من ذلك مثلًا ما أفتى به بعضهم لبعض السائلين الأثرياء من أن كفارة جماع الزوجة في رمضان هي الصيام دون غيره. ولما قيل له في ذلك , قال: إن مثل هذا الثري يمكنه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة , ولكن الواجب حمله على أصعب الأمور. قال الشاطبي: هذا مخالف للإجماع (١)
وهو قبل ذلك مخالف للنص. والفتوى لا تجوز بما لم يأت به نص.
١٠) المثال العاشر إلغاء الشارع مصلحة صاحب المال في إنماء ثروته بالربا.
١١) حرمان بعض الأزواج من إرجاع مطلقاتهم في بعض الصور.
والأمثلة كثيرة لا تدخل تحت حصر , وما قدمناه منها يوضح ما قصدنا إليه.
القسم الثالث: مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها ولا على إلغائها , وأرسلها الشارع فلم يقيدها , من أرسل الشيء؛ إذا أطلقه , وهذا المسلك في التشريع وابتناء الأحكام عليه هو من محاسن الشريعة الإسلامية السمحة.
اختلاف الفقهاء في تعريف هذه المصلحة:
يعرفها بعضهم بأنها هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها وإنما سميت مرسلة؛ لأن الشارع أرسلها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء. وذهب الإمام مالك ﵁ إلى اعتبار هذه المصلحة كنظائرها عند تحققها.
ويلاحظ آخر بأن المراد أن أمر تقدير المصلحة موكول للاجتهاد والرأي دون اعتبار الشارع لها أو عدم اعتباره.
ويلاحظ ثالث أن المراد ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يحدث من القضايا ويستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه وأن تقيد بالمصالح والمقاصد والأهداف التي يرمي الشارع إليها.
والاختلاف في الأخذ بها:
كل المذاهب تأخذ بالمصلحة وكلها تستند إليها بقلة أو كثرة , وللمالكية القدح المعلى.
стр. 3502
يقول شيخنا المنعم محمد العربى الماجري ﵀ في دراسة له قيمة نشرها بمجلة جوهر الإسلام عدد١- ٢ سنة أولى ١٣٨٨ /١٩٨٦.
: قد رأينا أن العمل بالمصلحة قد ترجح بكثرة دلائله , فعمل بها في سائر المذاهب مع الاختلاف في القدر , فيكون القول بالنعم غير بين , لهذا تصدى شهاب الدين القرافي لبيان هذا السر , وإليك زبدته:
إن السر في ذلك الإعراض عن تقرير هذا الأصل تقريرًا صريحًا واضحًا في ابتناء الأحكام عليه مع اعتبارهم له في الواقع , هو الخوف من استناد أئمة الجور عليه , وجعله حجة يصلون بها إلى تحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم في دماء المسلمين وأموالهم.
لذا أرجعوا جميع الأحكام إلى النصوص ولو بأقيسة خفية وبناء على هذا يكون عدم نسبته للقائل به الخوف من طلب الإفتاء منه على وفقه عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.
يقول الشيخ الماجري: ورأيي أن هذا التوجيه بعيد , إذ تواطأ جمهرة العلماء على إهدار هذا الأصل وعدم العمل به لتوهم ذلك الاستغلال مع ما في هذا الأصل من التبسط في ابتناء الأحكام عليه بطريق ميسور , وكيف يصح ما قالوا , والغزالي من رجال الطبقة الثانية في التأليف في الصناعة الأصولية بعد الإمام الشافعي وقد بسطه مع وضوح وسلامة في التعبير يعسر الظفر بمثيل له , فالظاهر أن السر هو تمسك السلف بالاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع والقياس والبعد عن الاعتماد على الرأي , ألا ترى ابن حزم لهذا السبب أعرض حتى عن القياس , وقد توسم في كتابه الإحكام في إبطاله بما يساوي جزءًا خاصا. وقال في الإحكام ما مجمله: إن الاستصلاح والاستحسان والرأي لا يجوز الاستناد عليها. انتهى كلام الشيخ الماجري.
يقول شيخنا الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ص ٤٧:
وبعضهم نفى الاعتماد على القياس وعلى المصلحة (الظاهرية) وهم يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكم وهو موقف خطير يخشى على المتردد فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار. انتهى.
стр. 3503
والعلماء فيما يظهر ينقسمون في شأن هذه المصالح التي يمتطونها للوصول إلى أهدافهم , ومنها الانتزاع , الموضوع الضيق لدراستنا , ينقسمون إلى عدة شعب:
أ) نفي الاستصلاح والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.
ب) جواز اتباع وجوه الاستصلاح إذا لم يكن هناك نص من كتاب أو سنة أو إجماع يصادمه.
ج) التمسك بالمعنى وإن لم يكن فيه نص على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.
د) نظرية الطوفي التي تعتمد أن المصلحة هي مقصود الشارع ومن ثم فهي أقوى أدلته وأخصها وإذا عارض النص أو الإجماع المصلحة , فإنها تقدم , هذا في المعاملات , لا في العبادات.
ومن المعلوم المتفق عليه أن المجتهد الذي تعرض له قضية ينظر عند البحث عن حل لها وجواب مقنع للسائل عنها من الكتاب والسنة , فإن لم يجد فيها , فزع إلى إعمال الرأي , وأقوى دعائمه القياس. وهذا ما أشار إليه الحديث المشهور حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد وهو ((أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه قاضيًا على اليمن قال له: كيف تقضى إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
فضرب رسول الله ﷺ على صدر معاذ , وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)) (١) والمراد بقول معاذ ﵁: أجتهد رأيي. القياس طبعًا؛ لأن معنى أجتهد: أبذل الجهد في معرفة الحكم بالقياس على النصوص الواردة بالكتاب العزيز أو بالسنة الكريمة , وليس المراد به الرأي الذي يلوح به من قبل نفسه أو يخطر بباله ولا يستند إلى أصل منها , إذ لا بد أن يكون اجتهاد الرأي مرده إلى أصل من الدين وإلا كان رأيًا مرسلًا. لا مستند له , والرأي المرسل لا عبرة ولا اعتداد به في الأحكام الشرعية.
стр. 3504
ونلاحظ أن في هذا الحديث ما يرشد إلى تشريع الامتحان بل المناظرة لانتخاب القاضي من بين المترشحين حفظًا لهذه الخطة وصونًا لها ورعاية لمصالح الناس وحقوقهم من أن يسند النظر فيها إلى غير الأكفاء.
ونلاحظ أن وجود القياس واعتباره كمصدر من مصادر التشريع عند غالب المذاهب وإن خالف فيه بعضهم كابن مسعود وبعض أهل الظاهر , فهو من أبرز الأدلة على سمو التشريع الإسلامي وسماحته ويسره وملاءمته لكل العصور , ذلك أن أحكام المعاملات تتغير بتغير الأحوال , فلزم الالتجاء إلى القياس , ومن ثم مراعاة مصالح الناس. قال سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور.
والشريعة الإسلامية في مجموع أحكامها وعامة عناصرها وكافة أسسها إنما هي معقولة المعنى واضحة الغاية جلية الإدراك وهي تشرح أسباب الأحكام وتعلل التحريم والإباحة والندب والترغيب ثم هي تعتمد قواعد جامعة , لها أصل من الكتاب والسنة وتعتمد لكل باب من أبواب الفقه أصولًا عامة يمكن إرجاعها إليها.
وهذا ما اعتمده الفقهاء وقرروا إخضاع المسائل المعروضة عليهم إلى تلك الأصول وقياسها عليها ولو لم يكن فيها نص سابق نظرًا لاتحاد علة الحكم وتشابه أوجه الأمر وفي ذلك يسر لا يضارعه أي يسر.
فإذا اهتدى الفقهاء إلى وصف مناسب في فعل منصوص على حكمه أمكن لهم القياس فيما يجد ويحدث من الأحداث وهي تنزل كل يوم بل كل ساعة , والمشاكل تطرح نفسها , وأصحابها يطالبون بالحلول.
فإذا حدث فعل ولم يوجد له نظير نص عليه ويمكن القياس عليه أي بالتعبير العصري إذا طرحت مشكلة لم يسبق فقه قضائي نظري أو حكمي فيها , فما هو العمل؟
فهل نحكم هنا باعتبار ما يترتب من جلب منفعة أو دفع ورد مضرة , أي برعاية المصلحة المطلقة المرسلة التي لا تتقيد رعايتها فيما جد من الأعمال بنظير سابق منصوص عليه وعلى حكمه أو بوجود وصف في الفعل المحكوم عليه سبق أن شهد الشارع باعتباره؟
стр. 3505
هذا هو مناط البحث بين الفقهاء , فالعمل بالمصلحة المرسلة يفيد تعليل الأحكام في الأفعال التي لم ينص على حكمها بالمصالح المشروعة المترتب عليها أو بضوابط ومعايير اجتهادية , هي أوصاف مناسبة مرسلة في الأفعال المحكوم عليها لم يشهد الشارع بإلغائها كما أنه لم يشهد باعتبارها بأي وجه من الوجوه.
يقول شيخنا الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة: (١)
"لا شبهة في صحة الإسناد إلى المصالح المرسلة لأنا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع مجزئ ثابت حكمه في الشريعة والمماثلة بينهما في المصلحة المستنبطة وهي مصلحة جزئية ظنية غالبًا لقلة صور العلة المنصوصة. فلأن نقول بقياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعلم لها حكم في الأثر على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة استقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي.
أمثلة:
ولنذكر أمثلة عامة باختصار للأخذ بقاعدة هذه المصالح تمهيدًا لما نحن بصدد دراسته وبحثه وتحقيقه بصفة عامة شاملة.
١) لا شك ولا خلاف أن الشارع متشوف لإثبات الأنساب وللمحافظة عليها , ولذا جاءت شهادة الشهود في عقود الأنكحة وأخذت بذلك التراتيب الإدارية الوضعية , فقانون الحالة المدنية يشترط شهادة شاهدين يحضران العقد ويصرحان بخلو الزوجين من الموانع الشرعية. ومما لا شك فيه ولا ريب أن شهادة الزور انتشرت وتفشى عدم التحري والجري وراء العواطف السطحية على حساب الأخلاق والأنساب مما تكفي الإشارة إليه بلا إطناب.
стр. 3506
وحينئذ فالواجب يقتضي تسجيل عقود النكاح وإثباتها إثباتًا منظما محافظة على الأسرة والأنساب , والمصلحة تدعو إلى هذا , وهي مصلحة مطلقة مرسلة راعاها الشارع من جهة حثه على المحافظة والعناية بالإنسان والنسل , ولا يمكن بحال أن نترك الحبل على الغارب , فلا نأمر بتسجيل عقود الأنكحة , ولا ننهى عن العقود العرفية بعلة أنه ليس هناك نص , وأنه ليس هناك فعل مماثل منصوص عليه وعلى حكمه نقيس عليه , خاصة إذا كنا أمام الواقع وأمام قوانين الحالة المدنية العصرية التي توجب تسجيل عقود الزواج ولا تعترف بغيرها من العقود المدعى وقوعها على العرف والعادة فالتشريع الإسلامي والفقه المنبثق عنه سباق للأخذ بما فيه مصلحة وخير ومنفعة , لا أن يقف في سبيل ذلك.
٢) وهذا أيضًا يقال في عقود البيع وخاصة عقود بيع العقار.
فالشارع يدعو إلى المحافظة على المال وينهى عن أكل أموال الناس بالباطل ويحرض الناس على الإصداع بالحق وعدم كتم الشهادة ويحرضهم على الإشهاد في تعاملهم المدني في آية التداين اجتنابًا لكل الخصومات وبعدًا عن الخلافات والمشاجرات والنزاعات.
وهذه الآية الكريمة التي هي دستور وسائل الإثبات ومصدر التشريع في موضوعها جاءت آمرة بالإثبات.
فحمل الناس حينئذ على تسجيل عقودهم حفظًا على مصلحة شرعية من غير قياس على فعل مماثل أو إلزامهم بذلك لوجود وصف مناسب يترتب على ربط الإلزام به تحقيق مصلحة شرعية هو من باب مصالح الخلق ورعاية منافعهم واتباع مقاصد الشريعة , وفي كل ذلك عمل بالمصلحة وأخذ بها.
٣) وهناك مثال آخر فرضته الظروف وجاءت القضايا النازلة والحوادث الواقعة ثم التراتيب المعاصرة المعمول بها في كافة البلدان وهو موضوع تسجيل العقار باسم صاحبه حفظًا له وصونًا من كل نوائب الدهر.
стр. 3507
هذا الموضوع الذي كنا أشرنا إليه إشارة عابرة هو من أجل وأعظم المنافع التي تهم الأملاك العقارية , فالقوانين الآن تفرض تسجيل العقار وترسيمه بالسجل العقاري وتجعل حقوق المالكين غير معتبرة بالنسبة لغير المتعاقدين.
فإذا باع أحدهم عقارًا لشخص , وهذا أهمل ترسيمه بالسجل العقاري , وحدث أن باعه صاحبه مرة أخرى , فالمشتري الجديد إذا رسم شراءه , كان هو المالك , وضاع حق المشتري الأول ولم يبق له إلا الرجوع على صاحبه البائع له , أما العقار فهو لمن سجله ورسمه.
وطبيعي أن يعتبر هذ الإجراء السليم المطهر للعقار خاضعًا للمصلحة مطبقًا لمقصد الشريعة السمحة (١) .
стр. 3508
اختلاف المذاهب
في الأخذ بهذه المصلحة
العلماء والأئمة والفقهاء متفقون على أن أمور العبادة لا يعتد فيها إلا بالنص.
يقول الشاطبي (١) إن الشارع لم يكل شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد , فلم يبق إلا الوقوف عند حده , والزيادة عليه بدعة , كما أن النقصان منه بدعة. اهـ
وسبق أن قلنا: إن التشريع الإسلامي كان ثابتًا في ميدان العقيدة وأمور العبادة وأصول الأخلاق وما إلى ذلك , وحصل شبه الاتفاق على الاقتصار على النص في هذه المسائل.
وهو متطور في ميادين المعاملات المدنية والاجتماعية والتجارية بالأخص في كل ما يمس حياة التعامل بين الناس في معاشهم وحياتهم اليومية.
وفي المعاملات اختلف العلماء في اعتبار المصلحة , أخذ بها قوم , وذهب آخرون إلى عدم الاعتداد بها , ونشأ بسبب هذا الاختلاف أو الخلاف تأثير على الفروع الفقهية بين المذاهب.
الرأي الأول: الذي يذهب إلى جواز العمل بالمصالح المرسلة وهو رأي مالك بن أنس ﵁ يقول أبو الحسن علي الآمدي: قد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك بالمصلحة المرسلة , وهي الحق , إلا ما نقل عن مالك أنه يقول بها مع إنكار أصحابه ذلك عليه , ولعل النقل إن صح عنه , فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة , بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية القطعية , ومثل لذلك , كما إذا تترس الكفار في الحرب بأسرى المسلمين. وقد رد على الآمدي شيخنا المنعم محمد العربي الماجري في دراسة له منشورة بمجلة جوهر الإسلام التونسية لصاحبها المغفور له العلامة الحبيب المستاوي قائلًا: ادعاء الآمدي أنه لم يقل بالمصلحة المرسلة فقهاء الشافعية والحنفية وغيرهم فهو ينفيها عما عدا مالك , والواقع خلافه , إذ ما من مذهب إلا وفيه من يقول بها , وهو يدعي أن الفقهاء المالكية ردوا على إمامهم , ولم يذكر لنا ولو واحدًا منهم , وهو الواقع. والواقع أن عدة شبه نسبت لمالك وهو منها بريء.
ققالوا: إنه قال: يقتل الثلث لإصلاح الثلثين. وهذا لا أصل له. أنكر ذلك الشهاب القرافى والتاودي وغيرهم , ونسبوا إليه قطع العضو في التعزير , ولا أصل له في المذهب , ونسبوا إليه: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور , وهو غلط , فالنص نقله مالك نقلًا , ونسبه الزقاق والتاودي في شرحه للزقاقية لعمر بن عبد العزيز ﵁. .
стр. 3509
يشترط لذلك ثلاثة شروط:
أ) أن تكون متفقة مع مقاصد الشرع ولا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته.
ب) أن تكون معقولة في ذاتها تتلقاها العقول بالقبول متى عرضت عليها.
ج) أن يكون في الأخذ بها حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨] .
ثم إن مالكًا ﵁ يستدل على هذا الجواز بأكثر من دليل:
١) إن التشريع الإسلامي عودنا بأنه بني وأسس على المصالح مع إيضاحها أحيانًا وتبيانها وتسهيل فهمها على الناس.
قال الله :
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الآية ٦ من سورة المائدة] .
فالقرآن يعلل سبب الدعوة والأمر بالوضوء بوجود مصلحة عامة هي التطهر. وهو يدعو الناس لإقامة الصلاة والمحافظة عليها؛ لأن في ذلك مصلحة عامة وكبيرة بينها وشرحها في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ . [العنكبوت الآية ٤٥] .
٢) إن في الأخذ بالمصالح دليلا على اتباع منهاج التشريع الإسلامي وهو المرونة واليسر والسهولة والاحتياط.
стр. 3510
فالناس تختلف مصالحهم الدنيوية ومعاملاتهم المدنية وتتغير بتغير الزمان ولا يمكن حصرها ولا سبيل إلى تقصيها وفرض وضبط أحكام جامعة لها، ولا يمكن حينئذ الوقوف عند الحوادث التي حدثت في عهد التنزيل وفي صدر الإسلام , إذ من شأن هذا تضييق المحيط التشريعي والحيلولة بين الناس والتفكير في تيسير سبل معاشهم والتماس أفضل الوسائل توصلًا إلى الأغراض الشريفة والمصالح النافعة في حياتهم الدنيوية هذه.
ومن شأن هذا التضييق إلحاق المضرة بالناس وبمصالحهم وبسير دواليب المجتمع بصفة عامة , والدين يسر لا عسر.
فكان من الواجب ومن اللازم التوسع في استنباط الأحكام وابتنائها اعتمادًا على مقاصد الشريعة الإسلامية وشواهدها الجامعة المرشدة والدالة على الطريق بما وضعته من منارات توضح السير ويجب عدم الوقوف عند الجزئيات الفردية الحوادث الخاصة والشواهد المفردة.
وهذا بدون شك ولا ريب ضرب من محاسن هذه الشريعة السمحة ومن أسباب مرونتها وتطورها وصلاحيتها لكل زمان ومكان ولكافة شرائح المجتمع أي مجتمع.
٣) إن علماء الأصول يجعلون الركن المهم في القياس هو العلة وما بني عليه الحكم في الأصل وتحقق في الفرع.
فالفقيه يعلل الأحكام بأوصاف في الأفعال المحكوم عليها مناسبة تلك الأحكام.
والمجتهد إذا وجد العلة التي بني عليها الحكم في الأصل متحققة أمر لم يرد فيه نص لزم بطريق القياس أن يكون الحكم في هذا الفرع مماثلًا للأصل الوارد فيه نص , ومن هنا جاء ما يعرف بتوليد الأحكام بطريق القياس.
فالخمر نص على حكمه بالحرمة لعلة الإسكار، ونبيذ الشعير أو التمر المسكر فرع لم ينص على حكمه , فإذا وجدت العلة التي بني عليها الحكم في الأصل متحققة في الفرع , لزم بطريق القياس أن يكون الحكم في الفرع مثله كالأصل.
فقد ورد في الحديث المتفق على صحته الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه , فإن ذلك يحزنه)) وعلة ذلك لئلا يقع في نفسه الشك بأنهما يتناجيان ضده أو يبديان رأيا فيه أو لا يثقان في أمانته وحفظه للسر.
стр. 3511
فهذا أصل يقاس عليه حرمة الكلام ومنعه بين اثنين بلغة لا يفهمها ثالثهما متى كانا يحسنانها طبعًا.
فالصلة قد وجدت وتحققت في فرع لم ينص عليه , فيحكم فيه بمثل حكم الأصل.
وقد صح عن عائشة ﵂: ((إنا كنا أزواج النبي ﵊ عنده , فأقبلت فاطمة ﵂ , فلما رآها رحب بها ثم سارها)) . أخرجه البخاري. يقول البغوي: ففيه دليل على أن المسارة في الجمع حيث لا ريبة ولا شك جائزة، والله أعلم. ج ٣ ص ٩١.
ومن المعلوم أن القياس أصل هام من أصول التشريع يقول بعض علماء الأصول: نظير الحق حق , ونظير الباطل باطل , وهو معمول به من طرف الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بصفة عامة.
وقد أنكره إبراهيم النظام المعتزلي (٢٢١هـ) وداود الظاهري (٢٧٠ هـ) وحاربه ابن حزم (٤٥٦ هـ) وبالغ في إنكاره , وألف رسالة سماها" إبطال القياس". وتبعا للقياس يلاحظ أن الشارع أثر عنه تعليل الأحكام بالمصالح المترتبة عنها.
وإذا صح القياس بناء على تعليل الأحكام من طرف الشارع بالأوصاف المناسبة كما شرحنا سابقًا وجب تبعًا لذلك أن يصح اعتبار المصلحة المطلقة والمرسلة؛ لأن الشارع علل كثيرًا من الأحكام بالمصالح الناجمة عنها.
وهذه أمثلة لما ذكرنا:
أ) علل وجوب الوضوء بالطهارة , وعلل وجوب الصلاة بما يترتب على حسن أدائها من البعد عن الشرور والآثام.
ب) وعلل النهي عن شرب الخمر ولعب الميسر باتقاء المضار المترتبة عليها.
قال :
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] .
стр. 3512
ج) وعلل قسمة الفيء على ذوي الحاجة وعدم قسمته كما تقسم الغنائم بحسن توزيع الثروات وعدم تجمعها في يد واحدة وعدم تكون الطبقات بعيدة المستوى.
قال جل من قائل:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١)
ومن أمثلة ذلك في السنة قوله ﵊ للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة لم يشاهدها ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) . فعلة النظر واضحة جلية يمكن القياس عليها متى وجدت هذه العلة ولم يؤثر النص.
٤) ونجد الشارع يدعو دومًا إلى المحافظة على النفس والمال والنسب والعقل , والمجتهدون يقيسون بناء على ذلك عدة أمور وجدت فيها الأوصاف التي علل بها الشارع بأوصاف مشابهة.
ومثال ذلك تحريم المخدرات بناء وقياسًا على تحريم الخمر لجامع فقد العقل وعدم المحافظة عليه.
وحينئذ فالمجتهد عندما يراعي المصلحة في حادثة ما لا يعدو في الواقع أن يكون قد قاس على الأعمال التي أقرها وارتضاها الشارع لتحقيق هذه المصالح بناء على تعليل الأحكام بالمصلحة المترتبة عليها حين تعذر تعليلها بأوصاف مناسبة في أفعال منصوص على حكمها.
ونرتب على ذلك أن الشارع قرر أحكامًا وعللها بالمحافظة على النسل والمال , فنقول: إن المصلحة تدعو إلى تسجيل عقود الزواج , وفي ذلك حفظ للأنساب والنسل , لا شك فيه , وخاصة في زمن أصبح فيه ضمير الشاهد يشترى بالمال , والمصلحة كذلك , تدعو لتسجيل عقود بيع العقارات؛ لأن في ذلك حفظًا للمال وإقرارًا للنظام في هذا المجتمع المتقلب.
٥) والدليل الخامس الذي يستند إليه القائلون بجواز الأخذ بالمصالح المرسلة هو جريان العمل.
стр. 3513
فالصحابة رضوان الله عليهم راعوا المصالح ورتبوا عليها أحكامًا من غير قياس على حوادث خاصة حدثت زمن التنزيل:
أ) فهذا أبو بكر ﵁ جمع صحف القرآن المتفرقة , ولم يجمعها رسول الله ﷺ , وذلك فيما روى الإمام البخاري عن عبيد بن السياق أن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق ﵁ مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب ﵁ عنده , فقال: إن القتل قد اسحعر يوم اليمامة بقراء القرآن , وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن , وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير.
فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذي رأى عمر , قال زيد: قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك , وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ , فتتبع القرآن فاجمعه. (١)
وأبو بكر ﵁ يحارب مانعي الزكاة ولم يحارب أحد من قبل جماعة من المسلمين؛ وذلك لأن المصلحة مصلحة الجماعة دعت لهذه الحرب وهو نفسه ﵁ يشرح العلة وسبب الحكم.
ب) وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يراعي المصلحة في أحكامه فقد أسقط سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات لزوال العلة ولوجود المصلحة , كما أسقط لنفس الغرض حد السرقة في عام المجاعة كما منع بيع الإماء أمهات الأولاد.
روي عن جابر ﵁ أنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد , والنبي ﷺ حي لا يرى في ذلك بأسًا , وكذلك في زمن أبي بكر , فلما كان عمر , نهانا فانتهينا.
стр. 3514
وعن بريدة أنه قال:
كنت جالسًا عند عمر إذ سمع صائحة , فنادى غلامه , وقال له: انظر ما هذا الصوت. فنظر ثم جاء , فقال: جارية من قريش تباع أمها. فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار. فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة , فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد , فهل كان في ما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟
قالوا: لا.
قال: فإنها أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١)
ثم قال: وأي قطيعة أفظع من أن تباع أم امرئ منكم وقد أوسع الله لكم؟
قالوا: فاصنع ما بدا لك.
فكتب إلى الآفاق: ألا تباع أم حر , فإنها قطيعة , وأنه لا يحل. فهو ﵁ يجتهد ويتتبع مسالك العلة ويراعي المصلحة , ويستشير أصحابه , ويبدي رأيه معللًا إياه بما اقتضته المصلحة العامة , ثم يأتي بالتنفيذ. فقد كان ﵁ يفهم الإسلام ومقاصده , ويطبق أحكامه بنظرة واعية وبصيرة نافذة وسعي لخير الأمة وتحقيق مصالحها العامة.
ونقل أن سيدنا عليا كرم الله وجهه هم بالإذن ببيع أمهات الأولاد , وقال: إن عمل عمر كان رأيًا وافقناه عليه , فقال له قاضيه عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين , رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. فقال علي: اقضوا كما كنتم تقضون , فإني أكره الخلاف.
وسيدنا عمر ﵁ يراعي المصلحة العامة ويقدمها على مصالح الأفراد ويتخذ الحكم المناسب.
стр. 3515
روي أنه كان يمارس تفقد أحوال المسلمين ويحرسهم حتى في الليل , فمر ذات ليلة في المدينة وسمع امرأة تغني:
هل من سبيل إلى الخمر فأشربها
أو من سبيل إلى نصر بن حجاج
فسأل عن نصر هذا , فإذا هو أصبح الناس وجهًا وأحسنهم شعرًا , فأمر بقص شعره , فلم يفقد حسنه , فأمره بأن يعتم , فازداد حسنًا , فقال عمر: والله لا يقيم بأرض أنا فيها , ونفاه إلى البصرة بعد أن سلمه ما ينفعه في سفره.
وما روته كتب السيرة يفيد أن عمر بن الخطاب قسى في حكمه هذا على هذا الشاب الذي جادله وقال له: لقد سمتني قتل نفسي. فقال عمر: كيف ذلك قال: إن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (١)
فقرن قتل النفس بالنفي والخروج من الديار. فقال عمر: ما أبعدت ولكن أقول ما قال شعيب ﵇:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢)
ثم قال له: ولقد أضعفت عطاءك ليكون ذلك عوضًا لك.
وقد حاول بعضهم تفسير موقف عمر هذا طبق مقاصد الشريعة وأحكامها في حرمة الناس وحرمة حرياتهم في أبدانهم وأموالهم خاصة إذا لم يقترفوا جريمة تعاقب عليها. يقول العقاد في كتابه عبقرية عمر:
" وفي القضية جور على نصر بن حجاج لا جدال فيه , ولكن في سبيل مصلحة أكبر وأبقى , أي في مصلحة عامة يرعاها الحكم العسكري في أزمنة كأزمنة عمر ويقضي فيها بما هو أعجب من إقصاء نصر بن حجاج يرعاها أحيانًا بمنع الإقامة بمكان ومنع المرور من طريق وتحريم تجارة لا حرام فيها ومراقبة إنسان يخشى أن يقترف جريمة وتقييد السهر بعد وقت معين من الليل.
ويقول عميد كلية عين شمس الأستاذ سليمان الطماوي في كتابه عمر بن الخطاب:
إن عهد عمر كان عهد تعبئة عامة لجميع الرجال القادرين على القتال , ونصر بن حجاج شاب فيه فتوة , وليس فيه ما يمنعه من الذهاب إلى ميادين القتال , ولكنه بدلًا من ذلك بقي في المدينة يصفف شعره ويجالس النساء. حقيقة إن الجهاد في الإسلام يقوم على التطوع الاختياري , ولكن أليس الخليفة ملزمًا بأن يحافظ على أعراض جنوده المجاهدين في سبيل الله.
стр. 3516
وكيف يستقيم ذلك وكثيرات من نساء المدينة قد تغيب أزواجهن , ومثل نصر بن حجاج يسرح بينهن , إذن فليذهب إلى مدينة عسكرية كالبصرة تعج بالرجال الأشداء , فلعله يراجع نفسه ويجاهد في سبيل الله؟
وأضيف إلى كلام السابقين خروجًا من التمحلات أن عمر ﵁ راعى المصلحة , ولما جادله الرجل رجع عن قراره كحاكم وأمير تنفذ قراراته وجوبًا إلى استرضاء الرجل ومنحه ما يكفيه وزيادة حتى يرحل عن البلاد ويكف الأذية عن أهلها , وبذلك فلا نفي ولا إخراج , ولا جبر ولا إخراج , وكثيرًا ما رجع عمر ﵁ إلى رأي غيره وسار مع الرأي المعارض , وهنا يكون قد صرف من بيت مال المسلمين مالا لمصلحة عامة , دعت إليها الضرورة الاجتماعية , وأقام بفعله دليلًا آخر على ما نحن بصدد شرحه.
والنفي والتغريب عن البلاد من الأمور المتعارفة الآن , وللقوانين الوضعية تفاصيل في شأنها , أهمها عدم النفي إلى خارج تراب الجمهورية.
وفي قضاء عمر أيضًا اعتمادًا على الأصل العام , وهو إباحة النافع وما فيه مصلحة , ومنع الضار المضر بالمسلمين ولو لم يكن ذلك بالقياس على حكم معين في قضية سابقة.
ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن عمر بن يحيى المازني , عن أبيه , أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض , فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة , فأبى محمد , فقال له الضحاك (١) .
стр. 3517
: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولا وآخرا , ولا يضرك. فأبى , فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب , فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة , فأمره أن يخلي سبيله , فقال محمد: لا. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه , وهو لك نافع , فتسقي به أولًا وآخرًا , وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا والله. فقال عمر عندئذٍ: والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمر عمر , فمر به الضحاك.
وسيدنا عمر- ﵁ في قضاء آخر له يعتمد ذلك. فقد جاء في الموطأ عن عمر بن يحيى المازني , عن أبيه , أنه قال: كان في حائط جده (وهو أبو الحسن تميم الأنصاري الصحابي) ، ربيع - أي: جدول صغير – لعبد الرحمن بن عوف فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه , فمنعه صاحب الحائط , فكلم عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب في ذلك , فقضى لعبد الرحمن بتحويله (١)
وهذا اجتهاد من الخليفة الثاني ﵁ يقرر المبدأ والقاعدة بصرف النظر عن الأخذ بذلك في هذا الفرع من عدمه.
فقد علق الزرقاني بقوله: قضاء سيدنا عمر لأنه حمل حديث: ((لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره)) . على ظاهره , وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه.
روى ابن القاسم عن مالك: ليس العمل على حديث عمر هذا , ولم يأخذ به , وقال الشافعي في (كتاب الرد) لم يرد مالك عن الصحابة خلاف عمر في ذلك , ولم يأخذ به , ولا بشيء مما في هذا الباب , بل رد ذلك برأيه.
стр. 3518
قال ابن عبد البر: وليس كما زعم؛ لأن محمد بن مسلمة والأنصاري صاحب عبد الرحمن كان رأيهما خلاف رأي عمر وعبد الرحمن , وإذا اختلف الصحابة , رجع إلى النظر , وهو يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم من بعضهم على بعض حرام , إلا بطيب نفس في المال. ومذهب مالك أن لا يقضي بشيء مما في هذا الباب؛ لحديث: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) . وهو قول أبي حنيفة ﵁ وهو أيضًا قول الشافعي ﵁ في القديم , ومشهور قوله في الجديد. انتهى.
وهذا هو الذي اقتبسته النظم الحديثة فيما وضعته من قوانين , ومنها القانون التونسي في شأن حقوق الارتفاق. الفصل ١٦٥ من مجلة الحقوق العينية.
ولقد اهتم الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه - بموضوع جمع القرآن لما خاف الفتنة في اختلاف الرواة , فجمع القرآن في مصحف واحد , وأمر بإحراق ما عداه , وما ذلك إلا مراعاة منه للمصلحة العامة.
فقد روى البخاري , عن أنس بن مالك , أن حذيفة بن اليمان كان يغازي أهل الشام وأهل العراق حتى فتح أرمينية وأذربيجان فأفزعه اختلافهم في القرآن , فقال لعثمان ﵁: يا أمير المؤمنين , أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة (١)
стр. 3519
: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان , فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش , فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا , حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف , رد عثمان الصحف إلى حفصة , وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا , وأمر بسواه في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (١)
وحدثت في عهد سيدنا علي - كرم الله وجهه - قضية , صورتها أن رجلًا كان يلاحق آخر لقتله , وكاد الهارب أن يتملص ويفر وينجو بنفسه , إلا أن مارا بالطريق أعان الملاحق وساعده , وذلك بمسكه للفار المراد قتله , حتى تمكن منه خصمه وقتله , وكان هناك رجل آخر بالطريق ينظر ولم يساعد القتيل , ولم ينجده ولم يسع لإبعاد الموت عنه.
فقضى سيدنا علي كرم الله وجهه بأن يقتل القاتل , وبأن يسجن المساعد حتى الموت , وأن تفقأ عين الذي كان يرى ويشاهد , ولا يساعد ولا ينجد.
وهذا من باب قاعدة المصلحة واعتمادًا على قاعدة التعزير إذ لا نص فيه.
وعقاب الممسك عن النجدة أخذ منه مبدأ المشاركة المعبر عنها بالامتناع المحظور , وهي جريمة جاءت بها القوانين الحديثة , ونص عليها في قانون العقوبات التونسي بالأمر المؤرخ في رجب ٩ جويلية ١٣٦١ /١٩٤٢ والأمر المؤرخ في جمادى الآخرة سنة ١٣٧٣ فيفري ١٩٥٤ , والقانون عدد ٤٨ المؤرخ في صفر ١٣٨٦ الموافق ٣ جوان ١٩٦٦ المنشور بالرائد الرسمي عدد ٢٤ المؤرخ في صفر جوان ١٣٨٦ /١٩٦٦.
وقد نص الفصل الثاني من هذا القانون على مبدأ إغاثة الغير ونص على عقاب من أمسك وامتنع عن هذه الإغاثة.
стр. 3520
وهذه العقوبة تصل إلى خمسة أعوام سجنًا وعشرة آلاف من الدنانير خطية. وحينئذ فإن أصل هذه المخالفة الزجرية التعزيرية مأخوذ عن التشريع الإسلامي وعن فقه قضائه الذي اعتمد المصلحة في إقراره.
الفقه القضائي والفتاوى
وهناك فقه قضائي وفتاوى لكبار الفقهاء وبالرغم من عدم الأخذ بنظرية المصالح من طرف كثير من أئمة الفقه الإسلامي إلا أنه تطبيقيًا نشاهد آثار ذلك متعددة تفيد أن غالب هؤلاء يوافقون المالكية ويبنون اجتهاداتهم وأحكامهم واستنتاجاتهم على المصالح للنظر في استنباط الأحكام وابتنائها عليها.
الحنفية:
فالإمام أبو حنيفة النعمان ﵁ لم يتعرض في الأصول التي بنى عليها أحكامه إلى المصلحة المرسلة , ولم يتخذها مصدرًا مستقلا من مصادر التشريع الإسلامي , ولكنه مع ذلك أخذ بالاستصلاح , وابتنى كثيرًا من اجتهاداته عليه , وهو زعيم أصحاب الرأي وأسبقهم في مضماره.
ولئن لم يدون في أصوله ما يدل على أخذه بذلك , فإن فيما نقل عنه أصحابه كأبي يوسف مما كتبه في خلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى لدليلًا يوضح أهمية المصلحة في فقه أبي حنيفة وعموم اجتهاده (١)
وخط المصلحة في فقه أبي حنيفة يكمن في دليلين من أهم الأدلة التي امتاز بها فقهه ﵁ وهما الاستحسان والعرف.
فقد كان الاستصلاح أو المصلحة المرسلة معتمدة عنده , ولكنه كان داخلًا في اعتباره ضمن ما يسميه بالاستحسان أو اعتماد العرف , وكما يقال: لا مشاحة في الاصطلاح.
وأكثر الناس استعمالا للعرف واستنادًا إليه هم الأحناف , فقد اعتبروه وخرجوا عليه كثيرًا من الأحكام الشرعية ويأتي بعدهم المالكية والحنابلة ثم الشافعية.
стр. 3521
قال العلامة ابن عابدين في رسائله (ج١ ص ٤٤) :
والعرف في الشرع له اعتبار
لذا عليه الحكم قد يدار
وذكر ابن نجيم في الأشباه والنظائر قاعدة العادة محكمة.
والاستحسان عند الإمام النعمان هو ما عرفه أبو الحسن الكرخي بقوله: " أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول".
وعرفه بعضهم: (بأنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه) .
فالاستحسان عند أبي حنيفة النعمان ﵁ أساسه أن يأتي الحكم مخالفًا لقاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من التمسك بالقاعدة.
والاستحسان كيفما كانت صوره وأقسامه , فإنه يكون في مسألة جزئية ولو نسبيا في مقابل قاعدة كلية يلجأ إليه الفقيه في تلك الجزئية حتى لا يؤدي الإغراق في القاعدة إلى الابتعاد عن الشرع في روحه ومعناه ومقاصده وغاياته العامة.
وهو عند المالكية الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي عرفه ابن رشد بقوله: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس هو أن يكون طرحًا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه , فعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم مختص به ذلك الموضع (١)
стр. 3522
وشرح هذا أن الاستحسان لا يقيد الفقيه المجتهد عند بحث الجزئيات بتطبيق ما يؤدي إليه اطراد القياس , بل يترك لتقديره الفقهي ما يراه صالحًا أي مصلحة أو أمرًا حسنًا في هذه الحادثة الطارئة ما دام ذلك يخالف نصا من كتاب أو سنة (١)
وبعض فقهاء المالكية يعبرون عن الاستحسان تعبيرًا جميلًا فيقول:
"إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد , لا تساعده العبارة عنه , ولا يقدر على إظهاره ".
أي أن الاستحسان هو ما يعرف اليوم بالاتجاه إلى روح القانون , والاعتماد في ذلك كمال فقه المجتهد وإلمامه التام بالشريعة ومقاصدها , وليس معنى أن العبارة لا تساعده أنه لا يمكنه إقامة الدليل على وجه المصلحة فيه , فهذا حتمي الوجوب والثبوت , بل معناه أنه لا يمكن إظهار الأصل الفقهي الذي يعتمد عليه ويسند أمره إليه.
والفرق بين المصالح المرسلة والاستحسان عند المالكية أن الأولى هي الأخذ بمصلحة لا يشهد لها دليل خاص بالنفي والإثبات في موضع لا دليل فيه غير كونها مصلحة.
والاستحسان الأخذ بمصلحة في مسألة جزئية ينطبق عليها دليل كلي , وترك ذلك الدليل العام الكلي وعدم الأخذ به في هذه الجزئية.
فلو اشترى بضاعة بالخيار ثم مات , فاختلف الورثة إمضاء وردا. فالقياس الدليل الكلي - الفسخ. قال أشهب المالكي: ومع ذلك نستحسن إذا قبل البعض الممضي نصيب الراد إذا امتنع البائع وهو صاحب إيجاب معروض منه ومطروح على معاقده , لا يمكنه التداخل في خلاف الورثة الذين انجر لهم الحق بوجه عام إذا رضي بعضهم ورفض البعض الآخر؛ لأنهم يمثلون مورثهم , وانتقلت حقوقه إليهم جملة , وخلافهم لا يهم معاقده البائع.
والعرف عند أبي حنيفة ﵁ أصل فقهي للاستنباط وابتناء الأحكام , وذلك لحديث:
"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح "
стр. 3523
ولأن مخالفة العرف والعادة لا تخلو من حرج وضيق والله يقول:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)
يقول بعض الحنفية: كلام أبي حنيفة أخذ بالثقة , وفرار من القبح , والنظر في المعاملات بين الناس وما استقاموا عليه وصلحت به أمورهم , فيمضي الأمور على القياس , فإذا قبح القياس , يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له , فإذا لم يمضي له رجع إلى ما يتعامل به المسلمون.
ومعنى هذا أنه يأخذ بالقياس والاستحسان عند فقد النص , فإذا لم يكن عنده قياس دائما عند فقد النص , فإنه يدرس تعامل الناس والعرف الجاري عندهم ثم يقرر الحكم.
وأحسن مثال نقدمه هنا على الأخذ بالعرف والعادة لما فيهما من مصلحة ما قصه ابن عابدين في رسائله (ج٣ ص١٤٣) في موضوع العشر الواجب في الأراضي الزراعية المستأجرة , هل هو على المستأجر أم على المؤجر؟
فالإمام أبو حنيفة يحمله على المالك؛ لأن الزكاة مؤونة الملك وثمرته , وملك الأرض للمؤجر , لا للمستأجر.
وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن: إن العشر على المستأجر؛ لأن الزكاة تؤخذ من الزرع , فتتبع مالك الزرع وهو المستأجر.
قال ابن عابدين: إن تطبيق رأي الإمام الذي يرجحه الأقدمون يؤدي إلى ظلم أراضي الأوقاف , ولذا أفتي برأي الصاحبين تماشيًا مع العرف.
يقول الكاساني في بدائعه (ج ٢، ص ٥٦) :
(ملك الأرض ليس بشرط لوجوب العشر , وإنما الشرط ملك الخارج , فيجب في الأراضي التي لا مالك لها وهي الأراضي الموقوفة؛ لعموم قوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣)
стр. 3524
وقول النبي ﷺ : ((ما سقته السماء ففيه العشر)) (١) وذلك لأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض , ولو آجر أرضه , فعشر الخارج على المؤجر عنده , وعندهما على المستأجر.
المذهب الشافعي:
الشافعي ﵀ لا يعتمد إلا الكتاب والسنة والإجماع والقياس دون غيرها.
يقول في الرسالة: لا تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. وفي كتاب المصلحة في التشريع الإسلامي يشير مؤلفه الأستاذ مصطفى زيد إلى أن الشافعية قد أفتوا في بعض الصور تطبيقًا لقاعدة المصلحة المرسلة.
المذهب الحنبلي: هذا المذهب يعتمد اعتمادًا واضحًا على المصالح العامة المرسلة. يقول ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: " إن ابن عقيل الحنبلي حاج شافعيا في موضع العمل بالمصلحة المرسلة. فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. قال ابن عقيل: السياسة ما كان الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد , وإن لم يضعه الرسول , ولا نزل به وحي.
فإن أردت بقولك: " إلا ما وافق الشرع " أي: لم يخالف ما نطق به الشرع , فصحيح , وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع , فغلط , وتغليط للصحابة , فقد جرى منهم من ذلك ما لا يجحده عالم بالسنن.
стр. 3525
الطوفي: ولا يجمل بنا أن نهمل الحديث عن رأي هذا الفقيه الحنبلي الذي يبالغ في الأخذ بالمصلحة , وأول من ألقى الأضواء على نظرية هذا الفقيه هو علامة الشام السلفي الشيخ جمال الدين القاسمي , إذ نشر رسالة للطوفي في شرح حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) . وعلق على ذلك. ثم تبعه الشيخ رشيد رضا , ثم وضع عنه الأستاذ مصطفى زيد رسالة للحصول على الأستاذية , ثم كتب عنه الأستاذ د. عبد الوهاب خلاف وغيرهم كثير.
من هو الطوفي (١) :
هو أبو الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري فقيه حنبلي ولد بقرية طوف من صرصر بالعراق. دخل بغداد سنة ٦٩١ هـ ١٢٩١م ورحل عنها سنة ٧٠٤/ ١٣٠٤م وزار مصر والحرمين حيث أقام هناك وتوفي سنة ٧١٦ /١٣١٦م ببلدة الخليل.
ألف عدة كتب وهي:
١) بغية السائل في أمهات المسائل.
٢) الإكسير في قواعد التفسير.
٣) الرياض النواخر في الأشباه والنظائر.
٤) معراج الوصول في أصول الفقه.
٥) الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة.
٦) تحفة أهل الأدب في معرفة لسان العرب.
٧) الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية.
стр. 3526
٨) العذاب الواصب على أرواح النواصب - حبس من أجله وطيف به في القاهرة.
٩) تعاليق على الأناجيل.
١٠) شرح مقامات الحريري.
١١) شرح مختصر الجامع الصغير للترمذي.
وقد شرح الأربعين حديثًا للإمام النووي وحينما وصل في شرحه إلى حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) . أطنب في شرحه وإجلاء مقاصد الشارع منه حتى انتهى به القول إلى اعتبار المصلحة اعتبارًا أساسيا وتقديمها على جميع الأدلة.
وقد طبع الشيخ جمال الدين القاسمي هذا الشرح لحديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) وعلق عليه في رسالة خاصة.
ويتلخص رأي الطوفي فيما يلي:
١) إن المصلحة هي مقصود الشارع , ومن ثم فهي أقوى الأدلة وأخصها.
٢) إنه ليس ضروريا أن تكون حيث القاطع أو الإجماع فقد يعارض النص أو الإجماع وجود المصلحة , فتقدم عليها.
٣) هذا في العادات والمعاملات لا العبادات.
وهو يعتمد على حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) . الذي يكون أصلًا عظيما يبني عليه اعتبار المصلحة حيث دارت؛ لأن المصلحة لا تكون إلا حيث لا يكون هناك ضرر ولا ضرار. ويشرح الطوفي مذهبه ورأيه في هذه القضية فيقول:
стр. 3527
واعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها معتمدين فيها على الحديث المذكور ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك , بل هي أبلغ من ذلك , وهو التعويل على النصوص والإجماع في العبادات وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام.
ورأيه هذا لا يظهر أن أحدًا من الفقهاء شايعه فيه , بل لم يسلم من النقد والرد. وأفضل من ناقشه من المتأخرين هو شيخنا العلامة المبرور الأستاذ محمد العربي الماجري الأستاذ بجامع الزيتونة إذ يقول باختصار (١) :
إن الطوفي تعرض في شرحه للأربعين النووية عند قوله ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) للمصلحة المرسلة , ورأيه يرجع إلى:
أ) أن كل مصلحة راجحة يعمل بمقتضاها ولو عارضها نص أو إجماع , وذلك في غير العبادات.
ب) استدلاله على تقديمها على الإجماع.
ج) استدلاله على تقديمها على نص الكتاب والسنة.
إن المصلحة المرادة للطوفي هي المصلحة التي اعتبرها الشرع. والمصلحة المرسلة إذا ترجحت بمرجح من المرجحات في نظر المجتهد , فهذا النوع من المصلحة كلما ظفر به الطوفي يقدمه على الكتاب والسنة والإجماع. هذه الدعوة التي تعلق بها الطوفي ما سبقه إليها أحد لمخالفتها للقواعد , إذ من الأصول المقررة أنه كلما وجد نص من الكتاب أو السنة أو وجد إجماع تعين بذلك العمل , إذ لا اجتهاد مع وجود النص. وبهذا ظهر أن أصل الدعوى ساقط عن الاعتبار , ويقول الطوفي في استدلاله على تقديمها على الإجماع: إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصلحة , فهي إذن متفق عليها والإجماع مختلف فيه , والتمسك بالمتفق عليه أولى من التمسك بالمختلف فيه.
стр. 3528
هذا الاستدلال سفسطائي ضعيف فاسد , لا يلزم من انضمام من أنكر الإجماع إلى القائلين بالمصلحة أن تكون مجمعًا عليها , إذ من يقول بالإجماع لا يقول بالمصلحة , فبطل ما ادعاه. ويبطله أيضًا ما نقلته في الشروط أن لا يخالفها نص.
ويقول في استدلاله على تقديمها على نص الكتاب والسنة:
إن النصوص مختلفة متعارضة , ومن ذلك نشأ الاختلاف في الأحكام المذموم شرعًا , والمصلحة أمر حقيقي في نفسه لا شائبة للخلاف فيه , فهي سبب الاتفاق المطلوب شرعًا , فكان اتباعها أولى.
وهذا أيضًا كسابقه يبطله الشرط السابق , وأيضًا استدلاله الأحمق بأن النصوص متعارضة نشأ عنها خلاف , وهو مذموم شرعًا , وهذا باطل؛ لأن سبب الاختلاف في المعاني المستفادة من الألفاظ أمر ضروري , وذلك من جمال العربية وحسنها , وهو راجع إلى سببين: طريق الدلالة على المعنى والأسلوب الذي يقتضيه المقام. فطريق الدلالة على المعنى المنطوق آونة والمفهوم أخرى , والمنطوق منه النص , ومنه الظاهر , ومنه المجمل , فكيف تتحد الدلالة , ولكل واحد منها مقامه عند التركيب , والناس في إدراك معنى المفاهيم ليسوا سواسية , نظرًا للشرائط. وأما الأسلوب فهو البلاغة كلها , فالبليغ يجعل لكل كلمة مع صاحبتها مقامًا خاصا بها , فيسلك البليغ: الإيجاز - الإطناب - الحقيقة - المجاز - الاستعارة - الكناية - التشبيه وغير ذلك , ولكل ضروبه الخاصة.
فكيف تتفق العقول في إدراكها , وأعجب منه جعله معنى المصلحة أمرًا حقيقيا مع أنها من الأمور النسبية , إذ لو كانت حقيقة كما ادعى , لم يختلف العقلاء فيها , ولله في خلقه شؤون. انتهى.
وعلى كل فالطوفي يذهب بعيدًا جدا في اعتماد مصالح الناس لتقرير الأحكام وفض المشاكل.
ويظهر أنه لو أوكل الناس أمر تقدير المصالح إلى اجتهاد المجتهدين لما حصل الاتفاق قط على مقياس معين محدد يقول أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد صاحب كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في كتابه فصل المقال: إذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق , فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع , فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له , وإذا كان هذا هكذا , فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما في المعرفة بموجود ما , فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه الشرع أو عرف به , فإذا كان قد سكت عنه فلا تعارض هنالك , وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام , فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي , وإن كانت الشريعة نطقت به , فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقًا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفًا , فإن كان موافقًا , فلا قول هنالك , وإن كان مخالفًا طلب تأويله.
стр. 3529
العنصر الرابع
العموم
سوف لا نطيل الكلام هنا , فلا يتطلب هذا العنصر إيضاحًا وشرحًا مستفيضًا.
فالأمة أوكلت لقادتها وأئمتها أمر تسيير شؤونها , وهؤلاء يعنون برعاية المصالح العامة التي تتناول الأفراد وتتجاوزهم إلى مصالح المجموعة الكاملة , أي: بما يعم الكافة بالخير , كأمن وحماية كل فرد في ذاته ودينه وماله وعرضه وكإقامة السدود وإنشاء الطرق وإصلاحها وإقامة المساجد ورعايتها والسعي إلى إقامة وحفظ كل معالم الدولة ولو على حساب بعض الأفراد في بعض الأحيان.
فالمصالح التي يرعاها الشارع ويساندها والتي يراعيها عند سن أحكامه وينظر إليها المجتهد عند تخريج قضاياه هي التي تتصف بالعموم والتي يعود نفعها على المجتمع بصفة عامة تعم كافة أفراده.
والانتزاع لا يكون إلا لوجود مصلحة عامة بإشراف الدولة ممثلة في فروعها الإدارية.
وبذلك يخرج عن موضوعنا الأخذ لمصلحة فردية خاصة مثل الشفعة , فهذا استثناء تحت قيود مضيقة جاءت بها الأحكام الخاصة بالشفعة , وهي لا تكون بمجرد أمر أو قرار , بل لا بد من رفع القضية إلى المحاكم وصدور حكم فيها.
ومثل هذا يقال في بعض الصور الأخرى , مثل البناء بأرض الغير , أو الحيازة المكتسبة , فهي صور فردية , لا تدخل تحت المصلحة العامة , ولا تتأثر بحق الانتزاع المخول للدولة فقط.
مظاهرالتطبيق
بعد هذه البسطة التحليلية لكافة شرائح وعناصر هذا الموضوع , هذه البسطة التي كان من الواجب علينا وضعها وتقديمها حتى تتضح الحقائق وتتجلى الصورة بكيفية مدققة تدعو إليها طبيعة هذا البحث الجامع التحليلي المعمق والذي يكون في دائرة نوره سبيلًا يوصل إلى جميع الكلمات المعنون بها ومنطلقًا لإبداء ما يعن في شأنها على أسس ثابتة من حقائق شرعية لا لبس فيها ولا غموض , وخير الحوار ما كان عن علم سابق بكافة عناصر وجزئيات الموضوع , وخير نقاش ما دار في دائرة الوضوح والبيان على أرض ثابتة من الحقائق المسلم بها.
стр. 3530
وعلى قدر علو همة وسعة اطلاع المخاطب واتساع صدره وبالغ أهمية الموضوع ووجوب الحرص على تحقيقه , يكون العذر لنا في بعض هذا الطول الذي نرجو أن لا يكون مملا بل نرجو أن يكون مفيدًا ونافعًا ضرورة أنه يجمع الحقائق حول عناصر الموضوع يمكن الانتهاء تلقائيا إلى الإصداع بالحكم ومعرفة النتائج المطلوبة دون عناء أو زيادة بحث ودرس.
والآن نرجو أن ننتقل إلى الجزء الثاني من هذه الدراسة الذي نقسمه هو نفسه إلى قسمين اثنين:
أ) صور تطبيقية من تاريخنا التشريعي الإسلامي وحوادث جدت به تظهر تطبيع ما سبق من قواعد وجاء من مبادئ تخص الملك واحترامه وصونه , ثم أخذه للمصلحة العامة عند اللزوم.
ب) وصور أخرى لبعض النظم العصرية وبيان أسانيدها وشروطها وأحكامها إجراءا للمقارنة وتعريفًا بما هو واقع الآن عمليا.
السنة:
يمكن التحقيق بأن السند الأول لتطبيق أحكام انتزاع الملك الخاص لفائدة المصلحة العامة هو السنة.
فالرسول ﵊ قام بأفعال وإنجاز بعد هجرته إلى المدينة المنورة في سبيل إنشاء هياكل المرافق العامة وإحداث ما يحتاجه بناء هذه القواعد الأساسية الاجتماعية للأمة الإسلامية.
فقد دخل الرسول الكريم ﵊ المدينة المنورة مهاجرًا من مكة المكرمة على ناقته فتزاحم الأنصار لدعوته واستضافته وأمسكوا بزمام الناقة , فقال: دعوها فإنها مأمورة حتى جاءت موضع المسجد فبركت فيه , فقال: هذا منزلنا. وكان مربدًا يباع فيه التمر ويجفف وحديقة فيها عوسج ونخل ومسيل لمياه الأمطار وقبور للمشركين , وكان المربد ليتيمين تحت الوصاية , فاشتراه من وصيهما , وأمر بإزالة آثار القبور , ودفن المسيل , وقطع العوسج , وتسوية الأرض وبناء المسجد (١)
стр. 3531
أقوال وأعمال الصحابة:
كان ذلك في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فقد لزم توسيع المسجد بإدخال أملاك للغير مجاورة إليه إلى رحابه باعتبار أن تحقيق النفع العام مسوغ شرعي لنزع الملكية الخاصة.
ووقع إحصاء هذه الدور والعقارات ودعا أصحابها وعرض عليهم الخليفة الأمر وقرار الدولة بضم هذه العقارات إلى المسجد توسعة له لضيقه وشدة الحاجة إلى هذه التوسعة التي تدعو إليها المصلحة العامة.
فقد أخرج ابن سعد عن سالم أبي النضر ﵁ قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ﵁ ضاق بهم المسجد , فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين , فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل , إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع بها على المسلمين في مسجدهم , إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين. أما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها , وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم , فقال العباس ﵁: ما كنت لأفعل.
فقال عمر: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين , وإما أن أحطك حيث شئت من المدينة وابنها من بيت مال المسلمين، وإما تصدق بها على المسلمين , فيوسع بها في مسجدهم. قال: لا , ولا واحدة منها.
فقال عمر ﵁: اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب ﵁. فانطلقا إلى أبي , فقصا عليه القصة , فقال:
إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله ﷺ , فقالا: حدثنا. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((إن الله أوحى إلى داود: ابن لي بيتا أذكر فيه. فخط هذه الخطة , خطة بيت المقدس , فإذا بربعها زاوية بيت من بنى إسرائيل , فسأل داود أن يبيعه إياه , فأبى , فحدث داود نفسه أن يأخذه منه , فأوحى الله إليه: أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه , فأردت أن تدخل في بيتي الغضب , وليس من شأني الغضب , وإن عقوبتك أن لا تبنيه , قال: يارب , فمن ولدي. قال: من ولدك)) .
стр. 3532
قال: فأخذ عمر ﵁ بمجامع ثياب أبي بن كعب ﵁ , وقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه لتخرجني مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد , فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو ذر ﵁ , فقال أبي: إني نشدت الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ يذكر حديث بيت المقدس حيث أمر الله تعالى داود أن يبنيه إلا ذكره. فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ . وقال آخر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ . فأرسل أبيا , فأقبل أبي على عمر ﵄ , فقال: يا عمر , تتهمني على حديث رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر , لا والله ما اتهمتك عليه , ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ظاهرًا , ثم قال للعباس: اذهب فلا أعرض لك في ذلك. فقال العباس ﵁: أما إذا فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم , فأما وأنت تخاصمني فلا. فخط عمر ﵁ داره التي هي له اليوم وبناها من بيت مال المسلمين (١)
، (السيوطي في الدر المنثور: ٤/ ١٥٣) .
стр. 3533
وهذا الأثر يدل بوضوح على أن الخليفة العظيم عمر الفاروق ﵁ كان يرى تقديم المصلحة العامة على الخاصة المتعلقة بالأفراد وهو يحاول إرضاء المخالفين بمختلف الطرق حتى يتحصل على رضاهم وموافقتهم خاصة من كان في منزلة عم الرسول ﷺ .
والظاهر أن نهاية الخلاف بين صاحبي رسول الله ﷺ لم تكن دالة على الحرمة والمنع , وإنما تدل على الأمر بالصلح , وما جرى عليه العمل عند الفقهاء.
والمؤرخون أصحاب السير يحققون أن عمر بن الخطاب ﵁ هو أول من سعى في توسعة المسجد وقام بانتزاع الأملاك الخاصة لفائدة المصلحة العامة لقاء تعويضات عادلة ومحقة غير مجحفة.
ونرى أنه في عهد حفيده الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ لما كان واليًا على المدينة للوليد بن عبد الملك تلقى الإذن بتوسعة المسجد النبوي وبعث إليه الخليفة بالمال وكتب يقول له:
" من باعك فأعطه الثمن , ومن أبى فاهدم عليه , وسلم له المال , فإن أبى أخذه , فاصرفه للفقراء ".
ولم يتحرج عمر بن عبد العزيز ﵁ من إتمام إجراءات الانتزاع بالرغم من وجود بعض المعارضين وهو من عرفنا تخلقا بأخلاق الشرع ووقوفًا عن حدوده.
وهكذا فعل بعده أبو جعفر المنصور بعد أن استفتى العلماء لتوسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة.
وفعل ذلك المهدي الخليفة العباسي لما أراد توسعة المسجد الحرام بمكة ووجد من يفتيه من العلماء بحلية الانتزاع لما فيه من مصلحة عامة.
الفقه والاجتهاد
стр. 3534
كان الرأي الفقهي على حلية وجواز الانتزاع انتزاع الملك للمصلحة العامة , إذا تحققت هذه المصلحة وثبت جدواها كما رأينا في الانتزاع لفائدة توسيع المساجد.
ومن هنا جاء الرأي الفقهي مقررًا انتهاك حرمة الأوقاف بأخذ أعيانها لفائدة المرافق الاجتماعية العامة خارقًا بذلك القاعدة القائلة بحرمة بيع أعيان الموقوفات وبطلان عقود بيعها.
قال سيدي خليل في شأن بيع الموقوف:
"لا عقار وإن خرب , ولا نقض ولو بغير خرب , إلا أن يباع لتوسيع كمسجد ولو جبرًا. وقال شارحه سيدي عبد الباقي الزرقاني:
كمسجد وطريق ومقبرة , فيجوز بيع حبس غير هذه الثلاثة لتوسيع الثلاثة أو واحد منها , فيجبر صاحب ملك على بيعه لتوسيع ما ذكر.
وقال شارحه البناني:
" الظاهر حسب النقل أن ما وسع به المسجد من الرباع لا يحب أن يعوض منه إلا ما كان ملكًا أو حبسًا على معين وأما ما كان غير معين فلا يلزم تعويضه سواء في أحباس المسجد المعين أو غيره , أو على الفقراء ونحوهم على ما يفيده جواب أبي سعيد بن لب أثناء نوازل الأحباس من المعيار.
ووجهه أن ما كان على غير معين لم يتعلق به حق لمعين وما يحصل من الأجر لواقفه إذا دخل في المسجد أعظم مما يقصد تحبيسه لأجله أولًا (١)
كما استثنى ما كان في الحبس الذي أدخل في المسجد لمعين وهو الخلو , فلا حق لأربابها؛ لأنها محض كراء على التبقية , والكراء ينفسخ بتلف ما تستوفى منه المنفعة ولا شركة لأصحابها في الأصل.
стр. 3535
قال العلامة أحمد الدردير: (١)
قول خليل: لتوسيع كمسجد ولو جبرًا أدخلت الكاف الطريق والمقبرة , فيجوز بيع حبس غير هذه الثلاثة لتوسيع الثلاثة حتى ولو أبى المستحق أو ناظر الحبس وإذا أجبر على ذلك في الوقف فالملك أحرى , فلا يقال: إنه من باب الغصب كما وقع لبعض الطلبة حين وسع جامع الأزهر بالقاهرة.
وعلق على ذلك الشيخ الدسوقي في حاشيته بقوله:
يجوز البيع وظاهره كان الحبس على معين أو على غير معين وهو خلاف ما نقله الزرقاني كما رأينا.
ويقول في باب البيع عند قول خليل: " إلا أن أجبر عليه جبرًا حرامًا ".
قوله: جبرًا حرامًا , أي: وأما لو أجبر على البيع جبرًا حلالًا كان البيع لازمًا كجبره على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة أو على بيع سلعة لوفاء دين أو لنفقة زوجة أو ولد أو الأبوين , ومن الجبر الحلال الجبر على البيع لأداء ما عليه من الخراج الحق , كما قاله شيخنا العدوي (٢)
وذكر البناني أن المسألة لها عدة نظائر تصل إلى عشرة تدل كلها على جواز الأخذ للمصلحة العامة.
والعلامة الزرقاني يذكر: أن الانتزاع يمكن أن يكون لمساحات من الأرض للمصلحة الحربية , فهو يقول في باب البيع: يجوز انتزاع الفدان في رأس جبل يحتاج الناس إليه في الحراسة من العدو (٣)
ومنها نفهم أن الأراضي المدنية في المناطق الحربية يمكن انتزاعها للمصلحة العامة لفائدة المجموعة.
стр. 3536
قال الونشريسي في المعيار لما تكلم على ما إذا ضاق الجامع بأهله: والحكم في ذلك وجوب الزيادة في الجامع حتى يحمل أهله , فإن كان ما حواليه من الربع والعقار مملوكًا , أجبر أربابه على بيعه بالقيمة , رشيدًا كان المالك أو سفيهًا , كما يجبر على بيع الماء لمن به عطش , وهذا هو المعروف؛ لأن أصل الشريعة المعظمة القضاء للعامة على الخاصة كما في هذه المسائل , والقاعدة في اجتماع الضررين وتقابلهما , أن يسقط الأصغر للأكبر , ولا أكبر من ضرر الذي لا بدل له , والمال عنه بدل , وهي القيمة , وقد أنزلها الشرع منزلة المقوم , فلا حيف على أرباب الدور ولا شطط في كل ما جاء من هذا النمط وإن كان ما حوالي المسجد الجامع حبسًا فإنه يؤخذ جميعه أيضًا لتوسعة المسجد.
ونقل ابن رشد أن مالكًا وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين لم يختلفوا فيه.
وقال مطرف: وإذا كان النهر بجنب طريق عظيم من طرق المسلمين التي يسلك عليها العامة فحفرها حتى قطعها فإن السلطان يجبر أهل تلك الأرض التي حولها على بيع ما يوسع به الطريق أحبوا أم كرهوا.
قال ابن الماجشون في مقبرة ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله: لا بأس أن يوسع المسجد ببعضها؛ لأن المقبرة والمسجد حبس للمسلمين.
وفي نوازل سحنون: لم يجز أصحابنا بيع الحبس بحال إلا دارًا بجوار مسجد احتيج أن تضاف إليه ليوسع بها , فأجازوا ذلك.
وقال ابن جزي في قوانينه: والعقار لا يجوز بيعه إلا المسجد تحوط به دور محبسة , فلا بأس أن يشترى منها ليوسع به , والطريق كالمسجد في ذلك.
والبرزلي في نوازله ينقل الفتوى عن شيخه ابن عرفة بجواز بيع الحبس إذا لم يصبح ذا نفع وعدد مسائل حدثت بتونس أفتى فيها ابن عرفة بالبيع.
стр. 3537
فالمذهب المالكي حصل به الاتفاق تقريبًا على عدم جواز بيع الحبس حتى وإن خرب , والإمام سحنون يقول: "لم يجز أصحابنا بيع الحبس بحال.
ومعلوم أن ذلك لحرمة الوقف وصونه واحترام إرادة الواقفين ومع ذلك فقد حصل الاتفاق الكامل على جواز هذا البيع إذا كان ذلك لمرفق عام يهم مصالح جماعة المسلمين كتوسعة المسجد والطريق وإنشاء مراكز حربية دفاعية عن حرمة المسلمين وما شابه ذلك من المرافق العامة التي ينتفع بها المسلمون بصفة عامة شاملة والتي يمكن القياس عليها عند حدوث الأقضية ونزول المشاكل والدوافع ومن باب أحرى إذا كانت الحاجة والمصلحة داعية لنزع الأملاك غير المحبسة من أربابها لفائدة المرافق العامة.
وهذا هو أيضًا رأي الحنفية في الموضوع. يقول العلامة الزيلعي شارح الكنز عند الحديث عن الوقف:
"إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كرهًا , لما روي عن الصحابة في هذا الشأن " (١)
وما استعرضناه سابقًا من آراء الفقهاء مع اختلاف مذاهبهم يتلاءم في قواعده العامة ومبادئه الواسعة الشاملة مع ما شرحنا آنفًا في شأن الملك والمصلحة وترابطهما برباط متين.
تراتيب النظم الحديثة الوضعية للانتزاع
جاء الفصل ٥٧ من القانون العقاري القانون العقاري وضعته لجنة من علماء وفقهاء الزيتونة وصدر به أمر ١٩ رمضان ١٣٠٢ الملاقي ١٢ جوان ١٨٨٥. وهو يتكون من ثلاثمائة وواحد وثماثين فصلًا تتعلق بالعقار وحقوقه وكل ما يتصل به. وقد دام العمل بهذا القانون حتى عوضته وحلت محله مجلة الحقوق العينية المعمول بها الآن الصادرة في ١١ شوال ١٣٨٤ الملاقي ١٢ فيفري ١٩٦٥.
والانتزاع أفرد بقوانين خاصة حسبما نراه فيما بعد. وقانون الحالة المدنية التونسي القديم المؤرخ في ٢٧ رمضان ١٣٠٣ الملاقي ماي ١٨٨٦ المشتمل على أربعين فصلًا تخص الولادة والزواج والوفاة والذي نص على ابتداء العمل به في أكتوبر ١٨٨٦ (٣محرم ١٣٠٤) جاء ناصا بفصليه ١١و١٢ على موضوع الانتزاع. التونسي الموضوع ١٣٠٢ /١٨٨٥ قائلًا:
стр. 3538
"لا يجبر أحد على التنازل عن ملكه إلا لمصلحة عامة , ولا يقع إكراهه على ذلك إلا بحسب القوانين الموضوعة لأخذ الملكية جبرًا".
ولما كانت القاعدة العامة السائدة تنادي باحترام حق الملكية والسماح للمالك بالانتفاع بملكه وبالتصرف فيه بالطرق التي يختارها وبسائر أوجهها , فقد جاء الدستور التونسي ضامنًا حق الملكية صائنًا إياه من العبث والاعتداء رادعًا كل من يحاول فعل ذلك. الدستور التونسي الذي صدر به القانون عدد ٥٧ في ٢٥ ذي الحجة الحرام ١٣٧٨ الملاقي غرة جوان ١٩٥٧ جاء فصله السابع قائلًا:
"يتمتع كل مواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون , ولا يحد من هذه الحقوق إلا بقانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني والازدهار الاقتصادي وللنهوض الاجتماعي. وجاء الفصل ١٤ منه قائلًا: "حق الملكية مضمون , ويمارس في حدود القانون".
والدولة المنبثقة عن الشعب بموجب هذا الدستور تسعى إلى رفع شأن المواطن من كافة النواحي والجهات من خلال تحسين وتحقيق صلاح ظروفه الصعبة والمحافظة على أمنه وصيانته وتعليمه وتيسير سبل ذلكم التعليم وتسيهله على كافة الناس حتى يكون في متناول الغني والفقير، الثري والمحتاج , لا فرق بين مواطن وآخر , ثم بناء سياسة عامة لإقامة السكن وترقيته وتسهيل أموره على كل المواطنين بجعل سياسة سكنية تسعى إلى إقراره وإسعاده.
стр. 3539
وهي كذلك تسعى إلى التنمية الشاملة في كل المرافق خاصة ما يتعلق بالنقل برا وبحرًا وجوا وبعث المشاريع الصناعية والفلاحية والتنموية حتى تجد كل يد عاملة شغلًا ترتزق منه وتستمد منه متطلبات الحياة خاصة القوت.
والدولة والمقنن إزاء هذه التطلعات الاقتصادية والاجتماعية لحياة الشعب الذي تخدمه وتحكمه مضطرة لوضع بعض القيود في طريق الانتفاع المطلق بحق الملكية الفردية.
والطريقة المثلى التي كان من الممكن الالتجاء اليها لتحقيق الوصول إلى الهدف بين الإدارة الممثلة للقانون والدولة وبين الفرد والمواطن الذي لزم تقييد حريته وسلب إرادته في شأن من شؤون حق تملكه المطلق هي المبادرة لطريقة العرض والطلب والمفاهمة لحصول الرضا على هذا القيد والحد والسلب والاتفاق على العقد وتوابعه وشرائطه وتنفيذه طبق أحكام القوانين المدنية وبحرها الواسع الشامل العميق الذي وإن تلاطمت أمواجه فهو الملاذ المنيع لكل متظلم.
لكن النظرة قد تختلف والرغبة قد تشط وعقلية بعض الناس قد تنسيهم الصالح العام فلا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة الضيقة , والمال عزيز وقطعة من الكبد , وقد يرفض أحدهم أن يبيع داره أو حقله أو أرضه عن طوع واختيار لفائدة مرفق عام يراد تأسيسه أو توسعته أو إصلاحه ويتعذر ذلك دون ضم ملك هذا الأحد , ويكون الرفض لا لأن الثمن بخس وزهيد , ولكن قد يكون لأسباب تافهة خيالية ينظر إليها الرافض من زاوية لا يقدرها الناس ولا يعتبرونها؛ لأنها خيالية، لا تهم إلا خيال صاحبها كوجود بعض الآثار والذكريات العائلية التي لا قيمة لها تقدر وتوضع في الميزان إلا في خيال صاحبها ورقة عاطفته وجموحها إلى حب الذات فقط.
والبيع الحر طبق القوانين المدنية قد تقف في وجهه وتحول دونه تصرفات فردية جامحة وعواطف شخصية طائشة وإرضاء الناس أمر لا يدرك.
стр. 3540
فاضطرت الدولة واضطر التشريع القانوني لإحداث الانتزاع بجميع كلماته الأربع حتى تتمكن الإدارة من تنفيذ سياستها الإصلاحية الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الحربية دون عرقلة في السير أو صعوبة في التنفيذ , أما وقد أصبح الأمر بيدها , فلا بد من حفظ حقوق الأفراد بقوة القانون وحمايته وصونه ومراقبته.
ومن هنا وفي ظل المبادئ الشرعية الإسلامية كان للنظام التونسي شرف السبق في تخطيط مخطط حافظ لكافة الحقوق وصائن للملك وحقوقه من أن تداس أو يعبث بها عند إرادة الانتزاع والأخذ للمصلحة العامة دون حصول الموافقة المسبقة من صاحب الشأن.
ولحفظ هذه الحقوق وصونها وتحقيق المصلحة العامة كانت الدعائم التي اعتمدها المقنن لهذا النظام تعتمد على المبادئ التالية:
١) أن يكون الانتزاع الصادر من الإدارة بناء على أمر رئاسي أي: في أعلى مستوى تنظيمي.
٢) أن يشرح به الغرض الأساسي والمصلحة العامة من الانتزاع مع بيان المشروع المزمع إنجازه وتحقيقه في العقار المنتزع.
٣) أن يعوض صاحبه تعويضًا عادلًا لا غبن فيه.
٤) أن يتصل صاحبه بحقه في العوض مسبقًا.
وهذه المبادئ العادلة بنفسها يجب لتحقيقها سلوك إجراءات وتطبيق معطيات رسمتها قوانين نشرحها فيما يلي:
قانون الانتزاع التونسي هو قانون عدد ٨٥ المؤرخ في ٢ شعبان ١٣٩٦ الملاقي ١١ أوت ١٩٧٦ والمنشور بالرائد الرسمي عدد ٥١ , وقد جاء معوضًا للأمر القديم السابق عنه المؤرخ في ٢ صفر ١٣٥٨ الملاقي ٩ مارس ١٩٣٩.