← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

الشيخ إبراهيم بشير الغويل: لا يصبح مشتري السهم تاجراً إلا إذا اعتاد ذلك واحترفه، فإن لم يحترف وإنما الشركة باستمرار تجارية فوضع الفرد في كل الأحوال إن كانت مساهمته ليست بقصد الاتجار يخرج عن هذا الموضوع. الشيخ عبد الستار أبو غدة: أنا قصدت التفرقة بين الشركات؛ لأن هناك شركات تجارية وشركات غير تجارية، هذه تفرقة قانونية وأما في الفقه فكل الشركات فيها تجارة، لكن الفرد الذي اشترى السهم ولم ينو للتجارة بالسهم؟ الشيخ إبراهيم بشير الغويل: هذا ليس تاجراً. الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: افتراض أن الشخص اشترى السهم ليتاجر فيه، هذا في رأيي غير وارد وليس هذا هو الأصل إلا في الذين يتاجرون في الأسهم وهذه جهات معروفة وليست المكتتب في الشركة من أول الأمر، انظروا إلى شركة ستنشأ جديداً كما حصل مثلاً في بنك فيصل، طرح أسهماً واشتركوا فيها، وأنا أكثر المشتركين، ولم تكن نيتي أن أبيع هذا السهم أو أتاجر فيه بتاتاً، وإنما نيتي أن أستفيد من ريعه وأن يقوم هذا البنك فاشتريت عدداً من الأسهم بهذه النية، وأن أقول لكم: إن الغالبية التي اشترت هذه الأسهم قصدها أن تستفيد من ريعها، وليس بقصد الاتجار فيها، وإلى الآن لم أعرف أحداً تاجر في هذه الأسهم وليس عندنا سوق أسهم يتاجر فيه. فكيف نقول لمثل هذا الشخص: زك زكاة عروض التجارة؟ الشيخ محمد المختار السلامي: وهذه الأسهم من يزكيها؟ الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: يزكيها البنك، فهذه محلولة. الشيخ محمد المختار السلامي: فإذا لم يزكها البنك؟

стр. 3362

الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير: يزكيها البنك، ولكن لو كان البنك لو يزك لزكيتها كما اقترحت هنا وانتهينا. نحن افترضنا هذه الصورة لا تأتي إلا إذا كانت الشركة لم تزك. إذا الشركة هي التي زكت فلا إشكال وليس على المساهم زكاة. لكن هذا الكلام إذا لم تزك الشركة ولم يستطع صاحب السهم هذا أن يعرف ما يجب عليه من الزكاة لو زكت الشركة. لو انتفى كل هذا ماذا نفعل؟ الشيخ عبد الستار أبو غدة: أو بالعكس بقصد الاستفادة من ريع الأسهم وليس بقصد التجارة. نضع القصد الذي قصده وننفي ما لم يحصل. الرئيس: المهم وجود القيد هذا ينهي الموضوع. الشيخ محمد المختار السلامي: لا، ما ينهي الموضوع. الرئيس: هذا تحفظك يا شيخ تحفظه أنت. الشيخ محمد المختار السلامي: أعرض القضية على الكل. الرئيس: هي الآن معروضة يا شيخ، القيد هذا يؤكد المراد من المادة. ما فيه داع أننا نطيل الجدل وأن كون إنسان اتخذ رأياً أنه يؤخذ به. الشيخ محمد المختار السلامي: ما يؤخذ به، أعرض القضية على التصويت فقط هذا ما أحب. القضية التي نختلف فيها تعرض على التصويت. الأمين العام: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي وليس بقصد التجارة. الرئيس: هو فيه وضوح تماماً.

стр. 3363

الشيخ محمد تقي العثماني: لأن الموضوع موضوع زكاة أموال، الحقيقة أننا لو أسسنا هذه المسألة على أساس أنه لا تجب الزكاة إلا على الريع فليكن ذلك أيضاً، إلا إذا عرف المساهم الحسابات أيضاً ولكننا قلنا في البداية: إنه إذا عرف الإنسان ما يدفع، يزكي السهم بكامله. الرئيس: ذاك قلنا ينزل منزلة الشخص الطبيعي. فمنزلة الشخص الطبيعي يأتي من جميع نواحيه، ومن جميع فروعه نروح نأتي مئات الفروع. نحن نذكر أبرزها التي هي تمثل الجزء الأكبر في التعامل في الأسهم. فهل ترون بعد التعديل مناسباً. الذي يرى هذا الشيء يرفع يده والذي لا يرى هذه الفقرة يرفع يده. تقرأ مرة ثانية. الشيخ عبد الستار أبو غدة: وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك، فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة، فإنه يزكيها زكاة المستغلات تمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع، مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. الشيخ طه جابر العلواني: سيدي الرئيس، كلمة توضيحية بسيطة جداً. إن قياس قضايا الأسهم على قضايا العقارات والمستغلات قياس مع فارق كبير من شأن الأسهم وشركات الأسهم الاتجار بها فتحويلها من فكرة المؤسسة إلى نية الفرد وربط الحكم الفقهي بنية الفرد وفكه عن تنظيم المؤسسة، هذا هو الذي نتحفظ عليه. شركات الأسهم بطبيعتها هي مؤسسة للاتجار، لكن الفرد مثل الشيخ الضرير أو يتيم لا يعرف الاتجار ممكن يأخذ السهم ويحاول أن يتمسك به لكن طبيعة الأسهم دائماً إنما هي للاتجار. الرئيس: استكمل المادة: فإذا كان المساهم. صفحة سبعة. الشيخ عبد الستار أبو غدة: وإن كان المساهم اقتنى الأسهم بقصد التجارة زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة فيخرج ربع العشر من تلك القيمة من الربح إذا كان للأسهم ربح. الرئيس: المعارضون يرفعون أيديهم على المادة جميعها. من هنا ثلاثة، أربعة ومن هنا ثلاثة. الأكثرية الآن على بقائها.

стр. 3364

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه قرار رقم (٣) د ٤/٠٨/٨٨ بشأن زكاة الأسهم في الشركات إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ. الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "زكاة أسهم الشركات" قرر ما يلي: أولاً: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه. ثانياً: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال. ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين.

стр. 3365

ثالثاً: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم. وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ لأنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق، زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر ٢.٥ % من تلك القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. رابعاً: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته. أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق.

стр. 3366

المثامنة في العقار للمصلحة العامة إعداد الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. . . فإن العقود الجبرية منتشرة في كتب المحدثين وتفريعات الفقهاء؛ كبيع مال المحتكر، والتسعير، والشفعة، وقسمة الإجبار، وبيع مال المفلس ... ونحو ذلك، ومنه المثامنة في العقار للمصلحة العامة، المعروف بلسان العصر باسم (نزع ملكية العقار للمصلحة العامة) . وقد تكلم الفقهاء عليه قديمًا وحديثًا، وهذه أبحاث مختصرة تلم شتات ما تناثر في هذه المسألة لما لها من أهمية في العصر الراهن , بل صارت تمثل ظاهرة حضارية في المدن والقرى والأمصار، كتوسعة المساجد وإنشائها، والطرق ومدها، ونحو ذلك في أعقاب تلبية متطلبات الحضارة ومعايشتها، ولأهميتها، أدخلت في مشروع (وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام) من أن الناس مسلطون على أملاكهم، ويجوز لولي الأمر نزع الملك من مالكه لمصلحة عامَّة لقاء تعويض فوري عادل. وقد أدرت البحث فيها على ما يلي: أولا: التعريف بمفردات العنوان. ثانيًا: تمهيد عن الملكية. ثالثًا: القيود الواردة عليها. رابعًا: المثامنة في العقار للمصلحة العامة.

стр. 3367

وفيه ستة فروع: ا - وقائعها على مدى العصور الإسلامية. ٢- كلام الفقهاء فيها. ٣ - أدلتها. ٤ - شروطها. ٥ - موقف المالك منها. ٦ - حكم نزع العقار من مالكه ليتملكه آخرون. فإلى بيانها: أولًا: التعريف بمفردات العنوان. هذا العنوان (نزع ملكية العقار للمصلحة العامة) اصطلاح حادث في العصر الحاضر، وهو لدى الفقهاء ينطوي تحت ما يطلقون عليه (١) : ا - العقود القهرية. ٢ - الإكراه بحق. ٣ - الإكراه الجائز. ٤ - الجبر الحلال. ٥ - الجبر الشرعي.

стр. 3368

ومن مفرداته: الشفعة، التسعير، بيع مال المحتكر، بيع مال المفلس، جبر غير المسلم على بيع عبده المسلم، قسمة الإجبار، إجبار مالك رقيق أو حيوان ببيعه إذا لم ينفق عليه. . . وهكذا في عدة فروع منتشرة في عدد من أبواب الفقه. فيتبقى التعريف بأمرين: ١– الملك ٢- المصلحة العامة. أما الملك فهو في اصطلاح الفقهاء: اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا لتصرفه فيه، وحاجزا عن تصرف غيره فيه (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢) : (الملك: هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة) . ومدار الملك في تعريفاتهم على الشرعية في أسبابه، فحيث يكون ملكًا شرعيا تترتب عليه آثاره (حقوق التملك) الشرعية. والله أعلم. المصلحة العامة: أصبح نزع ملكية العقار لعموم المصلحة في أي بلد يشكل ظاهرة حضارية في العصر الراهن , وذلك لتحقيق مصالح الخلق الضرورية في أعقاب تغير وجوه التعايش، وظهور المخترعات من السيارات والقطارات ونحوها، لتسهيل سبل التعايش وتوفير الأمن ونحو ذلك من المصالح.

стр. 3369

ومنه: بناء المساجد، وتوسعتها، وإيجاد الميادين، ومد الطرقات. . . والمصلحة على مراتب: ا - المصلحة في الضروريات: بتوفير ما يحفظ للناس ضروريات حياتهم الخمس المشهورة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ٢ - المصلحة في الحاجيات: وهي ما يحتاجه الناس للتوسعة، ورفع الضيق والحرج. ٣ - المصلحة في التحسينات: وهي الأخذ بما يليق في محاسن العادات، ومكارم الأخلاق. المصلحة العامة: تمتاز المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة بالشمول وعموم النفع، فلذا كانت أولى بالتقديم وعموم النفع، سواء كان عمومها لأهل بلد أو حي , أو إقليم أو مملكة من الممالك، وهكذا كلما كان اتساع نفعها كان تحقيقها ورعاية تحصيلها ألزم وأولى. والله أعلم. ثانيًا: تمهيد عن الملكية: بما أن الملكية الفردية للأشياء وحيازتها والاختصاص بها غريزة طبيعية لبني آدم، فقد واكبته منذ عهد ابني آدم ﵇، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وقد ذكر المفسرون: ابن كثير، والقرطبي، وغيرهما أن: هابيل كان صاحب غنم، وقابيل كان صاحب زرع، والله أعلم.

стр. 3370

وقال تعالى ممتنا على خلقه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] وبتطور النوع الإنساني وتكاثره تولدت الملكية الجماعية، لتشابك مصالحها وتبادلها , ونشأت أيضًا الملكية العامة التي يرتفق بها الجميع دون استثناء , مثل: الطرقات، وما على الأرض من كلأ وما في البحار من صيد، وهكذا. وما زال بنو آدم على هذا المنوال تجري عليه حياتهم الفردية، والجماعية والعامة. وفي خصوص العرب كانت هذه جارية لديهم في جزيرتهم يتعاملون بها , ويأخذون بأسباب التملكات الفردية مثلًا من: البيع، والشراء، والحرث، والتوارث، وهكذا. فلما جاء الله بالإسلام علم منه بالضرورة (التملك) في حدود: قواعد، وضوابط، ومعالم، يتوارث العلم والعمل بها عامة المسلمين من ميدان التشريع والتطبيق في المباحثات كافة من منقول وغير منقول بأسباب نصبها الله تعالى، موجبة للتملك: من الإحياء، والتحويط، والإرث، والوصية، والهبة، والبيوعات، ونحوها من (أسباب التملك) في إطار الشرع المطهر , فلا يجوز الأخذ بسبب التملك من المحرمات وشوائبها؛ كالربا والغش، والاغتصاب، ونحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] .

стр. 3371

وصانه عن اعتداء الغير عليه , فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . كما فصل سبحانه آثاره (حقوق التملك) من التوارث، والزكوات، والصدقات، والحقوق، والارتفاق، والانتفاع. وهلم جرا، مما يحتسب حماية وصيانة لهذا التشريع في التملك، وتصرف مالكه به، وإباحة استعماله بوجوه (حقوق التملك) من: الاستعمال، والاستغلال، والتصرف، مشمولة بصفتي الإطلاق والدوام في إطار التشريع المطهر، فلا يجوز استعمال (حق التملك) في محرم مثلًا. وقد تواردت نصوص الشرع المطهر من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃، وأقضيتهم على هذه الأصول العظيمة التي تجعل النوع الإنساني يعيش في ظل حياة رغيدة على صراط مستقيم مصونًا من المكاسب المحرمة التي فصلها الله سبحانه , فقال لعباده: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وزجر عنها وعن كل إثم , فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] . محفوفًا بوجوه البذل الإلزامية التي لا تجحف بالمالك وملكه والطوعية التي تنبئ عن شرف نفسه وتساعد على بقاء جنسه، ولهذا كانت النفقات الشرعية زكاة وطهرة ونماء، فسبحان من شرع فأحكم بما نهى عنه، وأمر وألزم.

стр. 3372

ولهذا بسط العلماء أحكام التملك وآثاره في مؤلفاتهم الحديثية والفقهية وغيرها. فإلى بيان ما يتعلق منها بنزع الملكية للمصلحة العامة: ثالثًا: القيود الواردة على الملك في (أسبابه وحقوقه) : دل الاستقراء لنصوص الشرع على أن هذه الملكية بقدر ما فيها من إطلاق وثبات ودوام لأسباب تملكها وحيازتها والاختصاص بها في قالب الشرع، فإن هذا المالك له حق الاستعمال والاستغلال والتصرف ببيع ونحوه في حدود الشرع، برعاية حقوق الله وحقوق عباده على كلا الحالين. والشرع قد دل في مصادره وموارده على صيانة المالك وحمايته في حقه وأسبابه , باعتباره مالكًا مسالمًا يعايش إخوانه المسلمين، ويعيش لبنة بناء لرعاية مصالحهم وتوفيرها في محيط جواره وأقاربه وأهل حيه وأهل بلده وعامة المسلمين , وهذا ما يندرج تحت قاعدتي الشريعة من (تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) ونحوهما من قواعد دفع الضرر والترجيح بين المصالح. ولهذا دل الاستقراء على ورود قيود على (أسباب التملك) و (حقوقه) من جهات ثلاث: ١- قيود لمصلحة المالك نفسه. ٢- قيود لمصلحة فرد آخر أو أفراد. ٣- قيود لمصلحة المسلمين عامة.

стр. 3373

وإيضاحها كما يلي على وجود تداخل وتلازم في بعضها: الأولى: قيود لمصلحة المالك نفسه، فلا يجوز كسبها من محرم كالخمر , ولا صرفها فيه. الثانية: قيود لمصلحة الغير من الأفراد، فلا يجوز كسبها باغتصاب مال الغير، ولا استغلالها بما يضر الغير كالجوار. الثالثة: قيود لمصلحة المسلمين عامة، وهي التي لا تختص بواحد معين، أو جماعة معينين , فلا يجوز أن يتملك مرافق المسلمين العامة؛ كالطرق، والرحاب، والمعادن، والمراعي، وسوح الديار. ولذا صار لثبوت التملك شرعًا بالإحياء شروطه المعتبرة شرعًا عند الفقهاء، كالنهي عن تلقي الجلب، وبيع حاضر لباد. وهكذا. وعند التزاحم للمصالح العامة والخاصة يرجح بينها , فتغلب المصلحة الراجحة على المرجوحة , والعامة على الخاصة، سواء كانت عن طريق التحقيق والإيجاب بإيجادها , مثل حاجة البلد إلى نزع عقار من ملك مالكه لبناء مسجد للكافة , أو قنطرة ونحو ذلك. أو عن طريق الدفع للأذى والضرر عن المسلمين؛ كمنع المالك من استعمال عقاره المملوك له في وسط بلدة أو حي بآلات ذات أصوات مزعجة، أو فيها مخاطر، أو مصنع للأسمنت أو لمواد ذات روائح كريهة، وهكذا.

стр. 3374

رابعًا: المثامنة في العقار للمصلحة العامة: وفيه الأبحاث الآتية: ا - وقائعها على مدى العصور الإسلامية. ٢ - كلام الفقهاء فيها. ٣ - أدلتها. ٤ - شروطها. ٥ - موقف المالك منها. ٦ - حكم نزع الملك ليتملكه آخرون. وهذا بيانها: الفرع الأول: تاريخ نزع ملكية العقار وجملة من وقائعها على توالي العصور. التاريخ التشريعي لنزع ملكية العقار لمصلحة المسلمين العامة هو من أول يوم هبطت فيه قدما النبي ﷺ ؛ مهاجرة (المدينة النبوية المنورة) . ا - ففي صحيح البخاري وغيره (١) ،: (قصة مهاجرة النبي ﷺ ومعه الصديق أبو بكر ﵁ إلى المدينة , وفيه بروك راحلة النبي ﷺ في موضع المسجد اليوم

стр. 3375

وهو مربد ممر: لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: ((هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة , حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا)) اهـ. ٢ - مثامنة النبي ﷺ لبني النجار في حائطهم لبناء مسجده ﷺ . (عن أنس ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ ببناء المسجد , فقال: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا: لا والله , لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.)) . رواه البخاري (١) ٣، ٤ - توسعته ﷺ لمسجده الشريف. وشراء بئر رومة لسقيا المسلمين عامة.

стр. 3376

عن ثمامة بن حزن القشيري قال: " شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ﵁ , فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنها حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان , فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : ((من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم بالله والإسلام , هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة , فاشتريتها من صلب مالي.)) رواه الترمذي (١) . ٥ - مع بني ساعدة في مكان مقابرهم سوقًا للمسلمين (٢) :

стр. 3377

فقد خرج السنهوري، عن تاريخ ابن زبالة بسنده عن عباس بن سهل , عن أبيه: ((أن النبي ﷺ أتى بني ساعدة، فقال: إني جئتكم في حاجة، تعطوني مكان مقابركم، فأجعلها سوقًا , وكانت مقابرهم ما حاذت دار ابن أبي ذئب إلى دار زيد بن ثابت، فأعطاه بعض القوم، ومنعه بعضهم، وقالوا: مقابرنا، ومخرج نسائنا. ثم تلاوموا، فلحقوه وأعطوه إياه , فجعله سوقًا.)) اهـ. في عصر الخلفاء الراشدين: وقد حفظت كتب الحديث والسير، وتاريخ الحرمين الشريفين، وغيرهما من كتب التاريخ العامة وقائع متعددة في توسعة الحرمين لما ضاقا بالمصلين ونزع ملكيات الدور المحيطة لذلك في عصر الخلفاء الراشدين ﵃ , فمن أصحاب الدور من تصدق بها ولم يقبل العوض، ومنهم من ثامنوه فقبله، ومنهم من بيعت عليه جبرًا لتوسعة المسجد. الوقائع في هذا في عصر الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ﵃ يطول البحث بسياقها , لكني أذكر رؤوس المسائل لها مع الدلالة على مصادرها , ليقف الراغب عليها في مظانها , والله الموفق.

стр. 3378

١- توسعة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ للمسجد النبوي الشريف , أخرجها ابن سعد في الطبقات: ٤ /١٣، ١٤، السنن الكبرى للبيهقي: ٦/ ١٦٨. وانظر وفاء الوفاء: ٢ /٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٨. ٢ - توسعته ﵁ للمسجد الحرام: انظر فيها: أخبار مكة للأزرقي: ٢/ ٥٤ - ٥٥ , الذهب المسبوك للمقريزي ١٤ وفيه: (وفي سنة سبع عشرة اعتمر عمر ﵁، وبنى المسجد الحرام، ووسع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا دورهم، وعوضهم أثمانها من بيت المال) اهـ. وفي مجموع هذه الوقائع عن عمر ﵁ , أن نزع الدور إما بالبيع لقاء تعويض عادل , أو هبة المالك لداره , أو تصدقه بها لمسجد رسول الله ﷺ , أو البيع على صاحبها جبرًا وهدم الدار عند امتناعه. والله أعلم. ٣ - سجن عارم في مكة. وشراء دار له في خلافة عمر ﵁ , كما في: مصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والبخاري معلقًا. انظر: فتح الباري: ٥/ ٧٥.

стр. 3379

٤ - توسعة الخليفة الراشد عثمان ﵁ للمسجد النبوي الشريف. كما في فتح الباري:٥ /٤٠٨، وفاء الوفاء: ٢ /٥٠٢. ٥ - توسعة ابن الزبير ﵁ للمسجد الحرام. كما في تاريخ مكة للأزرقي ٢/ ٥٥ ٦ - توسعة المسجد النبوي الشريف في عهد إمارة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بأمر عبد الملك بن مروان. كما في الذهب المسبوك للمقريزي: ص ٣٠. وفي الخبر: (فقوم عمر بن عبد العزيز الأملاك قيمة عدل، وأعطى الناس أثمانها) اهـ. والخبر بطوله مفصل في تاريخ ابن النجار ص ٨١ - ٨٤. ٧ - توسعة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي الشريف. كما في السير للذهبي ٢ /٢١٨. وابن كثير: ٥ /٢٧٣، ٩ /٧٧ وفاء الوفاء: ٢ /٥١٣. ٨ - توسعة المسجد الحرام في عهد أبي جعفر المنصور م. سنة ١٥٨ هـ , كما في أخبار مكة للأزرقي:٢ /٥٧. وتاريخ ابن كثير: ١٠/ ٧٤، ١٤٩ – ١٤ /٤٢.

стр. 3380

٩ - توسعة المسجد الحرام في زمن المهدي م , سنة ١٦٩ هـ. كما في السير للذهبي ٧ /٤٠٢. تاريخ ابن كثير: ١٠ /١٣٢ ١٠- توسعة جامع قرطبة في ولاية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان م. سنة ١٧٢ هـ رحمه الله تعالى. كما في سير أعلام النبلاء:٨/ ٢٢٠ – ٢٢١. ١١ - توسعة المسجد النبوي في عهد بيبرس عام ٦٦٨ هـ. كما في: تاريخ ابن كثير ١٣ /٢٥٦. وهكذا في وقائع يطول ذكرها وسياقها، ولينظر على سبيل المثال: سير أعلام النبلاء: ٢ /٢١٨، ٣ / ٣٧٩، ٨/ ٢٢١. المنتظم: ١٠ /٢١٢. تاريخ ابن كثير. ذيل الروضتين: ص٨٧. الإصابة: ٣ /٢٠٤. معالم الإيمان: ٢/ ٣٧ - ٣٨. الفرع الثاني: كلام الفقهاء في هذه المسألة (١) :

стр. 3381

لم يحصل الوقوف على خلاف يؤثر في جواز نزع ولي الأمر أو نائبه أي ملك فردي أو مشترك لتحقيق مصلحة عامة تعود على المسلمين بالنفع لتوسعة الطرق والمساجد ونحوها. بل تكاد تتفق كلمتهم على ذلك، وأن هذا من الإكراه بحق , وأكتفي بنص واحد من كل مذهب من المذاهب الأربعة (١) : ا - في حاشية الشلبي على شرح الكنز للزيلعي: (ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل، تؤخذ أرضه بالقيمة كرهًا، ولو كان بجنب المسجد أرض وقف على المسجد , فأراد أن يزيدوا شيئًا في المسجد من الأرض , جاز ذلك بأمر القاضي) اهـ. ٢ - وقال الحطاب: (من الجبر الشرعي: جبر من له ريع يلاصق المسجد، وافتقر لتوسيع المسجد به على بيعه لتوسيع المسجد ... ) اهـ. ويأتي كلام الشاطبي المالكي في: مبحث الشروط. ٣- في الأحكام السلطانية للماوردي ذكر فعل عمر ﵁ في توسعة الحرمين الشريفين.

стр. 3382

٤- وللحنابلة في منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويأتي كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. الفرع الثالث: في أدلتها: والأدلة فيها: ا - عمل النبي ﷺ وعمل خليفتيه الراشدين، عمر وعثمان ﵄، وعمل ابن الزبير ﵁. وتوارث العمل بذلك إلى عصرنا من غير نكير , وعليه تواردت كلمة الفقهاء رحمهم الله تعالى. ٢ - دخولها تحت قواعد الشريعة العامة في نفي الضرر: أ- تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ب - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. ج - الشريعة جاءت بتحصيل المقاصد وتكميلها , وتعطيل المفاسد وتقليلها. والله أعلم.

стр. 3383

الفرع الرابع: شروطها: في ضوء ما تقدم يمكن تصنيف شروط نزع ملكية العقار للمصلحة العامة على ما يلي: ١- أن يكون نازع العقار ولي الأمر أو نائبه فيه. ٢- أن يكون نزعه لمصلحة عامة. وهي كما تقدم التي يستفيد منها عموم الخلق؛ كالمساجد والطرقات، والميادين ونحوها، وكلما اتسعت دائرة الانتفاع , كانت الضرورة إليها أشد , فتوسعة المسجد الحرام، أو المسجد النبوي الشريف ليست كتوسعة مسجد حي من أحياء المسلمين. وهكذا. قال الشاطبي رحمه الله تعالى (١) : (المصالح العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وقد زادوا في مسجد رسول الله ﷺ من غيره مما رضي أهله، وما لا. وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص , ولكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة) اهـ. ٣ - أن يكون نزعه مقابل بذل عوض عادل.

стр. 3384

وبذله على مرتبتين: الأولى: مساومة المالك ومثامنته كما تقدم في حديث أنس ﵁. الثانية: التقويم العادل في حال امتناع المالك. ٤ - أن يكون العوض فوريا. والله أعلم. الفرع الخامس: موقف الملاك منها: من المسلمات في الشرع المطهر أن الملاك مسلطون على أملاكهم , فلا ينتقل الملك من مالكه إلا عن رضا واختيار، قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها) اهـ. ومن المواضع اللازمة التي ترد على هذا التصرف المطلق: نزع الملك للمصلحة العامة من باب ترجيح المصالح العامة على الخاصة.

стр. 3385

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (يجوز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرًا بثمنه للمصلحة الراجحة) اهـ. والمصلحة الراجحة ما كانت للعامة كما يعلم مما تقدم من وقائع المثامنة على الملكية، وكلام الفقهاء. وعليه: فإن المالك الذي يقع ملكه في دائرة ما يراد نزعه لتحقيق مصلحة عامة , ينبغي أن يبيع ذلك الملك عن رضا واختيار؛ تحقيقًا للمصلحة العامة، كتوسعة مسجد أو سابلة ونحوها، متى كان ذلك المبيع لقاء عوض عادل فوري لا وكس ولا شطط. وهذا ما قررته (وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام) . وإنه إذا لم يرض وامتنع فيكون تمنعه غير مشروع , فيجبره ولي الأمر أو نائبه بذلك , وينزع منه ملكه (للمصلحة العامة) لقاء تعويض فوري عادل، لتحقيق مصلحة عموم الخلق. فهذا من الإكراه بحق، وقد تقدم في وقائع نزع الملكية على مدى العصور أمثلة لهذا. وله نظائر لدى الفقهاء في (العقود الجبرية) كما تقدم. والله أعلم. الفرع السادس: في حكم نزع الملكية الفردية أو الموقوفة ليتملكها ويستثمرها آخرون.

стр. 3386

قد علم من الشرع بالضرورة حرمة مال المسلم , وأنه لا سلطان لغير مالكه عليه، وأن نزع العقار جبرًا على مالكه مقيد بشروط وضوابط يلزم توفرها ليصح المشروط، وإلا فيكون باطلًا وجبرًا بغير حق، ومن هذه الشروط، بل هو أساسها الأشد: أن يكون العقار (للمصلحة العامة) , والعقار الذي ينزع من يد مالكه أو واقفه ليتملكه آخرون يفتقد الشرط المذكور (المصلحة العامة) , فيكون هذا من باب الظلم لفرد له الصفة الكاملة المطلقة في ملكه استعمالا واستغلالا وتصرفًا , ثم تنزع ليد أجنبي عنها ليستغلها , مثلًا فهذا تصرف ينابذ مشروعية التملك وحقوقه، وهو من التظالم والغصوب التي نهى الله عنها ورسوله، ولا يقرها أهل العلم والإيمان و ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) . والحاصل أن هذا النوع من التصرف تنسحب عليه أحكام (الغصب) وأن إقراره بوابة الولوج في التيار المادي المعاصر من أن الملكية الفردية شر، تشل فعاليته ويحصر في أضيق الحدود. اللهم فاحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد وآله وصحبه. الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 3387

انتزاع الملكية للمصلحة العامة إعداد الدكتور عبد الله محمد عبد الله المستشار بمحكمة الاستئناف العليا بدولة الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمدًا لا ينقطع عدده، ولا يفنى مدده، وأصلي وأسلم على مصدر الفضائل، الذي ظل ماضيًا في الدعوة إلى الله حتى أضاء الطريق للضال، وهدى الله به القلوب النافرة , وأقام به موضحات الأعلام سيدنا محمد بن عبد الله خاتم أنبيائه، وصفوة أوليائه، وأكرم خلقه عليه، وأعلاهم منزلة عنده , صلى الله عليه وعلى صحابته الأخيار وآله الأبرار. وبعد فإن الإسلام دين ودنيا , هدى الله به الإنسانية من الضلالة , وبين في كتابه المجيد الأحكام التي بها سعادتهم في الدنيا والآخرة أفرادًا وجماعات , وتناول جميع الارتباطات التي تربط الإنسان بكل من سواه , واشتملت شريعته الغراء على النظام القانوني الذي قامت على عمده وقضاياه مبادئ الدين ونظام الدنيا. وفي مبحث (نزع الملكية للمنفعة العامة) يتجلى سمو الشريعة الإسلامية ونزعتها الإصلاحية وحمايتها لحقوق الفرد والجماعة على أساس من الحق والعدل. وسأبدأ بمقدمة كتمهيد أتناول فيها العمل في الإسلام وملك الإنسان لثمرة عمله وكفاحه، ثم أبين معنى المال والملك والمقصود من المنفعة العامة، ثم أستعرض المواطن التي يسوغ فيها تدخل ولي الأمر. وقد أجملت هذه المسوغات في ست حالات , وتكلمت على كل حالة بإيجاز , ثم أستعرض آراء الأئمة في نزع الملك الخاص لأجل المنفعة العامة.

стр. 3388

مقدمة أجمعت الشرائع السماوية على حرية التملك واقتناء الأموال، وحثت الشريعة الخاتمة على العمل والسعي، ونظمت البحث عن المال وطريقة تحصيله , وجعلت العمل أساسًا وسببًا لملكية الإنسان نتائج كده وكفاحه، وقد سخر الله سبحانه هذا الكون الفسيح , وجعله ميدانًا لنشاط الإنسان بما يحويه من مصادر للرزق وموارد للثروة , وينبوعًا لا ينفذ ولا يقصر عن حاجته , وركب المولى عز سلطانه في فطرة الإنسان غريزة التملك وحب الاقتناء , فأقبل بفطرته يستنبت سطح الأرض مختلف الزرع والثمار من الغابات والصحارى على كل ما يريد من الأخشاب والحيوان , ثم أخذ يتجه إلى الماء , فاصطاد أسماكه وشاركها السباحة فيه والغوص في أعماقه بحثًا عن اللآلئ الثمينة والتقاطًا للأحجار الكريمة واستخراجًا للثروات المختلفة , ثم مخر عبابه بالفلك، فقرب القاصي، وأدنى البعيد من الجهات , ثم اتجه إلى السماء , فاقتنص طيورها , ولم يرض حتى شاطرها الطيران في أجواء الفضاء طاويًا بذلك ما بقي بين سائر جهات الأرض من مسافات، ولم يقف في شيء مما حصل عليه من الثروات عند صورتها الأولى , وإنما عالجها وغير من أشكالها وتركيباتها وفق حاجاته واستعمالاته وتطلعاته باذلًا في سبيل ذلك غاية الجهد؛ كي يفيد منها أقصى فائدة , ويحوز منها أكثر ما يقدر عليه استجابة لميله وما فطر عليه من حب التملك والاقتناء. وقد استجاب الإسلام - وهو دين الفطرة - لميول الإنسان هذه دون أن يترك لها العنان حتى لا ينقلب إلى أداة فساد وطغيان , ولم يقف عقبة إزاء تلك الفطرة الداعية إلى حب التملك والاقتناء؛ لأن حب التملك غريزة فطر عليها الإنسان , وهي في قوتها واندفاعها تفوق غيرها من الغرائز , إلا غريزة حب البقاء. والإنسان مطبوع على الاستجابة لغرائزه وإشباعها بالعمل والحصول على ما يرغب فيه , ولذلك يرى كادحًا ساعيًا إلى جمع المال والاستكثار فيه , يقول رسول الله ﷺ : ((لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) (١)

стр. 3389

يقول: ((يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال , والحرص على العمر)) (١) ومن أجل هذا جعل الإسلام للعمل قيمة , وجعله سببًا لملكية العامل ثمار عمله , ورتب على ذلك: أولا: اعتبار العمل عنصرًا أساسيا من عناصر توزيع الثروة بين أفراد المجتمع. ثانيًا: سمح للفرد حق التملك على أساس من العمل. ثالثًا: حدد نطاق هذه الملكية الخاصة بالثروات التي يكون للعمل دخل في إيجارها أو تشكيلها. رابعًا: إبقاء الثروات التي لم يتدخل فيها العمل بالإيجاد أو التشكيل على الملكية العامة لجميع أفراد المجتمع تتولى الدولة تنظيم استثمارها واستغلالها والإفادة منها على النحو الذي يتفق ومصلحة الجماعة. وإتمامًا للفائدة أستعرض معاني كل من هذه الكلمات: المال، والملك، والمنفعة العامة وبيان المقصود منها. المقصود من المال: وردت هذه الكلمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة , وجاء الحث على اقتناء المال والسعي في كسبه والحض على إنفاقه وبذله , وأسندت ملكيته إلى الله في بعض الآيات , وأسندت إلى الناس في آيات أخرى , كل ذلك يقتضينا أن ندرك حقيقته ثم نتعرف على بعض الجوانب لتلك الإطلاقات. يقول ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة , ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم. وفي تفسير القرطبي جملة أقوال فيما يعد مالا وما لا يعد كذلك , ونقل عن أبي عمرو أن المعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال (٢)

стр. 3390

وأما في لسان الفقهاء فإن من تتبع أقوالهم في تعريفه يستخلص منها أن المال هو كل ما له قيمة بين الناس , وينتفع به انتفاعًا مشروعًا , ومع هذا نجد فريقًا منهم وهم الأحناف يستبعدون المنافع من حيز المالية , أما جمهور الفقهاء فإنهم يلحقون المنافع ضمن المال , وهذا المعنى يمكن ملاحظته من تعريفاتهم , فقد عرفه الأحناف بأنه ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به انتفاعًا معتادًا , وعلى هذا عرفت المادة ١٢٦ من مجلة الأحكام العدلية بأنه ما يميل إليه طبع الإنسان , ويمكن إدخاله إلى وقت الحاجة منقولًا أو غير منقول , فالمنافع لما كانت معدومة قبل كسبها وبعد كسبها , لا يمكن إحرازها , فإنها ليست بمال , ولكن إن لم تعتبر مالا , فإنها تعتبر ملكًا؛ لأن الملك لا يقتضي الوجود كالمالية , إذ هو القدرة على التصرفات الشرعية (١) المال في اصطلاح جمهور الفقهاء: جاء في كتب المالكية أن المال هو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه. ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها وما يؤدي إليها من جميع المتمولات (٢) . وعرفه النفراوي المالكي في (الفواكه الدواني) : بأنه كل ما ملك شرعًا ولو قل (٣) وهو عند الشافعية ما كان متمولًا محترمًا (٤) ويشمل المنفعة (٥) وينقل السيوطي عن الشافعي بأن اسم المال لا يقع إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلت , وما لا يطرحه الناس؛ مثل الفلس وما أشبه ذلك (٦) .

стр. 3391

وجاء في متن الإقناع للخرقي الحنبلي: أن المال ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة , ثم تعقب هذا التعريف شارحه , فقال: ظاهر كلامه هنا كغيره , أن النفع لا يصح بيعه , مع أنه ذكر في حد البيع صحته , فكان ينبغي أن يقال هنا: كون المبيع مالا أو نفعًا مباحًا مطلقًا أو يعرف المال بما يعم الأعيان والمنافع (١) ولا يختلف علماؤنا المحدثون عن سلفهم في تلك التعريفات وإن اختلفت عباراتهم , وذلك منشؤه تبسيط عبارات المتقدمين بقصد التوضيح والإفهام. وقد عرفه الإمام ابن عاشور: بأنه كل ما به غنى صاحبه في تحصيل ما ينفع لإقامة شؤون الحياة (٢) . ويزيده توضيحًا , فيقول: يطلق اسم المال على كل ما يحصل به هذا المقصد , سواء أحصل بأعيان الأشياء؛ مثل القمح والزيت والصوف , أم بالاستبدال وتعويض أعيان بأعيان بطريق المبادلة بين جانبين لاستغناء أحد الجانبين عما يبذله واحتياجه لما يأخذه أو بذل أثمان اصطلاحية من النقود والأوراق المالية أو كفاية عمل مثل عمل الأجراء بجهودهم العقلية أو اليدوية كالمعلمين وأهل المعرفة والحراثين والحمالين، وقد يخص اسم المال بالنقدين والأوراق , ويخص ما عداها باسم المتمول , وهو أعم من المال (٣) . أنواع المال وما يصح تملكه منها وما لا يصح , وأسباب الملك: أما بالنسبة لقابلية المال للتملك وعدمه , فهو على أنواع ثلاثة: ١- نوع لا يقبل التمليك ولا التملك بحال من الأحوال؛ كالطرق العامة والجسور والأنهار العظيمة والحدائق العامة. ٢ - ونوع لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي كأموال بيت المال الخاصة , فهذه لا يجوز بيعها ولا تملكها إلا بمسوغ؛ كاحتياج بيت المال إلى ثمنه أو رأي ولي الأمر المصلحة في ذلك لما له من الولاية العامة. ٣ - ونوع يصح تملكه وتمليكه وهو ما عدا هذين النوعين.

стр. 3392

وقد فصل الإمام السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوى ج ١ /١٩٨- ٢٣٠، أحكام النوعين السابقين نظما ونثرًا , واستوفى النقل عن أئمة المذاهب الأربعة في جواز التملك. وأما أحكام النوع الأخير , فقد بسطت كتب الفقه مسائله وأحكامه , وأما أسبابه المفضية إليه فهي: ١ - الاستيلاء على المباح. ٢ - العقود الناقلة للملكية كالبيع والهبة ونحوهما. ٣ - الخلافة عن الميت عن طريق " الميراث " والوصية. وهو إما أعيان عقار ومنقول , وإما منافع , وهي الفائدة المقصودة من الأعيان؛ كسكنى الدار وزراعة الأرض وركوب الدابة ولبس الثوب , وإما حقوق، سواء كانت حقوقًا متعلقة بمال؛ كحق الشرب والمرور والتعلي , أم لا , كحق حضانة الصغير. أما لفظ الملكية: فالملكية مصدر صناعي نسبة إلى الملك , ومعناه في اللغة كما جاء في اللسان والقاموس: عبارة عن احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به والتصرف فيه بانفراد. وبهذا المعنى أيضًا يرد الاستعمال الاصطلاحي للفقهاء , فقد عرفه القابسي الحنفي: بأنه عبارة عن الاختصاص الحاجز. وعرفه القرافي المالكي: بأنه حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة , يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك. وعرفه ابن تيمية: بأنه القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة (١) . والملكية في الإسلام حق تحميه الشريعة لصاحبه وتمكنه من الانتفاع بملكه والتصرف فيه طول حياته وبعد مماته ويحميه من كل اعتداء عليه , ولكن مع هذا يحمل المالك بعض التكاليف والالتزامات لمصلحة الجماعة , وهذا يؤكده القرآن الكريم بإسناد المال لله تعالى , وأن جميع ما في الكون ملك له سبحانه , قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) والمنطق يقتضي أن يكون خالق الشيء هو مالكه، وقد جاءت آيات تقطع وتؤكد هذه الحقيقة ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٤) ويقرر في آيات أخرى بأنه أنشأ الخلق من الأرض , واستعمرهم فيها , وجعلهم خلائف , وسخر لهم ما خلق في السماوات والأرض , وسلطهم عليه بقدر ما يستطيعون من استغلاله واستثماره ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٦) .

стр. 3393

فالمال الذي في أيدي الناس هو مال الله , وهم فيه خلفاء، ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ (١) . فالملك كله لله , وإن الحقوق كلها سنها العليم الخبير , فقد منح الفرد حقه كما منح الجماعة ما تستحقه من عناية واهتمام. يقول الإمام المرحوم الشيخ محمود شلتوت في هذا المعنى: " وإذا كان المال مال الله , وكان الناس جميعًا عباد الله , وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله , هي لله , كان من الضروري أن يكون المال وإن ربط باسم شخص معين لجميع عباد الله , يحافظ عليه الجميع , وينتفع به الجميع. وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) . ومن هنا أضاف الأموال إلى الجماعة , وجعلها قوامًا لمعيشهم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ , (٣) ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٤) الإنسان مستخلف من الله في المال , ومأمور بأن يؤدي دور الخلافة عن الله في عمارة الأرض. وقد بين سبحانه لخليفته طرق تحصيله وإنفاقه على نحو يتفق والغاية من استخلافه في الأرض لعمارتها، وبهذا الاعتبار فإن الإنسان ممنوع من أن يلحق ضررًا بنفسه أو بغيره، وإن ثمة قيود مفروضة عليه لمصلحة الآخرين أفرادًا وجماعات , ويظهر أثر هذه القيود في منعه من استغلال غيره بسبب المال أو إهدار كرامته أو حبس المال عن التداول واكتنازه وعدم استخدام الفائض عن حاجته فيما يحقق مصلحة الجماعة. واستخلاف الله الإنسان في المال له صورتان:

стр. 3394

إحداهما: استخلاف فردي يتولاه الفرد في صورة ملكية فردية. ويظهر ذلك جليا من الآيات التي تثبت ملكية المال إلى آحاد الناس مثل قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣) . والثانية: استخلاف جماعي تتولاه الأمة ممثلة بولي الأمر , ويقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور: والمال بهذا النظر ينقسم إلى مال خاص بآحاد وجماعات معينة , وإلى مال مرصود لإقامة مصالح طوائف من الأمة غير معينين , فالأول من هذا النظر هو الأموال الخاصة المضافة إلى أصحابها. والثاني هو المسمى في اصطلاح الشريعة بمال المسلمين أو مال بيت المال بمختلف موارده ومصارفه , وقد كان أصله موجودًا في زمن النبوة؛ مثل أموال الزكاة , ومثل أدوار الإبل المعدودة لحمل المجاهدين. واللازمة المرصودة للمجاهدين , وفي الحديث ((: إن خالدًا قد احتبس أدرعه وأعتدته في سبيل الله.)) . إلى أن يقول: إن مال الأمة هو ثروتها , والثروة هي ما ينتفع به الناس آحادًا أو جماعات في جلب نافع , أو دفع ضار في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي , ويبين الصفات التي تجعل من المال ثروة حقيقية للفرد وسلامه , وهو ما اجتمع فيه خمسة أمور: ١- أن يكون ممكنًا ادخاره. ٢ - أن يكون مرغوبًا في تحصيله. ٣ - أن يكون قابلًا للتداول. ٤ - أن يكون محدود المقدار. ٥ - أن يكون مكتسبًا.

стр. 3395

ويذكر ﵀ مقاصد الشرع في الأموال , وأنها تدور على خمسة أمور: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدول فيها (١) . ويذكر وسائل توفيرها ويكون بالتدبير والعمل والمادة (٢) نزع الملكية للمنفعة العامة تتردد لفظة المنفعة العامة , ويقصد منها ما ينتفع به جمهور كبير من الناس بدون تخصيص؛ كالطرق العامة , وسكك الحديد , والترع , والمدارس , ودور القضاء , ومباني الوزارات والمستشفيات , والساحات العامة , والأسواق , والقلاع , والحصون والمعسكرات , ونحوها. ولقد كانت المساجد في الإسلام في بادئ الأمر تقوم بمعظم المصالح التي أفرد لها مبنى خاص. يقول الإمام ابن تيمية: (وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى؛ ففيه الصلاة والقراءة , والذكر وتعليم العلم والخطب , وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم. وكذلك عماله في مثل مكة والطائف وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى , وكذلك عماله في البوادي , فإن لهم مجمعًا , فيه يصلون , وفيه يسألون. وكان الخلفاء والأمراء يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في بيوتهم، لكن يجلس الإمام في الجامع، الجامع هو المسجد الجامع. . . إلى أن قال: أحدثت الملوك والأمراء القلاع والحصون , وإنما كانت تبنى الحصون والمعاقل قديمًا في الثغور , خشية أن يدهمها العدو , وليس عندهم من يدفعه عنها , وكانوا يسمون الثغور الشامية العواصم , وهي قنسرين، وحلب. وأحدثت المدارس لأهل العلم , وأحدثت الربط والخوانق لأهل التعبد , وأول ما بنيت المدارس والرباطات للمساكين , ووقفت عليها وقوف تجرى على أهلها) (٣) ولهذا كان من أول ما بدأ به النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة الاعتناء (٤) بالمرافق العامة , فأنشأ مسجده الشريف الذي كان يطلع بالمهمات التي سلف بيانها.

стр. 3396

كما أنشأ سوقًا تزاول فيه أعمال التجارة، أزال ما كان فيها من قبور , وحمى المراعي التي كانت مباحة للجميع على خلاف ما كان عليه الأمر قبل الإسلام من الحيازة القائمة على القوة والغلبة , وإنما جعل الحمى لمنفعة عامة المسلمين , روى الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال: ((: لا حمى إلا لله ورسوله)) والمعنى الظاهر لهذا الحديث أن الحمى إنما هو لمنفعة عامة , لا تخص أحدًا , وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد في كتاب الأموال , إذ قال: للإمام أن يحمي ما كان لله؛ مثل حمى النبي ﷺ وحمى عمر , فهذا كله داخل في الحمى لله , وقد روى نافع , قال: عن ابن عمر ((, أن رسول الله ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين. والنقيع: موضع معروف بقرب المدينة.)) (١) , وحمى عمر ﵁ الربذة والشرف لهذا الغرض , وهما موضعان بين مكة والمدينة , وقال: لولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس شيئا من بلادهم أبدًا. قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين، حميت بلادنا , قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا، وعمر واضع رأسه , ثم إنه رفع رأسه , فقال: البلاد بلاد الله وتحمى , النعم مال الله، يحمل عليها وفي وسبيل الله (٢) ومن ثم فإن لولي الأمر وهو ينوب عن الأمة في رعاية مصالحها ويدبر شؤونها قد يقتضي الأمر إلى أن يتدخل , وإن أدى ذلك إلى تقييد حرية الفرد تغليبًا لمصلحة الجماعة , فله عند ذلك أن يباشر من الإجراءات ما تتحقق بها تلك المصالح , وقد تتعدد صور هذا التدخل ومسوغاته في أوقات معينة وظروف معينة , ويمكن إرجاع هذه المسوغات إلى الصور التالية: أولًا: فرض الأموال على القادرين لسد حاجة المحتاجين وأهل الخصاصات منهم إذا لم تف الأموال المرصودة لهذا الغرض.

стр. 3397

ثانيًا: فرض الأموال التي يحتاج إليها لأجل الدفاع والذود عن البلاد الإسلامية إذا خلا بيت المال منه , أو كان المال الموجود لا يكفي لدرء الأخطار. ثالثًا: توجيه وإلزام من تحتاج الأمة إلى أعمالهم للقيام بهذه الأعمال. رابعًا: منع الاحتكار , وإلزام المحتكرين ببيع السلع التي يحتاجها الناس , ويكون في احتكارها ضرر بهم , وتسعيرها عليهم عند الحاجة، ومنع الغش , ومصادرة المواد المغشوشة , أو بيعها على أصحابها , أو التصدق بها على الفقراء. خامسًا: البيع جبرًا لمصلحة الدائنين. سادسًا: نزع الملكية لأغراض يعود نفعها على الكافة، هذا عدا ما تأتي الإشارة إليه أثناء البحث. وسنفرد الكلام على كل واحدة منها باختصار شديد إتمامًا للفائدة: المسوغ الأول: فرض الأموال على القادرين لسد حاجة المحتاجين وأهل الخصاصة من الضعفاء والمساكين , وذلك إذا ضاق المال عنهم , ولم يكف الموجود في بيت المال لسد حاجتهم , يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: وأما سد الحاجات والخصاصات فمن أهم المهمات ... إلى أن يقول: فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون , لم تف الزكوات بحاجاتهم , فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر، فإن انتهى نظر الإمام إليهم رم ما استرم من أحوالهم. . . فإن لم يبلغهم نظر الإمام , وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى رفع الضرار عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين خرجوا من عند آخرهم، وباءوا بأعظم المآثم , وكان الله طليبهم وحسيبهم (١) .

стр. 3398

ويبين في موضع آخر عندما تحدق الكوارث بالمسلمين وتنزل الشدائد بهم , فيقول: " فإذا تقرر ما ذكرناه , فالوجه عندي إذا ظهر الضر وتفاقم الأمر وأنشبت المنية أظفارها وأشقى المضرون , استشعر الموسرون أن يستظهر كل موص بقوت سنة , ويصرف الباقي إلى ذوي الضرورات وأصحاب الخصاصات (١) , وهو إنما جعل قوت السنة في حق الأغنياء فطنة عقلية لانجلاء الكارثة؛ ولأن في انقضاء السنة مدة الغلات وأمد الثمرات , وفيها تحول الأموال وتزول , وتعتقب الفصول , وقد جعل الشارع السنة ضابطًا ينتهى إليه فيما يبذله الموسر، وتأسيا بالنبي ﷺ فإنه كان يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوت سنة (٢) . ويعقد الإمام ابن حزم في كتابه المحلى في آخر كتاب الزكاة فصلًا يختم به كتاب الزكاة , قال فيه: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين , فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة (٣) ويستظهر مراجعه من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ويستنبط من قول الرسول ﷺ ((:المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)) . إن من ترك أخاه المسلم يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته , فقد أسلمه. ويستدل بالحديث الذي رواه مسلم , عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال ((: من كان معه فضل ظهر , فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد , فليعد به على من لا زاد له)) . قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر , حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. ثم عقب على ذلك بقوله: وهذا إجماع الصحابة ﵃ , يخبر بذلك أبو سعيد , وبكل ما في هذا الخبر نقول. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت , لأخذت فضول أموال الأغنياء , فقسمتها على فقراء المهاجرين ".

стр. 3399

وقال: صح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة ﵃ أن زادهم فني , فأمرهم أبو عبيدة , فجمعوا أزوادهم في مزودين , وجعل يقوتهم إياها على السواء. ثم عقب على ذلك بقوله: فهذا إجماع مقطوع من الصحابة ﵃ , لا مخالف له منهم، ونقل عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم , كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة (١) ثانيًا: فرض الأموال (الضرائب) على القادرين إذا تعرض كيان الأمة للخطر من قبل الأعداء. وسند هذا التدخل أن الشارع الحكيم قد حث على الإنفاق في سبيل الله، وسبيل الله كلمة جامعة تتسع لكل ما تتطلبه مصلحة الأمة. وأنذر الأمة إن هي قبضت يدها وأحجمت عن الإنفاق الوقوع في التهلكة، ولما كان الإنفاق في صدر الإسلام كان يجري سماحة وتطوعًا , وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في هذا الميدان , حتى إن أحدهم كان يعد جيشا كاملًا بماله , ومنهم من كان يأتي بشطر ماله , لا يضيق صدره , ولا يشعرون في أنفسهم حرجًا , وإنما ينطلق أحدهم عن سماحة نفس وصدق يقين , فإذا ما أحجم الناس عن الإنفاق وضاق بيت المال عما يكفي لسد النازلة , فإن ولي الأمر يكون في سعة من أن يتدخل ويفرض على الأفراد ضريبة يقتطع بها جيرانهم شطر أموالهم. وحكى الإمام القرطبي الإجماع على وجوب فك الأسرى , وأنه إذا خلا بيت المال , فهو فرض على كافة المسلمين (٢) ويذكر الشاطبي في الاعتصام في الباب الذي عقده للفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان: أن الإمام إذا كان مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأخطار , وخلا بيت المال , وارتفعت حاجة الجند إلى ما لا يكفيهم , فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال , إلى أن يظهر مال بيت المال (٣)

стр. 3400

وذكر الغزالي في مبحث الاستصلاح: أن توظيف الخراج من المصالح فإذا خلت الأيدي من الأموال , ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر , ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب؛ لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام , أو خيف ثوران الفتنة , فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند. . . لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران , قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين. وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور , وكان هذا لا عن شهادة أصول معينة (١) ولإمام الحرمين كلام نفيس لا يتسع له المقام , فهو يبسط القول ويقلبه على مختلف الوجوه وشتى الاحتمالات , ويعد لكل حالة فصلًا مطولًا , ويستطرد في ذكر الفروض والأمثلة , نقتصر منه على موضع الاستشهاد , فيقول: فأما الفصل الثالث منها , وهو أهمها , فالغرض ذكر ما تقتضيه الإيالة الشرعية والسياسة الدينية فيه , فإذا اصفرت يد راعي الرعية عن الأموال والحاجات ماسة , فليت شعري كيف الحكم , وما وجه القضية , فإن ارتقب الإمام حصول أموال في الاستقبال , ضاع رجال القتال , وجر ضياعهم أسوأ الأحوال , وإن استرسل في مد اليد إلى ما يصادفه من مال من غير ضبط الشرع في الأقوال والأفعال , وقد قدمنا حيثما سبق ألا نحدث لتربية الممالك في معرض الاستصواب مسالك لا نرى لها من شرعة المصطفى مدارك، فإن بلي الإمام بذلك , فليتئد , وليمعن النظر هناك , فقد دفع إلى خطتين عظيمتين: إحداهما: تعريض الخطة للضياع. والثانية: أخذ مال في غير استناد استحقاقه إلى مستند معروف مألوف , فإذا خلا بيت المال , انقسمت الأحوال ونحن نرتبها على ثلاثة أقسام , ونأتي في كل قسم منها بما هو مأخذ للأحكام , ونمزج القضايا السياسية بالموجبات الشرعية , فلا تخلو الحال , وقد اصفر بيت المال من ثلاثة أنحاء:
следующие страницы →