← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الرئيس: نحن نستطيع أن نحذف كلمة التلقيح إذا رأى المشايخ ذلك، وتكون التوليد أو الولادة أو الحمل، لكن أنا قصدي أنه المجموعات من حيث النظرة الشرعية إما أن تكون بين زوجين فقط أو أن هناك طرفًا ثالثًا فهذا هو المنطلق الأصل في قضية التوالد، فهل من اعتراض من وجهة نظر الأطباء على مثل هذا التقسيم. الدكتور عبد الله باسلامه: لو قلنا التلقيح والحمل بين الزوجين يمكن تكون أفهم، والوضع الآخر هو في وجود طرف ثالث. الشيخ عبد الله البسام: الطرف الثالث هذا يحتمل أن يكون هو الطبيب المجري للعملية سواء كانت عملية في الأنبوب أو عملية التلقيح الصناعي ويحتمل أن يكون الطرف الثالث هذا امرأة مستعارة أو رجلًا مستعارًا. الرئيس: المراد من لهم أثر، المراد الذي ينطلق منه الماء سواء كان ذكرًا أو أنثى، لكن أنا قصدي أننا لو جعلناه تحت هاتين المجموعتين، لأنني انطلقت من هذا من شيء واحد لأن الطبيبين الفاضلين ذكروا أنه جاء صور بعد هذه الصور السبع متعددة، فطالما أنه هناك صور، فالمنطق الشرعي إذا كان الماء من زوجين فهذا قسم مستقل بنفسه بصوره وإذا كان من زوجين بينهما طرف ثالث، ماء رجل ثالث أو ماء امرأة ثالثة، فهذا قسم يدخل تحته الصورة القائمة وما يأتي من الصور المستقبلة التي أشار إليها على سبيل الإجمال الطبيبان الفاضلان.

стр. 352

الشيخ عبد الله البسام: لماذا لا نجعل التقسيم من باب الحكم، مادمنا أننا في مجمع الفقه الإسلامي. الرئيس: أنا أريد يا فضيلة الشيخ هو هذا، أن أصل إلى هذا، نتيجة لهذا أستسمحكم في أن أذكر خلاصة ما دار فإن رأيتموه مناسبًا فذاك وإذا لم يكن مناسبًا فالأمر متروك إليكم والموضوع ما طرح إلا ليعطي البحث المهم الجاد وتتلاقح فيه الفهوم والآثار قبل تلاقح النطف. الشيخ محمد علي التسخيري: معذرة، إذا طرحنا التقسيم طبق ما تفضلتم، هناك صور قد تطرح ويختلف فيها أحيانًا النطفة من الرجل والبويضة من المرأة ثم تنميان في رحم صناعي وهذا شيء محتمل رحم صناعي بدل الأنبوبة تحمل وتصل إلى مستويات وربما العلم يصل إلى هذا المستوى، إذا أصدرنا حكمًا عامًا لهذا العنوان العام ربما نختلف. الرئيس: أنا لا أريد أن أصدر حكمًا عامًا، أنا أريد عنونة للصور الواقعية، أنا عندي مسألة: طفل الأنبوب الآن ركز على أنه بين الزوجين حسب الصورة الثالثة الموجودة لدينا، لكن طفل الأنبوب من الجائز جدًا أن يكون بين زوج وامرأة أجنبية أو بين امرأة أجنبية وزوج، هذا من الجائز جدًا، لكن لعله لوحظ في هذا أصل المنشأ، أن طفل الأنبوب أصل نشأته إنما هو بين زوجين وإلا فمن الجائز جدًا أن يكون طفل الأنبوب بين زوج وامرأة أجنبية أو أن هناك رجلًا أجنبيًا هذا جائز جدًا ومتصور وقد ذكر الأطباء هذا التصور بل من المخاطر التي تحيط بطفل الأنبوب حينما يكون بين زوجين. الشيخ مصطفى الزرقاء: بسم الله الرحمن الرحيم.. إخواني الأساتذة الكرام، سيادة الأخ المدير أنا أستطيع أن أرد جميع حالات الجواز إلى حالة واحدة ولكن لها شروط، كل شيء له شروط، ممكن أن نقول إن حالة الجواز واحدة وهي ما إذا كانت البذرتان اللتان يتكون منهما الجنين مأخوذتين من زوجين في حال قيام الزوجية بشرط أن تكون المرأة التي تحضنهما هي الزوجة نفسها لا سواها، سواء بعد ذلك أكان بطريق التلقيح الداخلي وهو طريقة حقن ماء الرجل بدلًا من الجماع الطبيعي في رحم المرأة أو كان بطريق التلقيح في الأنابيب ثم زرعه في رحم المرأة نفسها، يعني حالة واحدة ولكن بشروط، أن يكون من زوجين في حال قيام الزوجية وتكون التي تحمل هي الزوجة نفسها سواء بطريق التلقيح الداخلي أو الخارجي، وأما إذا قلنا فقط أن تكون البذرة من زوجتين فيبقى احتمال ولابد من وضع شرط وهو أن يزرع في رحم صاحبة البذرة وإلا لو لم نضع هذا الشرط يبقى احتمال أن تؤخذ البذرتان من زوجين وتزرعا بعد التلقيح في امرأة ظئر، وهذه قد أخرجت من الجواز، فلو حصرنا الموضوع في حالة واحدة وبشرائط يكون أجمع وكل ما سوى ذلك يقال من مختلف الصور مهما تنوعت هو حرام.

стр. 353

الشيخ عبد الله البسام: أؤيد ما قاله فضيلة الشيخ مصطفى، بأنه لو حدثت أحوال أخرى وهو تحت قاعدة أن النطفتين –مني الرجل الزوج والزوجة- لو حدثت أمور أخرى استطعنا واستطاع أي إنسان أن يبحث ويدخلها تحت هذه القاعدة، لأننا لا نعرف لأن فيما بعد يأتي صور أخرى كهذا، فإذا قعدناها على هذا الأساس مهما أتت من الصور دخلت تحت هذا وما عدا نطفة الزوج ونطفة الزوجة في امرأة زوجة واحدة هي صاحبة البويضة. الشيخ المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم أعتقد في هذا المقام أنه لابد من الوضوح الكامل حتى لا تكون القرارات محل تأويل، وعندنا أمران منفصلان: المنشأ والمحضن، فالمنشأ لابد من التنصيص على أنه من زوجين في حالة قيام الزوجية بينهما، والمحضن: لابد أن يكون هو الأم الذي منها البويضة، والتنصيص عليهما وإن كان فيه تطويل لكن هو مؤكد حتى لا يختلط هذا بهذا وحتى لا يكون محل تأويل، وشكرًا. الرئيس: يعني لابد من وجود شروط. الشيخ المختار السلامي: طبعًا، المحضن والمنشأ. الشيخ محمد شريف أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم.. في الحقيقة إني أقدر العوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع أطباءنا المسلمين الملتزمين بإثارة الموضوع لدى هذا المجمع الفقهي الكبير ولكني أود فقط أن أثير ملاحظة وهي أن هذا الطفل المصنع بالتلقيح الصناعي أو طفل الأنابيب سيكبر حتمًا ويصبح إنسانًا مسلمًا ويستمع إلى القرآن الكريم، أود أن أثير هذه الملاحظة، فماذا سيكون شعوره عندما يسمع إلى القرآن الكريم يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أقصد التركيز على كلمة "دافق" ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ والآية الثانية ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ وأيضًا على ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ مجرد ملاحظة لا أقل ولا أكثر، وشكرًا.

стр. 354

الشيخ محمد عبده عمر: بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.. فإنني أقدم الشكر والامتنان للسادة الأفاضل الأطباء الذين أفضوا علينا بيانهم في هذا الموضوع الشائك والمهم للأمة الإسلامية، وأنا أعتقد أن العلم مقدس في الإسلام وأننا مأمورون كمسلمين أن نستفيد منه في كل نواحي حياتنا، وأنا مع الرأي الذي يؤيد هاتين الصورتين: أطفال الأنابيب، وأطفال التلقيح الصناعي، أما المحاذير فيمكن كما تفضل الشيخ مصطفى الزرقاء، أن نضع لهما الشرائط الصحيحة والسليمة والتي نضمن منهما الحكم الشرعي الصحيح، فأنا أضم رأيي إلى رأي الشيخ مصطفى الزرقاء في جواز هاتين الحالتين، وأيضًا لا ننسى أنه قد تكون من الحالات ألا يكون هناك طرف ثالث، لا طبيب ولا طبيبة أجنبي بل قد يكون الزوج هو الطبيب، وقد تكون الزوجة هي الطبيبة، وفي هذه الحالة ما فيه أي محذور من إدخال جنس ثالث على هذه العملية وشكرًا. الشيخ عبد السلام العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم.. في الواقع لا أريد أن أكرر ما دار من نقاش، فقط أحب أن أشير إلى موضوع لم يوقف عنده في المناقشة إذ هو الأمر الذي يجري الآن بالنسبة لأطفال الأنابيب على أخذ أكثر من بويضة وإعداد أكثر من جنين كتسهيل لعملية الحصول على الولد والتي تسمى "الأجنة المجمدة" ما وقفنا عند هذه القضية يعني هي موضوع بداية الحياة، هناك كثير من الآراء الفقهية الآن خاصة في موضوع الحديث عن الإجهاض تصر على أن بداية الحياة هي من لحظة اتحاد الحيوان المنوي بالبويضة، وبالتالي إذا أخذنا اللقيحة الأولى المرشحة ووضعناها في الرحم، وتم الإنجاب، تلك ستتلف أو ستذهب إلى الاختبارات فما هو حكم الإجهاز عليها؟ هل هذا يرشح قيدًا جديدًا على الذين أجازوا بأن تتم العملية بالتدريج، بويضة بحيوان منوي، فإذا فشلت بدأنا بالعملية من جديد وأنه لا يجوز أن نحضر مجموعة كبيرة من الأجنة نقتل ما غير ناجح منها أو غير ما تم زرعه في الرحم وتم منه الولد، خاصة أن عملية الإجهاض الآن عملية نعاني منها معاناة كبيرة وأيضًا تسبب محاذير كثيرة، فإذا أجزنا عملية قتل الأجنة في هذه الحالة بعد أن نأخذ واحدًا منها وتتم عملية الولادة، فإننا يجب أن نأخذ هذا المنحى أيضًا في موضوع الإجهاض ونبيح عملية قتل الأجنة في المراحل الأولى وهو ما يتحفظ بعض العلماء عليه كثيرًا في هذه الأيام، وشكرًا.

стр. 355

الشيخ عبد الله البسام: أحب أن أعلق على ما قاله فضيلة الشيخ الشريف أنا أشكره على هذه الغيرة من ناحية القرآن من هذه الناحية ولكن أحب أن أقول إن هذا العمل وهذا الاكتشاف أننا لو قلنا إنه ينافي آيات القرآن سواء استعملناه أو لم نستعمله، لو قلنا كذا لصار فيه ثغرة على معاني القرآن ولكن معاني القرآن ما تزال باقية، لا تزال باقية حتى في هذه الحالة، فالطفل خلق من ماء دافق ما خلق إلا من ماء دافق، وأيضًا سيجعل في قرار مكين إلى أجل معلوم أو إلى قدر معلوم، لأنه سينقل وهو بذرة صغيرة سينقل إلى قرار مكين، فأحب أن أقول أن آيات القرآن والحمد لله باقية وأنه لا يعتريها شيء وأنه تنزيل من حكيم حميد، فمهما كانت الحال فالقرآن باق بمعانيه سواء استعملنا هذا العلم أو سواء تركناه لمحاذير أخرى، فالقرآن والحمد لله باق لأنه تنزيل من حكيم حميد. الشيخ محيي الدين قادي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قضية التلقيح الصناعي أو طفل الأنابيب تؤصل أولًا ثم يفتى فيها ثانيًا، التأصيل أن النسل نعمة من الله من بها على أفضل خلقه وهم الرسل والأنبياء ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ . والأمر الثاني أن النسل سبب لخلود البشر، الحديث الشريف ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) فعدم النسل لأية أسرة هو موقع في الحرج والمشقة، فالنسل إذن لكل أسرة على انفراد هو حاجة، والحاجة راعتها الشريعة الإسلامية، وثالثًا لا نقول بأن هذه المرأة عاقرًا أو هذا الرجل عقيم، لأن العقم الطبيعي لا يعالج، وهو الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ إنما الذي يعالج هو أمراض مانعة من الحمل لخصها لنا أهل الذكر وهم الأطباء فعليهم أن يشرحوا لنا من الوجهة الطبية وعلى السادة الفقهاء أن يتأملوا جيدًا ويصدروا الحكم، والذي يبدو لي ولست بالضليع وإنما أنا ضالع أنه متى دعت الحاجة إلى ذلك كعلاج لمرض يمنع من النسل مع وضع كل ما أدى إليه عدم الإنجاب من اللجوء إلا الغرب ومن اللجوء إلى مستشفيات غير مسلمة وغير ملتزمة بالأخلاق، يعني نضع هذا وكانت الزوجية قائمة بين الزوج والزوجة وتحققنا من ماء الزوج في التلقيح الصناعي ونظافة الأنبوب وعدم إضافة أي ماء إليه ولا أقول دواء، وحصل المني بالطرق الحلال وهو وطء الزوجة ووضع في محله الذي هو محل الحرث وكان الطبيب ثقة في مهنته وإن وجدت المرأة فلا يتعدى ذلك إلى الرجل وإن لم توجد تعدينا إلى الطبيب المسلم، وكذلك الأمر في طفل الأنبوب ونزيد قيدًا وهو مراقبة عملية النمو في الأنبوب ويكون ذلك تشريعًا متقبلًا في مستشفياتنا وصائغًا لأنه حرص من فقهاء الإسلام على كلية من كليات جميع الشرائع التي هي حفظ النسب والتي جاءت شريعة الإسلام بالحفاظ عليها للأفراد والجماعات وزاد الإسلام برعاية التطبيق لها، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 356

الشيخ محمد علي التسخيري: شكرًا سيدي الرئيس، أود أن أقول هنا بكل اختصار أننا تارة نبحث عن الحكم الأولي لهذه الحالة وأخرى نلاحظ الحكم الثانوي التي تفرضه حالات مقارنة، أما بالنسبة للحكم الأولي فلا أتصور أن هناك أي مانع من قيام هذا التلقيح، ولا أعتقد أن هناك دليلًا معينًا إجماعًا أو شيئًا من هذا القبيل يعارض هذا المعنى، الكلام كله ينصب على العوارض وعلى الظروف الثانوية التي تستدعي حكمًا ثانويًا، والفقيه عليه أن يلاحظ العوارض بشكل دقيق، العوارض التي ذكرها أخونا الكريم والكبير الشيخ التميمي يمكنها أن تنفر الإنسان الفقيه من الحكم بهذا المعنى لكنها لا تستطيع أن تمنعه ولا يمكنها أن تؤدي إلى احتياط مقبول، مثلًا مسألة أن العائلة قد ترفض هذا الشخص مسألة الكرامة الإنسانية قد لا تحفظ هنا قد يأتي وضع طبيعي يحتفظ بالكرامة هنا والعائلة تقبل هذا المعنى، مسألة الشكل، الاعتراض على قضاء الله باعتبار أنه أراد الله العقم وينبغي أن نسير مع هذه الإرادة، الكلام هو من قال أن الله أراد العقم هنا مع أنه يحتمل وجود طريق طبيعي للتخلص من هذه الحالة، وكما أشار أخي محيي الدين، العقم قد يكون هنا العقم الكامل، مسألة الشك في صحة النسب، إذا استطعنا أن نثبت الطريق الشرعي فلا يبقى شك في صحة النسب ولا واحد بالمليون إذا كان الطريق شرعيًا. يبقى مسألة الإجهاز على اللقيحة الإضافية هذا الإشكال وارد ويجب أن يبحثه العلماء هل يجوز الإجهاز على لقيحة ولو قبل لحظات أم لا، وهل تحل الحياة الحقيقية لا الحياة العرفية في هذه اللقيحة أم لا؟ إشكال وارد وربما أدى إلى أن يقول إنسان ما بدية من هذا القبيل إذا توسعنا في مفهوم الدين، هذا المعنى يجب التأكد منه دقيقًا وإذا لم نتأكد يمكننا أن نفترض أن العملية تتكرر، تؤخذ البويضة وتلقح وإذا لم تنتج تتكرر من جديد، وإلا فالإشكال الشرعي باق هنا. النقطة الأخرى مسألة الظئر، هذه المسألة لا نستطيع أن نقول بها بضرس قاطع بعد أن كان الماء من الزوج والبويضة من الزوجة والحمل في رحم مباحة للزوج، فيجب أن نبحث، الإشكال مطروح أنه يحتمل أن الزوج يواقعها ويشتبه الأمران، يمكننا أن نفرق ونشترط على الزوج ألا يتصل بزوجته إلا بعد تبين الحمل بشكل طبيعي ولا يأتي هذا المحذور بعد ذلك، الشيء الآخر هناك فروض أعتقد أننا قد نبتلى بها الآن ولكن من الطبيعي جدًا أن نبتلى بها في المستقبل وهو الفرض الذي أشرت إليه، قد يفترض أن العلم ينمى أو يضع رحمًا صناعيًا، وهذا الرحم الصناعي ليست كمجرد أنبوب وإنما تحتضن الطفل منذ اللقيحة وحتى الولادة، قد يمكن أن يتوصل، نحن يجب أن نلحظ هذه الجوانب أيضًا ولا نغلق الأبواب تمامًا وبعد ذلك نضطر إلى فتحها من جديد، لا أدري إذا كان الإخوة يسمحون أم لا، يمكن أن نحتمل العلم أن العلم يتوصل إلى نطفة صناعية تؤخذ من النباتات وما إلى ذلك، هي أمور يجب أن نلحظها.

стр. 357

الخلاصة، المحاذير التي ذكرت ثانوية كلها ولكنها واقعية يجب أن نلحظها بعين الاعتبار، وعلينا أن نحتاط لديننا ونحتاط لنسلنا، ولكن الاحتياط يجب أن يكون احتياطًا طبيعيًا، الاحتياط المضيق قد يؤدي إلى تحريم حلال، فنغلق الباب أمام حلال شرعي تمامًا كما قد نحلل حرامًا قد نحرم حلالًا وكلاهما مرغوب عنه، وشكرًا. الرئيس: أحب أن أضيف إلى كلمة الشيخ أن الفتيا أو تقرير الجواب لن يتجاوز الصور المطروحة أمامنا، نفس الصور المطروحة أمامنا هي التي تعطينا التصور الكامل للوقائع في هذا التلقيح وفي طفل الأنابيب، فنحن أمام صور واقعة أمامنًا وإذا وجد صور مستقبلية أو طرأ على هذه الصور نفسها ما يغير مسارها الذي شخص أمامنا، فالعلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة وأهل العلم موجودون. الشيخ أحمد محمد الخليلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرًا معالي الرئيس، في الواقع ما كنت أردت أن أتحدث في هذا الموضوع لأنه مما قيل الحكم على الشيء فرع تصوره، فالشخص الذي لا يتصور الشيء تمام التصور ينبغي أن يقف دون الحكم له أو عليه، والله تعالى يقول ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ولكن من خلال البحث أخذت بعض الفائدة وفهمت شيئًا من صورة التلقيح الصناعي أو طفل الأنابيب، وأردت أن أنبه على شيء، وهو أن الله بحكمته خلق الإنسان من أبوين من ذكر أو أنثى وجعل بين النسل والأصل رباطًا هذا الرباط يتمثل في هذه العاطفة، عاطفة الأبوة والأمومة من ناحية، ومن ناحية ثانية عاطفة البنوة، وجعل الله سبب وجود هذا الإنسان بحسب حكمته التلاقي ما بين الزوجين، وهذا التلاقي تصحبه مشاعر الود، مشاعر الرحمة، مشاعر التعاطف بين الزوجين بحيث يكونان كالشخص الواحد بحيث تتحد مشاعرهما تكون كمشاعر الإنسان الواحد، لا ريب أن في ذلك حكمة كبرى من الله في خلق هذا الإنسان بهذا السبب، فإذا ما فقد هذا الأمر فقدت هذه المشاعر في تكوين هذا الإنسان، ماذا عسى أن يكون مستقبل هذا الإنسان الذي يتولد بهذه الطريقة التي تفقد هذه المشاعر ما بين أبويه في حالة تكوينه، فهل يكون هذا الإنسان في المستقبل إنسانًا طبيعيًا أو تتغير حالته؟ ما أظن أن الأطباء ولا غيرهم يستطيعون أن يجزموا في هذا بحكم، ومن القواعد الشرعية المسلمة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" ومن المعلوم قطعًا أن انكشاف المرأة للرجل الأجنبي حتى ولو كان عدلًا ثقة بل حتى ولو كان نبيًا مرسلًا، لا يصح إلا لضرورة لا محيص عنها، ومادامت المنفعة وهمية، لأن إلى الآن لا نستطيع إن نقول أن المصلحة حاصلة، فالأطباء أنفسهم يقولون أن ٨٠ % من التجارب تبوء بالفشل، فإذن المصلحة إلى الآن هي وهمية، مصلحة مظنونة بينما المفسدة مفسدة متيقنة، وهي اطلاع الرجل الأجنبي مهما كانت حالته في الصلاح والاستقامة على عورة المرأة، وفي نفس الوقت هذه القيود التي ذكرت، طبعًا هي قيود نبعت من أفكار أناس فيهم الغيرة على دين الله تعالى وعندهم حصافة الرأي وعندهم العلم الواسع، ولكن هذه القيود هل نحن نستطيع أن نفرضها؟ إلى الآن طبعًا الحمل يكون في أمريكا أو في أوربا، أين الطبيب المسلم الثقة أو أين الطبيبة المسلمة الثقة؟ هل هناك موجودة، وكون الزوج نفسه طبيبًا والزوجة طبيبة هذه حالات نادرة، والنادر لا حكم له، والإسلام يحرص على أن تكون الأنساب أنسابًا سليمة لا يشوبها أي شك وحسب ما سمعت بأن التلقيح يكون تلقيح عدة بويضات من عدة حيوانات لأجل الاحتياط وهذه يحتفظ بها في الثلاجات هناك، فإذا كان الأمر كذلك هل نحن نأمن بعد ذلك أن يتم لقاح آخر بعدما تم هذا التلقيح ما بين بويضة وحيوان منوي من زوجين بقية البويضات والحيوانات، هل نحن نأمن مادامت هي موجودة في ثلاجات عند ناس غير مؤمنين ناس غير مسلمين لا نأتمنهن بحيث لا يستغلون هذه البويضات وهذه الحيوانات التي تم تلقيحها في توليد عند ناس آخرين، أظن الشيء هذا لا نستطيع أن نجزم فيه خصوصًا بما أن إلى الآن كل شيء يتم في الغرب ولو كانت ولادة مثل التي هنا في السعودية لكن التلقيح تم في الغرب، فمادام الأمر كذلك فيجب أن نتبصر وأن ننظر أيضًا إلى مستقبل هذا الطفل هل يكون مستقبله طبيعيًا أو غير طبيعي، وقد قدم النصيحة فضيلة الشيخ رجب التميمي ويجب أن ينظر إلى هذه النصيحة نظرة اعتبار وتقدير لأنه يجب علينا أن لا نندفع وراء العواطف وأن نقول هذا عمل إنساني أو نقول أننا نريد أن يظهر الإسلام بمظهر التقدم العلمي، لا، الإسلام أجل من ذلك، فالقضية مطروحة للنظر والتأمل، وشكرًا لكم.

стр. 358

الرئيس: في الواقع هذا الموضوع حصل حوله مداولات كثيرة وكبيرة ومثرية جدًا، فشكر الله لأصحاب الفضيلة ذلك. وتعرفون أنه استغرق من الزمن الشيء الكثير وليس بكثير على مثل هذا الموضوع الحساس المهم، لكن مثل هذا الموضوع الذي سبق أن أعطى حقه من الدراسة العميقة المتأنية من مجمع فقهي فيه عدد كبير من أصحاب الفضيلة العلماء ودرس في عدة دورات إن لم يكن في اربع ثلاث دورات أو أربع أو خمس دورات ثم توصلوا إلى القرار الأخير، ولهذا أرجو قبول أن أحسم الموضوع وأن أبين الاتجاهات التي حصلت في جلستكم هذه ثم نصوت على الرأيين الموجودين أمامنا من خلال هذه المداولات والمناقشات. مناقش يطلب الكلمة. الرئيس: كلنا يبغي دقيقة يا شيخ رجائي التصويت والرأي رأيكم، يا فضيلة الشيخ عندي عدد مسجلين حوالي ثمانية من المشايخ لم يتكلموا ولا مرة واحدة، فأنا طالما أن المسألة سيتكون فيها عرض لملخص لما جرى وفيها تصويت فإذا رأيتم أنه ينتهي الأمر على هذا لأنه لو تابعنا الكلام قد لا ينتهي والنتيجة فيها وضوح تقريبًا حيث تتجه في مسارين. أصحاب الفضيلة.. إن الذي يتمثل أمامنا الآن هو أمران مهمان: الأمر الأول شبه إجماعي من مجمعكم هذا كما أجمع عليه مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة وهو: - أن الصور الأربع والتي يكون فيها ماء أجنبي من رجل أو امرأة فإنها محرمة ولا مجال لإباحة شيء منها. - بعد هذا أمامنا ثلاث صور، صورة كان مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة أفتى بأنه ينسحب عليها ما ينسحب على الصورتين الأوليين وهو في طفل الأنبوب بين الزوجين وفي التلقيح الصناعي الداخلي بين الزوجين، ثم إنه بعد أن استجد لديهم ما يوجب الرجوع والرجوع إلى الحق فضيلة، قرروا رجوعهم فبقي الجواز في الصورتين اللتين أشرت إليهما فقط، والصورة الثالثة هذه قرر المجمع إلحاقها بالصور الأربع من حيث المنع نظرًا لما يحيط بها من العوامل التي ترجح جانب الحظر على جانب الجواز.

стр. 359

هذا مسار يظهر لي أن مجمعكم الموقر هذا شبه موافق إن لم يكن بالإجماع فهو موافق بالأكثرية، أما من ناحية الصورتين اللتين قرر فيهما مجمع مكة الجواز مع ملاحظة أنه لم يطلق الجواز فيهما وإنما أحاطهما ببعض الشروط والضوابط إضافة إلى أن هذه الشروط ربما عند المتجهين في هذا المجمع ستعمق وسيضاف إليها شيء من مزيد الضبط، وإذا سمحتم أن نأخذ بجانب التصويت، فإن الذي يظهر لي والله تعالى أعلم، وقد حصل لي تأمل في هذا الموضوع من جميع صوره سواء على صعيد مجمع الفقه الإسلامي بمكة في وقت كنت فيه عضوًا أو على صعيد مجمعكم هذا أو من خلال الدراسات الحرة، فإن الذي يظهر لي أن الصور الأربع هي محرمة لذاتها كما أجمع عليه المجمع وأما الصور الثلاث ومنها الصورتان اللتان أجازهما مجمع الفقه الإسلامي بمكة بشروط وضوابط، فالذي يترجح لدي هو القول بالمنع نظرًا لما يترتب عليهما من آثار وما يحيط بهما من ملابسات وشكوك، والشرع أتى بحفظ الأنساب وبحفظ ارتباط المجتمعات وتماسكها إلى غير ذلك من التعديلات الفقهية التي سأذكرها بوجهة نظري ومن يكون معي من الأخوة وأعطي الرأي بعد هذا إلى فضيلة الأمين العام. مناقش يطلب الكلمة. الرئيس: إذا كان يسمح الإخوان نعطي فضيلتكم ولا ينفتح الباب، هذا عن طريق التنازل إذ تتنازلوا وإلا ليس لي الحق، وله أرى بعض الإخوان يطلب الكلمة فاعذرني يا شيخ وإذا اتاكم الدور ممكن. فضلًا أرجو أن تكون الآراء موجزة والإفادة برأي موجز. اختصارًا. الصور الأربع التي قرر أنها محرمة لذاتها. هل من معارض؟ إذن اكتسب هذا الاتفاق من أصحاب الفضيلة. يبقى لدينا ثلاث صور: الصورة الأولى: وهي أخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته أو رحمها حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًا بالبويضة والتي يفرزها مبيض زوجته التقاء إلى آخره، هذه الصورة مع الصورة المشابهة لها إلا أن بينهما فترة وهيمن كان لديه تحفظ، توقف أو ممانعة في هاتين الصورتين فليتكرم برفع يده. الشيخ رجب، الشيخ أحمد الخليلي، الشيخ الشريف، الشيخ آدم، الشيخ صابون، الشيخ إبراهيم الغويل، الشيخ جيري، الشيخ هارون خليفة، الشيخ علي العصيمي، الشيخ عبده عمر. يبقى الذين يرون من أصحاب الفضيلة الأخذ بما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي من جواز الحالتين، الأسلوب الأول والأسلوب الثاني، فارجو الذين يرون الجواز من غير زيادة أي شروط أو تحفظات أو ضوابط أن يتكرموا برفع أيديهم، من غير زيادة، الزيادة كأنني لاحظت أن طبيبًا مسلمًا ثقة والذين يباشرون العملية بأجمعهم سواء الطبيب أو الذي يناوله في المختبر أن يكونوا مسلمين ثقات كأنني لاحظت أن هذا الشرط غير مجسد في مجمع الفقه الإسلامي بمكة، ونحن نريد مسلمًا ثقة، حيث إنه إذا كان عدلًا وليس بمسلم، العدالة إنسانية وليست إسلامية، يجب القول إذا كان مسلمًا عدلًا فعلى أصحاب الفضيلة الذين يرون الجواز كما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي بمكة، أرجو أن يتكرموا برفع أيديهم. الشيخ مصطفى الزرقاء , الشيخ عبد الله البسام , الشيخ عبد السلام العبادي , الشيخ عبد الحليم , الشيخ عبد الستار , الشيخ علي التسخيري , الشيخ عبد اللطيف آل سعد , الشيخ السلامي , الشيخ روحان مبايان مباي, الشيخ محمد عطا السيد , الشيخ عبد الله آل محمود , الشيخ عجيل , الشيخ عبد العزيز عيسى.

стр. 360

مناقش: أرجو أن يكون هناك رفع الأيدي للمتوقفين أيضًا. الرئيس: سيكون.. الدكتور محمد علي البار: هل هناك أصوات للأطباء أو ليس لهم أصوات. الرئيس: المراد هم الأعضاء العاملون سيشار في القرار إلى أن إشارة بدون تحديد أسماء إلى توجهات الأطباء والخبراء والباحثين، والقرار لن يخرج عن قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة وهذه أمانة. الشيخ المختار السلامي: مع افتراض أن الذي يتولى العملية يكون مسلمًا ثقة وعلى هذا صوتنا. الرئيس: الشيخ طه، الشيخ تقي، الشيخ عبد الرحيم، الشيخ ابو بكر، الشيخ صالح طوغ. الشيخ عبد اللطيف الفرفور: بسم الله الرحمن الرحيم شكرًا سيدي الرئيس، خرجت من ذلك كله بأن هذا الأمر قد يبدو ظاهره سليمًا ولكنه ذريعة لفساد كبير قادم ينبني عليه ضياع الأسر وتفككها وضياع الأنساب ووجود بنوك نطف، وهذا ما حدث في أوربا وستقدم علينا هذه المفاسد إن عاجلًا أو آجلًا ويكفي هذا فما بالكم بما وراءه من اطلاع الأجنبي على العورات من غير ضرورة ولا حاجة عامة معتبرة شرعًا، فتح هذا الباب، فتح باب لا يسد، فمن باب سد الذرائع الفاسدة حرم الإسلام كما تعلمون بعض الحلال كالنظر إلى الأجنبية بلا عذر شرعي والخلوة بها وحرم النظر إلى المرأة بشهوة ونفى سيدنا عمر نصر ابن حجاج لا لشيء إلا لأن العواتك تتغزل به في خدورهن بعد أمره إياه بحلق شعر رأسه وتنقبه ﵃ جميعًا، الشاطبي يقول كما تعلمون "ما غلب ضرره فهو ضرر محض وما غلب نفعه فهو نفع محض، ولا تتمخض الأشياء في هذه الدنيا لجانب النفع ولا للضرر" وهنا غلب الضرر فلا يصح أبدًا الجواب فيه بالفتيا من الله، بالفتيا عن الله بالجواز، إننا مسؤولون يا أيها الأخوة بين يدي الله العزيز الكبير غدًا يوم القيامة عن علمنا هذا الذي تعلمناه وعن فتيانا التي نفتي بها، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ إنني أرى أنه لا يجوز هذا ولا فتح هذا الباب أصلًا في أي صورة مطلقًا لا في المتفق عليه من الصور ولا في المختلف به منها لا في الأولين ولا في الآخرين، لأن هذا يجر بعضه بعضًا، وفتح الباب هنا يؤدي إلى فتح باب الفساد في الأعراض والانساب وهذا شر مستطير، وإن سلم بأنه لم يوجد في الصورتين الأولين في ذاتهما قبح أو ضرر في ذاتهما، فهما محرمان لقبح في غيرهما أو في جوارهما كما ذكر ذلك الأصوليون، وأنا أرى ما يراه معالي الرئيس على بياض، وشكرًا.

стр. 361

الرئيس: في الواقع فيه بعض المشايخ ما سمعنا أصواتهم. الشيخ عبد العزيز عيسى: أنا موافق على فتوى مجمع مكة بشرط أن يكون عند الضرورة الملزمة وبشروطها لأنني لا أريد أن اصدر فتوى أو اصدر قرارًا بجواز استخدام أطفال الأنابيب سواء بالصورة الجائزة، وأقول بشروطه وهو أن يكونا زوجين وفي أثناء قيام الزوجية ويكونان هما صاحبي البويضتين لأنه يترتب على ذلك المخاطر. الرئيس: فضيلة الشيخ، أصحاب الفضيلة، مجمع الفقه بمكة في الواقع ما أطلقوا الجواز وإنما جعلوا له الشروط الضيقة التي تضيق دائرته وتحفظه في نظرهم ومنها إذا توفرت الضرورة، أظن أن هذا واضح يا شيخ عبد الله. الشيخ عبد العزيز عيسى: إن هذا غير موجود. الرئيس: إن هذا موجود في نص قرار مجمع مكة، وعلى كل، أصحاب الفضيلة الذين ذهبوا إلى الأخذ بما رآه مجمع مكة هم أربعة عشر فإذا كان لأحد من أصحاب الفضيلة أرجو أن تقرأوا ما في قررا مكة فإن كان لأحد من أصحاب الفضيلة مزيد من شرط أو ضابط فإنني أرجو التكرم بتحريره وبعثه إلى الأمانة العامة، وأما إذا كان يرى أن ما جعل من الشروط والضوابط في قرار مكة كافيًا فلا حاجة إلى البحث في هذا، والقرار إن شاء الله تعالى سوف يصاغ بالتوجهات الأربعة، الثلاثة التي حصلت من حيث وجهة المانعين ووجهة المجيزين ووجهة المتوقفين، وأرجو من أصحاب الفضيلة المتوقفين أن يصوغوا صورة قرار في توقفهم.

стр. 362

الشيخ عبد الله البسام: هذا نصه، ونظرًا إلى احتمال التلقيح الصناعي بوجه عام من ملابسات حتى في الصور الجائزة شرعًا ومن المحتمل اختلاط النطف أو اللقائح في أوعية الاختبار ولاسيما إذا كثرت ممارسته وشاعت، فإن مجلس المجمع ينصح الحريصين على دينهم ألا يلجأوا إلى ممارسته إلا في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقائح. الرئيس: على كل، نسأل الله أن يأخذ بيد الجميع إلى ما فيه خير صلاح العباد والبلاد وأن يوفق الجميع، وأرجو من أصحاب الفضيلة الذين أبدوا توقفهم وهم الشيخ طه، والشيخ تقي العثماني، والشيخ عبد الرحيم والشيخ ابو بكر والشيخ صالح طوغ أن يجتمعوا بجلسة جانبية ويتفضلوا بصياغة مشروع قرار ويضعوا فيه النقاط التي أوجبت توقفهم. الشيخ محمد علي التسخيري: صورة الظئر لم تطرح. الرئيس: طرحت، وهو أن الذين رأوا قرار مكة أجازوا فقرتين فقط. الشيخ محمد علي التسخيري: طرحت صورتان أما الصورة الثالثة فلم تطرح. الرئيس: أنتم تحركتم قليلًا، فلعل في وقت تحرككم.. الأمين العام: الأستاذ الشيخ محمد علي تسخيري انتم تتجهون إلى أي رأي من الآراء الثلاثة. الرئيس: هل إلى قرار مكة أو إلى الآراء الأخرى. الشيخ محمد علي التسخيري: موافق على قرار مكة ما عدا مسألة صورة الظئر الضرة فلا مانع فيها. الرئيس: يعني إضافة إلى الثلاث. الشيخ محمد علي التسخيري: إضافة إلى الاثنتين الصور الثلاثة أوافق عليها. الرئيس: يعني قرار مكة الأول، شكرًا، وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد الصلاة أرجو أن تتفضلوا بالعودة إلى هنا مباشرة لنتم البحث في بقية الجدول وشكرًا.

стр. 363

بعد الصلاة الرئيس: أصحاب الفضيلة، في الواقع أنه حصل لي شيء من الاستخارة في موضوع أطفال الأنابيب، ومن المحادثات الجانبية مع بعض أصحاب الفضيلة الأعضاء ومن جانب الإخوان الأطباء، وأعرض عليكم وجهة نظر إذا رأيتموها سليمة فهي، حتى لا نستعجل في امر لنا فيه أناة، والذي أراه أن هذا الموضوع انقسمت فيه الآراء إلى أربعة اقسام: المنع للحالات كلها – الجواز لحالتين فقط – الجواز لثلاث حالات – القول بالتوقف ثم إن القول بالمنع قريب النصاب من القول بالجواز ما عدا فارق شخص أو شخصين، هذا شيء، الشيء الثاني أن الأطباء ذكروا أن لديهم حالة جديرة بالاهتمام وربما تكون مؤثرة على بعض الأحوال التي حصل البت فيها، واستعدوا بأنهم سيقدمون بحثًا من ناحية نظر الطب في هذا الموضوع، والذي تبين لي إذا رأيتم وتفضلتم أن هذا الموضوع لا نستعجل فيه وأنه نظرًا للخلاف الحاصل، ولأن هناك بعض الأطباء فإنني ارى تأجيل الموضوع إلى الدورة القادمة بإذن الله تعالى، ومن ثم فإذا رأيتم وعهدتم إلي وإلى فضيلة الشيخ عبد الله البسام وإلى الطبيب الأستاذ محمد علي البار وإلى فضيلة الأمين العام محمد الحبيب ابن الخوجة، أن أعد أنا بحثًا استخلصه من جميع هذه البحوث التي لديكم سواء من وجهة التصور طبيًا أو من وجهة ترتيب الحكم الشرعي عليها، ومما لدي من البحوث لبعض العلماء وبعض المفاتي في جهات متعددة، ثم بعد ذلك يحصل لي اجتماع بأصحاب الفضيلة الذين ذكرت أسماءهم أو عن طريق المراسلة بطريقتي الخاصة حتى أصل وإياهم إلى صيغة نهائية للبحث الذي لا يكون فيه من التبدد الذي لا يحصل به التصور، حتى أجمع بين نقاط التصور النظرية الطبية ثم ترتيب الحكم الشرعي من خلال كلام الفقهاء وكلام أهل العلم، ثم بعد ذلك يبعث هذا البحث بصفة متكاملة إلى كل عضو من أصحاب الفضيلة في بلده وقبل الدورة المقبلة إن شاء الله تعالى ببضعة شهور لا بشهر ولا بشهرين بل ببضعة شهور حتى يكون هناك دراسة متأنية. وهذا الموضوع طالما أنه جلس عمرًا طويلًا لم يفت به، فليس هناك ما يمنع أن يزيد سنة ويكون فيه شيء من الحكمة والإحكام، والحقيقة ليس من المقبول أن يصدر رأي في مسألة وهي بهذه المثابة الشائكة جدًا ثم بأربعة آراء وفي أوائل ميلاد المجمع، فإذا رأيتم هذا مناسبًا فلعلكم توافقون عليه، ولهذا نتوقف عن اتخاذ القرارات، وشكرًا. - الموافقة بالإجماع. الرئيس: شكرًا أكرمكم الله، إذن تمت الموافقة.

стр. 364

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. قرار رقم ٥ بشأن أطفال الأنابيب أما بعد، فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ / ٢٢ – ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م. إذ استعرض البحوث المقدمة من السادة الفقهاء والأطباء الذين عرضوا موضوع "أطفال الأنابيب" من جانبيه الفقهي والفني الطبي، ناقش ما قدم من دراسات وافية، وما أثير من جوانب مختلفة لاستيضاح الموضوع. وإذ تبين له أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسة طبيًا وفقهيًا، وإلى مراجعة الدراسات والبحوث السابقة، واستيفاء التصور من جميع جوانبه. قرر: ١- تأجيل البت في هذا الموضوع إلى الدورة القادمة للمجمع. ٢- يعهد لفضيلة الشيخ الدكتور بكر أبو زيد –رئيس المجمع- بإعداد دراسة وافية في الموضوع تلم بكل المعطيات الفقهية والطبية. ٣- توجيه الأمانة ما يصل إليها إلى جميع الأعضاء قبل انعقاد الدورة القادمة بثلاث أشهر على الأقل. والله أعلم

стр. 365

بنوك الحليب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: فلا ريب أن الهدف الذي من أجله أنشئت "بنوك الحليب" كما عرضها السؤال هدف خير نبيل يؤيده الإسلام الذي يدعو إلى العناية بكل ضعيف أيًا كان سبب ضعفه، وخصوصًا إذا كان طفلًا خديجًا لا حول له ولا قوة. ولا ريب أن أية امرأة مرضع تسهم بالتبرع ببعض لبنها لتغذية هذا الصنف من الأطفال مأجورة عند الله، ومحمودة عند الناس، بل يجوز أن يشترى ذلك منها إذا لم تطب نفسها بالتبرع، كما جاز استئجارها للرضاع كما نص عليه القرآن، وعمل به المسلمون. ولا ريب كذلك أن المؤسسة التي تقوم بتجميع هذه "الألبان" وتعقيمها وحفظها لاستخدامها في تغذية هؤلاء الأطفال في صورة ما سمي " بنك الحليب " مشكورة مأجورة أيضًا. إذن ما المحذور الذي يخاف من وراء هذا العمل؟ المحذور يتمثل في أن هذا الرضيع سيكبر بإذن الله، ويصبح شابًا في هذا المجتمع، ويريد أن يتزوج إحدى بناته، وهنا يخشى أن تكون هذه الفتاة أخته من الرضاع وهو لا يدري، لأنه لا يعلم من رضع معه من هذا اللبن المجموع. وأكثر من ذلك أنه لا يعلم مَن من النساء شاركت بلبنها في ذلك، مما يترتب عليه أن تكون أمه من الرضاع، وتحرم هي عليه ويحرم عليه بناتها من النسب ومن الرضاع، كما يحرم عليه أخواتها لأنهن خالاته، ويحرم عليه بنات زوجها من غيرها –على رأي جمهور الفقهاء- لأنهن إخوته من جهة الأب، إلى غير ذلك من فروع أحكام الرضاع.

стр. 366

ولابد لنا هنا من وقفتين، حتى يتبين الحكم جليًا: ١- وقفة لبيان معنى "الرضاع" الذي رتب عليه الشرع التحريم. ٢- وقفة لبيان حكم الشك في الرضاع. معنى الرضاع: أما معنى الرضاع الذي رتب عليه الشرع التحريم، فهو عند جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الثلاثة ابو حنيفة ومالك والشافعي، كل ما يصل إلى جوف الصبي عن طريق حلقه، مثل الوجور، وهو أن يصب اللبن في حلقه، بل ألحقوا به السعوط وهو أن يصب اللبن في أنفه، بل بالغ بعضهم فألحق الحقنة عن طريق الدبر بالوجور والسعوط! وخالف في ذلك كله الإمام الليث بن سعد، معاصر الإمام مالك ونظيره، ومثله الظاهرية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. فقد ذكر العلامة ابن قدامة عنه روايتين في الوجور والسعوط. الأولى وهي أشهر الروايتين عنه والموافقة للجمهور، وهي أن التحريم يثبت بهما أما الوجور فلأنه ينبت اللحم وينشز العظم فأشبه الإرتضاع. وأما السعوط, فلأنه سبيل لفطر الصائم، فكان سبيلًا للتحريم بالرضاع كالفم. الرواية الأخرى: أنه لا يثبت بهما التحريم لأنهما ليسا برضاع. قال في المغني: وهو اختيار أبي بكر ومذهب داود وقول عطاء الخرساني في السعوط، لأن هذا ليس برضاع، وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع، ولأنه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه. ورجح صاحب المغني الرواية الأولى بحديث ابن مسعود عن أبي داود ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم)) . والحديث حجة عليهم، لأنه يتحدث عن الرضاع المحرم وهو ما كان له تأثير في تكوين الطفل بإنشاز عظمه وإنبات لحمه، فهو ينفي الرضاع القليل وغير المؤثر في التكوين، مثل الإملاجة والإملاجتين، فمثل هذا لا ينشز عظمًا ولا ينبت لحمًا، فالحديث إنما يثبت التحريم، الرضاع ينشز وينبت، فلابد من وجود الرضاع أولًا وقبل كل شيء. ثم قال صاحب المغني: ولأن هذا يصل به اللبن حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم ولأنه سبيل الفطر للصائم، فكان سبيلًا للتحريم كالرضاع بالفم. ونقول لصاحب المغني ﵀: لو كانت العلة هي إنشاز العظم وإنبات اللحم بأي شيء كان، لوجب أن نقول اليوم بأن نقل دم امرأة إلى طفلها يحرمها عليه ويجعلها أمه، لأن التغذية بالدم في العروق أسرع وأقوى تأثيرًا من اللبن، ولكن أحكام الدين لا تفرض بالظنون، فإن الظن أكذب الحديث، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . والذي أراه أن الشارع جعل أساس التحريم هو "الأمومة المرضعة، كما في قوله تعالى في بيان المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء الآية ٢٣] . وهذه الأمومة التي صرح بها القرآن لا تتكون من مجرد أخذ اللبن بل من الامتصاص والالتصاق الذي يتجلى فيه حنان الأمومة، تعلق البنوة، وعن هذه الأمومة تتفرع الأخوة من الرضاع، فهي الأصل، والباقي تبع لها.

стр. 367

فالواجب الوقوف عند ألفاظ الشارع هنا، وألفاظه كلها تتحدث عن الإرضاع والرضاع والرضاعة، ومعنى هذه الألفاظ في اللغة التي نزل بها القرآن وجاءت بها السنة واضح صريح، لأنها تعني إلقام الثدي والتقامه وامتصاصه، لا مجرد الاغتذاء باللبن بأي وسيلة. ويعجبني موقف الإمام ابن حزم هنا فقد وقف عند مدلول النصوص، ولم يتعد حدودها، فأصاب المحز ووفق للصواب. ويحسن بي أن أنقل هنا فقرات من كلامه لما فيها من قوة الإقناع ووضوح الدليل، قال: "وأما صفة الرضاع المحرم، فإنما هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفمه فقط، فأما من سقى لبن امرأة فشربه من إناء أو حلب في فمه فبلغه أو أطعمه بخبز أو طعام أو صب في فمه أو في أنفه أو في أذنه، أو حقن به، فكل ذلك لا يحرم شيئًا ولو كان ذلك غذاؤه دهره كله"، برهان ذلك قول الله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ النساء: ٢٣، وقال رسول الله ﷺ : ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) ، فلم يحرم الله تعالى ولا رسوله ﷺ في هذا المعنى نكاحًا إلا بالإرضاع والرضاعة، والرضاع فقط. ولا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع، يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة ولا إرضاعًا إلا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه، تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة. وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شيئًا منه إرضاعًا ولا رضاعة ولا رضاعًا، إنما هو حلب وطعام وإسقاء وشرب، وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا. قال أبو محمد: وقد اختلف الناس في هذا فقال الليث بن سعد "لا يحرم السعوط بلبن المرأة، ولا يحرم أن يسقى الصبي لبن المرأة في الدواء، لأنه ليس برضاع، إنما الرضاع ما مص من الثدي".

стр. 368

هذا نص قول الليث وهذا قولنا وهو قول أبي سليمان –يعني داود إمام أهل الظاهر- وأصحابنا، يعني الظاهرية. ورد على الذين احتجوا بحديث: ((إنما الرضاعة من المجاعة)) فكان مما قاله: "إن هذا الخبر حجة لنا، لأنه ﵊ إنما حرم بالرضاعة التي تقابل بها المجاعة، ولم يحرم بغيرها شيئًا، فلا يقع تحريم بما قوبلت به المجاعة من أكل أو شرب أو وجور أو غير ذلك، إلا أن يكون رضاعة، كما قال رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ". وبهذا نرى أن القول الذي يطمئن إليه القلب، هو ما يتمشى مع ظواهر النصوص التي ناطت كل الأحكام بالإرضاع والرضاع ومعناهما معروف لغة وعرفًا. كما يتمشى مع الحكمة في التحريم بالرضاع، وهو وجود أمومة تشابه أمومة النسب، وعنها تتفرع البنوة والأخوة وسائر القرابات الأخرى. ومعلوم أن الرضاع بهذا المعنى في حالة "بنوك الحليب" غير موجود، إنما هو الوجود الذي ذكره الفقهاء، فلا يترتب عليه حينئذ التحريم. الشك في الرضاع على أننا لو سلمنا برأي الجمهور في عدم اشتراط الرضاع والامتصاص لكان هنا مانع آخر من التحريم. وهو أننا لا نعرف من التي رضع منها الطفل؟ وما مقدار ما رضع من لبنها؟ وهل أخذ من لبنها ما يساوي خمس رضعات مشبعات؟ على ما هو القول المختار الذي دل عليه الأثر، ورجحه النظر، به ينبت اللحم، وينشز العظم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

стр. 369

وهل للبن المشوب المختلط حكم اللبن المحض الخالص؟ ففي مذهب الحنفية قول أبي يوسف –وهو رواية عن أبي حنيفة - أن لبن المرأة إذا اختلط بلبن امرأة أخرى، فالحكم للغالب منهما، لأنها منفعة المغلوب لا تظهر في مقابلة الغالب، وهنا لا يدرى غالب من مغلوب. والمعروف أن الشك في أمور الرضاع لا يترتب عليه التحريم، لأن الأصل هو الإباحة فلا ننفيها إلا بيقين. قال العلامة ابن قدامة في المغني: "وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم، لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدده". وفي "الاختيار" من كتب الحنفية: امرأة أدخلت حلمة ثديها في فم رضيع، ولا يدري: أدخل اللبن في حلقه أم لا؟ لا يحرم النكاح. وكذا صبية أرضعها بعض أهل القرية، ولا يدرى من هو، فتزوجها رجل من أهل تلك القرية، يجوز، لأن إباحة النكاح أصل، فلا يزول بالشك. قال: ويجب على النساء ألا يرضعن كل صبي من غير ضرورة، فإن فعلن فليحفظنه، أو يكتبنه احتياطًا". ولا يخفى أن ما حدث في قضيتنا ليس إرضاعًا في الحقيقة، ولو سلمنا بأنه إرضاع فهو لضرورة قائمة، وحفظه وكتابته غير ممكن، لأنه لغير معين، وهو مختلط بغيره. والاتجاه المرجح عندي في أمور الرضاع هو التضييق في التحريم كالتضييق في إيقاع الطلاق، وللتوسيع في كليهما أنصار.

стр. 370

الخلاصة: أننا لا نجد هنا ما يمنع من إقامة هذا النوع من "بنوك الحليب"، مادام يحقق مصلحة شرعية معتبرة، ويدفع حاجة يجب دفعها، آخذين بقول من ذكرنا من الفقهاء، مؤيدًا بما ذكرنا من أدلة وترجيحات. وقد يقول بعض الناس: ولماذا لا نأخذ بالأحوط، ونخرج عن الخلاف، والأخذ بالأحوط هو الأورع والأبعد عن الشبهات. وأقول: عندما يعمل المرء في خاصة نفسه، فلا بأس أن يأخذ بالأحوط والأورع، بل قد يرتقي فيدع ما لا بأس حذرًا مما به بأس. ولكن عندما يتعلق الأمر بالعموم، وبمصلحة اجتماعية معتبرة، فالأولى بأهل الفتوى أن ييسروا ولا يعسروا، دون تجاوز للنصوص المحكمة، أو القواعد الثابتة. ولهذا جعل الفقهاء من موجبات التخفيف: عموم البلوى بالشيء مراعاة لحال الناس ورفقًا بهم، هذا بالإضافة إلى أن عصرنا الحاضر خاصة أحوج ما يكون إلى التيسير والرفق بأهله. على أن مما ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الاتجاه في كل أمر إلى الأخذ بالأحوط دون الأيسر أو الأوفق أو الأعدل، قد ينتهي بنا إلى جعل أحكام الدين مجموعة "أحوطيات" تجافي روح اليسر والسماحة التي قام عليها هذا الدين، قال رسول الله ﷺ : ((بعثت بحنيفية سمحة)) ، ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) ، والمنهج الذي نختاره في هذه الأمور هو التوسط والاعتدال بين الملتزمين والمتهاونين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

стр. 371

بنوك الحليب الدكتور محمد علي البار ظهرت في السبعينات من القرن العشرين في أوربا والولايات المتحدة فكرة بنوك الحليب بعد أن انتشرت من قبل مجموعة من البنوك مثل بنوك الدم وبنوك القرنية وبنوك المني وبنوك الأعضاء. وتتلخص الفكرة: في جمع اللبن من أمهات متبرعات (أو بأجر) يتبرعن بشيء مما في أثدائهن من اللبن إما لكونه فائضًا عن حاجة أطفالهن، وإما لكون الطفل قد توفي وبقي في الثدي اللبن. يؤخذ هذا اللبن بطريقة معقمة من المتبرعة ويحفظ في قوارير معقمة بعد تعقيمه مرة أخرى في بنوك الحليب. ولا يجفف هذا اللبن بل يبقى على هيئته السائلة حتى لا يفقد ما به من مضادات الأجسام antibodies التي توجد في اللبن الإنساني ولا يوجد مثيلها في لبن الحيوانات مثل الأبقار والجواميس والأغنام. وتأتي أهمية هذا اللبن من الآتي: ١- احتوائه على العناصر المناسبة للطفل الإنساني. ٢- احتوائه على مضادات الأجسام antibodies وأجسام المناعة immunebodies. ٣- عدم وجود حساسية منه للطفل كما قد يحدث في ألبان الأبقار أو الجواميس أو الأغنام أو الماعز. ٤- لبن الأمهات يحمي الأطفال من مختلف أنواع الأخماج infections (الالتهابات) التي تصيب الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وغيرها من الأجهزة. ٥- لبن الأمهات وخاصة الذي يحتوي على خلايا المناعة بكمية كبيرة كما يحتوي على كمية كبيرة جدًا من أجسام المناعة وخاصة من نوع IJA الذي يلعب دورًا في حماية الجهاز الهضمي والتنفسي للطفل. ٦- لبن الأمهات يحتوي على نسبة من الزنك بينما لبن الأبقار أو الجواميس أو غيرها من الحيوانات لا يحتوي على الكمية الكافية منه.. ولذا فإن الأطفال الذين ينشأون على لبن غير إنساني يتعرضون لاحتمال الإصابة بأعراض نقص الزنك التي تؤدي إلى حدوث أعراض جلدية إما حادة أو مزمنة متمثلة في بثور وطفح جلدي سرعان ما يمتليء بالصديد أو الدم وخاصة في مخارج الجسم: حول الفم والشرج وفي الأطراف، ويصحب ذلك إسهال قد يكون شديدًا.

стр. 372

لهذه الأسباب ولغيرها يدعو الأطباء الأمهات إلى إرضاع أطفالهن لما يشمله ذلك من فوائد عديدة للطفل والأم على السواء. وبما أن الأم قد لا تستطيع إرضاع طفلها لنضوب لبنها أو لوجود مرض معد أو لأي سبب من الأسباب التي تمنع الإرضاع مثل وجود خراج بالثدي فإن البديل لذلك هو إيجاد مرضعة. وبما أن المرضعات قد اختفين من الوجود في المجتمعات الغربية (أوربا وأمريكا) وكثير من بقاع العالم، لذا ظهرت إلى السطح فكرة تكوين بنوك الحليب. وتعتمد هذه الفكرة على تجميع اللبن الفائض أو غير المرغوب فيه من الأمهات المتبرعات وحفظه حفظًا جيدًا في ثلاجات خاصة ثم إعطائه مجموعة من الأطفال هم في أشد الحاجة إليه ومع ذلك فإن أمهات هؤلاء الأطفال لا يستطعن القيام بإرضاعهم. وهؤلاء الأطفال هم: ١- الأطفال الحذج Premature babies أي الذين ولدوا قبل الميعاد (أقل من تسعة أشهر) وكلما كان ذلك أقل من التسعة أشهر كلما كانت حاجة الطفل أكبر. ومن المعلوم أن الأطفال الذين قد جاوزوا ستة أشهر يمكن أن يعيشوا وعلى هذا حكم الشرع وهو الحكم الذي استنبطه الإمام علي ﵁ عندما ولدت امرأة بعد زواجها بستة أشهر فعرضت على عثمان (١) ﵁ فأراد أن يتهمها بالزنا لاتهام زوجها لها بذلك فأبان له الإمام أن حملها وولادتها في ستة أشهر ممكنة وذلك لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فتبين من ذلك أن أقل الحمل ستة أشهر.

стр. 373

٢- الأطفال الناقصو الوزن عند الولادة Small for date رغم أنهم قد أكملوا مدة الحمل الطبيعية تسعة أشهر (٢٨٠ يومًا من آخر حيضة حاضتها المرأة أو ٢٦٦ يومًا منذ التلقيح، قد تزيد أو تنقص) . ٣- الالتهابات الحادة التي قد تصيب الطفل والإثنانات تجعله في حاجة شديدة للبن إنساني لما يحتويه من مضادات الأجسام. لهذه الأسباب قامت فكرة بنوك اللبن.. والقصد منها إنقاذ مجموعة من الأطفال الذين يحتاجون بصورة خاصة للبن الإنساني في الوقت الذي لا تستطيع فيه أمهاتهم أن يقمن بالرضاعة.. ولا يوجد في هذه المجتمعات مرضعات بأجر أو بغير أجر يقمن بهذا العمل الإنساني النبيل. هذه الفكرة قامت ونفذت بالفعل في أوربا والولايات المتحدة.. وهي فكرة لها ما يبررها من الناحية العملية وخاصة في أوربا وأمريكا.. ومع هذا فإن بنوك اللبن قد انكمشت بصورة خاصة في الولايات المتحدة. يقول الدكتور ماهر حتحوت (رئيس قسم الأمراض الباطنية بأحد المستشفيات الجامعية بالولايات المتحدة) : "إن حجم المشكلة أصغر مما قد تم تصوره ابتداء: لأن الألبان الصناعية (الحيوانية) تكفي وانحصر الاستعمال لمن لهم حساسية خاصة للألبان الصناعية أو لمن لا يستطيعون هضمه.. ونسبة الأطفال الحذج حوالي ٧ % من المواليد.. من هؤلاء أقل من ١ % من الـ ٧ % (الذين يحتاجون للبن الإنساني) وقد قمت بالاتصال ببنوك الألبان، فلقد انكمش إلى ثلثه في الولايات المتحدة ثم اتصلت بمستشفى الأطفال في لوس أنجلوس للسؤال عن عدد المرات التي استخدموا فيها بنوك اللبن في العامين الأخيرين فكان العدد صفرًا، ولذلك فإن المشكلة صغيرة ومنكمشة، ولكن الاحتمال موجود ومطروح، وقد تختفي المشكلة ثم تظهر بعد ذلك" (١)

стр. 374

وكنت قد قمت بسؤال مجموعة من أطباء الأطفال العاملين في الولايات المتحدة عندما كنت في زيارة لها في يناير ١٩٨٣ فذكروا لي أن بنوك الأطفال في الولايات المتحدة في مرحلة الاحتضار وذلك للأسباب التالية: ١- الحاجة إليها نادرة. ٢- تكلفتها عالية جدًا. ٣- ندرة الأمهات المتبرعات باللبن. ٤- يتعرض اللبن المتجمع للفساد مع الزمن رغم حفظه في البنك فهو معرض لإصابته بالميكروبات كما أنه معرض لتحلل بعض المواد الموجودة فيه فيفقد بذلك بعض مزاياه وفوائده. ما هي محاذير استعمال بنوك اللبن؟ ١- أن أول هذه المحاذير التي ينبغي أن نركز عليها في المجتمعات الإسلامية هو المحذور الديني وذلك أن جمع اللبن من أمهات متعددات وخلطه ثم إعطاءه الأطفال يؤدي إلى عدم معرفة مَن من النساء أرضعن مَن من الأطفال، فإذا حدثت الجهالة قد يؤدي ذلك إلى أن يتزوج الأخ أخته من الرضاع أو خالته أو عمته والرسول صلوات الله عليه يقول ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) وسنناقش فيما بعد بإيجاز أقوال الفقهاء المحدثين والسابقين في هذا الموضوع الحساس. ٢- أن بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة تقنيًا مثل الولايات المتحدة محفوفة بمجموعة من المحاذير التي سبق الإشارة إليها وهي أن كلفتها عالية جدًا، وأن اللبن المتجمع يتعرض إما لإصابته بالميكروبات وإما لفقدان بعض خصائصه وميزاته نتيجة تحلل المواد الموجودة فيه مع تقادم الزمن، ولندرة الحاجة إليه. ٣- أن بنوك اللبن في البلاد النامية تتعرض لهذه المصاعب بصورة أشد وأعتى لأن درجة التقنية والنظافة أقل بكثير مما هي عليه في الغرب، وذلك فإنها بالإضافة إلى كونها باهظة التكاليف جدًا بالنسبة للبلاد الفقيرة تعتبر غير ذات فائدة كبيرة لتعرض اللبن إلى الإصابة بالميكروبات.. ولتحلل مواده الهامة بالتخزين الطويل. يقول الدكتور ممدوح جبر وزير الصحة السابق في مصر وأستاذ طب الأطفال ورئيس نقابة الأطباء: "إن الفكرة تطرح في مصر قليلًا جدًا، ولدى فئة متخصصة قليلة وهي المهتمة بشئون الأطفال المبتسرين (أي الحذج) لأنهم يحتاجون بشدة إلى الرضاعة الطبيعية، ولا يمكن للطفل من الحصول المباشر عليه، ولكن رغم أن الفكرة (أي فكرة بنوك الحليب) تم تنفيذها في بعض البلدان الأوربية وفي أميركا وتحقق نجاح كبير هناك (سبق أن قلنا إن بنوك الحليب في الولايات المتحدة تحتضر) إلا أنه يصعب تنفيذها هنا داخل مصر أولًا، لأن الرضاعة الطبيعية ليس فيها مشكلة في مصر لأن نسبة ٨٥ % من الأمهات المصريات يرضعن أبناءهن رضاعة طبيعية والباقي توفر له الحكومة الألبان الطبيعية (أي المرضع) والباقي توفر له الحكومة الألبان الصناعية المناسبة وبعض البدائل الأخرى (من) الرضاعة. ثانيًا: تنفيذ المشروع يحتاج إلى تكاليف مرتفعة جدًا إذا أردنا توفيره للأطفال العاديين لأن طريقة جمع اللبن نفسها سوف تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت كما أن عمليات التعقيم والتبخير والحفظ تحتاج إلى كثير من العمليات وكثير من التكلفة حتى تصل إلى الطفل الثاني الذي سوف يحصل على هذا اللبن إلى جانب أن طريقة إعطاء اللبن للطفل أيضًا سوف تعرضه إلى التلوث، أما عن طريق الرضاعة التي سيتناول بها أو عن طريق الماء وغيره" (١)

стр. 375

ويقول الدكتور مصطفى حمامي وكيل وزارة الصحة للرعاية الأساسية: "إن الفكرة تطبق في الخارج على اعتبار أن لبن الأم هو أعلى قيمة غذائية يمكن أن تعطى للطفل وأنه إذا أمكن توفيره لدى أم أخرى لا تحتاج إليه في إرضاع طفلها يأخذه طفل آخر.. ولكن في مصر يصعب جدًا تنفيذ الفكرة على أساس أن أقصى قيمة يمكن أن تجمع من الأم الجيدة الإدرار يوميًا لا تزيد عن لتر واحد من اللبن.. فهل تكفي هذه القيمة لإرضاع طفل آخر أو حتى طفلين. ثانيًا: أن من أهم أغراض الإرضاع هو تحقيق الارتباط بين أم وطفل وتوفير جو من الحنان له.. وهذا طبعًا لا يمكن تحقيقه عن طريق البنك، وأيضًا كيف توفر الأم التي ستعطينا اللبن، هل ستكون متبرعة إذا مات طفلها أو فطم، وهل ستولى طفلًا إن كان صحيًا يحتاج بشدة إلى هذا اللبن عن طفلها.. كل هذه الأسئلة مطروحة أمام فكرة التنفيذ وكيف سيودع هذا الحليب؟ هل سيودع في المستشفيات للحالات الخاصة والمحتاجة بشدة له أم سيمنح للقادرين ماديًا والذين يستطيعون الحصول عليه" (١) ويقول الدكتور عبد الصادق حامد الاعرج المدرس بطب بنها بعد أن ذكر فوائد الرضاعة الطبيعية: فهل تستطيع الأم مشاركة طفلها مع آخر يوفر لها الحماية الضرورية عن طريق البنك؟ أم أنه سوف يتحول إلى نوع من التجارة واستغلال إمكانيات الفقيرات وتوجيهها إلى الأغنياء مما يضعف هؤلاء الأمهات ويؤثر تأثيرًا مباشرًا على صحتهن وصحة من يرضعهن من أطفالهن إلى جانب أنه ثبت علميًا أن نسبة حدوث النزلات المعوية في الرضاعة الصناعية خمسة أضعاف الرضاعة الطبيعية فهل تحقق الفكرة القضاء على النزلات المعوية كعلاج" (٢) ويقول الدكتور علي فهمي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: (٣) "إنه لو دخل هذا المشروع نطاق التنفيذ فسيكون فاشلًا وسيخلق جيلًا فاشلًا اجتماعيًا لا يمكن أن يتكيف مع المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، وبالتالي سيخلق جيلًا ضعيفًا مليئًا بالأمراض والأوبئة لأنه سيحرم كثيرًا من الأطفال الأصليين أبناء هؤلاء الأمهات اللائي سيتعاملن مع هذا البنك مما سيترتب عليه حرمان هؤلاء الأطفال من حقهم الطبيعي في الغذاء مقابل بيع هذا اللبن كما سينتج عنه تشجيع كثير من الأمهات على امتهان هذه المهنة (مثل الاتجار ببيع الدم) وسيكون هؤلاء الأمهات من الطبقات الدنيا التي لاشك أن لديهن كثيرًا من الأمراض.

стр. 376

"ولا أتصور أن تكون هذه العملية إنسانية لأنها تعمل على تشجيع الأمهات على الامتناع عن إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية.. هذا إلى جانب الناحية النفسية للطفل، فقد أكدت كل البحوث والدراسات أن تربية الطفل الرضيع ليست عملية تغذية فقط إلا أنه إلى جانب ذلك تعطى للطفل جرعة من الإشباع في الحنان والحب والدفء والعطف من الأم". ورغم أن الدكتور علي فهمي لم يفهم الفكرة الأساسية من بنوك اللبن وهي إعطاء لبن إنساني للأطفال الحذج أو غيرهم ممن هم في حاجة ماسة إليه وليس بديلًا عن الرضاعة الطبيعية وإنما هو حالة استثنائية لمن لا تستطيع أن ترضع طفلها المحتاج للرضاعة إلا أن ما ذكره من احتمال وجود طبقة من الأمهات الفقيرات يبعن لبنهن في مقابل دريهمات ويضعن أولادهن في خطر المسغبة، أو إعطاء أولادهن اللبن الصناعي (اللبن الحيواني) مما يعرض هؤلاء الأولاد لمخاطر التغذية بالألبان الصناعية، إلا أن ذلك أمر وارد وخاصة في البلاد النامية حيث رأينا أن التبرع بالدم قد تحول إلى تجارة حيث يقوم الفقراء والمحتاجون ببيع دماءهم لمراكز الدم. أما الدكتور محمد فؤاد إسماعيل أخصائي حفظ وتبريد الألبان في مصر فيقول: "إن الله كرم الإنسان وفضله على سائر مخلوقاته، وبتطبيق نظام بنك ألبان الأمهات (ومع تقديري للأمهات) إلا أنها تتمثل بالبقرة الحلوب أو الجاموسة أو النعاج بجمع لبنها وتعامل بوسائل الحفظ المختلفة من تبريد وتجفيف، هذه الطريقة لا يمكن أن يتقبلها الإنسان لا شكلًا ولا موضوعًا" (١) وقد قمت بسؤال بعض المختصين في هذا الموضوع وهم الأستاذ الدكتور محمود حسن أستاذ طب الأطفال ورئيس قسم الأطفال بمستشفى الأطفال والولادة بجدة والدكتور محمد أمين صافي الأستاذ المساعد بقسم الكائنات الدقيقة بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز وصاحب عدة أبحاث في اللبن وخواصه المناعية والدكتور أحمد خالد حميدة الأستاذ المساعد بطب الأطفال جامعة الملك عبد العزيز، وكانت خلاصة آرائهم تتفق في الآتي مع آراء كاتب هذه السطور: ١- لا توجد حاجة حقيقية لبنوك اللبن في البلاد الإسلامية بصورة خاصة والبلاد النامية بصورة عامة.. وذلك لانتشار الرضاعة من الأم وإذا لم تتيسر الرضاعة من الأم فإن المرضعات لا يزلن بحمد الله موجودات.. ولا تزال المجتمعات الإسلامية تعيش نوعًا من التكافل والترابط الأسرى، ففي الأسرة الكبيرة التي عادة ما تضم العمات أو الخالات هناك أكثر من امرأة تستطيع الإرضاع في الأسرة فإذا تعذر على واحدة منهن إرضاع طفلها كان هناك من القريبات أو الجارات أو الصديقات من يقمن بهذا العمل الإنساني العظيم، وإذا تعذر ذلك كله وهو أمر نادر الحدوث فهناك أيضًا المرضعات بأجر أو بغير أجر احتسابًا للثواب عند الله تعالى.

стр. 377

٢- رغم أن الطفل الحذيج Premature baby قد يبقى في مستشفى الأطفال لمدة شهر بينما لا تستطيع أمه البقاء معه طوال هذه المدة لحاجة الأطفال الآخرين والزوج إليها فقد وفرت المستشفيات النظام الحديث الذي يطبق الآن في الغرب وفي المملكة فهو يسمح للأم بالحضور إلى المستشفى في الوقت المناسب لها عدة مرات يوميًا لإرضاع طفلها وإذا لم تتمكن من ذلك أمكن حضور العمة أو القريبة أو المتبرعة بالرضاعة فترضعه. وبذلك يحصل الطفل على فوائد الرضاعة كاملة ويتجنب مزالق وسيئات اللبن الصناعي أو اللبن الذي جمع وحفظ في بنوك اللبن.. كما أن المرضع تكون معروفة معلومة فتصبح إما للطفل الذي أرضعته ويصبح زوجها أباه لأنه صاحب اللبن.. وتعرف بذلك دائرة المحرمات من الرضاع. ٣- أن تنفيذ بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة تعترضه المصاعب والعقبات وهو مكلف.. باهظ التكاليف.. وبالنسبة للبلاد النامية الفقيرة فإن إقامة بنوك اللبن أمر مكلف للغاية إذا أريد أن يكون على المستوى الصحي المطلوب. ٤- في البلاد النامية هناك محاذير أخرى فبالإضافة إلى احتمال عدم التعقيم الجيد وفقدان بعض المواد الهامة بالتخزين والحفظ فإن هناك احتمالًا لتحول الأمر إلى تجارة، وأن تضطر الفقيرات المعدمات إلى بيع لبنهن وترك أولادهن للمسغبة أو لمستحضرات الألبان الصناعية. ٥- أن الأمهات المرضعات موجودات واستبدال الأدنى بالذي هو خير شبيه بما فعله بنو إسرائيل عندما طلبوا البصل والثوم والعدس وتركوا المن والسلوى. ٦- هناك احتمال إذا انتشرت هذه البنوك أن تتقاعس الأمهات السليمات والقادرات على الرضاعة وخاصة الطبقة الثرية المترفة أو الموظفات عن واجب الرضاعة واستبدال ذلك باللبن الإنساني المأخوذ من بنوك اللبن على اعتبار أنه يمثل اللبن الإنساني المطلوب والأفضل بكثير من لبن الأبقار والجواميس والأغنام.. وهذا بدوره يؤدي إلى عدة مخاطر ومحاذير وهي: أ- فقدان الفوائد الجمة للرضاعة للأم.. فالرضاعة تفيد الأم كثيرًا وذلك أن عملية مص الثدي تؤدي إلى إفراز مادة الإكسيرتوسين التي تساعد الأم على عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي بعد الولادة، كما أن الرضاعة تساعد الأم الوالدة إلى عودة جسمها إلى وضعه الطبيعي وتمنع بذلك الترهل على عكس ما هو شائع من أن الرضاعة تسبب الترهل، فالرضاعة الطبيعية تساعد الأم في العودة إلى رشاقتها كذلك فإن الرضاعة الطبيعية تساعد الأم على منع الحمل لفترة الرضاعة وتجنبها أخطار حبوب منع الحمل أو اللولب، هذا بالإضافة إلى الفائدة النفسية الهامة لأن عملية الإرضاع وإلزاق الطفل بالصدر يعطي الأم فوائد جمة نفسيًا وبدنيًا.. ويزيد من ارتباطها بطفلها.

стр. 378

ب- الفوائد المتعددة للرضاعة للطفل لا تتحقق بأخذ اللبن الإنساني لأن عملية الرضاعة بحد ذاتها تفيد الطفل في نموه النفسي والجسدي، والتقام الطفل الثدي يمنع عنه أذى الميكروبات كما يمنع عنه أذى الاضطرابات النفسية المستقبلية، وتجعله متوازنًا نفسيًا، ومنسجمًا مع مجتمعه، وقد وجد أن الأطفال الذين لم يرضعوا من أمهاتهم أكثر تعرضًا للانحرافات الخلقية والنفسية والأمراض العقلية والسلوك الإجرامي. ج – إن عدم الرضاعة تؤدي إلى نقص إفراز اللبن من الثدي، وأن سحب اللبن من الثدي وحده لا يقوم مقام الطفل الذي يمص الثدي، وذلك لأن إفراز هرمون البردلاكتين الذي يزيد من إفراز اللبن مرتبط بعملية المص ذاتها. د – أن اللبن الإنساني المحفوظ في بنوك اللبن معرض للتلوث أما عند جمعه أو أن عملية التعقيم غير مجدية ولا كافية.. أو.. وهذا هو متوقع عند تناوله إذ يعطي في قوارير قد تحتاج إلى تعقيم شديد.. وهذا أمر قد تهمل فيه الأم التي تعطي طفلها اللبن. وهذا ما يحدث عادة بالنسبة للألبان الصناعية إذ تكون هي في ذاتها معقمة.. ولكن عدم التعقيم يأتي من جهل الأمهات وطريقة تحضيرهن لهذا اللبن وقد أدى ذلك كما تقول منظمة الصحة العالمية إلى إصابة أكثر من عشرة ملايين طفل بنوبات الإسهال سنويًا في العالم الثالث، وإلى أن يموت نصفهم في كل عام نتيجة استعمال الألبان الصناعية كما أن عددًا آخر تضعف مقاومتهم للأمراض التي تصيب الجهاز التنفسي نتيجة استخدام الألبان الصناعية فيؤدي ذلك إلى مزيد من الوفيات، وتقدر الهيئات الطبية أن حوالي عشرة ملايين طفل يلاقون حتفهم سنويًا بسبب عدم إرضاع أمهاتهم لهم.. ومعظم هذه المحاذير موجودة أيضًا في لبن البنوك الباهظة التكاليف. هذا مجمل لأقوال الأطباء في موضوع بنوك اللبن فما هو يا ترى قول أو أقوال الفقهاء في هذا الموضوع؟ رغم أن هذا الموضوع (بنوك اللبن) حديث جدًا ولم يكن موجودًا في السابق بل إنه غير موجود حتى الآن سوى في مراكز معدودة في أوربا والولايات المتحدة وبعض البلاد المتقدمة تقنيًا، ولا يوجد إلى الآن في بلاد المسلمين خاصة وبلاد العالم الثالث عامة لصعوبة تنفيذه ولعدم الحاجة له، أقول: رغم أن هذا الموضوع حديث جدًا إلا أن الفقهاء القدماء قد تعرضوا له بإسهاب في كتبهم عندما تحدثوا عن الرضاعة، وسقى الطفل اللبن من غير التقام للثدي بل تعرضوا لتحول اللبن إلى جبن أو جعله إدامًا في خبز وأكله، وهل يحرم ذلك؟ أي يجعل من تناوله من الأطفال يدخل في تحريم الرضاع (أي الأخت الأم الخالة العمة.. إلخ من الرضاع) .

стр. 379

ولم يبحثوا ذلك فحسب بل بحثوا أيضًا موضوع رضاع الكبير وهل يسبب التحريم أم لا؟ كما بحثوا السعوط والحقنة. ولا تتجه النية هنا إلى استعراض أقوال الفقهاء في هذا الباب فهو باب طويل من أبواب الفقه ويهم الفقهاء تفاصيله، وما يهم الإنسان العادي الذي ليس من أهل الفقه مثلي هو مجمل أقوالهم في القديم والحديث. معنى الرضاع: يقول الشيخ يوسف القرضاوي (١) : "أما معنى الرضاع الذي رتب عليه الشرع التحريم فهو عند جمهور الفقهاء ومنهم الائمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي: كل ما يصل إلى جوف الصبي عن طريق حلقه مثل الوجور وهو أن يصب اللبن في حلقه، بل ألحقوا به السعوط وهو أن يصب اللبن في أنفه بل بالغ بعضهم فألحق الحقنة عن طريق الدبر بالوجور والسعوط. وخالف في ذلك كله الإمام الليث بن سعد، معاصر الإمام مالك ونظيره، ومثله الظاهرية وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فقد ذكر العلامة ابن قدامة عنه روايتين في الوجور والسعوط: الأولى: وهي أشهر الروايتين عنه والموافقة للجمهور هي أن التحريم يثبت بهما، أما الوجور فلأنه ينبت اللحم وينشز العظم فأشبه الإرضاع، وأما السعوط فلأنه سبيل لفطر الصائم فكان سبيلًا للتحريم بالرضاع كالفم. الرواية الأخرى: أنه لا يثبت بهما التحريم لأنهما ليسا برضاع.. ورجح صاحب المغني الرواية الأولى بحديث ابن مسعود عن أبي داود ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم)) ، وخلاصة رأي ابن حزم والظاهرية أن الرضاع لا يطلق إلا على ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفمه فقط قال ابن حزم في المحلى: (٢) "وأما صفة الرضاع المحرم فإنما هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفمه فقط، فأما من سقى لبن امرأة فشربه من إناء أو حلب في فمه فبلعه أو أطعمه بخبز أو طعام أو صب في فمه أو أنفه أو في أذنه أو حقن به، فكل ذلك لا يحرم شيئًا ولو كان ذلك غذاؤه دهره كله، برهان ذلك قول الله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وقال رسول الله ﷺ : ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) فلم يحرم الله تعالى ولا رسوله في هذا المعنى نكاحًا إلا بالإرضاع والرضاعة والرضاع فقط، ولا يسمى إرضاعًا إلا ما رضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا ولا يسمى رضاعة ولا رضاعًا إلا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه، تقول رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شيء منه إرضاعًا ولا رضاعة ولا رضاعًا، إنما هو حلب وطعام وسقاء وشرب وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئًا.

стр. 380

واستطرد ابن حزم وأفاض ورد على الجمهور في احتجاجهم بقوله ﷺ : ((إنما الرضاعة من المجاعة)) . وخلاصة هذا الكلام أن المذاهب الأربعة وهي الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية يرون أن تناول خمس رضعات (وهناك خلاف في العدد) مشبعات توجب التحريم بين المرضعة والرضيع ويحرم بالتالي جميع ما يحرم بالنسب لقوله ﷺ : ((يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب)) ، ولا فرق في ثبوت التحريم بالرضاع بين أن يرتضع الطفل من الثدي مباشرة أو أن يشرب لبن المرأة من الزجاجة بعد حلبه، حتى لو صار لبن المرأة جبنا أو مخيضًا فإنه يثبت به التحريم عند الشافعية والحنابلة وقال أبو حنيفة: إذا صار جبنًا أو مخيضًا لا يثبت به التحريم لزوال الاسم (١) وهذا كله في لبن المرأة، أما لبن البهيمة فلا يتعلق به تحريم كما يقول السيد عمر حامد الجيلالي في جوابه عن بنوك الحليب (٢) وقد شذ عن هذا الرأي الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم والليث بن سعد كما تقدم، وأما من المحدثين فقد مال الشيخ يوسف القرضاوي في بحثه الطويل عن بنوك الحليب المقدم إلى ندوة الإنجاب بالكويت إلى رأي الظاهرية، وهو أن الرضاعة تستلزم شقين تناول اللبن وتناول الثدي. ولم يوافق الشيخ يوسف القرضاوي الظاهرية في أن الرضاعة من الكبير توجب التحريم، ومال إلى رأي الجمهور بأن هذا كان خاصًا بسالم مولى أبي حذيفة، فقد كان سالم متبني لأبي حذيفة قبل أن يحرم الإسلام التبني، فلما حرم الإسلام التبني شق على أبي حذيفة وزوجته ذلك فقد كانا يعبتران سالمًا ابنهما ولم يكن لهما إلا بيت واحد حينئذ قال رسول الله ﷺ لزوجة أبي حذيفة: ((أرضعيه تحرمي عليه)) ، أخرجه مسلم وأبو داود وتفاصيل القصة رواها الإمام مالك في الموطأ وعبد الرزاق في مسنده (٣)

стр. 381

واتفق الجمهور على أن هذا كان خاصًا بسالم وأن الرضاع المحرم لا يعتبر إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم لقوله ﷺ : ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم)) أخرجه أبو داود. وأورد الشيخ يوسف القرضاوي حجة أخرى في أن لبن بنوك الحليب لا يحرم لأنه مختلط من أمهات كثيرات غير معلومات وأن الشك يعتريه ومادام الشك فيه لا يثبت الرضاع لأن الأصل عدم الرضاع. وقد أفتى الشيخ عبد اللطيف حمزة مفتي مصر بأنه لا تحرم رضاعة أي طفل من لبن البنوك واستند المفتي في قوله ذلك إلى مذهب أبي حنيفة الذي ينص على أن الرضاع لا يحرم إلا إذا تحققت شروطه ومنها أن يكون اللبن الذي يتناوله الطفل لبن امرأة وأن يصل إلى جوفه عن طريق الفم ولا يكون مخلوطًا بغيره كالماء أو الدواء أو لبن الشاة أو بجامد من أنواع الطعام أو بلبن امرأة أخرى فإن خلط بنوع من الطعام، وإن طبخ معه على النار فلا يثبت التحريم باتفاق أئمة المذهب الحنفي.. وإذا لم تمسه النار فلا يثبت به التحريم أيضًا عند أبي حنيفة سواء أكان الطعام المضاف غالبًا أو مغلوبًا لأنه إذا خلط الجامد بالمائع صار المائع تبعًا فيكون الحكم للمتبوع والعبرة بالغلبة ولو خلط لبن امرأتين فإن العبرة للغلبة أيهما كان أكثر فإنه يثبت التحريم دون الآخر، وإن استويا ثبت التحريم بهما. والرضاع لا يثبت بالشك، ولا يحل اللبن رائبًا أو جبنًا فإن تناوله الصبي لا تثبت به الحرمة لأن اسم الرضاع لا تقع عليه. وإذا صار اللبن جافًا مسحوقًا فقد زال عنه اسم اللبن وإذا خلط بالماء بعد ذلك لم يعد محرمًا، وإذا جمع اللبن من نساء غير محصورات ولا متعينات بعد الخلط فلا مانع في رأي المفتي الشيخ عبد اللطيف حمزة من الزواج بين من تناول هذا اللبن لعدم إمكان إثبات التحريم لعدم تعيين من تبرعن باللبن.

стр. 382

أما إذا كان اللبن محفوظًا على هيئته السائلة ثم أعطي للأطفال فإن عامل الجهالة يبقى دائمًا ومن ثم لا يكون هناك مانع من الزواج بين الذين رضعوا من هذا اللبن المجهول (١) وقد رد كثير من الفقهاء على المفتي الشيخ عبد اللطيف حمزة والشيخ يوسف القرضاوي وخالفوهما في الرأي المبيح وذهبوا إلى الحرمة.. وإلى رأي الجمهور نذكر منهم عددًا اشترك في ندوة الإنجاب بالكويت وطالبوا بوضع احتياطات مشددة إذا دعت الحاجة القصوى إلى مثل هذه البنوك ومنها أن يكتب على كل قارورة اسم المتبرعة ويسجل ذلك في سجل ويكتب اسم الطفل الذي تناول هذا اللبن ويسجل فيه الطفل ويعلم أهل الطفل اسم هذه المرضعة، وبذلك ينتفي المحذور، نذكر من هؤلاء الشيخ بدر المتولي عبد الباسط أمين الموسوعة الفقهية بالكويت، الدكتور محمد الأشقر الخبير بالموسوعة الفقهية، والشيخ إبراهيم الدسوقي وزير الأوقاف في مصر، الدكتور عمر الأشقر الأستاذ بكلية الشريعة بالكويت، والشيخ عز الدين توني باحث بالموسوعة الفقهية، والشيخ عبد الرحمن خالق وزارة التربية والتعليم بالكويت والدكتور زكريا البري مستشار بيت التمويل الكويتي، ومجموعة من الأطباء من بينهم الأستاذ الدكتور حسان حتحوت أستاذ أمراض النساء والولادة بجامعة الكويت. ومن خارج الندوة أفاض الدكتور عبد الرحمن النجار في الرد على جواب مفتي مصر الشيخ عبد اللطيف حمزة، وقال: إن هذا المشروع حرام شرعًا، وليس هناك أدنى شبهة في حرمة هذا المشروع مع احترامي الشديد للرأي الذي أعلنه فضيلة الشيخ عبد اللطيف حمزة مفتي جمهورية مصر العربية إلا أنني لا أوافق على هذا الرأي إطلاقًا لأن النص في التحريم كان صريحًا، لأن مذهب الشافعية أقر غير ذلك وحرمه وكان النص صريحًا، وكما يحرم اللبن الباقي على أصل خلقته يحرم بعد تغيره على هيئة حالة انفصاله عن الثدي كالجبن والزبد وما عجن به الدقيق أو خالطه ماء أو نحوه، وغلب اللبن على الخليط بأن ظهرت إحدى صفاته الثلاث وهي الطعم واللون والرائحة، لوصول عين اللبن إلى الجوف وحصول التغذي به ويشترط في ثبوت التحريم في ذلك شرب الجميع فلو شربه بعضه متحققًا أنه وصل منه شيء إلى الجوف كأن بقي من المخلوط اقل من قدر اللبن حرم (٢)

стр. 383

وبمثل هذا الرأي كتب إلى الأهرام الشيخ محمد حسام الدين رئيس الإدارة المركزية لمكتب شيخ الأزهر (١) وقد ذكر السيد محمد أحمد الشاطري في رده على الأسئلة الموجهة إليه من قسم الطب الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بعد أن أفاض في موضوع الرضاع وأقوال الفقهاء في ذلك، قال: "بناء على ما تقدم فإني أنصح بعدم تأسيس هذه البنوك كما أن على مستشفيات الولادة أن لا تتساهل في إرضاع طفل لبن غير أمه تجنبًا للوقوع في المحظور شرعًا مستقبلًا" (٢) وأصل الحكمة في التحريم بالرضاع أن التغذية بلبن المرضع كالتغذية بلبن الأم الحقيقية وفي ذلك شعور بالأمومة والحنان أيضًا، خصوصًا إذا اقترن بإنشاز العظم وإنبات اللحم كما في الحديث الذي رواه أبو داود وهو: ((لا رضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم)) ، ومعلوم أن المذاهب اختلفت في الكمية والكيفية من الرضاع، ومذهب كل من الإمامين أبي حنيفة ومالك التحريم بالرضعة الواحدة. ومذهب الشافعي وأحمد لابد من خمس رضعات متفرقات. الخلاصة: إن موضوع بنوك الحليب (اللبن) أمر غير مرغوب فيه ولا حاجة له طبيًا وخاصة في البلاد الإسلامية فبنوك الحليب فيها كثير من المحاذير الطبية حيث إن كلفتها باهظة، ولا تقوم مقام الرضاعة من الثدي، وتحتمل إمكانية تلوثها بالميكروبات وتفقد فوائد الرضاعة بالنسبة للأم، وكثيرًا من فوائد الرضاعة للطفل. وقد تتحول إلى تجارة وتؤدي إلى عدم الإرضاع من الأمهات المترفات أو الموظفات كما تؤدي إلى حرمان أطفال الأمهات الفقيرات من الرضاعة لأن الأم تبيع لبنها للبنك بثمن جيد وتعطي طفلها بدلًا عن الرضاع اللبن الصناعي، وبذلك تزداد المخاطر على هؤلاء الأطفال.

стр. 384

وفي الوقت الحاضر على الأقل لا تبدو هناك أي حاجة في البلاد النامية بصورة عامة والبلاد الإسلامية بصورة خاصة إلى إقامة بنوك الحليب. أما من الناحية الدينية فإن الجمهور وهو رأي المذاهب الأربعة الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية يقولون بالتحريم من رضاعة لبن يجمع من أمهات متعددات ويبقى على هيئته أي دون تجفيفه وهذا ما يحدث في البنوك، وأما افتراض السعوط أو الحقنة أو الطعام أو تحويله إلى جبن أو زبد أو الائتدام به مع الخبز فأمر غير وارد لأن هذا اللبن إنما يقصد به إنقاذ مجموعة من المواليد (الحذج أو ناقصي النمو) في الفترة الأولى من حياتهم (لبضع أسابيع أو بضعة أشهر على أقصى مدى) . والمحاذير كثيرة طبيًا واجتماعيًا ودينيًا، ولهذا نرى عدم الحاجة لهذه البنوك. وليس علينا أن نتبع كل صيحة في الغرب وأن نجري وراء كل ناعق هناك كما حذر الرسول ﷺ باتباع سنن أهل الكتاب ((حتى لو دخلوا جحر ضب دخلنا وراءهم)) والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 385

العرض والمناقشة ١١/٤/ ١٤٠٦هـ – ٢٣/ ١٢/ ١٩٨٥ م الساعة ١٢.٠٠ – ١٣.٥٠ الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، عندنا في الجدول بنوك الحليب وأرجو من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي أن يتفضل بملخص هذا الموضوع، وشكرًا. الشيخ يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. موضوع بنوك الحليب وهو موضوع البحث الذي بين أيديكم كان جوابًا عن سؤال أو استفسار من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت، والسؤال كان من بعض الإخوة الأطباء المعنيين بهذه الأمور منهم الأخ الدكتور حسان حتحوت، وهم يثيرون مشكلة: هي أن هناك بعض الأطفال الذين قد يولد أحدهم خداجًا ناقصًا ويحتاج إلى أن يمكث في المستشفى عدة أشهر ويحتاج إلى حليب يرتضعه، وكذلك بعض الأطفال الذين تموت أمهاتهم في الولادة فهؤلاء يحتاجون إلى غذاء أفضل من اللبن أو الحليب الطبيعي الذي أجراه الله تعالى في صدور الأمهات غذاء للأطفال، وكان السؤال يتوجه ما الحكم في إنشاء بنوك لهذا اللبن أو لهذا الحليب المختلط لتغذية مثل هؤلاء الأطفال في مثل هذه الأحوال؟ طبعًا موضوع بنك يجمع اللبن، تبرع المرأة باللبن هذا أمر جائز هي مأجورة من الله ومشكورة من الناس، إذا تبرعت بلبنها لغذاء الطفل، وتجميع هذا بشروطه الصحية هذا أيضًا لا شيء فيه، فما جاء المحذور ولماذا كان السؤال؟ السؤال لأن عندنا نحن المسلمين مسالة التحريم بالرضاع، فقد يترتب على ذلك أن يأتي هذا الطفل ويتزوج من بنت امرأة من هذه النسوة اللاتي تبرعن بلبنها لهذا البنك، أو يتزوج من بنت رضعت من هذا البنك أو نحو ذلك، فما الحكم في هذه الناحية؟ أنا حقيقة نظرت في هذا الأمر على طريقة ما سميته بالأمس " الاجتهاد الجزئي الانتقائي" فنحن نقول إن الاجتهاد الجزئي أمر سهل ومقدور عليه وخاصة إذا كان اجتهادًا انتقائيًا حتى ولو كان في المسائل الجديدة، ونعني بانتهاج الاجتهاد الانتقائي، النظر في الفقه الموروث عن أئمتنا ومذاهبنا المختلفة وسواء كان هذا الفقه للمذاهب المتبوعة أو غير المتبوعة لأنه ربما كان هذا فقهًا لأحد الصحابة أو أحد التابعين ممن ليس لهم مذهب مدون، هذا الفقه غني وسخي وينبغي أن يستفاد منه إذا أردنا الاجتهاد لعصرنا، ولا يمكن أن يقف الاجتهاد على ما دون في المذاهب المعتبرة والمتبوعة، وعند النظر في فقهنا وجدت أن هناك اعتبارين أساسيين في هذه القضية:

стр. 386

الاعتبار الأول: هو تحديد ما هي الرضاعة، هل الرضاعة مجرد وصول اللبن إلى الجوف أم الرضاعة الامتصاص، امتصاص اللبن بالتقام الثدي، الجمهور على الأول، هذا هو الرأي الذي تعلمناه منذ أن كنا طلبة وهو الرأي السائد والمعروف، فالرأي السائد والمعروف هو: أن الرضاع ما وصل إلى الجوف ولو عن طريق الصب في الحلق أو السعوط في الأنف أو أي طريقة كانت، هذا هو الرأي المعروف، وهناك رأي آخر، هذا الرأي الآخر هو رأي الإمام الليث بن سعد وهو أحد الأئمة المعروفين وكان يقارن بالإمام مالك وهو رأي رواية عن الإمام أحمد كذلك وهو مذهب الظاهرية، مذهب داود وأصحابه إلى ابن حزم، وقد أيد ابن حزم هذا الرأي أن الرضاعة لغة هي التقام الثدي وامتصاصه، وقد لا يعرف في اللغة رضع من الإنسان أو الحيوان إلا التقام الثدي وامتصاصه، وأيد هذا تأييدًا قويًا، وعلى هذا الأساس أنا في الحقيقة تبين لي رجحان هذا المذهب وإن لم يكن هو المذهب السائد في الأئمة الأربعة، فقد يرجح الناظر في الفقه الإسلامي مذهبًا غير المذهب السائد وغير المذهب المشهور وينبغي أن يكون هذا هو منهج هذا المجمع، نأخذ الفقه من أوسع أبوابه، هذه من ناحية، من ناحية أخرى مسألة الرضاع المحرم، إذا صرفنا النظر عن مذهب الإمام الليث ورواية الإمام أحمد ومذهب الظاهرية، فهناك مسألة الشك في الرضاع، ما حكم اللبن المشوب؟ اللبن إذا اختلط بغيره، عند الحنفية رأي وهو رأي أبو يوسف وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة أن اللبن إذا اختلط بغيره بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما، ولكن هنا ليس هناك غالب ومغلوب، اختلطت ألبان كثيرة فلم يعد هناك أثر لأي امرأة منهن، ثم من ناحية أخرى أيضًا ذكر الحنفية وقد نقلت في البحث ما ذكره ابن مودود صاحب كتاب الاختيار وهو من الكتب التي درسناها في المرحلة الثانوية في الأزهر، ذكر صاحب الاختيار: لو أن امرأة في قرية أرضعت طفلًا لا يحرم عليه نساء هذه القرية من أجل هذه المرأة لأن الشك في هذه الحالة لا يؤثر، فبناء على هذا قلت أيضًا أنه مادام الموضوع فيه شك لا نستطيع أن نحرم والشك قائم، وقد صح في الحديث الذي رواه مسلم أنه ((خمس رضعات مشبعات معلومات يحرمن)) معلومات وقد قام الشك هنا، من أجل هذا ملت إلى القول بأن هذه البنوك إذا كانت هناك حاجة إليها، لأنني بنيت رأيي في الحقيقة على قول الأطباء أن هناك حاجة قد تقوم لمثل هذه البنوك، وهناك أطباء آخرون قالوا إنه ليس هناك حاجة، إذا لم يكن هناك إليها فكفى الله المؤمنين القتال، إنما إذا قامت حاجة إليها أو حدثت بالفعل هذه الحادثة هل نحرم بنات البلدة على هذا الشخص أو لا؟ هذه هي القضية، أنا أميل في هذا في الحقيقة إلى التضييق في مسألة الرضاعة، يعني على عكس ما كنت في الزكاة، أنا أميل في التوسيع في وعاء الزكاة، أما في مسالة الرضاع فأنا أميل إلى التضييق في التحريم بالرضاع كما أميل إلى التضييق في التحريم بالطلاق أيضًا، وأنا ممن ينصرون مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا، فلهذا أنا أقول أن المذهب الأقوى عندي أو القول الأقوى أنه ليس هناك ما يدل على التحريم، وقد قال بعض الاخوة إننا لماذا لا نأخذ بالاحوط بدل أن نأخذ بالأيسر؟ أنا من منهجي: أنه إذا كان هناك قولان متكافآن أحدهما أحوط والآخر أيسر فإني أفتي عموم الناس بالأيسر، وحجتي في ذلك أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، صحيح قد يأخذ الإنسان بالأحوط لنفسه أو يفتي أصحاب العزائم من الناس، أما عموم الناس وخاصة في عصرنا وقد ضعف الدين وقل اليقين، في هذه الحالة يفتي بما هو أيسر على الناس لأن هذه الشريعة حنيفية سمحة، ويعجبني من أقوال الأئمة السابقين ما ذكره الإمام النووي في مقدمات المجموع عن الإمام سفيان الثوري وهو إمام وأمير المؤمنين في الحديث وإمام في الفقه وإمام في الورع، قال الإمام سفيان الثوري ﵁: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد" أسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يغفر لنا إن أخطأنا وألا يحرمنا من أجر المخطئ إن أخطأنا وأن نكون من أهل الأجرين إن شاء الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 387

الرئيس: فضيلة الشيخ، قبل أن أعطي الكلمة للأستاذ البار أحب أن أسأل هل الإسناد إلى الليث ثابت، لأن كتاب الليث بن سعد الذي طبع لا توجد فيه هذه الكلمة. الشيخ يوسف القرضاوي: الإسناد إلى الليث ثابت لأنني رأيته في أكثر من كتاب، فهو مذكور في المحلى وأظنه مذكور في المغني. الرئيس: هو ذكر في المحلى كما تفضلتم ولكن ما كل ما ذكر يكون ثابتًا، ففي المحلى وفي المغني عشرات الآثار بل الأحاديث التي لا تثبت عن النبي ﷺ فأنا قصدي هل نحن متيقنون أو لا؟ فالقول على خلاف الجمهور هذا شيء واضح، لكن قصدي أننا نقول أنه لليث، فهل ثبت بالإسناد المضيء صحته إلى الليث. الشيخ يوسف القرضاوي: ما أستطيع أن أقول أنه موجود في الكتب الموثقة.. أما بحث الإسناد فأنت فتحت لنا أمرًا ممكنًا الإنسان يبحث عنه ليراه في المصادر الأكثر قدمًا لعله يكون مذكورا بسنده إن شاء الله. الدكتور محمد علي البار: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سماحة الرئيس أصحاب الفضيلة العلماء، بنوك الحليب أو بنوك اللبن ظهرت في السبعينات من القرن العشرين في أوربا والولايات المتحدة بعد أن انتشرت من قبل مجموعة من البنوك مثل بنوك الدم وبنوك القرنية وبنوك المني وبنوك الأعضاء. وتتلخص الفكرة في جمع اللبن من أمهات متبرعات أو بأجر، يتبرعن بشيء مما في أثدائهن من اللبن إما لكونه فائضًا عن حاجة أطفالهن، وإما لكون الطفل قد توفي وبقي في الثدي اللبن، ويؤخذ هذا اللبن بطريقة معقمة من المتبرعة ويحفظ أيضًا في قوارير معقمة بعد تعقيمه في البنوك. ولا يجفف هذا اللبن لأني وجدت أن بعض من كتبوا في هذا الموضوع يظنون أنه مجفف بل يبقى على هيئته السائلة حتى لا يفقد ما به من مضادات الأجسام التي توجد في اللبن الإنساني ولا يوجد مثيلها في لبن الحيوانات مثل الأبقار والجواميس.

стр. 388

وتأتي أهمية هذا اللبن من الآتي: أولًا: احتواؤه على العناصر للطفل الإنساني. ثانيًا: احتواؤه على مضادات الأجسام وأجسام المناعة. ثالثًا: عدم وجود حساسية منه للطفل كما قد يحدث في ألبان الأبقار أو الجواميس. رابعًا: لبن الأمهات يحمي الأطفال من مختلف أنواع الأخماج، الالتهابات التي تصيب الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وغيرهما. خامسًا: لبن الأمهات وخاصة الذي يحتوي على خلايا المناعة بكمية كبيرة وكذلك يحتوي لبن الأمهات على نسبة من الزنك بينما يفقد ذلك لبن الأبقار والجواميس. لهذه الأسباب ولغيرها يدعو الأطباء الأمهات إلى إرضاع أطفالهن لما يشمله ذلك من فوائد متعددة، وبما أن الأم قد لا تستطيع إرضاع طفلها لنضوب لبنها أو لوجود مرض معد، أو لأي سبب من الأسباب التي تمنع الإرضاع مثل وجود خراج بالثدي فإن البديل لذلك هو إيجاد مرضعة، وبما أن المرضعات قد اختفين من الوجود في المجتمعات الغربية وكثير من بقاع العالم، لذا ظهرت إلى السطح فكرة تكوين بنوك الحليب، وتعتمد هذه الفكرة على تجميع اللبن الفائض وغير المرغوب فيه من الأمهات المتبرعات، والأطفال الذين يحتاجون إليه بالذات هم: - الأطفال الخدج أي المبتسرين أو الذين ولدوا قبل الميعاد. - والأطفال الناقصو الوزن عند الولادة، يعني يكون مدته طبيعية ٩ أشهر لكنه يكون ناقص الوزن عند الولادة. - وفي وجود حالات الالتهابات الحادة التي قد تصيب الطفل –إذا لم يوجد لبن من الأم، هذه الفكرة قامت بالفعل في أوربا والولايات المتحدة، وهي فكرة لها بعض ما يبررها من الناحية العملية، ومع هذا فإن بنوك اللبن قد انكمشت بصورة خاصة في الولايات المتحدة وهذا ما اتفق عليه من كثير من الباحثين والأطباء الذين بحثوا هذا مثل الدكتور ماهر حتحوت، وكنت في الولايات المتحدة في عام ١٩٨٣ وسألت مجموعة من أخصائيي الأطفال فقالوا إن الحاجة إليها نادرة وأن تكلفتها عالية جدًا، وأن الأمهات المتبرعات باللبن قليلات وأن اللبن الذي يبقى يتعرض للفساد يبدأ يتحلل ويفقد ما به من الميزات الكثيرة التي ندعو إليها في رضاعة الأم لطفلها.

стр. 389

المحاذير التي تحدث من استعمال بنوك اللبن: أولها موضوع متروك لكم وقد ذكره الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي وهو موضوع الرضاعة من أمهات مجهولات وموضوع الحرمة التي ستأتي عليه، هذا موضوعكم وأنتم المختصون فيه. النقطة الثانية: أن بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة محفوف بمجموعة من المحاذير وهي أن كلفتها عالية وأن اللبن المتجمع يتعرض إما لإصابته بالميكروبات وإما لفقدانه بعض خصائصه وميزاته. النقطة الثالثة: إن بنوك اللبن في البلاد النامية تتعرض لهذه المصاعب بصورة أشد وأعتى لأن درجة التقنية والنظافة أقل بكثير مما هي عليه في الغرب، وذلك بالإضافة إلى كونها باهظة التكاليف جدًا بالنسبة للبلاد الفقيرة تعتبر غير ذات فائدة لتعرض اللبن إلى الإصابة بالميكروبات. ويتحدث في هذا مجموعة من الأطباء منهم الدكتور ممدوح جبر وزير الصحة في مصر وأستاذ طب الأطفال ورئيس نقابة الأطباء في مصر الآن ويقول: "إن هذه الفكرة غير صالحة لأن المشكلة غير موجودة ولأن الأمهات بصورة عامة يرضعن أطفالهن وإذا لم تستطع الأم أن ترضع طفلها فهناك أحد الحلول الآتية: - الإتيان بمرضعة إما على حساب الدولة وإما على حساب الأهل إذا كانوا مقتدرين أو الأقل أو الأدنى وهو الألبان المصنعة التي تقترب إلى حد ما من اللبن الإنساني إلى حد كبير. لن أدخل في كلام الأطباء وهو كثير في هذا ولكن نلخص ما قيل في هذا الباب وقد درست هذا مع مجموعة من أخصائيي الأطفال والمختصين بمواضيع اللبن منهم الأستاذ الدكتور محمد أمين صافي وأستاذ قسم الأطفال الأستاذ الدكتور محمود حسن وأيضًا الدكتور أحمد خالد حميدة الأستاذ المساعد بطب الأطفال جامعة الملك عبد العزيز، وخلاصة هذه الآراء بعد مناقشة معهم في الآتي: - لا توجد حاجة حقيقية لبنوك الحليب في البلاد الإسلامية بصورة خاصة والبلاد النامية بصورة عامة، وذلك لانتشار الرضاعة من الأم وإذا لم تتيسر الرضاعة من الأم فإن هناك المرضعات موجودات. - رغم أن الطفل الخديج قد يبقى في المستشفى شهر أو أكثر بينما لا تستطيع أمه البقاء معه طوال هذه المدة لحاجة الأطفال الآخرين والزوج إليها فقد وفرت المستشفيات النظام الحديث الذي يطبق الآن في الغرب وفي المملكة وفي غيرهما: فهو يسمح للأم بالحضور إلى المستشفى في الوقت المناسب لها عدة مرات في اليوم لإرضاع طفلها ثم تذهب إلى منزلها، وإذا لم تتمكن من ذلك أمكن حضور أي امرأة أخرى معلومة تقوم بمهمة الرضاعة. وبذلك يحصل الطفل على فوائد الرضاعة كاملة ويتجنب مزالق وسيئات اللبن الصناعي أو اللبن الذي جمع وحفظ في بنوك الحليب، كما أن المرضعة معروفة فتصبح إما للطفل الذي أرضعته ويصبح زوجها أباه إلى آخر ما يعرف في هذا الموضوع.

стр. 390

- إن تنفيذ بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة تعترضه المصاعب والعقبات وهو مكلف باهظ التكاليف، وفي البلاد النامية هناك محاذير أخرى فبالإضافة إلى احتمال عدم التعقيم الجيد وفقدان بعض المواد الهامة بالتخزين فإن هناك احتمالًا أن يتحول الأمر إلى تجارة وأن تضطر الفقيرات المعدمات إلى بيع لبنهن وترك أولادهن للمسغبة أو لمستحضرات الألبان المصنعة. - إن الأمهات المرضعات موجودات واستبدال الأدنى بالذي هو خير شبيه بما فعله بنو إسرائيل، وهناك احتمال إذا انتشرت هذه البنوك أن تتقاعس الأمهات السليمات والقادرات على الرضاعة وخاصة من الطبقة الثرية المترفة أو الموظفات المشغولات بأعمالهن عن واجب الرضاعة واستبدال ذلك باللبن الإنساني المأخوذ من بنوك اللبن على اعتبار أنه يمثل اللبن الإنساني المطلوب، والأفضل بكثير من لبن الأبقار والجواميس. - وهناك فقدان الفوائد الجمة للرضاعة في حد ذاتها والتقام الثدي مفيدة للأم ومفيدة للطفل بصرف النظر عن اللبن نفسه، فالرضاعة تفيد الأم كثيرًا وذلك أن عملية مص الثدي تؤدي إلى إفراز مادة الأكسيتوسين التي تساعد الأم على عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي بعد الولادة، كما أن الرضاعة تساعد الأم الوالدة على عودة جسمها إلى وضعه الطبيعي، وكذلك تمنع الترهل، والرضاعة الطبيعية أيضًا تساعد الأم على عدم الحمل لفترة الرضاعة وتجنبها أخطار حبوب منع الحمل أو اللولب. - الفوائد المتعددة أيضًا من الناحية النفسية للطفل والأم بالتصاقه والتصاقه بثدي الأم وصدرها وإن عدم الرضاعة يؤدي إلى نقص إفراز اللبن من الثدي إلى آخر ذلك من المشاكل التي تحف هذا الموضوع. فمن الناحية الطبية يبدو أن لا حاجة حاليًا على الأقل لمثل هذا النوع من اللبن لأنه تحفه المخاطر والصعوبات ويتعرض للتحلل ويتعرض هذا اللبن كما هو معلوم لإصابته بالميكروبات خاصة إذا أعطي للأمهات.. كما تنتج عنه مصاعب ومشاكل اجتماعية كثيرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →