← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

المبحث الثاني أنواع الشركات تنقسم الشركة إلى قسمين: "شركة أملاك"، و"شركة عقود": ١- شركة أملاك: وهي أن يمتلك أكثر من واحد مالاً من غير عقد، سواء كان التملك تملكاً إجبارياً، كالتملك بالإرث ونحوه، أو تملكاً اختيارياً، كاشتراك اثنين فصاعداً عيناً معاًَ بالشراء مثلاً. وهذا النوع من الشركة جائز عند الجميع، وبه وردت الآية الكريمة السابقة: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ . النساء: ١٢. فإن بقي مثل ذلك المال مشتركاً حتى يحول الحول ولم ينقص عن النصاب، مع كونه مالاً زكوياً –كالماشية، والنقود، وعقود التجارة- فإن الزكاة تجب على المشتركين في هذا المال، على مقدار الأسهم. ففي الماشية بلا خلاف، وفي غيرها على الأصح. ٢- وشركة عقود: وهي عبارة عن العقد الواقع بين شخصين فأكثر للاشتراك في مال وربحه. وهي تنقسم إلى أقسام، هي: " شركة العنان "، و" شركة المفاوضة "، و" شركة الأعمال "، و" شركة الوجوه "، و" شركة المضاربة "، ولهذه الشركات أركان وشروط. ١- شركة العنان: ويقال: الشركة بالأموال: هي أن يتعاقد اثنان فأكثر على الخلط للاشتراك بمبلغ معين من مالهما للتجارة فيه على أن يكون الربح بينهما، واشترطا على أن لا يتصرف أحدهما إلا بإذن صاحبه. وبعبارة أخرى هي: أن يشترك أكثر من واحد في رأس مال بأسلوب عقد مشترك، على أن يكون الربح الناتج منه مشتركاً بينهما بقدر رأس مال كل منهما، إذا كان العمل على السواء، وإلا اعتبر لصاحب العمل في الربح عمله ورأس ماله.

стр. 3292

وهذا النوع من الشركة جائز عند الجميع أيضاً. ولشركة العنان أركان وشروط: فأركانها: المتعاقدان، ورأس المال المشترك، والصيغة، عند أكثر العلماء، واقتصر بعضهم، وهم الحنفية ومن تبعهم على ركن واحد وهو الإيجاب والقبول كما نقل. وأما الشروط: فيشترط لكل من المتعاقدين: الحرية، والرشد، والبلوغ. والصيغة: أن تشتمل على ما يفيد الشركة عرفاً، والإذن بالتصرف لمن يتصرف منهما بالبيع والشراء ونحوهما. ولرأس المال: اختلاط المالين من غير تمييز، واتحادهما في الجودة، ولو تفاضلاً في القدر، وكونهما معلومين لدى المتعاقدين. ويشترط أيضاً أن يكون الربح والخسارة بحسب نسبة المالين، قلة وكثرة. وأن يكون الجزء المستحق لكل واحد من المشتركين من الربح جزءاً معلوماً مشاعاً. وتلك الشروط مما اتفق فيه عند الأكثر. وهذه الشركة جائزة عند الجميع كما سبق، وكما نقل الخطيب الشربيني في المغني على المنهاج. وعمل الصحابة والتابعين جار. وهذه الشركة: تجوز في جميع أنواع الأموال، فمن ادعى الاختصاص بنوع فعليه الدليل. وفي الحديث: عن أبي المنهال: ((أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي ﷺ ، فأمرهما: أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه)) . رواه أحمد والبخاري، ودل هذا الحديث جواز الشركة في الدراهم والدنانير، وهو إجماع كما قاله ابن بطال ونقله الشوكاني في نيل الأوطار. ٢- وشركة الأبدان: وهي شركة الأعمال: أن يشترك محترفان فأكثر بعقد من غير مال، على أن يعملا معاً بأبدانهما، ويقتسما أجرة عملهما، وعلى أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، فيصير كل واحد منهما وكيلاً عن الآخر في تقبل الأعمال والعمل، فتكون الأضرار الناجمة عن الأعمال عليهما معاً، وإن لم يعمل بعض منهم. وهذه الشركة – أي شركة الأعمال - قد أجازها كل من: الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم، ومنعتها الشافعية.

стр. 3293

وقد استدل الجمهور لجوازهما بأحاديث مثل حديث أبي عبيدة: عن عبد الله قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء"، رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه. وأجابت الشافعية عن مثل هذا الحديث: بأن غنائم بدر كانت لرسول الله ﷺ يدفعها لمن يشاء، وأظن أن الحق في هذه المسألة مع الجمهور، والله أعلم. ٣- وأما شركة الوجوه: فهي: أن يشترك أكثر من شخص ليس لهما مال، ولكن لهما وجاهة عند الناس، على أن يشتريا تجارة بثمن مؤجل، ويكون الربح بينهما. أو: أن يتفق ذو جاه مع خامل، على أن يبيع الوجيه تجارة الخامل، على أن يكون له جزء من الربح بدل الأجرة. أو: أن يشتركا –أي المفلسان- في شراء تجارة بثمن في ذمتهما اعتماداً على وجاهتهما، ثم يبيعانه، والربح بينهما على ما اتفقا به. وقد أجاز هذا النوع من الشركة: كل من الحنفية والحنابلة ومن تبعهم، ومنعها كل من الشافعية والمالكية ومن تبعهم. ولعل الأصل يؤيد المجوزين، فقد قال الشوكاني في "نيل الأوطار": إن "الأصل جواز جميع أنواع الشركة المفصلة في كتب الفقه، فلا تقبل دعوى الاختصاص بالبعض إلا بدليل" الجزء الخامس صفحة (٣٩٢) نشر وتوزيع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، والله أعلم.

стр. 3294

٤- وأما شركة المفاوضة: فإنها هي أن يتعاقد اثنان فصاعداً على الاشتراك بأموالهما من غير خلط المالين ببعضهما البعض قبل العقد. أو أنها: الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كل واحد لصاحبه في الشراء والبيع والمضاربة والتوكيل، والبيع بالدين، والارتهان، والضمان، ما عدا الكسب النادر. أو: اشتراك أكثر من واحد في الاتجار بماليهما على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله، بدون تفاوت، مع التصرف المطلق لكل منهما، في البيع والشراء والغيبة والحضور. أو: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في ربح ماليهما، وما سيكون عليهما من ضمان من غير اختلاط المالين. وهذا النوع من الشركة قد جوزه كل من الحنفية والمالكية ومن معهما، ومنعته الشافعية والحنابلة، وقد نقل عن الإمام الشافعي: أنه عد هذه الشركة من أشد العقود بطلاناً كما نقل عنه الخطيب الشربيني في المغني على المنهاج: قال: "قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا"، نقله في الجزء الثالث صفحة (٢١٢) ط: مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٧٤هـ - ١٩٥٥م، وأشار إلى ما فيها من غرر. ودليل المجيزين: عموم أحاديث الشركة السابقة، مع ما نقلناه عن الشوكاني في "نيل الأوطار" قريباً. ٥- وشركة المضاربة: وهي: القراض: فإن الحنفية لم تعدها من أقسام الشركة، وقد عدها الآخرون منها. وهي: عقد بين طرفين: صاحب مال، وعامل، على أن يشتركا في الربح –لاعتبار هذا، سمي العقد شركة - ورأس المال من طرف، والعمل من طرف آخر، ولاعتبار هذا لم تسم بشركة. وهي مطلقة ومقيدة، وكلاهما جائز عند الفقهاء، كما قاله ابن حزم في مراتب الإجماع، حين قال: "لكل أبواب الفقه أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلاً البتة، ولكنه إجماع مجرد".

стр. 3295

وكان القراض معمولاً به في الجاهلية: ((قارض النبي ﷺ في مال خديجة رضي الله تعالى عنها قبيل زواجه بها)) ، وأقره الإسلام، ومما يستدل لذلك آثار عديدة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. منها: ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: "أنه أعطى مال يتيم مضاربة" "رواه الشافعي والبيهقي وابن أبي شيبة ". ومنها: ما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه "أنه أعطى مالاً مضاربة" رواه البيهقي. ومنها: ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه أعطى زيد بن جليدة مالا مضاربة. رواه الشافعي والبيهقي. ومنها ما روي أنه جرى بين عبد الله وعبيد الله ابني عمر ﵄ مع أبيهما في المال الذي أمرهما أبو موسى الأشعري من العراق ليتجرا به مضاربة إلى المدينة ويبلغاه إلى عمر رضي الله تعالى عنه، وقد فعلا ذلك وربحا منه، وتشاجرا مع عمر رضي الله تعالى عنه، فأخيراً قيل: إنها مضاربة. رواها مالك في الموطأ والشافعي والدارقطني. انظر المغني لابن قدامة والهداية ونصب الراية. وإذا تتبعنا تلك الشركات ولا حظنا قواعدها وشروطها وقسنا عليها الشركات المعاصرة: نلاحظ أن الألقاب قد تغيرت والأساليب قد تعددت. فإذا اعتبرنا أن هذه الشركات الإسلامية شركات مالية ذات ثروة طائلة، فإن الزكاة تجب فيها جملة واحدة، فإن أخرج من مجموعها فلا بد أنها ستكون على قدر الأسهم. لأن الزكاة واجبة على مشتركيها في أموالها على مقدار الأسهم – رأس مال وربحاً. فإن كانت الشركة كـ " شركة عنان " أو طابقت شروطها ومقاصدها، فالزكاة تجب على أصحاب الشركة إذا حال الحول ولم ينقص المال أي قيمته عن النصاب. والأحسن –كما أشرت سابقاً- إن كان للشركة مركز إداري أو مدير عام أن يؤدي الزكاة من مركزها بعد سداد نفقاتها رأس مال وربحاً.

стр. 3296

وكذلك نقول في أنواع الشركات الأخرى، إلا أنها تختلف بعض الشيء؛ لأن في شركة المضاربة مثلاً رأس المال لصاحب المال، فزكاته عليه، والربح مشترك على ما اتفقا فيه –من تساوٍ وتكاثر، فزكاته عليهما وزكاة سهم صاحب المال حولها حول رأس ماله- وزكاة سهم المضارب حولها من ظهور الربح. ولأن شركة الأبدان ليس فيها رأس مال كما هو واضح، وقس على ذلك البقية. وهناك شركات غير إسلامية، فلا نطيل الكلام فيها كما قلت سابقاً، ولكن لا بأس بالإشارة إلى بعض منها. فمن هذه الشركات "شركة التأمين" بأنواعها الثلاثة، فليست من الشركات الإسلامية؛ لما فيها من التغرير والقمار بأموال الناس. لأن العقد الصحيح لا يقع إلا على "العين المعوضة" المأذون فيها، كالبيع أو "العين بلا عوض" كالهبة، أو "المنفعة المعوضة" كالإجارة، أو المنفعة بلا عوض كالعارية، وعقد قد خلا من هذه المظاهر الأربعة؛ لأنه وقع على نوع من الضمان ولم يكن هذا النوع عيناً ولا منفعة، انظر: " فقه السنة " ٢/١٢٦ -١٩٨ -٢٣٢- ٣٨٨. ط: ١٩٦٨م دمشق. والمدخل الفقهي لمصطفى الزرقا: ١/٥٣٩ -٥٤١-٥٤٩. ومنها شركات البنوك الربوية. ومنها شركة المساهمة بصورها المختلفة الحديثة: المدنية، التجارية، شركات الأموال، الشركات العامة. فلا نتكلم عن زكاة هذه الشركات، ولا أسهمها؛ لأنها لا تتفق مع قواعد الشريعة في الشركات، فقد افتقدت العنصر الأول في الشبه لدى الشريعة الإسلامية، وهو: الجهد البشري، كما لا يخفى. وافتقدت أيضاً شروطاً كثيرة من شروط الاشتراك، مثل: بقاء أهلية الشركاء؛ فإن تلك الشركات لا تتوقف لموت أحد من شركائها، فلهذا أو غيره نعلم أنها غير إسلامية، فلا نتكلم عن الزكاة فيها؛ لأن الزكاة عن مثل هذه الأموال لا تطهرها ولا تزكي أصحابها.. انظر " المجتمع الإسلامي وفلسفته المالية والاقتصادية" للدكتور محمد الصادق العفيفي. انتهى والله أعلم.

стр. 3297

الخلاصة لقد تقرر فيما سبق في المبحثين حول الموضوع ما يلي: ١- أن الشركة: هي ثبوت الحق شائعاً في شيء واحد، كثبوت حقوق الورثة في المال الموروث. وثبوت الحق شائعاً في شيء يعقد بين أكثر من واحد كثبوت أسهم الشركاء في المال المشترك بعقد، كما في " شركة العنان ". أو كثبوت أسهم الشركاء في الربح المشترك بعقد كما في " شركة المضاربة " مطلقاً، و" المفاوضة " عند عدم الاختلاط، و"الوجوه" عند عدم رأس المال. أو كثبوت أسهم الشركاء في الربح أو الأجر للمشتركين بعقد، كما في "شركة العمال". والله أعلم. ٢- وأن أصل الشركة جائز شرعاً إلا ما قام الدليل على منعه، أو أصبح ذريعة لأكل أموال الناس بالباطل. والله أعلم. ٣- وأن من الشركات الجائزة شرعاً بالإجماع: الشركة بالامتلاك في الأشياء المباحة، كالمعادن المحفورة، والبئر.. و"شركة العنان" و"المضاربة" وما تفرع منهما مما لم يخرج عن قواعد الشريعة في حدود الشركات.. والله أعلم. ٤- وأن السهم في باب الشركة: هو نصيب الشريك في مال الشركة من رأس مال وربح، كما في "شركة العنان" مثلاً، أو في الربح كما في سائر شركات العقود من مضاربة وغيرها ... والله أعلم.

стр. 3298

٥- وأن السهم: هو من عين المال المشترك –أياً كانت نوعية المال- وليس هو الورقة المكتوبة لكل شريك، وأن هذه الورقة لا تعدو وثيقة الشركة وبيان مقدار الأسهم الحقيقية لكل المشتركين ... والله أعلم. ٦- وأن الشركة مالها مال متحد، ولو تعدد ملاكه، أو تباعدت أماكنه، فإن كان هذا المال مالاً نامياً أو معداً للنماء، وأصبح مجموعه مبلغاً يظهر منه مظاهر الغنى لملاكه، ومظهر المطامع للمحتاجين، فلا بد أن فيه حقاً معلوماً مفروضاً؛ لأن حكمة وجوب الزكاة ومقاصدها متحققة ومجتمعة فيه، ومعظمها ما تشير إليه الآية الكريمة المنزلة في الزكاة المفروضة، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: ١٠٣. والله أعلم. ٧- وأن وجوب تلك الزكاة في تلك الشركات على المشتركين على مقدار الحصص، وهي الأسهم، فإن سلم أحد الشركاء مبلغ زكاة الشركة، فسيرجع على الآخرين بمقادير أسهمهم: إذا كانوا من أهل الزكاة ... والله أعلم. ٨- وأن الأولى والأحسن، والأسهل، لأصحاب الشركة وعاملي الزكاة، إذا كان للشركة مركز عام، أو مدير عام، أن يؤدي هذا المركز أو ذلك المدير العام زكاة مال الشركة كلها، كوكيل عن الآخرين إن كان من أصحاب الأسهم، أو عن المالكين إن لم يكن منهم بإذنهم مقسومة على قدر الحصص بعد طرح المصروفات اللازمة، من أجرة العمال والكراوات ... والله أعلم. ٩- وأن الشركات المعاصرة التي لا تتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية؛ لأنها تتوفر لها شروط، منها الجهد البشري وحمل رؤوس الأموال وعرضها على الربح والخسارة، وعدم التعامل بالربا والمقامرة، فلا نتكلم عن زكاتها؛ لأن الزكاة لا تطهر مثل هذه الأموال ولا تزكيها، ولا تنفع أصحاب تلك المعاملات صدقة يخرجونها منها، لا دنيا ولا آخرة. إلا إذا تابوا منها وأصلحوا أعمالهم فلهم رؤوس أموالهم.. والله الموفق، وهو يهدي إلى سواء السبيل. والله أعلم وأحكم. ١٥/٧/١٤٠٦-٢٤/٤/١٩٨٦ الشيخ هارون خليف جيلي

стр. 3299

أهم المراجع ١- القران الكريم. ٢- تفسير ابن كثير. ٣- التفسير الكبير للرازي. من ١٦/١٠٣ ٤- الكشاف للزمخشري. من ٣/٢٠٠ ٥- مغني المحتاج للخطيب الشربيني: من ١/٣٦٧ إلى ٦٣٤ ومن: ٢/٢١١ إلى ٢١٦. ٦- الفقه على المذاهب الأربعة الجزائري. من ١/٥٩٠ إلى ٦١٥ ٧- مراتب الإجماع لابن حزم من: ٤٠-٣٧-١٠٥. ٨- نيل الأوطار للشوكاني. من: ٤/١٢٩- ٥/٣٩٠ ٩- خبايا الزوايا للزركشي. من ٢٤-٢٥-١٣٣-١٣٦-١٣٧-١٤٢-٢٨٣ ١٠- نصب الراية للحافظ الزيلعي. من: ٢/٣٢٧- إلى ٣٧٦. ١١- سنن أبي داود: من: ١/٣٩٣ – إلى ٣٩٥، ومن ٢/٢٥١ – ٢٥٢ ١٢- سبل السلام من: ١/٥٩٨ إلى ٦١٦ ١٣- فتاوى الزكاة للمودودي من: ١٢-١٨-٧٧-٨١-٨٢-٨٧-٧٨-٨٨ ١٤- جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد. للشيخ محمد سليمان المغربي من ١/٢١٤-٢١٥-٢١٨-٣٨٧-٣٨٩. ١٥- الأموال وطرق استثماره للدكتور شوقي من: ٢١٢ ١٦- المجتمع الإسلامي وفلسفته المالية والاقتصادية للدكتور محمد الصادق العفيفي من ٣١٠ ١٧- بداية المجتهد لابن رشد من: ١/١٩٧ ومن ٢/٢٥١ ١٨- كتاب الأم للشافعي. من ٢/٢٠-٢٤-٣٨ ١٩- فقه السنة للسيد سابق. من: ٢/٢٩٥ ٢٠- الموطأ للإمام مالك. من ١/٢٤٦ ٢١- فتح الباري. من: ٣/١٨٩ ٢٢- المصباح المنير: ٢٥٤ ٢٣- مختار الصحاح: ٢٧٣ ٢٤- منجد اللغة والأعلام ٢٥- المحلى لابن حزم من: ٥/٢٣٤ -١٩٩ ومن: ٦/٦٩ ٢٦- الأحكام السلطانية للماوردي: ١١٩ ٢٧- كتاب الأموال لأبي عبيد من: ٢٣٥-٤٣٩-٦٨٨-٤٠٩-٤١٣. ٢٨- أحكام القرآن من: ٩٤٥ ٢٩- المغني لابن قدامة من ١/٦٢٥ ومن ٢/٤٣٣ ٣٠- حجة الله الدهلوي من ٢/٥٠٦ ٣١- فتاوى ابن تيمية ٣٢- المجموع من: ٥/٣٢٤-٣٢٥-٤٣٤ ومن: ٦/٤٧-٤٨. ٣٣- صحيح البخاري: ١١٠-٦: الإيمان والزكاة في: ١٨٩ ٣٤- صحيح مسلم. ٣٠-٣٢ باب الصلاة وأركان الإسلام وفي: ٣١٥ ٣٥- سنن الترمذي من ٧٨ وفضل الصلاة ٣٦- سنن النسائي: من: ٣٣٦ ٣٧- سنن البيهقي من ١٠٤ ٣٨- سنن ابن ماجه من: ٢/٦٦-١٢٩ ٣٩- صحيح ابن حبان ٤٠- نهاية المحتاج من: ٥/٣ ٤١- بدائع الصنائع للكاساني من: ٦/٥٦ ٤٢- النقود العربية للكرماني من: ٩/١٨ ٤٣- الاختيار لتعليل المختار للموصلي من: ٢/٢٧

стр. 3300

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الشيخ رجب بيوضي التميمي عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأسهم في الشركات من الأوراق المالية التي تقوم عليها المعاملات التجارية في أسواق تسمى " سوق الأوراق المالية " وهي سوق منظمة لتداول الأسهم. والأسهم تمثل في الواقع أموالاً مادية موظفة في الإنتاج، ويطلق على هذه الأسهم "القيم المنقولة" في اصطلاح علماء الاقتصاد. وهذه الأسهم حقوق ملكية جزئية لرأس مال كبير للشركات المساهمة، وكل سهم هو جزء من أجزاء متساوية لرأس المال، والسهم ينتج جزءاً من ربح الشركة المساهمة يزيد أو ينقص تبعاً لزيادة ربح الشركة أو نقصه، ويتحمل قسطاً من الخسارة إن تعرضت الشركة المساهمة للخسارة. وللسهم قيمة اسمية وهي قيمته المقدرة عند إصداره، وله قيمة في سوق الأوراق المالية تزيد وتنقص تبعاً لزيادة العرض والطلب وهو كسائر السلع وسيلة للاتجار بالبيع والشراء ابتغاء الربح، وتتأثر قيمة السهم تبعاً لنجاح الشركة ومقدار الربح. ويتبين من هذا أن الأسهم وملكيتها وبيعها وشراءها والتعامل بها حلال شرعاً ما لم يكن عمل الشركة التي تكونت من مجموع الأسهم مشتملاً على محرم كصناعة الخمور وبيعها والاتجار بها، أو كانت من الشركات التي تتعامل بالفوائد الربوية إقراضاً أو استقراضاً أو نحو ذلك.

стр. 3301

زكاة الأسهم: ولما كانت الأسهم تمثل في الواقع أموالاً مخصصة للاستثمار، ويستطيع مالكها الاتجار بها بالبيع والشراء، ويربح صاحبها بالاتجار كما يربح أي تاجر من بيع سلعته وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق المالية تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي من عروض التجارة وهي كأموال التجارة ولأن مالك الأسهم يستطيع في أي وقت أن يعيد رأس ماله في الأسهم إلى قالب نقدي له أن يستخدمه في أي وجه يريد، لذلك تجب فيها الزكاة (١) ويؤخذ من مالكها في آخر كل حول ربع العشر من قيمة الأسهم حسب تقديرها في الأسواق، مضافاً إليها الربح بشرط أن يكون الأصل والربح نصاباً أو مكملا مع مال عنده نصاباً. فمالك الأسهم يعرف مقدار أسهمه ويعرف كل عام أرباحها ويستطيع أن يزكيها بسهولة، وهذا الحكم عام في جميع الأسهم سواء أكانت الشركات المساهمة شركات صناعية محضة أم شبه صناعية - أي: أنها لا تمارس عملاً تجارياً - أم كانت شركات تجارية. وإذا أخرج مالك الأسهم زكاة أسهمه وأرباحها عنها فلا يؤخذ من الشركات المساهمة الزكاة حتى لا تؤخذ الزكاة مرتين؛ لأن الأموال التي هي رأس مال الشركة هي عبارة عن الأسهم المملوكة للأفراد والتي زكاها أصحابها. والله أعلم وهو ولي التوفيق. ٤ شوال ١٤٠٦ / ١٠ / ٦ / ١٩٨٦ الشيخ رجب بيوضي التميمي

стр. 3302

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الشيخ محمد عبده عمر عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المبحث الأول: زكاة الأسهم في الشركات المقدمة اطلعت على بعض البحوث التي وصلت إلينا من المجمع تمهيداً لمناقشتها في الدورة القادمة، وكنت أتوقع أن تكون البحوث مقصورة على موضوعية البحث دون الخوض في موضوع الزكاة بوجه عام واستعراض أدلة وجوبها من الكتاب والسنة؛ لكون أدلة وجوبها معلومة من الدين بالضرورة، وركنا من أركان الإسلام الخمسة، فضلا عن جزئيات فقهية لا علاقة لها بصلب الموضوع، وإذا كان لا بد من السماح للقلم بأن يعرج على شيء، فإن الأولى بذلك التعريج على مسائل لها علاقة مفيدة في طلب البحث المطروح، وكنت أود لو أن البحوث المشار إليها تعرضت لها. وهي ما يلي: ١- إيضاح ما علق في أذهان جماهير الأمة الإسلامية في عصور الجهل والانحطاط إلى حد أصبح فيه مفهوم الزكاة يساوي فكرة الإحسان والتفضل. ٢- هل في أموال الأغنياء للفقراء حق سوى الزكاة؟ ٣- ما هي حدود حق الفقراء في أموال الأغنياء عند تقريره؟ ولكي لا يطول بنا البحث أو يتشعب فقد قسمت الموضوع إلى ثلاثة مباحث: الأغنياء المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ٦٠ وهي ضريبة إسلامية شرعها الإسلام، تأخذها الدولة من الأموال الظاهرة وغير الظاهرة؛ كالذهب والفضة وسائر النقود، وهي في نظر الإسلام ضريبة إجبارية وفريضة إسلامية محكمة وركن من أركان الإسلام الخمسة.

стр. 3303

وحارب الخليفة الأول للمسلمين الذين امتنعوا من أدائها معتبراً ذلك خروجاً منهم على الإسلام. والزكاة لا تؤخذ إلا بعد أن يتجاوز ما يمتلكه الإنسان عن حاجته ويرتفع عن مستوى المعيشة المناسب قليلاً. فإذا امتلك المسلم البالغ العاقل من الزروع والثمار والماشية أو عروض التجارة أو الذهب والفضة واستمر في حوزته كل ذلك أو بعضه حولا كاملاً، اعتبر في نظر الإسلام غنياً، ووجب عليه إخراج الزكاة بالمقادير التي حددها الشرع، وهي على وجه العموم عبارة عن ١٠ % من محصول الزرع والثمار المسقي بماء السماء دون جهد أو عناء، ونصف هذا المقدار إذا أسقي الزرع أو الثمر بعناء ومشقة وبالآلات، و٢.٥ % من قيمة الذهب أو الفضة أو السلع التجارية أو النسبة المتصاعدة العينية من الماشية حسبما حددته الشريعة الإسلامية. مما تقدم يتضح بكل جلاء بأن مفهوم الزكاة في الإسلام قد تجاوز مرحلة الإحسان إلى فكرة الضريبة الإجبارية، وإلا لما كان هناك معنى لأن يكون الزكاة ركناً من الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام. وهذا هو ما أجمع عليه الصحابة وعلماء الأمة الإسلامية سلفاً وخلفاً وفي كافة العصور.

стр. 3304

ومن هذا الفهم الإسلامي الصحيح ظهرت فكرة الحق الشرعي في أموال الأغنياء للفقراء، ومما لا شك فيه بأن الأمم والشعوب قد تأثرت بهذا المفهوم للإسلام عبر عصور الإسلام المختلفة، مما جعلها تتحدث في العصر الحديث عن فكرة الحق في أموال الأغنياء للفقراء، بعد أن سبقها الإسلام إلى هذا قبل أربعة عشر قرناً ونيف من الزمن، وبعد أن كان هذا الحق في الضمير الإسلامي جزءاً لا يتجزأ من عقيدته كركن من أركان الإسلام الخمسة التي لا يقوم الإسلام بدونها، وأن الغني الموسر لا يمكن أن يكون خالي الذمة من أي واجب إزاء الفقير المعدم، وإذا كان من السهل أن يتجاهل الغني واجبه أمام هذا الحق الشرعي المفروض فليس من السهل إذا صار هذا الحق واجباً شرعياً للفقير أن تقف السلطة الشرعية مكتوفة الأيدي، ليس فقط لأخذ ذلك الحق الشرعي من الغني وإعطائه للفقير، ولكن الحق الشرعي هنا للسلطة، أخذ ذلك الحق ونصف مال الغني كعقوبة شرعية لذلك الغني الذي أراد أن يتهرب من أداء ذلك الحق، فإذا لم تقم السلطة الشرعية بواجبها فإن الفقراء لن يعجزوا في الوصول إلى حقوقهم بقوة الحق المشروع لهم في الإسلام. فلم تكن فريضة الزكاة فكرة إحسان؛ لأن الإحسان يمثل واجباً لاحقاً، ومن هنا ساد الفهم الخاطئ في عصور الجهل والانحطاط من أن فكرة الزكاة تساوي فكرة الإحسان، الأمر الذي جعل الأغنياء ظالمين، واستطاعوا أن يلبسوا مفاهيم هذا الحق الشرعي بمفاهيم الإحسان حتى تضعف قوة المطالبة به من ناحية الفقراء، طالما هو إحسان وتفضل وليس حقا واجبا فرضه الإسلام وجعله ركناً من أركانه الخمسة. كما أن تحويل فكرة هذا الحق الشرعي إلى فكرة إحسان جعل الدولة لا تدخل إلى جانب الفقير؛ لأن درجة الإلزام هنا قد ضيعت بضياع فكرة الحق الواجب ولم يبق إلا فكرة الإحسان. الأمر الذي جعل الناس لا يشعرون بإزاء فكرة الإحسان أنها تتمتع بدرجة عالية من الإلزام للناس. وقد عرفوا طوال عصور الجهل والانحطاط وفي عصور غياب الوعي الإسلامي الصحيح لهذا الركن الإسلامي بأن الخلق لا يمكن أن يرقى إلى سلم الإلزام للحق الواجب الشرعي. إضافة إلى أن فكرة الإحسان خالية من الشروط الضرورية لتدخل الدولة، ولا يمكن أن نجبي من الإحسان ضريبة محددة المقادير مبينة الشروط. فالإحسان ليس هناك تحديد لمقاديره، ولا بيان واضح دقيق لمن يجبي الإحسان، ومن يجبي الإحسان إذا تجرد من فكرة الحق الواجب شرعاً. وواضح الأمر موكول بجملته إلى الأغنياء، متروك لمدى شعورهم بواجبهم إزاء الفقراء والمعوزين، وهو شعور يغالبه الحب الطبيعي للمال والنفور من بذله وإنفاقه، فكانت النتيجة أو المحصلة أن انصرف الناس عن الإحسان تدريجيا وسقط الفقراء في هوة سحيقة من البؤس والعوز دون أن يجدوا من نظام المجتمع عوناً أو كافلاً. لا شك أن في المال حقاً سوى الزكاة، وأن الزكاة ليست هي كل الواجب، وهذا ما قرره كثير من علماء السلف والخلف. وأن الواجب الإسلامي لا يتم إلا بتحقيق وسائل الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة، وبذل ما يحتاج إليه هذا الهدف الإسلامي الجليل.

стр. 3305

وقد أشار ابن حزم في الجزء السابع من كتابه المحلى إلى أن تحقيق مستوى الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة حق شرعي وواجب اجتماعي يجب على الدولة أن تضطلع به، ولا يجوز أن تتركه لجهود الأفراد، وأن للحاكم أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يحقق به هذا الغرض إذا لم تف الزكاة به. والمغزى الاجتماعي لهذه الفكرة واضح، وهي تجعل المجتهد لا يفكر في تمديد واجب الأغنياء نحو الفقراء، ولكنه يفكر في ضرورة تحقيق مستوى خاص من الحياة لكل فرد من أفراد الطبقة الفقيرة. ومعلوم بأن الحكم الشرعي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة ومن القياس والإجماع. والفقيه عندما يقوم بمهمته الاجتهادية إنما يتجه إلى نصوص الكتاب والسنة ليستخلص منها الحكم الشرعي طبقاً للقواعد المقررة في أصول الفقه الإسلامي. ونحن هنا لا نحب أن ندخل في تفصيلات طرق استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، فهذا لا يعنينا هنا، وإنما الذي يعنينا بصورة خاصة هو طبيعة هذا المنهج من ناحيته الإيجابية والسلبية، فهو من الناحية الإيجابية ينحصر في النصوص، ويجتهد في استخلاص الأدلة وصولاً إلى الحكم الذي يدل عليه النص، أو يشهد له القياس أو الإجماع ثم الاستنباط، وانتهت المهمة. وواضح أن هذا المنهج الاجتهادي لا بد من توافره كشرط ضروري للاجتهاد، إلا أن هذا المنهج يجب أن لا يغفل تطور الحياة الإنسانية، بل عليه أن ينظر إلى مصادر الأحكام الاجتهادية من واقع الإنسانية التي جاءت هذه الأحكام لتنظيمها. خاصة إذا علمنا بأن واقع التراث الاجتهادي الفقهي يعلمنا بأن المصادر الشرعية الاجتهادية عندما تؤخذ بعيداً عن واقع الحياة البشرية تظهر تلك الأحكام الفقهية التي تشق على الناس، علماً بأن الشريعة ليس فيها حرج أو مشقة، وهذا أمر مفروغ منه أصولياً، ولكن مرد ذلك إلى النظرة الفقهية الاجتهادية بمعزل عن الظروف التي استجدت في المجتمع من عصر إلى آخر.

стр. 3306

وإذا كان لمجمعنا من خصائص يمتاز بها على بقية المجامع الفقهية، فإنه إلى جانب أنه أول مجمع عالمي يضم في إطاره الأمة الإسلامية، فإن تفكير العقلية الاجتهادية لمجمعنا يجب أن لا تكون محصورة في دائرة النصوص، أو على استخلاص دلالتها. ١- لأننا نعتقد بأن باب الاجتهاد مطلق، وما مجمعنا الموقر إلا إثبات لهذه الحقيقة التي تنسجم مع عقيدة المسلمين بخلود الدين الإسلامي إلى قيام الساعة، ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادراً على استيعاب واقع الحياة البشرية المتطور في كافة مراحلها. ومن هنا فإن النظرة الاجتهادية لا بد وأن تستوعب البيئة المحيطة به، وما يعتمل فيها من فقر وبؤس من ناحية، وانغماس الأغنياء في الترف والنعيم وعدم اكتراثهم بمن حولهم من شقاء وبؤس العيش من ناحية أخرى، ومن هنا لا بد للمجتهد من نظرة واسعة يقتضيها تطور المجتمع وانعكاساته على أوضاع الناس، بحيث ينظر ليس فقط بعقلية من يريد أن يجمع النصوص ومصادر الاجتهاد كي يستخرج منها دلالتها على الأحكام الشرعية، بل لا بد وأن يضيف إلى ذلك روح من يعتقد بأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتحقيق السعادة الإنسانية ومحو مظاهر البؤس والفاقة من المجتمع، وأن مهمته الكبرى هي النظرة الفقهية إلى استخلاص العلاج الإسلامي الكامل من تلك المصادر والنصوص الشرعية، إلى جانب النظرة الموضوعية إلى واقع الحياة البشرية التي تطلب علاج أمراضها من شريعة الإسلام، خاصة إذا ما علمنا بأن هذه النظرة الفقهية إلى النصوص الشرعية قد سبقنا إليها أئمة من السلف كانت لهم الإمامة الفقهية في عصورهم، منهم الإمام الكبير والفقيه الحجة ابن حزم الظاهري الذي شعر في عصره بمشكلة الفقر في المجتمع، وتجرد في نظرته الفقهية إلى النصوص بروح النظرة الموضوعية للمصلح الاجتماعي والعقل المفكر الحر للبحث عن علاج حاسم لها في دائرة الإسلام. ولم يكن ابن حزم مجرد فقيه عادي، كل همه دراسة النصوص ودلالتها دون التفكير في الإنسان وشقاء الإنسان واختلاف الزمن وتطور المجتمع. وقبل الإمام ابن حزم علي بن أبي طالب ﵁ حيث قال: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي الفقراء، فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه". وعلى هذا فإن المفروض إذاً هو ما يكفي الفقراء، وليس الزكاة وحدها، والذي يكفي الفقراء يتناول ما يسد حاجة الجموع، ويوفر لهم الغذاء والكساء، هذا الحق في مال الأغنياء غير الزكاة قرره علي بن أبي طالب وكبار علماء السلف والتابعين، وليس ابن حزم إلا معبراً عن هذا الاتجاه الإسلامي العظيم للسلف الصالح.

стр. 3307

وهذا مبدأ عام في الشريعة الإسلامية يشترك في فهمه جميع علماء الأمة الإسلامية. ٢- أما حق الفقراء في أموال الأغنياء إذا لم تف الزكاة بحياة كريمة لهم فقد تقرر من مبادئ الإسلام ونصوص الشريعة كما فهمه السلف وطبقه الخلفاء الراشدون ﵃، ونخلص من هذه النقطة إلى تقرير حق شرعي في أموال الأغنياء للفقراء إذا لم تف الزكاة بذلك، وإن مبادئ الإسلام العامة قد أعطت الحاكم أو السلطة أخذ هذا الحق بما يحقق المستوى الاجتماعي للفقراء. ٣- أما حدود هذا الحق فقد أشار الإمام ابن حزم بقوله: (يقام للفقراء بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للصيف والشتاء بمثل ذلك ومسكن من المطر والشمس) . وهنا نجد أن هذا الفكر الإسلامي في مستوى سام على هذا النحو الرحب الذي يتضمن الغذاء والكساء والمسكن، وجعله حقاً للطبقة الفقيرة، يعبر عن روح الإسلام وجوهره الحقيقي. ومن هنا فإن واجب علماء الإسلام المجتهدين لا يقف عند الحديث عن الزكاة وأنواعها ومقاديرها، وأن لا يكون همه أيضاً فقط موجها إلى استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها فقط، وإنما أيضا إلى ذلك كله النظرة الفقهية الرشيدة والحكيمة إلى المجتمع وحاجاته؛ لأننا قد علمنا بأن في أموال الأغنياء حقاً سوى الزكاة. وأن الله قد فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، ولهذا فإن الحاكم أو السلطة لها أن تأخذ من أموال الأغنياء ما لا بد منه لتحقيق المستوى المناسب من الحياة للفقراء وتمكينهم من الاستمتاع بها، وإن تجاوزت في ذلك حدود الزكاة. إذن نخلص من هذه الفقرة في نهاية المبحث الأول إلى أن هذا الحق ليس محدداً، ولن تقف حدوده الشرعية إلا عند مستوى الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة. وواضح بأن ذلك كله يتجاوز حدود الزكاة، وبالتالي يجب أن يكون مرناً قابلاً للزيادة والنقص؛ حتى تستطيع الدولة مواجهة كافة الظروف، وتكفل للفقراء حياتهم الكريمة، ولا تعجز عن الوفاء بها إذا زاد عدد الفقراء في المجتمع، وبحيث يفي هذا الحق الذي تجاوز حدود الزكاة منضماً إلى ضريبة الزكاة، تحقيق الهدف الإسلامي العظيم، وهو محو الفقر والبؤس من المجتمع الإسلامي.

стр. 3308

المبحث الثاني أنواع الشركات أنواع الشركات المعروفة في فقه الشريعة الإسلامية. ١- عرف في فقه الشريعة الإسلامية على سبيل الإجمال نوعان من أنواع الشركات هما: ١- شركة أملاك، ٢- شركة عقود، أما شركة الأملاك فهي أن يمتلك شخص فأكثر مالاً مشتركاً ومختلطاً بينهم من غير عقد، سواء أكان تملك تلك الأموال المختلطة بينهم تملكاً إجبارياً، مثل الأموال الموروثة ونحوها، أم كان تملك تلك الأموال تملكاً اختيارياً، مثل اشتراك شخصين فأكثر مالا مختلطاً ومشتركاً بينهم، أم ليس تملكاً إجبارياً ولا اختيارياً، بل تملك بعقد شراء، وهو جائز ومشروع بنص الكتاب والسنة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ النساء: ١٢، وحكم مال هذه الشركة إذا بلغ النصاب ما لمجموعهم وحال عليه الحول، فإن الزكاة واجبة فيه، ولو لم يبلغ نصيب كل واحد من الشركاء الثلث على حدة. فالزكاة واجبة شرعاً على الشركاء في هذا المال المشترك على قدر نسبة كل واحد منهم من تلك الأسهم. ٢- أما شركة العقود، وهي تملك المال المشترك بين الشركاء بعقد شراء، فإنها تنقسم عند فقهاء الشريعة الإسلامية إلى الأنواع التالية: ١- شركة العنان ويقال لها: شركة الأموال. وتعريفها الفقهي: هي أن يتعاقد شخصان فأكثر على أن يشتركوا فيما بينهم بمبلغ من المال معين الجنس والصفة والعدد، ويعملون فيه، ويكون الربح بينهم على حسب شروطهم، ولا يجوز لأي واحد منهم أن يتصرف إلا بإذن الآخر أو الشركاء الآخرين معه؛ لأن العقد مشترك بينهم والربح أيضاً مشترك بينهم بقدر رأس مال كل واحد منهم، والعمل أيضاً مشترك بينهم على قدر نصيب كل واحد منهم من رأس مال الشركة ومن الربح، فإذا لم يكن العمل بينهم على قدر ما لكل واحد من الشركاء في الربح ورأس المال المشترك أعطى لصاحب العمل ما يستحقه عمله في الربح، مضافاً إلى ما يستحقه من ربح رأس ماله. ونص الفقهاء على وجوب توفر الأركان والشروط لهذا النوع من الشركات، فأركانها المتعاقدان أو المتعاقدون ورأس المال المشترك والصيغة التي هي الإيجاب والقبول وأما شروطها فهي الحرية، والرشد والبلوغ. وأن تشتمل الصيغة بين الشركاء بما تفيد معنى الشركة عرفاً والإذن بالتصرف لمن يتصرف من الشركاء بكل أنواع التصرف من بيع وشراء وهبة ونذر ووصية ونحو ذلك، أو بالإذن بالتصرف بالبيع والشراء فقط. كما اشترط الفقهاء اختلاط رأس مال الشركة من غير تمييز، ولا بد أن يكون رأس مال الشركة معلوماً لدى الشركاء المتعاقدين، وأن يكون الربح والخسارة بحسب نسبة رأس مال الشركة بين الشركاء، وأن يكون الجزء المستحق لكل واحد من المشتركين من الربح جزءاً معلوماً مشاعاً، وهذه الأركان والشروط عند الفقهاء مأخوذة من مفهوم الحقيقة اللغوية الشرعية للشركة. والتي هي ثبوت الحق شائعاً في شيء واحد مشاع، كثبوت حقوق الورثة في المال الموروث، وثبوت الحق شائعا في شيء بعقدين اثنين فأكثر، كثبوت أسهم الشركاء في المال المشترك بعقد شرعي، كما في شركة العنان المذكورة. أو كثبوت أسهم الشركاء في الربح المشترك بعقد شرعي كما في شركة المضاربة.

стр. 3309

٢ - شركة المضاربة: وهي مشتقة من الضرب في الأرض، الذي هو السفر لتنمية المال بالتجارة. وقد عرفها الفقهاء بأنها هي التي يكون رأسمالها من أحد الشريكين دون الآخر، ويكون العمل لتنمية هذا المال من الشريك الآخر دون صاحب رأسمال الشركة، بحيث يكون رأسمال الشركة لصاحبه، أما الشريك الآخر، وهو العامل، فإنما يستحق جزاء من ربح ذلك المال على حسب اتفاقه مع صاحب رأسمال الشركة، وهي أيضاً ثابتة بالسنة، ولها أركانها وشروطها في كتب الفروع الفقهية. ٣ - شركة الوجوه: وتعريفها في كتب الفقه: هي أن يتفق اثنان فأكثر على الاشتراك في شراء شيء ديناً في الذمة، ثم يتاجرون في ذلك المال، فما تحقق لهم من ربح فهو بينهم على حسب شروطهم، وهذا النوع جائز في الإسلام وله أركانه وشروطه في كتب الفروع. ٤ - شركة الأبدان: وعرفها الفقهاء: بأنه اتفاق اثنين فأكثر بالاشتراك بأبدانهم، وتسمى أيضاً بشركة الأعمال. فما ربحوا نتيجة لذلك العمل فهو بينهم على حسب شروطهم المسبقة، وهذا النوع جائز وله أركانه وشروطه في كتب الفقه. ٥- شركة المفاوضة: وعرفها الفقهاء بقولهم: هي أن يفوض كل واحد من الشركاء شريكه في كافة الأعمال والتصرفات المالية والبدنية، وكل عمل أو تصرف يدخل في أعمال تلك الشركة. وهي أيضاً جائزة ولها أركانها وشروطها في كتب الفروع أيضاً. هذه هي أنواع الشركات المعرفة في فقه الشريعة الإسلامية. ٢- أما النظرة الفقهية لهذا النوع من الشركات الإسلامية، فقد عنيت النظرة الفقهية لفقهاء الإسلام ﵃ عناية لا يدانيهم فيها تشريع، ولا غرابة في ذلك؛ فالإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية التي جمعت بين العقيدة والشريعة في إطار واحد، واستكملت التفاعل بينهما حتى صارت مقتضيات كل منهما تؤثر في الأخرى وتتأثر بها. لقد عالج فقهاؤنا الأموال من حيث أنواع التملك وأسبابه، ومن حيث العقود التي ترد على الأموال – عقد البيع وعقد الإجارة وعقد الوكالة وعقد الرهن وعقد الكفالة وعقد الحوالة وعقد القسمة وعقد العارية وعقد القرض وعقد الوديعة وعقد الهبة وعقد الوصية وعقد الشركات المتقدم ذكرها، وفصلوا أحكامها تفصيلاً ليس وراءه زيادة لمستزيد، إلا أن جانباً من جوانب استثمار المال على ضوء ما يصح استنباطه من الكتاب والسنة لم يفصلوا فيه بقدر ما وصل إليه على المحدود تفصيلاً واضحاً وتشريعاً متكاملاً، مثل الشركات المعاصرة والتي نحن بصدد دراستها والاجتهاد في أحكامها الشرعية على سنة سلف الأمة المجتهدين على اختلاف عصورهم. ولعل مرجع ذلك إلى أن ظروف عصرهم ومقتضيات مجتمعهم لم تكن تتطلب منهم اجتهاداً تفصيليا ولا افتراضا تخريجياً لأحكام شركات مستجدة في مستقبل حياة الأمة الإسلامية، وهذا هو الموضوع المطروح أمام مجمعنا الموقر في دورته الرابعة، وهو الذي سوف نعالجه في هذا البحث الذي نعرضه على صفوة علماء المسلمين لتمحيصه وإبداء الرأي فيه.

стр. 3310

وأود أن أشير إلى أن النظرة الفقهية للشركات المستجدة والمعاصرة يجب أن لا تكون محصورة في دائرة النصوص الشرعية، ولا في المسائل الفقهية للفروع المذهبية، بل يجب أن تأخذ بالاعتبار إضافة إلى ذلك المبادئ العامة للشريعة، والتي تعتبر المنطلقات الشمولية للاجتهاد، وتعطي للشريعة الإسلامية تكاملها الجمالي في حدود ضوابط الاجتهاد الأصولي وشروطه عند علماء الاجتهاد. وفي هذا أورد إشارة إجمالية إلى ما يلي: ١- لا يشك مجتهد من علماء الأمة الإسلامية بأن مبادئ الإسلام العامة والكلية تفرض على المالك أعمال استثمار ماله إذا قضت بذلك ظروف العصر وضرورات المجتمع الإسلامي. ٢- وجوب اتباع أرشد السبل في استثمار هذا المال. ٣- وجوب توجيه استثمار المال في المجتمع الإسلامي إلى جميع المسالك التي تتطلبها ضرورات المجتمع. ومن هذه المبادئ العامة والمنطلقات الشمولية أجمع الفقهاء إلى أن أول تكليف شرعي يقع على مالك المال هو شكر الله وتوظيفه لمصلحة المجتمع لينتفع به، وذلك بإيداعه في المصارف والمشاريع العامة ليستفيد منه المجتمع الإسلامي. ولا يكون كذلك إلا إذا وجه نشاطه ومواهبه إلى استثمار هذا المال في نطاق الوجوه المشروعة للاستثمار والتنمية على نحو يفي بحاجاته وحاجات من يعيلهم، وبغير عدوان على مصلحة الجماعة أو المصلحة العامة؛ ذلك لأن الإسلام يبغض الفقر ويكافحه ويدعو المجتمع الإسلامي إلى الجد والاجتهاد في تنمية أمواله المادية أخذاً بنصيبه من الدنيا. وبهذه النظرة الفقهية الشمولية تفهم العبادات التي فرضها الإسلام على المسلمين بأن أداءها والقيام بها لا يجوز أن يكون مدعاة للتراخي في نشاط المسلم المادي وابتغاء فضل الله بكسب المال الحلال واستثماره في نطاق الوسائل المشروعة لكسب المال واستثماره، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الجمعة: ١٠. والنصوص الشرعية في هذا المجال معروفة لأصحاب الفضيلة أعضاء المجمع.

стр. 3311

المبحث الثالث لقد جدت في مجتمعنا المعاصر شركات أخذت أسماء ومصطلحات جديدة وأطراً قانونية تبعاً لتطور الحياة واختلاف معاملات الناس والسبل الجديدة لاستثمار الأموال، مما استدعت الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي باعتبار بيان الحكم الشرعي واجباً كفائياً مناطاً بعلماء الأمة المجتهدين لكافة القضايا والنوازل المستجدة في كل عصر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ تحقيقاً لعقيدة المسلمين بخلود الإسلام، وأن الله ﵎ له في كل فعل من أفعال العباد حكم يدور على الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة. من هذه الشركات: ١- شركة التضامن، ٢- شركة الكهرباء، ٣- شركة التوصية البسيطة، ٤- شركة الكباري، ٥- شركة النقل البري أو الجوي أو البحري إلخ، هذه الأسماء التي قد لا تقف عند حد من التسميات ونحن هنا لا تهمنا الأسماء ولا المصطلحات ولا الهياكل الشكلية لتلك الشركات المستجدة لكي نصل في بحثنا إلى معرفة زكاة الأسهم في تلك الشركات. ومعلوم بأن الشركات الدولية التي تخضع قانونياً للملكية العامة لكافة أفراد الشعب غير داخلة في بحثنا هذا لكونها لا تجب فيها الزكاة شرعاً؛ لأن حكم أموالها وأرباحها حكم بيت مال المسلمين أو الخزينة العامة للدولة. وإنما كلامنا على زكاة أسهم الشركات التي تخضع ملكيتها كليا أو جزئياً للجماعات أو الأفراد؛ لأن الحكم الشرعي في الزكاة مناط بأموالهم عند توفر شروط ذلك الحكم.

стр. 3312

٢- موقف النظرة الفقهية من الشركات المعاصرة: إن جمهور علماء الأمة الإسلامية سلفاً وخلفاً ينظرون إلى فريضة الزكاة من خلال النصوص الشرعية، على أن العلة في فرضية الزكاة التي يناط الحكم بوجوبها. هو النصاب النامي بالفعل أو بالقوة: أي القدرة على تنميته وإن لم يعمل على تنميته بالفعل، وأن العلة تؤخذ من النظرة الفقهية عند الفقهاء ومن تعليلاتهم في مواضع مختلفة ومن تتبع الأموال التي تجب فيها الزكاة، فهي في النقود لأنها نامية بالقوة وتجب في الزروع والثمار لإنماء الأرض والشجر وتجب في السائمة لأنها تنمو بمضي الزمن، ولا تجب في الأموال التي تكون لسد الحاجة الأصلية أو للاقتناء المباح شرعاً، ولذلك لم تجب في المسكن المعد لسكن رب المال، ولا أدوات الصناعة التي يعمل بها الصانع. وهذا هو رأي الأحناف، واختاره الشيخ المرحوم محمد أبو زهرة في بحثه الخاص في الزكاة، والذي قدمه إلى مجمع البحوث في الأزهر. إذ يقول: "وقد وفرض النبي ﷺ الزكاة في النقود وطبقها الصحابة من بعده". عروض التجارة: فرضها ﵊ في الزروع والثمار وفي النعمة، واستنبط الفقهاء علة الزكاة في هذه الأنواع على أنها مال نامٍ. ثم يتساءل الشيخ أبو زهرة فيقول: "فهل إذا جد في هذه العصور أموال نامية بعضها لم يكن نامياً في عصر النبي ﷺ ، ولا في عصر الصحابة، ولا الأئمة المجتهدين، فهل يسوغ لنا أن نفرض فيها الزكاة تطبيقاً للعلة التي استنبطها الفقهاء لحكم وجوب الزكاة؟ وإذا فعلنا ذلك لا نكون قد أتينا بمحظور في الأحكام الشرعية. وأجاب على هذا التساؤل بقوله: "إن الجواب على هذا السؤال سائغ لنا، ونحن فيه لا ننشئ اجتهاداً ولكن نطبق علة القياس كما لو رأينا مواد مسكرة غير ما كان معروفاً في عصر الاجتهاد الفقهي من مشروبات فهل نبيحها ونقول: إنه لم يرد نص فقهي بتحريمها". ونقول: إن تحريمها لا يجوز؟ إنه يجب تطبيق العلة. ثم يستطرد ويقول: "إن فرض زكاة في الأموال التي ظهرت في هذا العصر أو في الأموال التي تغير وصفها عن الماضي إذا كانت في الماضي تتخذ للحاجات وصارت الآن أموالاً نامية كالمصانع الكبيرة والعمائر الشاهقة التي تتخذ للاستغلال، والحيوانات التي تتخذ للنماء"، ثم يقول: إن فرض الزكاة في هذه الأموال ليس خروجاً على أقوال الفقهاء السابقين، بل هو تطبيق لأقوالهم. بأن نعمم حكم العلة في كل ما تتحقق فيه. هذا ما يسمى بتحقيق المناط، وتحقيق المناط لا يصح أن يخلو منه عصر من العصور.

стр. 3313

ثم استطرد الشيخ أبو زهرة ﵀ بالنقل من الجزء الرابع من الموافقات للإمام الشاطبي ص ٨٩-٩٥ ما نصه: "الاجتهاد على ضربين –أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى لا ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة. والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول، فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، ولكن يبقى في تعيين محله: أي تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية. ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره، ولو في نفس التعيين، وأنه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفتٍ ولو فرض ارتفاع هذا النوع من الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الدين". ثم يعقب أبو زهرة بقوله: وعليه فإن الأحكام الخاصة بالزكاة تعمم في كل ما يتحقق فيه العلة ويؤدي إلى أمر حق ويمنع أمراً ظالماً؛ لأنه يؤدي إلى المساواة العادلة بين الناس فلا يجب الزكاة في زرع من يملك فدادين ويعفى منها من يملك عمارة فخمة تدر عليه ربحاً فائضاً كبيراً، والأمر الظالم الباطل الذي يمنع فرض الزكوات على الأموال التي تدر مالاً كثيراً، ولم تكن في عهد الرسول ﷺ . هو أن يفر الناس مما تجب فيه الزكاة إلى ما لا تجب، فتكون الكثرة الكاثرة في جانب من أبواب الكسب، والقلة في باب آخر. وربما كانت حاجة الأمة إليه أمس وأشد على ضوء هذه الحقائق المقررة. نقول: إن كل مال يتحقق فيه النماء والشروط التي ذكرها الفقهاء تجب فيه الزكاة، ولو لم يكن جاء به النص عن رسول الله ﷺ فإن القياس ثابت في الفقه الإسلامي، وتطبيق موجب القياس ثابت في كل العصور والأزمان وهو نوع من الاجتهاد ولا يصح أن يخلو منه عصر من العصور ليمكن تحقيق علة النصوص تحقيقاً علمياً سليماً، وقد وجدت أموال في هذا العصر يجب أن نبين حكم الله فيها: مثل الأسهم والسندات ونحوها مما هو موضع للاتجار، أو يدل على حصص شائعة في شركات صناعية أو تجارية. ويستطرد أبو زهرة فيقول: إننا عند بيان حكم هذه الأموال وأخذ الزكاة منها نتجه أيضاً إلى تحقيق المناط، ونطبق المنهاج الذي نهجه السلف الصالح في تفسير الأموال التي فرضت فيها الزكاة والتي لم تفرض فيها. ثم يقول: إن الأسهم والسندات إذا اتخذت للتجارة فإنها تكون عروضاً تجارية يجب فيها ما يجب في عروض التجارة من زكاة يقدر مقدار نصابها على حسب قيمتها ذهباً، والزكاة تؤخذ من الأصل والنماء. على حسب ما قرره جمهور الفقهاء. وإذا كانت تتخذ للاستغلال فإن الشركات التي تكون الأسهم ممثلة لجزء شائع فيها فإن دفع الشركة يغني عن دفع حامل السهم.

стр. 3314

أما السندات فإن الزكاة تدفع من الفائدة التي تؤول إلى حاملها، ولو كانت للاتجار أخذت عنها زكاة عروض التجارة، فكأنه يؤخذ عنها زكاتان، زكاة نمائها من الفائدة وزكاة من الاتجار. ثم يقول أبو زهرة: إننا لو أعفيناها من الزكاة لأدى ذلك إلى أن يقتنيها الناس بدل الأسهم وبذلك تنادي بالناس إلى أن يتركوا الحلال إلى الحرام. وإن زكاة الأسهم والسندات إذا كانت على أساس التجارة تكون ربع العشر كزكاة النقدين لأنها عروض تجارة، وقد بينا بأن نصابها وزكاتها كزكاة النقدين. ثم يقول: وهذا ما نراه تطبيقا للسبب الذي استنبطه الفقهاء بالنسبة للأموال المنقولة، أما الأموال الثابتة، وتدخل فيها المصانع والشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم، فإننا نرى أنه ينطبق عليها ما اتبعه السلف بالنسبة للزروع والثمار وجوب أخذ الزكاة من الغلات على أساس أنه يؤخذ عشر صافي الغلات؛ لأن النبي ﷺ فرض العشر في الزروع والثمار إذا سقيت بغير آلة، وفرض نصف العشر إذا سقي بآلة، وأنه تحسب النفقات التي أنفقت على الزرع كما قرره الفقهاء، ونطبق على غلات المصانع وما يشبهها، فنقول: إن الصافي يشبه إنتاج الزرع والثمر إذا سقي بغير آلة؛ لأنه خالص كالزرع الذي يروى بماء السماء أو من الأنهار، بل إن صافي الغلات يكون خالياً من كل نفقة الذي سقي بغير آلة، وهذا القدر من الزكاة يؤخذ من ذات الشركة التي تقيم المصنع أو من صاحب المصنع إذا لم يكن المصنع منشأ بشركة بل أنشئ بعمل الآحاد، وبذلك لا يكون على المساهمين زكاة لأنها احتسبت مما يؤول إليهم، فالغلة تجيء إليهم صافية، ولا زكاة في الأسهم حينئذ إلا إذا اتخذت كعروض للتجارة. أما السندات فإن الزكاة تدفع عنها لأنها دين على الشركة وتجيئه الفائدة ولم تحسب في الزكاة؛ لأن ما يأخذه قدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، وهو يؤخذ على كل ما كسبت الشركة أو خسرت". انتهى كلام أبي زهرة. لقد أطلنا نفس القلم في إيضاح النظرة الفقهية الأصولية كضرورة اجتهادية لا بد منها لخلفية الموضوع المطروح. وعلى ضوء هذه النظرة الفقهية الأصولية نقول: إن كل مال يتحقق فيه النماء وتتوفر فيه الشروط تجب فيه الزكاة وجوباً شرعياً، ولو لم نجد نصاً على ذلك من الكتاب أو السنة؛ لأن القياس الشرعي مصدر من مصادر الأحكام الشرعية عند عدم النص، ومما لا شك فيه بأن الشركات المساهمة أموالها مغلة بالفعل، وأنها من الأموال التي لم تكن معروفة النماء والاستغلال في عهد سلفنا الصالح ﵃، ولأنها معللة وليست تعبدية. ولهذا فإن القياس فيها معتبر كما أشار أبو زهرة ﵀. وقد خلصت من اطلاعي على المذاهب الفقهية في الموضوع إلى رأيين: الرأي الأول منهما يميل إلى جعل أسهم الشركة المساهمة عروض تجارة وأنها تعامل في البورصة بالبيع والشراء وبالتالي يكون حكمها حكم عروض التجارة، تؤخذ الزكاة منها بقدر قيمتها في نهاية الحول الذي ملكت فيه وذلك كل عام حينما يحول عليها الحول. وأنا لست مع هذا الاتجاه الفقهي لأنه لا يستند إلى قواعد الشريعة ولا إلى قياس صحيح. بل استند إلى كون أدوات إنتاج الشركة مالاً نامياً، وأنها ليست من الحاجات التي تعد لإشباع الحاجات الشخصية بذاتها وأن الفقهاء إذا لم يفرضوا زكاة في أدوات الصناعة في عصورهم فلأنها كانت أدوات أولية، وبالتالي لم تعتبر مالاً نامياً بذاتها؛ لأن الإنتاج فيها للعامل. إن هذا الاتجاه في نظري هو الاستحسان الذي ذمه الإمام الشافعي ﵁ عندما قال "من استحسن فقد شرع".

стр. 3315

وأما الرأي الثاني فإنه يوجب الزكاة في أرباح أسهم تلك الشركات، الأسهم نفسها؛ فإنها تعتبر كالعقار المعد للإيجار، تكون الزكاة في إيجاره دون رقبته؛ لأن هذه الأسهم قد جعلت في الأصل للاستثمار وتوظيف المال. وأنا أميل إلى هذا الرأي ما لم تكن تلك الأسهم تستغل في الأسواق المالية والتداول بها بين الأفراد، فإنها في هذه الحالة يكون حكمها حكم سائر السلع التي يقصد منها الاتجار والبيع والشراء ابتغاء الربح من ورائها، وبالتالي فإن حكم تلك الأسهم حكم السلع التجارية، وتضم قيمتها مع أرباحها، وتزكى تلك الأرباح مع قيمة الأصول، ومن المتعارف عليه بأن للسهم قيمتين؛ قيمة اسمية وهي المقدرة عند الإصدار، وقيمة سوقية تحدد في سوق الأوراق المالية. وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق المالية تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي إذاً من عروض التجارة، وهي كأموال التجارة، ولأن مالك السهم يستطيع في أي وقت أن يعيد رأس ماله في الأسهم إلى قالب نقدي له يستخدمه في أي حاجة يريدها، لذلك وعليه فإن المعتبر بأن زكاة تلك الأسهم التي قصد منها الاتجار بها وليس المقصود ابتداء استغلالها للربح هو قيمتها في الأسواق، يضاف إليها الربح، وليس قيمتها الأصلية أو الاسمية المسجلة لدى الشركة، بشرط أن تبلغ قيمة الأسهم في الأسواق المالية الربح نصاباً أو تكملا ما عنده من مال نصاباً. وأما مقدار زكاة الأسهم سواء حسب الرأي الأول أو الثاني فلا خلاف فيه، ربع العشر أي ٢.٥ %. وهذا في نظري ينطبق على كافة الأسهم في الشركات، سواء أكانت الشركات المساهمة شركات صناعية محضة، أم شبه صناعية؛ أي: أنها لا تمارس عملاً تجارياً، أم كانت شركات تجارية. هذا وبالله التوفيق الشيخ محمد عبده عمر

стр. 3316

أهم المراجع ١- القرآن الكريم ٢- تفسير ابن كثير ٣-٤ ٣- الأم للإمام الشافعي ج٢ ٤- المحلى لابن حزم ج٧ ٥- سبل السلام ج١ ٦- منجد اللغة والأعلام ج١ ٧- موطأ الإمام مالك ج١ ٨- فتح الباري على صحيح البخاري ج٦ ٩- المغني لابن قدامة ج١ ١٠- نيل الأوطار ج١ ١١- الفقه على المذاهب الأربعة ج١ ١٢- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ج١ ١٣- سنن أبي داود ج١ ١٤- بحث الزكاة لأبي زهرة ١٥- فتاوى ابن تيمية

стр. 3317

زكاة الأسهم في الشركات إعداد فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رسالة الأدلة والبيانات على زكاة الأسهم والسندات في الشركات إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صاحب الشريعة الغراء والمحجة البيضاء، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فلقد طلب إلي مجمعنا العتيد مجمع الفقه الإسلامي بجدة، أن أوافيه ببحث وافٍ عن زكاة أسهم الشركات، ولقد بحث هذا الموضوع المهم في الدورة الثالثة في عمان ولم يصل فيه المجمع إلى نتيجة مرضية آنذاك، فأدليت بدلوي بين الدلاء، واستخرت الله وكتبت هذه الرسالة في عدة صفحات، عرضت فيها ما كتب فقهاؤنا المعاصرون في هذا المضمار، ثم أثبت ما وفقني الله تعالى إليه من القول الراجح فيما ظهر لي، والله تعالى أعلم. وإني لا أزعم أن ما وصلت إليه هو مراد الله ، وحكم الله في هذه الحادثة، لا، بل هو محض اجتهاد يقبل الخطأ والصواب، وما من أحد إلا رد ورد عليه، إلا صاحب هذا القبر صلوات الله عليه. إني أردت الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 3318

(١) خلاصة لما ذهب إليه أعضاء مجمعنا الموقرون من التيارات الفقهية الأصل في وجوب الزكاة على مالك الأسهم، النظر إلى قصده من تملكها: أ- فإن كان لغرض المتاجرة فيها، فتجب فيها زكاة عروض التجارة، وذلك على أساس قيمتها في السوق. ب- وإن كان غرضه من تملكها الحصول على الأرباح منها دون المتاجرة بها، فتجب الزكاة في ربحها مع استقبال الحول، إلا إذا كان في الشركة نقد سائل وعروض معدة للبيع أو التصنيع، ولم تكن الشركة قد قامت بزكاة هذه الأموال، فيخرج المساهم ما يقابل أسهمه من زكاة هذه الأموال. وكذلك إذا كانت الشركة زراعية ولم تقم الشركة بدفع زكاة الحبوب والثمار، فيدفع المزكي الواجب عليه منها. (يرجع إلى المشروع التحضيري لقرارات المجمع في الدورة الثالثة في عمان) (٢) خلاصة ما ذهب إليه الأستاذ المودودي في كتابه (فتاوى الزكاة) ذهب العلامة الأستاذ أبو الأعلى المودودي في رسالته القيمة (فتاوى في الزكاة) إلى وجوب الزكاة قطعاً في أسهم الشركات التجارية، ولم يتعرض للشركات الزراعية فيما أحسب، لكنه بعد ذلك خير الشركة والمساهم في إخراج هذه الزكاة، فإن أحبت الشركة بالاتفاق مع المساهم أن تخرج هي الزكاة عن سهمه لها ذلك، باعتبارها وكيلة عنه وشخصية اعتبارية، وإن أحب الشريك المساهم أن يخرج هو عن سهمه بالاتفاق مع الشركة على ذلك فله ولا حرج؛ لأنه هو الأصل المالك للسهم في نظر الأستاذ المودودي ﵀. ولا يجب إخراج الزكاة مرتين، مرة من الشريك المساهم ومرة من الشركة المساهمة؛ لأنه خلاف الأصل المعمول به شرعاً.

стр. 3319

(٣) نص مقولة الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه "الفقه الإسلامي وأدلته" السندات جمع سند: والسند: تعهد مكتوب بمبلغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة. فالسهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، وصاحبه مساهم، والسند يمثل جزءاً من قرض على شركة أو دولة، وحامله مقرض أو دائن. والتعامل بالأسهم جائز شرعاً، أما التعامل بالسندات فحرام؛ لاشتمالها على الفائدة الربوية. وبالرغم من تحريم التعامل بالسندات، فإن ذلك لا يمنع شرعاً من التملك التام، فتجب فيها الزكاة (١) ، فتجب زكاتها بحسب قيمتها الحقيقية في البيع والشراء كزكاة العروض التجارية، أي: تؤدي زكاتها على رأس المال مع أرباحها في نهاية العام القمري بنسبة (٢.٥ %) إذا كان الأصل والربح نصاباً أو يكمل مع مال مالكها نصاباً، ويعفى الحد الأدنى للمعيشة إذا لم يكن لصاحب السهم مورد رزق سواها؛ كأرملة ويتيم ونحوهما، هذا في الشركات التجارية. أما في الشركات الصناعية فتقدر الأسهم بقيمتها الحالية، مع حسم قيمة المباني والآلات وأدوات الإنتاج. وجملة القول: أن تجب زكاة الأسهم والسندات بمقدار ربع العشر؛ أي: (٢.٥ %) من قيمتها مع ربحها في نهاية كل عام هجري، على مالكها الذي حال عليه الحول بعد تملكها، أو تؤدى الزكاة جملة "واحدة" عن غلة الشركة وإيرادها بمقدار العشر من صافي الأرباح قياساً على نصاب الزروع والثمار، باعتبار أن أموال الشركة نامية بالصناعة ونحوها. ففي الحالة الأولى (الشركات التجارية) نعد صاحب الأسهم له وصف التاجر، وفي الحالة الثانية (الشركات الصناعية) نعد الشركة لها وصف المنتج (٢) .

стр. 3320

(٤) القول الراجح الذي نصير إليه وفي نظري - والله تعالى أعلم - أرى: أنه بعد أن ذابت هذه الأسهم والسندات في شخصية اعتبارية واحدة هي الشركة، لا داعي للقول: إن المالك يستطيع أن يخرج الزكاة عن سهمه أو سنده الذائب في أموال الشركة، بل يجب على هذه الشركة باعتبارها شخصية اعتبارية أن تخرج هي الزكاة عن كل الأسهم والسندات المتوفرة لديها الداخلة في ملكيتها في نهاية الحول القمري بنسبة ٢.٥ % فقط، دون أن يعطى هذا الحق للشريك المالك للسهم ما دام هذا السهم ذائباً في الشركة، فلا سلطان هو عليه في حق الزكاة إلا إذا استرجعه لملكيته الخاصة وأخرجه عن مال الشركة فإنه يرجع حينئذ من الأموال الخاصة ويجري عليه حكم الأموال الخاصة بملاكها. ولا أوافق الأستاذ المودودي ولا الدكتور الزحيلي حفظهما الله تعالى وجزاهما عن الإسلام والعلم كل خير، لا أوافقهما فيما ذهبا إليه من التخيير في دفع الزكاة بين المالك والشركة. صحيح أن الشركة ليست مخاطبة شرعاً بالزكاة لعدم تكليفها شرعاً، ولكنها بالوكالة أو بالنيابة الإلزامية عن المالك، وأكبر دليل على ذلك أن المالك لا يستطيع أخذ سهمه المملوك له شرعاً وسحبه من الشركة التي تنوب عن المالك بالمتاجرة به قبل وقت محدد ومتفق عليه؛ كعشر سنوات مثلاًَ، وكذلك هنا لا يحق للمالك أن يدفع هو الزكاة عن سهمه ما دام هذا المال ذائباً في مال الشركة، فإن هذا الأمر يتعسر على الشركة ويربك حساباتها، وربما أدى إلى أن ترفض الشركة ذلك ويشح المالك فتضيع الزكاة على الفقراء. أما جوهر دفع الزكاة في الأسهم والسندات مع تحريم التعامل بالسندات الربوية، وحل التعامل بالأسهم فهذا أمر مسلم لا غبار عليه، ولم يحصل فيه اختلاف بين الفقهاء القدامى ولا المعاصرين. وأما ما ذهب إليه بعض أعضاء مجمعنا الموقرين من قضية النية، فلا أرى له وجهاً؛ لأن الشركة التي نتكلم عنها تجارية وليست استثمارية، فلا وجه لذلك شرعاً فيما أرى، والله تعالى أعلم. دمشق ٣/٩/١٩٨٧م الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور

стр. 3321

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرئيس: أمامنا أصحاب الفضيلة المشايخ موضوع زكاة الأسهم في الشركات، ونرجو من فضيلة الشيخ محمد الصديق الضرير أن يعطينا عرضاً عن الوجهة الفقهية في زكاة الأسهم في الشركات. الدكتور الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. وبعد، الموضوع هو زكاة الأسهم في الشركات، وأود أولاً أن أوضح أن المقصود هو زكاة الأسهم في الشركات المساهمة بمفهومها الحالي، بمفهومها المعروف في القوانين التجارية، والأسهم أيضاً سنتحدث عنها بهذا المفهوم. ولهذا فقد بدأت بالحديث عن حقيقة الأسهم التي نريد أن نبحث في زكاتها، ثم بعد ذلك سننظر في هل هذه الأسهم بهذا المفهوم تجب فيها زكاة أو لا تجب، وإذا كانت تجب فيها زكاة، فعلى من تجب؟ على الشركة أم على صاحب السهم؟ وعلى التقديرين كيف تزكى هذه الأسهم؟ هذه هي رؤوس الموضوعات الأساسية في هذا الموضوع. فالسهم كما يعرفه رجال القانون هو الحصة التي يقدمها الشريك في شركات المساهمة، وهذا السهم يمثل جزءاً معيناً من رأس مال الشركة، وهو عبارة عن صك يعطى للمساهم، وهو وسيلته في إثبات حقوقه في الشركة. والعادة أن رأس مال الشركة يقسم إلى أسهم متساوية، غير أن بعض الشركات تصدر أسهماً تسميها أسهماً ممتازة، وتكون لها ميزة عن الأسهم العادية. وفي رأيي أن هذا غير مقبول فقهاً. هذا السهم قد يمثل حصة نقدية في رأس مال الشركة وهنا هو الغالب، وقد يمثل حصة عينية يسمون الشريك عيناً منقولاً أو عقاراً، ولكن علماء القانون يقولون: إن هذا السهم حتى ولو كان قدم في شكل عقار هو منقول، وفي رأيي أيضاً أن هذا تكييف غير مقبول من رجال القانون من وجهة النظر الفقهية؛ لأن إذا كان السهم عقاراً وفي شركة عقارية، فكيف يكون منقولاً، يرى رجال القانون أيضاً أن الشركة ما دامت قائمة فليس للمساهم حق عيني في أعيانها، وهذا مقبول لا مانع منه فقهاً، ولا المطالبة بقيمة سهمه، وإنما له الحق في الاستيلاء على نصيب في الأرباح. ويعللون ذلك بأن الحصة التي يقدمها الشريك للشركة تخرج عن ملكه وتصبح مملوكة للشركة كشخص معنوي. فإذا انحلت الشركة كان لكل مساهم حصة في موجودات الشركة. هذه نقطة سأتحدث عنها فيما بعد، من المالك للسهم. من المعروف أيضاً أن هذا المساهم إذا أراد أن يخرج من الشركة فليس أمامه إلا أن يتنازل عن سهمه لغيره؛ إما بمقابل أو بدون مقابل، وهذا أمر ضروري ولازم في الشركات؛ لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تلزم الناس إلى الدخول في هذه الشركات إذا أراد أن يتخلص من السهم.

стр. 3322

نأتي إلى النقطة الفقهية، وهي: هل الأسهم بهذا التكييف فيها زكاة؟ ما دام السهم هو حصة في موجودات الشركة، هذه الحصة قد تكون نقوداً وقد تكون عيناً منقولاً أو عقاراً، والنقود التي يقدمها الشريك قد تتحول إلى عقار أو منقول، وكذلك الحصة العينية المنقول أو العقار قد يتحول إلى نقود، فالتكييف الحقيقي والواقعي في نظري للسهم هو أنه جزء من موجودات الشركة، أياً كان نوعها، هذه الموجودات أموال، ما في هذا من شك، مملوكة، تجب على مالكها زكاتها إذا توافرت طبعاً شروط الوجوب، وهذا الحكم - وهو وجوب الزكاة في الأسهم - لم أر من خالف فيه. وقد نقلت في المذكرة رأياً لما كتبه الأستاذ أبو زهرة في هذا الموضوع، ونقلت أيضاً رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى الذي قد يفهم منه أنه يرى أن بعض الأسهم لا زكاة فيها، وهي الأسهم التي تكون في الشركات الصناعية، بل هو قد صرح بهذا وعارضه في هذا الدكتور القرضاوي. والأستاذ الشيخ عبد الرحمن عيسى يفرق بين الأسهم في الشركات التجارية والأسهم في الشركات الصناعية، فيوجب الزكاة على أصحاب الأسهم في الشركات التجارية دون الشركات الصناعية. عارضه في هذا بعض الفقهاء، منهم كما قلت الدكتور القرضاوي. والواقع أن هذا الاختلاف ليس خاصاً بالأسهم والشركات؛ لأنه يمكن أن يقال في كل مال مستثمر، فالأستاذ عبد الرحمن عيسى يرى أن الأسهم في الشركات الصناعية لا زكاة فيها؛ لأنها لم تتوافر فيها الشروط، والموضوع هذا بحث في المجمع على أساس أن المستغلات لا زكاة فيها، وإنما الزكاة في ريعها. فالنتيجة على الرأيين هي أن الأسهم أموال تجب فيها الزكاة إذا توافرت شروط وجوبها. والاختلاف إنما هو في تحقق شروط الوجوب، لا في أصل الوجوب، ولهذا أقول: إن وجوب الزكاة في الأسهم يكاد يكون إجماعاً. بعد ذلك ننظر في: هل الزكاة تجب على الشركة أم على المساهم؟ الزكاة تجب في المال على مالكه، فمال المالك لأموال الشركة، هنا أيضاً رجعت إلى كتب القانون. يقول الدكتور مصطفى كمال: "للشركة ذمة مالية مستقلة بأصولها وخصومها من ذمم الشركاء"، فأموال الشركة لا تعتبر ملكاً شائعاً بين الشركاء، بل تعتبر هذه الأموال ملكاً للشركة، والحصة التي يقدمها الشريك للشركة تخرج عن ملكه وتصبح مملوكة للشركة كشخص معنوي، ولا يكون للشريك بعد ذلك إلا مجرد نصيب في الأرباح أو في الأموال التي تبقى بعد تصفية الشركة، وهذا هو رأي القانونيين، إذا كان هذا الرأي مقبولاً فقهاً، فإن النتيجة المنطقية له هي أن زكاة أموال الشركة لا يطالب بها المساهمون، وإنما تطالب بها الشركة. وإلى هذا الرأي ذهب بعض من تعرض لهذه المسألة، وقد أطال الحديث في هذا الموضوع الدكتور شوقي إسماعيل شحاته في كتابه "التطبيق المعاصر في الزكاة"، والدكتور وهبة الزحيلي، ووافقه على رأيه في بحثه المقدم للمجمع.

стр. 3323

يقول الدكتور شوقي إسماعيل: "لما كانت الشركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة، وبناء على أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري، حيث لا يشترط التكليف الديني، وأساسه البلوغ والعقل وقياساً على زكاة الماشية، وأن الخلطة فيها خصت بخصوصية تراجع الخلطاء فيما بينهم بالسوية على التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه، وتحدث في هذا طويلاً". ويقول أيضاً: "إن الشركة في الماشية هي شركة أموال بالمفهوم المعاصر، وليست شركة أشخاص، وأن الشركة في الماشية تكون على وجه المخالطة، لا الملك، ومؤداها أن الزكاة تجب في مال الشركة المجتمع ككل، وليس في مال كل شريك على حدة". هذا هو رأي الدكتور شوقي. الشيخ أبو الأعلى المودودي ذكر في كتابه "فتاوى الزكاة" أن زكاة الأسهم تفرض على الشركة إذا كانت الدولة تقوم بتحصيل الزكاة، ويفهم مما نقلته عن الشيخ عبد الرحمن عيسى أن زكاة الأسهم يخرجها المساهم؛ لأنه يتكلم عن المساهم، ورأيي في أن زكاة الأسهم تجب على المساهم، لا على الشركة؛ لأنه هو المالك الحقيقي للأسهم، والقول بأن الشركة هي المالك، وإن كان هذا رأي القانونيين، إلا أنني لا أوافق عليه؛ بدليل أنهم أعطوا لصاحب هذا السهم حق التصرف كما يتصرف المالك، كل ما هنالك أنه ليس له حق في أن يطالب بالمال الذي دفعه، وعندما تنحل الشركة يأخذ نصيبه. فهو المالك الحقيقي، ولذلك فالوجوب ينبغي أن يوجه إليه هو، لا إلى الشركة، أما الشركة فتتصرف في أسهمه نيابة عنه حسب الشروط المبينة في قانون الشركة ونظامها الأساسي. فإذا نص في النظام الأساسي على أن الشركة تخرج زكاة الأسهم وجب عليها إخراجها، لا تجب عليها الزكاة هي إنما يجب عليها إخراج الزكاة نيابة عن أصحاب الأسهم لهذا الشخص، ولا يطالب بها المساهمون في هذه الحالة، أما إذا لم يوجد هذا النص فلا تخرج الشركة الزكاة، إلا إذا صدر قرار من الجمعية العمومية؛ لأن هذا يعتبر تفويضاً منهم، أو إذا كان فيه قانون في الدولة يلزم الشركات بإخراج زكاة الأسهم. أما القول بوجوب زكاة الأسهم على الشركات أصالة باعتبار أن الشركة لها شخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية المساهمين، فإنه لا يكون مقبولاً إلا في دولة تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، وتوجب نظمها أخذ الزكاة من أموال الشركات. وفي رأيي أن الفتوى في أوضاعنا الحاضرة قد تؤدي إلى عدم إخراج زكاة الأسهم إذا أوجبناها على الشركة، ونحن نعلم أن كثيراً من الشركات أو أكثر الشركات لا تخرج الزكاة، ومعنى ذلك إنما سقطت عن المساهم؛ لأنه ليس مالكاً، فهذا غير مقبول في نظري على الأقل في أوضاعنا الحاضرة.

стр. 3324

كيف تخرج زكاة الأسهم؟ أولاً سأتحدث عن كيفية إخراجها، إذا كانت الشركة هي التي ستخرجها نيابة عن المساهمين، أما لأنه في النظام الأساسي أن الشركة تخرج كما هو الحال في كثير من البنوك الإسلامية فيها نص صريح بأن الشركة تخرج الزكاة. فرأيي أن الشركة تخرج زكاة الأسهم بالنسبة للأموال، أموال المساهمين كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال الشركة كأنها أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث النوع، نوع المال، ومن حيث النصاب، المال بلغ النصاب أو لم يبلغ، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، إلى غير ذلك مما تجب مراعاته في الزكاة بالنسبة للشخص الطبيعي. فعلى هذا إذا كانت الشركة شركة تجارية تعامل معاملة التاجر، وإذا كانت شركة زراعية تعامل معاملة المزارع، إذا كانت شركة عقارية تعامل معاملة الشخص الذي يستثمر أمواله في العقارات، قد تكون تجارة، وقد تكون للاستغلال، وقد تستثمر الشركة أموالها في مجالات متنوعة كما هو الحاصل الآن بالنسبة للبنوك الإسلامية، قد تتاجر وقد تشتري عقارات وقد تزارع إلخ. أيضاً هنا لا فرق بين الشركة وبين الشخص الاعتيادي، تعامل معاملة أرباب المال في أموالهم. وبناء على هذا فإن الأسهم في الشركات، الأسهم التي لا تبلغ النصاب بمفردها لا تعفى من الزكاة؛ لأن النظر في بلوغ النصاب إلى أموال الشركة مجتمعة، لا إلى مقدار ما يملكه كل مساهم. فلا تطرح الأسهم التي تبلغ النصاب.

стр. 3325

ولابن رشد عبارة في هذا مختصرة وجامعة، يقول: "عند مالك وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب". وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد، وسبب اختلافهم الإجمال الذي في قوله ﵊: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)) ، فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة. كتب الشافعي فيها تفصيل في هذا الموضوع في الخلطة نقلته في المذكرة. ومما رجح الأخذ بمذهب الشافعي مذهبه الجديد أن البنوك تجد صعوبة في طرح الأسهم التي لا تبلغ النصاب، تحتاج إلى أن تتصل بكل شخص تسأله، لا يكفي أن يكون المال الذي عند الشركة لا يبلغ نصاباً؛ لأنه قد يكون عنده هو ما يكمله نصاباً، هو فيه صعوبات عملية، لذلك أخذنا بالأيسر وهو مذهب الشافعي مع أن فيه عدالة؛ لأنه حتى لو فرضنا أن هذا الشخص المساهم سهمه لا يبلغ النصاب، لكنه استفاد من ضمه إلى هذه الأموال الكثيرة، فربح ربحاً ما كان سيربحه لو كان بمفرده، وهذا هو المعنى الذي لاحظه الشافعي في موضوع الخلطة. وقد أشرت هنا إلى أنه لا بد من طرح أسهم غير المسلمين إذا كانت الشركة لغير مسلمين؛ لأنه غير المسلم ليس من أهل الزكاة. أيضاً فيه مسائل صغيرة تأتي، منها أن الإنسان قد يبيع أسهمه في أثناء الحول، فما حكم هذا إذا باع أحد المسلمين أسهمه في أثناء العام؟ هذا لا يؤثر في إخراج الزكاة بالنسبة للشركة؛ لأن السهم باقٍ، تغير المالك ولا يضر كون المالك الجديد لم يمض حول على ملكه ما دام السهم قد حال عليه الحول بالنسبة للشركة، حتى ولو تنقل هذا السهم في أثناء العام بين أيدٍ كثيرة. كذلك الأسهم المضافة أثناء العام الشخص دفع قيمة السهم في أثناء العام لم يدفعه من أول العام، أو قد تعرض الشركة أسهما للاكتتاب في أثناء العام، هذه لا يستقبل لها عام جديد، تضاف إلى موجودات الشركة، ويكون حولها حول المال الذي ضمت إليه ما دام نصاباً، وهو مذهب الحنفية.

стр. 3326

هذا ما يتعلق بكيفية إخراج الزكاة إذا كانت الشركة هي التي ستخرجها. أما إذا لم تخرج الشركة الزكاة لا يسقط الوجوب عن المالك صاحب السهم، وعليه هو أن يخرج زكاة أسهمه. كيف يخرجها؟ أولاً إذا استطاع هذا المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو الذي شرحته زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنه اعتبر هذا هو الأصل، لكن هذا قد يكون فيه صعوبة أو معتذراً في بعض الأحيان، فإذا لم يستطع معرفة ذلك فإذا كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ربح الأسهم السنوي لا بقصد بيعها عندما ترتفع قيمتها يزكيها زكاة المستغلات، ونحن نفرق بين حالتين، وهذا يرجع إلى قصد المساهم إذا كان قصده استغلال هذه الأسهم، وهذا هو الغالب في الذين يشترون الأسهم يستفيدون من الربح هذا السنوي. يزكيها زكاة المستغلات، وزكاة المستغلات حصل فيها بحث في هذا المجمع، ودونته هنا وقلت تمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة، وهذه تجمعها زكاة المستغلات، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب في الريع، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض، مع اعتبار توفر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. هذا هو قرار المجمع، فنقلته هنا تمشياً مع قراركم السابق، هذا الرأي متفق مع رأي الأكثرية في مؤتمر الزكاة الأول في الكويت، متفق معه من حيث وجوب الزكاة في الريع دون الأصل في الربح يعتبر ما فيه زكاة فيها، وإن كان في رأي الأقلية خالفت هذا، ولكنه يختلف عنه من حيث الحول. قرار مجمع الفقه الإسلامي يقضي بأن يبدأ حول الريع من يوم القبض، ورأي الأكثرية في مؤتمر الزكاة يقضي بأن يضم الريع إلى سائر أموال مالك الأسهم من حيث الحول والنصاب، وهذا أولى عندي مما قرره مجمعكم الموقر، ولكن مؤدى الرأيين أن الأسهم المتخذة للاستثمار لا زكاة في أصلها، وهذا أيضاً موضع خلاف ومعروف، الذي هو رأي الأقلية في مؤتمر الزكاة أن يخرج مالك السهم العشر من الربح فور قبضه، ولا ينتظر به الحول، قياساً على غلة الأرض الزراعية.

стр. 3327

فهذان هما الرأيان، وإذا قبلنا مبدأ قياس زكاة الأسهم التي يتخذها صاحبها للاستفادة من ريعها على زكاة المستغلات، فسنجد هناك رأيين آخرين في هذه المسألة، أحدهما أن تزكى الأسهم زكاة عروض التجارة، والآخر أن يزكى الريع عند قبضه بمقدار ربع العشر بدل العشر. وكل من هذين الرأيين قال به بعض الفقهاء المتقدمين بالنسبة لزكاة الدور، لم يتحدثوا عن المستغلات بهذا التعبير، وإنما تحدثوا عن زكاة الدور التي تتخذ للكراء، وهذا هو معنى المستغلات، والموضوع هذا بينه الدكتور يوسف القرضاوي في بحثه الذي قدمه إلى المجمع في دورته السابقة، وهو مدون في كتابه. هذا إذا كان المساهم اتخذ السهم لاستغلاله، أما إذا كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد بيعها عندما ترتفع قيمتها، أن يتاجر فيها، في هذه الحالة يزكيها زكاة عروض التجارة. فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها الحقيقية، وأقول قيمتها الحقيقية خلافاً لما ذهب إليه الأستاذ وهبة في بحثه إذا استطاع معرفتها من الشركة وإن لم يستطع زكى القيمة السوقية، وإن لم يكن لها سوق زكى القيمة الاسمية بإخراج ربع العشر من القيمة ومن ربح الأسهم. طبعاً القيم الثلاثة هذه هي المعروفة عند علماء قانون الشركات، فيه قيمة اسمية التي تصدر في أول الأمر، وفيه قيمة حقيقية التي تمثل موجودات الشركة من حيث قيمتها، وهذا تقدره الشركة، وقيمة سوقية وهذه ما يباع به في السوق أو ما هو في البورصة.

стр. 3328

والقيمة السوقية هذه تتأثر بعوامل متعددة، بعضها قد لا يكون مقبولاً، ولهذا نحن أخذنا في بنك فيصل الإسلامي في السودان بأن التقدير لا بد أن يكون بالقيمة الحقيقية، ولأنه ما دامت الحقيقة معروفة فلا نلجأ إلى الناحية التقديرية، القيمة السوقية هي قيمة تقديرية، وهذه قيمة حقيقية إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول يضم ثمنها إلى ماله ويزكيه، هذا لا إشكال فيه عندما يجيء الحول، أما المشتري هو الذي سيأتي فيه الكلام؛ لأنه امتلك سهماً، فيزكي الأسهم التي امتلكها بحسب قصده أيضاً، فإن كان اشتراها لاستغلالها زكاها زكاة المستغلات على النحو الذي ذكرته، وإن اشتراها ليبيعها زكاها زكاة عروض التجارة. وأنا هنا تكلمت وفي هامش المذكرة أشرت إلى موضوع، وهو جدير بالبحث؛ لأني وجدت جميع الذين كتبوا في هذا الموضوع تقريباً يجوزون التجارة في بيع الأسهم من غير تفصيل ولا تقييد. والتجارة فيها وفي رأيي أو في نفسي شيء من هذا الحكم، الموضوع يحتاج إلى بحث لم أتعرض له هنا، لكن هذا ما توصلت إليه فيما يتعلق بزكاة الأسهم. وأود أن أشير إلى نقطة دفعني إلى الإشارة إليها بحث أخينا الدكتور وهبة؛ لأنه أشار إلى فتوى صدرت عن هيئة الرقابة الشرعية في بنك فيصل الإسلامي السوداني، وتعرض لبعض نواحيها، هذه الفتوى صدرت قبل سنوات عدة وحصل فيها بعض التعديلات، والذي عليه العمل الآن فيما يتعلق بإخراج الزكاة في البنوك الإسلامية عندنا في السودان هو أن الزكاة تخرج على أساس رأس المال ينظر في آخر العام إلى رأس مال البنك زائداً الأرباح زائداً الاحتياطيات ناقصاً قيمة الأصول الثابتة، والباقي يؤخذ منه ٢.٥ %، وهذه فتوى أيضاً صدرت بعد الفتوى الأولى تسهيلاً على البنك؛ لأننا وجدنا صعوبة في تطبيق ما ضمن في الفتوى الأولى. فأخذت الهيئة بهذه النظرة، وهي سهلة وليس فيها تعقيد ومقبولة، ولها سند من الفقه؛ لأننا هنا لا نعتبر القيمة، وإن كانت البنوك هي بنوك تجارية فلا تقوم الموجودات، وإنما نعتبر رأس المال كأنما نعتبر الشراء للموجودات لأنه الأصل. شيء طبيعي أن البنك يرى النقود السائلة التي عنده وينظر أيضاً إلى الموجودات التي عنده البضاعة ويقومها، وهذه عمليات فيها صعوبة، فصدرت فتوى بأن يزكى رأس المال. والله أعلم بالصواب. وشكراً.

стр. 3329

الرئيس: شكراً فضيلة الشيخ، بناء على ما قررتم من أنه تجب الزكاة على المساهم وتخرجها الشركة بناء على ما قررتم من أنه تجب الزكاة على المساهم، الوجوب على المساهم، والشركة تتولى إخراجها نيابة عنه، وأن الشركة تنزل منزلة الشخص الطبيعي. نأتي إلى الفرع الأخير وهو أن المساهم إذا باع في أثناء الحول فإن بيعه لا يسقط الزكاة. كيف يتخرج هذا؟ الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: إذا باع في أثناء الحول فالزكاة باقية ما دامت الشركة هي التي ستخرجها، غير المساهم لا يؤثر. الرئيس: لكن الوجوب على من؟ الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: يبيعها شخص آخر. الرئيس: لا، وجوب الزكاة على من؟ على صاحب السهم وبشرط حولان الحول؟ على صاحب السهم الذي هو باسمه؟ الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: انتقل الوجوب. الشخص المالك الأول باع سهمه، كان الوجوب عليه هو فعندما باعه لشخص آخر انتقل الوجوب إلى هذا الشخص الآخر، والسهم باقٍ. الشخص الذي اشترى السهم أصبح واجباً عليه، وهو اشتراه في أثناء الحول. وأنا قلت: إن هذا لا يضر. مال مستفاد للشركة لأن الشركة هي التي ستخرج، فكأن شخصاً جديداً جاء وساهم في هذه الشركة. وهذا ينطبق أيضاً على حالة ما إذا طرحت الشركة أسهماً في أثناء الحول وجاء المساهمون واكتتبوا في هذه الأسهم. لا نستقبل بها حولاً جديداً، هي واجب عليهم وعلى هؤلاء الذين اكتتبوا كما هي واجبة على المشتري الذي دخل في أثناء الحول. فلا أظن أن هذا يتعارض مع قولي: إن الوجوب أصالة عن المساهم.

стр. 3330

الشيخ محمد المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. سيدي الرئيس، حضرات الأعضاء المحترمين. بتتبعي للبحث القيم الذي تفضل به الدكتور الضرير، وجدت إشكالات كثيرة في نفسي، أعرضها على سيادته طلباً للإجابة. فإن الذي أعرف هو أن المنظومة الفقهية لا بد أن تكون منظومة متناسقة، وأنه إذا قبلنا بمبدأ أصلي فإنه يجب أن ينطبق هذا المبدأ على جميع الفروع. ولما عرض سيادته على من تجب الزكاة فرض فرضين: إما أن نقول: إن الزكاة تجب على الشركة وإما أن نقول: إن الزكاة تجب على المسلم في الشركة. أما القول الأول: إن الزكاة تجب على الشركة باعتبارها ذاتاً معنوية، فالإشكال الذي حصل في نفسي هو أننا بصدد بيان الأحكام الشرعية، أعني حكماً من الأحكام الخمسة، وكل حكم من الأحكام الخمسة له حقيقته. فإذا قلنا: الواجب فمعناه ما يثاب على فعله وما يعاقب على تركه وهو غير الواجب العقلي أو معنى الإلزام. فالإلزام هنا من الله يترتب على الإلزام ثواب للمطيع وعقاب للعاصي. وإذا قلنا الشركة ذات معنوية فلا أفهم كيف تكون ذاتاً معنوية وهي تثاب وتعاقب. وبهذا استشكل هذا الرأي كيف يمكن تخريجه. الأمر الثاني أو الفرض الثاني: وهو أن الزكاة تجب على المسلم ذاته على صاحب السهم وإذا كانت الزكاة تجب على المسلم ذاته فإن هذا السهم في حقيقة التعامل خرج إلى صورة هي صورة قيمة متمولة فكل سهم له قيمة مالية وأنه لا يفترق السهم سواء أكان النشاط نشاطاً زراعياً أم نشاطاً صناعياً أم نشاطاً تجارياً. فهو قيمة مالية تباع في الأسواق، ترخص وترتفع أثمانها حسب تغير السوق. وإذا كان الشخص المسهم هو المطالب وكانت القيمة للسهم هي قيمة مالية فإنه يجب الزكاة على هذا المسهم متى تحققت شروط وجوب الزكاة. ولا بد أن نطبق هذه الشروط جميعها. فإذا كان المسلم لا يملك مالاً ولا يملك نصاباً فلا أرى أن يلزم بإخراج الزكاة نظراً إلى أن الحديث واضح: ((تؤخذ من أغنيائه فترد على فقرائهم)) . وحد الفقر والغنى هو ملك نصاب. فغير مالك النصاب لا يعتبر غنياً، بل هو صالح لأن يتقبل الزكاة، وهو مصرف من مصارف الزكاة. فكيف نوجب عليه من ناحية أن يخرج الزكاة على سهمه، ونبيح له من ناحية ثانية أن يقبل الزكاة لأنه فقير لا يملك نصاباً؟. من الإشكالات أنه إذا كان المسهم.. أن أسهم الشركات إذا بيعت قبل حولان الحول، وهو ما جاء في صفحة تسعة، فإن هذا لا يؤثر في إخراج الزكاة؛ لأن السهم باقٍ وإنما تغير مالكه. فالمنظومة إذا تقتضي أنه إذا كان الواجب إنما هو على ذات الشخص المالك للسهم فيجب أن نسير مع هذا إلى النهاية، ولا يمكن أن تكون. أولاً نذهب إلى أن السهم هو الذي تجب عليه الزكاة، ثم نعود عندما تطبق فنقول: إن تعلقت بالأسهم لا بذات الشخص، وأنه إذا تغير المالك ولو تغير إلى عشرة فإنه يجب على جميعهم إخراج الزكاة قبل دوران الحول. فهذا إشكال آخر بقي في نفسي أرجو الجواب عنه.
следующие страницы →