← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

تعريف الأسهم والسندات: الأسهم: عبارة عن صكوك متساوية القيمة، غير قابلة للتجزئة، وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتمثل حقوق المساهمين في الشركات التي أسهموا في رأس مالها. فالسهم يمثل جزءا من رأس مال الشركة، وصاحبه مساهم، والأسهم تتصف بالخصائص التالية: (١) أـ أنها متساوية القيمة الاسمية: فلا يجوز إصدار أسهم بقيمة مختلفة، والقيمة المتساوية هي القيمة الاسمية التي يصدر بها السهم، والتي يحددها القانون بنسبة تتراوح في بعض البلاد، كالإمارات، بين درهم ومائة درهم. والقيمة الاسمية للسهم تختلف عن كل من قيمته التجارية والحقيقية، فالقيمة الاسمية هي القيمة المبينة في الصك والتي تدون عليه، ويحسب على أساسها مجموع رأس مال الشركة. أما القيمة التجارية: فهي قيمة السهم في السوق أو البورصة، وهي قيمة متغيرة حسب العرض والطلب وأحوال السوق وسمعة الشركة وسلامة مركزها المالي. وأما القيمة الحقيقية للسهم فهي القيمة المالية التي يمثلها السهم فيما لو تمت تصفية الشركة وتقسيم موجوداتها على عدد الأسهم. ب ـ أنها غير قابلة للتجزئة: أي لا يمكن أن تتمثل في صورة كسور حين يتعدد مالكو السهم في مواجهة الشركة. ج ـ أنها قابلة للتداول بالطرق التجارية: أي يمكن انتقال ملكية الأسهم من شخص إلى آخر بالطرق التجارية المعروفة، ودون ما حوالة مدنية من قبل الشركة. وإن كان السهم إذنيا (أي يصدر لإذن أو أمر المساهم) فإن تداوله يتم بطريق التظهير. وإن كان السهم لحامله (أي يصدر من دون ذكر صاحبه) فإن تداوله يتم بمجرد التسليم؛ أي: المناولة اليدوية. ومعظم القوانين تستلزم أن تصدر الأسهم اسمية وبعضها يجيز إصدار الأسهم لحاملها بشروط.

стр. 3257

والخلاصة: أن الأسهم تمثل حصصا في شركة أموال. أما السندات فهي جمع سند، والسند صك مالي قابل للتداول، يمنح للمكتتب لقاء المبالغ التي أقرضها، ويخوله استعادة مبلغ القرض، علاوة على الفوائد المستحقة، وذلك بحلول أجله. وبعبارة أخرى: السند: تعهد مكتوب بمبلغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة. والسند يشبه السهم من حيث وجود قيمة اسمية لكل منهما، ومن حيث قابليتها للتداول بالطرق التجارية، وعدم قابليتها للتجزئة. والفارق الأساسي بين السهم والسند: أن السهم يمثل حصة في الشركة، بمعنى أن صاحبه شريك، في حين أن السند يمثل دينا على الشركة، أو يمثل جزءا من قرض على شركة أو دولة، بمعنى أن صاحبه مقرض أو دائن. وبناء عليه، يحصل صاحب السهم على أرباح حين تحقق الشركة أرباحا فقط، أما صاحب السند فيتلقى فائدة سنويا، سواء ربحت الشركة أم لا. وتكون الأسهم في الغالب اسمية، ضمانا لرقابة الدولة على حاملي الأسهم، أما السندات فتكون إما اسمية أو لحاملها. التعامل بالأوراق المالية التجارية: التعامل بالأسهم جائز شرعا؛ لأن أصحاب الأسهم شركاء في الشركة بنسبة ما يملكون من أسهم عشرة أو عشرين أو مائه مثلا، أما التعامل بالسندات فحرام شرعا؛ لاشتمالها على الفائدة الربوية المقطوعة، بغض النظر عن الربح والخسارة، فهي قروض بفائدة، وقد جاء في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت عام ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو عين الربا المحرم شرعا، وجاء في الاجتماع الأول للفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بالقاهرة عام ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م أنه بإجماع الآراء لا يصح للبنك الإسلامي استثمار جزء من أمواله في شراء أسهم الشركات التي لا يكون هدفها التعامل بالربا، لكن موارد تلك الشركات ونفقاتها تشتمل على فوائد مدفوعة وفوائد مقبوضة.

стр. 3258

زكاة السندات: أشير فقط إلى حكم زكاة السندات؛ لأنه ليس من موضوع بحثي، فأقول: بالرغم من تحريم السندات فإنه تجب زكاتها؛ لأنها تمثل دينا لصاحبها، وتؤدى زكاتها عن كل عام؛ عملا برأي جمهور الفقهاء غير المالكية؛ لأن الدين المرجو (وهو ما كان على مقر موسر) تجب زكاته في كل عام. وشهادات الاستثمار أو سندات الاستثمار هي في الحقيقة سندات، وتجب فيها الزكاة، وإن كان عائدها خبيثا وكسبها حراما، وتزكى السندات كزكاة النقود أو عروض التجارة أي بنسبة ٢.٥ % من قيمتها ؛ وذلك لأن تحريم التعامل بالسندات لا يمنع من وجود التملك التام، فتجب فيها الزكاة، أما المال الحرام كالمغصوب والمسروق ومال الرشوة والتزوير والاحتكار والغش والربا ونحوها، فلا زكاة فيه؛ لأنه غير مملوك لحائزه، ويجب رده لصاحبه الحقيقي؛ منعا من أكل الأموال بالباطل، فإن بقي في حوزة حائزه وحال عليه الحول، ولم يرد لصاحبه، فتجب فيه زكاته؛ رعاية لمصالح الفقراء. زكاة أسهم الشركات: يتناول هذا الموضوع بحث أمور ثلاثة: هي وجوب الزكاة في الأسهم والنسبة أو المقدار الواجب إخراجه ومن تجب عليه الزكاة أهو صاحب السهم أم الشركة؟ أراء العلماء المعاصرين في زكاة الأسهم: من الطبيعي أنه ليس للعلماء القدامى رأي في زكاة الأسهم؛ لأنه موضوع معاصر حديث، وإنما تكلم فيه العلماء المعاصرون ولم أجد كلام واحد منهم صوابا شاملا فيما اجتهد فيه، وإنما وجد جانبا من الصواب، والحق في كل اجتهاد، فلكل عالم بحث هذا الموضوع إصابة في جهة وخطأ في جهة أخرى، وسأعرض هذه الآراء وأبين مدى الإصابة والخطأ فيها، ثم أذكر رأيي نهائيا في الموضوع:

стр. 3259

١ـ رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى: يقسم الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه " المعاملات الحديثة وأحكامها" الأسهم إلى نوعين بحسب موضوع استثمارها: (١) أـ أسهم الشركات الصناعية ب ـ أسهم الشركات التجارية أما أسهم الشركات الصناعية المحضة التي لا تمارس عملا تجاريا كشركات الصباغة وشركات التبريد، وشركات الفنادق، وشركات الإعلانات، وشركات السيارات، والترام، وشركات النقل البري والبحري، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة فيها، إلا فيما تنتجه هذه الأسهم من ربح يضم إلى مال المساهم ويزكيه معها زكاة المال بعد مضي الحول عليه وبلوغه النصاب الشرعي؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والإدارات والمباني ونحوها. وأما أسهم الشركات التجارية وهي التي تشترى البضائع وتبيعها كشركات التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد والتصدير، وشركات بيع المصنوعات الوطنية، أو التي تقوم بتصنيع بعض المواد الخام أو تشتريها مثل شركات البترول وشركات الغزل والنسيج، وشركات الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فتجب الزكاة فيها؛ لأنها تمارس عملا تجاريا، سواء معه صناعة أو لا، وتقدر الأسهم بقيمتها الحالية بعد حسم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات، وتقدر هذه القيمة للأصول الثابتة إما بالربع أو أكثر أو أقل. وهذا يعني أن الشركات التجارية المحضة تجب زكاة أسهمها بحسب قيمتها التجارية في الأسواق، مع أرباحها المقررة لها في نهاية العام، كزكاة العروض التجارية بنسبة ٢.٥ % إذا كان أصل رأس المال والربح نصابا شرعيا، والزكاة على المحل التجاري من حيث البناء والتجهيزات التي فيه.

стр. 3260

أما الشركات الصناعية- التجارية كشركات السكر والنفط والمطابع وصناعة السفن والطائرات والسيارات، فتقدر الأسهم بقيمتها التجارية الحالية، مع حسم قيمة المباني والآلات وأدوات الإنتاج. وهذا الرأي متفق مع المقرر في المذاهب الأربعة، وهو أن المصانع والعمارات الاستغلالية لا زكاة فيها، وإنما الزكاة على أرباحها السنوية إذا بلغت النصاب الشرعي وحال الحول عليها (أي: مضى عام عليها في يد صاحبها) ، وهو الرأي الذي أخذ به مجمع الفقه الأسلامي في جدة في دورته الثانية لعام ١٤٠٦هـ /١٩٨٥، وقرر فقهاء المذاهب أنه لا زكاة على سلاح الاستعمال وكتب العالم وآلات المحترفين؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، ولسيت بنامية أصلا، وسبب الزكاة ملك النصاب النامي ولو تقديرا بالقدرة على الاستنماء.وجاء في المعيار المعرب ١/٤٠٢ لأبي العباس الونشريسي: وسئل عن الصناع يمر عليهم الحول، وبأيديهم من مصنوعاتهم ما إذا قوموها وأضافوها إلى مالهم من النقد اجتمع فيه نصاب، هل يجب عليهم التقويم؟ ويزكون ما حضر بأيديهم أم لا؟ فأجاب بأن قال: الحكم في ذلك أن الصناع يزكون ما حال الحول على أصله من النقد الذي بأيديهم إذا كان نصابا، ولا يقومون صناعاتهم ويستقبلون بأثمانها الحول؛ لأنها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم، إلا أن ما وضع فيه الصانع صناعته، من جلد أو خشب أو حديد أو نحو ذلك، يقومه المدير بعيدا من الصناعة إذا كان اشتراه للتجارة. وهي فتوى في غاية الدقة والتيسير على الصناع، كصناعة الأحذية والمفروشات والخزائن الحديدية ونحوها. وإني لمؤيد رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى المذكور آنفا، مع ملاحظة إيجاب الزكاة على الشركات الصناعية، إذا كانت منتوجاتها تجارية، معدة للبيع أو التصدير، بعد استقطاع قيمة الآلة والبناء، فالمطابع مثلا تزكي كل ما تنتجه في آخر العام من أوراق وكتب مملوكة لها؛ كما تزكي أرباحها المستفادة من أجور طبع ما تطبعه لحساب المتعاملين معها، وتحسم قيمة آلة الطباعة وآلة التجليد ونحوهما من مجموع رأس المال.

стр. 3261

لكن الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي لم يرتض هذا الرأي وأوجب الزكاة في أسهم الشركات جميعها، صناعية وتجارية، وقال عن تفرقة الشيخ عبد الرحمن عيسى بين نوعي الأسهم: هي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين. ثم استصوب الرأي الثاني للأستاذ الشيخ محمد أبي زهرة ومن وافقه الذي لا يفرق بين نوعي الأسهم تبعا لنوع شركاتها، ورأى أنه أوفق بالنظر إلى الأفراد، وأيسر في الحساب، ثم قال: بخلاف ما إذا قامت دولة مسلمة وأرادت جمع الزكاة من الشركات، فقد أرى الاتجاه الأول (رأي الشيخ عيسي) أولى وأرجح، والله أعلم. (١) ٢- رأي الأساتذة عبد الوهاب خلاف ومحمد أبي زهرة (٢) : يرى هؤلاء الأساتذة أن الأسهم والسندات- الأوراق المالية- إذا كانت قد اتخذت للتجارة، فإنها تكون عروضا تجارية، يجب فيها ما يجب في عروض التجارة من زكاة أي ٢.٥ %، وتكون الزكاة ربع العشر من الأصل والنماء، على حسب ما قرره جمهور الفقهاء. ورجح الدكتور القرضاوي هذا الاتجاه قائلا: ولعل هذا الاتجاه والإفتاء أوفق بالنظر إلى الأفراد من الاتجاه الأول، فكل مساهم يعرف مقدار أسهمه ويعرف كل عام أرباحها، فيستطيع أن يزكيها بسهولة، بخلاف الاتجاه الأول وما فيه من تفرقة بين أسهم في شركة، وأسهم في أخرى، فبعضها تؤخذ الزكاة من إيرادها، وبعضها تؤخذ زكاته من الأسهم نفسها حسب قيمتها، مضافا إليها الربح، وفي هذا شيء من التعقيد بالنظر إلى الفرد العادي. ولكني أرى أن الاتجاه الأول هو المقرر فقها، وهو الذي جرى عليه العمل منذ ظهور الشركات المساهمة وبدأ انتشارها في الأربعينات، ولا تعقيد في الأمر، فالمسلم يعرف أن الآلات الصناعية لا زكاه فيها، فإذا وظف ماله بطريق الأسهم في شركات صناعية، يحسم ما يقابل تلك الآلات، وإذا وظف ماله في أسهم شركات تجارية، زكاها كزكاة الأموال التجارية. (٣) وللأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة رأي قديم فيه تفصيل، ورد في تقرير حلقة الدراسات الاجتماعية لجامعة الدول العربية المنعقدة بدمشق سنة ١٩٥٢، وهو الرأي الذي أعلنه أيضا في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٦٥، ومفاده: أن الأسهم والسندات إذا اتخذت للتجارة أو بغرض المضاربة وإعادة بيعها في أسواق الأوراق المالية، والكسب من تجارتها، تعتبر من عروض التجارة، ويؤخذ منها الزكاة بتقدير قيمتها في أول العام وقيمتها في آخره، بنسبة ٢.٥ % ربع العشر من الأصل والنماء متي بلغت نصابا.

стр. 3262

أما إذا كانت بغرض الاستثمار وتوظيف الأموال، لا المضاربة والكسب من البيع والشراء، وإنما تقتنى للكسب من عائدها، وما تدره عليه من ربح سنوي، فإن الزكاة الواجبة على الشركة تكفي عن الزكاة على حملة الأسهم. وهذا الرأي ينظر إلى الأسهم من جهة الشخص الذي يمتلكها، وعلى وفق نيته فيها: هل يقصد الاتجار أم الاستثمار؟ وهو رأي ينسجم مع الوقت الذي لم تكن الشركات فيه تزكي أموالها أو تسأل عن كيفيه الزكاة. ولا أرى حاجة لهذا التفصيل؛ لأن الهدف من شراء الأسهم واحد، وهو الاتجار والاسترباح، وأن هذه الأسهم تزكى مثل زكاة عروض التجارة. ٣- فتوى هيئة الرقابة الشرعية ببنك فيصل الإسلامي السوداني: جاء في الفتوى رقم ١٧ حول أسس إخراج زكاة أسهم بنك فيصل الإسلامي السوداني لهيئة الرقابة الشرعية من غير أن تستفتى، ما يلي: رأت الهيئة بأغلبية الأعضاء (١) أن يخرج البنك زكاة أسهمه على الأسس التالية: ١- يخرج البنك زكاة الأسهم عند مضي الحول بمقدار ربع العشر ٢.٥ % من النقود، الموجودة من المدفوع من قيمة الأسهم، زائدا قيمة عروض التجارة الخاصة بالأسهم، ولا زكاة في عروض القنية (الأصول الثابتة) زائدا ربح الأسهم. ٢- العقارات التي يشتريها البنك بمال الأسهم إن كان اشتراها للتجارة فيها بالبيع والشراء، وزكاها زكاة عروض التجارة؛ أي: يضيف قيمتها إلى النقود الموجودة من الأسهم، وإن كان اشتراها لمؤجرها، فإنه يزكيها زكاة الأصول الثابتة؛ بإخراج العشر ١٠ % من أجرتها عندما يتسلمها. ٣- إذا كان البنك أعطى بعض مال الأسهم لمن يعمل فيه مضاربة – التمويل، زكى رأس المال الذي وكل به المضارب ونصيبه الربح. ٤- إذا كان على البنك ديون تجارية حالة من مال الأسهم، وله ديون على غيره تزيد على الديون التي عليه، فإنه يطرح الديون التي عليه من الديون الموجودة التي له، ويزكي الباقي، وإدا كانت الديون التي على البنك تزيد عن الديون التي له، طرح الزائد من النقود التي عنده وزكى الباقي، وإدا كانت ديون التجارة التي للبنك مؤجلة ومرجوة، فإنها تُقَوَّم بعرض، ثم يقوم العرض بنقد حال، وتزكى هذه القيمة. ٥- إذا كان للبنك ديون (قرض) زكاها زكاة النقود الموجودة مادام سدادها مرجوا. ٦- يستفسر من أصحاب الأسهم الصغيرة التي لا تبلغ النصاب، هل يجب عليهم فيها زكاة إذا ضمت إلى غيرها؟ فإن قالوا: لا تجب فيها الزكاة؛ لأنهم لا يملكون ما يكملها نصابا، استبعدت قيمتها من جملة الأسهم.

стр. 3263

هذه الأسس تتفق في جملتها مع الرأي القائل: إن الأسهم تزكى عروض التجارة، ولكنها تختلف عنها في بعض التفصيلات؛ حيث إنه في هذه الأسهم اعتبرت قيمة الأسهم الحقيقية - أي: الاسمية - لا القيمة السوقية كما يرى القائلون باعتبارها عروض تجارة؛ وذلك لأن قيمة السوقية تقديرية، والقيمة الحقيقية تمثل الواقع، ولا يصح اللجوء إلى التقدير ما دامت معرفة الحقيقة ممكنة، كما أخرجت العقارات المتخذة للاستغلال وجعلت الزكاة من أجرتها، لا من قيمتها؛ لأنها ليست عروض تجارة في الواقع، واضح أن المدفوع من القسط الأول من الأسهم حتى قد حال عليه الحول ووجبت زكاته على البنك أن يستخرجها على الأسس المتقدمة، وإذا كان تطبيق هذه الأسس متعذرا في الوقت الحاضر، فإنه يجوز أن يخرج البنك بالنسبة للقسط الأول ٢.٥ % من المبالغ المدفوعة عنه، بعد طرح قيمة الأثاثات الثابتة، والأسهم التي لا تبلغ النصاب حتى ترد إفادة أصحابها.. على أن يفكر في الطريقة التي تمكن من تطبيق هذه الأسس كاملة مستقبلا. وهذا الحل المؤقت لا يختلف عن الرأي القائل باعتبار الأسهم عروض تجارة تؤخذ الزكاة من قيمتها في السوق، مضافا إليها الربح بعد طرح قيمة الأثاثات الثابتة إلا في ناحيتين: الأولى: اعتبار القيمة الاسمية للسهم. الثانية: عدم إضافة الربح؛ لأنه غير معروف، وعدم طرح المنصرفات وإن كانت معروفة؛ لأن المفروض أن تغطى المنصرفات من الربح، لا من رأس المال، وما دام الربح لم يؤخذ في الاعتبار، فمن العدل ألا تؤخذ المنصرفات أيضا في الاعتبار، والله أعلم. ومع تأييدي لهذه الفتوى في الجملة، فإني أعارضها في الأمور التالية: أولا: العقارات المستغلة تزكى من أرباحها بنسبة ٢.٥ %، وليس العشر من أجرتها عندما يتسلمها، وذلك بعد مضي الحول عليها وهي قائمة في يد أصحابها أو لدى البنك. ثانيا: تزكى الأسهم في الشركات زكاة الخليطين، ولو كانت أسهم المساهم لا تبلغ نصابا شرعيا وحدها بالنسبة إليه، كما سيأتي. ثالثا: تقدر الأسهم بالقيمة التجارية الموجودة في الأسواق (بورصات الأوراق المالية) فإنها أصبحت معروفة، وقد تتجاوز القيمة الاسمية عشرات أو مئات المرات، كما حدث فعلا في بعض الأسواق. فإذا لم تعرف حاليا تجب زكاتها بمجرد معرفتها. رابعا: تضاف الأرباح عند معرفتها إلى أصل قيمة الأسهم؛ إذ ما من شركة إلا وتضع ميزانية شاملة في آخر كل عام، تبين فيها الأصول والخصوم بالتعبير التجاري، أو رأس المال والأرباح والديون.

стр. 3264

المقدار الواجب إخراجه في زكاة الأسهم: تزكى الأسهم – كما عرفنا – زكاة عروض التجارة، فيكون مقدار الواجب فيها هو ربع العشر ٢.٥ % من الأصل والنماء أو الربح. وإذا كنا قد استبعدنا التفصيل المذكور في الرأي القديم للأستاذ الشيخ محمد أبي زهرة، واعتمدنا رأي الشيخ عيسى، مع ضرورة التمييز بين ما هو تجاري وما هو صناعي، فإن ما قرره أبو زهرة من زكاة الأسهم التجارية بنسبة ٢.٥ %، وزكاة الأسهم المتخذة للاستثمار؛ كزكاة الأصول الثابتة ١٠ % غير مناسب، ومخالف لما قرره فقهاؤنا في رأيهم المشهور من أن نسبة الزكاة في عروض التجارة هي ٢.٥ %. فيكون جعله نسبة زكاة أسهم الاستثمار ١٠ % غير متفق مع المذاهب الفقهية، ولا داعي للتفرقة بين أسهم التجارة وأسهم الاستثمار، وبخاصة فإنه في رأيه الأخير لم يذكر هذا التفصيل، واكتفى بالقول بوجوب الزكاة على الأسهم، مثل زكاة عروض التجارة. والخلاصة: تجب زكاة الأسهم والسندات بنسبة ربع العشر ٢.٥ % من قيمتها التجارية مع ربحها في نهاية كل عام، ولا تزكى الأصول الثابتة من صافي الأرباح ١٠ %.

стр. 3265

مَن تجب عليه زكاة الأسهم: يرى الأساتذة أبو زهرة ومن معه أن ما يؤخذ من الأسهم والسندات لمن يتجر فيها غير ما يؤخذ من الشركات نفسها؛ لأن الشركات التي تؤخذ منها الزكاة تكون باعتبار أن أموال الشركة نامية بالصناعة ونحوها، أما الأسهم للمتجر فيها، فهي أموال نامية باعتبار عروض التجارة. وقد انتقد الدكتور القرضاوي بحق هذا الازدواج لإيجاب الزكاة على الأسهم ذاتها مرتين باعتبار صاحب الأسهم مرة بوصفه تاجرا، فأخذنا من أسهمه وربحها جميعا ربع العشر، ثم مرة أخرى بوصفه منتجا، فأخذنا من ربع أسهمه أو من إيراد الشركة العشر، والراجح أن نكتفي بإحدى الزكاتين؛ إما الزكاة عن قيمة الأسهم مع ربحها بمقدار ربع العشر، وإما الزكاة عن غلة الشركة وإيرادها بمقدار العشر من الصافي؛ منعا للثني أو الازدواج. وأرى أن زكاة الأسهم هي فقط ربع العشر ٢.٥ % من الأصل، مع الربح السنوي، وتُقَوَّم الأسهم كما تقوم عروض التجارة في آخر كل عام بحسب سعرها في السوق وقت إخراج الزكاة، لا بحسب سعر شرائها، وتضم الأسهم التجارية إلى بعضها عند التقويم، ولو اختلفت أجناسها في التجارة والصناعة بعد حسم قيمة الآلات الصناعية.

стр. 3266

وتزكي الشركات جميع الأسهم؛ لأن للشركة ربحا من الأسهم، فهي شريك للمساهم، ولأن الشركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة (١) وبما أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري، حيث لا يشترط فيها التكليف الذي أساسه البلوغ مع العقل، وقياسا على زكاة الماشية في مذهب الشافعية الجديد القائلين بتأثير الخلطة في المواشي وغيرها، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضا في المواشي (٢) عملا بعموم الحديث النبوي الثابت في الزكاة: ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)) ، ولأن السهم يعبر عن قيمة مالية أو مبلغ من مال، فهو مال تجب فيه الزكاة، فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية، ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن (التكليف) من مخزن وناطور وغيرهما، فهي - أي: غير المواشي - من النقود والحبوب والثمار وعروض التجارة كالمواشي، فتخف المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحدا. وحينئذ لا يعفى من زكاة الأسهم في الشركات المساهمة أحد من المساهمين، ولو كانت حصته سهما واحدا، وتؤدى الزكاة من صافي مال الشركة المساهمة النامي ونمائه، بنسبة ٢.٥ % ربع العشر، فلا تحتسب قيمة الأموال والأصول الثابتة ـ عروض القنية ـ كالأراضي والمباني والآلات وغيرها؛ لأن السهم يمثل حصة في صافي الشركة المساهمة من أموال وأصول ثابتة وأموال وأصول متداولة (نقود وعروض تجارة) . أما القول بزكاة الأسهم كزكاة الأصول الثابتة بنسبة ١٠ % من الأرباح فهو رأي ضعيف لا تقره آراء فقهائنا القدامى. ثم إن في إلزام الشركة المساهمة بإخراج زكاة الأسهم جميعها نفعا محققا للفقراء، ويؤيد هذا الرأي أن الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة رأى في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٦٥ كما تقدم أنه إذا كانت الأسهم تتخذ للاستثمار، وهي ممثلة في رأس مال شركة مساهمة، فإن دفع الشركة للزكاة يغني عن دفع حامل السهم، إلا أن مجمع البحوث الإسلامية أوصى بأنه في الشركات المساهمة التي يساهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق هذه الأحكام إلى مجموع أرباح الشركات، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة. لكني أخالف هذا الاتجاه للأسباب السابقة، أما في حال تفرقة الزكاة وتوزيعها فلا مانع من إعطاء صاحب الأسهم زكاته؛ ليتولى تفرقتها بالنيابة عن الشركة وأصالة عن نفسه.

стр. 3267

وقد قررت الجمعية العمومية لحاملي أسهم دار المال الإسلامي في المملكة العربية السعودية إعطاء الحق لمن يريد من المساهمين سحب الزكاة المستحقة على حصته من الأسهم لتوزيعها بمعرفته الشخصية. وكان القرار ينص على استمرار الدار في مباشرة خصم (حسم) مبالغها (الزكاة) والمستحقة شرعا. وعلى كل مساهم يرغب في القيام بصرف ما يخصه من مبالغ طلب ذلك قبل ثلاثة أشهر من نهاية السنة المالية؛ وذلك حتى تقوم الدار بتسلميها له وفق الإجراءات التي تقرها هيئة الرقابة الشرعية للدار. والخلاصة: أرى أن تكون زكاة الأسهم في الشركات بحسب قيمتها التجارية المعلن عنها في الأسواق، لا بقيمتها الاسمية فقط، وأن تزكى زكاة عروض التجارة بنسبة ٢.٥ % إذا كانت الشركة تجارية، فإن كانت الشركة صناعية محضة لا تتاجر ولا تنتج سلعا تجارية، فلا تزكى الأسهم، أما إن أنتجت سلعا تجارية، كشركة إنتاج الثلاجات، فتزكى الأسهم بعد استقطاع ما يقابل قيمة الآلات الصناعية والمباني، وتقوم الشركة نفسها بتقدير زكاة الأسهم جميعها، وتزكيها وتعلم أصحاب الأسهم، ويمكنها أثناء توزيع الزكاة إعطاء صاحب الأسهم زكاتها ليقوم هو بإعطائها للفقراء، والله أعلم. أ. دكتور وهبه مصطفى الزحيلي.

стр. 3268

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الشيخ محمد عبد اللطيف آل سعد عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الهداة المهتدين، وعلى من دعا بدعوته بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه، وهي واجبة على الغني فيما يفضل عن حاجته وحاجة من ينفق عليهم، وتؤخذ من النقد وعروض التجارة ومن المواشي وثمار الزروع بنسب معروفة عند المسلمين، لا ترهق دافعي الزكاة، وتسد حاجة الفقير والمسكين، وتفي بإقامة المصالح العامة، وهي عبادة مالية، يكفر جاحدها، ويقاتل مانعها، يتجلى ذلك في وصية رسول الله ﷺ لمعاذ رضي الله تعالى عنه حينما بعثه واليا على اليمن: ((إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) . وفي قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: ١٠٣ وأسهم الشركات هي مجموعة الأسهم التي يشتريها الناس، وتكون قيمتها مجتمعة هي رأس مال الشركة، موزعا على جميع المساهين فيها، وهي أموال قابلة للتعامل والتداول بين الأفراد والجماعات، وقد أصبحت وسيلة للاتجار فيها بالبيع والشراء؛ ابتغاء الربح، وهي حلال ما لم يكن عمل الشركة الذي تكون من مجموع الأسهم مشتملا على محظور شرعي، وهي بهذا الاعتبار تكون من عروض التجارة، وتجب فيها الزكاة؛ لأن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء، ويكسب منها كما يكسب كل تاجر من سلعته، وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فكان من الحق أن تكون وعاء للزكاة ككل أموال التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ في عروض التجارة، ويعتبر الحول فيها من تاريخ شراء الأسهم. والأسهم: إما أن تكون أسهما تجارية أو صناعية أو عقارية، فإن كانت أسهما تجارية (بضائع) ، فالزكاة فيها تكون على رأس المال والعائد. أما إذا كانت الأسهم في شركات صناعية، فالزكاة فيها على العائد فقط؛ لأن السهم يمثل جزءا شائعا من المصنع، وأدوات المصانع لا زكاة عليها. أما الأسهم العقارية، فإن كانت تمثل شراء أرض لبنائها واستغلال ما عليها من مبان، فالزكاة فيها على العائد فقط. أما إذا كانت العقارات من أرض ومبان قد اشتريت بقصد المتاجرة، فالزكاة فيها على الأصل والعائد. ومعنى هذا أن تؤخذ الزكاة على الأسهم في آخر كل حول بمقدار ٢.٥ % في المائة من قيمة الأسهم، حسب تقديرها في الأسواق، مضافا إليها الربح إن وجد، بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابا، أو يكملا مع مال عنده نصابا، فكل مساهم يعرف مقدار ما يملك من أسهم، ويعرف مقدار أرباحها في كل عام، فيستطيع أن يزكيها بسهولة، هذا ما ذهب إليه كثير من العلماء المحققين المعتد بفتاواهم، والله أعلم وأحكم. ٨ من شعبان ١٤٠٦ هـ ١٧ إبريل ١٩٨٦ م محمد عبد اللطيف آل سعد.

стр. 3269

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الدكتور أبو بكر دوكوري . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قبل التعرض لحكم الأسهم، نعطي فكرة موجزة عنه؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره. يراد بالأسهم الحقوق الملكية الجزئية لرأس مال شركة من الشركات المساهمة، فكل سهم يعتبر جزءا من أجزاء متساوية لرأس المال. والأسهم في الشركات من المعاملات المالية المعاصرة؛ لذلك لا نكاد نجد لها ذكرا في كتب الفقه القديمة، وحتى في كتب المعاصرين لم يعط هذا المبحث العناية اللائقة به؛ إذ قليل من كتب فيه، لذلك نجد في العالم الإسلامي كثيرا من الناس لا يعرفون الأحكام المتعلقة بالأسهم، وخاصة فيما يتعلق بالزكاة. والعلماء الذين بحثوا في هذا الموضوع ذهبوا إلى مذهبين: المذهب الأول: أن ينظر إلى نوع الشركة التي أصدرت الأسهم: هل هي شركة صناعية محضة، أم هي تجارية محضة، أم هي مزدوجة؟ فإن كانت صناعية محضة، بحيث لا تمارس عملا تجاريا؛ كشركات الصباغة والتبريد مثلا، فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم قد صرفت في الآلات والإدارات والمباني، فما يحصل منها من ربح فإنه يضم إلى أموال المساهمين ويزكى معها زكاة المال، بشرط بقائه إلى الحول وبلوغه النصاب. وإن كانت ـ أي الشركة المساهمة ـ تجارية محضة، تشتري البضائع وتبيعها، أو كانت مزدوجة صناعية تجارية معا، كشركات البترول مثلا، فإن الزكاة تجب في أسهمها بعد خصم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركة، وهذا المذهب قد ذهب إليه الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه " المعاملات الحديثة وأحكامها "، بناء على الرأي المشهور في عدم وجوب الزكاة في المصانع والعمائر الاستغلالية ورؤوس الأموال المغلة على وجه العموم؛ كالفنادق والسيارات والطائرات ونحوها، وإنما تجب الزكاة في غلتها إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول. وقد ناقش الدكتور يوسف القرضاوي في كتابة "فقه الزكاة" هذا المذهب، واعترض عليه بشدة؛ لكونه يقوم على تفريق بين متماثلين، وهو غير معهود في شريعتنا الغراء؛ إذ لا وجه لأخذ الزكاة عن الأسهم إذا كانت في شركة تجارية وإسقاطها عنها إذا كانت في شركة صناعية؛ لأن الأسهم هنا وهناك هي رأس مال نام، يدر ربحا سنويا متجددا.

стр. 3270

المذهب الثاني: عدم النظر إلى نوعية الشركة المساهمة للتفريق بين أسهم شركة وأخرى، كما تقدم، وإنما ينظر إلى الأسهم نظرة واحدة بغض النظر عن الشركة التي أصدرتها، وتعطى حكما واحدا لاعتبارها من عروض التجارة حيث اتخذت للاتجار، تباع وتشترى، ويكسب فيها كما يكسب كل تاجر من سلعته، فتزكى زكاة عروض التجارة. وذلك بأن يؤخذ من قيمة الأسهم مع الربح ربع العشر؛ أي: ٢.٥ % إذا بلغا نصابا. وقد رجح بعض العلماء هذا الاتجاه الثاني بالنسبة إلى الأفراد نظرا إلى سهولته؛ لأن كل مساهم يعرف أسهمه ويعرف أرباحها في كل عام بخلاف الاتجاه الأول القائم على التفريق بين أسهم الشركات وأخذ الزكاة في إيراد بعضها، بينما في بعضها الآخر تؤخذ الزكاة من الأسهم نفسها حسب قيمتها، مضافا إليها الربح، وفي هذا صعوبة بالغة بالنسبة إلى الفرد العادي. وإذا أوجبنا الزكاة على أسهم الشركات المساهمة، وأخذناها من المساهمين، فهل توجب الزكاة مرة أخرى على إيراد هذه الشركات نفسها أو لا؟ خلاف بين الباحثين. وقد رأى الدكتور يوسف القرضاوي الاكتفاء إما بالزكاة عن قيمة الأسهم مع ربحها بمقدار ربع العشر، وإما الزكاة عن غلة الشركة وإيرادها بمقدار العشر، وذلك حتى لا نزكي مالا واحدا مرتين، وهو ممنوع شرعا، وأنا أيضا أميل إلى هذا الرأي وأرجحه، والله أعلم. دكتور أبو بكر دوكوري

стр. 3271

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ مفتي جمهورية القمر الاتحادية الإسلامية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: إن مما لا خلاف فيه بين فقهاء المسلمين وجوب الزكاة على كل مسلم ملك نصاب مال زكوي إذا حال عليه حول وهو في ملكه، سواء كان ذلك المال في يده أو في يد أمين له كوديع وشريك ووكيل ومدير شركة، أو كان ذلك المال في يد غير أمين له؛ كغاصب ومدين له مليء مقر أو جاحد، وله عليه بينة، وسواء كان معزولاً في صندوق خصيصاً بمال الغير؛ كأسهم الشركات وما استودع في مخازن البنوك وصناديق التوفير. وإنما الخلاف في المال المشترك والخليط بمال الغير إذا لم يبلغ سهم كل واحد نصاباً، وكان المال الخليط غير مواش سائمة، فعند الإمام الشافعي تجب الزكاة في المال المشترك والخليط بمال الغير إذا بلغ مجموع الأسهم نصابا، وإن لم يبلغ سهم كل فرد نصابا، سواء في ذلك المواشي وغيرها، كالنقدين ومال التجارة. راجع كفاية الأخبار ص: ١١٣. وعند الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم تجب الزكاة في المال المشترك والخليط بمال الغير، شريطة أن يبلغ سهم كل واحد من المشتركين والخلطاء نصاباً. راجع بداية المجتهد جـ١ ص٢٧١. والمغني لابن قدامة جـ٢ صـ٢١٨. ولسنا في حاجة إلى الإطالة في ذكر أقوالهم وأدلتها ما دامت أسهم الشركات تبلغ نصابا في الغالب، وهو محل اختلافهم في وجوب زكاتها كما سبق القول بذلك. وبما ذكرت أقول، ومن الله أستمد العون والتوفيق: تجب الزكاة في أسهم الشركات وفي الربح المستفاد منها إن كانت الشركة تجارية، وينعقد حول زكاتها من ابتداء عمل التجارة، وتجب أيضا في الربح المستفاد من الأسهم فقط، إن كانت الشركة غير تجارية كمعمل ودور وسيارات ومعدات للإيجار مثلا، وينعقد حول زكاته من حين قسمة الشركاء ودخول حصة كل شريك في ملكه، وإن بقيت في يد مدير الشركة كأمانة، هذا ويجوز لكل من أصحاب الأسهم توكيل مدير الشركة بإخراج القدر الواجب عليه من حصته إن بقيت في يده بعد القسمة، كما يجوز له إخراجه بمال آخر في جيبه. والله تعالى أعلم، وهو ولي التوفيق. الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ

стр. 3272

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون الخرطوم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد، فهذا بحث عن (زكاة الأسهم في الشركات) في الفقه الإسلامي، أكتبه استجابة لرغبة مجمع الفقه الإسلامي، راجياً أن يجد فيه المؤتمرون ما يساعد على الوصول إلى رأي جماعي في هذا الموضوع. التعريف بالسهم: السهم في القانون التجاري هو الحصة التي يقدمها الشريك في شركات المساهمة، وهو يمثل جزءاً معيناً من رأس مال الشركة، ويتمثل السهم في صك يعطى للمساهم، ويكون وسيلته في إثبات حقوقه في الشركة، ويطلق السهم أيضاً على هذا الصك، فكلمة سهم تعني حق الشريك في الشركة، كما تعني الصك المثبت لهذا الحق. ويقسم رأس مال شركة المساهمة إلى أسهم متساوية القيمة الاسمية، وهذا يقتضي المساواة في الحقوق التي يمنحها السهم، ولكن بعض القوانين يجيز للشركة أن تصدر أسهماً ممتازة تختص بمزايا لا تتمتع بها الأسهم العادية (١) . والسهم قد يمثل حصة نقدية في رأس مال الشركة إذا كان ما قدمه الشريك نقداً، ويسمى هذا سهماً نقدياً، وقد يمثل حصة عينية إذا قدم الشريك للشركة عيناً، منقولاً أو عقاراً، ويسمى سهماً عينياً، والسهم سواء أكان نقدياً أم عينياً يعتبر مالاً منقولاً في قانون الشركات، ولو كانت الشركة تعمل في العقارات، ولو كانت الحصة التي قدمها الشريك عقاراً (٢) . وقد يكون السهم باسم شخص معين تثبت ملكيته للسهم، يقيد اسمه في سجل الشركة ويسمى "السهم الاسمي"، وقد لا يحمل السهم اسم المساهم، وإنما يذكر فيه أنه لحامله، ويعتبر حامل السهم هو المالك في نظر الشركة والغير، ويسمى "السهم لحامله" وتمنع بعض القوانين إصدار أسهم لحاملها.

стр. 3273

وما دامت الشركة قائمة فليس للمساهم حق عيني في أعيانها، ولا المطالبة بقيمة سهمه، وإنما له الحق في الاستيلاء على نصيب في الأرباح؛ لأن الحصة التي يقدمها الشريك للشركة تخرج عن ملكه وتصبح مملوكة للشركة كشخص معنوي، فإذا انحلت الشركة كان لكل مساهم حصة في موجودات الشركة. وإذا أراد المساهم الخروج من الشركة، فليس أمامه إلا أن يتنازل عن سهمه لغيره بقابل أو بغير مقابل، وحق التنازل عن السهم من الحقوق الأساسية للمساهم، ومن الأصول التي يقوم عليها نظام شركات المساهمة، وهو السر في ازدهار هذا النوع من الشركات؛ إذ يُقْدِم الناس على الاكتتاب في أسهمها وهم مطمئنون إلى أنهم يستطيعون الخروج منها كلما أحوجتهم ظروفهم إلى ذلك، ولا يترتب على خروجهم ضرر للشركة أو لدائنيها؛ لأن الشريك الذي خرج من الشركة يحل محله شريك آخر. وتضع بعض قوانين الشركات ونظمها قيوداً على حرية تناول الأسهم لمنع التلاعب في قيمة السهم (١) .

стр. 3274

هل في الأسهم زكاة؟: قلنا في تعريف السهم: إنه الحصة التي قدمها الشريك في شركة المساهمة، وإن هذه الحصة قد تكون نقداً، وهذا هو الغالب، وقد تكون عيناً، منقولاً أو عقاراً، والنقود التي يقدمها الشريك يتحول جزء منها إلى منقول أو عقار، وكذلك المنقولات والعقارات قد يتحول جزء منها إلى نقود، تبعاً للعمل الذي تباشره الشركة، فالتكييف الحقيقي والواقعي للسهم هو أنه جزء من موجودات الشركة أياً كان نوعها، وهذه الموجودات أموال مملوكة يجب على مالكها زكاتها، إذا توافرت شروط الوجوب، لا فرق بينها وبين أي مال مملوك لأي شخص. بعض الآراء في وجوب الزكاة في الأسهم: رأي الأستاذ أبو زهرة: يقول الأستاذ أبو زهرة: "وكان حقاً علينا أن نجعل الزكاة في الأسهم؛ لأننا لو أعفينا ملاك هذه الأسهم من الزكاة لكان في ذلك ظلم كبير على غيرهم من الملاك، وكان ظلماً للفقراء، وفوق ذلك يتهرب الناس بأموالهم التي تجب فيها الزكاة، فيشترون الأسهم حيث لا زكاة فيها، وإن نظرة عاجلة إلى ينابيع الثروة في مصر ترينا أن أكثرها إنتاجا وغلة هي هذه الشركات، فهل يسوغ عقلاً أن يعفى ملاك الأسهم من الزكاة، وتؤخذ من صغار الفلاحين ذوي المورد المحدد؟ " (١) . فالأستاذ أبو زهرة يرى وجوب الزكاة في أسهم جميع الشركات المساهمة، وهو رأي أكثر من اطلعت على رأيهم ممن كتبوا في هذا الموضوع (٢) ولكن الأستاذ أبو زهرة يبني الوجوب على أساس غير الأساس الذي بنيته عليه.

стр. 3275

رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى: كتب الشيخ عبد الرحمن عيسى عن زكاة أسهم الشركات ما يلي: "قد لا يعرف كثير ممن يملكون أسهم الشركات حكم زكاة هذه الأسهم، وقد يعتقد بعضهم أنها لا تجب زكاتها، وهذا خطأ، وقد يعتقد البعض وجوب الزكاة في أسهم الشركات مطلقاً، وهذا خطأ أيضاً، وإنما الواجب النظر في هذه الأسهم تبعاً لنوع الشركة التي أصدرتها. فإن كانت الشركة المساهمة شركة صناعية محضة؛ أي: لا تمارس عملاً تجارياً، كشركات الصباغة وشركات التبريد وشركات الفنادق، وشركات الإعلانات، وشركات الأوتوبيس، وشركات النقل البحري والبري، وشركات الترام، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والأدوات والمباني، وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولكن ما ينتج ربحاً لهذه الأسهم يضم إلى أموال المساهمين ويزكى معها زكاة المال. وإن كانت الشركة المساهمة شركة تجارية محضة تشتري البضائع وتبيعها بدون إجراء عمليات تحويلية على هذه البضائع؛ كشركة بيع المصنوعات المصرية، وشركة التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد، وشركة شوكريل، وشركة شملا، أو كانت شركة صناعية تجارية، وهي الشركات التي تستخرج المواد الخام أو تشتريها ثم تجري عليها عمليات تحويلية، ثم تتجر فيها، مثل شركات البترول وشركات الغزل والنسيج للقطن والحرير، وشركة الحديد والصلب، والشركات الكيماوية كشركة كيما وشركة الملح والصودا، وشركة راكنا لصناعة الورق، فتجب الزكاة في أسهم هذه الشركات، فمدار وجوب الزكاة في أسهم الشركات أن تكون الشركة تمارس عملاً تجارياً، سواء معه صناعة أم لا. (١) . وقد علق الدكتور القرضاوي على هذا الرأي بأنه مبني على الرأي المشهور أن المصانع والعمائر الاستغلالية ورؤوس الأموال المغلة غير التجارية على وجه العموم، كالفنادق والسيارات والترامات والطائرات ونحوها، ليس فيها كلها زكاة، لا في رأس المال والربح معا كمال التجارة، ولا في الغلة والإيراد كالخارج من الأرض الزراعية، إلا إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول. (٢) .

стр. 3276

ويرى الدكتور القرضاوي أنه لا وجه لأخذ الزكاة عن الأسهم إذا كانت في شركة تجارية وإسقاطها عنها إذا كانت في شركة صناعية، والأسهم هنا وهناك رأس مالٍ نامٍ يدر ربحاً سنوياً متجدداً (١) . والواقع أن هذا الاختلاف ليس خاصاً بالأسهم والشركات؛ لأنه يمكن أن يقال في كل مال مستثمر، والنتيجة على الرأيين هي أن الأسهم أموال تجب فيها الزكاة إذا توافرت شروط وجوبها، والاختلاف بين رأي الشيخ عيسى ورأي الدكتور القرضاوي هو في تحقق شروط الوجوب. هل تجب الزكاة على الشركة أم على المساهم؟ (٢) بعدما قررنا أن السهم يمثل مالاً مملوكاً تجب الزكاة على مالكه إذا توافرت فيه شروط وجوبها، يبقى النظر فيمن تجب عليه زكاة السهم، هل هو الشركة أم المساهم؟ الزكاة تجب في المال على مالكه، فمَن المالك لأموال الشركة؟ يقول الدكتور مصطفى كمال: للشركة ذمة مالية مستقلة بأصولها وخصومها عن ذمم الشركاء ... فأموال الشركة لا تعتبر ملكاً شائعاً بين الشركاء، بل تعتبر هذه الأموال ملكاً للشركة، ... والحصة التي يقدمها الشريك للشركة تخرج عن ملكه، وتصبح مملوكة للشركة كشخص معنوي، ولا يكون للشريك بعد ذلك إلا مجرد نصيب في الأرباح، أو في الأموال التي تبقى بعد تصفية الشركة ... " (٣) . إذا كان هذا الذي يقرره علماء القانون التجاري بشأن أموال الشركة مقبولاً فقهاً، فإن النتيجة المنطقية له هي أن زكاة أموال الشركة لا يطالب بها المساهمون، وإنما تطالب بها الشركة، وهذا هو رأي بعض من تعرض لهذه المسألة. منهم الدكتور شوقي إسماعيل شحاتة حيث يقول (٤) : "لما كانت الشركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة، وبناء على أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، (٥) فإنها تجب على الشخص الاعتباري حيث لا يشترط التكليف الديني، وأساسه البلوغ والعقل، (٦) وقياساً على زكاة الماشية، وإن الخلطة فيها قد خصت بخصوصية تراجع الخلطاء فيما بينهم بالسوية على التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه، (٧) وإن الشركة في الماشية هي شركة أموال بالمفهوم المعاصر، وليست شركة أشخاص، وإن الشركة في الماشية تكون على وجه المخالطة –لا الملك- ومؤداها أن الزكاة تجب في مال الشركة المجتمع ككل، وليس في مال كل شريك على حدة ... ".

стр. 3277

ويرى الشيخ أبو الأعلى المودودي أن زكاة الأسهم تفرض على الشركة إذا كانت الدولة تقوم بتحصيل الزكاة (١) . ويفهم مما نقلته عن الشيخ عبد الرحمن عيسى أن زكاة الأسهم يخرجها المساهم. وأرى أن زكاة الأسهم تجب على المساهم؛ لأنه هو المالك الحقيقي للأسهم، والشركة تتصرف في أسهمه نيابة عنه، حسب الشروط المبينة في قانون الشركة ونظامها الأساسي، فإذا نص في النظام الأساسي على أن الشركة تخرج زكاة الأسهم وجب عليها إخراجها، ولا يطالب بها المساهمون، أما إذا لم يوجد هذا النص فلا تخرج الشركة الزكاة إلا بقرار من الجمعية العمومية، أو بقانون في الدولة يلزم الشركات بإخراج زكاة الأسهم، (٢) وأما القول بوجوب زكاة الأسهم على الشركة أصالة، باعتبار أن الشركة لها شخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية المساهمين، فإنه لا يكون مقبولاً إلا في دولة تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، وتوجب نظمها أخذ الزكاة من أموال الشركات، وإن الفتوى به في أوضاعنا الحاضرة قد يؤدي إلى عدم إخراج زكاة الأسهم.

стр. 3278

كيفية إخراج زكاة أسهم الشركات؟: تخرج الشركة زكاة أسهمها الممثلة في الأموال الموجودة عندها كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال الشركة كأنها أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي. فإذا كانت شركة تجارية تعامل معاملة التاجر، وإذا كانت شركة زراعية تعامل معاملة المزارع، وإذا كانت شركة عقارية تعامل معاملة الشخص الذي يستثمر أمواله في العقارات وهكذا. وقد تستثمر الشركة أموالها في مجالات متنوعة من التجارة والزراعة وغيرها، كما يفعل بعض أرباب المال بأموالهم. فإنها تعامل معاملتهم، وتخرج زكاة كل مال بحسب نوعه. لا تطرح الأسهم التي لا تبلغ النصاب: ينظر في بلوغ النصاب إلى أموال الشركة مجتمعة، لا إلى مقدار ما يملكه كل مساهم، فلا تطرح الأسهم التي لا تبلغ النصاب خلافاً لما ذهب إليه بعضهم من وجوب طرحها (١) . وكل من الرأيين له سند من الفقه، يقول ابن رشد: "عند مالك وأبي حنيفة أن الشريكين لا يجب على أحدهما الزكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب، وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد، وسبب اختلافهم الإجمال الذي في قوله ﵊: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)) ؛ فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد ... والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة ... " (٢) . والذي في كتب الشافعية أن الشافعي له قولان في هذه المسألة: قول في القديم بعدم تأثير الخلطة في زكاة غير المواشي، وقول في الجديد بتأثيرها، وهو الأظهر.

стр. 3279

يقول الشيرازي: "فأما الخلطة في غير المواشي وهي الأثمان والحبوب والثمار ففيها قولان: قال في القديم: لا تأثير للخلطة في زكاتها؛ لأن النبي ﷺ قال: ((والخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والرعي)) . ولأن الخلطة إنما تصح في المواشي؛ لأن فيها منفعة بإزاء الضرر. وفي غيرها لا يتصور غير الضرر؛ لأنه لا وقص فيها بعد النصاب (١) . وقال في الجديد: تؤثر الخلطة لقوله ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)) ، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية، ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن فهي كالمواشي" (٢) . ويقول النووي: "ولو اشترك أهل زكاة في ماشية زكيا كرجل، وإلا ظهر تأثير خلطة الثمر والزرع والنقد وعرض التجارة" (٣) . ومما يرجح الأخذ بمذهب الشافعي الجديد أن طرح الأسهم التي لا تبلغ النصاب يجب ألا يتم إلا بعد التحقق من أن أصحابها لا يملكون ما يكمل النصاب، وفي هذا مشقة على الشركة، والمشقة تجلب التيسير. طرح أسهم غير المسلمين: هذا وينبغي التنبيه إلى أنه إذا كان في المساهمين غير مسلمين تطرح أسهمهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الزكاة. لا تأثير لما يباع من الأسهم في أثناء الحول: إذا باع أحد المساهمين أسهمه في أثناء العام فإن هذا لا يؤثر في إخراج الزكاة؛ لأن السهم باق، وإنما تغير مالكه، ولا يضر كون المالك الجديد لم يمض حول على ملكه، ما دام السهم قد حال عليه الحول بالنسبة للشركة، ولو تنقل بين عدد من الأشخاص (٤) .

стр. 3280

الأسهم المضافة في أثناء العام: الأسهم التي تدفع قيمتها، أو تعرضها الشركة للاكتتاب في أثناء العام لا يستقبل بها عام جديد، وإنما تضم إلى موجودات الشركة، ويكون حولها حول المال الذي ضمت إليه إذا كان نصابا؛ عملا بمذهب الحنفية في أن الفوائد كلها تزكى بحول الأصل إذا كان الأصل نصابا. زكاة الأسهم في الشركات التي لا تخرج الزكاة: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة، لو زكت الشركة أموالها على النحو الذي شرحناه، زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنه الأصل في كيفية زكاة أسهم الشركات. وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي (١) لا بقصد بيعها عندما ترتفع قيمتها، فإنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما "تجب في الريع، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توفر (٢) شروط الزكاة وانتفاء الموانع" (٣) . وهذا الرأي متفق مع رأي الأكثرية في مؤتمر الزكاة الأول بالكويت المنعقد في ١ شعبان ١٤٠٤هـ -٢ مايو ١٩٨٤ من حيث وجوب الزكاة في الريع دون الأصل، لكنه يختلف عنه من حيث الحول، فقرار مجمع الفقه الإسلامي يقضي بأن يبدأ حول الريع من يوم قبضه، ورأي الأكثرية في مؤتمر الزكاة يقضي بأن يضم الريع إلى سائر أموال مالك الأسهم من حيث الحول والنصاب، وهو الأولى عندي. ومؤدى الرأيين أن الأسهم المتخذة للاستثمار لا زكاة فيها. ورأت الأقلية في مؤتمر الزكاة أن يخرج مالك السهم العشر ١٠ % من الريع فور قبضه، قياساً على غلة الأرض الزراعية، كما هو الشأن في زكاة المستغلات.

стр. 3281

وإذا قبلنا مبدأ قياس زكاة الأسهم التي يتخذها صاحبها للاستفادة من ريعها على زكاة المستغلات، فينبغي أن نضيف إلى هذين الرأيين رأيين آخرين: أحدهما: أن تزكى الأسهم زكاة عروض التجارة. والثاني: أن يزكى الريع عند قبضه بمقدار ربع العشر ٢.٥ %، ولا ينتظر به الحول. وكل من هذين الرأيين قال به بعض الفقهاء المتقدمين بالنسبة لزكاة الدور التي تتخذ للكراء، ونحوها من الأشياء التي تتخذ للانتفاع بغلتها، وقد بين الدكتور يوسف القرضاوي هذه الآراء بياناً شافياً في البحث الذي قدمه لمجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عن زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية (١) . وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد بيعها (٢) عندما ترتفع قيمتها زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها الحقيقية، إذا استطاع معرفتها من الشركة، وإن لم يستطع زكى القيمة السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى القيمة الاسمية بإخراج ربع العشر ٢.٥ % من القيمة، ومن ربح الأسهم إذا كان لها ربح. وإذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاها معه عندما يجيء حول زكاته، أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها بحسب قصده ونيته، فإن اشتراها لاستغلالها زكاها زكاة المستغلات على النحو الذي ذكرته، وإن اشتراها ليبيعها (٣) زكاها زكاة عروض التجارة. والله أعلم.

стр. 3282

خلاصة بحث "زكاة الأسهم في الشركات" تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة. وتخرج الشركة زكاة الأموال الخاصة بالمساهمين كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين أموال شخص واحد. وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي. وتطرح أسهم غير المسلمين إذا كان في المساهمين غير مسلمين. ولا تأثير لما يباع من الأسهم في أثناء الحول. وتضم الأسهم المضافة في أثناء العام إلى موجودات الشركة، ولا يستقبل بها عام جديد. وإذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو الذي شرحته زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم. وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك، فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، فإنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهو ربع العشر، بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توفر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد بيعها عندما ترتفع قيمتها زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها الحقيقية إذا استطاع معرفتها من الشركة، وإن لم يستطع زكى القيمة السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى القيمة الاسمية بإخراج ربع العشر ٢.٥ % من القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. وإذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته، أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها بحسب قصده، فإن اشتراها لاستغلالها زكاها زكاة المستغلات على النحو الذي ذكرته، وإن اشتراها لبيعها زكاها زكاة عروض التجارة. والله أعلم د. الصديق محمد الأمين الضرير

стр. 3283

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الشيخ هارون خليف جيلي عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين.. أمر بإيتاء الزكاة وأخذها من أموال المسلمين ليطهرهم ويزكيهم، إنه هو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذا بحث متواضع حول موضوع من الموضوعات المطروحة أمام أعضاء "مجمع الفقه الإسلامي" الموقر، للفتوى فيه، في دورته الثالثة القادمة. كما اقترحته لجنة التخطيط، وهو (زكاة أسهم الشركات) . فالزكاة معروفة: لغة، وشرعاً، وحكماً، لدى عامة المسلمين، وكذلك الأسهم والشركات، لاسيما إذا أضيف بعض هذه الكلمات إلى بعض. ولعل أن الأمر الذي جعلها غريبة، حتى احتيج إلى إفتاء شرعي في حكم زكاة أسهمها، هو ما طرأ في الشركات المعاصرة من تنوع وتكاثر، وما تضمنته من قيود لا تمت إلى قواعد الشريعة، وما حدث في أسهمها وألقابها المتداولة، حتى اشتبه لدى بعض من العلماء الكبار أسهم الشركات المالية بوثيقتها الكتابية، فأفتى مرة بعدم وجوب الزكاة فيها، ومرة بوجوبها. فلكي نفهم بوضوح، ونقرر فتواها الشرعية بثقة، فلا بد لنا من استعراض الموضوع من جوانبه الثلاثة مع مقاصد الشريعة من تشريع الزكاة، حتى يتضح لنا الحكم الشرعي في زكاة مال الشركات الإسلامية وأسهمها. وبطبيعة الحال لا أتكلم عن الشركات غير الإسلامية وأسهمها، لعدم تعلق الزكاة بها، ولأنها تحتاج إلى دراسة واسعة ... كما لا أتكلم عن الشركات الدولية التي لا يمتلكها أشخاص معينون؛ لأن الزكاة لا تجب فيها. فليكن بحثنا إذاًَ محصوراً في الشركات الإسلامية التي يملكها أفراد معينون وأسهمها، وحكم الزكاة فيها ... وسيكون كلامي في هذا الموضوع منقسماً إلى ثلاثة مراحل: مبحثين، وخلاصة، مع حفظ الإيجاز في كل. إن شاء الله. المبحث الأول: حول كل من: الشركة، والسهم، والزكاة: لغة، واصطلاحاً، وحكماً وحكمة. المبحث الثاني: في أنواع الشركات. الخلاصة: في تقرير المسألة مما سبق في المبحثين.

стр. 3284

المبحث الأول فصل: في الشركات: لغة، وشرعاً، وحكمها في الأصل، وحكمة تشريعها. الشركات في اللغة العربية: جمع شركة (بكسر الشين وسكون الراء) ، وقد تفتح الشين وتكسر الراء، والأول أفصح، ومعناها خلط أحد المالين بالآخر، بحيث لا يمكن التمييز بينهما. ويقال: شركته في الأمر، أشركه شركة وشركة إذا صرت له شريكاً. ويقال أيضاً: شاركه في شركة، أي صار شريكه فيها، كما يقال: اشتركا في كذا وتشاركا في كذا، في البيع، والشراء، وفي الإرث، وما إلى ذلك من العقود والامتلاك. والشركة في اصطلاح الفقهاء: ثبوت الحق شائعاً في شيء واحد، أو عقد يقتضي ذلك، وهي أيضاً عبارة عن عقد بين شخصين فأكثر على الاشتراك في رأس المال وربحه، أو في الربح وحده إذا لم يكن رأس مال، أو كان المال من طرف والعمل من طرف آخر. ولكنها تختلف باختلاف أنواعها؛ لأنها تتنوع إلى عدة أنواع، كما سنذكره إن شاء الله. وحكم الشركة مبدئياً: الإباحة، فقد أباحتها الشريعة بمصادرها الأساسية: الكتاب، والسنة، والإجماع. ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ النساء: ١٣: قد بينت الآية أن إخوة الميت الذي ليس له ولد ولا والد يشتركون في ثلث المال الموروث. وفي الحديث القدسي: قوله تعالى: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما)) رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي. وفي الحديث النبوي: قوله ﷺ : ((يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا)) ، رواه الدارقطني، فالشركة محمودة ومبرورة إذا حفظ كل شريك حق شريكه الآخر فيها. وقد وقع التشارك في الأموال وتنميتها بين النبي ﷺ وبعض من أصحابه، كما حصل بينه وبين سلمان الفارسي ﵁. وأبرمت الشركات بين كثير من الصحابة من بعضهم البعض، كما ثبت في الأخبار والآثار. والإجماع منعقد على إباحة أصل الشركة، إلا ما قام الدليل على حرمتها، أو أصبح ذريعة لأكل أموال الناس بالباطل، كما نقل الشوكاني في "نيل الأوطار" عن ابن بطال، وكما نقل محقق كتاب "خبايا الزوايا" للزركشي عن ابن حزم في "مراتب الإجماع " وكما في "بداية المجتهد" لابن رشد. وحكمة مشروعية الشركة في نظر الإسلام: التعاون بين أفراد المجتمع بالمحافظة والتنمية والتوفير. وفتح مجال العمل والاستثمار أمام المجتمع، كما في شركة المضاربة بصورة ظاهرة، فقد يكون لدى أحد الأشخاص مال، ولكن لا يستطيع استثماره، كما قد يكون لدى أحد الأفراد خبرة واستعداد في التجارة ولكنه خالٍ عن رأس مال. ومن هنا أجاز الإسلام عقود الشركات كالمضاربة.

стр. 3285

فصل في الأسهم، لغة، واصطلاحاً اعلم أن الأسهم في اللغة: جمع سهم، وهو الرمح، والنصيب، والحظ، ويجمع على سهام، وسهمان، وأسهم، وسهمة. والسهم هو الرمح في باب الرمي والصيد، وهو: النصيب والحظ في المال في باب الشركة، والغنيمة والإرث. وهو النصيب والحظ في الشيء المشترك، وهذا الأخير هو المراد في: "باب الشركة" عند الفقهاء. وبهذا كله نعلم أن السهم في اصطلاح الفقهاء في باب الشركة الذي نحن فيه، هو نصيب الشريك في مال الشركة، أياً كانت الشركة، أي مقدار ما يمتلكه فيها من رأس مال وربح، إذا كان هناك رأس مال، أو من ربح فقط إن لم يكن هناك رأس مال. والله أعلم. فصل في الزكاة، لغة، وشرعاً وحكماً وحكمة الزكاة في اللغة: التطهير، والنماء، والزيادة، والإصلاح، وأصلها من زيادة الخير، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ الشمس: ٩. ويقال: زكاة الزرع إذا نما، وزكا يزكو زكاة، وكل شيء إذا زاد فقد زكا. وأما الزكاة شرعاً: فهي اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة؛ قاله في المجموع. ويقال: هي تمليك مال مخصوص لمستحقه، بشرائط مخصوصة، قاله الجزائري في "الفقه على المذاهب الأربعة". وهي: عبادة مالية مفروضة على كل مسلم يملك النصاب، قاله ابن قدامة في "المغني". وهي: "حق يجب في المال"، كما هي: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه، غير متصف بمانع شرعي يمنع من التصرف فيه، ذكره الشوكاني في "نيل الأوطار"، والمودودي في "فتاوى الزكاة" له. والزكاة: هي الركن الخامس من أركان الإسلام عند جميع الأمة، فيكفر جاحدها، ويفسق من لو يؤدها. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ البقرة: ٤٣. وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: ١٠٣. وفي الحديث الصحيح: ((بني الإسلام على خمس..)) وقال فيه: (( ... وإيتاء الزكاة..)) رواه: البخاري ومسلم في الصحيحين. وفي حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: ((اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة مالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم)) ، رواه: الترمذي وحسنه وصححه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، كما نقله الحافظ الزيلعي في نصب الراية.

стр. 3286

فصل في مقاصد الزكاة، والأموال التي وجبت فيها للزكاة مقاصد كثيرة وحكم عالية؛ إذ هي قبل كل شيء غرس لمشاعر الحنان، وتوطيد لعلاقات التعاون بين الناس، وهي مظهر التعاون، وعلامة الأخوة بين المسلمين، ووسيلة التكافل بين طبقات المجتمع وأفراده. ومبعث حكمها ومدار مقاصدها: أنها تقوم على تضامن الأفراد؛ لأن نزول الأغنياء من مبلغ معلوم زائد عن حاجتهم الأساسية لمن يستحقه من الفقراء فيه تحقيق معنى التضامن الذي أوجبه الله بين المسلمين، قياماً بحق الفقراء، وسد حاجاتهم، وحفظ كرامتهم عن ذل السؤال، فيطهر قلوبهم من الحقد والحسد للأغنياء، ففي الآية الكريمة إشارة إلى ذلك: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: ١٠٣ أي: تطهر نفوسهم وتزكي أعمالهم، كما فسرها بعض المجتهدين كالماوردي في "الأحكام السلطانية" وابن تيمية في فتاويه، والقرطبي في تفسيره. ويقول الزمخشري عقب تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ الحديد: ٧: (إن هذه الأموال التي بين أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، فليست هي أموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء، والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له) الكشاف ٣/٢٠٠. ويقول القاضي ابن العربي: إن الله خص بعض الناس بالأموال دون بعض، نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم: أن يتضح في صورة إخراج سهم يردونه إلى من لا مال له. نيابة عنه سبحانه، فيما ضمنه بفضله في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هود: ٦، كما في أحكام القرآن. ويقول الإمام الرازي في التفسير الكبير: "إن الفقراء عيال الله، والأغنياء خزان الله؛ لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله، فليس بمستبعد أن يقول المالك لخازنه: اصرف مبلغاً مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عيالي" ١٦/١٠٣. وإنها تطهر النفس من وباء الشح ومرض البخل، فيستحقون الفوز والفلاح، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر: ٩. وإن الأموال التي تجب فيها الزكاة فهي معروفة مبينة في كتب الفقه وهي: الأموال النامية بطبيعتها، أو المعدة للنماء. كالأنعام السائمة التي قصد منها التناسل، وكالزروع المزروعة للاقتيات وغيره وكالنقود وعروض التجارة. فالزكاة تجب في هذه الأموال النامية، سواء كانت أموالاً مشتركة أو خاصة بشروطها المعروفة.

стр. 3287

وإليك شيء يسير من أدلة وجوب زكاة تلك الأنواع: فما يستدل لوجوب زكاة الأنعام: قوله ﷺ في الحديث: ((في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البر صدقته)) رواه الحاكم بإسنادين صحيحين عن أبي ذر، كما في سبل السلام، والمغني، ونصب الراية. وتوضيح مقادير هذه الصدقة مروية في كتب السنة والصحاح: مثل حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وهو المعروف "بكتاب أبي بكر"، وهو في البخاري، وسنن أبي داود والحاكم والطحاوي. وفي كتاب عمر رضي الله تعالى عنه مثله، عن أبي داود والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم. وكتاب عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه مثل ذلك، كما أخرجه: النسائي، وأبو داود والطبراني، وابن حبان، وعبد الرزاق. ومن أدلة زكاة النقود: قوله ﷺ : ((هاتوا ربع العشر، من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم، فإن كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك)) . رواه: الدارقطني، وأبو داود والبيهقي. والإجماع منعقد على ذلك كما نقله ابن حزم في مراتب الإجماع، وابن رشد في بداية المجتهد.

стр. 3288

ومن أدلة زكاة الزروع قوله: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الأنعام: ١٤١. وقوله ﷺ : ((فيما سقت السماء والسيل والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر)) رواه: البيهقي والحاكم وصححه. والاجتماع منعقد عليه كما نقله ابن حزم في مراتب الإجماع، وابن رشد في بداية المجتهد. ومن أدلة زكاة التجارة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ البقرة: ٢٦٧ فقد قال مجاهد: إنها نزلت في التجارة. وحديث سمرة بن جندب ﵁: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع)) رواه أبو داود، والدارقطني، والبزار. وقد اختلف العلماء في زكاة التجارة إلى مذهبين: فالمذهب الأول: تجب الزكاة إذا حال الحول، وهو قول جماهير العلماء من السلف والخلف، وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، وهو مذهب: الثوري والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة. ومالك يوافقهم في نوع، وفي نوع يقول فيه: زكاة عام واحد. والمذهب الثاني: لا تجب الزكاة في التجارة، وهو مذهب: داود وغيره من أهل الظاهر.

стр. 3289

وأما زكاة الشركات التي نحن بصددها: فإن الزكاة فيها بغير خلاف معتبر. وأدلتها هي نفس الأدلة السابقة عموماً. والأحاديث التي وردت بلفظ الخلطة بصفة خاصة، مثل خبر أنس رضي الله تعالى عنه وفيه: (( ... لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)) رواه البخاري وغيره. وفي الخبر المشهور بكتاب عمر رضي الله تعالى عنه: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، ومثله ما في كتاب عمرو بن حزم، عند أبي داود والنسائي، وغيرهما. هذا وتجب الزكاة في العملات المعدنية والورقية للقوة الشرائية التي منحت لها بحكم القانون، فقامت بذلك مقام الذهب والفضة، وهو قول جمهور الفقهاء، فقد أجمع الفقهاء الثلاثة من الأئمة على وجوب الزكاة فيها، وخالفت الحنابلة فقط. ولوجوب زكاة الأموال –سواء كانت أموالاً مشتركة أو خاصة- شروط الزكاة المعروفة، ونذكر منها: - أن يبلغ المال المملوك "نصاباً"، وهذا المقدار هو الذي يعتبره الإسلام مظهر الغنى، مع من يعولهم من الأهل. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ البقرة: ٢١٩ والعفو: ما زاد من الضرورات اللازمة. وفي الحديث: ((إنما الصدقة عن ظهر غنى)) رواه أحمد والبخاري، وهذا هو حد الكفاية عند حسابات الزكاة، وهو المسمى (بالنصاب) ، قاله حجة الله الدهلوي. - وأن يحول عليه الحول، وهذا شرط لوجوب زكاة جميع الأموال، ما عدا الزرع والركاز والمعدن، والربح والنتاج. ففي حديث علي رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول الحول)) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن عدي ومالك في الموطأ والشافعي في مسنده وابن ماجه والبيهقي وأبو عبيد في كتاب الأموال، نقله الحافظ الزيلعي في نصب الراية.

стр. 3290

وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال النبي ﷺ : ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول الحول)) رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة، كلهم موقوفاً إلا الترمذي فمرفوعاً. ومن هذا كله نعلم أن الزكاة تجب في أموال الشركة إذا بلغت نصاباً، ولو لم تبلغ كل حصة من حصص المشتركين فيها النصاب وحدها كما يقول الشافعي، ويؤيده أحاديث الخلطة السابقة، فللخلطة والشركة عند الشافعي ومالك وآخرين من الفقهاء تأثير في وجوب الزكاة ومقدارها، في المواشي والزراعة والنقود وعروض التجارة كما ذكره صاحب "كفاية الأخبار" وبداية المجتهد، نقل ذلك المودودي في "فتاوى الزكاة" له مع تعليق صاحب التعليق. والأحسن أن تقوم الشركة بعد طرح نفقاتها من أجر ومرتب العمال غير المشتركين مع طرح الأسهم التي لم تبلغ الحول منذ دخولها في الشركة، بأداء زكاة سائر الأسهم بإذن أصحابها على الأصح؛ لأن لها تسهيلات إدارية وليس هناك أي أصل من أصول الشريعة ينافي ذلك، قاله المودودي في فتاوى الزكاة، مع توسع بسيط. هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك من الفقهاء، فقد اتفقوا: أن الشركاء يزكون عن شركتهم زكاة المال الواحد، باعتبار المقدار الواجب. وتنظر العروض التجارية إذا حال الحول –من تاريخ البدء- إلى ما بقي لدى معارضها ومخازنها من رصيدها، فتقومها وتجمع القيمة إلى ما عندها من نقود، ثم تؤدي زكاة المجموع، وتنظر –أيضاً- إلى النصاب في أول الحول وآخره، ولا تنظر ما طرأ خلال الحول من زيادة أو نقصان، قاله المودودي. وتقع مسؤولية ما إذا قل سهم من أسهم الشركة عن النصاب –وقلنا طرح مثل ذلك السهم- على مالكه، فإن كان لديه ما يكمله من شركة أخرى، أو رأس مال آخر، فعليه زكاة ذلك المطروح مع ما لديه، وإلا فلا. قاله المودودي. ومن ساهم في الشركة بعمله فقط، فإن لم يأخذ حصته من الربح ولم يقسم له حتى حال الحول الثاني –مثلاً- فإن في سهمه الزكاة. كما قاله المودودي في "فتاوى الزكاة". وأعتبر أنه أصاب الحكم الحق في هذه المسألة. والله أعلم.

стр. 3291

المبحث الثاني أنواع الشركات تنقسم الشركة إلى قسمين: "شركة أملاك"، و"شركة عقود": ١- شركة أملاك: وهي أن يمتلك أكثر من واحد مالاً من غير عقد، سواء كان التملك تملكاً إجبارياً، كالتملك بالإرث ونحوه، أو تملكاً اختيارياً، كاشتراك اثنين فصاعداً عيناً معاًَ بالشراء مثلاً. وهذا النوع من الشركة جائز عند الجميع، وبه وردت الآية الكريمة السابقة: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ . النساء: ١٢. فإن بقي مثل ذلك المال مشتركاً حتى يحول الحول ولم ينقص عن النصاب، مع كونه مالاً زكوياً –كالماشية، والنقود، وعقود التجارة- فإن الزكاة تجب على المشتركين في هذا المال، على مقدار الأسهم. ففي الماشية بلا خلاف، وفي غيرها على الأصح. ٢- وشركة عقود: وهي عبارة عن العقد الواقع بين شخصين فأكثر للاشتراك في مال وربحه. وهي تنقسم إلى أقسام، هي: " شركة العنان "، و" شركة المفاوضة "، و" شركة الأعمال "، و" شركة الوجوه "، و" شركة المضاربة "، ولهذه الشركات أركان وشروط. ١- شركة العنان: ويقال: الشركة بالأموال: هي أن يتعاقد اثنان فأكثر على الخلط للاشتراك بمبلغ معين من مالهما للتجارة فيه على أن يكون الربح بينهما، واشترطا على أن لا يتصرف أحدهما إلا بإذن صاحبه. وبعبارة أخرى هي: أن يشترك أكثر من واحد في رأس مال بأسلوب عقد مشترك، على أن يكون الربح الناتج منه مشتركاً بينهما بقدر رأس مال كل منهما، إذا كان العمل على السواء، وإلا اعتبر لصاحب العمل في الربح عمله ورأس ماله.

стр. 3292

وهذا النوع من الشركة جائز عند الجميع أيضاً. ولشركة العنان أركان وشروط: فأركانها: المتعاقدان، ورأس المال المشترك، والصيغة، عند أكثر العلماء، واقتصر بعضهم، وهم الحنفية ومن تبعهم على ركن واحد وهو الإيجاب والقبول كما نقل. وأما الشروط: فيشترط لكل من المتعاقدين: الحرية، والرشد، والبلوغ. والصيغة: أن تشتمل على ما يفيد الشركة عرفاً، والإذن بالتصرف لمن يتصرف منهما بالبيع والشراء ونحوهما. ولرأس المال: اختلاط المالين من غير تمييز، واتحادهما في الجودة، ولو تفاضلاً في القدر، وكونهما معلومين لدى المتعاقدين. ويشترط أيضاً أن يكون الربح والخسارة بحسب نسبة المالين، قلة وكثرة. وأن يكون الجزء المستحق لكل واحد من المشتركين من الربح جزءاً معلوماً مشاعاً. وتلك الشروط مما اتفق فيه عند الأكثر. وهذه الشركة جائزة عند الجميع كما سبق، وكما نقل الخطيب الشربيني في المغني على المنهاج. وعمل الصحابة والتابعين جار. وهذه الشركة: تجوز في جميع أنواع الأموال، فمن ادعى الاختصاص بنوع فعليه الدليل. وفي الحديث: عن أبي المنهال: ((أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي ﷺ ، فأمرهما: أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه)) . رواه أحمد والبخاري، ودل هذا الحديث جواز الشركة في الدراهم والدنانير، وهو إجماع كما قاله ابن بطال ونقله الشوكاني في نيل الأوطار. ٢- وشركة الأبدان: وهي شركة الأعمال: أن يشترك محترفان فأكثر بعقد من غير مال، على أن يعملا معاً بأبدانهما، ويقتسما أجرة عملهما، وعلى أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، فيصير كل واحد منهما وكيلاً عن الآخر في تقبل الأعمال والعمل، فتكون الأضرار الناجمة عن الأعمال عليهما معاً، وإن لم يعمل بعض منهم. وهذه الشركة – أي شركة الأعمال - قد أجازها كل من: الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم، ومنعتها الشافعية.

стр. 3293

وقد استدل الجمهور لجوازهما بأحاديث مثل حديث أبي عبيدة: عن عبد الله قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء"، رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه. وأجابت الشافعية عن مثل هذا الحديث: بأن غنائم بدر كانت لرسول الله ﷺ يدفعها لمن يشاء، وأظن أن الحق في هذه المسألة مع الجمهور، والله أعلم. ٣- وأما شركة الوجوه: فهي: أن يشترك أكثر من شخص ليس لهما مال، ولكن لهما وجاهة عند الناس، على أن يشتريا تجارة بثمن مؤجل، ويكون الربح بينهما. أو: أن يتفق ذو جاه مع خامل، على أن يبيع الوجيه تجارة الخامل، على أن يكون له جزء من الربح بدل الأجرة. أو: أن يشتركا –أي المفلسان- في شراء تجارة بثمن في ذمتهما اعتماداً على وجاهتهما، ثم يبيعانه، والربح بينهما على ما اتفقا به. وقد أجاز هذا النوع من الشركة: كل من الحنفية والحنابلة ومن تبعهم، ومنعها كل من الشافعية والمالكية ومن تبعهم. ولعل الأصل يؤيد المجوزين، فقد قال الشوكاني في "نيل الأوطار": إن "الأصل جواز جميع أنواع الشركة المفصلة في كتب الفقه، فلا تقبل دعوى الاختصاص بالبعض إلا بدليل" الجزء الخامس صفحة (٣٩٢) نشر وتوزيع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، والله أعلم.

стр. 3294

٤- وأما شركة المفاوضة: فإنها هي أن يتعاقد اثنان فصاعداً على الاشتراك بأموالهما من غير خلط المالين ببعضهما البعض قبل العقد. أو أنها: الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كل واحد لصاحبه في الشراء والبيع والمضاربة والتوكيل، والبيع بالدين، والارتهان، والضمان، ما عدا الكسب النادر. أو: اشتراك أكثر من واحد في الاتجار بماليهما على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله، بدون تفاوت، مع التصرف المطلق لكل منهما، في البيع والشراء والغيبة والحضور. أو: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في ربح ماليهما، وما سيكون عليهما من ضمان من غير اختلاط المالين. وهذا النوع من الشركة قد جوزه كل من الحنفية والمالكية ومن معهما، ومنعته الشافعية والحنابلة، وقد نقل عن الإمام الشافعي: أنه عد هذه الشركة من أشد العقود بطلاناً كما نقل عنه الخطيب الشربيني في المغني على المنهاج: قال: "قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا"، نقله في الجزء الثالث صفحة (٢١٢) ط: مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٧٤هـ - ١٩٥٥م، وأشار إلى ما فيها من غرر. ودليل المجيزين: عموم أحاديث الشركة السابقة، مع ما نقلناه عن الشوكاني في "نيل الأوطار" قريباً. ٥- وشركة المضاربة: وهي: القراض: فإن الحنفية لم تعدها من أقسام الشركة، وقد عدها الآخرون منها. وهي: عقد بين طرفين: صاحب مال، وعامل، على أن يشتركا في الربح –لاعتبار هذا، سمي العقد شركة - ورأس المال من طرف، والعمل من طرف آخر، ولاعتبار هذا لم تسم بشركة. وهي مطلقة ومقيدة، وكلاهما جائز عند الفقهاء، كما قاله ابن حزم في مراتب الإجماع، حين قال: "لكل أبواب الفقه أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلاً البتة، ولكنه إجماع مجرد".

стр. 3295

وكان القراض معمولاً به في الجاهلية: ((قارض النبي ﷺ في مال خديجة رضي الله تعالى عنها قبيل زواجه بها)) ، وأقره الإسلام، ومما يستدل لذلك آثار عديدة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. منها: ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: "أنه أعطى مال يتيم مضاربة" "رواه الشافعي والبيهقي وابن أبي شيبة ". ومنها: ما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه "أنه أعطى مالاً مضاربة" رواه البيهقي. ومنها: ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه أعطى زيد بن جليدة مالا مضاربة. رواه الشافعي والبيهقي. ومنها ما روي أنه جرى بين عبد الله وعبيد الله ابني عمر ﵄ مع أبيهما في المال الذي أمرهما أبو موسى الأشعري من العراق ليتجرا به مضاربة إلى المدينة ويبلغاه إلى عمر رضي الله تعالى عنه، وقد فعلا ذلك وربحا منه، وتشاجرا مع عمر رضي الله تعالى عنه، فأخيراً قيل: إنها مضاربة. رواها مالك في الموطأ والشافعي والدارقطني. انظر المغني لابن قدامة والهداية ونصب الراية. وإذا تتبعنا تلك الشركات ولا حظنا قواعدها وشروطها وقسنا عليها الشركات المعاصرة: نلاحظ أن الألقاب قد تغيرت والأساليب قد تعددت. فإذا اعتبرنا أن هذه الشركات الإسلامية شركات مالية ذات ثروة طائلة، فإن الزكاة تجب فيها جملة واحدة، فإن أخرج من مجموعها فلا بد أنها ستكون على قدر الأسهم. لأن الزكاة واجبة على مشتركيها في أموالها على مقدار الأسهم – رأس مال وربحاً. فإن كانت الشركة كـ " شركة عنان " أو طابقت شروطها ومقاصدها، فالزكاة تجب على أصحاب الشركة إذا حال الحول ولم ينقص المال أي قيمته عن النصاب. والأحسن –كما أشرت سابقاً- إن كان للشركة مركز إداري أو مدير عام أن يؤدي الزكاة من مركزها بعد سداد نفقاتها رأس مال وربحاً.
следующие страницы →