← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

كما أنشأ سوقًا تزاول فيه أعمال التجارة، أزال ما كان فيها من قبور , وحمى المراعي التي كانت مباحة للجميع على خلاف ما كان عليه الأمر قبل الإسلام من الحيازة القائمة على القوة والغلبة , وإنما جعل الحمى لمنفعة عامة المسلمين , روى الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال: ((: لا حمى إلا لله ورسوله)) والمعنى الظاهر لهذا الحديث أن الحمى إنما هو لمنفعة عامة , لا تخص أحدًا , وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد في كتاب الأموال , إذ قال: للإمام أن يحمي ما كان لله؛ مثل حمى النبي ﷺ وحمى عمر , فهذا كله داخل في الحمى لله , وقد روى نافع , قال: عن ابن عمر ((, أن رسول الله ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين. والنقيع: موضع معروف بقرب المدينة.)) (١) , وحمى عمر ﵁ الربذة والشرف لهذا الغرض , وهما موضعان بين مكة والمدينة , وقال: لولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس شيئا من بلادهم أبدًا. قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين، حميت بلادنا , قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا، وعمر واضع رأسه , ثم إنه رفع رأسه , فقال: البلاد بلاد الله وتحمى , النعم مال الله، يحمل عليها وفي وسبيل الله (٢) ومن ثم فإن لولي الأمر وهو ينوب عن الأمة في رعاية مصالحها ويدبر شؤونها قد يقتضي الأمر إلى أن يتدخل , وإن أدى ذلك إلى تقييد حرية الفرد تغليبًا لمصلحة الجماعة , فله عند ذلك أن يباشر من الإجراءات ما تتحقق بها تلك المصالح , وقد تتعدد صور هذا التدخل ومسوغاته في أوقات معينة وظروف معينة , ويمكن إرجاع هذه المسوغات إلى الصور التالية: أولًا: فرض الأموال على القادرين لسد حاجة المحتاجين وأهل الخصاصات منهم إذا لم تف الأموال المرصودة لهذا الغرض.

стр. 3397

ثانيًا: فرض الأموال التي يحتاج إليها لأجل الدفاع والذود عن البلاد الإسلامية إذا خلا بيت المال منه , أو كان المال الموجود لا يكفي لدرء الأخطار. ثالثًا: توجيه وإلزام من تحتاج الأمة إلى أعمالهم للقيام بهذه الأعمال. رابعًا: منع الاحتكار , وإلزام المحتكرين ببيع السلع التي يحتاجها الناس , ويكون في احتكارها ضرر بهم , وتسعيرها عليهم عند الحاجة، ومنع الغش , ومصادرة المواد المغشوشة , أو بيعها على أصحابها , أو التصدق بها على الفقراء. خامسًا: البيع جبرًا لمصلحة الدائنين. سادسًا: نزع الملكية لأغراض يعود نفعها على الكافة، هذا عدا ما تأتي الإشارة إليه أثناء البحث. وسنفرد الكلام على كل واحدة منها باختصار شديد إتمامًا للفائدة: المسوغ الأول: فرض الأموال على القادرين لسد حاجة المحتاجين وأهل الخصاصة من الضعفاء والمساكين , وذلك إذا ضاق المال عنهم , ولم يكف الموجود في بيت المال لسد حاجتهم , يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: وأما سد الحاجات والخصاصات فمن أهم المهمات ... إلى أن يقول: فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون , لم تف الزكوات بحاجاتهم , فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر، فإن انتهى نظر الإمام إليهم رم ما استرم من أحوالهم. . . فإن لم يبلغهم نظر الإمام , وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى رفع الضرار عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين خرجوا من عند آخرهم، وباءوا بأعظم المآثم , وكان الله طليبهم وحسيبهم (١) .

стр. 3398

ويبين في موضع آخر عندما تحدق الكوارث بالمسلمين وتنزل الشدائد بهم , فيقول: " فإذا تقرر ما ذكرناه , فالوجه عندي إذا ظهر الضر وتفاقم الأمر وأنشبت المنية أظفارها وأشقى المضرون , استشعر الموسرون أن يستظهر كل موص بقوت سنة , ويصرف الباقي إلى ذوي الضرورات وأصحاب الخصاصات (١) , وهو إنما جعل قوت السنة في حق الأغنياء فطنة عقلية لانجلاء الكارثة؛ ولأن في انقضاء السنة مدة الغلات وأمد الثمرات , وفيها تحول الأموال وتزول , وتعتقب الفصول , وقد جعل الشارع السنة ضابطًا ينتهى إليه فيما يبذله الموسر، وتأسيا بالنبي ﷺ فإنه كان يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوت سنة (٢) . ويعقد الإمام ابن حزم في كتابه المحلى في آخر كتاب الزكاة فصلًا يختم به كتاب الزكاة , قال فيه: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين , فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة (٣) ويستظهر مراجعه من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ويستنبط من قول الرسول ﷺ ((:المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)) . إن من ترك أخاه المسلم يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته , فقد أسلمه. ويستدل بالحديث الذي رواه مسلم , عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال ((: من كان معه فضل ظهر , فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد , فليعد به على من لا زاد له)) . قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر , حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. ثم عقب على ذلك بقوله: وهذا إجماع الصحابة ﵃ , يخبر بذلك أبو سعيد , وبكل ما في هذا الخبر نقول. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت , لأخذت فضول أموال الأغنياء , فقسمتها على فقراء المهاجرين ".

стр. 3399

وقال: صح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة ﵃ أن زادهم فني , فأمرهم أبو عبيدة , فجمعوا أزوادهم في مزودين , وجعل يقوتهم إياها على السواء. ثم عقب على ذلك بقوله: فهذا إجماع مقطوع من الصحابة ﵃ , لا مخالف له منهم، ونقل عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم , كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة (١) ثانيًا: فرض الأموال (الضرائب) على القادرين إذا تعرض كيان الأمة للخطر من قبل الأعداء. وسند هذا التدخل أن الشارع الحكيم قد حث على الإنفاق في سبيل الله، وسبيل الله كلمة جامعة تتسع لكل ما تتطلبه مصلحة الأمة. وأنذر الأمة إن هي قبضت يدها وأحجمت عن الإنفاق الوقوع في التهلكة، ولما كان الإنفاق في صدر الإسلام كان يجري سماحة وتطوعًا , وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في هذا الميدان , حتى إن أحدهم كان يعد جيشا كاملًا بماله , ومنهم من كان يأتي بشطر ماله , لا يضيق صدره , ولا يشعرون في أنفسهم حرجًا , وإنما ينطلق أحدهم عن سماحة نفس وصدق يقين , فإذا ما أحجم الناس عن الإنفاق وضاق بيت المال عما يكفي لسد النازلة , فإن ولي الأمر يكون في سعة من أن يتدخل ويفرض على الأفراد ضريبة يقتطع بها جيرانهم شطر أموالهم. وحكى الإمام القرطبي الإجماع على وجوب فك الأسرى , وأنه إذا خلا بيت المال , فهو فرض على كافة المسلمين (٢) ويذكر الشاطبي في الاعتصام في الباب الذي عقده للفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان: أن الإمام إذا كان مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأخطار , وخلا بيت المال , وارتفعت حاجة الجند إلى ما لا يكفيهم , فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال , إلى أن يظهر مال بيت المال (٣)

стр. 3400

وذكر الغزالي في مبحث الاستصلاح: أن توظيف الخراج من المصالح فإذا خلت الأيدي من الأموال , ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر , ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب؛ لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام , أو خيف ثوران الفتنة , فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند. . . لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران , قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين. وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور , وكان هذا لا عن شهادة أصول معينة (١) ولإمام الحرمين كلام نفيس لا يتسع له المقام , فهو يبسط القول ويقلبه على مختلف الوجوه وشتى الاحتمالات , ويعد لكل حالة فصلًا مطولًا , ويستطرد في ذكر الفروض والأمثلة , نقتصر منه على موضع الاستشهاد , فيقول: فأما الفصل الثالث منها , وهو أهمها , فالغرض ذكر ما تقتضيه الإيالة الشرعية والسياسة الدينية فيه , فإذا اصفرت يد راعي الرعية عن الأموال والحاجات ماسة , فليت شعري كيف الحكم , وما وجه القضية , فإن ارتقب الإمام حصول أموال في الاستقبال , ضاع رجال القتال , وجر ضياعهم أسوأ الأحوال , وإن استرسل في مد اليد إلى ما يصادفه من مال من غير ضبط الشرع في الأقوال والأفعال , وقد قدمنا حيثما سبق ألا نحدث لتربية الممالك في معرض الاستصواب مسالك لا نرى لها من شرعة المصطفى مدارك، فإن بلي الإمام بذلك , فليتئد , وليمعن النظر هناك , فقد دفع إلى خطتين عظيمتين: إحداهما: تعريض الخطة للضياع. والثانية: أخذ مال في غير استناد استحقاقه إلى مستند معروف مألوف , فإذا خلا بيت المال , انقسمت الأحوال ونحن نرتبها على ثلاثة أقسام , ونأتي في كل قسم منها بما هو مأخذ للأحكام , ونمزج القضايا السياسية بالموجبات الشرعية , فلا تخلو الحال , وقد اصفر بيت المال من ثلاثة أنحاء:

стр. 3401

أحدها: أن يطأ الكفار - والعياذ بالله - ديار الإسلام. والثاني: لا يطؤوها , ولكنا نستشعر من جنود الإسلام اختلالا، ونتوقع انحلالا وانفلاتا، لو لم نصادف مالا، ثم يترتب على ذلك استجراء الكفار في الأقطار، وتشوفهم إلى وطء أطراف الديار. والثالث: أن يكون جنود الإسلام في الثغور والمراصد على أهب وعتاد وشوكة واستعداد، لو وقفوا ولو ندبوا للغزو والجهاد , لاحتاجوا إلى ازدياد في الاستعداد، وفضل استمداد، ولو لم يمدوا , لانقطعوا عن الجهاد (١) وينتهي إلى القول في الاحتمالات الثلاثة إلى أنه يتسبب في اقتراض الأموال من الموسرين (٢) ولا يتفق مع من يقول: إن الإمام يقترض على بيت المال , ويقول في هذا: والمرتضى عندي , فإن للإمام أن يأخذ من الجهات التي ذكرناها ما يراه سادا للحاجة , ولا يلزمه الاستقراض , سواء فرض أخذه من معينين أو من الموسرين أجمعين (٣) ومن الفتاوى في هذا الشأن ما أفتى به القاضي أبو عمر بن منظور في جواز فرض الخراج على الرعية , بأن الأصل أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع. . . فإذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلة حرب وعدة فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك بشروط: أن تتعين الحاجة , وأن يتصرف فيه بالعدل , وأن يصرف مصرفه بحسب المصلحة , وأن يكون على القادر من غير ضرر ولا إجحاف , وأن يتفقد في كل وقت , فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال (٤) ثالثًا: من مسوغات تدخل ولي الأمر إذا اقتضت الظروف ذلك وإلزام من يتعين عليهم القيام بأمر يحتاجه المجتمع ولا يتم إلا عن طريق إلزامهم القيام به , ويضرب الإمام ابن تيمية لذلك أمثلة كثيرة , منها: إذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم , صار هذا العمل واجبًا , يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، وكما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم , ألزم من صناعته الفلاحة بأن يضيفها لهم (٥)

стр. 3402

وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحروب وغير ذلك , فيستعمل بأجرة المثل , ويستطرد الإمام ابن تيمية في ذلك ويخصص لهذا المبحث صفحات يركز فيها على هذا الجانب مما يحتاجه المجتمع، ولا أرى مانعًا من متابعة الإمام وذكر بعض الأمثلة التي تبين مدى سعة أفق الأئمة والفقهاء وأخذ مصالح الناس بعين الاعتبار وإعطاء الاهتمام اللائق به , فيقول: فإذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت , كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله ﷺ , فإن لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا حتى يبيع طحينًا ولا خبزًا , فإن ولي الأمر يتدخل هنا لإلزامهم بالعمل من ناحية , ولتحديد أجورهم أو السعر الذي ينبغي أن يلتزموا بمقتضاه (١) وهذه قاعدة تطرد في مسألة الواجب الكفائي وأنه قد ينقلب إلى فرض عين إذا تعين للمطالبة بالكفائي فرد أو أفراد معينون , وأنهم إذا لم يقوموا به طواعية , أجبروا عليه وألزموا به. رابعًا: من المسوغات التي تعطي لولي الأمر الحق في التدخل , وذلك عند حلول الأزمات الاقتصادية التي يتضرر بها الناس , فلولي الأمر أن يمنع المحتكرين ويضرب على أيديهم ويلزمهم بالبيع وبالسعر المعقول الذي لا يدخل على الناس ضررًا (٢) كذلك مع الغش في الأسواق وجواز مصادرة المواد المغشوشة والتصدق بها على الفقراء جبرًا عنهم , وهو موضوع تكفلت كتب الحسبة ببيانه (٣)

стр. 3403

خامسًا: من المسوغات أيضًا التي تعطي لولي الأمر حق التدخل حالة المدين المماطل , فيبيع ماله جبرًا عليه لمصلحة دائنيه. وهذا في قول جماهير العلماء , ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة ﵃ , وذلك رفعًا للظلم الذي ركب الناس من جراء هذه المماطلة؛ لأن المطل ظلم , والظلم يجب رفعه , فإذا امتنع عن أداء الحق مختارًا , قام ولي الأمر أو من ينوب عنه في رد الحقوق إلى ذويها (١) أما أبو حنيفة فإنه قصر جواز البيع على الدراهم والدنانير , ومنع في العروض والعقار. سادسًا: نزع الملكية للمنفعة العامة وهو عمدة الموضوع , وما سبق إنما هو بمثابة التوطئة له , ولم تستوعب جميع الحالات التي تبرر تدخل ولي الأمر , فذلك بحث قد يطول , والمقصود هنا الإجمال , ويقاس ما ترك على ما ذكر، وقد جمع المغفور له الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في سطور قليلة أمهات تلك المسائل , فقال ﵀: " فحق على ولاة أمور الأمة ومتصرفي مصالحها العامة النظر في حفظ الأموال العامة , سواء تبادلها مع الأمم الأخرى أو بقاؤها بيد الأمة الإسلامية فمن الأول: سن أساليب تجارة الأمة الإسلامية مع الأمم الأخرى ودخول السلع وأموال الفريقين إلى بلاد الأخرى , كما في أحكام التجارة إلى أرض الحرب وأحكام ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين على ما يدخلونه إلى بلاد الإسلام , وأحكام الجزية والخراج. ومن الثاني: نظام الأسواق والاحتكار وضبط مصارف الزكاة والمغانم ونظام الأوقاف العامة (٢) فكل هذه الأمور مما ينبغي ألا تغيب عن نظر ولي الأمر , ولا يمنع من أن يبسط يده فيها حسب مقتضيات الأحوال , وهذا مما لا يختلف فيه نظر فقيه , وإلا وقعوا في حرج شديد , والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج:٧٨. أما نزع الملكية بالمعنى المقصود , فهو نزع الملك الخاص جبرًا عن صاحبه لتحقيق نفع عام لقاء تعويض عادل , ويعبر عنه بالاستملاك.

стр. 3404

وقد نص الفقهاء على جواز ذلك تطبيقًا لقاعدة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إذا تعارضت المصلحتان , ولم يمكن التوفيق بينهما، وقاعدة إذا اجتمع ضرران أسقط الأكبر الأصغر وعلى هذا نص الفقهاء على استملاك الأملاك الخاصة المجاورة للمسجد جبرًا عن صاحبها إذا ضاق بالناس، واستملاك العقار الخاص المجاور للطرق العامة جبرًا عن أصحابها إذا احتاج الناس إليها (١) ونقل الأتاسي في شرحه على المجلة أن للسلطان أن يجعل ملك الرجل طريقًا عند الحاجة (٢) . ويخرج عن التعريف الذي ذكرناه نوعان من الاستملاك , فلا تطبق في شأنهما ذات القواعد التي تطبق على نزع الملك الخاص من حيث الاستحقاق للتعويض أو البدل , ولا يرد فيهما الإكراه والإجبار , وهما: أحدهما: الأراضي التي يقطعها الإمام آحاد الناس , وهي الصوافي، وهي كل أرض كان لها ساكن في آباد الدهر , فانقرضوا , فلم يبق منهم أنيس، وكذلك كل أرض موات لم يحيها أحد , ولم يملكها مسلم ولا معاهد (٣) . وقد أصفى عمر بن الخطاب ﵁ من أرض السواد أصنافًا منها: كل أرض قتل صاحبها في الحرب أو هرب، وكل أرض لكسرى، وكل أرض كانت لأحد من أهله، وكل مغيض ماء , وكل دير بريد (٤) .

стр. 3405

فإن هذه الصوافي مردها إلى رأي الإمام يقطع فيها لمن أراد إقطاعه , ويطلق عليها صوافي الأسفار أو صوافي الأشبار , وعلى الإطلاق الأول معناه: الأراضي المستخلصة في الأسفار , وعلى الثاني: الأراضي المستخلصة للإعطاء (١) فإن لولي الأمر أن يجيز من هذه الأراضي ويعطي من كان له غناء في الإسلام , ويضع ذلك مواضعه , ولا يحابي به , فإن هذه الإقطاعات إنما يقطعها الإمام لأجل العمل بها واستثمارها قال أبو يوسف في كتاب الخراج: "والأرض عندي بمنزلة المال , فللإمام أن يجيز من بيت المال من كان له غناء في الإسلام ومن يقوى به على العدو , ويعمل في ذلك بالذي يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم، وكذلك الأرضون يقطع الإمام منها من أحب من الأصناف التي سميت , ولا أرى أن يترك أرضًا لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها الإمام , فإن ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج (٢) فإن كل أرض أقطعها الإمام فأهملها ولم يستثمرها حتى مضى على ذلك ثلاث سنين , فإن للإمام أن يأخذها منه أو يقطعها غيره بدون تعويض (٣) وكذلك إذا عجز عن استغلالها واستثمارها لكبر مساحتها، فإن للإمام أن يسترد ما زاد على مقدرته ويقطعها غيره. وقد أقطع رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المزني ما بين البحر والصخر , فلما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ , قال له: إنك لا تستطيع أن تعمل هذا , فطيب له أن يقطعها للناس ما خلا المعادن , فإنه استثناها (٤)

стр. 3406

الثاني: الأخذ مما هو مخصص للمنفعة العامة وتحويله إلى شيء آخر يعود أيضًا نفعه إلى العام , كالأخذ من الشارع للمسجد أو العكس , ومما جاء في هذا ما ذكره الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية: "النوع الثاني أن يبنى في الطريق الواسع ما لا يضر بالمارة لمصلحة المسلمين؛ مثل بناء مسجد يحتاج إليه الناس أو توسيع مسجد ضيق بإدخال بعض الطريق الواسع فيه , أو أخذ بعض الطريق لمصلحة المسجد , مثل حانوت ينتفع به المسجد , فهذا النوع يجوز في مذهب أحمد المعروف , وكذلك ذكره أصحاب أبي حنيفة , ولكن يفتقر إلى إذن ولي الأمر على روايتين عن أحمد , ومن أصحاب أحمد من لم يحك نزاعًا في جواز هذا النوع , ورواية ثالثة بالمنع مطلقًا. وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن طريق واسع وللمسلمين منه غنى , وبهم إلى أن يكون مسجدًا حاجة , هل يجوز أن يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس , إذا لم يضر بالطريق. إلى أن قال: فإذا جاز , جعل البقعة المحترمة المشتركة بين المسلمين بقعة غير محترمة للمصلحة , فلأن يجوز جعل المشتركة التي ليست محترمة كالطريق الواسع بقعة محترمة , وتابعة للبقعة المحترمة بطريق الأولى والأحرى، فإنه لا ريب أن حرمة المساجد أعظم من حرمة الطرقات , وكلاهما منفعة مشتركة (١) . ومن ذلك ما جاء بالفتوى الصادرة عن لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ردا على السؤال الموجه لها من مدير بلدية الكويت (٢) , وما جاء بهذه الفتوى: " أما بعد , فقد اطلعت اللجنة على هذا السؤال , وتفيد بأنه قد جاء في الجزء الثالث من حاشية ابن عابدين على الدر المختار من كتب الحنفية , أنه إذا كان الطريق ضيقًا والمسجد واسعًا لا يحتاج إلى بعضه , جازت الزيادة في الطريق من المسجد؛ لأن كلا منهما للمصلحة العامة , وهذا هو المعتمد عليه متون المذهب.

стр. 3407

وجاء في كتب المالكية أن ما كان لله , فلا بأس فيه أن يستعان ببعضه في بعض. ومعنى هذا: أنه يجوز توسيع الطريق من المسجد والمقبرة كما يجوز توسيع المسجد من الطريق والمقبرة وتوسيع المقبرة من الطريق والمسجد، تراجع حاشية العدوي على الخرشي على متن خليل في باب الوقف. إلى أن قال: "ومن هذه النصوص يتبين أنه متى كانت الحاجة ماسة إلى أخذ جزء من المسجد لتوسعة الطريق واستقامته تيسيرًا على المارة والسيارات , فإنه يجوز أن يؤخذ ذلك الجزء من المسجد للطريق العام ". " هذا وكما يجوز ذلك في المسجد أخذًا من هذه النصوص , يجوز أن يؤخذ من المقابر ما يوسع به الطريق , ولكنه بعد أن ينقل رفات الموتى إلى المكان الذي يجعل مقبرة , كما نص على ذلك الفقهاء ". التقنيات التي صدرت لتنظيم نزع الملكية: أصدرت الدولة العثمانية عدة قوانين وقرارات لتنظيم عملية الاستملاك , من ذلك قرار الاستملاك الصادر في رجب سنة ١٢٧٢ هـ. وقانون الاستملاك الصادر في ٢١ جمادى الأولى سنة ١٢٩٦ هـ , وقانون الاستملاك الجديد الصادر في ٧ ربيع الأول سنة ١٣٣٢ هـ. ونصت المادة ١٢١٦ من مجلة الأحكام العدلية على حكم ذلك , ونصها: لدى الحاجة يؤخذ ملك كائن من كان بالقيمة بأمر السلطان , ويلحق بالطريق , لكن لا يؤخذ من يده ما لم يؤد له الثمن (راجع مادتي ٢٥١، ٢٦٢) . وقال شارح المجلة محمد سعيد المحاسني عند شرحه لهذه المادة: "ويشترط في الاستملاك على الإطلاق وجود المنفعة العامة والضرورة , وهذا الفرع معروف بين الفقهاء في الأخذ من المسجد , بقيد (إذا ضاق) . وشرح المرحوم علي حيدر هذه المادة , فقال: (يستملك ملك أي أحد بقيمته الحقيقية للمنافع العمومية , كالطريق والمسجد وسيل الماء , ولو لم يرض صاحبه ببيعه. فلذلك يؤخذ لدى الحاجة؛ أي: إذا كان الطريق ضيقًا ومست الحاجة إلى توسيعه ملك؛ أي: أخذ بقيمته بأمر السلطان , ولو لم يرض صاحبه , ويلحق بالطريق.

стр. 3408

فلذلك لو كان مسجد ضيق وغير كاف لاستيعاب المصلين , وكان لأحد ملك متصل بذلك المسجد , ووجدت حاجة لإلحاق قسم من تلك الدار للجامع، وتعنت صاحب الدار عن بيع ذلك المقدار من ملكه , فلا ينظر لرضائه , ويؤخذ المقدار اللازم للجامع وحريم الجامع بقيمته جبرًا وكرهًا , ويوسع الجامع. وقد وسع عمر والصحابة رضوان الله عليهم المسجد النبوي على هذا الوجه (جامع الإجارتين والتنقيح والخانية) . وكذلك يؤخذ محل مرور المياه بقيمته ولو لم يرض صاحبه , انظر مادة (٢٦) (فتاوى أبي السعود) , ولكن لا يؤخذ الملك من يده ما لم يؤد له الثمن معجلًا , هذا إذا كان سيؤخذ الملك بدون رضاء صاحبه أو أخذ الملك برضاء صاحبه بالبيع المطلق بثمن معجل. انظر المواد (٢٥١، ٢٦٢، ٢٧٨) , أما إذا أخذ الملك برضاء صاحبه بالبيع المطلق بثمن مؤجل , فتجري المعاملة وفقًا للمادة (٢٨٣) . إن المقصود في هذه المادة هو المال الذي يؤخذ الملك به بدون رضاء صاحبه , كما وضح ذلك أثناء الشرح , ولكن لا يجوز أخذ ملك أحد بدون رضائه ما لم يثبت لزومه للمنافع العامة. ومن هذا العرض لنص المجلة وشروحها يتبين أن الاستيلاء على الملك الخاص للمنفعة العامة لا بد فيه من تحقق الأمور التالية: أولًا: تسري عليها الأحكام المتعلقة بالبيوع كأصل عام. ثانيًا: الأصل أن يتم الانتفاع بالملك الخاص للمنفعة العامة باتفاق بين السلطة والأفراد الذين تحتاج إلى أملاكهم الخاصة طبقًا لأحكام عقد البيع وبذات الشروط التي ينبغي تحقيقها في العقود التي تجري بين الأفراد وسلامة الرضاء , وهو ما يعبر عنه فريق من الفقهاء بالطوع؛ أي: بالاختيار وعدم الإكراه. ثالثًا: في حالة امتناع الأفراد من البيع طواعية لا بد من تحقق الشروط التالية للاستيلاء على الملك الخاص.

стр. 3409

أولًا: أن تشتد الحاجة إلى الملك الخاص. ثانيًا: أن يكون الغرض من الاستيلاء على الملك الخاص لأمر يعود نفعه على العام , كتوسيع الطرق , وتنظيم المدن وسكك الحديد , وتوسعة المساجد وإنشائها ونحوها. ثالثًا: أن يصدر قرار من السلطة المختصة في الدولة بالاستملاك طبقًا للقوانين والقرارات التي تسنها الدولة في هذا الشأن. رابعًا: أن يدفع له قيمة المال المنزوع للمنفعة العامة. خامسًا: أن لا يستولي على العقار الذي تقرر نزعه للمنفعة العامة إلا بعد سداد الثمن كاملًا لصاحبه في حالة ما إذا لم يتم اتفاق بين الطرفين. أما إذا تم اتفاق على طريقة دفع الثمن , فيكون هو الذي يتعين المصير إليه. وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية القول على ضرورة بذل ما يحتاج إليه وجواز تدخل ولي الأمر في أكثر من موضع من مجموع فتاويه ومصنفاته , من ذلك ما جاء في معرض كلامه على الولايات والتدخل لمنع الاحتكار وغلاء الأسعار , قال: وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق , يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع , مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة والإكراه على أن لا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق , ويجوز في مواضع مثل المضطر إلى طعام الغير , ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير , فإن لرب الأرض أن يأخذ بقيمة المثل , لا بأكثر , ونظائر كثيرة (١) ويبسط القول أكثر في موضع آخر من مجموع فتاويه (٢) ، نقتصر من ذلك على فقرات من كلامه ﵀ , قال: " ففي الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفعته أو منفعة البدن بلا عوض , له تفصيل في موضع آخر , ولو كان كثير من المتفقهة مقصرين في عامه بحيث ينفون وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه , ويعتقد الغالط منهم: " أن لا حق في المال سوى الزكاة " , إن هذا عام , ولم يعلم أن الحديث المروي في الترمذي عن فاطمة ((: إن في المال حقا سوى الزكاة)) .

стр. 3410

من قال بالأول , أراد الحق المالي الذي يجب بسبب المال , فيكون راتبًا , وإلا فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله قد أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضع , مثل الجهاد بالمال عند الحاجة، والحج بالمال، ونفقة الزوجة والأقارب والممالك من الآدميين والبهائم , ومثل ما يجب من الكفارات من عتق وصدقة. . . إلخ. وإنما الغرض هنا ما يجب من المعاوضات , مثل المبايعة والمؤاجرة وما يشبه ذلك، ومثل المشاركات كالمساقات والمزارعة ونحو ذلك , فإن هذا كثيرًا ما يغلط فيه الغالطون , لما استقر في الشريعة أن الظلم حرام , وأن الأصل في هذه العقود لا تجوز إلا بالتراضي , إلا مواضع استثناها الشارع , وهو الإكراه عليها بحق , صار يغلط فريقان: قوم يجعلون الإكراه على بعضها بحق، وهو إكراه بباطل. وقوم يجعلونه إكراهًا بباطل , وهو بحق، وفيها ما يكون إكراهًا بتأويل حق , فيدخل في قسم المجتهدات، أما الاجتهادات المحضة أو المشوبة بهوى وكذلك المعاوضات. ونحن نعلم قطعًا أنه إذا كان إيتاء المال أو المنفعة بلا عوض واجبًا بالشريعة في مواضع كثيرة جدا لأسباب اقتضت الإيجاب الشرعي، وليس ذلك من الظلم الذي هو أخذ لحق الغير بغير حق , فلأن يكون إيتاء المال والمنفعة بعوض واجبًا في مواضع أولى وأحرى , بل إيجاب المعاوضات أكثر من إيجاب التبرعات وأكبر , فهو أوسع منه قدرًا أو صفة. ولعل من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين , وجبت، فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب المال المكانية لحاجة المعتاض , فرب المال أولى. فإن الضرر لا يزال بالضرر، والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين ((وابدأ بنفسك ثم بمن تعول)) وهذه قاعدة حسنة مناسبة , ولها شواهد كثيرة في الشريعة , وجماع المعاوضات أربعة أنواع:

стр. 3411

معاوضة مال بمال كالبيع، وبذل مال بنفع كالجعالة، وبذل منفعة بمال كالإجارة، وبذل نفع بنفع كالمشاركات من المضاربة ونحوها , فإن هذا بذل نفع بدنه، وهذا بذل نفع ماله، وكالتعاون والتناصر ونحو ذلك. وبالجملة فوجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا والدين , إذ الإنسان لا ينفرد بمصلحة نفسه , بل لا بد له من الاستعانة ببني جنسه , فلو لم يجب على بني آدم أن يبذل هذا لهذا ما يحتاج إليه , وهذا لهذا ما يحتاج إليه , لفسد الناس , وفسد أمر دنياهم ودينهم , فلا تتم مصالحهم إلا بالمعاوضة. ولا ريب أن النفوس مجبولة على بذل المعاوضة لحاجتها إليها , فالشارع إذا بذل ما يحتاج إليه بلا إكراه , لم يشرع الإكراه , ورد الأمر إلى التراخي في أصل المعاوضة وفي مقدار العوض، وأما إذا لم يبذل , فقد يوجب المعاوضة تارة , وقد يوجب عوضًا مقدرًا تارة , وقد يوجبهما جميعًا. مثال الأول: من عليه دين فطولب به , وليس له إلا عرض , فعليه أن يبيعه ليوفيه الدين، فإن وفاء الدين واجب , ولا يتم إلا بالبيع , وما لا يتم الواجب إلا به , فهو واجب , وللحاكم أن يكرهه على بيع العرض في وفاء دينه , وله أن يبيع عليه إذا امتنع؛ لأنه وجب عليه , فقبل النيابة , فقام ذو السلطان فيهم مقامه , كما يقوم في توفية الدين وتزويج الأيم من كفئها إذا طلبته وغير ذلك. إلى أن يقول: وهكذا بيع أحد الشريكين من الآخر في ما لا ينقسم , فإن الشريك محتاج إلى البيع ليأخذ نصيبه , ولا ضرر على الآخر فيه، وكذلك تقويمه ملك الشريك إذا أعتق الشريك نصيبه , فإن العتق يحتاج إلى تكميل , لما في تبعيض العتق من الضرر على البائع في بيع نصيبه , وهكذا فيمن تعلق حق الغير بماله , كمن له في ذلك الغير عرض محترم من غراس أو بناء أو بئر , كالمشتري إذا أخذ الشقص بالشفعة , والبائع إذا رد عليه المبيع بعيب , وكان الثمن عقارًا، وكالمستعير والمستأجر إذا انقضت المدة , فإن لرب الأرض أن يبتاع ذلك بقيمته إذا لم يقلعه صاحبه أو يبقيه بأجرة المثل , وكلاهما معاوضة , إما على العين , أو على منفعة أرضه.

стр. 3412

كما نستشهد بآراء جماعة من الفقهاء المعاصرين ممن ذهبوا إلى جواز نزع الملكية للمنفعة العامة , وممن قال بذلك: أولًا: أحمد إبراهيم (١) قال ﵀: الأصل عدم انتزاع الإنسان مال غيره إلا برضاه , ولكن استثنى من ذلك نزع الملك في ثلاث حالات: الأولى: الأخذ بالشفعة. الثانية: نزع الملك لقضاء الدين. الثالثة: نزع الملك للمنافع العمومية؛ كتوسيع الطرق وإنشاء ترع أو سكك ينتفع بها الناس انتفاعًا عاما , ولكن لا يؤخذ الملك من يد المالك إلا إذا أدي إليه ثمنه مقدرًا بمعرفة من يوثق بعدالته من أهل الخبرة؛ وذلك لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ولا ينبغي أن يظلم المالك. وقد نقل في حاشية أبي السعود على ملا مسكين عن الزيلعي: أنه إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض الرجل , تؤخذ بالقيمة كرهًا؛ لأنه لما ضاق المسجد الحرام أخذ الصحابة بعض ما حوله من الأراضي بكره , وأدخلوها في المسجد. وهذا من الإكراه الجائز. ثانيًا: الشيخ الإمام محمد أبو زهرة ﵀ قال: (٢) "ذكرنا فيما مضى أن أسباب انتقال الملكية هي العقود الناقلة للملكية , والعنصر الفعال في هذه العقود هو الرضا , كما يستثنى. فالرضا هو القاعدة العامة لنقل الأموال في الشريعة الإسلامية؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) , بيد أنه قد ينتزع الملك من صاحبه بغير رضاه في سبيل النفع العام أو لدفع الأذى عن غيره , بحيث تكون المنفعة التي ينالها المالك من بقاء العين في ملكه أقل من الضرر الذي ينال غيره بهذا البقاء.

стр. 3413

والأحوال التي ينتزع فيها الملك من غير رضا صاحبه ترجع إلى ثلاث: نزع الملك لمنافع الكافة , كنزع الملك للطرق العامة , أو شق الترع، وقد اعتبر بعض الفقهاء من المنافع العامة توسيع المساجد , حتى لا تضيق بالناس. ثم نقل ما سبق عن حاشية أبي السعود على ملا مسكين عن الزيلعي , وأحال إلى كتاب الشيخ أحمد إبراهيم , ثم قال: والأصل في هذا ترجيح منفعة الكافة على منفعة الآحاد , ولأنه لا يترتب على الأخذ من المالك كبير ضرر به؛ لأنه يعوض بالقيمة , والقيمة تقدر بمعرفة أهل الخبرة العدول. ثالثًا: وممن قال بذلك أيضًا الشيخ علي الخفيف في بحث له منشور في مجلة الأزهر الشريف (١) والشيخ محمد عرفة عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر (٢) ومما قاله الشيخ الخفيف في بحثه المنشور في مجلة الأزهر عدد صفر سنة ١٣٨٤ هـ: "ويجب أن يلاحظ مع هذا أن عدوان إحدى الملكيتين على الأخرى محظور , فلا يجوز أن يتملك الفرد ما كان ملكًا للجماعة مخصصا للمنافع العامة , إلا إذا خرج عن ذلك بالاستغناء عنه , فعند ذلك يجوز تملكه بعوضه , على أن يقوم بهذه المبادلة ولي الأمر متحريا ألا يكون فيه غبن , كما لا يجوز لولي الأمر أن يعتدي على ملك فرد من الأفراد , فليس له أن يجعله في منفعة عامة مملوكًا لجماعة المسلمين , إلا إذا تطلبت مصلحة المسلمين ذلك , فيأخذه الإمام عن رضا أو عن قهر ببدله دون غنى على صاحبه؛ وذلك لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. وذلك ما حدث في توسعة المسجد الحرام حين ضاق على الناس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ , فقد كانت دور الناس محدقة به من كل جانب , عدا فتحات يدخل منها الناس إليه , فاشترى عمر دورًا منها , وأبى عليه أصحاب الدور الأخرى , فأخذها منهم قسرًا , ووضع قيمتها بخزانة الكعبة , وأدخل الجميع المسجد.

стр. 3414

وظلت القيمة بالخزانة إلى أن أخذها أصحابها , ثم كثر الناس في عهد عثمان وضاق عليهم المسجد مرة أخرى , فأراد توسعته , فاشترى من قوم , وأبى عليه آخرون , فأخذ دورهم جبرًا , وعزرهم؛ لأنه ليس للمالك أن يأبى حين يدعوه إلى بيع ملكه داعي المصلحة العامة , فإذا أبى , كان إباؤه ظلما , فيدفع. وليس يجوز أن يؤخذ ملك إنسان بلا عوض لمصلحة عامة , بل يجب تعويضه من بيت مال المسلمين , فإن لم يكن فيه ما يقوم بذلك , كان لولي الأمر أن يفرض على القادرين من الوظائف المالية ما يقوم بحاجة الدولة , ويدفع ما أنزل بها بالقسطاس المستقيم , فيعم بذلك جميع القادرين كلا بقسطه , ولا يقصره على بعضهم , وبذلك يشترك كل قادر في دفع ما ألم بالأمة مما يجب دفعه". وذكر الأزرقي وغيره من المؤرخين للمسجد الحرام وما كان عليه المسجد وعمارته وتوسعة عمر بن الخطاب ﵁ له , وأنه لما ضاق على الناس , اشترى عمر بن الخطاب ﵁ دورًا , فهدمها وهدم على من قرب من المسجد , وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن , وتمنع من البيع , فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارًا قصيرًا , وقال لهم عمر: إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها , ولم تنزل الكعبة عليكم. ثم كثر الناس في زمن عثمان بن عفان ﵁ , فوسع المسجد , واشترى من قوم , وأبى آخرون أن يبيعوا , فهدم عليهم , فصيحوا به , فدعاهم فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم , فقد فعل بكم عمر هذا , فلم يصح به أحد , فاحتذيت على قباله , فصيحتم بي , ثم أمر بهم إلى الحبس , حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد , فتركهم. (١)

стр. 3415

ومن صور العقود التي تمت والاتفاق على بدل العقار الذي احتيج إليه للمنفعة العامة ما ذكره الحافظ أبو الطيب تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي في (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) عن توسعة مسجد النبي ﷺ في خلافة الوليد بن عبد الملك. وذلك أنه لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة , أمره بالزيادة في المسجد وبنيانه , فاشترى ما حوله من المشرق والمغرب والشام من أبي سبرة الذي كان أبى أن يبيع عليه , ووضع الثمن له , فلما صار إلى القبلة , قال له عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا , هو من حق حفصة، وقد كان رسول الله ﷺ يسكنها , فقال له عمر: ما أنا بتارككم، أنا أدخلها المسجد. فلما كثر الكلام بينهما , قال له عمر: أجعل لكم في المسجد بابًا تدخلون منه , وأعطيكم دار الرقيق مكان هذا الطريق , وما بقي من الدار فهو لكم. ففعلوا , فأخرج بابهم في المسجد , وهي الخوخة التي في المسجد تخرج في دار حفصة , وأعطاهم دار الرقيق (١) وهذا يدل على أنه لا يتعين النقد بدل العين المنزوع ملكيتها للمنفعة العامة , بل يجوز أن يكون شيئًا آخر كالتعويض العيني وهو ما يعرف في البيوع بالمقايضة , أو بهما معًا , ونظير ذلك ما جاء في معجم البلدان في مادة (بصرة) : وكان جانب الجامع الشمالي - أي: جامع البصرة - منزويًا؛ لأنه كان دارًا لنافع بن الحارث أخي زياد , فأبى أن يبيعها , فلم يزل على تلك الحال حتى ولى معاوية عبيد بن زياد على البصرة , فقال عبيد الله بن زياد: إذا شخص عبد الله بن نافع إلى أقصى ضيعة , فأعلمني، فشخص إلى قصر الأبيض، فبعث فهدم الدار , وأخذ في بناء الحائط الذي يستوي به تربيع المسجد، وقدم عبد الله بن نافع فضج. فقال له: إني أثمن لك , وأعطيك مكان ذراع خمسة أذرع , وأدع لك خوخة في حائطك إلى المسجد , وأخرى في غرفتك، فرضي , فلم تزل الخوختان في حائطه حتى زاد المهدي فيه ما زاد , فدخلت الدار كلها في المسجد (٢)

стр. 3416

ويستدل من كل ذلك على جواز نزع الملك الخاص إذا اقتضت المصلحة والضرورة ذلك ببدل يعطى لصاحبه , ولا ضير إذا كان هذا البدل قد بولغ فيه وأعطي أكثر من قيمته الحقيقية تطييبًا لخاطره وترضية لما عسى أن يكون قد لحقه من جراء حرمانه من ملكه الخاص من ضيق , كما فعل السلف الصالح. وبعد: فإن هذا ما انتهى إليه النظر في هذا الموضوع , وهو رأي تتبعت فيه آثار السلف وأقوال الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين , الذين هم لنا الأسوة والقدوة. أرجو أن أكون قد أصبت فيه الحق أو قاربته. الكويت في ١٧ شعبان سنة ١٤٠٧هـ الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 3417

انتزاع الملكية للمنفعة العامة إعداد أ. د. يوسف محمود قاسم أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية كلية الحقوق - جامعة القاهرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي، الذي بلغ شريعة ربه وبينها لأمته بيانًا شافيًا , وعلى آله وأصحابه الذين حملوا هذه الشريعة للدنيا كلها، فكانت النور المبين الذي شمل العباد والبلاد على مدى القرون والأجيال. فإن موضوع انتزاع الملكية للمنفعة العامة هو في غاية الأهمية , وهو أيضا في غاية الخطورة. أهمية الموضوع: تبدو أهمية هذا الموضوع في التوفيق بين حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، ومراعاة التوازن بين هذين النوعين من الحقوق. وهذا التوفيق مهمة صعبة للغاية، لكن في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ما يذلل كل صعوبة ويرفع كل عقبة، ففيهما الجواب الكافي والدواء الشافي لكل ما يعن للبشرية من معضلات. وفيما يتعلق بالملكية العامة التي لها أهميتها، والملكية الخاصة التي يجب احترامها إلى أبعد الحدود، يقول الله جل شأنه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) . ولقد ظهر لي فهم في هذا النص الكريم , أرجو أن يكون صوابًا , فقوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ نهي صريح عن تضييع الأموال ووجوب حفظها وتدبيرها والقيام عليها قيامًا حسنًا حيث جعلها الله قوام المجتمع , فهي السبب في إصلاح المعاش وانتظام الأمور (٢) ولذلك وصفها الله تعالى بقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ . أي: التي تقوم بمعاشكم، وصلاح أولادكم (٣) فقوام المجتمع ثروته , وقوة الأمة بقوة اقتصادها.

стр. 3418

وأما قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ , فإن معناها: أموالهم - أي: أموال السفهاء - التي في أيديكم (١) , وهذا يدل بلا شك - في اعتقادنا - أن المال وإن كان مملوكا لليتيم ومن في حكمه من السفهاء، فإنه عندما يصير معرضًا للضياع يعتبره القرآن مالا للجماعة , به قوامها، وعليه المدار في منعتها وقوتها , فيتعين على الأمة في مجموعها أن تحافظ عليه؛ لأنه وإن كان ملكًا خاصا , إلا أن حق الجماعة فيه ظاهر , لا ينكر. أما عندما تزول هذه الظروف التي تعرض المال فيها للضياع , ويعود السفيه إلى رشده، ويصبح الصغير بالغًا عاقلًا رشيدًا , يعود ماله الخاص إليه. حيث يصير المال عندئذ في يد عاقلة رشيدة تنفقه في وجوهه المشروعة التي من شأنها تحقيق مصالح الفرد، وهذا بدوره يعود على المجتمع بالخير والرفاهية: ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ . فيا لروعة القرآن: حينما عبر عن المال المعرض للضياع بكلمة ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ ، أموال الجماعة التي يجب أن تحافظ على هذا المال؛ لأن الله تعالى جعله قوامها وعمودها الفقري الذي إن فرطت فيه ضاعت هيبتها , وكانت النتيجة وبالًا على المجتمع بأسره. بيد أنه عند إيناس الرشد، يعدل القرآن إلى التعبير المناسب لمقتضى الحال؛ لأن كامل الرشد يتصرف في هذا المال، فكان في قوله سبحانه: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أعظم دلالة في المحافظة على الملكية الخاصة، وصيانة حقوق العباد صيانة كاملة غير منقوصة (٢)

стр. 3419

خطورة البحث في هذا الموضوع: وأما خطورة البحث في هذا الموضوع، فتتجلى في بعض الأنظمة الأرضية الإلحادية، التي نرى بعض أفرادها ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) فقد حاول بعضهم أن يبرر مسلك بعض الظلمة من ذوي السلطات في تأميم بعض الملكيات الخاصة عن طريق أن المال مال الله. وهي كلمة حق أريد بها باطل في هذا الخصوص. ذلك أنه مما لا شك فيه أن الملك الحقيقي في كل شيء إنما هو لله رب العالمين , فهو سبحانه مالك الملك بما فيه ومن فيه. ولكنه جل شأنه هو الذي أعطى لعباده حق الملكية , وأثبته لهم , فلا يحق - إذن - لأي سلطة مهما كانت أن تمس هذا الحق (٢) الذي أثبته الله لعباده بحجة أن المال مال الله. بل إن الله سبحانه هو الذي تشدد في حقوق عباده تشددًا كبيرًا على الرغم من أنه تعالى هو الذي تسامح في بعض حقوقه لدرجة أن التوبة تمحو كل ذنب يتعلق بحقوق الله، أما بالنسبة لحقوق العباد فالتوبة وحدها قد لا تكفي، إذ لا بد من رد المظالم حتى يمكن القول بأنها توبة صادقة (٣) ومن هنا كانت خطورة البحث في هذا الموضوع، فلا يصح التعلل بأن المال مال الله للافتئات على حقوق العباد وتأميم أموالهم التي يملكونها بحكم الشرع.

стр. 3420

فالتأميم بمعناه الاصطلاحي المعاصر محرم شرعًا , لا شك في ذلك (١) لكن موضوع البحث الهام والخطير هو: مدى سلطة ولي الأمر في انتزاع الملكية الخاصة تحقيقًا لمنفعة عامة. هذا هو محل البحث الذي نرجو من الله تعالى أن يوفقنا إلى الحكم الشرعي وهو سبحانه المستعان. خطة البحث: ودراسة هذا الموضوع تحتاج إلى تحديد القواعد العامة التي تحكم الملكية الثابتة شرعًا للأفراد. ثم بيان الحدود الضيقة التي يمكن لولي الأمر في إطارها تحقيق المصلحة العامة، حتى ولو ترتب على ذلك المساس بحقوق الأفراد وضوابط هذا المساس. نبحث ذلك في الفصلين الآتيين: الفصل الأول: القواعد العامة التي تحكم حق الملكية. الفصل الثاني: ضوابط انتزاع الملكية للمنفعة العامة.

стр. 3421

الفصل الأول القواعد التي تحكم حق الملكية القواعد التي تحكم حق الملكية، هي قواعد كثيرة، لا تحتمل هذه السطور دراستها التفصيلية , ولذلك فإني أرى الاكتفاء بدراسة بعض القواعد التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع البحث , ألا وهو: انتزاع الملكية للمنفعة العامة. وهذه القواعد تتلخص فيما يأتي: ١) المال مال الله. ٢) الله سبحانه هو الذي أثبت لعباده حقهم فيما يملكون. ٣) تحمل أخف الضررين تجنبًا لأشدهما. المال مال الله: مما لا شك فيه أن المالك الحقيقي لكل شيء هو الله رب العالمين الذي بيده ملكوت كل شيء. قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (١) . وقال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) وهذه الآيات المباركات التي تؤكد ملكية الله تعالى لكل شيء وهو الغني عن كل شيء - وما أكثرها في القرآن العظيم - إنما تسوق البراهين العقلية على إثبات هذه الملكية لله رب العالمين (٣)

стр. 3422

لأن الذي خلق الموت والحياة هو خالق للمال ولكل شيء، وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) فهي إذن براهين عقلية يسوقها رب العالمين لقوم يعقلون. الله منح عباده حق الملكية لأجل مسمى: وقد خلق الله تعالى كل شيء لعباده. سخره لهم، ووهبه إياهم. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢) وقال جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٣) وقد حرم الله تعالى المساس بهذه الملكية الثابتة شرعًا للأفراد تحريمًا مؤبدًا حتى تقوم الساعة. وذلك بنص الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤) وقوله جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥) والخطاب في الآيتين يتضمن جميع أمة محمد ﷺ . والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق (٦) فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفسه (٧)

стр. 3423

وأما السنة. فقد بين لنا النبي ﷺ بيانًا شافيًا، في الحديث الصحيح الذي بلغ حد التواتر وهو قوله ﵊: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم)) . وقد أجمعت الأمة في كل عصورها على هذا الحكم الشرعي. تحمل أخف الضررين تجنبًا لأشدهما: أما قاعدة: تحمل أخف الضررين تجنبًا لأشدهما، فهي قاعدة شرعية مجمع عليها , إذ لا ريب أنه إذا اجتمع ضرران أحدهما أخف من الآخر، وكان لا بد من تحمل أحدهما , فإنه يجب تحمل الضرر الأخف دفعًا للضرر الأشد , وهو مما لا يخفى على عاقل، حتى قبل ورود الشرع، بل إن ذلك مركوز في طبائع العباد (١) بحكم الفطرة. ولذلك يقول علماء القواعد: إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها , درأنا. وإن تعذر درء الجميع , درأنا الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل (٢) ولهذه القاعدة تطبيقات كثيرة جدا تكلم عنها الفقهاء في كتب الفروع بالتفصيل الوافي.

стр. 3424

من ذلك: بالنسبة للمال المملوك للغير، وهو محرم شرعا - كما أكدنا - لكنه في حالة الضرورة (١) يباح للمضطر أن يتناول من مال غيره القدر الذي ينقذ نفسه من الهلاك؛ لأن حرمة مال الغير أخف من حرمة النفس. انتزاع الملكية للمنفعة العامة لا يباح إلا في هذه الحدود ومن هذا القبيل انتزاع الملكية للمنفعة العامة. حيث لا يجوز مثل هذا الإجراء شرعًا إلا في هذه الحدود، أي: الحدود الضرورية اللازمة لتحقيق النفع العام، الذي لا يمكن تحقيقه إلا عن هذا الطريق. فلو أمكن الوصول إلى هذه المنفعة العامة دون المساس بحقوق الأفراد , فلا يجوز ذلك مطلقًا؛ لأن الشريعة تحرم المساس بحقوق العباد تحريمًا قاطعًا مؤبدًا. وكما جاء في الحديث الصحيح ((إلى أن تلقوا ربكم)) لكن ماذا نقول إن تعطلت مصالح العباد، وأصبح من المستحيل تحقيق هذه المصلحة أو المصالح إلا عن طريق التضحية بملكية بعض الأفراد تحملًا للضرر الأخف في سبيل تجنب الضرر الأشد المتمثل في تفويت المصلحة العامة للمجتمع في حين أن حق الفرد في ملكيته مضمون بالتعويض المناسب كما سيأتي تفصيله. وأيضًا فإن المبدأ الأول الذي سبق شرحه يأتي دوره هنا. فما دام المال مال الله، فلا يصح أن تعطل المصالح العامة لعباد الله مع مراعاة تعويض الأفراد عما يلحقهم من ضرر. وبهذا يتم التوفيق بين النوعين من الحقوق؛ حقوق الله وحقوق العباد. هذا ما أردت بيانه في هذا الفصل: تأكيد حق الملكية الثابت شرعا للأفراد , وبيان الصلة بين هذه الملكية وبين المبدأ الثابت شرعًا وعقلًا , وهو أن المال مال الله، وبيان الحدود الضيقة التي يمكن فيها المساس بحق الملكية عملًا بقاعدة تحمل أخف الضررين، ومن هنا كانت إباحة انتزاع الملكية للمنفعة العامة. لكن ما هو المصدر الشرعي لهذا الحكم , أو ما هي ضوابط انتزاع الملكية للمنفعة العامة؟ هذا هو موضوع الفصل الثاني , وبالله تعالى التوفيق.

стр. 3425

الفصل الثاني ضوابط انتزاع الملكية للمنفعة العامة البحث في ضوابط انتزاع الملكية للمنفعة العامة يتطلب أن نبحث أولا عن المصدر الشرعي لهذا الحكم , ثم عن تفصيل الضوابط التنفيذية لهذا الإجراء من الناحية العملية , حتى يكون في دائرة المشروعية. نتناول ذلك في مبحثين متواليين: المبحث الأول: المصدر الشرعي لإباحة انتزاع الملكية للمنفعة العامة. المبحث الثاني: الضوابط التنفيذية لهذا الإجراء.

стр. 3426

المبحث الأول المصدر الشرعي لانتزاع الملكية للمنفعة العامة الأصل في إباحة انتزاع الملكية للمنفعة العامة بضوابطها الشرعية هو عمل الصحابة رضوان الله عليهم. وبيان ذلك أنه: " لما استخلف عمر ﵁ , وكثر الناس , وسع المسجد، واشترى دورًا هدمها وزادها فيه , وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك , واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة , وكانت المصابيح توضع عليه , فلما استخلف عثمان ﵁ , ابتاع منازل , فوسع بها المسجد , وأخذ منازل أقوام , ووضع لهم أثمانها , فضجوا منه عند البيت , فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم , فقد فعل بكم عمر ﵁ هذا , فأقررتم ورضيتم. وبنى للمسجد الأروقة حين وسعه " (١) وقد استشهد فقهاء الشريعة على هذا الحكم السابق بعمل، الصحابة رضوان الله عليهم. والاستدلال بعمل الصحابة إنما هو استدلال بالسنة والإجماع اللذين أوجب الله العمل بهما بنص كتابه العزيز. فقد قال النبي ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)) . وهذا الحكم قام به خليفتان جليلان؛ عمر وعثمان ﵄، وهذا العمل من كل منهما على فترات متباعدة بمرأى ومسمع من الصحابة الكرام , هو إجماع منهم رضوان الله عليهم واجب الاتباع دون شك.

стр. 3427

وفيما يلي أسوق عبارة ابن عابدين الفقيه الحنفي في هذا الموضوع , حيث يقول: "ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه. زاد في البحر عن الخانية: بأمر القاضي (١) بالقيمة كرها لما روي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة وزادوا في المسجد الحرام. ولعل الأخذ كرهًا ليس في كل مسجد ضاق، بل الظاهر أن يختص إذا لم يكن في البلد مسجد آخر، إذ لو كان فيه مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه. نعم فيه حرج , لكن الأخذ كرها أشد حرجًا منه. ويؤيد ذكرنا فعل الصحابة , إذ لا مسجد في مكة سوى المسجد الحرام (٢) وبنفس الحكم قال المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) .

стр. 3428

المبحث الثاني الضوابط التنفيذية لانتزاع الملكية للمنفعة العامة نقصد بالضوابط التنفيذية الضوابط أو الشروط التي يجب مراعاتها عند اتخاذ هذا الإجراء ضمانًا لحق المالك. وبناء على القواعد السابقة التي تكلمنا عنها في الفصل السابق , يمكن القول كما أشرنا بأنه يباح شرعًا انتزاع الملكية للمنفعة العامة إذا كانت هذه المنفعة أمرًا ضروريا محتما لا بد منه، وليس هنالك مجال لتحقيقها إلا بالمساس بحق ثابت للأفراد؛ لأن إطلاق مثل هذا الحكم يفتح بابًا كبيرًا من أبواب الشر (١) أمام سلطات الفساد والظلم. ولذلك فإن هذه الإباحة ليست على إطلاقها , وإنما لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها في دائرة المشروعية، بحيث تحقق المصلحة العامة للناس، وتحقق في نفس الوقت المصلحة الخاصة أيضًا للفرد الذي انتزعت ملكيته. وليس هذا جمعًا بين النقيضين , وإنما هو العمل بحكم الشرع الذي أوجب تحقيق المصالح العامة والخاصة، وحتى عند التعارض لا بد من مراعاة هذا الجمع بقدر الإمكان. وهذا يتمثل - على ما نفهمه من نصوص الشريعة والله أعلم - في الضوابط التالية: الضابط الأول: التأكد فعلًا من أن هذا المال المملوك للغير لازم بالضرورة لتحقيق مصالح العباد، وهو الوحيد المتعين لذلك.

стр. 3429

وهذا الضابط أو هذا الشرط جوهري إلى أبعد الحدود، فانتزاع الملكية رغما عن إرادة المالك غير جائز أبدًا , اللهم إلا في حالة واحدة. وهي ما إذا تأكد ولي الأمر من ضرورة تحقيق النفع العام عن طريق المساس بملك أحد الأشخاص. وإذن فلابد من توفر هذا الشرط حتى لا تنطلق يد السلطة في أموال العباد بحجة المنفعة العامة , بحيث تنعدم كل الوسائل الأخرى لتحقيق النفع العام إلا عن هذا الطريق. فإذا كانت هنالك وسيلة أخرى تحقق مصلحة المجتمع بدون المساس بحقوق العباد , فهنا لا يصح أبدًا التعرض لما يملك الناس، حيث يكون هذا التعرض خروجًا على أحكام الله تعالى ومخالفة وعصيانًا لبيان رسول الله ﷺ الذي بين لنا أن الأموال محرمة إلى أن تقوم الساعة (١) الضابط الثاني: التعويض العادل: إذا توفر الضابط الأول وبات من المؤكد أن مصلحة المجتمع لا يمكن أن توجد إلا عن طريق المساس بملك أحد الأفراد , فهنا يتعين على الدولة أن تدفع للمالك قيمة ملكه كاملًا بالتقدير المرضي لصاحب الشأن. الذي ينبغي عليه أن يقبل هذا التعويض نظير التنازل عن ملكه بنفس راضية تحقيقًا لمصلحة المجتمع؛ لأن المال في المبدأ والانتهاء هو مال الله تعالى، وينبغي أن يسخر لخدمة عباد الله. ولذلك فلا يصح لصاحب المال أن يرفض التعويض (٢) المعروض عليه من الدولة ما دام كافيًا ومرضيا إذ الرفض في هذه الحالة يعتبر تعنتًا يبيح لولي الأمر انتزاع الملكية رغم إرادة المالك في إطار التعويض الوافي كما قلنا.

стр. 3430

أما إن عرضت الدولة تعويضًا أقل من القيمة الأصلية للشيء المملوك، ورفض المالك التنازل عن ملكه بأن رفضه , هنا يكون مبررًا على أساس ما قد يلحقه من ضرر أو ظلم في تقدير ملكه , فإن انتزعت الدولة الملكية على هذه الصورة يكون عملها ظلما حرمه الله على نفسه , وجعله بين عباده محرمًا. وكفى بالظلم إثما مبينًا يستوجب العذاب في الدنيا والآخرة. وأبسط صور عذاب الدنيا نزع البركة من المشروع الذي يقوم على الظلم وأكل أموال الناس بالباطل (١) على أن رحمة الله قريب من المحسنين حيث يرتفع الإثم برفع التعويض إلى حدود القيمة الحقيقية التي ترضي صاحب الشأن (٢) وقد سبق أن تكلمنا في المبحث السابق عن المصدر الشرعي لهذا الحكم وهو عمل الصحابة رضوان الله عليهم بل وإجماعهم على توسعة المسجد الحرام مرتين، الأولى في عهد عمر، والثانية في عهد عثمان ﵄. ملحوظة هامة: وهنا ينبغي التنبيه إلى بعض العبارات التي وردت على إطلاقها في عبارات الفقهاء , حيث قالوا: مثل المسجد والمقبرة. وهنا نقول: إن الإطلاق غير مقصود أبدًا، فليس المراد كل مسجد أو كل مقبرة ونحوهما، بل المسجد الذي لا يمكن أن يوجد له بديل أو مكان في منطقة مماثلة. إذ لا نتصور أن تنشأ في قرية أو مدينة عادية ضرورة ملحة في ضم أرض مجاورة إلى مسجد، حيث يمكن إنشاء مسجد آخر في مكان آخر من البلدة دون اعتداء على حقوق العباد. وما هكذا المسجد الحرام في مكة المكرمة ولا المسجد النبوي في المدينة المنورة.

стр. 3431

ولهذا فقد كان التعليق من بعض الفقهاء تعليقًا في غاية التوفيق حين قال ﵀: "ولعل الأخذ كرهًا ليس في كل مسجد ضاق، بل الظاهر أن يختص بما إذا لم يكن في البلد مسجد آخر، إذ لو كان فيه مسجد آخر لأمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه. نعم فيه حرج , لكن الأخذ كرهًا أشد حرجًا منه , ويؤيد ما ذكرنا فعل الصحابة , إذ لا مسجد في مكة سوى المسجد الحرام (١) والحكم واحد في نظري، والله أعلم، فيما لو تمكن إنشاء مسجد آخر في مكان آخر من البلدة أو القرية وهو يدفع ضرورة التوسع دون حاجة إلى ظلم بعض الأفراد , فالله غني عن العالمين، ولا يتصور أن تتقرب السلطة إلى الله رب العالمين بتوسعة مسجد عادي على حساب عباد الله. نعم يمكننا أن نضرب مثلًا بالكلية التي تضيق بطلابها فتحتاج إلى مدرج أو إلى معمل آخر بجانب المعمل الأصلي نزولًا على ضرورات التقدم العلمي وليس هنالك مجال إلا إلى الأرض المجاورة المملوكة لأحد الأفراد، حيث لا يمكن نقل الكلية، كما لا يتصور أن تكون الكلية في طرف المدينة وأحد مدرجاتها أو معاملها في الطرف الآخر، في مثل هذه الظروف تكون الإدارة مضطرة إلى توسعة الكلية ولو على حساب مالك الأرض المجاورة الذي له حقه الكامل في التعويض العادل، الذي ينبغي أن يتولى القضاء تقديره على نحو ما نبينه في الفقرة التالية:

стр. 3432

الضابط الثالث: عرض الأمر على القضاء ذكرنا تحت الضابط الأول أنه لا بد من التأكد من أن هذا المال المملوك للغير لازم بالضرورة لتحقيق مصالح العباد , وأنه الوحيد المتعين لذلك. كما ذكرنا الضابط الثاني وهو لزوم التعويض العادل لصاحب الحق وتقدير هذين الأمرين ينبغي أن تقوم به سلطة محايدة حتى تتحقق العدالة الكاملة من هذين الوجهين. والسلطة المحايدة هي من غير شك السلطة القضائية. لكل ما تقدم أرى - والله أعلم - أنه يجب على ولي الأمر قبل أن يقدم على هذا الإجراء - انتزاع الملكية للمنفعة العامة - أن يعرض الأمر على القضاء لينظر في الأمر من جميع جوانبه وعلى الأخص من الجوانب الثلاثة الآتية. الأول: مدى أهمية المنفعة العامة المراد تحقيقها للمجتمع. فإذا ثبت أمام القضاء أنها غير ضرورية , فلا يصح التضحية بملك الأفراد، أو انتهاك حقوق العباد من أجل منفعة غير ضرورية. وقد تكون المنفعة ضرورية , وتثبت أهميتها القصوى , ويثبت لزومها للعباد , ويتأكد القضاء من ذلك. غير أنه لا بد من التأكد من جانب آخر وهو الجانب الثاني. الجانب الثاني: مدى لزوم ملك الغير لتحقيق المنفعة العامة. لا يجوز اتخاذ مثل هذا الإجراء حتى عندما يتأكد القضاء من لزوم هذه المنفعة وضرورتها للعباد، إذ قد يثبت ذلك فعلا. ولكن قد تكون هنالك وسائل أخرى لتحقيق هذه المنفعة العامة بدون المساس بحقوق العباد، وهنا يكون انتزاع الملكية محرمًا؛ لأنه غير لازم حيث وجد البديل الذي لا مساس فيه بحق الغير , فيكون هذا الانتزاع ظلما.

стр. 3433

ولذلك كانت أهمية عرض الأمر على القضاء للتأكد من انتفاء كل البدائل أو كل الوسائل الأخرى، وصار من المتعين تحقيق هذه المنفعة عن طريق هذا المال المملوك لفرد من الأفراد. فإذا ما ثبت لزوم المنفعة ولزوم ملك الغير لتحقيقها - وهذا كله لا يكون إلا أمام السلطة القضائية - وعند ذلك يجب النظر القضائي في الجانب الثالث. الجانب الثالث: مدى عدالة التعويض: ولا شك أن هذا الجانب هو المرحلة النهائية لإحقاق الحق والبعد عن الظلم. وليس هنالك أقدر من السلطة القضائية على تحقيق هذا الجانب الهام؛ لأن ولي الأمر من أعضاء السلطة التنفيذية مهما كان تدينهم وورعهم , إلا أنهم في الحقيقة إنما يحكمون أو يقدرون التعويض على أنفسهم لغيرهم. وهذا مما قد يتنافى مع الحياد الكامل، فكان من الواجب أن تقوم السلطة القضائية بتقدير هذا التعويض من حيث عدالته وجبر كل الأضرار التي قد تمس صاحب الحق من اتخاذ هذا الإجراء , وهو انتزاع الملكية للمنفعة العامة. وقد سعدت كثيرًا عندما قرأت عبارة ابن عابدين ﵀: "زاد في البحر عن الخانية: بأمر القاضي، (١) وبناء عليه فلم يكن إذن اقتراح أن يعرض الأمر على القضاء مجرد فكر معاصر يخشى من ظلم بعض الجهات واستبدادها بحقوق العباد , وإنما لهذا الشرط أصل فقهي ثبت عن علماء الشريعة رحمهم الله تعالى. مما يدعو إلى زيادة الاطمئنان. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أ. د: يوسف محمود قاسم

стр. 3434

نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة إعداد الدكتور عبد السلام العبادي ممثل المملكة الأردنية الهاشمية في المجمع ونائب رئيس المجمع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا عل رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين , وبعد: ١- فهذه دراسة مكثفة حول موقف الشريعة الإسلامية من موضوع "نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة (١) أعتمد فيها بصفة أساسية على الدراسة التفصيلية التي كنت قدمتها عن هذا الموضوع وغيره في رسالتي للحصول على الدكتوراة سنة ١٣٩٢ هـ الموافق سنة ١٩٧٢م والتي طبعت في ثلاثة أجزاء بعنوان: (الملكية في الشريعة الإسلامية طبيعتها ووظيفتها وقيودها ودراسة مقارنة بالقوانين والنظم الدينية) . ٢ - والواقع أن هذا الموضوع على جانب كبير من الأهمية لأسباب عديدة منها: أ- أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية الملكية والموقف منها وهي أمر اختلفت فيه النظم والقوانين اختلافًا واسعًا. ب - يتداخل هذا الموضوع في الدراسات المعاصرة مع موضوع التأميم , وهو من التأميم , وهو من القضايا الاقتصادية التي كانت محل اختلاف واسع. ج - باتت الحاجة ملحة في هذه الأيام للجوء إلى نزع الملكية للمنفعة العامة أمام توسع العناية بالمرافق العامة وضرورة تنظيم المدن ونمو وسائل المواصلات وغيرها. ونعرض في هذه الدراسة الموجزة لموضوع نزع الملكية للمنفعة العامة من جوانب: الأول: حرص الشريعة الإسلامية على حماية الملكية الخاصة. الثاني: التملك القهري ومدى معرفة الشريعة الإسلامية له (حالات نزع الملكية الخاصة في الشريعة) .

стр. 3435

الثالث: حكم نزع الملكية للمنفعة العامة والضوابط التي قررها الفقهاء لذلك. أولا: حرص الشريعة الإسلامية على حماية الملكية الخاصة: أ. اهتمت الشريعة الإسلامية بالملكية الخاصة ووضعت القواعد الكفيلة بحمايتها ومنع الاعتداء عليها لتؤدي دورها الفاعل في المجتمع الإنساني. والأدلة على مشروعية الملكية الخاصة في الشريعة الإسلامية من الكتاب والسنة النبوية الشريفة كثيرة ومتعددة بما يدل على معارضة الإسلام التامة لإلغاء الملكية (١) قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٣) وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة أن رسول الله ﷺ قال في خطبة الوداع: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا. .)) . وأخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ , قال رسول الله ﷺ ((:كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) .
следующие страницы →