مسجدا، وعلى أكثر من مائة وخمسين مدرسة، وعلى جمعيات خيرية، والحاصل أنه صرف في سبيل الشيء الكثير، فينبغي لنا أن نجمع بين العناية بصنوق التضامن الإسلامي وألا نفرط في عبادة من العبادات التي أمرنا الله بها، والتي هي أحد أركان الإسلام. هذا وأشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3226
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
بعد شكري للباحثين على بحوثهم القيمة النافعة. الحقيقة أكتفي بما قاله الأستاذ الذي سبقني بأن نترك أمر الزكاة لصناديق الزكاة المتخصصة لذلك في الدول الإسلامية المتفرقة، ونوصي الدول الإسلامية بإعانة صندوق التضامن من الدول الإسلامية القادرة على ذلك؛ حتى نمكن هذا الصندوق من القيام بمهامه.
أما الزكاة فهي أمر تعبدي، ولا يستطيع الإنسان في الحقيقة أن يفرط في هذا الأمر. فيجب أن يترك أمر الزكاة للمزكي نفسه، ثم إن الوكالة حقيقة جائزة، ولكن ليس من شئوننا أن نزكي الوكيل، الوكيل يزكية القاضي وليس نحن. ثم بالنسبة إلى لكوارث والطوارئ الحقيقة على صندوق التضامن أن يعلن لعموم المسلمين الأمة الإسلامية عندما تحصل كارثة، أو يحصل عمل في الحقيقة يشحذ همتهم فيتبرعوا ويترك للمسلمين السبيل إلى إيصال هذا التبرع. ليس بالضرورة أن يوصل التبرع إلا عن طريق هذا الصندوق. نحن في الكويت عندنا بيت الزكاة، وعندنا أيضا المشروع الذي أشار إليه الأخ الدكتور معروف الدواليبي، وسميناها الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وقلنا: كل مسلم يدفع دينارا أو دولارا. الحقيقة جمعنا ما لا يقل عن ثمان ملايين أو ٩ ملايين دولار، يعني جمعنا تقريبا ١٨ مليون دولارا، أنفق ٩ ملايين منها في آسيا وفي أفريقيا على البلاد الإسلامية. ولا مانع في الحقيقة من أن نوصي بأن يساعد المسلمون حكاما ومحكومين صندوق التضامن، ولكن ليس من الزكاة. ثم لي ملاحظة في الحقيقة أخشى أن الزكاة أيضا يفهم منها أن تجمع في صندوق وتتأخر أكثر من سنة، فالزكاة عندما تجمع يجب أن تنفق في خلال السنة وألا تتأخر أكثر من ذلك. وشكر الله لكم.
стр. 3227
الشيخ عبد السلام داوي العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أرجو أن يسمح لي سيادة الرئيس أن أتكلم قليلا فيما يتعلق بمنهج المناقشة حول هذا الموضوع وغيره. أقر مجلس المجمع في جلسته أمس جدول الأعمال، وقد عدت إليه الآن ووجدت أن موضع صرف الزكاة عن طريق وليس لصالح، كما رجح الإخوة الكرام، صندوق التضامن الإسلامي كان مكانه الجلسة الخامسة أمس، فهو قد جار على الجلسة الصباحية لهذا اليوم. لو ظللنا في هذا النقاش لجار أيضا على الجلسة المسائية. فالأصل في تنظيم هذا العمل لتنتهي هذه الدورة بعون الله وتوفيقه بإنجازات علمية ينتظرها المسلمون، أن تضبط الجلسات في إطار جدول الأعمال الذي أقر، وأي تعديل على جدول الأعمال يجب أن يكون بقرار من المجلس، وهذه نقطة نظام يجب أن تراعى وإلا فإننا سندخل على موضوعاتنا بطريقة غير سليمة.
النقطة الثانية: وهي تتعلق بنظام إدارة الجلسات. ما ركز عليه بعض الإخوة الكرام من تحديد محل النزاع، تحديد نقطة البحث؛ لأن تحديد نقطة البحث يوفر وقتا وجهدا للسادة الباحثين والمناقشين. وعلى رئاسة الجلسة عند ذلك أن تنبه لأي خروج عن نقطة البحث التي حددت. وقد لاحظنا في هذا الذي جرى اليوم أن كثيرا من النقاش كان خارج محل النزاع ولا علاقة له بالموضوع؛ لأن المطروح في أصل المسألة كما فهمناها في دورة عمان لأن هذه قضية مؤجلة من دورة عمان، وهو هل يجوز أن يصدر عن هذا المجلس فتوى بجواز صرف الزكاة لصندوق التضامن. لم يكن هنالك أي نقاش أن يتولى صندوق التضامن عملية جمع الزكاة في العالم الإسلامي كله. هذا أمر مستحيل وغير وارد، ولم يطرح أصلا على البحث. لم يقصد بهذا الموضوع بحث قضية أن صندوق التضامن سيقوم بإلزام المسلمين على جمع الزكاة. يعني هنالك قضايا كثيرة أطيل في نقاشها لم تكن مطروحة أصلا.
أنا أقول في هذه القضية إذا سمحتم لي: أمام أيضا ما جرى في دورة عمان من توصية لهذا المجمع الكريم، أمام ما تم بيانه من معاناة المسلمين في كثير من بلادهم من مشكلات الجوع والفقر والكوارث وغير ذلك، أوصي هذا المجمع بتشكيل هيئة إغاثة إسلامية أو التفكير بصيغة لتحقيق معنى هذه الإغاثة. فإذا جاء إلينا صندوق تمثل فيه جميع الدول الإسلامية، وقال: إن من برامجه إغاثة المسلمين والعمل على مساعدتهم في كوارثهم. نحن أمام هذه المسألة هل يجوز أن تدفع الزكاة لهذا الصندوق؟ ينظر إذا كان في أعماله ما هو خارج قضية الزكاة، لا بد أن ننص بكل وضوح على أن الدفع يجب أن يكون فقط في إطار المصارف المقررة شرعا لهذا. والقضية لا تحتاج إلى أكثر من هذا. ويمكن أن ننصح لعملية الضبط، وحتى لا تتداخل. نقول للصندوق: حتى نصدر هذه الفتوى يجب عليك أن تصدر تعليمات إدارية تقول بفتح حساب مالي مستقل لديك، حساب للزكاة، توضع فيه حصيلة ما يرد من زكوات، ويجري الإنفاق من هذه الزكوات على ما هو من مصارف الزكاة، ولا أدخل في قضية (في سبيل الله) . وأطيل في هذه القضية، حتى لو ضيقت وأخذت بأقل الآراء الفقهية في هذا المجال توسعا؛ فإن في مصارف الصندوق ما هو داخل في إطار المضيقين، إنما كل ما في الأمر أضبط هذه القضية بأن ذلك يجب أن يكون في إطار الزكاة، ولا مانع أن أفعل مثل ما فعلت بعض البنوك الإسلامية أو معظمها من أن أقول في فتواي: إنه لا بد من تشكيل لجنة فقهية مستشارة لصندوق التضامن للتأكد من أن أي مشروع يريد أن يتبناه الصندوق للإنفاق يدخل ضمن مصارف الصندوق.
بقيت قضية أخرى: بعض الدول الإسلامية أصدرت قوانين بجمع الزكاة. بالنسبة لهذه الدول الدخول على الخط بأن نقول لمواطنيها: يجوز أن تدفعوا الزكاة لصندوق التضامن يتعارض مع قوانينها. إذن لا بد أن تكون فتوانا محتاطة؛ لأنه كما تعلمون من الناحية الفقهية، نعم صحيح عثمان بن عفان وكل مالكي الأموال الباطنة مع من وكلهم في الدفع، لكن كلهم أجمعوا على أن للإمام أن يجمع الزكاة وينظمها، بل يجب عليه إذا تأكد أن هناك من لا يقوم بدفع الزكاة أن يتدخل لجمعها وإنفاقها في مصارفها المقررة شرعا، فلذلك نقول في فتوانا: إنه في الدول التي لم تنظم أمر الزكاة، أو التي أوكلت لمواطنيها دفع الزكاة، كما هو في بعض البلاد، للمسلمين في تلك الدول أن يقوموا بدفع جزء من زكواتهم وفق ما يرونه في مصارف صندوق التضامن التي تندرج تحت مصارف الزكاة، وما الضير في ذلك؟ نعم، لا مانع من أن نشير بهذه المناسبة إلى ضرورة دعم الصندوق وأن تقدم له التبرعات، وأن يقوى التضامن الإسلامي.
لكن المسألة المعروضة علينا هي هذه القضية المحددة، فليس الموضوع موضوع تبرع، إنما الموضوع موضوع زكاة.
أعود في نهاية كلمتي إلى التأكيد على قضية نقطة النظام لنستطيع أن نوجز. وأقترح لتسهيل البحث أنه عندما تتم بلورة الخطوط العريضة في النقاش يحال الأمر إلى لجنة لإعداد توصية، ويختار من الأشخاص الذين كانوا هم لهم وجهات نظر في هذا الموضوع اقترحوها ليكون التداول أكثر تحديدا؛ لأن هذا الحفل الواسع لا يمكن في الواقع أن نطلق فيه العنان للملاحظات والمناقشات، إذن سيظل لقاؤنا لا نسميه مجلس مجمع فقه، نسميه مناقشات ومداولات حول قضايا فكرية مطروحة، وعند ذلك لا نحقق شيئا غير أننا تحاورنا، وهذا ليس هو المطلوب، المطلوب أن نبلور قضايا محددة فيما نحن متفقون عليه، وإذا كنا مختلفين نتناقش حتى نبلور هذه القضايا. وشكرا.
стр. 3228
الرئيس:
شكرا. في الواقع أن ما تفضل به فضيلة الشيخ عبد السلام العبادي هو عين الذي يتعين الالتزام به. وقد سبق في الجلسة المسائية في يوم السبت أن قدمت رجاء ولم أقدمه نظاما لعدد من الإخوة المتكلمين ألا يخرجوا عن موضوع البحث. وطالما أن الشيخ عبد السلام فتح الباب فأنا أحب أن أشير إضافة إلى ذلك إلى مسألة أخرى، وهو أن بعض أصحاب الفضيلة المشايخ الذين يأخذون الكلمة في المداولة يمضي نصف كلمة في الثناء على بحث قبله أو في الثناء على كلمة لشخص آخر إلى آخره. وهذا لا يحرر محل النزاع، ولا يبين مدرك الحكم الشرعي. وكلنا نتفق على الثناء وعلى التثنية على هذه الأشياء، لكن نحن نريد أن نستغل الوقت ونغتنم هذه اللحظات في تحرير هذه المسألة المطروحة أمامنا.
أما موضوع زحف بعض الموضوعات على موضوع آخر، بحيث إنه يخشى سقوط هذا الموضوع، فأظن أن هذا ليس في الوسع دائما أن نتحكم فيه، وفي جميع الدورات الثلاث التي مضت في هذا المجمع يكون مقررا لبعض البحوث جلسة فتستغرق جلسة قادمة، أو نصف جلسة قادمة؛ لأنه ليس في وسع المجمع أن يبت إلا بعد أن تتحرر وجهات النظر أو تتحرر القناعة في هذا. لكن مع هذا ينبغي الملاحظة ألا يسقط شيء، وألا يكون الزحف يتجاوزه دوره حتى لا تسقط هذه الموضوعات ولا ينقضي الوقت ونحن لم ننه شيئا من موضوعاتنا هذه.
بقي عندي من أصحاب الفضيلة الذين طلبوا الكلمة ستة من المشايخ، أرجو أن يوجزوا في القول. أو هل ترون نؤدي الزكاة ونعود؟
стр. 3229
مناقش:
فيه اقتراح ممكن. . المفروض الآن اختيار لجنة لحل المعضلة. المفروض الآن اختيار لجنة إذا تكرمتم بالإذن لي.
الرئيس:
إذن أرجو من أصحاب الفضيلة الذين بقي لهم كلمات أن يتنازلوا عنها؛ نظرا لضيق الوقت وحسما للموضوع. اتفضل يا شيخ.
الشيخ إبراهيم بشير الغويل:
هذه الملاحظة تتعلق بالنظام، إن كانت إدارة الجلسة ستسير بأن تترك لبعض أن يتحدث كما يشاء ويطيل، ثم تحجب الكلمة عن الآخرين، فذلك هو الظلم بعينه. أما أن يحدد من الأول الوقت وعدد المتكلمين ودقائق الكلمات، هناك كذا دقيقة للكلام، وهناك كذا متحدث، وسنوزع الكلام لمدة كذا دقيقة. إن لم يتم ذلك فلا يجوز حجب الكلمات عن أي من أعضاء المجلس وشكرا.
الرئيس:
على كل، نحن لا نريد أن ندخل موضوعا ينشأ عن موضوع آخر أجنبي عنه. فهل ترون نبت في هذا الموضوع، وأعلن ما اتجه إليه المجلس؟ الذين يتجهون إلى هذا أرجو رفع الأيدي..
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من خلال هذه المداولات من أصحاب الفضيلة أعضاء هذا المجمع حول صرف الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي، يبدو لنا أن المستخلص من وجهات النظر وجهتان، مع ما يحف بهما من توصيات هي محل اتفاق من الجميع فيما يظهر.
أما الوجهة الأولى: فتعلمون أن محل النزاع متحرر. وهو بحث مسألة صرف الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي. والنزاع هو في مدرك الحكم وفي متعلق الحكم ومنزعه. هل في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، يكون قصره على الغزاة أم يكون شاملا للمصارف الأخرى التي تفضل بها أصحاب الفضيلة الأعضاء في مناقشاتهم. والذي أحب أن أشير إليه هنا أنه قد حكى الإجماع غير واحد على قصر (وفي سبيل الله) على الغزاة، وأنه لا يشمل غيرهم، وأن الخلاف الذي حصل إنما هو خلاف بعد صدور الإجماع، أو بعد الإجماع، وأنه لا يعرف في هذا خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا بعد التابعين رحم الله الجميع. والمسألة الثانية ولهذا فإن أصحاب الفضيلة ربما يمثلون العدد الأكثر اتجهوا إلى أن يبقى قصر الآية على ما حكي عليه الإجماع أو ذهب إليه الأكثر تنزلا.
الاتجاه الثاني، وهو تأليف لجنة لتربط بين هذه المداولات التي أجراها المجمع وبين واقعية صندوق التضامن الإسلامي، وبين تعديل نظامه ولائحته فيما يتفق مع صرف الزكاة إليه، ولهذا فإنكم قد ترون مناسبا أن تتألف لجنة من كل المشايخ: تقي العثماني، طه العلواني، يوسف الجيري، عمر جاه، مصطفى الفيلالي. لأن هؤلاء يمثلون وجهات المداولة التي دارت في هذه الجلسة، وعلى ضوء التصور الذي ينتهون إليه يعرض عليكم في الجلسة الختامية، وتنتهون إلى إقرار ما ترونه مناسبا حسب المقتضى الشرعي، أو حسب ما تقتضيه الأناة والتثبت في هذا الموضوع، مع إضافة ما أشار إليه بعض أصحاب الفضيلة الأعضاء، وهو أن يصدر من المجمع توصية بالشد على صندوق التضامن الإسلامي، ومناشدة الدول بالوفاء بالتزاماتها معه، وعلى فكرة الدينار الإسلامي، والدعوة إليها وتجسيدها في نفوس المسلمين، ومن القليل يجتمع الكثير. وبهذا ننتهي، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3230
الأمين العام:
هذا الاقتراح جيد، لكن أريد أن ألاحظ أن الأستاذ الدكتور عبد السلام عبادي موجود في لجان أخرى، ربما تتكاثر الأوقات وتتزاحم فلا يستطيع المشاركة.
الرئيس:
نرجو من فضيلة الشيخ سيد طنطاوي أن يتفضل بالاشتراك مع هذه اللجنة، على أن يكون الشيخ طه هو مقرر هذه اللجنة.
مناقشة مشروع القرار الذي وضعته اللجنة
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
القرار رقم (٢) بعد الديباجة:
بعد اطلاع المجمع على المذكرة التفسيرية بشأن صندوق التضامن الإسلامي ووقفيته المقدمة إلى الدورة الثالثة للمجمع، وعلى الأبحاث الواردة إلى المجمع في دورته الحالية بخصوص موضوع صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي.
يوصي: عملا على تمكين صندوق التضامن الإسلامي من تحقيق أهدافه الخيرة المبينة في نظامه الأساسي، والتي أنشئ من أجلها، والتزاما بقرار القمة الإسلامي الثاني الذي نص على إنشاء هذا الصندوق
وتمويله من مساهمات الدول الأعضاء، ونظرا لعدم انتظام بعض الدول في تقديم مساعداتها له، يناشد المجمع الدول والحكومات والهيئات والموسرين المسلمين القيام بواجبهم في دعم موارد الصندوق بما يمكنه من تحقيق مقاصده النبيلة في خدمة الأمة الإسلامية.
ويقرر:
أولا: لا يجوز صرف أموال الزكاة لدعم وقفية صندوق التضامن الإسلامي؛ لأن في ذلك حبسا للزكاة عن مصارفها الشرعية المحددة في الكتاب الكريم.
стр. 3231
الرئيس:
لو سمحت يا شيخ لأن الإخوة خرجوا، فليس من العدل أن يبقى بعضهم ويخرج بعضهم من هذا موضوع مفروغ منه.
الشيخ محمد يوسف جيري:
أتذكر أننا بخصوص الديباجة صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي، أتذكر أن الإخوة رأوا أن نغير العبارة بدلا من صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي.
الرئيس:
فعلا، صرف الزكاة عن طريق.
الشيخ محمد تقي العثماني:
الموضوع المطروح هو لصالح صندوق التضامن الإسلامي.
الرئيس:
فعلا هذا الموضوع الذي طرح بهذا العنوان.
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
طبعا هو طرح بهذا العنوان الجزء الأول من القرار: لا يجوز صرف أموال الزكاة لدعم الصندوق، هذا يجعلنا نبقي على العنوان.
الرئيس:
بقاء العنوان أكثر دعما أولا. نعم ثانيا.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
هو كان في تصحيح يعني بدلا من " لأن في ذلك حبسا ": " لأن في وقف الزكاة حبسا لها عن مصارفها ".
الرئيس:
هو كله واحد. ماشي يا شيخ.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
حتى لا يتعارض مع قرار توظيف الزكاة في مشاريع؛ لأنه قرار توظيف الزكاة في مشاريع تبقى المشاريع على ما هي عليه.
стр. 3232
الرئيس:
لا يا شيخ خليه يمشي على وضعه. الفقرة تمشي على ما هي عليه.
الشيخ محمد علي التسخيري:
أنا أرجح أن نحذف التعليل؛ لأنه يمكن أن يدعى هنا أنه صرف في سبيل الله، وإذا لم نحصر سبيل الله في مسألة الحج والجهاد، وعممنا الأمر، فإننا سنقع في إشكال.
الرئيس:
التعليل مع تقديري، التعليل يعطي الصيغة الشرعية فبقاؤه وارد.
الشيخ محمد علي التسخيري:
لكي نحصل الإجماع نعطي الفتوى بلا تعليل.
الرئيس:
لا، مجمعين إن شاء الله يا شيخ. الأمر سهل وبسيط، ثانيا.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
ثانيا: لصندوق التضامن الإسلامي أن يكون وكيلا عن الأشخاص والهيئات في صرف الزكاة في وجوهها الشرعية بالشروط التالية:
أ - أن تتوافر شروط الوكالة الشرعية بالنسبة للموكل والوكيل.
ب - أن يدخل الصندوق على نظامه الأساسي وأهدافه، التعديلات المناسبة التي تمكنه من القيام بهذا النوع من التصرفات.
ج- أن يخصص صندوق التضامن حسابا خاصا بالأموال الواردة من الزكاة بحيث لا تختلط بالموارد الأخرى التي تنفق في غير مصارف الزكاة الشرعية، كالمرافق العامة ونحوها.
د- لا يحق للصندوق صرف شيء من هذه الأموال الواردة للزكاة في النفقات الإدارية ومرتبات الموظفين وغيرها من النفقات التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية.
هـ- لدافع الزكاة أن يشترط على الصندوق دفع زكاته فيما يحدده من مصارف الزكاة الثمانية، وعلى الصندوق في هذه الحالة أن يتقيد بذلك.
و يلتزم الصندوق بصرف هذه الأموال إلى مستحقيها في أقرب وقت ممكن حتى يتيسر لمستحقيها الانتفاع بها، وفي مدة أقصاها سنة.
стр. 3233
الشيخ محمد على التسخيري:
اعتقد أننا لا دخل لنا في" ب ". ما لنا ونظامه الأساسي؟ نعطيه الفتوى وهو يفعل ما يشاء حسب نظامه الأساسي. الشيء الآخر كلمة " و " ومدة أقصاها سنة، المقترح أن تحذف ما دمنا قلنا: في أقرب وقت ممكن، وقيدنا هذا المعنى، فما الداعي لتحديد سنة؟
الرئيس:
أما الفقرة " ب " ففيها مزيد بيان. هو الشيء إذا كان فيه ترتب حكم شرعي لا نقبله، هذا نحذفه. أما إذا كان زيادة بيان زيادة توضيح. أنا أراه شرطا ما لم يجعل في النظام ما يبين دخول الزكاة دخولا وخروجا وبقاء لا يمكن أن نقبل ولا يمكن دخول الزكاة فيه.
الشيخ محمد تقي العثماني:
لا يجوز أن نوكل رجلا بأداء الزكاة حتى يلتزم بالأحكام الشرعية.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
فيه نقطتان. الواقع كان في لجنة الصياغة قد اتفق عليهما ولم يدرجا في هذه التوصيات، اتفق على حذف " في مدة أقصاها سنة "، واتفق على أن يوضح في بند " د " حتى لا يفهم أن المجمع لا يعلم بسهم " والعاملين عليها". سهم والعاملين عليه نحن قلنا: إن هذا يمنع تحوطا أو احتياطا، وإلا فالأصل العاملون عليها مقررة في مصارف الزكاة إذا تعين موظف خاص في الصندوق لصرف هذه الزكاة والتوجه بها إلى البلاد المحتاجة إليها، ما المانع من الناحية الشرعية أن يعطى راتبه؟ لكن نحن نقول احتياطا: منع ذلك حتى لا تستغل الزكاة. فيجب أن تصاغ العبارة بأسلوب لا يشعر القارئ لها أننا لا ندرك سهم العاملين عليها.
الشيخ طه جابر العلواني:
بالنسبة لهذه الفقرة " د " طبعا لوحظ موضوع العاملين عليها، ولكن اللجنة التي توافرت على دراسة هذا الموضوع رأت أنها لو فتحت هذا الباب فمن المحتمل أن تصرف كل الزكاة رواتب للموظفين، ويصبح كل الصندوق من العاملين عليها. ولكن أعتقد أنه إذا خصص موظف لهذا الأمر بحيث يشرف على موضوع الزكاة وحده، سيمكن أن نصوغ العبارة بطريقة تحتمل هذا الموضوع.
стр. 3234
الرئيس:
أما أنا فالذي يظهر لي أن الفقرة والمادة تبقى كما هي؛ لأنه إذا فتح الباب، الآن صندوق التضامن الإسلامي هل تعلمون حجم الموظفين فيه؟ هل هم ثلاثة، أربعة، خمسة، أو بالعشرات؟
فإذا كان هذا الجهاز العظيم الذي قد يصل خمسين، ستين موظفا، وبعضهم برواتب كبيرة، وخذوا في الاعتبار قضية تباعد أقطار العالم الإسلامي، وهناك شيء أكثر من قضية أنه يذهب بها، أجور الطائرات وأجور النقل إلى آخره، فأخشى أننا نفتح هذا الباب فتستلهم الزكاة داخل الصندوق.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
نحن معك في هذا، كل ما في الأمر يجب النص على أنه يجب ألا يصرف، معك في هذا، لكن يجب أن تصاغ العبارة بطريقة تشعر بأننا نفعل ذلك احتياطا.
الشيخ محمد المختار السلامي:
الحقيقة عندي أمران:
الأمر الأول هو أن ما ذكر أن الفقرة " ب " من الخير أن تحذف، أعتقد أنه من الخير أن تحذف؛ لأنها أخذا من الاحتياطات، هي تؤدي إلى هذا، ولكن لياقة لا ينبغي أن نتوجه إلى صندوق التضامن الإسلامي، فنقول له: أدخل على أنظمتك وأجهزتك وأهدافك التعديلات المناسبة.
أنا الذي يهمني هو أن تتوافر شروط الوكالة الشرعية، أن يخصص صندوق التضامن حسابا خاصا، أن لا يحق للصندوق صرف شيء من هذه الأموال.
هذه الشروط التي تهمني، أما أن أتدخل مباشرة وبهذه الطريقة، هي طريقة غير مناسبة في مواجهة منظمة المؤتمر الإسلامي التي نحن عضو منها.
الأمر الثاني: هو أنه لا يحق للصندوق صرف أي شيء من هذه الأموال الواردة للزكاة في النفقات الإدراية ومرتبات الموظفين، وغيرها من النفقات التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية، وهي متكاملة بقوله: التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية. تدخل فيها العاملون. ولكن قضية أن يدخل الصندوق على نظامه الأساسي لابد من حذفها؛ لأنه فيه عدم لياقة مع المنظمة التي ننتسب إليها.
الشيخ عمر جاه:
هو في الواقع عندي نقطتان: في فقرة " د " كما تفضل السيد السلامي الفقرة واضحة: التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية. تعطينا كل الحلول وما فيه داع للتغيير هذا.
وثانيا في فقرة " و " أعتقد أن مدة أقصاها سنة لا داعي لها. ممكن في أقرب وقت ممكن حتى يتيسر لمستحقيها الانتفاع بها يكفي. ما فيه داع على ربطها بسنة كاملة. وشكرا.
الشيخ محمد مختار السلامي:
ما فهمت القرار، الآن ما تم؟
الرئيس:
تم على ما هو عليه بالأكثرية. هل أنتم موافقون على الأكثرية؟
الشيخ محمد مختار السلامي:
من فضلك فقرة " ب " أرجوك أن يقع البحث فيها والتصويت عليها؛ لأني قلت أن لا تزيد شيئا، وتكون مشاكل سياسية، حساسيات.
стр. 3235
الرئيس:
والله أنا أرى أن هذه ما فيها محاذير شرعية.
الأمين العام:
أريد أن أذكر إخواني حضرات الأساتذة بأن الذي قاد إلى ذكر المادة "ب" هو أننا عند التداول في هذا الموضوع وفي نظام الصندوق لاحظنا أن الأموال تأتي إليه من التبرعات ومن أشياء كثيرة لم يذكر فيها الزكاة إطلاقا، فنحن إذ ذاك عند التداول في هذا الموضوع قلنا: إذا كان سينفق الزكاة لا بد أن تأتيه زكاة؛ ولذلك فإن هذا يتماشى مع أصل الموضوع في الفتوى، هو لا يزكي من مال التبرعات التي تأتيه، ولا يزكي من الأموال التي تنجز إليه من الوقفيات، وإنما يزكي من مال الزكاة الذي يأتيه. ولذلك قلنا: يعدل النظام الأساسي حتى يصبح قادرا على تلقي الزكوات وصرفها بعد ذلك. ليس هناك تضارب أبدا.
الشيخ محمد عطا السيد:
سيدي الرئيس في الفقرة " أ " قالت: تتوافر شروط الوكالة الشرعية بالنسبة للموكل والوكيل. المراد الوكيل هنا الصندوق؟
الأمين العام:
الوكيل هو الصندوق، أي نعم.
الشيخ محمد عطا السيد:
إذا كان المراد بها الوكيل هو الصندوق، نحن ذكرنا في الفقرة التي قبلها: لصندوق التضامن الإسلامي أن يكون وكيلا. فنحن قررنا أن يكون وكيلا، فما معنى هنا أن نقول أن تتوافر شروط الوكالة بالنسبة للموكل والوكيل. فأرى أننا قد قررنا في الجزء السابق المسألة التي اشترطناها في الفقرة " أ " هنا أن تتوافر شروط الوكالة الشرعية بالنسبة للموكل. الرئيس:
هذا زيادة تأكيد، وهو واضح ليس فيه إشكال.
стр. 3236
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
أنا ما عندي اعتراض على كل الأشياء التي قيلت ما عادا " و "، وكما قال الدكتور العبادي التي هي في مدة أقصاها سنة، هذه وأنا كنت في لجنة الصياغة، واتفقنا على حذفها، هل حذفت أم باقية؟
الرئيس:
عموما هي لها مستند من كلام الحنفية، أنه لا ترد الزكاة في العام القادم وزكاة العام الماضي موجودة. وهذه قيل في مدة سنة كأن فيها حجرا على ألا تستثمر أو تتأخر أو شيء من هذا القبيل.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
الخوف أن يأخذوها ذريعة لتأخيرها لسنة، فلا داعي إليها حتى ولو كانت من الناحية الشرعية؛ لأنها محل الخلاف، وحذفها أولى من إبقائها.
الرئيس:
إذا رأيتم أن تحذف تحذف. ولكن هي من حيث التحوط جيدة في الواقع؛ لأنها تعطي عدم امتداد الأمد ببقاء الزكوات وتراكمها أو استغلالها في مشاريع. فإذا رأيتم بقاءها فلا ضرر فيها شرعا. إذن تبقى.
стр. 3237
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٢) د ٤/٠٨/٨٨
بشأن صرف الزكاة
لصالح صندوق التضامن الإسلامي
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ, الموافق ٦-١١ فبراير١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على المذكرة التفسيرية بشأن "صندوق التضامن الإسلامي ووقفيته المقدمة إلى الدورة الثالثة للمجمع، وعلى الأبحاث الواردة إلى المجمع في دورته الحالية بخصوص موضوع صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي "
يوصي:
- عملا على تمكين صندوق التضامن الإسلامي من تحقيق أهدافه الخيرة (المبينة في نظامه الأساسي) والتي أنشئ من أجلها، والتزاما بقرار القمة الإسلامي الثاني الذي نص على إنشاء هذا الصندوق وتمويله من مساهمات الدول الأعضاء، ونظرا لعدم انتظام بعض الدول في تقديم مساعداتها الطوعية له - يناشد المجمع الدول والحكومات والهيئات والموسرين المسلمين القيام بواجبهم في دعم موارد الصندوق بما يمكنه من تحقيق مقاصده النبيلة في خدمة الأمة الإسلامية.
стр. 3238
ويقرر
أولا: لا يجوز صرف أموال الزكاة لدعم وقفية صندوق التضامن الإسلامي؛ لأن في ذلك حبسا للزكاة عن مصارفها الشرعية المحددة في الكتاب الكريم.
ثانيا: لصندوق التضامن الإسلامي أن يكون وكيلا عن الأشخاص والهيئات في صرف الزكاة في وجوهها الشرعية بالشروط التالية:
أ - أن تتوافر شروط الوكالة الشرعية بالنسبة للموكل والوكيل.
ب - أن يدخل الصندوق على نظامه الأساسي وأهدافه التعديلات المناسبة التي تمكنه من القيام بهذا النوع من التصرفات.
جـ- أن يخصص صندوق التضامن حسابا خاصا بالأموال الواردة من الزكاة، بحيث لا تختلط بالموارد الأخرى التي تنفق في غير مصارف الزكاة الشرعية، كالمرافق العامة ونحوها.
د- لا يحق للصندوق صرف شيء من هذه الأموال الواردة للزكاة في النفقات الإدارية ومرتبات الموظفين وغيرها من النفقات التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية.
هـ- لدافع الزكاة أن يشترط على الصندوق دفع زكاته فيما يحدده من مصارف الزكاة الثمانية، وعلى الصندوق – في هذه الحالة – أن يتقيد بذلك.
و يلتزم الصندوق بصرف هذه الأموال إلى مستحقيها في أقرب وقت ممكن حتى يتيسر لمستحقيها الانتفاع بها وفي مدة أقصاها سنة.
стр. 3239
زكاة الأسهم في الشركات
إعداد
فضيلة الشيخ عبد الله البسام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الزكاة
الزكاة: لغة مصدر زكا الشيء إذا زاد ونما.
قال في اللسان: وأصل الزكاة الطهارة والنماء.
والزكاة شرعا: حصة مقدرة من المال مخصوصة لجهات مخصوصة، وسميت الحصة المخرجة زكاة؛ لأنها تزيد في المال الذي أخرجت منه.
والزكاة من حيث الأهمية هي أحد أركان الإسلام، وهي قرينة، فلا تذكر الصلاة في الذكر الحكيم إلا ذكرت الزكاة معها، ولا يذكر المصلون إلا ذكر معهم المزكون والمنفقون.
وهي ركن مالي اجتماعي يقوم به التكافل بين المسلمين.
الزكاة: تطهر نفوس الأفراد من أرجاس البخل والدناءة والقسوة والأثرة والطمع وغير ذلك من الرذائل الاجتماعية التي هي مثار الحسد والتعادي والعدوان والفتن والحروب.
فالفقر يحمل الواقعين تحت سلطانه على إتيان جميع ضروب الشرور للحصول على أخص حاجات الحياة، وهو القوت. فالبطون إذا جاعت دفعت أصحابها لاستساغة جميع صنوف الجرائم، وعدت ذلك عملا مشروعا. وفي البيئات التي يشيع فيها الفقر تروج جميع المذاهب المتطرفة، وتستحل جميع الأعمال الوحشية للوصول إلى أغراضها. ولن تجد في جميع الحروب الأهلية التي قامت لإنصاف الطبقة الفقيرة في أوروبا إلا وهم الطبقة الفقيرة نفسها حاربوا تحت تأثير الحاجة. والإسلام ما جعل فريضة الزكاة ترجع لهوى الشخص، إن شاء أعطى وإن شاء منع، بل جعلها إجبارية؛ لأنها حق الفقير في مال الله الذي أعطاه الغني وقال: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ . النور:٣٣
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ . الحديد:٧.
ومن هذا يتبين لنا أن الزكاة ليست إحسانا فرديا، فإن اعتبارها كذلك خروج بها عن معانيها، بل هي حقوق إجبارية تأخذها الحكومة الإسلامية لتصرفها على الطبقة الفقيرة؛ لأن الأصل أن الإمام هو الذي يأخذ ويعطي.
стр. 3240
وبالجملة فالزكاة ليست مجرد عمل طيب وخلة حسنة من خلال الخير، بل هي ركن أساسي من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره الكبرى، وهي في نظر الإسلام حق الفقراء في أموال الأغنياء، لم يوكل إلى ضمائر الأفراد وحدها، وإنما تحملت الدولة المسلمة مسؤولية جبايتها بالعدل وتوزيعها بالحق. وإن الفرد المسلم مطالب بأداء هذه الفريضة وإقامة هذا الركن الأساسي في الإسلام، وإن فرطت الدولة في المطالبة بها، أو تقاعس المجتمع عن رعايتها، فإنها عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويزكي بها نفسه وماله، وإن لم يطالب بها السلطان طالبه بها الإيمان والقرآن.
والزكاة لم تكن مجرد معونة وقتية لسد حاجة عاجلة للفقير وتخفيف شيء من بؤسه ثم تركه بعد ذلك لأنياب الفقر والفاقة، بل هدفها القضاء على الفقر وإغناء الفقير إغناء دائما يستأصل شأفة الفقر والعوز من حياته؛ لأنها فريضة منظمة دورية دائمة الموارد. وبهذا يتضح أن الزكاة نظام متميز يغاير الأنظمة الوقتية التي تحاول مواساة المعوزين.
الزكاة مواساة:
الزكاة مواساة بين الفقراء والأغنياء، ولذا فإنها لا تجب إلا في الأموال النامية بالفعل والأموال القابلة للنماء.
ومعنى النماء في الأموال أن يكون من شأنه أن يدر على صاحبه ربحا. ولذا فإن الزكاة لا تجب إلا في أموال مخصوصة هي التي تنمي وتفيد دخلا وغلة. أما الأموال المجمدة لحاجة الإنسان واستعمالاته وقنيته فهذه لا تجب فيها الزكاة.
وهذا كله مبني على هذا المبدأ السامي في الزكاة، وهي المواساة بين الفقير والغني، ومن هذا يتعين علينا توضيح وضع الشركات وأسهمها.
стр. 3241
الشركات:
الشركة عند فقهائنا المتقدمين هي نوعان:
أحدهما: اجتماع في استحقاق.
الثاني: شركة العقود.
والنوع الأخير هو محل بحثهم، وهو الذي عقدوا له الأبواب في كتاب المعاملات من كتب الفقه. ويقسمون شركة العقود إلى خمسة أنواع:
الأول: شركة عنان، وشركة العنان هي أن يشترك اثنان فأكثر بمالهما المعلوم ليعملا فيه ببدنيهما، ويكون الربح بينهما مشاعا حسبما شرطاه بينهما، وتكون الخسارة على قدر المال.
الثاني: شركة المضاربة، من الضرب في الأرض، وهو السفر للتجارة، وهي أن يكون المال من واحد والعمل من الآخر، ويكون رأس المال لصاحبه، وللعامل جزء من الربح مشاع ومعلوم على حسب ما شرطاه.
الثالث: شركة الرجوة، وهي أن يشتركا على أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما، فما ربحا فهو بينهما على ما شرطاه.
الرابع: شركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكتسبانه بأبدانهما، فما رزق الله تعالى من كسب فهو بينهما.
الخامس: شركة المفاوضة: وهي أن يفوض كل من الشريكين إلى صاحبه بكل تصرف مالي وبدني مما يدخل في أعمال الشركة.
فهذه هي أنواع الشركات عند فقهائنا الأقدمين على حسب ما تتبعوه من معانيها في النصوص الشرعية، وبحسب ما استقرأوه من أنواعها.
أما الشركات المعاصرة فلم تكن آنذاك موجودة، ولهذا لم يأت لها ذكر في كتب فقهائنا السابقين. وإنما حدثت أنواعها مع حدوث الاقتصاد المعاصر وطرق مكاسبه وأنواع مصارفه، وذلك بتطوير النظام التجاري، وسنأتي بكلمات معدودات على توضيح بعض أنواع الشركات؛ لعلاقتها بموضوعنا.
стр. 3242
الشركات المعاصرة:
النظام التجاري له أهمية كبرى، بحيث إنه لا ينتظر نجاح مشروع دون وضع قواعد لبيان هيكله وتوضيح معالمه، وتحديد مسؤولياته من الناحية التخطيطية أو من الناحية الإدارية التنفيذية، كما يجب أن تعطى للعاملين بالمشروع التجاري الضمانات الكافية، سواء كانوا موظفين أو مساهمين، وإلا انعدمت الثقة بالمشروع. والضمانات تتوقف في تحديدها إلى حد كيبر على الشكل النظامي للمشروع، والشكل النظامي يتخذ أحد الأشكال الآتية:
١- الملكية الفردية، وهذه أبسط مظاهر المشروعات النظامية؛ لأن صاحبه والمسؤول عنه فرد واحد، والثقة فيه تقوم على حسب إدارة صاحبه.
٢- شركة التضامن: وهي تضامن الشركاء في إدارتها والوفاء بالتزاماتها، ويتوقف نجاح هذه الشركة على تضامن الشركاء في العمل وإخلاصهم في المشروع، وهي غالبا لا تنجح في الأعمال التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، وإنما نجاحها في الأعمال السريعة والنقليات الدائمة المستمرة.
٣- شركة التوصية البسيطة: وهي ما جمعت نوعين من الشركاء:
أحدهما: ضامن متضامن لالتزامات الشركة.
الثاني: شريك برأس مال ومسئول بقدر حصته فقط.
وغالبا ما تكون هذه الشركة لمتوسطي أصحاب رؤوس الأموال، وهي من أنواع – شركة التضامن- وفيها ميزاتها من المحاسن والمساوئ.
٤- شركة التوصية بالأسهم: وهي تكون رؤوس أموال كبيرة، إلا أنها أقل من المبالغ التي تكون للشركة المساهمة الآتية؛ ذلك أن عدد المساهمين في التوصية يكون محدودا؛ لأن أسهمها لا تطرح للاكتتاب العام وإنما هي أسهم محدودة. ومسئوليات وحقوق المساهمين من متضامنين وموصين تشبه مسؤوليات وحقوق المساهمين في التوصية البسيطة، ونظرا لسهولة تكوين هذه الشركات من الناحية القانونية فالإقبال على إنشائها يكون أكثر؛ لبعدها عن المسؤوليات القانونية والمراقبة وفرض الأنظمة التجارية عليها وعلى مؤسسيها مما يفرض على الشركات المساهمة لحماية حق المساهم.
٥- الشركة المساهمة:
الشركة المساهمة هي النوع الوحيد الذي يصلح لتكوين المشروعات العظيمة ذات العمل الواسع، وهي التي تتطلب أموالا جسيمة لا يمكن جمعها إلا من عدد كبير من الجمهور، فشركات الكهرباء والإسمنت وشركة الملاحة وشركات النقل والعقارات والفنادق وغيرها من الصناعات الكبرى والأعمال الواسعة لا يمكن لفرد واحد ولعدد قليل من الأفراد تمويلها، فالأمر يحتاج إلى أمرين:
١- صغر قيمة السهم لكسب عدد كبير من المساهمين.
٢- إمكان تحويله أو بيعه والحصول على الثمن في أي وقت لترغيب جميع المساهمين على اختلاف رغباتهم في المساهمة.
فمن مزايا الشركات المساهمة عملها على تحقيق رغبة المستثمرين المتباينة، فمنهم الساعي وراء الربح، ومنهم المحافظ القانع بالفائدة المعلومة، ومنهم المتوسط بين الأمرين، ومنهم من يريد مجرد المحافظة على رأس ماله من الضياع والمجازفات، فيختار الضمان.
стр. 3243
أسهم الشركات
السهم: صك يمثل حصة في رأس مال شركة مساهمة.
وتكون الأسهم نقدية إذا مثلت حصصا نقدية في رأس مال الشركة، وعينية إذا مثلت حصصا عينية في رأس مال الشركة، وليس للشريك في الحالين سوى حق شخصي في أموال الشركة عند تصفيتها، فهي حقوق ملكية جزئية لرأس مال كبير للشركات المساهمة، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال.
والسهم ينتج جزءا من ربح الشركة، يزيد أو ينقص تبعا لنجاح الشركة وزيادة ربحها أو نقصه من الخسارة؛ لأنه مالك لجزء من الشركة بقدر سهمه.
قيمة السهم:
وللسهم قيمتان:
إحداهما: قيمة اسمية، وهي القيمة المقدرة عند إصداره.
الثانية: قيمة سوقية تحدد في سوق الأوراق المالية.
والأسهم قابلة للتعامل والتداول بين الأفراد كسائر السلع، مما يجعل بعض الناس يتخذ منها وسيلة للاتجار بالبيع والشراء ابتغاء الربح من ورائها. وهذا التعامل مشروع لأنه مبني على أسس سليمة من شروط البيع وأحكامه، فمما يؤثر جواز التبادل التجاري في الأسهم ما ورد أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما توفي كان ذا مال، فراضى ورثته إحدى زوجاته، وهي تماضر الأشجعية، على أن تأخذ مقابل سهمها في الميراث مبلغ ثمانين ألف دينار، وكانت التركة تشمل نقودا وعقارا ورقيقا وحيوانا، وكان هذا الإجراء بعد أن استشار الخليفة عثمان الصحابة، فكان ذلك إجماعا، ولم تكن الدقة في معرفة التركة وتعدد أنواعها وكونها غير مصفاة مانعا من ذلك. وهذا هو عين بيع الأسهم من الشركات سواء سميناه بيعا أو صلحا أو معاوضة.
стр. 3244
وموقف الشركة أخذ من قضية الإرث؛ ذلك أن مركز الشركة المالي يعرض كل عام في صورة ميزانية تنشر على أوسع نطاق، بحيث يتوفر الأخصائيون على دراستها وتحديد أصول الشركة وخصومها وتقييمها، وبالتالي تحديد مجموع رأس المال الموزع على الأسهم الصادرة عن الشركة والمتداولة بين أيدي المساهمين.
قال مفتي البلاد السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: ورد إلينا استفتاء عن هذه الشركات المساهمة – كشركة الكهرباء والإسمنت والغاز ونحوها مما يشترك فيه المساهمون ثم يرغب بعضهم بيع شيء من سهامهم بمثل قيمتها، أو أقل أو أكثر، حسب نجاح تلك الشركة وضره، وذكر المستفتي أن الشركة عبارة عن رؤوس أموال بعضها نقد وبعضها ديون لها وعليها، وبعضها قيم ممتلكات وأدوات مما لا يمكن ضبطه بالرؤية ولا بالوصف، واستشكل السائل القول بجواز بيع تلك السهام؛ لأن المنصوص عليه اشتراط معرفة المتبايعين للبيع، كما أنه لا يجوز بيع الدين في الذمم، وذكر هذا مما عمت به البلوى.
والجواب: الحمد لله
لا يخفى أن الشريعة الإسلامية كفيلة ببيان كل ما يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . النحل:٨٩.
والكلام على هذا مبني على معرفة حكم هذه الشركة ومساهمة الناس فيها، ولا ريب بجواز ذلك، ولا نعلم أصلا من أصول الشرع يمنعه وينافيه، ولا أحدا من العلماء نازع فيه.
إذا عرف هذا فإنه إذا كان للإنسان أسهم في أية شركة، وأراد بيع أسهمه منها، فلا مانع من بيعها بشرط معرفة الثمن، وأن يكون أصل ما فيه الاشتراك معلوما، وأن تكون أسهمه منها معلومة أيضا.
فإن قيل: إن منها جهالة لعدم معرفة أعيان ممتلكات الشركة وصفاتها.
فيقال: إن العلم في كل شيء بحسبه، فلابد أن يطلع المشتري على ما يمكن الاطلاع عليه بلا حرج ولا مشقة، ولابد أن يكون هناك معرفة عن حالة الشركة ونجاحها وأرباحها، وهذا مما لا يتعذر علمه في الغالب؛ لأن الشركة تصدر في كل سنة نشرات توضح فيها بيان أرباحها وخسارتها، كما تبين ممتلكاتها من عقار ومكائن وأرصدة، كما هو معلوم من الواقع، فالمعرفة الكلية ممكنة ولابد. وتتبع الجزئيات في مثل هذا فيه حرج ومشقة، ومن القواعد المقررة: أن المشقة تجلب التيسير.
стр. 3245
فإن قيل: إن في هذه الشركات نقودا أو بيع النقد بنقد، ولا يصح إلا بشرطه. كما أن للشركة ديونا في ذمم الغير، أو إن على تلك السهام المبيعة قسطا من الديون التي قد تكون على أصل الشركة، وبيع الدين في الذمم لا يجوز إلا لمن هو عليه بشرطه. فيقال: إن هذه من الأشياء التابعة التي لا تستغل بحكم، بل هي تابعة لغيرها، والقاعدة: أنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. ويدل على ذلك حديث ابن عمر مرفوعا: ((من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع)) رواه مسلم.
فعموم الحديث يتناول مال العبد الموجود، والذي له في ذمم الناس، وهذه الشركات ليس المقصود منها موجوداتها الحالية، وإنما المقصود منها ما وراء ذلك، وهو نجاحها ومستقبلها وقوة الأصل في إنتاجها والحصول على أرباحها المستمرة. والله أعلم. اهـ. كلامه ﵀.
وبعد: فمعرفة الحكم الشرعي في حكم تأسيس الشركات وفي حكم المساهمة بها وحكم التعامل بها بيعا وشراء وغير ذلك أمر يهمنا في هذا الباب؛ فإن الكلام في حكم زكاتها فرع عن معرفة هذه الأحكام، وهنا يحكي لنا سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ الإجماع على جواز بيع سهامها، ويسند الدليل إلى عموميات الشريعة الإسلامية وتكفلها بتلبية البيان الشافي في أحوال الدنيا والآخرة.
ومن أصول الشريعة الإسلامية القاعدة الآتية:
الأصل في المعاملات والعادات الإباحة والجواز، ما لم يأت دليل يدل على حرمتها.
وبعد أن تصورنا الشركات وعرفنا أحكامها الشرعية من حيث التأسيس والإنشاء، ومن حيث التداول والتصرف بأسهمها بالبيع والشراء وسائر التصرفات، أمكننا أن نعطي الحكم عليها من حيث وجوب الزكاة من عدمه، ومن حيث قدر الزكاة فيها ومكان الوجوب من رأس مالها أو ربحها أو منها جميعا. ذلك فإن ما سبق من المقدمات واجب أمام البحث والحكم الشرعي. فإن في الزكاة عنصرين هامين في تحقيق وجود الزكاة في المال:
العنصر الأول: حله وطهارته؛ فإن الأموال المحرمة المكتسبة من طرق محرمة وبأسباب غير مشروعة يجب التخلص منها كلها نهائيا، ولا تطهرها الزكاة والصدقات؛ فإن الله طيب لا يقبل من الأعمال إلا طيبا. فالأموال المحرمة إن اكتسبت بطريق الظلم والغصب والاستيلاء بغير حق وجب ردها إلى أصحابها، وإن اكتسبت من خدمات محرمة ومعاملات فاسدة كالمنافع المحرمة والربا والغش فهذه يجب إعطاؤها الفقراء أو جعلها في المشاريع الخيرية ونحو ذلك.
العنصر الثاني: إن الزكاة مواساة بين الأغنياء والفقراء وبين أصحاب الأموال والمعدمين.
ومن هذا المنطلق فإن الزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية من تجارة أو زراعة أو أنعام سائمة. وأما الأموال التي لا تنمو ولم تعد للنماء، فلا زكاة فيها، وذلك كأموال القنية من المساكن والمراكب والفرش والأواني والملابس ونحو ذلك، فهذه لا زكاة فيها، وسيأتي تفصيل في أنواع الشركات وما هو منها تجاري وما هو صناعي، ثم بيان طريق زكاتها
، هل الزكاة في أصل الأسهم والأرباح أو في الأرباح فقط؟
стр. 3246
تقدم أن بعض المساهمين يتخذ الأسهم للاتجار والتعامل بقصد الربح، وأن بعضهم يتخذها للاقتناء والكسب من غلاتها، لا للاتجار فيها. فأما القسم الأول: فهذا تعتبر الأسهم عنده عروض تجارة وتعامل في البورصة بالبيع والشراء، فيكون حكمها حكم عروض التجارة، فتؤخذ الزكاة منها بقدر قيمتها في نهاية العام الذي ملكت فيه، وذلك كل عام حينما يدور حولها.
وأما القسم الثاني: فإن الزكاة تؤخذ من أرباحها، وأما الأسهم نفسها فتعتبر كالعقار المعد للإيجار تكون الزكاة في إجارة دون رقبة العقار؛ لأن هذه الأسهم قد جعلت في الدرجة الأولى للاستثمار وتوظيف المال.
ما قدر زكاة الأسهم؟
عدد زكاة أسهم الشركات هو ربع العشر أي ٢.٥ %، سواء قصد مالكها باقتنائها الاستثمار والاستغلال، أو قصد في الدرجة الأولى التعامل بها في الأسواق المالية بالبيع والشراء واتخذها عروض تجارة؛ لأنها في القسم الأول تشابه العقار المعد للتأجير، وزكاة غلة العقار هي ربع عشر غلتها.
وتمثل في القسم الثاني عروض التجارة وزكاتها أيضا ربع العشر فيها كلها، وهذا كله على القول الراجح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، والعمل عليه عند المسلمين، فكان أشبه شيء بالإجماع العملي.
أما الخلافات الأخرى في هذه المسألة فإنها لا تتجاوز بطون الكتب، فلم يجر فيها عمل، قال ابن مسعود ﵁: " الحسن ما عده المسلمون حسنا "
стр. 3247
كيف تزكي أسهم الشركات
تكوُّنُ هذه الشركات بهذه الأنظمة الجديدة لم تكن معروفة لدى فقهائنا القدامى، فإن الذي بحثها هم بعض علماء العصر، وصار لهم في زكاة أسهمها اتجاهان:
الأول: (١) اعتبارها عروض تجارة سواء كانت الشركة التي تملك الأسهم جزءا منها تجارية أو صناعية أو مزيجا منهما، وقد أصدر المشائخ: محمد أبو زهرة، وعبد الرحمن حسن، وعبد الوهاب خلاف تقريرا قدموه إلى (حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدتها الجامعة العربية في ديسمبر عام ١٩٥٢م) عن وسائل التكافل الاجتماعي في الدول العربية، والذي ورد فيه أن الزكاة تتحقق الآن في أموال لم تكن معروفة في عهد رسول الله ﷺ ، ولا في عهد الصحابة، ولا في أيام الاستنباط الفقهي.
واقترحوا أن الزكاة تؤخذ منها. ووافقت على ذلك الحلقة.
وأوصت به في مؤتمرها، هذه الأموال هي:
١- الآلات الصناعية.
٢- الأوراق المالية.
٣- كسب العمل والمهن الحرة.
٤- الدُّور والأماكن المستغلة.
وقالوا في إسناد رأيهم: وقد اتفق الفقهاء على النصوص الواردة في الزكاة من حيث أموالها معللة، وليست أمورا تعبدية، ولم يقم دليل على أنها تعبدية.
ثم عرج التقرير على تقسيم الفقهاء للأموال من حيث نماؤها، من أن الأموال:
١- قسم منها يقتنى لإشباع الحاجات الشخصية؛ كالدور المخصصة لسكنى أصحابها، فهذه لا زكاة فيها.
٢- وقسم ثان يقتنى للنماء والاستغلال، فهذا تجب زكاته.
٣- وقسم ثالث يتردد بين إشباع الحاجات الشخصية والنماء؛ كالحلي. واختلف العلماء في زكاته.
فمن رأى أن فيه نماء أوجب فيه الزكاة، ومن رأى لا نماء فيه أعفاه. وهذا التقسيم ينتهي بنا لا محالة إلى أن ندخل في أموال الزكاة أموالا في عصرنا مغلة نامية بالفعل لم تكن معروفة بالنماء والاستغلال في عصر الاستنباط الفقهي.
وهي وسيلة استغلالية لصاحبها، مثل صاحب مصنع كبير يستأجر العمال لإدارته، فإن رأس ماله للاستغلال هو تلك الأدوات الصناعية، فهي بهذا الاعتبار تعد مالا ناميا؛ إذ الغلة التي تجيء إليه من هذه الآلات، فلا تعد كأدوات الحداد أو أدوات النجار الذي يعمل بيده، ولهذا نرى أن الزكاة تجب في هذه الأدوات باعتبارها مالا ناميا، وليس من الحاجات التي تعد لإشباع الحاجات الشخصية بذاتها، وإذا كان الفقهاء لم يفرضوا زكاة في أدوات الصناعة في عصورهم، فلأنها كانت أدوات أولية، فلم تعتبر مالا ناميا منتجا بذاتها، إنما الإنتاج فيها للعامل، أما الآن فإن المصانع تعد أدوات الصناعة نفسها مالا. اهـ.
стр. 3248
قال الشيخ القرضاوى: فيرى الأساتذة: أبو زهرة، وعبد الرحمن حسن وخلاف: أن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار، فإن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء، ويكسب منها كما يكسب كل تاجر من سلعته، فهي بهذا الاعتبار من عروض التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ في عروض التجارة.
ومعنى هذا: أن يؤخذ منها في آخر كل حول ربع العشر أي ٢.٥ في المائة من قيمة الأسهم، حسب تقديرها في الأسواق، مضافا إليها الربح، بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابا، أو يكملا مع ما عنده نصابا، كما أنه يجب أن يعفى مقدار الحاجات الأصلية، ويعتبر الحد الأدنى للمعيشة بالنظر لصاحب الأسهم الذي ليس له مورد رزق غيرها، ويزكي باقي الربح مع رأس المال.
ولعل هذا الاتجاه والإفتاء بمقتضاه أوفق بالنظر إلى الأفراد، بخلاف الاتجاة الآتي وما فيه من تفرقة بين أسهم شركة وأسهم شركة أخرى، فبعضها تؤخذ الزكاة في إيرادها، وبعضها تؤخذ زكاته حسب قيمتها مضافا إليها الربح.
هذا أحد الاتجاهين لزكاة أسهم الشركات.
أما الاتجاه الثاني:
فقد قال الشيخ يوسف القرضاوى مايلي:
ينظر إلي هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها: أهي صناعية أم تجارية أم مزيج منهما، فلا يعطى السهم حكما إلا بعد معرف الشركة التي يمثل جزءا من رأس مالها؟
وبناء عليه يحكم بتزكيته أو بعدمها.
стр. 3249
قال الشيخ عبد الرحمن عيسى:
قد لا يعرف كثير ممن يملكون أسهم الشركات حكم زكاة هذه الأسهم، وقد يعتقد بعضهم أنها لا تجب زكاتها، وهذا خطأ، وقد يعتقد البعض وجوب الزكاة في أسهم الشركات مطلقا، وهذا خطأ أيضا.
وإنما الواجب النظر في هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها، فإن كانت الشركة المساهمة شركة صناعية محضة، فلا تمارس عملا تجاريا كشركات الصباغة وشركات الفنادق وشركات النقل، فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والأدوات والمباني، وما يلزم الأعمال التي تمارسها، وإنما الذي يزكي ما ينتج ربحا لهذه الأسهم إذا بلغ نصابا، وحال عليه الحول بعد نتاجه.
وإن كانت الشركة تجارية محضة تشتري البضائع وتبيعها بدون إجراء عمليات تحويلية على هذه البضائع؛ كشركة الاستيراد وشركة التجارة الخارجية، أو كانت الشركة المساهمة شركة صناعية تجارية، وهي الشركات التي تستخرج المواد الخام أو تشتريها ثم تجرى عليها عمليات تحويلية ثم تتجر فيها، مثل: شركات البترول، وشركات الغزل والنسيج للقطن والحرير، وشركة الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فهذان النوعان من الشركات تجب الزكاة في أسهمها.
فمدار وجوب الزكاة في أسهم الشركات أن تكون الشركة تمارس عملا تجاريا، سواء معه صناعة أم لا!
وحينئذ فتخصم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات وتجب الزكاة في الباقي. ويمكن معرفة صافي قيمة المباني والآلات والأدوات بالرجوع إلى ميزانية الشركة التي تحصى كل عام.
وهذا الاتجاه مبني على أن المصانع والعمائر الاستغلالية كالفنادق والسيارات ونحوها ليس فيها زكاة كلها، لا في رأس المال والربح معا، ولا في الغلة والإيراد، إلا إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول.
وعلى هذا فرق بين الشركات الصناعية وبين غيرها من الشركات، فأعفى أسهم الأولى من الزكاة، وأوجب في الأخرى.
فإذا كان هناك شخصان يملك كل منهما ألف دينار، فاشترى أحدهما بألفه مئتي سهم من شركة للاستيراد والتصدير مثلا. واشترى الثاني بألفه مئتي سهم في شركة الطباعة والكتب أو الصحف، فإن على الأول أن يخرج الزكاة عن أسهمه المئتين، وما جلبت إليه من ربح أيضا في رأس كل حول، مطروحا من ذلك قيمة الأثاث ونحوه، كما هو الشأن في مال التجارة.
وأما الثاني فليس عليه زكاة عن أسهمه المئتين؛ لأنها موضوعة في أجهزة وآلات ومبان ونحوها، ولا زكاة فيما يأتي من ربح إلا إذا بقي إلى رأس الحول وبلغ نصابا بنفسه أو بغيره، فإذا أنفقه قبل الحول فلا شيء عليه.
стр. 3250
ثم إن الشيخ القرضاوي لمن يعجبه هذا الرأي فعقب عليه بقوله:
وبهذا يمكن أن تمضي أعوام على مثل هذا الشخص دون أن تجب عليه زكاة، لا في أسهمه ولا في أرباحه، بخلاف الشخص الأول فالزكاة واجبة عليه لزوما في كل عام عن أسهمه وعن أرباحها معا.
وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين، إن التفريق بين الشركات الصناعية أو شبه الصناعية وبين الشركات التجارية بحيث تعفى الأولى من الزكاة وتجب في الأخرى تفرقة ليس لها أساس ثابت من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، ولا وجه لأخذ الزكاة عن الأسهم إذا كانت تجارية وإسقاطها عنها إذا كانت في شركة صناعية، والأسهم هنا وهناك رأس مال نام يدر ربحا سنويا متجددا، وقد يكون ربح الثانية أعظم وأوفر.
هذا ما قرره الشيخ يوسف القرضاوي واختاره، وأريد هنا أن أعقب على هذا الرأي الذي استهجنه الأستاذ القرضاوي ورأى أن الشريعة تأباه وأنه لا يوجد له سند من مصادر التشريع والكتاب والسنة والإجماع والقياس. وسأناقشه مناقشة أقصد منها الحق إن شاء الله تعالى، وأعطي هذا الموضوع الجديد حقه في التوضيح والبيان، فأقول:
يوجد في مشروعية الزكاة ثلاثة أصول قد اتفق عليها الفقهاء وبنوا عليها أحكام الزكاة، من حيث وجوبها في المال أو عدمه، ومن هؤلاء العلماء الشيخ يوسف القرضاوي الذي هو الآخر يقررها ويبني عليها ما ذكره في كتابه (فقه الزكاة) ، ويحتج بهذه الأصول على ساحة المسائل التي تبنى عليها.
وهذه الأصول الثلاثة هي:
الأول: أن الزكاة لا تجب في أدوات القنية، ولا تجب في أدوات صاحب البضاعة والحرفة التي يستعملها في صناعته.
الثاني: أن الزكاة لا تجب في مال حتى يحول عليه الحول، وحول كل شيء بحسبه، وإذا لم يحل الحول على المال فلا تجب فيه الزكاة.
الثالث: أن الزكاة مبنية على المساواة بين الفقير والغني، فتجب مراعاة كل منهما بحسب ما يفهم من أحكام الشريعة وحكمة تشريعها.
فهذه ثلاثة أصول هي أسس تبنى عليها أحكام الزكاة.
стр. 3251
وتوضيح الأصل الأول بخصوص مباني الشركات ومعداتها الثقيلة والخفيفة، فهذه الأدوات قد أعفاها فقهاؤنا السابقون من الحداد والنجار والبناء ونحوهم، وتضخمها وزيادة حجمها وكثرة إنتاجها لا يغير من حكمها شيئا، فهي باقية على أصلها، وأحكام الشريعة تبقى على أصولها الأولى ما دامت هي هي، فقطع المسافات البعيدة بالسيارات والطائرات لا يغير شيئا من أحكام رخص السفر، وتنوع النفقات وتبدل أشكالها من المطاعم والملابس والمساكن لا يغير شيئا من حكم النفقة.
وهكذا فإن تغيير أدوات صاحب الصناعة وصاحب العمل لا يغير شيئا مما يجب عليه أو لم يجب، بل الأمور باقية على أصولها.
ثم إن هذه المباني المستعملة إما لمكاتب الشركات إما لحفظ أدواتها، وهذه المعدات الثقيلة والخفيفة وأجهزة الغيار وتلك الأدوات المرصودة لاستهلاكات أعمال الشركات ما هي إلا أشياء قائمة على خدمة الشركات وإمدادها بما تحتاجه مما يستهلك ويذهب أو ينقص ثم يتلف شيئا فشيئا، وإما عمائر معطلة النفع والفائدة لحساب أعمال الشركة والقائمين عليها والعاملين فيها.
وبهذا فإن ربح الشركة الصناعية ما هي إلا ثمرة تلك الأدوات من تالف مستهلك، ومن قائم معطل لأعمال الشركة ومشغول لصالحها ومتناقص ذاتا وقيمة فيما يعود عليها. فالأرباح والمكاسب هي نتائج هذه الأدوات، فكيف تقوم مع الأرباح في إخراج الزكاة.
وبهذا يظهر لنا أن أدوات الشركات الصناعية قد أدت خدمتها في تنمية الشركة، وأن ما حصل من ربح هو نتيجة وجودها واستعمالها. وإن وجوب الزكاة في ربح الشركة الصناعية فقط دون معداتها وأدواتها هو الذي يتفق والقياس الصحيح.
стр. 3252
أما الأصل الثاني:
وهو أن الزكاة لا تجب في مال حتى يحول عليه الحول. وحول ما يستجد من النقود هو تمام اثني عشر شهرا هلالية عليها.
وقد تقرر لدينا أن الزكاة في ربح الشركة الصناعية فقط دون أدواتها ومعداتها. فإن الربح يحسب ابتداء حوله من حصوله وقبضه. وقبل ذلك في عداد المعدوم، فإذا حصل بيد مالكه ابتدأ به الحول، فإذا حال عليه الحول زكاه وقبل ذلك لا تجب فيه الزكاة، وقد اختلف الفقهاء في إخراج زكاة العمائر المعدة للإيجار، هل هو من حين قبض الأجرة إذا دار عليها الحول أو من تاريخ عقد الإيجار ممن اعتبر الأجرة واجبة من حين العقد أو وجب فيها الزكاة من حين مرور العام من عقد الإجارة، ومن لم ير استقرار الأجور في الذمة إلا بعد فراغ مدة الإجارة جعل حول الزكاة من فراغ المدة وقبض الأجرة. والذي عليه الجمهور أن حولها يبتدئ أوله من قبضها وفراغ مدة الإجازة؛ لأنه قبل ذلك غير مستقر وقابل للسقوط، فثبوت ملكه مراعى.
وبهذا فإن ابتداء الحول في ربح أسهم الشركة الصناعية يكون ابتداؤه من قبضه هو المتمشي مع أصول الزكاة وقواعدها، وهو الذي ينطبق عليه كلام فقهائنا حين تدوين الفقه وتحرير مسائله.
لا ما ظنه الأستاذ القرضاوي من جمعه بين الشركة الصناعية والشركة التجارية في حكم واحد في تحديد مواعيد الزكاة، مع ما بين الشركتين من بون شاسع في القصد والعمل والاتجاه في التثمير.
والتفريق بينهما في الأحكام تابع للفروق التي بينهما في القصد والاتجاه والعمل والشريعة الإسلامية، كما إنها لا تفرق بين متماثلين، كذلك لا تجمع بين الضدين، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
أما الأصل الثالث: وهو بناء الزكاة على المساواة بين الفقراء وإخوانهم الأغنياء، فهذا أصل عظيم، وهو روح الزكاة ولب أحكامها.
وبناء عليه فإن المساهم في الشركة الصناعية أحد رجلين إما صاحب رأس مال كبير، وصاحب أسهم وفيرة، فهذا سيقبض أرباح أسهمه وسيأتي عليها الحول وهي عنده ثم يزكيها بعد أن حال عليها الحول بعد قبضها وتم الحول عليها، وتمام الحول أحد الشروط الأساسية في وجوب الزكاة.
فهذا سيزكي ربح أسهمه كل عام، وليس كما توهمه الأستاذ القرضاوي من أن سيمضي عليه أعوام دون أن تجب عليه الزكاة، لا في أسهمه ولا في أرباحها، فصاحب رأس المال الكبير سيأتي العام وعنده ماله ثم يخرج زكاته منه في موعده المحدد شرعا، وهو تمام الحول عليه، أما قبل تمام الحول فلا يجب عليه إخراجه إلا إذا أراد أن يتطوع بتعجيل زكاته، فذلك أمر راجع إلى اختياره، وإلى وجود المصلحة من عدمها في التعجيل.
стр. 3253
أما الرجل الآخر، وهو صاحب الدخل المحدود، والذي أرباح أسهمه بقدر نفقته ونفقة أولاده، فهذا إذا قبضه وأنفقه على نفسه وعلى من يمون فليس ممن تجب عليه الزكاة؛ لأن مورده من الرزق بقدر ما وجب عليه من النفقات، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وإن نصوص الشريعة جاءت بمثل هذا؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك))
وجاء في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في امرأتك)) . وجاء في الصحيحين أيضا أن النبي ﷺ قال: ((إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة)) .
وبناء عليه فصاحب الأسهم القليلة إذا قبض ربح أسهمه ثم أنفقها على نفسه وعلى أهله، ثم لم يحل عليها الحول حتى أكلتها النفقة، فلا حرج عليه؛ لأنه ليس من أصحاب الثراء الذين قصروا في أداء الواجب الزكاة، وإنما زكاته ونفقاته فيمن يعول وهو مثاب أن كفى المسلمون مؤونة نفسه وأهله. وليس في عدم وجوب الزكاة على مثل هذا خطر كبير يهدد بمنع الزكاة، فهذا قد اتقى الله ما استطاع فأنفق ما وجد من الربح على من عنده من المحتاجين.
والأستاذ القرضاوي نفسه قال في كتابه (فقه الزكاة) جزء (١) ص ١٥١: ومن الفقهاء من أضاف إلى شرط النماء في المال أن يكون النصاب فاضلا عن الحاجة الأصلية لمالكه. ومن الفقهاء من اعتبر شرط النماء مغنيا عن هذا الشرط.
والحق أن شرط النماء لا يغني عن هذا الشرط.
والمعتبر هنا: أن الحاجات الأصلية للتكلف بالزكاة من يعوله من الزوجة والأولاد مهما بلغ عددهم والوالدين والأقارب الذين تلزمه نفقتهم؛ فإن حاجتهم من حاجته، وبهذا الشرط سبق الفقه الإسلامي أحدث ما وصل إليه الفكر الغربي الحديث الذي نادى بإعفاء الحد الأدنى للمعيشة من الضريبة. اهـ كلام الشيخ القرضاوي.
стр. 3254
ونحن نؤيده فيما قال هنا.
ولكن لماذا كبر عليه أن صاحب الأسهم القليلة الذي لا يحول الحول إلا وقد أنفق ربحها على نفسه وعلى من يمونه من زوجة وأقارب. إن ربح الأسهم القليلة هي الحد الأدنى لمعيشته، وأداء شعيرة الزكاة ليست واجبة عليه ولا على أمثاله من ذوي الدخل المحدود.
أما أصحاب المساهمات الكبيرة فليطمئن الشيخ القرضاوي أن أرباح أسهمهم ستبقى، وقد تنمى أيضا حتى يحول عليها الحول وتزكى ويزكى معها نماؤها.
وهذا كله في أسهم الشركات الصناعية، أما الشركات التجارية فلا خلاف في كيفية تزكيتها؛ لأن مبناها على التجارة، فهي عروض تجارة.
وبعد: فالذي أراه هو ما قاله الجمهور من الفرق بين الشركات التجارية والشركات الصناعية، فالأولى وجوب الزكاة في عمومها؛ أي: في رأس مالها وأرباحها إذا حال عليها الحول وابتداء حولها من ملك المساهم فيها نصاب الزكاة.
وأما الشركات الصناعية فتكون الزكاة في أرباحها إذا حال عليها الحول بعد قبضها، ويشترط بلوغ نصاب الزكاة لكل مساهم، فمن لم تبلغ أسهمه نصاب الزكاة، فإنها لا تجب عليه ذلك، أن الخلطة في الأموال لا تؤثر إلا في زكاة بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وأما ما عداها من أموال الزكاة فلا تؤثر فيها الخلطة، فكل مال معلق بصاحبه فقط، فلو فرضنا أن كل أسهم مساهم لا تبلغ نصاب الزكاة في كل أموال الشركة فإن الزكاة لا تجب فيها. وهي فروض بعيدة إذا علمنا أن نصاب الزكاة هو ٥٦ ريالا سعوديا، أو ما يعادله من أية عملة أو عرض تجارة.
ما الذي يقدر من قيمتي السهم؟
إذا كانت الأسهم معدة للتجارة والتقليب في البيع والشراء فهذه أسهم تعتبر عروض تجارة، فتزكى زكاة العروض، ولدينا - غالبا - قيمتان للسهم:
إحداهما: قيمة الإصدار الرسمية.
الثانية: قيمة السوق للأوراق المالية.
فالزكاة تكون لقيمة السهم في سوق الأوراق المالية، سواء كانت زائدة عن قيمة الإصدار، أو ناقصة، أو مساوية. فهذه القيمة السوقية هي التي تقدر بها قيمة السهم لإخراج زكاته، وتزيد وتنقص حسب العرض والطلب؛ لأننا اعتبرنا هذه الأسهم عروض تجارة.
وهذا هو الحكم في عروض التجارة عند تقدير قيمها في إخراج زكاتها.
هذا ما تيسر بحثه، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا السداد والصواب، وأن يجنبنا الخطأ والزلل.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
٢١/٢/١٤٠٦هـ. عبد الله بن عبد الرحمن البسام
стр. 3255
زكاة الأسهم في الشركات
إعداد
فضيلة أ. دكتور وهبه مصطفى الزحيلي ، أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بجامعة دمشق، والمعار حاليا إلى جامعة الإمارات ـ كلية الشريعة والقانون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا بحث في زكاة الأسهم في الشركات.
سبب وجود التعامل بالأسهم والسندات:
إن الإنسان حريص دائما على تحقيق الأرباح وابتغاء فضل الله من خلال التجارة الفردية أو الخاصة، والجماعية أو العامة، وذلك عملا بترغيب الشريعة واستجابة لحب النفس الفطري في تنمية المال واستثماره؛ كيلا تأكله الصدقة، وتستأصل الزكاة أصل رأس المال مع مرور السنوات والأعوام.
وقد لا يتمكن رأس المال الخاص في الغالب من تمويل المشروعات الصناعية والزراعية والتجارية الكبرى، التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، كالشركات المساهمة التي تتطلب أموالا كثيرة لوجودها، فظهر في العصر الحديث طريقة تجزئة رأس المال الكبير بواسطة ما يسمى بالأسهم التي تطرح في الحياة الاقتصادية، وتسدد قيمتها من مئات أو آلاف الناس.
وقد تحتاج الشركة القائمة إلى الاقتراض من الأفراد، فتلجأ إلى ما يسمى بالسندات في مقابل دفع فائدة مقطوعة معينة.
وكل من الأسهم والسندات تسمى في العرف الاقتصادي الحديث بالأوراق المالية، التي يتداولها الناس عامة فيما بينهم، إما بواسطة الإعلان في الجرائد أو الصحف اليومية، وإما في أسواق خاصة تسمى بورصات الأوراق المالية.
وقد تساءل الناس منذ ظهور الشركات المساهمة من أكثر من أربعين عاما عن حكم التعامل بالأسهم والسندات حلا وحرمة، وعن حكم الزكاة الواجبة فيها، ومن تجب عليه الزكاة؟ وأفتى علماء العصر بفتاوى متشابهة في مشروعية التعامل بالأسهم وحرمة التعامل بالسندات، لما تشتمل عليه من الربا بسبب دفع فائدة مقطوعة على مبالغ الديون المدونة فيها. واختلفوا في نسبة الواجب في الزكاة أهي ربع العشر أم العشر؟ كما اختلفوا فيمن تجب عليه زكاة الأسهم، أهو مالك السهم أم الشركة؟ ولكنهم اتفقوا على وجوب الزكاة على كل من الأسهم والسندات إذا بلغت قيمتها النصاب الشرعي، وإن اختلطت السندات بالحرام وصاحبها الربا وخبث الكسب؛ لأن الحرمة المصاحبة لجزء من المال لا تمنع من فرض الزكاة، بل إنه على العكس لا سبيل إلى التخلص من المال الحرام إلا بالصدقة به.
стр. 3256
تعريف الأسهم والسندات:
الأسهم: عبارة عن صكوك متساوية القيمة، غير قابلة للتجزئة، وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتمثل حقوق المساهمين في الشركات التي أسهموا في رأس مالها.
فالسهم يمثل جزءا من رأس مال الشركة، وصاحبه مساهم، والأسهم تتصف بالخصائص التالية: (١)
أـ أنها متساوية القيمة الاسمية: فلا يجوز إصدار أسهم بقيمة مختلفة، والقيمة المتساوية هي القيمة الاسمية التي يصدر بها السهم، والتي يحددها القانون بنسبة تتراوح في بعض البلاد، كالإمارات، بين درهم ومائة درهم.
والقيمة الاسمية للسهم تختلف عن كل من قيمته التجارية والحقيقية، فالقيمة الاسمية هي القيمة المبينة في الصك والتي تدون عليه، ويحسب على أساسها مجموع رأس مال الشركة.
أما القيمة التجارية: فهي قيمة السهم في السوق أو البورصة، وهي قيمة متغيرة حسب العرض والطلب وأحوال السوق وسمعة الشركة وسلامة مركزها المالي.
وأما القيمة الحقيقية للسهم فهي القيمة المالية التي يمثلها السهم فيما لو تمت تصفية الشركة وتقسيم موجوداتها على عدد الأسهم.
ب ـ أنها غير قابلة للتجزئة: أي لا يمكن أن تتمثل في صورة كسور حين يتعدد مالكو السهم في مواجهة الشركة.
ج ـ أنها قابلة للتداول بالطرق التجارية: أي يمكن انتقال ملكية الأسهم من شخص إلى آخر بالطرق التجارية المعروفة، ودون ما حوالة مدنية من قبل الشركة.
وإن كان السهم إذنيا (أي يصدر لإذن أو أمر المساهم) فإن تداوله يتم بطريق التظهير.
وإن كان السهم لحامله (أي يصدر من دون ذكر صاحبه) فإن تداوله يتم بمجرد التسليم؛ أي: المناولة اليدوية.
ومعظم القوانين تستلزم أن تصدر الأسهم اسمية وبعضها يجيز إصدار الأسهم لحاملها بشروط.
стр. 3257
والخلاصة: أن الأسهم تمثل حصصا في شركة أموال.
أما السندات فهي جمع سند، والسند صك مالي قابل للتداول، يمنح للمكتتب لقاء المبالغ التي أقرضها، ويخوله استعادة مبلغ القرض، علاوة على الفوائد المستحقة، وذلك بحلول أجله. وبعبارة أخرى: السند: تعهد مكتوب بمبلغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة.
والسند يشبه السهم من حيث وجود قيمة اسمية لكل منهما، ومن حيث قابليتها للتداول بالطرق التجارية، وعدم قابليتها للتجزئة.
والفارق الأساسي بين السهم والسند: أن السهم يمثل حصة في الشركة، بمعنى أن صاحبه شريك، في حين أن السند يمثل دينا على الشركة، أو يمثل جزءا من قرض على شركة أو دولة، بمعنى أن صاحبه مقرض أو دائن.
وبناء عليه، يحصل صاحب السهم على أرباح حين تحقق الشركة أرباحا فقط، أما صاحب السند فيتلقى فائدة سنويا، سواء ربحت الشركة أم لا.
وتكون الأسهم في الغالب اسمية، ضمانا لرقابة الدولة على حاملي الأسهم، أما السندات فتكون إما اسمية أو لحاملها.
التعامل بالأوراق المالية التجارية:
التعامل بالأسهم جائز شرعا؛ لأن أصحاب الأسهم شركاء في الشركة بنسبة ما يملكون من أسهم عشرة أو عشرين أو مائه مثلا، أما التعامل بالسندات فحرام شرعا؛ لاشتمالها على الفائدة الربوية المقطوعة، بغض النظر عن الربح والخسارة، فهي قروض بفائدة، وقد جاء في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت عام ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو عين الربا المحرم شرعا، وجاء في الاجتماع الأول للفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بالقاهرة عام ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م أنه بإجماع الآراء لا يصح للبنك الإسلامي استثمار جزء من أمواله في شراء أسهم الشركات التي لا يكون هدفها التعامل بالربا، لكن موارد تلك الشركات ونفقاتها تشتمل على فوائد مدفوعة وفوائد مقبوضة.
стр. 3258
زكاة السندات:
أشير فقط إلى حكم زكاة السندات؛ لأنه ليس من موضوع بحثي، فأقول: بالرغم من تحريم السندات فإنه تجب زكاتها؛ لأنها تمثل دينا لصاحبها، وتؤدى زكاتها عن كل عام؛ عملا برأي جمهور الفقهاء غير المالكية؛ لأن الدين المرجو (وهو ما كان على مقر موسر) تجب زكاته في كل عام. وشهادات الاستثمار أو سندات الاستثمار هي في الحقيقة سندات، وتجب فيها الزكاة، وإن كان عائدها خبيثا وكسبها حراما، وتزكى السندات كزكاة النقود أو عروض التجارة أي بنسبة ٢.٥ % من قيمتها
؛ وذلك لأن تحريم التعامل بالسندات لا يمنع من وجود التملك التام، فتجب فيها الزكاة، أما المال الحرام كالمغصوب والمسروق ومال الرشوة والتزوير والاحتكار والغش والربا ونحوها، فلا زكاة فيه؛ لأنه غير مملوك لحائزه، ويجب رده لصاحبه الحقيقي؛ منعا من أكل الأموال بالباطل، فإن بقي في حوزة حائزه وحال عليه الحول، ولم يرد لصاحبه، فتجب فيه زكاته؛ رعاية لمصالح الفقراء.
زكاة أسهم الشركات:
يتناول هذا الموضوع بحث أمور ثلاثة: هي وجوب الزكاة في الأسهم والنسبة أو المقدار الواجب إخراجه ومن تجب عليه الزكاة أهو صاحب السهم أم الشركة؟
أراء العلماء المعاصرين في زكاة الأسهم:
من الطبيعي أنه ليس للعلماء القدامى رأي في زكاة الأسهم؛ لأنه موضوع معاصر حديث، وإنما تكلم فيه العلماء المعاصرون ولم أجد كلام واحد منهم صوابا شاملا فيما اجتهد فيه، وإنما وجد جانبا من الصواب، والحق في كل اجتهاد، فلكل عالم بحث هذا الموضوع إصابة في جهة وخطأ في جهة أخرى، وسأعرض هذه الآراء وأبين مدى الإصابة والخطأ فيها، ثم أذكر رأيي نهائيا في الموضوع:
стр. 3259
١ـ رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى:
يقسم الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه " المعاملات الحديثة وأحكامها" الأسهم إلى نوعين بحسب موضوع استثمارها: (١)
أـ أسهم الشركات الصناعية
ب ـ أسهم الشركات التجارية
أما أسهم الشركات الصناعية المحضة التي لا تمارس عملا تجاريا كشركات الصباغة وشركات التبريد، وشركات الفنادق، وشركات الإعلانات، وشركات السيارات، والترام، وشركات النقل البري والبحري، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة فيها، إلا فيما تنتجه هذه الأسهم من ربح يضم إلى مال المساهم ويزكيه معها زكاة المال بعد مضي الحول عليه وبلوغه النصاب الشرعي؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والإدارات والمباني ونحوها.
وأما أسهم الشركات التجارية وهي التي تشترى البضائع وتبيعها كشركات التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد والتصدير، وشركات بيع المصنوعات الوطنية، أو التي تقوم بتصنيع بعض المواد الخام أو تشتريها مثل شركات البترول وشركات الغزل والنسيج، وشركات الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فتجب الزكاة فيها؛ لأنها تمارس عملا تجاريا، سواء معه صناعة أو لا، وتقدر الأسهم بقيمتها الحالية بعد حسم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات، وتقدر هذه القيمة للأصول الثابتة إما بالربع أو أكثر أو أقل.
وهذا يعني أن الشركات التجارية المحضة تجب زكاة أسهمها بحسب قيمتها التجارية في الأسواق، مع أرباحها المقررة لها في نهاية العام، كزكاة العروض التجارية بنسبة ٢.٥ % إذا كان أصل رأس المال والربح نصابا شرعيا، والزكاة على المحل التجاري من حيث البناء والتجهيزات التي فيه.
стр. 3260
أما الشركات الصناعية- التجارية كشركات السكر والنفط والمطابع وصناعة السفن والطائرات والسيارات، فتقدر الأسهم بقيمتها التجارية الحالية، مع حسم قيمة المباني والآلات وأدوات الإنتاج.
وهذا الرأي متفق مع المقرر في المذاهب الأربعة، وهو أن المصانع والعمارات الاستغلالية لا زكاة فيها، وإنما الزكاة على أرباحها السنوية إذا بلغت النصاب الشرعي وحال الحول عليها (أي: مضى عام عليها في يد صاحبها) ، وهو الرأي الذي أخذ به مجمع الفقه الأسلامي في جدة في دورته الثانية لعام ١٤٠٦هـ /١٩٨٥، وقرر فقهاء المذاهب أنه لا زكاة على سلاح الاستعمال وكتب العالم وآلات المحترفين؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، ولسيت بنامية أصلا، وسبب الزكاة ملك النصاب النامي ولو تقديرا بالقدرة على الاستنماء.وجاء في المعيار المعرب ١/٤٠٢ لأبي العباس الونشريسي:
وسئل عن الصناع يمر عليهم الحول، وبأيديهم من مصنوعاتهم ما إذا قوموها وأضافوها إلى مالهم من النقد اجتمع فيه نصاب، هل يجب عليهم التقويم؟ ويزكون ما حضر بأيديهم أم لا؟ فأجاب بأن قال: الحكم في ذلك أن الصناع يزكون ما حال الحول على أصله من النقد الذي بأيديهم إذا كان نصابا، ولا يقومون صناعاتهم ويستقبلون بأثمانها الحول؛ لأنها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم، إلا أن ما وضع فيه الصانع صناعته، من جلد أو خشب أو حديد أو نحو ذلك، يقومه المدير بعيدا من الصناعة إذا كان اشتراه للتجارة.
وهي فتوى في غاية الدقة والتيسير على الصناع، كصناعة الأحذية والمفروشات والخزائن الحديدية ونحوها.
وإني لمؤيد رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى المذكور آنفا، مع ملاحظة إيجاب الزكاة على الشركات الصناعية، إذا كانت منتوجاتها تجارية، معدة للبيع أو التصدير، بعد استقطاع قيمة الآلة والبناء، فالمطابع مثلا تزكي كل ما تنتجه في آخر العام من أوراق وكتب مملوكة لها؛ كما تزكي أرباحها المستفادة من أجور طبع ما تطبعه لحساب المتعاملين معها، وتحسم قيمة آلة الطباعة وآلة التجليد ونحوهما من مجموع رأس المال.