(ولا يتم هذا الانتقاص إلا إذا أخذت بلا بدل، ذلك أن في أخذها بالبدل إبقاء على مقدار ثروة صاحبها، وليس فيه إلا تغيير عناصرها. . وليس يعد هذا اعتداء على ملك محترم، لأنه لا ملك بعد الحد منها، ووجوب نفاذ ذلك شرعًا) (١) . وقد استدل على أن الزيادة تؤخذ بلا بدل بجملة من الأدلة منها:
أ- أنها تشبه المال الذي يؤخذ في تجهيز الجيوش والدفاع عن البلاد، فما يؤخذ في هذه الحالة يؤخذ بلا عوض، والأخذ في الحالين سواء، لأن كلا منهما تقضي به الضرورة.
ب- إن هذا الأخذ أخذ بحق، فلا يعتبر اعتداء على الملكية، تمامًا كأخذ الجائع المشرف على الهلاك من مال غيره ما يقيم حياته.
جـ- ثم إن في أخذ هذه الزيادة منعًا للمالك من الإضرار بغيره عن طريق الملكية، كما فعل رسول الله ﷺ عندما خلع نخل سمرة بن جندب من بستان غيره.
د- ويدل على ذلك أيضًا مشاطرة عمر بن الخطاب ﵁ لولاته أموالهم عندما رأى في ذلك مصلحة عامة، وهي البعد بالولاية عن الشبهات، وعن اتخاذها مغنما، ووسيلة للاستكثار من الأموال.
وبعدما قرر هذه الأدلة قال: (وعلى ذلك يرى أن أخذ هذه الزيادة إذا ما دعت مصلحة عامة إلى أخذها بغرض انتقاص ملكية صاحبها، إنما يكون بلا بدل يعطى , وعندئذ تكون هذه الزيادة ملكًا لكافة المسلمين، يوجهها ولي الأمر الوجهة التي من أجلها أخذت، لا لوجهة أخرى، وإلا كان أخذها اعتداء لا يستند إلى حق. ذلك ما انتهى إليه النظر في هذا الموضوع، وهو رأي رأيته، فإن كان صوابًا , فمن الله، وإن كان خطأ فلا عصمة إلا لرسول الله ﷺ فيما يشرع للناس (٢) .
стр. 3467
ولست مع الشيخ علي الخفيف في أن الزيادة عن المقدار المحدد تؤخذ بدون تعويض لما يلي:
١- أن القول بأن الزيادة عن الحد المقرر تؤخذ بلا بدل يستقيم حاله ما إذ اكان الهدف من تحديد الملكية هو منع قيام التملك الكبير في المجتمع، وهذا واضح في قول الشيخ الخفيف: "ذلك أن في أخذها بالبدل إبقاء على مقدار ثروة صاحبها، وليس فيه إلا تغيير عناصرها ". والواقع أن الشريعة لا تطارد الملكيات الكبيرة، إنما تطارد الملكيات الظالمة المستغلة، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة. والضرورة هنا تقدر بقدرها، والاضطرار لا يبطل حق غير المضطر في التعويض والضمان (١) . هذا يدل على أنه لا وجه في الشريعة الإسلامية لتقرير أن الزيادة تؤخذ في هذه الحال دون تعويض أو بدل.
ثم إن تحديد الملكية الفردية لا يقوم حتى عند القائلين به إلا في أنواع معينة من الأموال؛ كالأراضي فيما سمي بقوانين الإصلاح الزراعي , عندما تكون حيازة كميات كبيرة منها مسببة للضرر بمجموع الأمة، فهم لا يقولون بتحديد عام في جميع الأموال، فهدفهم هو منع الملكيات الكبيرة في نوع معين من الأموال، وليس منع مجاوزة التملك لأي مال عن حد معين، لذلك رأينا أن تحديد الملكية في معظم الدول التي أخذت به كان مقابل تعويض.
٢- قرر الفقهاء مبدأ التعويض في التملك القهري، ونصوا عليه بكل وضوح. جاء في حاشية الجمل: (ولا يحل تملك مال المسلم والذي بغير بدل قهرا (٢) وبينوا الأساس في الإلزام بالتعويض. فقد قال ابن رجب: ( ... لأن التسليط على انتزاع الأموال قهرًا إن لم يقترن به دفع العوض، وإلا حصل به ضرورة فساد ... وأصل الانتزاع القهري إنما شرع لدفع الضرر، والضرر لا يزال بالضرر (٣) .
стр. 3468
وقال القرافي في الذخيرة: (إذا ثبت الملك في عين , فالأصل استصحابه بحسب الإمكان، فإذا اقتضى سبب نقل ملك، أو إسقاطه، وأمكن قصر ذلك على أدنى الرتب، فعلنا. ولهذه القاعدة قلنا: إن الاضطرار يوجب نقل الملك إلى المضطر إليه، ولكن يمكن قصر ذلك على المرتبة الدنيا , بأن يكون بالثمن، ولا حاجة إلى المرتبة العليا، وهي النقل بغير ثمن (١) وقال في الفروق: " إن الملك إذا دار بين المرتبة الدنيا والمرتبة العليا حمل على الدنيا، استصحابًا للملك بحسب الإمكان، وانتقال الملك بعوض هو أدنى رتب الانتقال، وهو أقرب لموافقة الأصول من الانتقال بغير عوض (٢) وقال القاضي أبو عبد الله المقري: (إذا دار الملك بين أن يبطل بالجملة أو من وجه، فالثاني أولى، لأنه أقرب إلى الأصل) .
وقد تعرض ابن رجب في قواعده إلى مسألة: (هل يتوقف الملك في العقود القهرية على دفع الثمن، أو يقع بدونه مضمونا في الذمة؟ (٣) فبين أن هذا على ضربين: أحدهما: التملك الاضطراري، كمن اضطر إلى إطعام غيره، ومنعه منه، وقدر على أخذه، فإنه يأخذه مضمونًا، سواء أكان معه ثمن يدفعه في الحال أم لا، لأن ضرره لا يندفع إلا بذلك.
والثاني: التمليكات المشروعة لإزالة الضرر كالأخذ بالشفعة وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر، فقد اختلف الفقهاء فيها على مذهبين:
الأول: لا تملك إلا بعد دفع الثمن، وهو محكي عن ابن عقيل من فقهاء الحنبلية.
الثاني: تملك بدون دفع الثمن، ولكنه يقع مضمونا في الذمة، واختار هذا المذهب ابن تيمية (٤)
٣ - وأما ما استدل به الشيخ علي الخفيف على أن الزيادة تؤخذ بلا عوض:
أ- فالبنسبة إلى دليله الأول فإن قياسه أخذ الزيادة في تحديد الملكية على أخذ الأموال لتجهيز الجيوش والدفاع عن البلاد، والذي يكون بدون عوض، بجامع أن كلا منهما تقضي به الضرورة، قياس مع الفارق؛ لأن الضرورة في حالة أخذ الأموال لتجهيز الجيوش تقضي باستهلاك هذه الأموال فيما أخذت له , أما الضرورة في حال الزيادة في تحديد الملكية فهي تقضي بأخذ الزيادة، لا لتنفق، إنما لتعطى لغير المأخوذ منه، والهدف من ذلك هو منع قيام ملكية كبيرة في نوع معين من الأموال، وليس أخذ هذا المال لينفق في مصلحة عامة للأمة.
стр. 3469
ب - وبالنسبة إلى دليله الثاني , فليس الأخذ بحق، يعني أن يكون بلا تعويض , فقد قضت الضرورة بالأخذ دون رضا صاحب المال، والضرورة تقدر بقدرها فيكون الأخذ مقابل تعويض عادل , وهذا ما نص عليه الفقهاء في صور التملك القهري.
جـ – وبالنسبة إلى دليله الثالث , فإن الأمر في حديث سمرة يختلف عما نحن فيه، فقد تعين دفع الضرر الذي كان يسببه سمرة للأنصاري بالقلع بعد أن امتنع عن قبول ما عرض عليه من الأنصاري، ثم من رسول الله ﷺ . فقد عرض الأنصاري عليه البيع أو المناقلة، وعرض عليه رسول الله ﷺ البيع أو المناقلة أو الهبة، ولكنه أبى , مما يدل على أن الأصل هو دفع المقابل، وإلا لما كان هناك أي وجه لما عرض عليه، والأمر بالقلع إنما كان لبيان أنه لابد من إزالة الضرر، أما وجوب التعويض في حالات نزع الملكية الفردية , فالحديث يشير إليه هذه الإشارة، بالإضافة إلى ما تقرره الأدلة الأخرى , وقد اعتبر ابن القيم هذا الحديث دليلًا على وجوب البيع والمعاوضة لحاجة المشتري بثمن المثل (١) وعلى أية حال , فإذا فهم من هذا الحديث إيجاب القلع دون تعويض , فإن الأمر يكون عقوبة على الإصرار على إيصال الضرر إلى الآخرين.
هذا، وقد بين بعض العلماء أنه ليس في هذا الحديث إلا الأمر بإزالة الضرر، فليس فيه أنه خلع نخله، والرسول ﷺ إنما قال ذلك ليردعه عن الإضرار، فالحديث لا يدل على أن هناك قلعا محققا، وإنما الأمر أمر ردع وزجر عن الإضرار (٢)
وعلى أية حال فكل ما يقرره حديث سمرة هو جواز المساس بالملكية الفردية إذا اقتضت ذلك ضرورة رفع الضرر الغالب عن غير صاحبها، سواء أقلنا: إن القلع قد تم أم لا.
وبالنسبة إلى دليله الرابع فإن مشاطرة عمر لولاته كانت مصادرة للمال الذي اعتبره عمر بن الخطاب مجازًا بطريق غيرمشروع، فلا حق لهم فيه , لذلك كان أخذه بلا تعويض.
وهكذا يظهر أن نزع الملكية الفردية دون تعويض لا يجوز، إلا إذا كان النزع من قبيل استعادة الحق، أو استيفاء القدر الواجب في المال الخاص، قيامًا بحاجة عامة أو خاصة.
стр. 3470
انتزاع الملك للمصلحة العامة
إعداد
الدكتور محمود شمام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾
العنوان يشتمل على أربعة عناصر:
انتزاع - ملك - مصلحة - عامة.
وسوف نتحدث عن كل عنصر منها بانفراد حتى إذا جمعنا شملها وأكملنا شرحها , وصلنا إلى غايتنا وأدركنا بحول الله هدفنا.
الانتزاع:
الانتزاع لغة: استلب واقتلع وأخذ.
جاء في لسان العرب لابن منظور:
"فرق سيبويه بين نزع وانتزع , فقال: انتزع: استلب، ونزع حول الشيء عن موضعه.
والانتزاع فقهًا وقانونًا هو: أخذ الشيء من يد صاحبه والاستيلاء عليه وتوظيفه لفائدة المجموعة , وبذلك يصبح ملكا لها دون صاحبه الفرد المالك الأصلي وهو بهذه الصفة:
نزع ملكية خاصة لتحقيق نفع عام لقاء تعويض شرعي وعادل ". والاستيلاء والانتزاع والأخذ أشياء , الأصل فيها الحرمة المطلقة؛ لأن الشرع يحمي المصالح والحقوق سواء منها العامة أو الفردية الواسعة بمفهومها الكامل العام أو بمعناها الفردي الضيق.
وكل اعتداء على حق الغير وعلى ملكه هو محرم شرعًا، والشرع يقف في وجه الغاصب , ويرد عمله ويبطله حتى في البسيط من الأمر , كماء الطهارة , وثياب الصلاة , ومكان أداء العبادة , وحتى في نفقة الحج والمصاريف التي يصرفها لأدائه.
ومن هنا يمكن القول: إن حكم العنصر الأول من هذه العناصر الأربعة - أي: الانتزاع - هو الحرمة والمنع. عدا ما استثني بصورة ضيقة تعتمد المبدأ العادل الذي لمحنا إليه عرضًا , وهو أخذ الشيء واغتصابه وانتزاعه من يد صاحبه لتحقيق مصلحة عامة , شريطة التعويض العادل النزيه.
ووجب علينا لذلك بيان حقيقة الملك وشرح عناصره كبيان المصلحة العامة وتدقيق حدودها حتى نبلغ الحكم المذكور.
الملك:
هو لغة: ما يملك ويتصرف فيه، يذكر ويؤنث. قال الله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . الشورى: ٤٩.
стр. 3471
والملك هو: ما يملكه الإنسان ويتصرف فيه ويحوزه، وجمعه أملاك. يقال: هذا ملك يميني , أي: أملكه وأتصرف فيه بتثليث الميم: ملكه يملكه ملكًا وملكًا وملكًا.
وملكه الشيء تمليكًا جعله ملكًا له يملكه (١)
ومن ملك شيئًا كان له حق استعماله وحق استغلاله وحق التصرف فيه.
أما في الاصطلاح:
فالملك هو: اختصاص بالشيء يمنع الغير منه ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي.
قال القرافي في الفرق الثمانين بعد المائة:
إن الملك إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكين صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنها من حيث هي كذلك.
والملك ينقسم إلى قسمين: تام مطلق، أي: ملك الرقبة والمنافع. وللمالك وحده هنا في حدود القانون حق التصرف في ملكه واستعماله واستغلاله دون قيود أو شروط.
وناقص وهو ملك الرقبة دون المنافع , أو ملك المنافع دون الرقبة؛ كحقوق الارتفاق من مرور وكشف وغيرها.
والملك التام الذي نقصد في بحثنا هذا له مصادر عامة جاءت بها شريعتنا السمحة.
أولا: المباح: أي المال الذي لم يكن على ملك أحد ولا ينسب لأي شخص معين بذاته ولا يوجد أي مانع شرعي في الاستيلاء عليه والاستبداد به كالماء في منبعه والكلأ والحطب والشجر في الفلاة من البر، وكإحياء الموات. فالرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول فيما يرويه جابر بن عبد الله: ((من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر وما أكلت العافية فهو له صدقة)) .
стр. 3472
وهو حديث صحيح أخرجه أبو عبيد في الأموال، وأخرجه الإمام أحمد وابن حبان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير , عن جابر. وأخرجه أحمد وابن حبان من طرق عن هشام بن عروة , وإسناده جيد صحيح. (شرح السنة للإمام البغوي ج٦ صفحة ١٥٠) .
ثانيًا: الملك الحاصل بعقد , سواء كان العقد عقد عوض كالبيع أو بدونه كالهبة، والوصية، وسواء أكان العقد عن طريق التقاء الإرادتين أم طريق الجبر به بإرادة فردية شرعية قانونية كالشفعة.
أو ما يسمى الاستملاك للصالح العام لتوسيع مسجد أو طريق أو إحداث معلم من معالم الدولة للمصلحة العامة بشروط وقيود سوف نأتي عليها إن شاء الله.
ثالثًا: التملك عن طريق الشرع والقانون كالتملك عن طريق الإرث هذا التملك الذي سنه الشرع وأباحه ونظم طرقه وحدد سبله ولم يهمل أمره وأبان حليته وكان ذلك عن طريق النص , ومن المعلوم أن الاجتهاد لا يجوز فيما ورد فيه نص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.
حرية الفرد في الملك
ما هي هذه الحرية؟ وما هو نطاقها ومداها؟ وما هي حدودها؟
تنطلق صيحة الحرية الفردية عندما يستهل مولودنا صارخًا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
فإذا هذا المولود الذي استهل بتلكم الصيحة واستقبلته الحياة وهي تستقبل الآلاف من أمثاله كل يوم بفرحة القدوم وبسمة اللقاء يتدرج في نفس تلكم الحياة في طريق وعرة ملتوية تخيم عليها السحب وتغطي أرضيتها الأشواك.
стр. 3473
وإذا المجتمع وإذ الطبيعة وإذ القانون يأخذ بيده ويرعاه ويحضنه ويرشده , وإذا هذه الحرية يحد من أطرافها ويتقلص ظلها في صالح ذلكم القادم نفسه وفي صالح مجتمعه وأمته وقومه وشعبه , بل وفي صالح العالم البشري بأجمعه.
فالحرية التي يتغنى بها الكل والتي يتعشقها الجميع والتي هي حرية بذلك , يختلف الناس في أمرها , وتتباين النظريات في شأنها.
فهل إن الفرد لا يكون حرا طليقًا متمتعًا بلذائذ هذه الحرية إلا متى أرخى له المجتمع العنان في تصرفاته وأعماله حتى ولو كان في أفكاره وآرائه ما يهدم بعض قواعد مجتمعه ويحطم أركان دولته حتى ولو أدى به الأمر إلى أن يكون فوضويا في مجتمع تعمه الفوضى وتسوسه وتغشاه.
أم أن الحرية الحق هي التي تصان معها كرامة الفرد وكرامة أسرته ومجتمعه وقومه ودولته بصرف النظر عن مدى اتساعها وترامي أطرافها، ضرورة أن الحرية المطلقة لا وجود لها , إذ أنها تشبه الفوضى إن لم تكن هي الفوضى عينها؟
لقد حار ذلكم الفرد من قبل التاريخ في أمره وتخبط في دياجير ظلامه وطافت به الأحداث كل مطاف واشتدت به الأعاصير وضغطت عليه الأيام , فإذا هو يفتش عن مذهب يحميه وقانون يقيه وملجأ يأويه يرجو العثور على الضوء الذي ينير له السبيل ويقيم له الدليل على حقيقة تلكم الحرية واتساع أرجائها وامتداد بساطها وشرعية ما يوضع لها من حدود تحد من امتدادها وترامي أطرافها.
وإذا المذاهب يشع بريقها ويتوهج لمعانها تسعى لفتح الطريق وتعبيد السبل وإقامة الدعائم المتينة لمبادئ الحرية والانعتاق وقواعد التحرر والانطلاق لكن في حدود حددتها ومناطق رسمتها وخطتها وحصنتها , فلم تدع الفرد وشأنه ولم تنس أن تجعل القانون هو السيد الذي يركع لأوامره ونواهيه الفرد وتخضع لسيادته الجماعات.
أما الإسلام ديننا الحنيف فقد جاء من أول وهلة واحتضن شجرة الحرية وتبناها وبارك زرعها وسقاها وتعهد أصولها وفروعها وغذاها فأينعت في أيامه وفاخرت بجليل أحكامه.
стр. 3474
جاء الدين الإسلامي الحنيف يشع منه نور التسوية في الحقوق والواجبات ويشرع المساواة الشاملة الخالدة ويقي الحريات ويوسع نطاقها ومدلولها ومفاهيمها.
ولقد صدق من قال وهو شاهد من أهلها (١)
: ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدن على شفا جرف هار من الفوضى لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت ولم يكن ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية , إذ القبائل تتحارب وتتناحر , لا قانون ولا نظام. وكانت المدنية كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب.
وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد محمد الرجل الذي حرر العالم ووحده.
وفعلًا فقد اتخذ الإسلام الحرية دعامة لكل ما سنه من أحكام وخطه من نظم وحرص الحرص كله على تطبيق تلكم الحرية في مختلف أمور الحياة , فجاء بالحرية السياسية والحرية الفكرية والحرية الدينية والحرية المدنية بمفهومها الواسع , خاصة حرية الأفراد في أموالهم وممتلكاتهم.
فالإسلام يعبد طريق الحرية في ميادين الحياة المدنية , ويحمي الأنفس والأموال , وقواعده ظاهرة جلية في هذه النواحي.
فالفرد حر في تصرفه المدني ومعاملاته وعقوده، والتشريع يحميه ويرد عنه المعتدي , ولم يحدث قط أن أحل الإسلام مال غني وأعطاه لفقير مهما اشتدت حاجته.
стр. 3475
والإسلام يسن العقاب الصارم الحازم لكل من يحاول الاعتداء على الأنفس والذوات والأموال والأعراض.
وهكذا نشاهد أن الإسلام قد قرر وحقق المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان الفرد وحريته في تصرفه على أكمل صورة وأوسع نطاق , خاصة فيما يتعلق بأملاكه ومكاسبه , لكن نشاهده مع ذلك لم يترك الحبل على الغارب , ولم يهمل شأن المصالح العامة تلقاء المصالح الفردية.
فتراه للمصلحة العامة الاجتماعية ولمنفعة جماعة المسلمين يحد من بعض الحرية الفردية , ويضحي بالبسيط من الأمر لفائدة الهام والمهم.
والأديان التي هي في أصلها وواقعها جهاد متصل مسترسل لتحرير العقل البشري وإثبات حريته وكرامته وإزاحة كل حجر عليه.
ألم تكن هذه الأديان نفسها قيودا لحرية المرء وانطلاقه بما جاء فيها من أمر ونهي وتحليل وتحريم وإباحة ومنع؟
فالإسلام يحرص الحرص كله على تقرير المساواة بين الناس في الشؤون الاقتصادية , وذلك بالعمل على تحقيق تكافئ الفرص بينهم في شؤون الحياة المدنية وعلى تقليل الفوارق بين الطبقات وتقريبها من بعضها وتحقيق المساواة في أحسن وأجمل صورها.
يقول الأستاذ سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية (صفحة ٦٠) : " لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد ولا مدى , يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط , فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته، فللمجتمع مصلحة عليا لا بد أن تنتهي عندها حرية الأفراد , وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين , فتقوم المنازعات التي لا تنتهي وتستحيل الحرية جحيما ونكالا ويقف نمو الحياة وكمالها عند المصالح الفردية القريبة الآماد.
стр. 3476
والإسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها والمساواة الإنسانية في أدق معانيها , ولكن لا يتركهما فوضى , فللمجتمع حسابه , وللإنسانية اعتبارها , وللأهداف العليا للدين قيمتها , لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية في مقابل الحرية الفردية , ويقرر إلى جانبها التبعة الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي. انتهى.
ويقول الغزالي في الإحياء:
إنه لا يجوز أن يستعمل الإنسان حقه في غير الغاية الاجتماعية التي منح من أجلها الحق.
ويقول أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات (ص ٣٤٨ وما بعدها) :
"إن من يثبت حقه الشرعي في أي أمر فإنه يمنع من استعماله إذا لم يقصد من ذلك إلا الإضرار بالغير".
ويقول القاضي الأستاذ زهدي يكن في محاضرة له عن المسؤولية المدنية، نشرية القضاء والتشريع التونسية ملحق عدد جانفي ١٩٦١:
"إن فكرة المصالح المرسلة دليل على المرونة المباحة في دائرة الشريعة نفسها , ويمكن أن نفهمها فهمًا عصريا بأنها اتخاذ ما يقتضيه الصالح العام , ويمكن أن نجعل أساسًا لها جميع القيود التي أوجبتها القوانين والأنظمة تقييدًا لحرية الأفراد في ملكيتهم من أجل الصالح العام , فحق الملكية حق فردي مقدس , إلا أنه يضحى به في سبيل المصلحة العامة عن طريق الاستملاك , وقد زيد في مسجد الرسول ﵊ , واشتري الزائد من أصحابه في غير ضرار حينما كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك , ويحسن أن ننوه بما صرح به الزرقاني في شرحه على الموطأ من أنه من الممكن اتخاذ أحكام جديدة في الظروف التي تطرأ عليها حوادث جديدة ولا غرو في تبعية الأحكام للأحوال. انتهى.
стр. 3477
هذا وقد أباح الإسلام للإمام رئيس الدولة أن يتصرف في توزيع الأموال على وجه يحقق التوازن الاقتصادي بين الطبقات ولو أدى ذلك إلى أن يخص ببعض المال طبقة دون أخرى.
وقد سن هذه السنة الحكيمة وأنفذها عمليا رسول الله ﷺ بوحي من الله فقد منح الرسول جميع أموال الفيئ من بني النضير للمهاجرين خاصة , ولرجلين فقيرين من الأنصار , ليقرب بذلك بين ثروات المهاجرين وثروات الأنصار , أي: مقدرة هؤلاء ومقدرة هؤلاء الحياتية ليحقق شيئًا من التوازن في ملكية الأموال بين هذين الفريقين اللذين كان يتألف منهما أول مجتمع إسلامي.
وفي هذا يقول الله سبحانه في كتابه العزيز:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) .
فالملكية الفردية معترف بها , لكنها محددة بهذه القاعدة , قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ممنوعًا بين الفقراء.
ومن ثم فالنظام الإسلامي يبيح الملكية الفردية وهي نظام فريد متوازن الجوانب متعادل الحقوق والواجبات (في ظلال القرآن: ٦/ ٣٥٢٤) .
وقد حرم الإسلام تحريمًا قاطعًا كل الطرق التي تؤدي إلى تضخم رؤوس الأموال بأكل أموال الناس بالباطل أو الغش أو التحكم في المعاش بانتهاز الفرص في الأوقات الاستثنائية وبذلك منع الاحتكار وسد الباب في وجوه مستغلي أسواقه.
стр. 3478
قال :
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١)
وقال عز من قائل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)
وقال ﵊:
((من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه))
ويقول ﵊:
((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) رواه مسلم.
وهو ﵊ يحمي أملاك الناس وأموالهم فيقول:
((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)) ويقول: ((من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين))
وقد أقامت الشريعة الإسلامية في باب الميراث حدودًا ضيقة منسقة جعلتها سدا منيعًا في سبيل تضخم الثروات , وتجمعها بيد واحدة , وكان النظام الإسلامي في هذا الباب نظامًا محكما , من شأنه أن يكفل توزيع الأموال بين الناس توزيعًا عادلًا لا تتفتت معه رؤوس الأموال وتقسم دائرة الانتفاع بها بين عدة عائلات , الأمر الذي من شأنه تقليل الفروق بين الطبقات.
وقد وقفت تلك الحدود التي حرم الله تجاوزها في وجه بعض التصرفات الشاذة التي من شأنها العبث بالأموال وجمعها بيد واحدة أو الانحراف بها عن مصرفها الشرعي.
فقد حرم الإسلام الوصية للوارث , وأباحها لغيره في حدود الثلث فقط , فحد بذلك حرية تصرف الفرد في تركته بعد مماته إلا طبق الحدود الشرعية.
стр. 3479
((عن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت عام الفتح مرضا , أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني , فقلت: يا رسول الله , إن لي مالا كثيرا , ولا يرثني إلا ابنتي , أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر. قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث , والثلث كثير , إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس , وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها , حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)) .
رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى:
قال الله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ النساء: ١٢.
فالله إنما يقدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة بها , فإذا أوصى ضرارًا كان ذلك حرامًا , وكان للورثة إبطاله , وحرم على الموصى له أخذه بدون رضاهم , فلو اعترف الموصي أنه أوصى ضرارًا , لم تجز إعانته على تنفيذ هذه الوصية , ووجب ردها.
قيود في طريق الملكية الفردية:
قد رأينا أن الإسلام لا يمنع الملكية الفردية , ولا يقف في وجه حرية الأفراد وتصرفاتهم المالية , وهو بالعكس جاء حاميًا صائنًا لهذه الملكية مدافعًا عنها رادا الأيدي المعتدية عليها.
وبصرف النظر عن هذه الاعتبارات اللفظية التي جاء بها العصر الحاضر من أن الملكية الفردية هي وظيفة اجتماعية , هدفها وغايتها إرضاء متطلبات كافة أفراد المجتمع , والفرد موظف في خدمته , والقانون يحميه , فإن تشريعنا الإسلامي كما أنه يحمي المالك الفرد , يقي المجموعة البشرية الإسلامية من سوء تصرفات هذا الفرد ومن إفراطه في استعمال حقه وتجاوز حدوده فيه.
стр. 3480
فالتشريع الإسلامي يرفض الطرق الملتوية للملكية الفردية , ويأبى الاعتراف بالملكية غير المشروعة التي من أسبابها الغش والاختلاس والاعتداء وظلم الناس.
والتشريع الإسلامي يمهد الطريق لإقرار السلم الاجتماعي بين المتساكنين والأجوار في حقوق الارتفاق مثلًا بما سنه من حدود لها تنظم شأنها.
وهو يمنع إلحاق الضرر بالآخرين ويقف بالفرد عند حد إذا تطاول إلى الأموال ذات النفع العام مما يهم المجموعة كاملة.
والتشريع الإسلامي يخطط ويبين الأوامر التي فزع الناس إليها في عصورهم المتأخرة آخذين مبادئها عن المبادئ الإسلامية السامية. وتراه بذلك يحمي الفرد والمجتمع من اعتداء أحدهما على الآخر , ولا نقصد بالاعتداء الاعتداء على أملاك الناس وحرماتهم وأعراضهم , فهذه أمور أساسية تنبع من مقاصد الشريعة السمحة.
وإنما المراد حماية الأفراد والمجتمع من الإفراط في استعمال الحق والبعد بهذا الاستعمال والتعرف على الخطوط الكبرى التي يرسمها التشريع للمجتمع الإسلامي. وقد اعتمد فقهاء الإسلام على حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) كأصل ثابت لهذا الموضوع , وهو حديث صحيح أخرجه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵁ في الموطأ.
وقد اقتضى هذا النص حرمة صدور الضرر من كافة الأشخاص على غيرهم , سواء في البدن أو الأموال , وذلك عند التصرف المباح فيما هو من حقوق الفرد فضلًا عن تصرفه اعتداء على ما هو راجع لغيره.
واعتمد فقهاؤنا من المالكية بناء على قاعدة المصالح المرسلة أن ذلك يقوم على ثلاثة أركان:
أ) عدم جوز استعمال الحق إذا كان هذا الاستعمال لا تتولد عنه أية منفعة , بل ينشأ عنه ضرر للغير.
ب) عدم جواز ممارسة الحق إلا في الحدود التي منح من أجلها هذا الحق.
ج) ينقطع استعمال الحق المشروع في الوقت الذي ينشأ عنه ضرر فاحش للغير.
стр. 3481
قال ﵊ في الحديث ذي السند الصحيح:
((خذ حقك في عفاف واف أو غير واف)) .
وفي رواية أخرى:
((خذ حقك في كفاف وعفاف واف أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا))
وقال ﵊:
((لا تستعل على جارك بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه)) .
والنظم العصرية تنظر إلى سوء استعمال الحق من زاوية الضرر. أما الشريعة الإسلامية فهي لا تقتصر على تقييد استعمال الحق بضرورة عدم وجود نية الإيذاء وانتفاء الإهمال أو المصلحة لصاحب الحق والوقوف عند ما يسمح به القانون وتحدده التراتيب , بل إنها ترمي إلى تقييد ممارسة الحق بالأغراض الاجتماعية والمناهج الاقتصادية التي وجد الحق وتكون من أجلها , وهي حينئذ تقوم على مبادئ سامية ومقاصد عالية اعتمدتها وقررتها هي نفسها , وهي:
أ) إذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة , قدمت هذه.
ب) جواز تحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام.
ج) إن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
وهذه النظرية مبسوطة في كتب الفقه معروفة منذ قرون عديدة تسبق التشاريع العصرية بآماد طويلة بعيدة , وقد طبقها علماء الإسلام تطبيقًا نظريا وعلميا منذ أزمان غابرة قبل أن يتناولها فقهاء القانون بالغرب وقبل أن ينقلوها عنا وقبل تدوينها في نظمهم العصرية متباهين متفاخرين بها.
стр. 3482
فإبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي المالكي المتوفى سنة٧٩٠ هـ/١٣٨٨ م. (صاحب الموافقات والاعتصام والمجالس والإفادات) قد حلل في كتبه مقاصد الشريعة والمصالح التي بنيت عليها أحكامها , فأوجب في الأحكام الشرعية أن تطبق وفاقًا للمقاصد التي وضعت لها , وعلى هذا توصل إلى منع استعمال الفعل المأذون فيه شرعًا إذا لم يقصد منه فاعله إلا الإضرار بالغير وفي ذلك حرمة وحماية لأموال وأملاك الناس ووقاية لمبادئ عالية أساسها الأخلاق والحق.
وهذا هو عين نظرية التعسف في استعمال الحق التي لم يعرف عنها الغرب شيئًا إلا منذ زمن قريب.
وهذا ابن تيمية في الفتاوى ج ٣ ص ٣٩ يقول: إن المقاصد - أي النوايا - معتبرة في التصرفات والعادات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات , فقد قال الله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [لنساء: ١٢] , فهو سبحانه يقدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة بها , فإذا أوصى ضرارًا كان ذلك حرامًا وكان للورثة إبطاله , وحرم على الموصى له أخذه بدون حصول رضا الورثة.
فلو اعترف الموصي أنه أوصى ضرارًا أو ثبت ذلك من الخارج لم تجز إعانته على تنفيذ هذه الوصية لما فيها من اعتداء على الحقوق يتجاوز ما أحل لصاحب الملك والمال.
وهويقول ج ٣ ص ٢١٢:
إن قصد بالعقد غير ما شرع له العقد , فيجب أن لا يصح؛ وذلك لأنه شرع العقود أسبابًا إلى حصول أحكام مقصودة , وأن القصود والنيات معتبرة في العقود كاعتبارها في العبادات , فإنما الأعمال بالنيات. اهـ.
واتباعًا لنظرية ابن تيمية في كون المقاصد والنوايا معتبرة في التصرفات والعادات كما هي معتبرة في التقربات يمكن القول: إن الإنسان المسلم المؤمن بمبادئ دينه الحنيف والعامل بأحكامه يجب عليه أن لا يمارس حقه بصورة تمس بحقوق الآخرين حتى ولو كان القانون في جانبه والقضاء لفائدته والظواهر لصالحه.
стр. 3483
فالإنسان المسلم يقيم من ضميره ووجدانه حارسًا رقيبًا يتعقب أعماله وتصرفاته يأمره وينهاه ويصده عن البغي والاعتداء ويجعله مثالا في الإنصاف والعدل ينصف الناس من نفسه حتى ولو كان التشريع والقانون ظاهريًا في جانبه ولفائدته.
ويقول ﵊:
((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
أي: أن صاحبه مسؤول عنه ومردود عليه , ويناله العقاب من أجله.
والتشريع الإسلامي يقرر أن المسلم مطالب باحترام حقوق الآخرين وأن القاضي بشر يخطئ ويصيب , وعلى المحكوم لفائدته أن يرد نفسه عن غيها وينهاها عن فجورها , فإذا كان القضاء لفائدته وهو يعلم أنه مخالف للحقيقة , فالواجب يقتضيه أن لا يستفيد من ذلكم الحكم , وأن يعترف بالحقيقة , وأن ينصف الناس من نفسه.
يقول ﵊:
((إنما أنا بشر , وإنكم لتختصمون إلي , ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض , فأقضي له على نحو ما أسمع منه , فمن قضيت له بشيء من حق أخيه , فلا يأخذنه , فإنما أقطع له قطعة من نار))
وعن أبي أمامة أنه ﷺ قال:
((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة , وأوجب له النار. قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك. قالها ثلاث مرات)) .
كما يمكن أن نلاحظ أن الدين الإسلامي الحنيف في احترامه للحقوق جاء ناهيًا عن تجاوز الحق والإفراط فيه حتى ولو كان ضد المعتدي , فلا يمكن أن يجازى الإنسان عما اقترف من إثم بعقاب يتجاوز حدود ما صنعه واقترفه.
стр. 3484
يقول الشاطبي في الموافقات:
"الممنوعات في الشرع إذا وقعت , فلا يكون إيقاعها من المكلف سببًا في الحيف عليه بزائد عما شرع له من الزواجر وغيرها كالغصب إذا وقع فإن المغصوب منه لا بد أن يوفى حقه , لكن على وجه لا يؤدي إلى الإضرار بالغاصب فوق ما يليق به من العدل والإنصاف , فإذا طولب الغاصب بأداء ما غصب أو قيمته أو مثله , وكان ذلك من غير زيادة صح؛ لأن العدل هو المطلوب مع عدم الزيادة.
ومن الملاحظ أيضًا أن فقهاء الإسلام تقصوا مظاهر التعسف في استعمال الحق احترامًا للملكية الفردية وصونًا لحقوق الأفراد ونصوا على ذلك في الفقه التقديري.
فقد ذكر الإمام ابن تيمية أنه إذا سلطت مظلمة على جماعة من الناس بأداء مال معين ظلما , فليس من حق أحدهم أن يتهرب من أداء منابه وقسطه من هذه المظلمة , فيحمل على باقيهم ويضاعف بذلك مظلمتهم , بل إنه مدعو لدفع قسطه وإن لم يفعل يكون آثما.
ويمكن أن نذكر أمثلة مختصرة تبرز بوضوح آراء الفقهاء المسلمين في احترام الملكية الفردية واحترام حقوق الأفراد والنهي عن المس بهذه الحقوق حتى ولو كان الإنسان بصدد استعمال حق مباح له. فقد منع سحنون (١) ﵁ صعود الصومعة إذا كان في ذلك كشف على المحلات والدور المجاورة لها.
وجاء في التبصرة لابن فرحون (٢) : إنه من حق المالك أن يفتح في داره نافذة لدخول النور والهواء بشرط عدم تجاوز حقه , بأن تكون هذه النافذة كاشفة على جاره يستطيع بواسطتها الاطلاع على أحواله.
стр. 3485
وتعرض الفقهاء إلى أن ما يغرسه الجار في حديقة له يجب أن لا يتأذى منه جاره , ورتبوا على ذلك أن الفروع الممتدة إلى أرض الجار يجب أن تقطع.
جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي (٤٥٠ هـ) بسط ضاف في هذا الموضوع أثناء الحديث عن الحسبة والمحتسب.
والتشريع الإسلامي يصل به إلى التشدد في هذا المضمار إلى إزالة آثار الاعتداء ولو كانت نافعة.
فعن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه يرفعه إلى النبي ﵊ قال:
((من أحيا أرضا ميتة فهى له , وليس لعرق ظالم حق. قال: الجمحى: قال هشام: العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله , فيغرس فيها أو يحدث فيها شيئا)) .
قال أبو عبيد: فهذا التفسير للحديث يحققه حديث آخر: سمعت عبادة بن عوام يحدثه , عن محمد بن إسحاق , عن يحبى بن عروة , عن أبيه يرفعه إلى النبي ﵊ مثل هذا الحديث. قال عروة: ولقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث ((أن رجلًا غرس في أرض رجل من الأنصار نخلًا , فاختصما إلى رسول الله ﷺ , فقضى للأنصاري بأرضه , وقضى على الآخر أن ينزع نخله. قال: فلقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس وأنها لنخل عم)) أي تامة في طولها والتفافها , والمفرد: عميهة , شرح السنة للإمام البغوي ج ٨/ ص ٢٣٠.
والتشريع كذلك يحترم حق الجماعة على حساب الأفراد , وينظر من زاوية المصلحة العامة إلى مصلحة الجماعة , فيدفع عنهم المضرة ويجنبهم التصرفات الشاذة ببعض الأفراد ويحد من حق هؤلاء لفائدة المجموعة العامة.
стр. 3486
من ذلك وضع القيود في كيفية تداول بعض السلع الغذائية التي هي ضرورية لفائدة الناس في يومهم القريب وتحريم احتكارها ومنع تداولها , فالفرد وإن كان من حقه الاتجار والاقتناء والربح , فإنه ليس من حقه أن يتحكم بسبب ثرائه وقوته المالية في الحياة الاقتصادية بإلحاق الأذى والمضرة بالضعفاء والمساكين. قال ﵊: ((لا يحتكر إلا خاطئ)) .
جاء في شرح الزرقاني على مختصر خليل في باب البيع:٥/٤:
للشخص أن يشتري وقت السعة قوت سنة أو أكثر، لا بوقت الضيق , فإنما يشتري ما لا يضيق على غيره كقوت شهر أو أيام , فإن اشترى ما يضيق أو اشترى كثيرًا وقت السعة , ثم حصل للناس ضرر , وجب عليه بيع ما زاد على قوته وقوت من تلزمه نفقته إن خيف بحبسه إتلاف المهج. باتفاق الباجي والقرطبي وابن رشد , فإن مست الحاجة ولم يكن الخوف المذكور , بل دونه , وجب عند ابن رشد. وقال الباجي: لا. واتفق على جواز احتكار غير الطعام كصوف وكتان , حيث لا ضرر على الناس في احتكاره , وفي الطعام حيث لا ضرر خلاف.
وعلق البناني في حاشيته على الزرقاني بقوله:
من اشترى ما يضيق على الناس فإنه يؤخذ منه بالسعر الذي اشتراه به , وأما من اشتراه وقت السعة , فإنه يؤخذ منه بسعر وقته.
وقول الزرقاني: وفي الطعام حيث لا ضرر خلاف ما قال المازري: قال ابن القاسم وابن وهب: سئل مالك عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء , قال: ما سمعنا فيه بنهي , ولا أرى بأسًا أن يحبس إذا شاء , ويبيع إذا شاء , ويخرجه إلى بلد آخر. وقال ابن العربي: إذا كثر الجالبون للطعام وكانوا إن لم يشتر منهم ردوه , كانت الحكرة مستحبة.
وعلى كل فإن القاعدة هي وقوف التشريع في وجه المضر بالناس المتجاوز لحقه في اتجاره , وهذا ما يفيده النقل السابق.
стр. 3487
ومن ذلك أيضًا تحريم الربا بأنواعه وتحريم عقود الغرر والمخاطرة والإثراء على حساب الآخرين وحتى الاعتداء بالرائحة الكريهة في المجتمعات والأندية وخاصة المساجد. قال ﵊: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم)) .
ومن هذا أيضًا حق الحجر على السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم وإنفاقه في أوجهه الصالحة. فهم وإن كان من حقهم التصرف في خالص ما يملكون , فإنه من حق الجماعة أيضًا ومن حق الأمة أن تراقب تصرف أفرادها وطرق صرف أموالهم حتى لا يحيدوا بها عن طريق الصلاح والمنفعة والخير لفائدتهم ولفائدة مجتمعهم , كل ذلك اعتمادًا على قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء: ٤
وقوله في آية الدين:
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (١)
وقد عارض الإمام أبو حنيفة ﵁ في عموم هذه القاعدة اعتمادًا على حرية التصرف في الأموال والاستقلال الذاتي , إلا أنه لا يخالف في عدة فروع يتجسم فيها الضرر بالمجموعة , فيحجر على الرشيد تصرفه فيها.
والإمام أبو حنيفة يبسط رأيه هذا , ويقدم بين يديه أدلته وأسانيده التي اعتمدها وأخذ بها , وذلك منذ ثلاثة عشر قرنًا (٨٠ – ١٥٠) بينما نرى فقهاء القانون العصري عند تعرضهم لهذه النظرية ينسبونها إلى فقيه فرنسي معاصر هو الفقيه بلانيول الذي يقول: إن التعسف في استعمال الحق هو خروج عن الحق وهذا ينتهي حيث يبدأ التعسف , وأن العمل الواحد لا يصح أن يكون في وقت واحد متفقًا مع القانون ومخالفًا له.
وهذا عين ما ذهب إليه فقيهنا المسلم منذ قرون.
стр. 3488
تطور النظم العصرية
أما في النظم العصرية الحديثة فلقد تطور القانون المدني والقانون التجاري والقوانين الاجتماعية وسائر القوانين الأخرى من الفردية إلى الجماعية , وانفصلت عنها عدة فروع , وأخذت شكلًا جماعيًا يبتعد شيئًا فشيئًا عن الفردية المحضة؛ ذلك لأن الركنين الأساسيين في القانون الاعتيادي الكلاسيكي، وهما الملكية والالتزام , قد أخذا هما في التطور وقد تغير مظهرهما وكثير من أجزائهما الطبيعية.
لقد كانت فكرة الالتزام حجر الزاوية الذي تقوم عليه وترتكز علاقات الأفراد ضرورة أن الالتزام هو القانون الضاغط على الفرد للوفاء بالتزاماته وعقوده نحو معاقديه الأفراد الآخرين. وهذا النظام هو الذي يكون ويحدث الخلاف والنزاع والشجار بين الأفراد أنفسهم ويخلق ويوجد التصادم الضروري بين مصالح هؤلاء الأشخاص.
والمقنن العصري اتباعًا لسنة التطور واتباعًا لاتجاهات الناس وتغييرات أحوالهم ونزول نوازلهم أخذ يتدرج بهذا الحق نحو الزوال.
فقد كانت الحياة تقوم على أساس هذه المصانع البسيطة المتواضعة يملكها فرد واحد ويتعامل مع أجراء يبادلونه الحب والمودة والعاطفة ويكونون جميعًا أسرة واحدة ليس بين أفرادها خصومات أو شحناء , بل إن كل واحد يشعر بحاجته إلى صاحبه , وأن ربحه متوقف على دوام الصلة القائمة على الود والمحبة.
ثم جاءت الآلة وتضخم بها الإنتاج وسهل أمره كما وكيفًا وتكون المصنع العملاق يملكه جماعة من أصحاب رؤوس الأموال وقوم من الأثرياء يستخدمون فيه آلافًا مؤلفة من العملة الفقراء المحتاجين الذين لا يملكون قوت يومهم ولا يجدون ما يرضي متطلبات الحياة , وقد أصبحت معقدة لا يعرف الضروري فيها من غيره، وظهرت الجفوة ودب الخلاف وتحكمت المادة في العلاقة بين الجانبين , ودب الخلاف بين الأجير والعرف , ونبت الحقد وظهرت الكراهية , وأطلت الفتن بنارها الوقادة.
стр. 3489
وجمع العمال شتاتهم وتكتلوا في هذه المنظمات والهيئات التي توحد صفوفهم وتلم شملهم , تشد أزرهم وتخذل من يخذلهم , جاعلة منهم قوة تواجه قوة أصحاب وأرباب المعامل والمصانع والمؤسسات.
أخذت الفردية تضمحل في الميادين القانونية لتحل محلها النظم الجماعية القائمة على ذلكم البساط وتنازل الفرد الواحد عن حقوقه الضيقة لفائدة الجماعة الذي هو لبنة في هيكلها وانخرط معها في عقد جديد هذبه القانون إن لم نقل: صنعه وحماه , وشد ساعده ورعاه بغية إقامة علاقات ينقطع بها التزاحم والصراع بين أفراد هاتيكم المجموعات لتحل محلها روابط التعاون لإدراك الأهداف وتحقيق المصالح وحمايتها والإبقاء عليها عند تكونها ووجودها.
ومن هذا الوقت صار هذا المجتمع يمثل بصفة قانونية أفراده المتكون منهم الذين تخلوا طوعًا منهم واختيارا أو كرهًا وجبرًا عن حقوقهم أي عن التمتع بها بصفة فردية لها صبغة الحرية المطلقة وما لها من طعم خاص وصار التعاون الجماعي إن لم يكن اختياريا فهو مفروض فرضًا اقتضته الظروف وأملته المصالح وتغيرت بذلك فكرة الالتزام بمعناها التقليدي المتعارف بين الناس قديمًا.
وتجلى عن هذه الحقيقة أن الحياة الجماعية لم تعد أمرًا ماديا محضًا وجد بين أفراد أرادوا ذلك وسعوا إليه وعملوا على وضعه وإقامة حدوده , بل أصبحت نظامًا مقررًا ودستورًا مصادقًا عليه يقتضي التزام الفرد باحترام المبدأ للجماعة الذي هو أساسها , ذلكم المبدأ المتولد عن تكتلها واجتماعها وإقامة العلائق بينها على أساس المصلحة المشتركة لحماية الكل والذود عن حقوق كافة الأفراد , فلا تنقطع الشاة عن القطيع ولا يأكلها الذئب.
وهكذا أصبحت العلاقة الفردية مركزة بصورة قانونية شرعية على مبادئ وقوانين هاتيكم الجماعات.
ولنضرب لذلك بعض الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة وتتجلى معها تلكم الفكرة بصورة واضحة ضرورة أن التطور الجديد أحدث تغييرًا في الأهلية وفي الالتزام وفي التمتع بالحقوق وحتى في تعاطيها.
فالشريك مثلًا في الشركات التجارية عندما يتم العقد يكتسي حقه صبغة جديدة لا علاقة لها بالحق الذي كان له سابقًا فهو غير حر في تصرفه وتمتعه إلا حسب بنود عقد الشركة واتفاق الأفراد المشاركين له، والأقلية في الشركات تكون خاضعة لرأي الأغلبية حتى في مالها الخاص الذي هو نتيجة أرباح لمال قدمه.
стр. 3490
والمحكمة عليها أن تقضي بذلك وأن تعمل به حادة من إرادة وحرية بعض الأفراد لصالح الأغلبية من بقية الجماعة. انظروا مثلًا ما جاءت به الفصول ١٢٢ حتى ١٣٤ من القانون التجاري التونسي.
ونشاهد أن النقابات تستطيع التحدث باسم جميع أفرادها وتدافع عن حقوقهم وتعلن الإضراب باسمهم , وبعبارة عامة تستطيع تعاطي كل الحقوق النقابية باسم سائر المنخرطين , ولا يستطيع المنخرط الواحد أن يصنع ذلك بالرغم عن كونه عضوًا في تلكم الجماعة وهاتيكم المنظمة.
وفي النقابات الصناعية والخاصة كأصحاب العمارات مثلا رعاية الدائنين المجردة ديونهم عن الامتياز , فإن الحق المشترك يقع تعاطيه بصفة جماعية لا بصفة فردية ولو أن الغاية لا تتغير.
وقد نرى تغييرًا تاما في الالتزام بالقيام بالشيء أو عدم القيام به فيما يتعلق بمخالفات الاحتكار وتحجير البيع بالثمن المختار وتحديد الأسعار. وفي الحجرات التجارية والفلاحية والشركات الصناعية أو بين أصحاب المهن كالمحامين والأطباء , فهذه تنظم تعاطي التجارة والصناعة أو المهنة , وترخص أو لا ترخص فيها تحت قيود وبنود يجب أن يخضع لها الفرد.
ونذكر هنا أيضًا المدينين المتضامنين فإن سلوك الواحد منهم يتوقف على سلوك الآخر.
والدعوى المنحرفة قيام الدائن لإبطال عقود مدينة فإنها مسموح بها لبعض الدائنين الذين كان دينهم متقدمًا عن الأعمال التي كانت سببًا في نقص المكاسب وترهلها وفقدان الضمان الكافي بسببها.
وفي حقوق العائلة نرى القانون يضغط على الحق الفردي لفائدة العائلة نفسها ومنفعتها وإبعاد الأذى عنها كإهمال العيال، فالأب يعاقب عقابًا عسيرًا؛ لأنه أهمل عياله وأبناءه ماديا وحتى أدبيا.
ونذكر أيضًا الأضرار الحربية ومشاركة الجميع فيما ضحاه أحدهم لفائدة ومصلحة المجموعة.
وقوانين الأكرية التي هي قوانين استثنائية تولدت ووجدت بموجب أزمة السكن في العصور الأخيرة بسبب الحرب وما نشأ عنها من وجود احتكار من طرف المالكين وانتهاز الفرصة لاستغلال حاجة المتسوغين فاقدي المسكن والمأوى , فاخترع المشرع هذه القوانين لحماية هؤلاء عادا بذلك لحقوق المالكين , وذلك لإحداث توازن عادل بين شرائح المجموعة وللوقوف في وجه الاحتكار والمحتكرين.
стр. 3491
وكذلك كافة القوانين الاجتماعية بصفة عامة المكونة هي أيضًا لتوازن بين الأجير ومؤجره والعامل وعرفه.
ونذكر عقود الانخراط وقوة فاعليتها وتأثيرها على المرتبطين بها الذين أمضوها وارتضوها.
وأخيرًا فقد تطور حق الملكية تطورًا كبيرًا محسوسًا وفقد طبيعته المطلقة ووقع السير به نحو المصلحة الاجتماعية وزالت عنه فكرة الملكية الفردية الحرة في التصرف المطلق واصطبغ بلون آخر يهدف إلى اعتبار أن الحق منح لخدمة الأفراد تحقيقًا لغرض اجتماعي , وبذلك أصبح وظيفة يقوم بها المالك تحت شروط وقيود تهم النظام العام وصالح الجماعة , وبذلك فإن أساء صاحب الحق استعماله , يكون قد أخل بالقيام بوظيفته , وكان ذلك داعيًا لتدخل الهيئة الاجتماعية وموجبًا للجزاء والعقاب والمؤاخذة والمسؤولية.
وهكذ نشاهد اندفاعًا قانونيا نحو الجهة المعاكسة يرمي إلى الوقوف في وجه الفرد ومنعه من تحطيم غيره والإضرار به وتمكين الجماعة من السير بأفرادها في الطريق السوي والاتجاه الحسن النافع ولفائدة الكل والقانون هنا لا يعتبر الفرد بل يعتبر الجماعة التي ينتمي إليها ذلكم الفرد.
وهذا الاتجاه الجديد الذي جاء بعد الانطلاقة الفردية يصور لنا أن القانون لا يترك الأمور تتغلب لجهة دون الأخرى , فمتى شاهد اندفاعًا نحو إحدى الجهتين عدل بين الكفتين , فهو يمسك بيده الميزان الحقيقي ميزان العدالة وهو وحده الذي يستطيع أن يجري التوازن بين هذه الحرية الفردية المطلقة المتحررة وبين اندفاع الجماعات لتضييق هذه الحرية والحد منها بل وحتى القضاء عليها أحيانًا.
стр. 3492
فالحرية المطلقة الكاملة المتحررة من كل القيود والموانع التي هي فوضى لا وجود لها ولم يكن لها وجود شرعي في الغابر منذ بدأت الخليقة ومنذ بدأت معركة الحرية سواء حرية العقل والفكر أو حرية التملك واكتساب الأموال والتصرف فيها , وليس لها وجود في الحاضر ولا يمكن أن يكون لها وجود في المستقبل , إذ إن الفرد الذي يعيش في مجتمع لا بد أن يتنازل عن بعض حريته لهذا المجتمع وبمقدار اعتزازه بحريته واستقلاله في تفكيره وآرائه يكون تأثير المجتمع فيه وفي حريته وحرية تصرفه وكل ما ينقص من هذه الحرية يضاف إلى سلطان المجتمع هذا المجتمع الذي يجب أن يؤمن بمفهوم هذه الحرية على حقيقتها الواقعية ويشيع هذا الإيمان وذلكم الفهم في كل أفراده على حد سواء بتصرفه الحاذق العادل النزيه.
ومع أن كل الدساتير تحترم حرية الأفراد وحرية المعتقد وتزجر كل من يحاول النيل منها.
ومع أن كل الشعوب تنادي بحرية القول والرأي والتملك والتعلم إلا أن كل ذلك لا يسمح للفرد الذي يعيش في أمة تريد أن تنهض وتريد أن تبلغ غايتها وتدرك أهدافها لا يسمح له أن يشل هذه النهضة وأن يوقف سير تطورها وتقدمها وذلك بالخروج بالحرية عن إطارها الطبيعي القانوني وتشويه صورتها والعبث بما فيها , وهذا أمر لا يحده ولا يرده إلا القانون في ظل المبادئ الدينية الأخلاقية , وهو الذي يرعى الحرية ويحتضنها , فيسير بها في هذه الطرق الملتوية والمنعرجات الخطرة يجنبها العثرات ويقيها مغبة الهفوات وينطلق بها انطلاقًا كاملًا في إطار من النظام والعدالة الاجتماعية الشاملة النافذة التي تخدم الصالح العام تحقيقًا لصالح الأفراد.
والفرد مهما ترنم وتغنى بحريته المطلقة في التصرف المالي والتملك العقاري وفي استعمال الحق وفي اختيار الطرق لهذا الاستعمال وانتخاب السبل التي يراها صالحة للوصول إلى تحقيق مخططاته وأدرك أغراضه والانتهاء إلى غاياته وتدعيم خططه ومناهجه لا يمكن له أن يستغني قط عن رعاية حاضنته العطوف الحنون الدولة التي هو أحد أفرادها , وهو ركن من أركانها , والتي تسعى إلى إسعاده وحفظ حقوقه وتوجيهه إلى السبيل القويم وحتى ولو كان في ذلك مظهر من مظاهر الحد من حريته وانطلاقه وتمتعه تمتعًا كاملًا بماله وأملاكه.
стр. 3493
وهو لا يكون عضوا صالحًا فيها ومواطنًا شريفًا قائما بواجبه إلا إذا سلك السبيل المؤدية إلى مصلحة الجميع وإلى خير الكل , وإلا كان بنقيض ذلك فوضويا أنانيا يسعى عن غير قصد إلى تخريب أعماد الجماعة والفت في ساعد الأمة.
والفرد مهما اعتز بهذه الحرية حرية التصرف والتملك وتنادى بالمحافظة عليها والذود عن حياضها , فهو كمعاقد لأمته يلتزم بأن لا يقوم إلا بكل نافع ومفيد وهذا العقد وهذا الالتزام يقتضيانه التنازل طبعًا عن بعض حريته ومصالحه لفائدة المجتمع ولصالح الأمة.
والدولة التي لا تسعى إلى تحقيق هذا الصالح العام وإقراره ولو بالحد من بعض الحريات - بقيود وشروط طبعًا - تكون خانت الأمانة التي ألقاها نفس ذلكم الفرد على عاتقها وطوق بها عنقها.
فالحرية المقيدة يزداد حسنها ويلمع بريقها ويصان جمالها بما يسن لها من أحكام.
إن من سن للمليحة قيدًا إنما صان حسنها حين سنا
المصلحة
أما وقد ربطنا الانتزاع بالملك , وسار التيار في هذا السلك , وعلمنا أن النزع والاستيلاء قد يصيب الملك من طرق مباحة شرعًا وعرفًا وعادة وقانونًا.
فلا بد أن ندرس بعد ذلك المعنى الثالث من عناصر الموضوع التي حواها عنوانه حتى يصيب التيار المفتاح , وتنقدح الشرارة وتنير المصباح.
وقد علمنا أن قداسة حق التملك مصانة محترمة إلا في صور استثنائية خاصة تدعو إليها وتلح في شأنها المصلحة.
فما هي هذه المصلحة المنظور إليها عند استنباط القواعد وترتيب الأحكام عليها وإباحة النافع وما فيه فائدة ومنع الضار المضر بالمسلمين وجلب المنفعة لهم ودفع المفسدة عنهم.
стр. 3494
هي المصلحة التي يمتطيها القرار توصلا إلى الملك دون النظر إلى الجوانب الأخرى والزوايا المتعددة لهذه المصلحة.
ما حقيقة المصلحة حينئذ , وما هي حدودها وظروفها وملابساتها حتى تكون المفتاح الذي ينير المصباح ويمهد الطريق لفعل مباح لحالة يعبر عنها بالاستصلاح , ويتوصل بها المصلح إلى الانتزاع في سبيل الإصلاح؟
المصلحة لغة:
هي مفعلة تدل على المكان , كمأسدة ومسبعة: مكان تكثر به الأسود والسباع.
وهي كل ما يبعث على الصلاح والمنفعة.
قال المعري:
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها فعدوا مصالحها وهم أجراؤها
والمصلحة مصدر ميمي أريد منه الحدث دون الزمان والمكان ومعناه: الصلاح والحسن الموجود في الفعل.
جاء في لسان العرب ٣/٣٤٨:
"المصلحة: الصلاح جمع مصالح , والاستصلاح نقيض الاستفساد".
ويطلق رجال العصر المصلحة على قسم من الإدارة يهتم بفرع من فروعها وشأن من شؤونها , له رئيس يسمى رئيس المصلحة.
стр. 3495
المصلحة عرفًا وفقهًا:
عرفها رجال التشريع الإسلامي بعدة تعاريف تصب كلها في مصب واحد وتنبع من منبع متحد.
عرفها الأصوليون بأنها تشريع الحكم في واقعة لا نص فيها ولا إجماع بناء على مراعاة مصلحة مرسلة أي: مطلقة أو ساذجة لم يرد عن الشارع دليل باعتبارها ولا بإلغائها.
وقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف المصلحة وتعيين المقصود منها على أقوال:
عرفها أبو حامد الغزالي (في المستصفى ١/٢٨٦) بأنها عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة ويعني بها المحافظة على مقصود الشرع وهو المحافظة على الدين والنفس والمال والعقل والنسل , وهذه الأمور الخمسة هي معيار المصلحة , فما يفوقها فهو مفسدة , وما يؤكدها فهو مصلحة.
وهو يقصد أن المصلحة المعتبرة هي ما قام الدليل الشرعي على اعتبارها , وليس كل ما اعتبره الناس أن فيه جلب منفعة أو دفع مضرة.
ويعرفها عز الدين بن عبد السلام وينوعها إلى أربعة أقسام: اللذات وأسبابها , والأفراح وأسبابها , والمفسدة: الآلام وأسبابها , والهموم وأسبابها (١)
وهو يمثل للمصالح المجازية التي هي في الأصل مفاسد , وأمر بها الشارع لما فيها من مصلحة كالقطع في حد السرقة والقتل في جرائم القتل والرجم في الزنا. فهذه مفاسد أوجبها الشارع وسنها؛ لأنه تترتب عنها مصالح , فهي مصالح مجازًا من باب تسمية السبب باسم المسبب (٢)
والشيخ ابن عاشور في كتابه (مقاصد الشريعة) يقول: المصلحة وصف للفعل يحصل به الصلاح؛ أي: النفع منه دائما أو غالبًا للجمهور أو للأفراد , وتحقيق الحد الذي نعتبر به الوصف مصلحة أو مفسدة أمر دقيق في العبارة , ولكنه ليس عسيرًا في الاعتبار والملاحظة (٣)
جلب المصالح ودرء المفاسد:
стр. 3496
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بانية أحكامها على جلب المصالح ودرء المفاسد , ذلك أنها تسعى إلى مصالح الناس ومنافعهم وفاء بمطالب الحياة البشرية الإنسانية. والناس متفقون على أن التشريع الإسلامي قائم على حكم ومقاصد لرعاية مصلحة الخلق واللطف بهم وتحسين أحوالهم والرفع من مستواهم في حياتهم هذه ثم ما يثيبهم ويجلب لهم الأجر في حياتهم الأخرى.
فكل حكم من الأحكام الشرعية التي سنتها الشريعة السمحة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحكمة ومصلحة ومنفعة دعت إلى تقرير ذلكم الحكم وتشريعه.
والفقهاء لا يختلفون في كون استنباط القواعد الشرعية وترتيب الأحكام عليها يستند في كثير من مصادره إلى البحث عن هذه الحكمة التي قصد إليها الشارع وراعاها وجعل بعض الأوامر والنواهي علاقة عليها ووسيلة للوصول إليها.
وهذا الحكم هو ما يعبر عنه بالمصلحة والبحث عن هذه المصالح واستقصائها هو ما يسمى أحيانًا بالاستصلاح؛ لأنه إذا كانت هذه المصلحة مطلقة في أحكام الشريعة فمن الخير استكشافها والبحث عنها للاستدلال بها على الحكم الشرعي وهذا ما يرمي إليه الإمام مالك ﵁ في تسميته هذا الاستصلاح بالمصلحة المرسلة.
وعلماء الأصول متفقون على اعتبار المصلحة إذا ورد دليل شرعي على اعتبارها , كما أنه لا خلاف في عدم اعتبارها إذا قام الدليل على إلغائها.
وشيخنا الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور يعتني بوصف هذا الموضوع ويصف واجب علماء المسلمين في تتبع مقاصد الشريعة والإلمام بما ترمي إليه والاستعداد لما يحدث من قضايا لا نص فيها لما أحدثه الناس من أمور فيقول:
" فمن حق العالم بالتشريع أن يخبر أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وفي أحوالها اعتمادًا ورفضًا لتكون له دستورًا يقتدى وإمامًا يحتذى , إذ ليس له مطمع عند عروض النوازل والنوائب العارضة أن يظفر لها بأصل مماثل في الشريعة المنصوصة ليقيس عليه بلا نص مقنع يفيئ إليه , فإذا عنت للأمة حاجة وهرع الناس إليه يطلبون قوله الفصل فيما يقدمون , وجدوه ذكي القلب صارم القول غير كسلان ولا متبلد (١)
стр. 3497
أقسام المصلحة
القسم الأول: المصلحة التي قام دليل على اعتبارها واعتبرها الشارع وهي في نفسها ثلاثة أقسام:
أ) مصالح ضرورية وهي التي يتوقف عليها قيام مصالح الناس في حياتهم الدينية والدنيوية وإذا اختلت لم يستقم أمر هذه الحياة , وحفظ هذه المصالح يكون بالمحافظة على الأمور الخمسة: الدين , والنفس , والعقل , والمال , والنسل.
وهذه مصالح تتولد عنها الأحكام كالحكم بتحريم كل ما يفسد العقل، مما لم يكن له وجود في عصر النبي ﵊.
ب) مصالح حاجية وهي التي يحتاجها الناس لرفع الحرج عنهم , فلو فاتت هذه المصالح لم ينخرم ولم يضطرب حبل النظام في الحياة , ولكن يحصل العنف والحرج , والدين يسر لا عسر.
ج) ومصالح تحسينية وهي التي تكون من قبيل محاسن العادات وسمو الأخلاق كالتجمل بلبس الثياب الجديدة في الأعياد والمحافل والاجتماعات وكنبذ أكل ما فيه رائحة كريهة عند غشيان المجتمعات. وهذه المصالح التحسينية لا اعتبار بها في الاستنباط.
القسم الثاني: مصالح لم يعتبرها الشارع وألغاها , إذ أقام الدليل على الغائها؛ لأنه وضع أحكامًا تدل على إهدارها ضرورة أن الشرع الإسلامي لا ينظر إلى مجرد مصلحة الفرد , بل ينظر إليها من زاوية مصالح الآخرين , أي: مصالح المجتمع بصفة عامة , فهو لا يترك الحبل على الغارب في تصرفات الأفراد ولا يهمل شأن المصالح العامة تلقاء المصالح الذاتية الفردية , وتراه من أجل المصلحة الاجتماعية ولمنفعة جماعة المسلمين يحد من بعض تصرفات الأفراد , ويضحي بالبسيط من الأمر لفائدة الهام والمهم. وهذا ما يرشد إليه قوله ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار)) فهذا الحديث لفظه خبر , والمراد منه النهي عن الإضرار بالناس ابتداء , وعن رد الفعل بمضارتهم بسبب ما وقع منهم من ضرر , فلا يجازي المسلم أخاه لإدخال الضرر عليه , وهذه قاعدة مهمة جدا , بنيت عليها كثير من الأحكام الشرعية.
стр. 3498
ومن أمثلة هذه المصالح الملغاة إبرازًا لما نحن بصدده وإيضاحًا له نذكر:
١) حقوق الجواروالكشف , فقد تعرض الفقهاء إلى أنه ليس للجار أن يستعمل حقه بحيث يترتب على هذا الاستعمال ضرر لجاره. وقد منع سحنون ﵁ صعود الصومعة إذا كان في ذلك كشف على المحلات والدور المجاورة.
وقد جاء في الحديث المتفق على صحته الذي رواه مالك في الموطأ، ورواه الإمامان البخاري ومسلم:
عن أبي هريرة , أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبته في جداره)) .
ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين , والله لأرمين بها بين أكتافكم.
يقول الإمام البغوي (١) هذا حديث متفق على صحته , أخرجه محمد بن عبد الله بن مسلمة , وأخرجه مسلم عن يحيى , كلاهما عن مالك. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قالوا: إذا بنى الرجل بناء , فاحتاج فيه إلى أن يضع رأس الخشب على جدار الجار , فليس للجار منعه , وإليه ذهب الشافعي في القديم , وهو قول أحمد.
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يجبر الجار عليه , والخبر محمول على الندب والاستحباب وحسن الجوار وهو قول مالك وأصحاب الرأي وعامة أهل العلم وقول الشافعي في الجديد. اهـ.
وعلى هذا الرأي الأخير العمل لدى القوانين الوضعية، ومنها القانون التونسي.
ومن مظاهر ذلك حرمة الطريق وعدم الاعتداء عليه وعدم حيازته وفي قضاء فقهاء المسلمين ما يوضح ذلك:
стр. 3499
اختلف رجلان جاران في أمر , وهو أن أحدهما أحدث "دكانة" بالطريق لصق باب داره ليجلس عليها مع أصحابه يتحدثون ويتسامرون , فتعرض له جاره , وطلب منه إزالتها , إذ لا حق له في إشغال الطريق بهذه الدكانة , ولما احتد الخلاف بينهما , اتفقا على رفع أمرهما إلى قاضي القيروان حماس بن مروان الهمذاني (١) قاضي الجماعة في عهد الأمير زيادة الله الأغلبي , وقصداه وعثرا عليه في الطريق حاملًا لجرة ماء , فاستوقفاه وأشعراه بأنهما يريدانه لأمر بينهما , وطلبا منه أن يسمع منهما , فرحب بذلك , وأمرهما ببسط ما يتشاجران فيه , ثم وضع جرة الماء على ركبته , وتهيأ للسماع , فطلبا منه أن يستريح وأن يضع الجرة على الأرض , فقال: إن الطريق جعل للمارة , ومن حقي أن أمر منه , وليس من حقي أن أشغله بجرتي , وإن فعلت أكن قد تجاوزت حقي , وألحقت الضرر بالناس , وهذا لا يجوز.
فوليا عنه شاكرين قائلين: إنك قضيت بيننا , ولو أنك لم تسمع مقالتنا. وذهبا لحالهما , وأزال صاحب الدكانة دكانته , ورجع إلى الحق , وعدل عن تجاوزه.
٣) ويندرج تحت هذا حرمة المساكن؛ لأنها ملك للغير , لا يجوز للناس حتى دخولها بدون موافقة أربابها.
٤) الحجر على فاقدي الأهلية والسفهاء.
٥) حق الشفعة.
٦) الانتحار فهو ممنوع مطلقًا وقد تكون فيه مصلحة ومنفعة , كأن يكون مريضًا يعاني من الآلام من جراء مرض ميؤوس من شفائه , وهذا يحدث الآن في غير بلاد الإسلام , وقد يقتل المريض شفقة عليه.
٧) مصلحة الجبان في عدم خوض المعركة والهروب من الميدان أو الاستسلام للعدو وذلك محافظة على نفسه وهذه ألغاها الشارع طالبًا بذل النفس في سبيل عزة كلمة الله.
стр. 3500
٨) لا يمكن الحكم بقطع أصبع شاهد الزور , وإن كانت المصلحة ظاهرة , منعًا له من التمادي في الباطل وزجرًا أو ردعًا لغيره , لكن الشارع ألغى هذه المصلحة وردها؛ لأن التشريع الإسلامي قرر حفظ النفوس والأبدان إلا بحدود جاءت بها أحكام هذا التشريع.
٩) جاء في رسائل الإصلاح للعلامة المرحرم الشيخ محمد الخضر حسين أن الشارع لا يلغي مصلحة إلا إذا عارضتها مصلحة أرجح منها.
ومن هنا نلاحظ العناية الفائقة باحترام النصوص وبحسن تطبيقها وعدم مسايرة المصالح العارضة لإهمال هذا التطبيق الحازم وظاهر أن حسن تطبيق النص أفضل من جهة المصلحة وأعمق أثرًا وأكثر خيرًا من احترام بعض الاستثناءات العارضة وخرق النص من أجلها.
وهذا ما يحدث الآن لبعض رجالات القضاء عند تطبيق النصوص الجامدة الجافة التي لم تترك فرصة للقاضي بأن يفسرها أو يؤولها لفائدة بعض المصالح الظاهرة الواضحة التي قد تهدر عند تطبيق النص واحترام حرفيته.
فالخصم الذي يطرق باب الاستئناف مثلًا بعد مضى الأجل يوجب النص على القاضي رفض مطلبه شكلًا ومنعه من الدخول في تفاصيل القضية وسبر أغوارها؛ لأن باب الاستئناف لم يفتح في وجهه بسبب شكلي. جاء القانون الحازم قاضيًا باحترامه وعدم إلغائه.
فإذا اطلع القاضي رغم ذلك على ما يحويه الملف واتضح له حصول غلط في القضاء الابتدائي , فهل يسوغ له لمصلحة إصلاح هذا الغلط وإنصاف هذا الخصم المتظلم الذي تهاون في طلب الاستئناف في أجله أن يفتح الباب وأن يقبل عنه الاستئناف رغم النص الحازم الشديد القاضي بالرفض تقديمًا للمصلحة على المفسدة.
الجواب بالنفي طبعًا؛ لأنه من الخير للناس أن تحترم النصوص وأن تطبق تطبيقًا سليما من أن تتلاعب بها الأهواء , وقد يكون هذا القاضى المحاول للإصلاح والتدارك هو المخطئ في نظرته , والأول هو المصيب.
ومن هنا جاء تمسك الفقهاء من المسلمين بحرمة النص ورعايته وعدم اللجوء إلى الاجتهاد مطلقًا في فهمه وتأويله متى كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة واضح المقصود.
стр. 3501
من ذلك مثلًا ما أفتى به بعضهم لبعض السائلين الأثرياء من أن كفارة جماع الزوجة في رمضان هي الصيام دون غيره. ولما قيل له في ذلك , قال: إن مثل هذا الثري يمكنه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة , ولكن الواجب حمله على أصعب الأمور. قال الشاطبي: هذا مخالف للإجماع (١)
وهو قبل ذلك مخالف للنص. والفتوى لا تجوز بما لم يأت به نص.
١٠) المثال العاشر إلغاء الشارع مصلحة صاحب المال في إنماء ثروته بالربا.
١١) حرمان بعض الأزواج من إرجاع مطلقاتهم في بعض الصور.
والأمثلة كثيرة لا تدخل تحت حصر , وما قدمناه منها يوضح ما قصدنا إليه.
القسم الثالث: مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها ولا على إلغائها , وأرسلها الشارع فلم يقيدها , من أرسل الشيء؛ إذا أطلقه , وهذا المسلك في التشريع وابتناء الأحكام عليه هو من محاسن الشريعة الإسلامية السمحة.
اختلاف الفقهاء في تعريف هذه المصلحة:
يعرفها بعضهم بأنها هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها وإنما سميت مرسلة؛ لأن الشارع أرسلها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء. وذهب الإمام مالك ﵁ إلى اعتبار هذه المصلحة كنظائرها عند تحققها.
ويلاحظ آخر بأن المراد أن أمر تقدير المصلحة موكول للاجتهاد والرأي دون اعتبار الشارع لها أو عدم اعتباره.
ويلاحظ ثالث أن المراد ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يحدث من القضايا ويستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه وأن تقيد بالمصالح والمقاصد والأهداف التي يرمي الشارع إليها.
والاختلاف في الأخذ بها:
كل المذاهب تأخذ بالمصلحة وكلها تستند إليها بقلة أو كثرة , وللمالكية القدح المعلى.
стр. 3502
يقول شيخنا المنعم محمد العربى الماجري ﵀ في دراسة له قيمة نشرها بمجلة جوهر الإسلام عدد١- ٢ سنة أولى ١٣٨٨ /١٩٨٦.
: قد رأينا أن العمل بالمصلحة قد ترجح بكثرة دلائله , فعمل بها في سائر المذاهب مع الاختلاف في القدر , فيكون القول بالنعم غير بين , لهذا تصدى شهاب الدين القرافي لبيان هذا السر , وإليك زبدته:
إن السر في ذلك الإعراض عن تقرير هذا الأصل تقريرًا صريحًا واضحًا في ابتناء الأحكام عليه مع اعتبارهم له في الواقع , هو الخوف من استناد أئمة الجور عليه , وجعله حجة يصلون بها إلى تحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم في دماء المسلمين وأموالهم.
لذا أرجعوا جميع الأحكام إلى النصوص ولو بأقيسة خفية وبناء على هذا يكون عدم نسبته للقائل به الخوف من طلب الإفتاء منه على وفقه عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.
يقول الشيخ الماجري: ورأيي أن هذا التوجيه بعيد , إذ تواطأ جمهرة العلماء على إهدار هذا الأصل وعدم العمل به لتوهم ذلك الاستغلال مع ما في هذا الأصل من التبسط في ابتناء الأحكام عليه بطريق ميسور , وكيف يصح ما قالوا , والغزالي من رجال الطبقة الثانية في التأليف في الصناعة الأصولية بعد الإمام الشافعي وقد بسطه مع وضوح وسلامة في التعبير يعسر الظفر بمثيل له , فالظاهر أن السر هو تمسك السلف بالاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع والقياس والبعد عن الاعتماد على الرأي , ألا ترى ابن حزم لهذا السبب أعرض حتى عن القياس , وقد توسم في كتابه الإحكام في إبطاله بما يساوي جزءًا خاصا. وقال في الإحكام ما مجمله: إن الاستصلاح والاستحسان والرأي لا يجوز الاستناد عليها. انتهى كلام الشيخ الماجري.
يقول شيخنا الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ص ٤٧:
وبعضهم نفى الاعتماد على القياس وعلى المصلحة (الظاهرية) وهم يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكم وهو موقف خطير يخشى على المتردد فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار. انتهى.
стр. 3503
والعلماء فيما يظهر ينقسمون في شأن هذه المصالح التي يمتطونها للوصول إلى أهدافهم , ومنها الانتزاع , الموضوع الضيق لدراستنا , ينقسمون إلى عدة شعب:
أ) نفي الاستصلاح والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.
ب) جواز اتباع وجوه الاستصلاح إذا لم يكن هناك نص من كتاب أو سنة أو إجماع يصادمه.
ج) التمسك بالمعنى وإن لم يكن فيه نص على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.
د) نظرية الطوفي التي تعتمد أن المصلحة هي مقصود الشارع ومن ثم فهي أقوى أدلته وأخصها وإذا عارض النص أو الإجماع المصلحة , فإنها تقدم , هذا في المعاملات , لا في العبادات.
ومن المعلوم المتفق عليه أن المجتهد الذي تعرض له قضية ينظر عند البحث عن حل لها وجواب مقنع للسائل عنها من الكتاب والسنة , فإن لم يجد فيها , فزع إلى إعمال الرأي , وأقوى دعائمه القياس. وهذا ما أشار إليه الحديث المشهور حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد وهو ((أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه قاضيًا على اليمن قال له: كيف تقضى إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
فضرب رسول الله ﷺ على صدر معاذ , وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)) (١) والمراد بقول معاذ ﵁: أجتهد رأيي. القياس طبعًا؛ لأن معنى أجتهد: أبذل الجهد في معرفة الحكم بالقياس على النصوص الواردة بالكتاب العزيز أو بالسنة الكريمة , وليس المراد به الرأي الذي يلوح به من قبل نفسه أو يخطر بباله ولا يستند إلى أصل منها , إذ لا بد أن يكون اجتهاد الرأي مرده إلى أصل من الدين وإلا كان رأيًا مرسلًا. لا مستند له , والرأي المرسل لا عبرة ولا اعتداد به في الأحكام الشرعية.
стр. 3504
ونلاحظ أن في هذا الحديث ما يرشد إلى تشريع الامتحان بل المناظرة لانتخاب القاضي من بين المترشحين حفظًا لهذه الخطة وصونًا لها ورعاية لمصالح الناس وحقوقهم من أن يسند النظر فيها إلى غير الأكفاء.
ونلاحظ أن وجود القياس واعتباره كمصدر من مصادر التشريع عند غالب المذاهب وإن خالف فيه بعضهم كابن مسعود وبعض أهل الظاهر , فهو من أبرز الأدلة على سمو التشريع الإسلامي وسماحته ويسره وملاءمته لكل العصور , ذلك أن أحكام المعاملات تتغير بتغير الأحوال , فلزم الالتجاء إلى القياس , ومن ثم مراعاة مصالح الناس. قال سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور.
والشريعة الإسلامية في مجموع أحكامها وعامة عناصرها وكافة أسسها إنما هي معقولة المعنى واضحة الغاية جلية الإدراك وهي تشرح أسباب الأحكام وتعلل التحريم والإباحة والندب والترغيب ثم هي تعتمد قواعد جامعة , لها أصل من الكتاب والسنة وتعتمد لكل باب من أبواب الفقه أصولًا عامة يمكن إرجاعها إليها.
وهذا ما اعتمده الفقهاء وقرروا إخضاع المسائل المعروضة عليهم إلى تلك الأصول وقياسها عليها ولو لم يكن فيها نص سابق نظرًا لاتحاد علة الحكم وتشابه أوجه الأمر وفي ذلك يسر لا يضارعه أي يسر.
فإذا اهتدى الفقهاء إلى وصف مناسب في فعل منصوص على حكمه أمكن لهم القياس فيما يجد ويحدث من الأحداث وهي تنزل كل يوم بل كل ساعة , والمشاكل تطرح نفسها , وأصحابها يطالبون بالحلول.
فإذا حدث فعل ولم يوجد له نظير نص عليه ويمكن القياس عليه أي بالتعبير العصري إذا طرحت مشكلة لم يسبق فقه قضائي نظري أو حكمي فيها , فما هو العمل؟
فهل نحكم هنا باعتبار ما يترتب من جلب منفعة أو دفع ورد مضرة , أي برعاية المصلحة المطلقة المرسلة التي لا تتقيد رعايتها فيما جد من الأعمال بنظير سابق منصوص عليه وعلى حكمه أو بوجود وصف في الفعل المحكوم عليه سبق أن شهد الشارع باعتباره؟
стр. 3505
هذا هو مناط البحث بين الفقهاء , فالعمل بالمصلحة المرسلة يفيد تعليل الأحكام في الأفعال التي لم ينص على حكمها بالمصالح المشروعة المترتب عليها أو بضوابط ومعايير اجتهادية , هي أوصاف مناسبة مرسلة في الأفعال المحكوم عليها لم يشهد الشارع بإلغائها كما أنه لم يشهد باعتبارها بأي وجه من الوجوه.
يقول شيخنا الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة: (١)
"لا شبهة في صحة الإسناد إلى المصالح المرسلة لأنا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع مجزئ ثابت حكمه في الشريعة والمماثلة بينهما في المصلحة المستنبطة وهي مصلحة جزئية ظنية غالبًا لقلة صور العلة المنصوصة. فلأن نقول بقياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعلم لها حكم في الأثر على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة استقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي.
أمثلة:
ولنذكر أمثلة عامة باختصار للأخذ بقاعدة هذه المصالح تمهيدًا لما نحن بصدد دراسته وبحثه وتحقيقه بصفة عامة شاملة.
١) لا شك ولا خلاف أن الشارع متشوف لإثبات الأنساب وللمحافظة عليها , ولذا جاءت شهادة الشهود في عقود الأنكحة وأخذت بذلك التراتيب الإدارية الوضعية , فقانون الحالة المدنية يشترط شهادة شاهدين يحضران العقد ويصرحان بخلو الزوجين من الموانع الشرعية. ومما لا شك فيه ولا ريب أن شهادة الزور انتشرت وتفشى عدم التحري والجري وراء العواطف السطحية على حساب الأخلاق والأنساب مما تكفي الإشارة إليه بلا إطناب.