الاعتبار الأول: هو تحديد ما هي الرضاعة، هل الرضاعة مجرد وصول اللبن إلى الجوف أم الرضاعة الامتصاص، امتصاص اللبن بالتقام الثدي، الجمهور على الأول، هذا هو الرأي الذي تعلمناه منذ أن كنا طلبة وهو الرأي السائد والمعروف، فالرأي السائد والمعروف هو: أن الرضاع ما وصل إلى الجوف ولو عن طريق الصب في الحلق أو السعوط في الأنف أو أي طريقة كانت، هذا هو الرأي المعروف، وهناك رأي آخر، هذا الرأي الآخر هو رأي الإمام الليث بن سعد وهو أحد الأئمة المعروفين وكان يقارن بالإمام مالك وهو رأي رواية عن الإمام أحمد كذلك وهو مذهب الظاهرية، مذهب داود وأصحابه إلى ابن حزم، وقد أيد ابن حزم هذا الرأي أن الرضاعة لغة هي التقام الثدي وامتصاصه، وقد لا يعرف في اللغة رضع من الإنسان أو الحيوان إلا التقام الثدي وامتصاصه، وأيد هذا تأييدًا قويًا، وعلى هذا الأساس أنا في الحقيقة تبين لي رجحان هذا المذهب وإن لم يكن هو المذهب السائد في الأئمة الأربعة، فقد يرجح الناظر في الفقه الإسلامي مذهبًا غير المذهب السائد وغير المذهب المشهور وينبغي أن يكون هذا هو منهج هذا المجمع، نأخذ الفقه من أوسع أبوابه، هذه من ناحية، من ناحية أخرى مسألة الرضاع المحرم، إذا صرفنا النظر عن مذهب الإمام الليث ورواية الإمام أحمد ومذهب الظاهرية، فهناك مسألة الشك في الرضاع، ما حكم اللبن المشوب؟ اللبن إذا اختلط بغيره، عند الحنفية رأي وهو رأي أبو يوسف وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة أن اللبن إذا اختلط بغيره بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما، ولكن هنا ليس هناك غالب ومغلوب، اختلطت ألبان كثيرة فلم يعد هناك أثر لأي امرأة منهن، ثم من ناحية أخرى أيضًا ذكر الحنفية وقد نقلت في البحث ما ذكره ابن مودود صاحب كتاب الاختيار وهو من الكتب التي درسناها في المرحلة الثانوية في الأزهر، ذكر صاحب الاختيار: لو أن امرأة في قرية أرضعت طفلًا لا يحرم عليه نساء هذه القرية من أجل هذه المرأة لأن الشك في هذه الحالة لا يؤثر، فبناء على هذا قلت أيضًا أنه مادام الموضوع فيه شك لا نستطيع أن نحرم والشك قائم، وقد صح في الحديث الذي رواه مسلم أنه ((خمس رضعات مشبعات معلومات يحرمن)) معلومات وقد قام الشك هنا، من أجل هذا ملت إلى القول بأن هذه البنوك إذا كانت هناك حاجة إليها، لأنني بنيت رأيي في الحقيقة على قول الأطباء أن هناك حاجة قد تقوم لمثل هذه البنوك، وهناك أطباء آخرون قالوا إنه ليس هناك حاجة، إذا لم يكن هناك إليها فكفى الله المؤمنين القتال، إنما إذا قامت حاجة إليها أو حدثت بالفعل هذه الحادثة هل نحرم بنات البلدة على هذا الشخص أو لا؟ هذه هي القضية، أنا أميل في هذا في الحقيقة إلى التضييق في مسألة الرضاعة، يعني على عكس ما كنت في الزكاة، أنا أميل في التوسيع في وعاء الزكاة، أما في مسالة الرضاع فأنا أميل إلى التضييق في التحريم بالرضاع كما أميل إلى التضييق في التحريم بالطلاق أيضًا، وأنا ممن ينصرون مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا، فلهذا أنا أقول أن المذهب الأقوى عندي أو القول الأقوى أنه ليس هناك ما يدل على التحريم، وقد قال بعض الاخوة إننا لماذا لا نأخذ بالاحوط بدل أن نأخذ بالأيسر؟ أنا من منهجي: أنه إذا كان هناك قولان متكافآن أحدهما أحوط والآخر أيسر فإني أفتي عموم الناس بالأيسر، وحجتي في ذلك أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، صحيح قد يأخذ الإنسان بالأحوط لنفسه أو يفتي أصحاب العزائم من الناس، أما عموم الناس وخاصة في عصرنا وقد ضعف الدين وقل اليقين، في هذه الحالة يفتي بما هو أيسر على الناس لأن هذه الشريعة حنيفية سمحة، ويعجبني من أقوال الأئمة السابقين ما ذكره الإمام النووي في مقدمات المجموع عن الإمام سفيان الثوري وهو إمام وأمير المؤمنين في الحديث وإمام في الفقه وإمام في الورع، قال الإمام سفيان الثوري ﵁: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد" أسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يغفر لنا إن أخطأنا وألا يحرمنا من أجر المخطئ إن أخطأنا وأن نكون من أهل الأجرين إن شاء الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 387
الرئيس:
فضيلة الشيخ، قبل أن أعطي الكلمة للأستاذ البار أحب أن أسأل هل الإسناد إلى الليث ثابت، لأن كتاب الليث بن سعد الذي طبع لا توجد فيه هذه الكلمة.
الشيخ يوسف القرضاوي:
الإسناد إلى الليث ثابت لأنني رأيته في أكثر من كتاب، فهو مذكور في المحلى وأظنه مذكور في المغني.
الرئيس:
هو ذكر في المحلى كما تفضلتم ولكن ما كل ما ذكر يكون ثابتًا، ففي المحلى وفي المغني عشرات الآثار بل الأحاديث التي لا تثبت عن النبي ﷺ فأنا قصدي هل نحن متيقنون أو لا؟ فالقول على خلاف الجمهور هذا شيء واضح، لكن قصدي أننا نقول أنه لليث، فهل ثبت بالإسناد المضيء صحته إلى الليث.
الشيخ يوسف القرضاوي:
ما أستطيع أن أقول أنه موجود في الكتب الموثقة.. أما بحث الإسناد فأنت فتحت لنا أمرًا ممكنًا الإنسان يبحث عنه ليراه في المصادر الأكثر قدمًا لعله يكون مذكورا بسنده إن شاء الله.
الدكتور محمد علي البار:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سماحة الرئيس أصحاب الفضيلة العلماء، بنوك الحليب أو بنوك اللبن ظهرت في السبعينات من القرن العشرين في أوربا والولايات المتحدة بعد أن انتشرت من قبل مجموعة من البنوك مثل بنوك الدم وبنوك القرنية وبنوك المني وبنوك الأعضاء.
وتتلخص الفكرة في جمع اللبن من أمهات متبرعات أو بأجر، يتبرعن بشيء مما في أثدائهن من اللبن إما لكونه فائضًا عن حاجة أطفالهن، وإما لكون الطفل قد توفي وبقي في الثدي اللبن، ويؤخذ هذا اللبن بطريقة معقمة من المتبرعة ويحفظ أيضًا في قوارير معقمة بعد تعقيمه في البنوك. ولا يجفف هذا اللبن لأني وجدت أن بعض من كتبوا في هذا الموضوع يظنون أنه مجفف بل يبقى على هيئته السائلة حتى لا يفقد ما به من مضادات الأجسام التي توجد في اللبن الإنساني ولا يوجد مثيلها في لبن الحيوانات مثل الأبقار والجواميس.
стр. 388
وتأتي أهمية هذا اللبن من الآتي:
أولًا: احتواؤه على العناصر للطفل الإنساني.
ثانيًا: احتواؤه على مضادات الأجسام وأجسام المناعة.
ثالثًا: عدم وجود حساسية منه للطفل كما قد يحدث في ألبان الأبقار أو الجواميس.
رابعًا: لبن الأمهات يحمي الأطفال من مختلف أنواع الأخماج، الالتهابات التي تصيب الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وغيرهما.
خامسًا: لبن الأمهات وخاصة الذي يحتوي على خلايا المناعة بكمية كبيرة وكذلك يحتوي لبن الأمهات على نسبة من الزنك بينما يفقد ذلك لبن الأبقار والجواميس.
لهذه الأسباب ولغيرها يدعو الأطباء الأمهات إلى إرضاع أطفالهن لما يشمله ذلك من فوائد متعددة، وبما أن الأم قد لا تستطيع إرضاع طفلها لنضوب لبنها أو لوجود مرض معد، أو لأي سبب من الأسباب التي تمنع الإرضاع مثل وجود خراج بالثدي فإن البديل لذلك هو إيجاد مرضعة، وبما أن المرضعات قد اختفين من الوجود في المجتمعات الغربية وكثير من بقاع العالم، لذا ظهرت إلى السطح فكرة تكوين بنوك الحليب، وتعتمد هذه الفكرة على تجميع اللبن الفائض وغير المرغوب فيه من الأمهات المتبرعات، والأطفال الذين يحتاجون إليه بالذات هم:
- الأطفال الخدج أي المبتسرين أو الذين ولدوا قبل الميعاد.
- والأطفال الناقصو الوزن عند الولادة، يعني يكون مدته طبيعية ٩ أشهر لكنه يكون ناقص الوزن عند الولادة.
- وفي وجود حالات الالتهابات الحادة التي قد تصيب الطفل –إذا لم يوجد لبن من الأم، هذه الفكرة قامت بالفعل في أوربا والولايات المتحدة، وهي فكرة لها بعض ما يبررها من الناحية العملية، ومع هذا فإن بنوك اللبن قد انكمشت بصورة خاصة في الولايات المتحدة وهذا ما اتفق عليه من كثير من الباحثين والأطباء الذين بحثوا هذا مثل الدكتور ماهر حتحوت، وكنت في الولايات المتحدة في عام ١٩٨٣ وسألت مجموعة من أخصائيي الأطفال فقالوا إن الحاجة إليها نادرة وأن تكلفتها عالية جدًا، وأن الأمهات المتبرعات باللبن قليلات وأن اللبن الذي يبقى يتعرض للفساد يبدأ يتحلل ويفقد ما به من الميزات الكثيرة التي ندعو إليها في رضاعة الأم لطفلها.
стр. 389
المحاذير التي تحدث من استعمال بنوك اللبن: أولها موضوع متروك لكم وقد ذكره الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي وهو موضوع الرضاعة من أمهات مجهولات وموضوع الحرمة التي ستأتي عليه، هذا موضوعكم وأنتم المختصون فيه.
النقطة الثانية: أن بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة محفوف بمجموعة من المحاذير وهي أن كلفتها عالية وأن اللبن المتجمع يتعرض إما لإصابته بالميكروبات وإما لفقدانه بعض خصائصه وميزاته.
النقطة الثالثة: إن بنوك اللبن في البلاد النامية تتعرض لهذه المصاعب بصورة أشد وأعتى لأن درجة التقنية والنظافة أقل بكثير مما هي عليه في الغرب، وذلك بالإضافة إلى كونها باهظة التكاليف جدًا بالنسبة للبلاد الفقيرة تعتبر غير ذات فائدة لتعرض اللبن إلى الإصابة بالميكروبات.
ويتحدث في هذا مجموعة من الأطباء منهم الدكتور ممدوح جبر وزير الصحة في مصر وأستاذ طب الأطفال ورئيس نقابة الأطباء في مصر الآن ويقول: "إن هذه الفكرة غير صالحة لأن المشكلة غير موجودة ولأن الأمهات بصورة عامة يرضعن أطفالهن وإذا لم تستطع الأم أن ترضع طفلها فهناك أحد الحلول الآتية:
- الإتيان بمرضعة إما على حساب الدولة وإما على حساب الأهل إذا كانوا مقتدرين أو الأقل أو الأدنى وهو الألبان المصنعة التي تقترب إلى حد ما من اللبن الإنساني إلى حد كبير.
لن أدخل في كلام الأطباء وهو كثير في هذا ولكن نلخص ما قيل في هذا الباب وقد درست هذا مع مجموعة من أخصائيي الأطفال والمختصين بمواضيع اللبن منهم الأستاذ الدكتور محمد أمين صافي وأستاذ قسم الأطفال الأستاذ الدكتور محمود حسن وأيضًا الدكتور أحمد خالد حميدة الأستاذ المساعد بطب الأطفال جامعة الملك عبد العزيز، وخلاصة هذه الآراء بعد مناقشة معهم في الآتي:
- لا توجد حاجة حقيقية لبنوك الحليب في البلاد الإسلامية بصورة خاصة والبلاد النامية بصورة عامة، وذلك لانتشار الرضاعة من الأم وإذا لم تتيسر الرضاعة من الأم فإن هناك المرضعات موجودات.
- رغم أن الطفل الخديج قد يبقى في المستشفى شهر أو أكثر بينما لا تستطيع أمه البقاء معه طوال هذه المدة لحاجة الأطفال الآخرين والزوج إليها فقد وفرت المستشفيات النظام الحديث الذي يطبق الآن في الغرب وفي المملكة وفي غيرهما: فهو يسمح للأم بالحضور إلى المستشفى في الوقت المناسب لها عدة مرات في اليوم لإرضاع طفلها ثم تذهب إلى منزلها، وإذا لم تتمكن من ذلك أمكن حضور أي امرأة أخرى معلومة تقوم بمهمة الرضاعة.
وبذلك يحصل الطفل على فوائد الرضاعة كاملة ويتجنب مزالق وسيئات اللبن الصناعي أو اللبن الذي جمع وحفظ في بنوك الحليب، كما أن المرضعة معروفة فتصبح إما للطفل الذي أرضعته ويصبح زوجها أباه إلى آخر ما يعرف في هذا الموضوع.
стр. 390
- إن تنفيذ بنوك اللبن حتى في البلاد المتقدمة تعترضه المصاعب والعقبات وهو مكلف باهظ التكاليف، وفي البلاد النامية هناك محاذير أخرى فبالإضافة إلى احتمال عدم التعقيم الجيد وفقدان بعض المواد الهامة بالتخزين فإن هناك احتمالًا أن يتحول الأمر إلى تجارة وأن تضطر الفقيرات المعدمات إلى بيع لبنهن وترك أولادهن للمسغبة أو لمستحضرات الألبان المصنعة.
- إن الأمهات المرضعات موجودات واستبدال الأدنى بالذي هو خير شبيه بما فعله بنو إسرائيل، وهناك احتمال إذا انتشرت هذه البنوك أن تتقاعس الأمهات السليمات والقادرات على الرضاعة وخاصة من الطبقة الثرية المترفة أو الموظفات المشغولات بأعمالهن عن واجب الرضاعة واستبدال ذلك باللبن الإنساني المأخوذ من بنوك اللبن على اعتبار أنه يمثل اللبن الإنساني المطلوب، والأفضل بكثير من لبن الأبقار والجواميس.
- وهناك فقدان الفوائد الجمة للرضاعة في حد ذاتها والتقام الثدي مفيدة للأم ومفيدة للطفل بصرف النظر عن اللبن نفسه، فالرضاعة تفيد الأم كثيرًا وذلك أن عملية مص الثدي تؤدي إلى إفراز مادة الأكسيتوسين التي تساعد الأم على عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي بعد الولادة، كما أن الرضاعة تساعد الأم الوالدة على عودة جسمها إلى وضعه الطبيعي، وكذلك تمنع الترهل، والرضاعة الطبيعية أيضًا تساعد الأم على عدم الحمل لفترة الرضاعة وتجنبها أخطار حبوب منع الحمل أو اللولب.
- الفوائد المتعددة أيضًا من الناحية النفسية للطفل والأم بالتصاقه والتصاقه بثدي الأم وصدرها وإن عدم الرضاعة يؤدي إلى نقص إفراز اللبن من الثدي إلى آخر ذلك من المشاكل التي تحف هذا الموضوع.
فمن الناحية الطبية يبدو أن لا حاجة حاليًا على الأقل لمثل هذا النوع من اللبن لأنه تحفه المخاطر والصعوبات ويتعرض للتحلل ويتعرض هذا اللبن كما هو معلوم لإصابته بالميكروبات خاصة إذا أعطي للأمهات.. كما تنتج عنه مصاعب ومشاكل اجتماعية كثيرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 391
الشيخ عبد الله البسام:
بسم الله الرحمن الرحيم.. بخصوص البحث الذي قدمه فضيلة الشيخ يوسف عن اللبن أولًا: ذكر الروايتين عن الإمام احمد، هذا صحيح فيه روايتان عن الإمام أحمد ولكن المشهور في مذهب الإمام أحمد والمعتمد والذي اعتمده أصحابه هو موافقة الأئمة الثلاث: وهذه رواية كل مجتهد يقول رواية وروايتين وثلاثة وأكثر ولكن العمدة ما حققه أصحابه وأتباعه، هذا هو الذي يعتبر المذهب، ولا يأتي الباحث بقول إلا ويبين درجة هذا القول عن هذا الإمام لأجل أن يزول الإيهام لأنه ربما أن الظن أن هنا هو المذهب السائد عن الإمام أحمد، هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى ذكر فضيلة الشيخ الشك، صحيح موجود في الشريعة الإسلامية وأنه يطرح وأن الأصل اليقين وإن اليقين لا يزول بالشك ولكن عملنا هذا، نحن الذين نوجد الشك، هناك فرق بين الشك إذا وجد واطراحه وفرق بين أننا نحن الذين نوجد الشكوك ونوجد الشبهات، فتخزين اللبن وحليب الأمهات هذا نحن الذين أوجدنا الشك فيه بين يحتمل أن يكون هذا أخ هذه أو هذه أو هي عمته أو خالته أو نحو ذلك مما يسبب المحرمية بينهم – أنا أرى أن الشريعة تبعدنا عن هذا، لكن إذا وقعنا فيه، إذا وقعنا في الشك، فالحمد لله الشريعة قواعدها معروفة، هذه ناحية، الناحية الثالثة، فضيلة الشيخ قارن بين اللبن والدم وذكر أن الدم ربما يعطي من الفوائد ما لا يعطيه اللبن ويمكن الطفل أو غير الطفل يمكنه من القرب من صاحب الدم أكثر مما يمكن صاحب اللبن، وأنا في اعتقادي أن هذا جمع بين متفرقين الدم هذا لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة فقط، عند الضرورة القصوى يلجأ إليه، أما اللبن الذي نريده هذا هو تقريبًا يعني حاجات وكماليات هذا من ناحية، وفرق بين الدم النجس الذي وصف بالنجاسة وبين اللبن الذي وصف بالطهارة ووصف بالغذاء وأنعم الله به.
الرئيس:
ونفس تعليق المحرمية فيه يا شيخ.
стр. 392
الشيخ عبد الله البسام:
النقطة الثالثة الحلية والحرمية، هذا حلال، وهذا حلال وطاهر، وهذا محرم دم مسفوح ولا لجأنا إليه عند الضرورة فلا أحب أن فضيلة الشيخ وإن كان له رأيه أنه مثلًا جعل الدم في مصاف اللبن الطبيعي، هذا ما أردت إيضاحه وشكرًا.
الشيخ علي التسخيري:
شكرًا سيدي الرئيس، فقط للعلم ثم لأعطي الرأي. في الإمامية شروط انتشار الحرمة أن يكون اللبن حاصلًا من وطء شرعي وأن يكون الشرب من الامتصاص من الثدي، هناك رواية عن الصادق ﵇: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد)) أن تكون المرضعة حية أثناء الرضاع أن يكون المرتضع في أثناء الحولين والكمية التي تقدر تارة بالأثر وأخرى بالعدد وأخرى بالزمان، على هذا الضوء كحكم أولى وبغض النظر عن العناصر الثانوية لا مانع من بنوك الحليب:
أولًا: لعدم الارتضاع من الثدي ونحن نشرطه.
ثانيًا: لعدم العلم باتحاد المرضعة وهناك تشترط.
ثالثًا: لعدم العلم بحصول الكمية المطلوبة، ويشترطون ألا يتخللها شيء، خصوصًا إذا أطعمنا الصبي شيئًا من المقويات وتأكدنا من عدم توالي الرضعات، والأصل أيضًا عدم الحرمة على انه لو كان الاختلاط عاماَ بين أنماط الحليب وتجاوزنا عما سبق فإنه يمكن القول بأنها قد تكون ما نسميه نحن شبهة محصورة، وحينئذ بعد ان كان الحليب مجمعاَ من شتى أنحاء العالم حينئذ لا داعي للاحتياط وترتيب الآثار.. الكلام عن الأضرار التي ذكرها أخونا الدكتور البار لا يستطيع هذا الكلام أن يوفر مانعا من تجويزنا لهذه البنوك، يقول لا توجد حاجة حقيقية لكن على أي حال هناك حاجة حتى لو كانت هناك حالات متعددة، علينا أن نعطى الفتوى فيها، وظيفتنا هذه.الشيء الآخر، قال هناك تكلفة، من يريد أن ينمي طفله يتحمل كل التكاليف. قال هناك محاذير أن الأمهات تتجه لبيع اللبن. مإذا يقول عندما يكون هناك نظام ارتضاع ومرضعات، أيضًا هناك مشجعات على أن تنطلق هذه الأم وترضع الأبناء الآخرين. بالنسبة إلى الفوائد الجمة للرضاعة، نحن لا نتحدث عن حالات طبيعية، حالة استثنائية: الأم تسلم ولدها إلى حليب غيرها. ليست الحالة حالة طبيعية لنتحدث عن حنان وما يتركه التقام الثدي وما إلى ذلك. أود أن أشير إلى كلمة قالها شيخنا الشيخ البسام قال: قياس اللبن على الدم هو جمع بين متفرقين، وإنشاز العظم وإنبات اللحم مؤثر في هذه الأحكام أراد أن يأتي بنقض ولم يرد كما أتصور والمصنف حاضر لم يرد أن يقيس هذا على ذلك وشكراَ. والرأي عندي بعد هذا أن بنوك الحليب جائزة ولا مانع منها
стр. 393
السيخ تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. شكراَ سيدي الرئيس
ان هذه المسألة من الناحية الشرعية متوقفة على مسألة أساسية وهي أن الرضاع المحرم هل يجب أن يكون عن طريق الامتصاص من الثدي أو يجوز من أي طريق آخر أيضًا وقد ذكر فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله أن المذهب السائد عند الأئمة الأربعة هو أن تحريم الرضاعة لا يشترط له الامتصاص من الثدي، وأن هذا المذهب فيما أظن ليس قوياَ من حيث كثرة الآراء فقط وإنما هو قوى من حيث الدليل من الأحاديث الدالة على تحريم الرضاعة أيضًا. فمن المعروف حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: ((لا رضاعة إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم)) فان هذا الحديث دليل على أن علة التحريم في الرضاعة هو ليس الامتصاص من الثدي وانما هو إنشاز العظم وإنبات اللحم. وان إنشاز العظم وإنبات اللحم كما يكون من الامتصاص من الثدي يكون من الحليب المحلوب أيضًا. إلى جانب ذلك قد أخذ ابن سعد في الطبقات أن سالما مولى أبى حذيفة رضى الله تعالى عنه إنما ارتضع من لبن محلوب في إناء ومع ذلك جعله رسول الله ﷺ محرماَ، وإن هذه الرؤية موجودة في طبقات ابن سعد وقد ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في الإصابة وسكت عليها بما يدل على أنها مقبولة عنده. فان حرمة سالم مولى أبى حذيفة على أمه الرضاعية إنما ثبتت بارتضاع اللبن من اللبن المحلوب في الإناء لا الامتصاص من الثدي. فهذا دليل على أن الرضاع محرم سواء كان محلوباَ أو ممصوصاَ من الثدي. والأئمة الأربعة متفقون على هذا وأما ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى وبعض أهل الظاهر فقد عارضته الأمة باجماعها، اما الضرورة التي تدعو إلى إنشاء بنوك الحليب فقد كفانا في هذا الموضوع الأستاذ البار حفظه الله ولا أرى أن في العالم الإسلامي أية ضرورة إلى إنشاء بنوك الحليب مثل هذه وشكراَ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 394
الشيخ محمد عبده عمر:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين
لقد أعفاني الأخ العثماني عن حديث سالم مولى أبى حذيفة وهذا الحديث هو موضوع هذا البحث لأن هذا الحديث يعطى الصورة الكاملة لموضوع النقاش وهو أن الفقهاء حسب علمي مجموعون على أن تحريم رضاع سالم مولى أبي حذيفة لم يكن امتصاصاَ لثدي زوجة أبى حذيفة بل كان ذلك من إناء ذلك أن سالما رضي الله تعالى عنه قد شب من الطوق بل كان ذا لحية وليس من المعقول أن يمتص ثدي زوجة أبي حذيفة بل كان ذلك من إناء. وهذا الحديث أعتقد أنه يساعدنا على فهم موضوع النقاش. هذه مسألة. المسألة الثانية أني أميل إلى رأي شيخنا عبد الله البسام وهو أن المسألة خلقناها لأنفسنا، أي خلقنا الشك، ثم نحاول أن نتلمس الحكم الشرعى من خلال الشك. الذي وضعناه أمامنا. فالمسألة من الأهمية بمكان ومن الخطورة بمكان. والقاعدة الفقهية تقول: " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " فالموضوع يحتاج إلى دراسة وإلى بحوث وأيضًا علينا أن لا نأخذ بحرفية النص دون فهم العلل والمعاني وما تحتوي عليه الحكمة الالهية من تحريمٍ الرضاع من الأجنبية وخاصة في موضوع النقاش الذي هو موضوع بنوك الحليب وشكراَ
стр. 395
الشيخ مصطفي الزرقاء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اخواني الأساتذة الكرام أنا أولاَ أرى فيما ذكره أخونا حفظه الله ابن الأستاذ الكبير المرحوم الشيخ شفيق العثماني فيما يتعلق بترجيح المذهب ولا أسمي أصحابه أي مذهب كان، المذهب الذي يرى أن التحريم لا يتوقف على الامتصاص من الثدي ولا على مقدار وبين من يشترط ذلك، يعنى ليس نحن الآن في هذا الصدد في ترجيح مذاهب على مذاهب. نحن في مثل هذا المقام كما ذكر فضيلة الأخ القرضاوي نحن في مقام نحتاج فيه أن نعالج مشكلات قائمة نواجهها وقد تحدث دون إرادتنا. ولكن علينا أن ننظر في حكمها وهي من قضايا الساعة، فنحن في مقام لا يجب علينا أن نوازن بهذه الدقة بين الأدلة التي ذكرها فضيلة الأخ الكريم هذه أيضًا يقابلها من وجهة النظر الأخرى لمن يرون خلافها أدلة أيضًا هي محل اعتبار وكل يرى أن أدلته هي الأقوى. ولذلك تبني رأيه، نحن لسنا في هذا المقام أن نأتي فندخل في الترجيح بين المذاهب، نحن يكفينا عندما نواجه مسألة أن يكون أمامنا مذاهب معتبرة مسلم لأصحابها بالاجتهاد دون أن ندخل بعد ذلك في تفصيل الأدلة وإنما لنا أن نختار من هذه المذاهب ما نراه يحل مشاكلنا. هذا المبدأ أحببت أن أنبه عليه لكي يكون دستوراَ فيما بعد، لأننا لا يصح أن ندخل في انتصار لمذهب على مذهب متى كانت المذاهب محل اعتبار ومسلم لأهلها بأهلية الاجتهاد ورأيهم، من قلده لقي الله سالماَ، عندئذ يكفينا نحن أن نأخذ بها إذا كان نجد فيها حلاَ لمشكلتنا. ليس مقام ترجيح أدلة ومذاهب.. ثانياَ من جهة أخرى أن أرى أن المسألة ذات شقين ولا يكفي نحن أن نقول في إنشاء هذه البنوك مصلحة أو مفسدة يبنى عليها جواز أو تحريم. نحن نعالج المسألة من ناحيتين، من هذه الناحية أولاَ وهي هل يجوز أن يستحسن إنشاء بنوك للحليب في مثل هذه الأوضاع التي صورت فيها الحاجة وانتشرت في بعض البلاد ويراد أيضًا أن تنشأ في بلادنا وقد تنشأ بدون إرادتنا ينشئها من ينشئونها والحكومات تفعلها دون أن تأخذ رأي العلماء. فهل يجوز هذا أو هل يستحسن لحل هذه المشكلة أو لا يجوز؟ والناحية الأخرى وهي التي أرى أن مجرد الجواب عن الأولى لا يغني عنها، وهي أنه لو أنشئ بنك للحليب فعلاَ في بلد ما من البلاد الإسلامية وحصل فيه أرضاع الأطفال بهذه الطريقة، فما الحكم في هذا الرضاع؟ بقطع النظر عن كون إنشاء البنك مقبولاَ أو جائزاَ أو مستحسناَ أو غير جائز وان له محإذير، بغض النظر عن كل هذا، لو حصل هذا بالفعل وأنشئ بنك من هذا القبيل ولو بدون فتوى من علماء. فما حكم هؤلاء الأطفال من حيث الرضاع وأثره على الذين يرتضعون أو يربون على هذا اللبن؟ هذه نقطة يجب أن يتناولها البحث، والذي أرى أنه في حالة إنشاء البنك، أنا مع الأساتذة الأخوان الذين يرون أنه لا حاجة إلى إنشاء هذه البنوك كما يبين الدكتور البار، وأننا بعد في هذه المرحلة في غنى عنها. ولكن لو حصل هذا فعلاَ فهل نفتي بالتحريم بين هؤلاء الأطفال والذين قد يفوق عددهم الحصر والذين لا نعرف من هن النساء اللاتي تكون الحليب من أثدائهن. فهل تحكم بالحرمة وما نتائج الحرمة وإلى أي نطاق تصل، أو لا نحكم بحرمتها؟ أنا الذي أراه أن الأدلة التي أتى بها الأستاذ القرضاوي، أيده الله ورحمنا جميعاَ أحياء وأمواتاَ، أن أخانا الكبير الأستاذ القرضاوي حفظه الله وأيده ما أتى به من أدلة وملاحظات يترجح معها اعتبار عدم التحريم للأسباب وللمذاهب التي بينها وهي مذاهب معتبرة وللشك في تحقق شرائط التحريم بالاتفاق هذا كله يكفي لأن نقول أنه لو حصل بالفعل إنشاء هذه البنوك فإن هذا لا يؤثر تحريمه هذا الذي أراه
стр. 396
الشيخ عبد العزيز عيسى:
في الواقع الذي أراه أنه ليس أمامنا مشكلة إسلامية فيما يتعلق برضاع الأطفال. لا توجد هذه المشكلة. والأولاد الصغار الرضع موجودون منذ القديم ورأيناهم في بلادنا، ما كان هناك من حاجة إلى إرضاع طفل من أم أخرى أو عمل بنك من بنوك الحليب الآدمي وإنما كان يرضع الطفل إما ماء مضافا إليه كراوية وإما لبن بقر وما إلى ذلك، كل هذا وهو على قلة ولأيام معدودة ثم ينتقل الطفل بعد ذلك إلى الطعام والشراب. ولا أقول ما قاله أخونا الفاضل إننا نتكلم في فرضية حصول هذا الأمر إذا حصل فهل يكون حلالاَ أم حراماَ؟ لا حين تكون نفتي بها إن شاء الله تعالى، نفتي بالجواز أو عدم الجواز، " وقت الله يفرجها الله " زي ما بيقولوا، يعني نشوف ظروف الأحوال أيه، انا يمكن أخالف الشيخ تسخيري في أن الرضاع هو خاص بالامتصاص لأن جمهور المسلمين على أن إيجار الصبي اللبن يعني صبه في حلقه محرم أيضًا. فنحن نبقى على هذا. ولو لم يكن في رفض بنوك الحليب إلا سد الزريعة وسد الوقوع في فتنة التحريم لكان أولى بنا أن لا نوجد هذه البنوك، ولسنا مكلفين بأن كل ما وجد في أوروبا أو في أمريكا من بنوك الحليب أو غيره، ده إحنا محتاجين إلى بنوك الدم ومش لاقيين من الناس يقبلوا على بذل دمهم، ولكن اللبن أقل من ذلك ولا تتصور أن امرأة أو أن واحدة ذات احترام تروح تمسك ثديها علشان تفرغ نصف كوب لبن علشان تبيعه بجنيه أو بجنيهين، العملية ده لازم تبطل إلى أن نحتاج إليها فنصدر الحكم الخاص بها
стр. 397
الشيخ المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما أفتتح كلمتي بالتعبير عن كامل تقديري لفضيلة الشيخ الدكتور القرضاوي وأرجو من فضيلة نائبه أن يبلغه هذه التحية وخاصة هذا الحرص الكريم منه على ارضائي وأنه اطمأن إلى أن هناك عبارات لا بد أن نستعملها فيما بيننا وبناءَ على هذا فان ما جاء في الصفحة السادسة أرى بتفويضه أنه يجب أن يحذف في قوله: " والمنهج الذي نختاره في هذه الأمور هو التوسط والاعتدال بين المتزمتين والمتهاونين " فهذا بناء على ما ذهب إليه وما أقره، أطلب حذف هذه الكلمة واستبدالها بغيرها. الأمر الثاني، في صلب القضية والموضوع عندنا أمر جاء في الكلمة هو أن لا يقال أرضعه إلا في التقام الثدي، والحديث الذي ورد عن رضاع سالم لما نزلت آية إبطال التبني قال لها ﷺ أرضعيه قالت له كيف أرضعه وهو كبير معنى الحديث أو يقاربه فضحك ﷺ وكانت عائشة رضى الله تعالى عنها تأخذ بهذا الحديث فكان من تريد أن يدخل عليها تطلب من أخواتها أن يرضعنه أو من رجال أو من نساء اخوتها، فالذي آخذه من الحديث ليس الخصوصية أو عدم الخصوصية ولكن إطلاق كلمة الرضاع مع عدم التقام الثدي، هذه واحدة الأمر الثاني، هو أنا نبحث في قضية ما بناء على الحاجة، والحاجة بمراعاة جميع الظروف، وقد تبين لنا من خلال ما تفضل حضرة الأستاذ الدكتور في قضية بنوك الحليب قال ان تكلفتها باهظة وأنها في الدول النامية خطيرة على الأطفال لأن وسائل التعقيم هي وسائل لم تتحقق بعد في هذه الدول. وبناء على أنها خطيرة على صحة الأطفال وبناء على ما تنشره من فوضى، فان الحكم يجب أن يكون واضحاَ، أن لا تحدث مثل هذه البنوك في دول العالم الإسلامي خاصة وأن التربية الإسلامية على الغيرية هي غير التربية الغربية على الأنانية الفردية وان المرأة لا ترضع ابن غيرها. هذه واحدة، وأمر آخر أريد أن أختم به كلمتي هو أن الفتوى فهل يجوز ذلك أو لا، هذه الفتوى يلزمها للنظر فيها لا أقل من عشرين سنة إن فرضنا وجود لبن يوجد بنك لبن فلا تعرض القضية إلا بعد أن يبلغ الطفل أو البنت سن الزواج. فهي قضية لا حاجة لنا بها أصلا وفي الإفتاء بها من الآن هو فتح للباب خطير جدا – فلذلك ملخص رأيي أن هذه بنوك الحليب هي محرمة نظراَ للمخاطر الشرعية والبدنية منها، ثانياَ: ألا تصدر فتوى فيما يترتب على الرضاعة وشكراَ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 398
الشيخ عبد الحليم الجندي:
أشكر السيد الرئيس.. أريد شيئا خاصاَ باختصاص المجمع.. المجمع لا يعرض عليه الا أمر عمت به البلوى أو أمر ينتظر له أثر خطير في حياة الأمة. أمر واقع له شأنه تحسب حسابه وتخاف عواقبه. هذه المسألة ليست من هذا الطراز هي طلب استفتاء في مسألة لم تكن ولم تقع. الأقربون كانوا يقولون " فأجمنا حتى تكون " أي انتظر حتى تكون ثم اسأل، لا نحن أيضًا نفتح الباب. ولكن نفتح الباب لشيء واقع كأن يكون بنوك الدم كأن يكون لأطفال الأنابيب لأن الناس الآن بنوك الدم هم محتاجون إليها أطفال الأنابيب هي قضية قائمة. أما أن يستمر الأمر لكل إنسان عنده فكرة يعرضها على المجمع ويقول المجمع ممثلاَ للمسلمين رأيه فيه فأظن أن هذا ينزل بالمجمع عن مكانة آرائه، إنما ممكن للمجتهد أن يفتى. ممكن للأستاذ المدرس أن يدرس ويفترض فروضاَ ويبدي فروضاَ ويبدي فيها آراء، لكن المجمع فوق ذلك المجمع له وظيفة الإفتاء والإفتاء يحل محل المشرع، فهل نحن الآن في مقام هذا اللبن وفي هذا المقام أظن لا، وشكراَ
الشيخ رجب التميمي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن بنوك اللبن التي نتكلم عنها هي في الأصل في الدول الغربية أو من الغرب وهي في إنشائها أو نقلها للمسلمين تحد للإسلام. إننا نعلم جميعاَ أن لبن الأمهات يتعلق به أحكام شرعية وهي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. والغرب الكافر يريد أن يفسد علين إسلامنا وأحكامنا الشرعية. وأرى أن البحث في هذا الأمر مخالف للشرع. لبن الأمهات في بنك يختلط اللبن وحينئذ لا نعرف من يحل لها أن يتزوج ومن تحرم عليه أن يتزوجها. وفي هذا اختلاط وفوضى. وكما ذكر الدكتور نحن لسنا في حاجة في بلادنا إلى بنوك اللبن لما فيها من المخاطر والمساوئ. ولذلك أرى أن نقفل هذا الباب وألا نتبع ما يسير عليه الغرب الكافر فيما يتعلق بديننا وأحكامنا الشرعية وشكراَ
стр. 399
الرئيس:
في الواقع ومن خلال العرض من أصحاب البحوث ومن وجهة نظر الأطباء ومن خلال هذه المداولات يمكن أن يتلخص لدينا ما يلي:
أولاَ: أن المسألة المطروحة أمامنا هي بنوك الحليب فحسب
ثانيا: أن هذه المسألة وقعت. ولهذا فان بحثها وارد. ولو لم تقع، والدليل على وقوعها ما ذكر الأطباء الدكتور محمد على البار في بحثه ومدى نسبتها في العالم
ثالثا: أما حكم ما وقع فقد أتى بكلمة الفصل فيه فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى وهو أن حكم ما وقع أنها قضايا أعيان. وقضايا الأعيان يسأل المبتلى فيها أهل العلم في وقته. لكن نحن هنا من حيث هذا المبدأ إيجاد بنوك للحليب، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. وقد تحرر لدى الجميع أن مذهب جماهير أهل العلم على منع ذلك وأنه يعتبر محرماَ حتى ولو لم يكن عن طريق الامتصاص ثم إن الرواية التي تفضل بذكرها الشيخ تقي العثماني في طبقات ابن سعد وذكرها الحافظ بن حجر في الإصابة قد وقفت يقينا على من صححها من أساطين أهل العلم وكنت أظنها في زاد المعاد لابن القيم ولذلك فقد طلبت الكتاب لكن لم يقع بصري عليها، لكن المتحرر لدى يقينا وليس شبه يقين أن الرواية فيه من صححها من أساطين أهل العلم وان سالماَ كان ذا لحية كبيرة وأنه حلب له.
ولهذا فإنني أرى إن ما اتجهت إليه أكثر الأنظار في مجمعكم هذا هو القول بالمنع وأرجو أن يكون هذا منهياَ وإذا كان لأحد تحفظ فأرجو أن يتكرم المتحفظ ببعثه إلى أمانة المجمع وشكراَ وبذلك نرفع الجلسة ونستأنفها في الساعة الرابعة والنصف إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 400
قرار رقم ٦
بشأن
بنوك الحليب
أما بعد:
فان مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ /٢٢ – ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م
بعد ان عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك الحليب
وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين ومناقشة كل منهما مناقشة مستفيضة شملت مختلف جوانب الموضوع تبين:
١- أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية. ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقل الاهتمام بها
٢- أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين. ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.
٣- أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج أو ناقصي الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشرى في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب
وبناء على ذلك قرر:
أولا: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
ثانيا: حرمة الرضاع منها
والله أعلم
стр. 401
أجهزة الإنعاش
الدكتور محمد على البار
الفصل الخامس
تحديد الوفاة والأخطاء التي تحدث فيها
الموت والحياة لغز من الألغاز لم يدرك الإنسان كنهما رغم أنه شاهد هذه التجربة مرارا وجربها ملايين الملايين من البشر منذ أن خلق الله الإنسان على ظهر الأرض.
ولم يكن الأمر يحتاج إلى طبيب ليعلن بدء الحياة أو نهايتها.. الملايين من النساء أنجبن أطفالهن دون تدخل طبيب وملايين الملايين من البشر خرجوا من هذه الحياة دون الحاجة لشهادة من طبيب تثبت وفاتهم.
وبدأت الحياة في التعقيد وتبين أن تحديد الحياة بدءًا ونهاية أمر ليس بالسهولة التي يمكن أن تترك للقابلة أو للأشخاص المجربين.
وسنترك موضوع بداية الحياة إلى بحث آخر إن شاء الله.
ومنذ لحظة خروج الجنين من بطن أمه قد يتعرض لسبب من أسباب الوفاة. بل إنه قد يتعرض للوفاة وهو في بطن أمه فهل يمكن تحديد ذلك؟
стр. 402
إثبات الوفاة:
بالنسبة للقدماء كان من الصعب لديهم إثبات وفاة الجنين في بطن أمه وكانوا يخمنون ذلك بتوقف حركته..أما الآن فقد تيسرت الوسائل..وعند خروج الطفل من بطن أمه قد لا يستهل صارخا كما يفعل بقية الأطفال بسبب من الأسباب وكان القدماء بوسائلهم البسيطة يفقدون أعدادا كبيرة من الأطفال فلا يتم إنقإذهم وتحدث فقهاء الإسلام في هذا الموضوع.
قال مفتى الجمهورية التونسية الشيخ محمد المختار السلامي (١) . " وقد فصل اللخمي ما تكون به الحياة فقال: اختلف في الحركة والرضاع والعطاس، فقال مالك: لا يكون له بذلك حكم الحياة!! قال ابن حبيب وإن أقام يوما يتنفس ويفتح عينه ويتحرك ويسمع له وان كان خفيا!!! قال إسماعيل: وحركته كحركته في بطن أمه لا يحكم له فيها بحياة. قال عبد الوهاب وقد يتحرك المقتول.. وعارض هذا المازري وقال: لا معنى لإنكار دلالة الرضاعة على الحياة لأنه نعلم يقينا أنه محال بالعادة أن يرضع.
وخلاصة هذا الكلام أن بعض الفقهاء على الأقل حكموا بموت الجنين عند ولادته إذا لم يستهل صارخا ولو بصوت خفي واعتبروا حركته وتنفسه بل وعطاسه ورضاعته وتبوله وتغوطه أمورا ليست كافية لإعطائه صفة الحياة. ورد عليه آخرون باعتبار الرضاعة دليلا كافيا على حياة الطفل واعتبر آخرون العطاس دليلا كافيا على الحياة واستدلوا على ذلك بأن آدم ﵇ لم نفخت فيه الروح عطس فحمد الله كما جاء في الحديث.
وتعتبر نظرة الفقهاء الذين لم يكتفوا بالحركة كدليل على الحياة أو خروج بعض الإفرازات من مخارج الجسم مثل البول والغائط والمخاط من الأنف أو الزبد من الفم كدليل على الحياة.. تعتبر نظرة هؤلاء الفقهاء موافقة للطب الحديث. فقد يتحرك المقتول أو المذبوح.. ومن المشاهد أن الدجاجة تقفز وتتحرك بعنف بعد ذبحها وكذلك بقية الحيوانات كالشاه والجمل والعجل وكم من أجساد تحركت بعد أن حزت رؤوسها بالمقصلة أو السيف ولم تهمد حركتها وتبرد إلا بعد مرور دقائق وأحيانا ساعات.
وفي الصورة التالية صورة لدجاجة ذبحت بحيث فصل رأسها ومع هذا ظلت تمشي وتتحرك وتتنفس لمدة أسبوع كامل. وذلك لأن موضع الذبح كان عاليا بحيث بقى جزء من النخاع المستطيل (من جذع الدماغ) حيا وهو الذي يتحكم في التنفس. وكانت تغذيتها تتم من البلعوم المفتوح.
(الصورة من كتاب كريستوفور باليس ابجديات موت الدماغ)
ABC of Broom Stem Death. Christopher Palls. BM.J. articles , BM.A. London.
стр. 403
إذن مما تقدم يتضح كيف أن تحديد الموت كان ولا يزال يواجه صعوبات جمة وخاصة بالنسبة لعامة الناس.. وكان تحديد موت شخص قد عاش فترة ثم مات أقل صعوبة من تحديد موت وليد خرج لتوه من بطن أمه ولم يستهل صارخا ولا شك أن عددا كبيراَ من هؤلاء الأطفال قد أعلنت وفاتهم في الماضي بينما هم في الواقع كانوا عند إعلان وفاتهم أحياء ولو كانت وسائل التشخيص والإسعاف كما هي الآن لأمكن إنقإذ الآلاف من هؤلاء الأطفال الذين أعلنت وفاتهم في الماضي. لأن بعض الفقهاء آنذاك حددوا بدء الحياة بالاستهلال بالصراخ!
وكذلك في مراحل العمر المختلفة كان الشخص يعتبر ميتا وهو في الواقع حي ومثال ذلك ما يضربه الفقهاء (نقلا عن كلام مفتى تونس في صحيفة الشرق الأوسط المتقدم ذكر) من أن عمر رضى الله عنه لما طعن كان معدوداَ في الأموات.. وأنه لو مات له مورث لما ورثه وهو قول ابن القاسم، ولو قتل رجل عمر في تلك الحالة لما قتل به وإن كان عمر يتكلم ويعهد ولا شك ان عمر رضى الله عنه كان حيا بعد ما طعن وقد بقى ثلاثة أيام ولو كان الطب متقدما آنذاك لأمكن إنقإذه بإذن الله وقد استدل الطبيب آنذاك بأن عمر ميت عندما سقاه لبنا فخرج من أمعائه من الجرح واليوم لا تعتبر مثل هذه الحالة مميتة بل يمكن إلى حد كبير إنقإذها بإذن الله.
وقد تمكن الأطباء من إنقإذ الرئيس ريجان بعد إصابته برصاصة مزقت رئته ومرت بشغاف قلبه (التأحور) عندما قام شخص بالاعتداء على حياته وهناك مئات الحالات المماثلة التي ينقذها الأطباء كل يوم ولو حصل هذا الاعتداء في زمن سابق لأعلن الفقهاء قبل الأطباء موته.
نتيجة لهذه الأسباب ولكثرة الأخطاء النسبية في تشخيص الموت لم يعد من حق الأشخاص العاديين أن يعلنوا الموت أو الحياة بل تحول ذلك إلى فئة مختصة بهذا الموضوع هم الأطباء وقد أصبح الأطباء في دول العالم أجمع هم الذين أنيط بهم إصدار شهادات الميلاد أو شهادة الوفاة.
ورغم ذلك فإن إعلان الميلاد أو الوفاة يتم في الأرياف والقرى في معظم أنحاء العالم الثالث دون معاينة الطبيب.. بل إن إعلان الوفاة قد يتم في المدن دون معاينة الطبيب حيث يكتفي بشهادة الأهل ويصدر الطبيب شهادته بناء على ذلك.
وهذا ما يفسر ما تنشره الصحف من أن طفلا أو رجلا أو امرأة قام من قبره يمشي إذ أن هذا الشخص لم يمت في الواقع بل إن الأشخاص الذين أعلنوا وفاته لم يكونوا على دراية كافية بهذا الموضوع الذي يبدو سهلا في كثير من حالاته إلا أنه يصبح شديد التعقيد في بعض الحالات.
стр. 404
الخطأ في إعلان الوفاة:
الخطأ إذن في إعلان وفاة شخص ينتج على عدة مستويات كالآتي:
١- مستوى العامة ممن ليس لهم دراية بالطب وإنما أنيط بهم إعلان الوفاة لعدم وجود طبيب ولسابق تجربتهم ومعرفتهم فإن العباس رضى الله عنه لما رأي رسول الله ﷺ في مرضه الأخير قال وأني أعرف الموت في وجوه بني هاشم، ونعى النبي ﷺ إلى علي رضى الله عنه.
ولا تزال القرى والأرياف في كثير من أنحاء العالم الإسلامي والعالم الثالث تعتمد في تشخيص الوفاة على ذوى التجارب أو على المساعدين الصحيين.. واحتمال الخطأ في تشخيص الوفاة في مثل هذه الحالات كبير نسبيا
٢- الخطأ في مستوى الأطباء: لقد تعارف الأطباء منذ الأزمنة القديمة على أن توقف القلب عن النبض وتوقف الدم عن الدوران يعني الموت ولا يزال هذا المقياس قائما إلى اليوم وسيقي لفترة طويلة من الزمن في المستقبل لمعظم الحالات على الأقل.
ففي بريطانيا مثلا يتوفي كل عام نصف مليون شخص ويحكم الأطباء بموتهم نتيجة توقف القلب والدورة الدموية نهائيا عن الحركة ورغم التقدم الطبي الهائل فإن هناك ما يقرب من أربعة آلاف شخص لا يدخلون في هذا التعريف في بريطانيا كل عام (كتاب كريستوفر باليس ألف باء موت جذع الدماغ) وإنما يعتبر موتهم نتيجة موت الدماغ لا موت القلب وفي الواقع فإن هؤلاء الأشخاص الذين لا يشكلون سوى أقل من واحد بالمائة من جميع الوفيات في بريطانيا يوضحون عمق المشكلة الجديدة التي بداَ الأطباء في العالم اجمع يعانون منها نتيجة التقدم التكنولوجي الطبي المذهل إذا أن هذه الحالات جميعاَ أعلن عن موتها رغم أن القلب كان لا يزال ينبض والدورة الدموية لا تزال تتدفق.
وسبب هذه الثورة في المفاهيم هو أن الإصابات البالغة للدماغ التي كانت تعتبر مميتة في الحال لم تعد تعتبر كذلك فإذا توقف قلب الشخص أو تنفسه نتيجة إصابة الدماغ الذي به مركز التنفس أو توقف القلب والتنفس نتيجة لأي إصابة أخرى مثل الغرق أو الخنق أو اضطراب في كهرباء القلب أو غيرهما من الأسباب فإن وسائل الإنعاش الحديثة كالمنفسة (جهاز التنفس) Ventilator وجهاز إيقاف ذبذبات القلب Defibrillator إذا استخدمت بمهارة قد تؤدي إلى إنعاش الشخص وإعادة التنفس ونبض القلب إذا أراد الله ذلك.. وكان له في العمر بقية.
وهنا يحدث أحد الأمور التالية:
١- يعود الشخص إلى التنفس الطبيعي بدون الآلة (المنفسة (Respirator) ويعود قلبه إلى النبض ويستمر في ذلك وسواء كان في حالة غيبوبة أم لا فإنه يعتبر حيا بدون ريب.
стр. 405
٢- لا يمكن إيقاف المنفسة (Respirator) إلا لدقائق حيث يتبين أن التنفس لا يزال يعتمد على المنفسة والشخص لا يزال فاقدا للوعي بصورة كاملة وهنا لابد من إيجاد مواصفات جديدة لتحديد الوفاة إذ أن القلب لا يزال ينبض والتنفس مستمرا بمساعدة الآلة.
٣- يتوقف القلب نهائيا رغم وجود المنفسة: ففي الحالة الأولى يعتبر الشخص حيا ولو كان فاقد الوعي واستمر في غيبوبته غيبوبة كاملة لمدة عام أو عدة أعوام كما حدث في حالة آن كونلان المشهورة.
وفي الحالة الثالثة يعتبر الشخص ميت بلا جدال. والحالة الثانية هي الحالة المعقدة التي أثارت جدلا واسعا في الغرب امتد أثره إلينا مع زحف التقدم الطبي والتكنولوجي. ومع قيام المستشفيات الحديثة ومع إثارة موضوع الاستفادة من الأعضاء الحية من شخص ميت لزرعها في إنسان حي ماتت كليته أو كادت وشارف قلبه أو كبده على الموت.
وفي هذه الحالة الثانية حصلت أخطاء على مستوى الأطباء بل على مستوى الأخصائيين من الأطباء في أكثر دول العالم تقدما
وقد قدم التلفزيون البريطاني B.B.C في برنامج بانوراما موضوع موت الدماغ في ١٣ أكتوبر ١٩٨٠ حلقة مثيرة تحدثت فيها فتاة أخذت بعض الحبوب المنومة فأغمى عليها وتوقف تنفسها ووضعت تحت أجهزة الإنعاش المعقدة وفي المستشفي أعلن الأطباء أن دماغها قد مات وأن تنفسها قد توقف وأن تخطيط المخ الكهربائي لا يشير إلى وجود أي ذبذبات أو موجات آتية من دماغها ولذا أعلنوا موتها.
стр. 406
ورفض أهلها هذا التقرير وجاءت مجموعة أخرى من الأطباء وواصلوا استخدام أجهزة الإنعاش فتنفست الفتاة طبيعيا ثم أفاقت من غيبوبتها ثم ذهبت إلى محطة التليفزيون لتروى للمشاهدين كيف أنها كانت تسمع الأطباء وهم يتجادلون ثم تسمعهم وهم يقررون وفاتها وهي في غيبوبتها العميقة.
وذكر البرنامج عدة حالات مشابهة توضح أخطاء الأطباء في إعلان الوفاة بسبب حالة الإغماء والغيبوبة التامة وفقدان الأفعال المنعكسة وتوقف التنفس الطبيعي.
وقد أخبرني الأستاذ الدكتور عبد الله منجود بحادثة مشابهة حدثت حيث كان يعمل في إحدى مستشفيات في مانشستر في إنجلترا عندما جاء الإسعاف بامرأة عجوز توقف قلبها وتنفسها.. وبعد محاولات الإنعاش قرر زملاؤه الأطباء أن المرأة ماتت وأوقفوا جهاز التنفس ولكنه أصر على إعادة المحاولة وبعد نصف ساعة عاد التنفس الطبيعي ثم عاد الوعي وعاشت المرأة فترة من الزمن.
لذلك تكونت لجان طبية عليا متخصصة لدراسة موت الدماغ. وكانت مجموعة من الأطباء الفرنسيين (مولارت وجولون) أول من تحدث عن مرحلة ما بعد الإغماء Coma de passe عام ١٩٥٩ (١) ثم ظهرت لجنة آدهوك من جامعة هارفارد عام ١٩٦٨ بتحديدات واضحة المعالم لموت الدماغ (٢)
وفي بريطانيا اجتمعت لجنة مكونة من الكليات الملكية للأطباء، وأصدرت تعريفاتها لموت الدماغ عام ١٩٧٦ (٣)
وعام ١٩٧٩ (٤)
ومن عام ١٩٨١ أصدر الرئيس ريجان أمره بتكوين لجنة من كبار الأطباء والقانونيين وعلماء الدين لدراسة موضوع موت الدماغ. وأصدرت اللجنة قرارها عن موت الدماغ في يوليو ١٩٨١ (٥) وقد وافقت ٢٥ ولاية على الاعتراف بموت الدماغ وارتفع العدد إلى ٣٣ ولاية في عام ١٩٨٢ وكانت ولاية كانساس هي أول ولاية تعترف قانونيا بموت الدماغ وذلك في عام ١٩٧٠ (٦) ولا يزال الأمر كما تقول مجلة JAMA (٧) الطبية المشهورة غريبا حيث يعتبر المرء ميتا في ولاية بينما تعتبره ولاية مجاورة حيا.
стр. 407
الفصل السادس
أجهزة الإنعاش وموت الدماغ
إن التعريف القديم للموت وهو توقف القلب والتنفس لا يزال ساريا بالنسبة لمئات الملايين من الوفيات التي تحدث سنويا ومع هذا نتيجة التقدم الطبي السريع واستخدام أجهزة الإنعاش فإن هذا التعريف أصبح غير كاف بالنسبة لمجموعة من الحالات في المراكز المتقدمة ففي بريطانيا مثلا يتوفي كل عام نصف مليون حالة حسب التعريف القديم وهو توقف القلب عن النبض والدم عن الدوران والرئتين عن التنفس. ولكن هناك أيضًا أربعة آلاف حالة لا ينطبق عليها هذا التعريف (١) وإنما يتم في هذه الحالات التي لا تكاد تبلغ ١ % من مجموع الوفيات (٨ر %) تعريف الموت بواسطة موت الدماغ أو بالأصح موت جذع الدماغ..
وقد ظهرت هذه الحالات نتيجة التقدم الطبي الباهر في السنوات الأخيرة.. وتحدث هذه الحالات أساسا نتيجة حادثة لشخص سليم في الغالب حيث يعاني الدماغ من إصابة بالغة فيه.. وبما أن مراكز التنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية موجودة في الدماغ وبالذات في جذع الدماغ Brain Stem فإن إصابة هذه المراكز إصابة دائمة تعني الموت ولكن قد تكون الإصابة مؤقتة ويمكن أن يشفي منها المصاب بإذن الله بالعلاج ولهذا لزم محاولة استمرار التنفس وضربات القلب والدورة الدموية بوسائل الإنعاش.
وتتمثل وسائل الإنعاش في مجموعة من الأجهزة والعقاقير وأهم من ذلك المجموعة المدربة من الأطباء والممرضين الذين يستخدمون هذه الأجهزة بمهارة.
أجهزة الإنعاش: وتتمثل الأجهزة في المجموعة التالية:
١- المنفسة Respirator or Ventilator وهي أنواع مختلفة فعندما يرى الطبيب مثلا أن التنفس قد توقف أو أوشك على التوقف فإنه يقوم بإدخال أنبوبة إلى القصبة الهوائية ويوصل ذلك إلى المنفسة.. وهناك المنفسة التي تعمل باليد مثل Ambu Bag وموجودة في شنطة الإسعاف لدى الممرضين والأطباء ورجال الإسعاف وحتى مضيفي الطائرات ووسائل النقل.. وهناك المنفسة التي تعمل بالكهرباء أو بالبطارية
стр. 408
كما أن هناك أنواعا من المنفسات تساعد المريض الذي يتنفس بصعوبة بالغة فلا تأخذ عمل جهازه التنفسي بل تساعده على ذلك ومثالها Bennet Respirator وتستخدم خاصة في مرض الامفيزيما Emphysema والربو المزمن الشديد، والالتهابات الشعبية المزمنة.
ولكن معظم أنواع المنفسات التي تستخدم في العرض الذي نتحدث عنه هو تلك التي تقوم فيه المنفسة بعمل الجهاز التنفسي وتحرك بذلك القفص الصدري في حركة تشبه حركة الشهيق والزفير الطبيعتين.
وتستخدم هذه الأجهزة أيضًا أثناء العمليات التي يستخدم فيها التخدير الكامل فيفقد المريض وعيه ويدخل طبيب التخدير الأنبوبة إلى القصبة الهوائية Trachea ويصبح تنفس المريض أثناء العملية وربما بعدها لدقائق أو ساعات معتمدا على جهاز التنفس وفي الحالات المستعجلة جدا والتي يكون فيها انسداد في الحنجرة مثلا فإن الطبيب قد يقوم بعملية شق الرغام (شق القصبة الهوائية) Tracheostomy ويدخل الأنبوب مباشرة من الفتحة ويتم بذلك التنفس الصناعي.
٢- أجهزة إنعاش القلب مثل مانع الذبذبات Defibrillator وهذا الجهاز يعطي صدمات كهربائية لقلب اضطرب نبضه اضطرابا شديدا وتحول إلى ذبذبات بطينية yentricular fibrillation لا تدفع الدم من البطين إلى الاورطي (الابهر) وإذا لم تنقذ هذه الحالة فإن القلب يتوقف تمامًا عن العمل وذلك يعنى توقف تغذية الدماغ وإذا توقفت تغذية الدماغ وخاصة جذع الدماغ لمدة دقيقتين فذلك يعني موت الدماغ الذي لا رجعة فيه. ويقوم الطبيب أو الممرضة أو الشخص المدرب بوضع جهاز مانع الذبذبات هذا على الصدر وإمرار تيار كهربائي يوقف الذبذبات ويعيد القلب إلى نبضه أو إذا توقف القلب فإن إمرار صدمة كهربائية قد يعيد القلب إلى العمل.
٣- وهناك أيضًا جهاز منظم ضربات القلب Pace maker ويستخدم عندما تكون ضربات القلب بطيئة جدا بحيث إن الدم لا يصل إلى الدماغ بكمية كافية أو ينقطع لفترة ثوان أو لدقيقة ثم يعود وذلك يسبب الغشى (الإغماء) وفقدان الوعي المتكرر أو أن ضربات القلب مضطربة جدا كذلك بحيث إن ضخ الدم من القلب منخفضاَ بدرجة خطيرة تؤدي إلى اضطرابات في الوعي أو في درجة نشاط ذلك الشخص المصاب.
стр. 409
وهذه المنظمات أنواع عديدة فمنها ما يستعمل مؤقتا خارج الجسم في الحالات المؤقتة.. ومنها ما هو دائم العمل.. والدائم العمل منها يعمل بالبطاريات ومنها ما يعمل بالذرة.. وما يعمل ببطاريات الليثم يمكن أن يستمر في عمله لعشر سنوات وما يعمل بالذرة يمكن ان يستمر مدى الحياة وما يعمل بالبطاريات الأخرى يستمر لسنتين من الزمن.
والنوع الدائم يغرز تحت الجلد والسلك يوصل إلى القلب.. والأنواع تتطور كل يوم وفي الطب جديد اليوم يصبح قديما بعد بضع سنوات فقط.
٤- مجموعة العقاقير: التي يستخدمها الطبيب لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته إلى آخر القائمة الطويلة من العقاقير التي تستخدم في إنعاش المرضى.
وفي عمليات القلب المفتوح: التي تجرى بنجاح مطرد في مختلف عواصم العالم بما فيها مراكز القلب في المملكة العربية السعودية يتم إيقاف القلب كليا عن العمل وكذلك الرئتين طوال مدة العملية التي تبلغ بضع ساعات ويحرص الأطباء على أن لا تزيد المدة عن ساعتين كاملتين لأن المدة إذا زادت عن ذلك بدأت التأثيرات الضارة على عضلة القلب وحسب التعريف القديم فإن مثل هذا الشخص يعتبر ميتا أثناء إجراء العملية إذ أن قلبه وتنفسه قد توقفا تماما عن العمل.
ولكن الواقع أن هذا الشخص حي ويعود إلى وعيه بعد العملية ويعيش حياة طبيعية بعدها بل ويمارس نشاطه بدرجة لم يكن يستطيع أن يقوم بها قبل العملية.
وفي هذه العمليات يكون الدماغ حيا بطبيعة الحال وكذلك بقية الأعضاء وعند بدء العملية يقوم الجراح بتحويل الدم من الأوردة التي تأتى بالدم إلى القلب مثل الوريد الأجوف العلوي والسفلى إلى آلة تقوم بعمل القلب والرئتين فيذهب الدم غير المؤكسد إلى هذه الرئة الصناعية فتصفي الدم من ثاني أكسيد الكربون وتعطيه الأوكسجين بالدرجة المطلوبة وتعيده إلى القلب إلى الشريان الأبهر (الأورطي) عند قاعدته بواسطة أنبوبة خاصة. وبواسطة مضخ يدفع بالدم بضغط دم شبيه بضغط الدم العادي فيدفع الدم من الشريان الأبهر (الاورطي) إلى الدماغ وبقية أعضاء الجسم.
стр. 410
وفي هذه الأثناء يبرد الجسم حتى لا يحتاج إلى استهلاك كمية من الطاقة والأوكسجين كبيرة وتخفض درجة الحرارة إلى ٢٥ مئوية.
أما القلب فيبرد تبريدا شديداَ حتى لا يحتاج إلى كمية من الطاقة والأوكسجين إلا في حدود ضئيلة يمد بها عبر الشرايين التاجية من الاورطي..
ويوقف عمل القلب بنفس الآلة المعروفة باسم مانعة الذبذبات Defibrillator وذلك بإعطائه صدمة كهربائية معينة
وهكذا يبقى المريض وقلبه متوقف عن العمل تماما وكذلك رئتاه وفي حالات عمليات نقل القلب يبقى المريض بدون قلب على الإطلاق لفترة من الزمن وقد يستبدل القلب الإنساني بقلب إنسان آخر أو قلب قرد أو قلب صناعي. ويعيش مثل ذلك الشخص بدون قلب!! أو بقلب قرد أو ربما كلب أو خنزير أو قلب من المطاط والسيلكون والبولين اثيلين (أي مركبات غازات البترول) .
وهذا يدل على أن معاني القلب الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة لا يقصد بها القلب العضلي الصنوبري الشكل الموجود في الجانب الأيسر من الصدر كما يقول الإمام الغزالي في الإحياء، وإنما المقصود به القلب المعنوي والنطفة الربانية.. والمعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء كما ذكر الإمام الغزالي في كتاب عجائب القلب من " إحياء علوم الدين ".
وتجري عمليات القلب المفتوح من أجل أغراض متعددة مثل إصلاح صمامات القلب التالفة، أو إزالة ورم بالقلب أو انسداد بشرايين القلب أو تضخم وتلف في عضلة القلب نتيجة جلطة القلب أو لعملية زرع قلب جديد أو لغير ذلك من الأغراض.
فإذا ما شارفت العملية على الانتهاء أعاد الطبيب حركة القلب بعد رفع درجة حرارته رويدا رويدا وذلك بالأقلال من تبريده وبتسخين الدم وتعاد حركة القلب بواسطة جهاز مانع الذبذبات Defibrillator وذلك بإعطاء القلب شحنة كهربائية معينة فيبدأ القلب بالتحرك ثم الضخ وفي نفس اللحظة التي تعود فيها حركة القلب يعاد الدم إلى القلب في حركة توافق وتناسق عجيبة متناغمة تدل على المهارة الفائقة والبراعة التامة وتناسق عمل الفريق الذي يقوم بالعملية.
стр. 411
هذا موجز سريع لأجهزة الإنعاش وأغراض استخدامها وأما المشكلة العويصة التي نتجت عن هذا الاستخدام فتأتي عندما يقوم الطبيب بإسعاف مريض توقف تنفسه فجأة لأي سبب من الأسباب (غرق، حرق، تنفس مواد سامة) أو توقف قلبه فجأة (مرض بالقلب، اضطرابات النبض، مواد سامة الخ) أو أصيب دماغ الشخص في حادثة سيارة مثلا أو أثناء عملية جراحية لإزالة ورم بالدماغ.
وفي هذه الأسباب جميعا يقصد الطبيب إعطاء المصاب فرصة قد يعود فيها تنفسه وقلبه ودماغه إلى الوضع الطبيعي أو إلى ما هو أدنى من ذلك أو أفضل مما كان عليه قبل الإصابة..
وما أن يضع الطبيب المنفسة ويتنفس بها الشخص المصاب فإن مشكلة جديدة تطرأ وهي هل من حق الطبيب أن يوقف هذه المنفسة؟ وإذا كان كذلك فمتى وما هي الشروط لذلك؟
وهل يعتبر إيقاف المنفسة نوعا من القتل لذلك الشخص المعتمد عليها؟ إن التعريف القانوني للحياة هو استمرار القلب في الضخ واستمرار الدورة الدموية واستمرار التنفس فإذا كانت هذه العناصر كلها موجودة فهل يعتبر مثل هذا الشخص حيا أم ميتا في نظر القانون والشرع رغم أن دماغه قد وقف تماماَ عن العمل؟
إذا قلنا بأن استمرار عمل القلب والتنفس دليل قطعي على الحياة فمإذا نقول في عمليات القلب المفتوح التي يوقف فيها عمل القلب والرئتين لمدة ساعتين أو اكثر؟ هل مثل ذلك الشخص في نظر الشرع أو القانون ميت؟ أن الأطباء يقررون أن مثل ذلك الشخص حي ولا يعتبرون أنه توفي إلا إذا توقف القلب بالكلية وتوقف الضخ إلى الدماغ ومات الدماغ نتيجة لذلك.
لهذه الأسباب ظهر مفهوم موت الدماغ، أو موت جذع الدماغ.
تكوين الدماغ: والدماغ Brain يتكون من Cerebrol hemis phenes
١- المخ Cerebrum وهو بدوره يتكون من نصي المخ.
٢- المخيخ ووظيفته الأساسية توازن الجسم وإزالة المخيخ بكامله لا تسبب الوفاة
٣- جذع الدماغ Brain Stem
وفي المخ المراكز العليا.. ومراكز التفكير والذاكرة والإحساس.. والحركة والإرادة.. إلخ. وفي جذع الدماغ المراكز الأساسية للحياة مثل مراكز التنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية.. فإذا مات المخيخ فإن الإنسان يمكن ان يعيش..
الحياة النباتية وأمثلتها كاترين كونيلان وسيسليا بلاندى:
وإذا مات المخ فإن الإنسان أيضًا يمكن ان يعيش وإن كانت حياته حياة غير إنسانية بل حياة نباتية Vegelative life. وهذا ما حدث لكارين كونيلان الي مكثت في غيبوبة منذ ١٤ أبريل ١٩٧٥ حتى ١٣ يونيه ١٩٨٥ عندما توفيت أخيرا وفي تلك الفترة الطويلة لم يكن لها من الحياة الإنسانية والإدراك شيء..
стр. 412
وفي بداية الأمر وضعت تحت أجهزة الإنعاش وظل تنفسها بالمنفسة وتدخل الأبوان وقسيس الأسرة وطلبوا من المستشفي والأطباء إيقاف الأجهزة طالما أنه لا يوجد أي أمل في عودتها إلى الوعي ذلك لأن دماغها قد مات أو بالأحرى معظم دماغها الذي يشمل المخ والمخيخ ماعدا أجزاء من جذع الدماغ ظلت حية. ورفضت إدارة المستشفي طلب الأبوين.. وتقدما إلى المحكمة.. وكانت أول قضية من نوعها في الولايات المتحدة بل وفي العالم وأثارت ضجة كبرى ظلت محل اهتمام أجهزة الإعلام والأطباء والقضاة.
وبعد مداولات بل واستفتاء للرأي العام قررت المحكمة العليا حق المريض أو المريضة المصاب إصابة خطيرة كهذه في دماغها بحيث لا يرجى برؤها.. ولا تعود لها بها حياة إنسانة.. قررت المحكمة حق المريض في الموت بكرامة.. وذلك في شهر مارس ١٩٧٦.
وبعد أن أوقفت أجهزة الإنعاش بأمر المحكمة في مايو ١٩٧٦ استمرت كارين آن كونيلان في حياتها النباتية لمدة عشرة سنوات تقريباً وهي تعيش على التغذية بالمحاليل.. وعلى أجهزة الأنعاش من حين لآخر ... وأخيراً في ١٣ يونية ١٩٨٥ انتقلت الى العالم الآخر فتاة أصيبت بنوبة من الإغماء بعد حفلة خمر وحبة فاليوم. وهي في عمر الزهور وقد حدث لها الإغماء عندما كانت في الواحدة والعشرين.. وفي الواحدة والثلاثن عاماً توفاها الله بعد أن أصيبت بالتهاب رئوي أصيبت بمثله وشفيت منه عشرات المرات أثناء غيبوبتها الطويلة.
كما أن مراكز الوعي منبثة ف شبكة الدماغ الأوسط Reticular formation of mid وتصاب هذه المراكز باصابات بالغة في الحالات التي يحدث فيها إغماء طويل مثلما حدث لكارين آن كونيلان ودسيسليا بلاندي.
وإذا تغير نشاط مناطق الوعي هذه فإن الإنسان يصاب بالنوم ... ورغم أن عملية النوم لا تزال مجهولة في تفاصيلها إلا أنه بات من المعتقد أن النوم يبدأ عندما ينخفض نشاط هذه المراكز في الدماغ الأوسط.
وإذا تغير النشاط في هذه المناطق حدث نوع من الصرع يفقد فيه المريض وعيه ثم يصحبه بعد ذلك تشنج في العضلات نتيجة سريان النشاط الكهربائ الشاذ المفاجئ من الدماغ المتوسط الى مراكز الحركة.
وهناك نوع من الصرع آخر يعرف بأسم صرع جاكسون Jacksomian يبدأ من مركز حركي فتتحرك الإبهام اليسرى مثلاُ ثم تتحرك اليد ثم الذراع ثم العضد ثم الشق الايسر بأكملة ثم يفقد المريض الوعي وينتابه صرع وتشنجات للجسم بأكمله.
وسبب هذا النوع من الصرع هو موجات كهربائة طارئة على منطقة قشرة الدماغ في المخ Cerebrum لوجود ورم أو ندبة في منطقة محدودة. ثم يسري النشاط الكهربائي من المنطقة الحركية المحدودة في الدماغ حتى تصل الى منطقة الوعي وهي شبكة الدماغ الممتدة الى الدماغ الأوسط.
وهناك فرق كبير بين حالة الإغماء وبين حالة النوم.. ففي حالة النوم العميق يمكن أن يوقظ الشخص إما بصوت عال أو بتحريكة أو بوخزه.. أما في حالة الإغماء فإن الصوت العالي والضوء القوي والتحريك واللمس والوخز لا يؤثر في الشخص ولا يجعله يخرج من حالة الإغماء بل لا يبدو عليه أي إحساس نحو هذه الؤثرات إلا بدرجة طفيفة جدا.
ولذا فإن نوم أهل الكهف الطويل الذ جعله الله معجزة لهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وفروا من ملكهم الطاغية الى الكهف إن نوم هؤلاء الفتية لمدة ثلاثمائة وتسعة أعوام ليس نوعاً من الإغماء ولا نوعاً من الموت بل هو نوم طبيعي ولا غرابة أنه بلغ هذه الأحقاب المتطاولة.. وقد قص علينا رب العزة قصتهم في سورة الكهف قال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ .
وحالة النوم هذه هي همود لنشاط مراكز الوعي في الخلايا الشبكية في الدماغ الأوسط، وإذا تنبهت هذه الخلايا عادت الى نشاطها السابق.
ولا نريد ها هنا الدخول في متاهات النظريات عن النوم فهي خارجة عن موضوعنا، ولكن أحببنا توضح فكرة موجزة عنها للتفريق بينها وبين الإغماء.
والإغماء الطويل الذي يمتد أشهرا وسنيناً متطاولة هو نوع من الموت يفقد فيه الشخص المصاب حياته الإنسانة وتبقى له حياته النباتة ... ومع هذا فإن الشرع والطب والقانون يحتم في هذه الحالة اعتبار مثل هذا الشخص حيا ... له حقوق الحياة كاملة.. وكل من يتعدى على هذه الحياة يعتبر مسؤلا فإن قتلها شخص اعتبر قاتلا مهما كان الغرض من وراء قتله حتى لو سمى ذلك قتل الرحمة.
فإن هذا الشخص لا يخاطب بالتكاليف الشرعية لفقدان وعيه.
стр. 413
الفصل السابع
موت الدماغ أو موت جذع الدماغ: الموقف القانوني والشرعي
لقد تبين مما سبق أهمية مفهوم موت الدماغ أو موت جذع الدماغ.. ونوجز فيما يلي الأسباب الداعية إلى استخدام موت الدماغ بدلا من موت القلب وتوقف الدورة الدموية.
إن الإصابات البالغة نتيجة الحوادث أو غيرها التي تصيب الدماغ قد تسبب موت الدماغ أو بالأحرى جذع الدماغ (وسنفصل فيما بعد في هذا المفهوم والفرق بينهما) وفي نفس الوقت فان أجهزة الإنعاش قد تجعل القلب يستمر في عمله والتنفس يستمر بواسطة المنفسة وبذلك تعمل كل أجهزة الجسم تقريبا ماعدا الدماغ الذي يكون قد مات.. ولهذا فان مثل هذا الشخص الميت يفرز البول أو الغائط وقد تنمو أظافره ويطول شعره وهو أمر يبدو غريبا على السامع.
المدة بين موت الدماغ وتوقف القلب:
والواقع أن الغرابة تزول إذا علمنا أن الدورة الدموية يمكن أن تستمر لعدة ساعات أو لعدة أيام بعد وفاة الدماغ وفي حالة موثقة نشرتها مجلة نيواتجلند جورنال الطبية المشهورة في ٧ يناير ١٩٨٢ أن شخصا توفي فجأة أثناء مشادة وتوقف قلبه وتنفسه وأدخل المستشفي بعد الإسعاف السريع واستمر تحت المنفسة وفي اليوم الثالث أوضحت كل الفحوصات أن دماغه قد مات.. واستمر التنفس الصناعي ليروا متى يتوقف القلب عن النبض.. واستمر قلب ذلك الشخص ينبض بوسائل الإنعاش الصناعي لمدة ٦٨ يوما بعد موت دماغه ولم يتوقف عن النبض إلا بعد ان قام الأطباء بإيقاف وسائل الإنعاش الصناعي.. وهي أطول مدة مسجلة وموثقة في هذا الباب.
الأسباب التي تدعو إلى إيقاف وسائل الإنعاش:
١- أن رعاية جثة وتنظيفها أمر يسبب آلاماَ مبرحة لأسرة ذلك الميت وللأطباء ولهيئة التمريض.
٢- والنقطة الأخرى الهامة هي أن تكاليف وسائل الإنعاش باهظة جدا.. وصرف ملايين الدولارات لجعل جثث تتنفس أمر ليس له معنى.
٣- كذلك فإن هذه الأجهزة باهظة الثمن وقليلة العدد.. ويحتاجها كثير من المصابين وتعطيلها على مجموعة من الجثث أمر يؤدى إلى فقدان مجموعة من الحالات التي كان بالإمكان إنقإذها لو استخدمت معهم وسائل الإنعاش في حينها.
وترك شخص يموت لعدم وجود وسائل إنعاش أو لأن وسائل الإنعاش موضوعة في شخص مات دماغه أمر ليس له ما يبرره
لهذا وجد الأطباء أنفسهم في حاجة إلى إيجاد مواصفات محددة لتعريف موت الدماغ وكذلك فإن مشاريع زرع الأعضاء تستدعى أن تنقل هذه الأعضاء من الموتى وهي في حالة جيدة أي أن خلاياها لا تزال حية وبما أن موت العضو لا يحدث دائما عند موت الشخص فإن هذه الأعضاء قد تبقى حية لفترة زمنية محدودة بعد موت العضو.
ومن المشاهد في الشاة بعد ذبحها أنها تتحرك بل إن ألياف عضلات اللحم تتحرك وتنبض بعد أن تسلخ الشاة ويقطع لحمها
وكذلك فإن القلب أو الكلى أو القرنية أو غيرها من الأعضاء الإنسانية المطلوبة في زرع الأعضاء يمكن أن تكون حية بعد وفاة الشخص.
وبما أن الفساد يسرى إليها فتصبح غير ذات فائدة بعد توقف الدورة الدموية فإن أخذ هذه الأعضاء مع وجود الدورة الدموية أو بعد لحظات من توقفها أمر يستدعى استمرار وسائل الإنعاش لحين أخذ هذه الأعضاء، وذلك بعد إعلان وفاة الشخص.
ولهذا لابد من توضيح موت الدماغ والاعتراف به في هذه الحالات الخاصة كعلامة على الموت وإصدار شهادة الوفاة بذلك بينما تبقى الجثة بعد ذلك تحت أجهزة الإنعاش حتى يتمكن الجراحون من أخذ الأعضاء المناسبة.
ولهذا الأمر محإذير.. ولذا ينبغي أن يكون الفريق الطبي الذي يعلن موت الدماغ لا مصلحة له ولا يشترك في أخذ الأعضاء المطلوبة، بل إن الفريق الذي سينقل الأعضاء ليس له الحق مطلقا في إعلان موت الدماغ.
وجوب الاعتراف بموت الدماغ:
إذن من الناحية الشرعية أو القانونية لابد من إجراء التغيير التالي:
الاعتراف بموت الدماغ بدلا من موت القلب كعلامة على موت الشخص في الحالات الخاصة التي تستدعي وضع أجهزة الإنعاش وبذلك يمكن إعلان الوفاة متى ما تم تحديد موت الدماغ والاتفاق عليه من قبل مجموعة من الأطباء المختصين وفي تلك الحالة يمكن إيقاف أجهزة الإنعاش وإبقاؤها على حسب الوضع المطلوب في المستشفي، فمثلا إذا كان المصاب قد أوصى قبل وفاته بتبرعه بأعضاء جسمه فإن الأجهزة يمكن أن تظل تعمل بعد إعلان وفاته لبضع ساعات أو ربما يوم كامل إذا كانت هناك حاجة للحصول على عضو أو أعضاء كاملة التروية لزرعها في مريض أو مرضى آخرين هم في أشد الحاجة إليها.
وقد كانت القوانين في العالم أجمع بما فيه الولايات المتحدة وأوربا تنص على أن الوفاة مرتبطة بتوقف القلب والدورة الدموية يقول قاموس بلاك القانوني إن الموت يعني توقف الدورة الدموية وتوقف الوظائف الأساسية للكائن الحي مثل التنفس والنبض.
стр. 414
وكان أول من نبه إلى موضوع موت الدماغ المدرسة الفرنسية عام ١٩٥٩ فيما أسمته مرحلة ما بعد الإغماء Cama de passe وبدأ الأطباء الفرنسيون يحددون بعض المعالم لموت الدماغ بينما القلب لا يزال ينبض (١)
ثم جاءت المدرسة الأمريكية المتمثلة في لجنة آدهوك من جامعة هارفارد عام ١٩٦٨ فوضعت مواصفات موت الدماغ (٢)(٣) وركزت على خمس مواصفات اعتبرتها العلامات الدالة على موت الدماغ وهي:
(أ) الإغماء الكامل وعدم الاستجابة لأي مؤثرات.
(ب) عدم الحركة (تلاحظ على الأقل لمدة ساعة) .
(جـ) عدم التنفس.
(د) عدم وجود أي من الانفعالات المنعكسة.
(هـ) رسم مخ كهربائي لا يوجد فيه أي نشاط.
وأثار قرار لجنة هارفارد اهتماما واسعا في مختلف مناطق العالم.. وفي نفس العام بحث المؤتمر الطبي العالمي الثاني والعشرون في سيدني استراليا موضوع الموت وتعريفه وموت الدماغ.
واستمر الجدل عنيفا وحادا في الدوائر الطبية والقانونية ومنذ بداية السبعينات كانت المستشفيات جميعها تواصل الإنعاش حتى يتوقف القلب تلقائيا وكان ذلك يشكل عبئا كبيرا على المستشفيات والأطباء والممرضين وعلى أسرة المصاب وفي كثير من البلدان كان على الأسرة أن تدفع تكاليف وسائل الإنعاش الباهظة الثمن طوال المدة التي كانت تستخدم فيها (حتى بعد موت الشخص المصاب) ولم تكن الأسرة تعاني فقط نفسيا بل ماديا أيضًا.
стр. 415
وفي بريطانيا اجتمعت لجنة من كبار الأطباء المختصين من الكليات الملكية للأطباء وكليات الطب في الجامعات البريطانية وأصدرت تعريفاتها لموت الدماغ عام ١٩٧٧ وبذلك أمكن في بريطانيا إيقاف وسائل الإنعاش متى ما تم تشخيص موت الدماغ.
وفي عام ١٩٨١ أصدر الرئيس ريجان أمراَ بتكوين لجنة من كبار الأطباء والقانونين وعلماء الدين لدراسة موضوع موت الدماغ وأصدرت اللجنة قرارها في يوليو ١٩٨١ بالاعتراف بموت الدماغ قانونيا وكانت أول ولاية تعترف بموت الدماغ هي ولاية كانساس وذلك عام ١٩٧٧ (١) ورغم ان ٢٥ ولاية لم تعترف قانونيا بموت الدماغ إلا أن القضاة في تلك الولايات بصورة عامة يعترفون به
ويسخر الدكتور واكر من الوضع القانوني الغريب حيث يعتبر الشخص ميتا في ولاية بينما تعتبره ولاية مجاورة حيا (٢)
وسيعرض الأمر على الكونجرس الأمريكي لإصدار قانون فيدرالي يشمل الولايات المتحدة بأكملها وفي استراليا يذكر الدكتور بول جيرير والدكتور جور أن القوانين تختلف من ولاية لأخرى في تعريف الموت اختلافا بينا ففي جنوب استراليا ومقاطعة فيكتوريا ونيو ساوث ويلز يعترف القانون بموت الدماغ كعلامة للموت. بينما لا تعترف بعض المقاطعات الداخلية بتعريف موت الدماغ إلا في حالة تبرع المصاب قبل وفاته أو موافقة أسرته على التبرع بأعضائه (٣)
موقف الدول من موت الدماغ:
وازداد عدد الدول التي تعترف بموت الدماغ وان كانت تختلف في تفاصيل الفحوصات المطلوبة لتعريف موت الدماغ.
وكان الموقف في عام ١٩٧٩ كما يلي (نقلا عن كتاب كريستوفر باليس ابجديات موت الدماغ) (٤)
الدول التي تعترف بموت الدماغ:
الأرجنتين، النرويج، استراليا، إسبانيا، النمسا، كندا، بورتيريكو، تشيكوسلافكيا، الولايات المتحدة (٣٣ ولاية عام ١٩٨٢) ، فرنسا، المكسيك، إيطاليا
стр. 416
الدول التي تعترف طبيا بموت الدماغ ولكن لا يوجد قانون يعترف بموت الدماغ:
بلجيكا، ألمانيا، الهند، بريطانيا، ايرلندا، هولندا، جنوب إفريقيا، كوريا الجنوبية، سويسرا، تايلاند وبقية الولايات المتحدة، بوليفيا، البرازيل، بيرو، كولومبيا، فينزويلا، ارجواي، تركيا
الدول التي لا تعترف بموت الدماغ أو لا تعترف به كمساو لموت القلب:
الدينمارك، إسرائيل، اليابان، بولنده، السويد، الدول الإسلامية
الدول التي لم تدرس جديا موت الدماغ:
- معظم الدول الإسلامية
- بقية دول العالم الثالث بما في ذلك الصين
- الاتحاد السوفيتي
وقد بدأت كثير من الدول الإسلامية بحث موضوع موت الدماغ في الآونة الأخيرة ففي الكويت انعقدت ندوة بدء الحياة ونهايتها عام ١٤٠٥ (١٩٨٥) بإشراف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وكذلك بحث المجمع الفقهي الإسلامي موضوع موت الدماغ في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة (١٤٠٥هـ) وأجل البت في الموضوع إلى الدورة التاسعة (١٤٠٦هـ) لحين استكمال دراسة هذا الموضوع من الأعضاء والاستفادة من آراء الأطباء ودراستهم حول هذا الموضوع
وقد قام الدكتور أحمد شرف الدين بوضع كتاب باسم " الأحكام الشرعية للأعمال الطبية " وحاز به جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ١٩٨١ ونشر الكتاب عام ١٩٨٣ ولقد وضع الكاتب الفاضل فصلا عن الحدود الشرعية للإنعاش الصناعي كما تعرض لنقل الأعضاء من الموتى.
يقول المؤلف: " ولقد أثار الإنعاش الصناعي مشكلة دينية تتعلق بالقدرة على إعادة الحياة للموتى. فقد قيل إن هناك أشخاصًا ماتوا وأعيدت لهم الحياة بالوسائل الطبية " (١) وهو أمر غير صحيح فإن الأطباء لا يعيدون الحياة لمن ثبت موته ولكنهم ينقذون بإذن الله من كان به رمق من الحياة.
стр. 417
وتوقف القلب أو التنفس لدقيقة أو أكثر أو أقل لا يعني الموت، وذلك أن هذا التوقف قد يحدث تلقائيا كما أن عودة القلب والتنفس قد تعود تلقائيا دون تدخل طبي كما حدث في حالات عديدة موثقة..
والتدخل الطبي هو في إنعاش هذه الأعضاء الهامة التي توقفت ولذا فإن نسبة كبيرة جدا من الحالات التي تقدم لها وسائل الإنعاش تموت رغم وسائل الإنعاش.
والطب لم يستطيع منع الموت ولا إيقافه.. ففي كل يوم وفي كل لحظة يموت ملايين البشر وهذا وهم كبير أطلقته الصحافة وأجهزة الإعلام المثيرة والمشككة والتي يتحكم في معظمها إليهود وتلامذتهم بأن الأطباء أصبح في مقدورهم إعادة الموتى إلى الحياة فذلك أمر غير صحيح.. وهو لله وحده. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [يس١٢] ، وقال تعالى ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران ١٦٨] والآيات في ذلك كثيرة والموت والحياة بيد الله وحده ولا يستطيع أحد أن يعيد الميت إلى الحياة إلا ما جعله الله معجزة لنبي أو كرامة لولي كما حدث لعزرا أو كما يجعله الله فتنة للناس كما أخبر النبي ﷺ أن الدجال يفعله.
وقد أفاض الدكتور أحمد شرف الدين في الرد على هؤلاء وأوضح الحقيقة التي يعرفها الأطباء من أن الطبيب لا يعيد الميت إلى الحياة ولكنه بإذن الله قد ينجح في إنقإذ شخص معرض للموت، وتوقف قلبه وتنفسه ولكن دماغه بعد لم يمت.
أما إذا ماتت خلايا الدماغ كلها أو تلك المتحكمة في الوظائف الأساسية للحياة مثل التنفس والقلب والدورة الدموية فإن ذلك الشخص يكون قد مات حتى ولو كان قلبه ينبض ورئتاه تتنفس بواسطة أجهزة الإنعاش ولو تركت الأجهزة لتوقف القلب والتنفس فورا.
ويناقش الدكتور أحمد شرف الدين هذه القضية: هل إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي جائز شرعا وقانونا؟ فيقول: (إذا كان الشارع قد أباح العمل الطبي والجراحي لأنه يحفظ مصالح راجحة اجتماعيا تتمثل في المحافظة على الحياة وصيانة الصحة فان علة الإباحة تزول متى زالت الحياة التي تتوفر لها صفات الحياة الإنسانية ويتعين من ثم التوقف عن العمل (ولنا هنا تعليق سريع وهو أن تعبير الحياة الإنسانية غير محدد فإذا كان المقصود به التي فيها الوعي والتفكير والإدراك فان زوال هذه الصفات لا يعنى الموت فقد يبقى الشخص فاقد الوعي والتفكير والإدراك إما لجنون أو لإغماء لفترة طويلة قد تبلغ عشر سنوات أو تزيد كما سبق أن ذكرنا) .. وهذا الأمر يصدق على العمل الطبي المتمثل في الإنعاش الصناعي لإنسان ثبت موت مخه (وتعبير المخ أيضًا يطلق في الطب على جزء من الدماغ وهو Cerebrum وأما تعبير الدماغ Brain فيطلق على المخ والمخيخ وجذع الدماغ.. ولذا فالأصح هو القول موت دماغه) رغم تمتعه بحياة صناعية.. وبينما يعتبر علم الطب أن مثل هذا الإنسان قد مات فان الفقه والقانون (في كثير من البلدان) لا يعتبران إنسانا قد مات طالما قلبه ينبض ويلزم لاعتباره ميتا اتخإذ إجراءات معينة كتحرير شهادة الوفاة بعد توقف عن النبض تلقائيا..
стр. 418
وهذا الأمر قد تجاوزته القوانين في بعض البلدان التي اعترفت فعلا بموت الدماغ أو تلك التي اعترفت هيئاتها الطبية بموت الدماغ.. وتغاضى القانون عن التعريفات الأخرى وأوكل فيها الموت إلى الأطباء.
ولكن هل يمكن إيقاف أجهزة الإنعاش في البلاد التي لم تعترف بعد بموت الدماغ ولا تزال تتمسك بتعريف موت القلب وتوقف الدورة الدموية والتنفس كعلامة على الموت؟
إن إيقاف هذه الأجهزة في مثل هذه القوانين قد يعتبر قتلا.. لأن القلب لا يزال ينبض وإذا أوقفت الأجهزة فان القلب سيتوقف والدورة الدموية ستتوقف والتنفس سيتوقف فمتى إذن توقف الأجهزة في مثل هذه البلاد التي لم تسمح بعد بتعريف موت الدماغ؟
يبدو الوضع شبيها بما كان عليه في الستينات والسبعينات من هذا القرن في بريطانيا (عام ١٩٧٧عندما صدر قرار الكليات الملكية بتعريف موت الدماغ)
ففي ذلك الوقت كان الأطباء يتركون الأجهزة تعمل حتى يتوقف القلب تلقائيا رغم وجود الأجهزة وكما ذكرنا فان القلب يتوقف عن العمل بعد موت الدماغ إما ببضع ساعات أو بضعة أيام في معظم الحالات وان كانت هناك حالة موثقة أمكن ان يستمر القلب فيها بالضخ والعمل رغم موت الدماغ لمدة ٦٨ يوم (مجلة نيو انجلند ميدكال جونارل العدد ٣٠٦ ص١٤ـ ١٦ في ٧ يناير ١٩٨٢)
وقد وضع الدكتور أحمد شرف نقاشه على نقطة هي أن من أصيب بموت المراكز المخية العليا لا يتمتع بحياة إنسانية جديرة بالحماية.. ونحن لا نوافق على هذا التعبير.
فموت المخ Cerebrum ليس موتا للدماغ Brain فالمخ قد يموت أو تموت أجزاء كبيرة منه ويبقى الشخص يتنفس وقلبه ينبض تلقائيا بدون آلات كما حدث لآلاف الأشخاص المغمى عليهم والمصابين إصابات بالغة.. والتي تمثلها اصدق تمثيل قصة كارين آن كونيلان التي استمرت في غيبوبتها الطويلة أكثر من عشر سنوات مع موت المخ Cerebrum وبقاء جذع الدماغ حيا.. وكذلك قصة الفتاة الإيطالية سيسيليا بلاندى التي تهشم مخها في حادثة سيارة وبقيت على قيد الحياة في غيبوبة طويلة استمرت ١٢ عاما..
ورغم ان المخ في كلا الحالتين كان قد مات إلا أن جذع الدماغ لم يمت ولذلك فان هاتين الحالتين لم تعتبرا من الأموات الا بعد توقف القلب عن العمل تلقائيا وما تبعه من موت الدماغ..
стр. 419
وقد ذكر الدكتور احمد شرف الدين ان (من توقف لديه عمل المراكز العصبية العليا التي تتحكم في وظائف الجسم لا يستطيع أن يتحكم في تعامله مع العالم الخارجي وتزول من ثم حياته الإنسانية ويصبح في حكم الأموات. ولما كان الإنعاش الصناعي لا يعيد للحياة الإنسانية مقوماتها، الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي بعد ان ماتت خلايا المخ فلا يعد هذا العمل أيضًا جريمة قتل في حكم الشرع والقانون لان هذه الجريمة لا تقع إلا في محل هو حي بحسب تعبير الفقهاء أو في عبارة أخرى لان جريمة القتل تفترض وجود حياة إنسانية طبيعية)
وينتهي القول بأنه ليس في إيقاف عمل أجهزة الإنعاش الصناعي إذن بالنسبة لمن مات مخه ما يعتبر جريمة في حق الإنسانية، إذ أن موت المخ يعني انتهاء الحياة الإنسانية وانفصال هذه الحياة عن الحياة العضوية التي تحفظها هذه الأجهزة التي إذا أوقفت عن عملها فإن ما يحدث هو مجرد موت عضوي. فإذا ترك الطبيب أجهزة الإنعاش تعمل على جثة المريض بعد ذلك فإنه لا يفعل أكثر من إطالة الحياة العضوية بطريقة صناعية أي إطالة إحضاره وهذا ضرب من العبث طالما أنه لا فائدة منه لأحد يجب أن يتنزه عنه الطب. ويتعين من ثم فصل هذه الأجهزة لاستخدامها عند الأحياء. فهذا ما يقضى به القانون الإنساني الذي يعطى الأولوية لصالح الأحياء، لذلك فمن حق الأسرة من وجهة النظر الإنسانية أن تطلب إلى الطبيب إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي كما أن من حق الطبيب أن يوقف عملها فهذا ما يمليه عليه الواجب الإنساني ".
ونحن نوافق الدكتور شرف الدين فيما ذهب إليه لولا أن تعبير المخ ينبغي أن يستبدل بالدماغ إذ هناك فرق كبير بينهما. وكذلك تعبير الحياة الإنسانية من الإدراك والوعي والعقل. فإن هذه كلها قد تذهب كما في المجنون أو المغمي عليه ولا يقال لمثل هذا الشخص إنه ميت..
ولابد إذن من موت الدماغ بأكمله (الذي تنص عليه المدرسة الأمريكية) أو على الأقل موت جذع الدماغ (الذي تنص عليه المدرسة البريطانية) الذي به مراكز الحياة الأساسية والتي تتحكم في التنفس والدورة الدموية والقلب.
ولا يبدو لي أن الدكتور شرف الدين قد تنبه إلى هذه النقطة ولعله يعني بموت المخ موت الدماغ بأكمله كما تشير إلى ذلك بعض عباراته.
стр. 420
وهناك اتجاه محدود لدى بعض الأطباء يرون فيه أن فقدان الحياة الإنسانية بمعنى الإدراك والتفكير والإحساس هو الموت ومن هؤلاء دكتور ستيوار بونجر ودكتور إدوارد بارليت في مقالهما الذي نشرته مجلة Annals. Of int. Medicine عام ١٩٨٣ (١) (٢٩٩ ص ٢٥٢-٢٥٨) وقد ركزا فيها على أن فقدان الوعي والمعرفة التي لا أمل في عودتهما أساس كاف لفقدان الحياة الإنسانية وبالتالي إصدار حكم الموت وهو تعريف يسبب مشاكل عويصة في الحالات التي ذكرنا أمثلة لها مثل حالة كارين آن كونيلان وسيسليا بلاندي حيث عاشت الأولى عشر سنوات والثانية اثني عشر عاما بعد فقدان كل مقومات الحياة الإنسانية..
لذا فإن الدوائر الطبية والقانونية ترفض مثل هذا التعريف للموت ولكنها تسمح بإيقاف أجهزة الإنعاش عن مثل هذه الحالات التي تفقد إلى الأبد كل مقومات الحياة الإنسانية ولذا فإن هذه الحالات لا تستوجب استمرار أجهزة الإنعاش فيها إلى الأبد وبذلك حكمت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضية كارين آن كوينلان وأمرت الأطباء بإيقاف أجهزة الإنعاش وقد صدر الحكم في مارس ١٩٧٦ ورفعت الأجهزة في مايو ١٩٧٧ ومع هذا استمرت كارين في الحياة النباتية حتى عام ١٩٨٥.
ويتحدث الدكتور شرف الدين من الوجهة القانونية والشرعية فيقول هل إيقاف أجهزة الإنعاش يعد قتلا؟ فيقول " لا صعوبة في القول بأن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يعد قتلا إذا تم الإيقاف قبل موت مخ المريض وأنه على العكس لا يعد قتلا إذا كان تركيب الأجهزة قد تم بعد موت المريض فحياته هنا كانت غير متحققة فإن الصعوبة في الحقيقة في حالة ما إذا كانت هذه الأجهزة قد علقت على المريض قبل موت مخه – أي في وقت كانت حياته محققه وأوقفت عن العمل بعد ثبوت موت مخه فالمريض في هذه الحالة وإن كان قد فقد الحياة الطبيعية في رأي الطب الا أنه مازال يتمتع بها في نظر الفقه والقانون (في الدول التي لا تعترف بموت الدماغ) طالما لم يتخذ الإجراءات الرسمية لإعلان وفاته "
وهذه النقطة الأخيرة قد أمكن التغليب عليها بإعلان موت المريض عندما يموت دماغه (المدرسة الأمريكية) أو عندما يموت جذع الدماغ (المدرسة البريطانية) وبعد إعلان الموت توقف الأجهزة أو تستمر لحين استقطاع الأعضاء المطلوبة إذا كان المصاب قد تبرع بها قبل وفاته أو أن أسرته تبرعت بها بعد وفاته.
هل إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يعد قتلا بدافع الشفقة (قتل الرحمة Euthanasi) معاقبا عليه؟
إن تعريف قتل الرحمة يعني السماح لشخص بالموت بدون إسعافه وهو قتل الرحمة السلبي Passive Euthanansia إذا كان يعاني من آلام مبرحة وإطالة حياته تسبب له تعذيبا وقد يكون قتل الرحمة إيجابيا بإعطائه كمية زائدة من العقار فترديه.
وهذا الفعل معاقب عليه قانونا وشرعا.. ويعتبر قتلا مهما أطلق عليه من أسماء ورغم ان دافعه الشفقة فإن هذا الدافع مرفوض شرعا وقانونا.
стр. 421
ولكن هذا الحكم لا ينطبق على حالات موت الدماغ. فهنا المصاب لا يشعر بأي آلام لفقدان الإحساس وهولا يتعذب ولا يوجد أي مبرر من هذه الناحية لإراحته.
ولذا فإن إيقاف أجهزة الإنعاش لا يدخل أبدا في مفهوم موت الرحمة.. وإيقاف الأجهزة ينبني على أن هذا الشخص قد مات دماغه وتوقفت خلايا هذا الدماغ أو على الأقل جذع الدماغ عن العمل البتة دون وجود أمل في عودتها لهذا فإن إعلان وفاة مثل هذا الشخص هو الإجراء السليم فإذا ما تم ذلك أمكن حينئذ إيقاف الأجهزة لأنها توقف عن شخص تم إعلان موته.
الفصل الثامن
الأسس العلمية التي ينبني عليها تشخيص موت الدماغ
منذ أن قدمت لجنة آدهوك عام ١٩٦٨ (من جامعة هارفارد) مقترحاتها بتعريف موت الدماغ أخذت هذه القضية أبعادا عالمية. وقد قبلت معظم الولايات والمحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية (٣٣ ولاية حتى عام ١٩٨٢) بتعريف هذه اللجنة لموت الدماغ كما أخذت به كثير من الدول التي اعترفت بموت الدماغ وعدلت دول أخرى هذه المقترحات قليلا ومن تلك الدول بريطانيا
العلامات الدالة على موت الدماغ (مجموعة هارفارد)
وتتخلص العلامات الدالة على موت الدماغ في تعريف مجموعة هارفارد (١)(٢) فيما يلي:
١- الإغماء الكامل وعدم الاستجابة لأي مؤثرات لتنبيه المصاب مهما نبه ومهما كانت وسائل التنبيه قوية ومؤلمة ولو ظهرت من المصاب حركة ولو بسيطة أو موت ولو حشرجة دل ذلك على حياة المصاب.
٢- عدم الحركة التلقائية أو نتيجة وخز المصاب وذلك لمدة ساعة كاملة على الأقل من الملاحظة التامة.
٣- عدم التنفس لمدة ثلاث دقائق بعد إبعاد المنفسة ويشترط لإبعاد المنفسة أن يتنفس المصاب أوكسجين ٩٥ % لمدة١٠ دقائق بواسطة المنفسة قبل إبعادها وبكمية ٦ لترات في الدقيقة بواسطة قسطرة تدخل إلى القصبة الهوائية (الرغام) ويضاف إلى الأوكسجين ٥ % ثاني أكسيد الكربون لها بحيث إن ذلك سيرفع مستوى ضغط ثاني أكسيد الكربون في الدم إلى ٤٠ مم زئبق وبما أن ثاني أكسيد الكربون يعتبر عاملا مهما في تنبيه مراكز التنفس فإن هذا الإجراء يعتبر ضروريا وقد اختلفت اللجان الطبية المختلفة في تقدير المدة المطلوبة بحيث لا يحدث تنفس رغم إبعاد المنفسة مجموعة هارفارد اقترحت ثلاث دقائق، مجموعة مينوسوتا اقترت أربع دقائق، أما المجموعة البريطانية فقد اقترحت عشر دقائق كاملة من الملاحظة بعد إيقاف التنفس بواسطة المنفسة (٣)
٤- عدم وجود أي من الأفعال المنعكسة وقد ركزت اللجنة على الأفعال المنعكسة عن منطقة جذع الدماغ Brain Stem reflexes التي سنذكرها بإيجاز فيما بعد.
٥- عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ isoelecteric E.E.G. (Flat) الكهربائي بعد إمراره بطريقة معينة متعارف عليها عند أهل هذا الفن..
ولا يعتبر هذا الشرط الأخير ضروريا إذ يمكن تشخيص موت الدماغ بوجود الأربعة الشروط الأولى فإذا استخدم هذا الجهاز فإنه يعتبر عاملا مؤكدا Confirmatory value وينبغي أن تعاد جميع هذه الفحوصات بعد ٢٤ ساعة ولا يظهر فيها أي تغيير.
стр. 422
مجموعة مينسوتا:
وقد وضع مجموعة من أخصائي جامعة مينسوتا (Minnesota Criteria) مواصفات مشابهة تختلف في التفاصيل عام ١٩٧١ وقد عرفت باسم مواصفات مينوستا هي كالتالي:
١- أن يكون السبب المؤدي إلى موت الدماغ معلوما وقد كانت ٢ حالة من ال٢٥ حالة التي وصفوها ناتجة عن حوادث أدت إلى تهشيم الدماغ تهشيما لا أمل في عودته إلى سابق عهده بينما كانت الحالات الخمس الأخرى تعاني من إصابات داخلية بالدماغ معلومة ومشخصة قبل إعلان موت الدماغ وسنظهر فائدة هذا الشرط عندما نعرف أن توقف الدماغ عن العمل بتاتا لفترة محدودة قد ينتج عن المنومات وبالذات الباربيتورات وغيرها من المهدئات
٢- عدم وجود أي حركة ذاتية.
٣- توقف التنفس بعد إيقاف المنفسة لمدة أربع دقائق بالشروط المذكورة سابقا.
٤- عدم وجود أي أفعال منعكسة من منطقة جذع الدماغ وذلك يدل على موت جذع الدماغ.
٥- كل هذه الشروط ينبغي أن لا تتغير خلال اثنتي عشرة ساعة.
٦- رسم المخ غير ضروري.. ووجوده يعتبر عاملا ثانويا مساعدا ومؤكدا وينبغي أن يكون الرسم بدون أي نشاط كهربائي لخلايا المخ.
ومن المهم جدا والملاحظ أن عدم وجود الأفعال المنعكسة من منطقة جذع الدماغ لا يعني عدم وجودها من النخاع الشوكي. فمثلا الضرب على الأوتار في الأطراف العليا أو السفلي يؤدى إلى تحرك العضلات المرتبطة بهذا الفعل المنعكس فالضرب على وتر الرضفة (الركبة) يؤدي إلى تحرك عضلات الفخذ التي تغذيها الأعصاب القطنية (الثاني والثالث) ٢,٣ والضرب على وتر أخيل عند العقب يحرك عضلات سمانة الساق والضرب على وتر العضلة ذات الرأسين يحرك هذه العضلة في الذراع وذات الثلاثة رؤوس في العضد. وهكذا وإمرار المفتاح مثلا على راحة القدم بجعل الإبهام وأصابع القدم تتحرك..
ووجود هذه الأفعال المنعكسة جميعا أو بعضا منها يعنى أن النخاع الشوكي سليم ولكنه لا يعني أن الدماغ أو جذع الدماغ قد مات.
стр. 423
وهذا أمر يبدوا عسيرا حتى على الأطباء فقد قامت المجموعة الفرنسية عام ١٩٥٩باشتراط فقدان هذه الأفعال المنعكسة وكذلك فعلت مجموعة هارفارد (١) في أول الأمر ثم اتضح للأطباء أن العلاقة ليست ثابتة بين موت الدماغ أو جذع الدماغ وبين موت النخاع الشوكي فقد يكون جذع الدماغ حيا بينما النخاع الشوكي ميتا وفي هذه الحالة يعتبر الشخص مشلولا ولكنه حي أما في حالة موت الدماغ وبالذات جذع الدماغ فإنه يعتبر ميتا رغم بقاء الأفعال المنعكسة من النخاع الشوكي.
وقد أكدت الأبحاث المتكررة بواسطة تصوير شرايين الدماغ توقف الدورة الدموية في الدماغ رغم وجود الأفعال المنعكسة من النخاع الشوكي (٢)
ومن المتفق عليه أن توقف الدورة الدموية في الدماغ يعتبر علامة أكيدة لا نزاع فيها على موت الدماغ.
والشيء المثير للجدل هو وجود بعض الذبذبات الخفيفة التي تدل على وجود خلايا حية في الدماغ فوق مستوى جذع الدماغ
فالمدرسة البريطانية ترى أن وجود مثل هذه الذبذبات والنشاط الكهربائي الضئيل حتى على فرض التأكد أنه صادر من خلايا الدماغ وليس من الأجهزة الكثيرة القريبة من المصاب ترى المدرسة البريطانية أن هذه الذبذبات لا تغير من تشخيص موت الدماغ طالما أن الفحوص الأخرى المتتالية تدل على موت جذع الدماغ.
стр. 424
ويرى بعض الأطباء حرجا في مثل هذه الحالة.. ولذا يقترحون القيام بقياس الدورة الدموية الدماغ..
ويمكن معرفة ذلك بحقن شرايين الدماغ الأساسية الأربعة (شريانين سباتييد Carsted arteries وشريانين فقريين (Vertebral arteries) ورغم أن هذا الإجراء مجهد وقد يصعب إجراؤه في غرفة الإنعاش ويستدعي نقل المصاب إلى غرفة الأشعة فإن نتيجته قطعية بالموت أو الحياة.
وقد وجد الأطباء وسيلة أيسر وتؤدي نفس الغرض وذلك بحقن المصاب بمادة مشعة Radio nuclide ثم تصوير الدماغ وذكر مجموعة من الأطباء في بحثهم الذي نشرته مجلة JAMA الطبية الشهيرة (١) في ١٤ يناير ١٩٨٣ أن استخدام مادة النيوكلايد المشعة ثم تصوير الدماغ تعطي معلومات دقيقة ووافية عن الدورة الدموية في الدماغ مما يتسنى بالحكم على موت الدماغ أو حياته وأن هذه الطريقة توازي طريقة حقن الأوعية الدموية للدماغ (الشرايين الأربعة) رغم ان الطريقة الأخيرة مجهدة ومن الصعب إجراؤها في غرفة الإنعاش بينما الطريقة التي تستخدم فيها المواد المشعة أسهل ولا تحتاج إلى نقل المريض إلى غرفة الإنعاش.
العلامات الدالة على موت الدماغ:
(المدرسة البريطانية) : قدمت لجنة الكليات الملكية البريطانية وكليات الطب مقترحاتها وتعريفاتها لموت الدماغ وذلك عام ١٩٧٦ وعام ١٩٧٩ وقد أكدت هذه التعريفات: أن موت جذع الدماغ يعني موت الدماغ عند وجود إصابة لا يمكن معالجتها بالدماغ (٢)(٣) وقد وصفت هذه المقترحات فحوصات إكلينيكية يمكن بواسطتها لأي طبيب أن يتأكد من وجود أو عدم وجود حياة في جذع الدماغ بشرط أن يكون الطبيب عارفا بتشخيص سبب فقدان الوعي والإغماء وأنه ليس ناتجا عن مجموعة من العقاقير أو نقص الأوكسجين.
وقد وصفت مذكرة ١٩٧٩ موت جذع الدماغ وجعلته مساويا للموت (٤) واعتبرت النقاط التالية:
١- أن فقدان وظائف جذع الدماغ فقدانا تاما لا رجعة فيها يساوي توقف القلب وموته بالتعريف القديم
٢- أن فقدان وظائف جذع الدماغ يمكن معرفتها سريريا دون الحاجة إلى فحوصات معقدة مثل رسم المخ الكهربائي أو حقن شرايين الدماغ الأربعة أو المواد المشعة.
стр. 425
٣- أن معرفة أن فقدان هذه الوظائف أمر دائم أو مؤقت يرجع إلى:
أ) إبعاد كل الأسباب التي تؤدي إلى التوقف المؤقت في وظائف جذع الدماغ مثل العقاقير المنومة والمهدئة ونقص الأوكسجين والتسمم بغاز أول أكسيد الكربون.. إلخ
ب) وجود سبب مادي واضح لإصابة الدماغ إصابة مميتة والتأكد من ذلك بوسائل الفحص المطلوبة مثل الأشعة وغيرها.
وهكذا اتضح الأمر لدى المدرسة البريطانية أن مفهوم الموت قد تحول من موت القلب إلى موت الدماغ (كل الدماغ) ثم من موت كل الدماغ إلى موت جذع الدماغ.
تكوين الدماغ: قبل أن نتحدث عن وظائف جذع الدماغ والفحوص التي تجرى عليها سنتحدث بإيجاز شديد عن الدماغ وتقسيماته حتى يتضح ما هو المقصود بموت الدماغ وجذع الدماغ.
يتكون الدماغ من ثلاثة أجزاء رئيسية وذلك حسب ظهورها في التكوين الجنيني.