وبعض الفقهاء: (مثلا: الزميل السابق الدكتور محمد سلام مدكور ﵀ في مجلة المجتمع الكويتية العدد ٤٣٠ الصادر في ٢ ربيع الأول سنة ١٣٩٩هـ ص٣٠ وما بعدها) ذهب إلى أن للسلطان أن يقيد حرية المالكين، حماية للضعيف ومنعا للاستغلال والاحتكار والإضرار بالجماعة، وأن إعطاء القانون للمستأجرين حق القرار الدائم وتحديد الأجور هو من ذلك، ولكن مع ذلك لم ير من حق المستأجر أن يأخذ الخلو، وهو عنده نوع من الاستغلال.
ونحن نرفض القول بأن للسلطان هذا التقييد لحرية المالكين، لأن هذا تغيير للشرع. والذي للسلطان أن يفعله أن يَرعى المضطرين بمال الدولة لا بأموال الأفراد.
وعليه أن يهيئ لهم من ذلك المال ما لا بد لهم منه من السكن ويضع الخطط لتيسير ذلك لهم باستصلاح الأراضي وبناء المساكن وتيسير التمليك والتأجير.
ثم ليس في إعطاء الحرية للمالك في التصرف في ملكه تقوية للاحتكار ولا تأييد له، لأن الاحتكار الممنوع أن يشتري المحتكر ما في السوق من البضاعة التي لا بد للناس منها، ثم يحتجزه عنده ليغليه على الناس، فالذي بنى عمارة ليستغلها بالتأجير بأجر المثل، أو بالأجر الحر ليس محتكرا أصلا.
стр. 4482
وأيضا فليس كل المستأجرين في البلاد التي تلزم بالامتداد القانوني لإجارة الأماكن أو بالتسعيرة الجبرية، ليسوا جميعا مضطرين، بل المضطر قسم منهم قليل، وغالبهم قادر على أن يشتري سكنا أو يستأجر إجارة حرة، لكنه في ظل التسعيرة الجبرية يفضل أن ينعم بالسكن في عقار غيره رغما عنه، بالأجرة التافهة، على أن يقوم بالبناء أو الشراء لسكن خاص. فيفقد القطاع السكني جزءا كبيرا من القدرات المالية التي كان من الممكن أن تشترك في الإنشاءات لو كان الإيجار والاستئجار خاضعا لنظام التعاقد الحر.
وأيضا فإن المالكين مواطنون، يقومون بخدمة جليلة، بتهيئة العقار وتوفيره، وليسوا دائما جبابرة ولا طواغيت، وربما كانوا فقراء ومحتاجين، وكثير منهم كما قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] بحاجة إلى ما يقوتهم ويقوم بأودهم من ثمرة عقار خلفه لهم الموروث.
وكثيرا ما يكون بعض المستأجرين لديهم خيرا منهم حالا وأوفر مالا. ومن الظلم الحيلولة بينهم وبين عقارهم يستثمرونه على الوجه الموافق للشرع.
الحالة الثالثة:
أن يأخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر لاحق:
وتنشأ هذه الحالة لأسباب:
السبب الأول:
أن يكون المستأجر الأول قد ملك منفعة الخلو بطريقة شرعية، بأن يكون قد تعاقد عليه مع المالك تعاقدا صحيحا، أو اشتراه من المالك شراء صحيحا على ما تقدم في أول الحالة الثالثة، فله أن يبيعه لغيره بما شاء من المال، قل أو كثر، ما دام شيء من مدة الخلو باقيا. ويحل لآخذ البدل ما أخذ، لأنه ملك منفعة الخلو بالتعاقد الحر الشرعي، فله أن يبيعه لمن شاء، وتجوز له فيها سائر التصرفات الشرعية (انظر الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٦٧، ٤٣٣ والزرقاني على خليل ٧/ ٥٧، والخرشي ٧/ ٧٩، ومطالب أولى النهى ٤/ ٣٧٠) .
стр. 4483
السبب الثاني:
أن لا يكون للمستأجر في المكان خلو صحيح، ولكن لا يزال له في عقد الإجارة بينه وبين المالك جزء من مدة التعاقد الأصلية التي أجراها المالك بكامل حريته دون تسعيرة إجبارية، ولا ضمن امتداد قانوني.
فإن أخذ من المستأجر اللاحق مالا مقابل إخلائه المحل له ليحل مكانه، فهذا البدل المالي الذي قد يسمى لدى العامة (خلوا) هو مشروع للآخذ والمعطي على السواء، لأنه في حقيقته بيع للمدة الباقية من المنفعة المستحقة بعقد الإجارة.
وقد ذكر الشيخ عليش المالكي هذه المسألة والتي بعدها في فتاواه (٢/ ٢٥٠) فقال: (الذي يدور عليه الجواب في ذلك أن الساكن الذي أخذ الخلو إن كان يملك منفعة الحانوت مدة فأسكنها غيره، وأخذ على ذلك مالا، فإن كان الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو الوكيل بشروطها بأجرة المثل [أي الوقف، وأما في الملك فلا يشترط] فهو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي يملكها. وأما إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة صحيحة فلا عبرة بخلوه ويؤجره الناظر لمن يشاء بأجر المثل، ويرجع دافع الدارهم على من دفعها له) .
السبب الثالث:
أن يكون المستأجر الأول ليس له في المحل خلو صحيح، على ما تبين في المسألة السابقة، وقد انتهت مدته التعاقدية، ولكن كان هو تلقى المحل ببذل مال لمستأجر قبله حتى مكنه من استئجار المحل. فهذا إن أراد أن يتخلى لغيره عن المحل فقد يأخذ منه مالا متعللا بأنه قد كان دفع للمستأجر السابق شيئا كثيرا. فهذا المال قد يسميه بعض العامة (خلوا) وليس هو من الخلو المصطلح عليه في شيء. ولا يلزم المالك أن يؤجر المحل له سواء بأجر المثل أو أقل أو أكثر، لأن المالك بعد انتهاء عقد الإيجار، حر يصنع في ملكه ما يشاء. ثم إن لم يتمكن الآخذ من إقناع المالك بتوقيع عقد مع المستأجر الجديد، فله أن يرجع على الآخذ بما دفعه له، لأنه إنما دفعه له على تحقيق مصلحة، فلم تتحقق.
أما إذا اتصل بذلك وضع قانوني معين يمنع المستأجر من أخذ الخلو من المستأجر اللاحق كان هذا القانون واجب الرعاية، لأنه يؤكد حقا شرعيا، ولأنه يمنع المستأجر من الاستغلال غير المشروع، وذلك لأن القوانين التي تعطيه حق البقاء في المكان المستأجر بعد انتهاء المدة التعاقدية قصدت – بزعم واضعيها – إلى رفع الضرر عنه، لا إلى تحكمه في حق المالك، وأكله ثمرة جهده بغير حق.
стр. 4484
حق القرار للمستأجر بسبب ماله في المكان من الأمتعة والأثاث:
إذا ثبت للمستأجر القرار في المكان المستأجر استتبع ذلك من حيث طبيعة الأمور في التعامل غالبا إمكانية حصول المستأجر على بدل الخلو. أما إن لم يثبت له حق القرار فتكون فرصته في الحصول على البدل ضئيلة جدا، لأن المالك إذا استعاد المكان، وأمكنه أن يؤجره لآخر بتعاقد حر، فإنه من حيث طبيعة الأشياء سيطلب أجر المثل أو أعلى منه، وتكون ثمرة ملكه له، وبذا يستقيم أمر العمران.
حق القرار يثبت للمستأجر في صور منها:
الصورة الأولى: يثبت للمستأجر حق القرار طيلة المدة التعاقدية بمقتضى عقد الإجارة، بشرط أن تكون الإجارة صحيحة، والمدة معلومة ولو كانت طويلة، على أن لا تزيد على خمسين أو ستين عاما كما تقدم.
الصورة الثانية: أن يكون اشترى منفعة الخلو من المالك بتعاقد عليها صريح – كما تقدم في أول الحالة الأولى – فيثبت له حق القرار إذا جرى العرف بذلك (فتاوى عليش، والعدوي على الخرشي ٧/ ٧٩) ، وحكم بيع المستأجر للخلو هنا الجواز، لكن لا بد من تعديل الحكر الذي يحصل عليه المالك عن باقي منفعة المكان ليصل إلى أجر المثل.
الصورة الثالثة: أن يكون المستأجر قد وضع في المكان أمتعته وأثاثه، فإن كان أثاثا منفصلا عن المبنى، فإذا انتهت مدة الإجارة فللمالك إن لم يشأ تجديد الإجارة له أن يأمره برفع أثاثه وتسليم المكان.
أما إن كانت الأشياء التي وضعها في المكان متصلة بالمبنى، وتفقد قيمتها – أو جزءا كبيرا من قيمتها – برفعها، فهي التي تسمى الجدك (أو: الكدك) وهو ما يحتاج إليه كثيرا أصحاب المصانع والمتاجر، فقد قيل: إنه يثبت للمستأجر بذلك حق القرار، ولم يرد هذا القول عن أحد من الفقهاء القدامى فيما نعلم في الأملاك الخاصة، بل الذين اطلعنا على كلامهم صرحوا بنفيه فيها، فلا يثبت للمستأجر بوضعها حق القرار بل يلزم المستأجر برفعها عند نهاية المدة ولو تلفت برفعها، وعليه تسوية المكان بعد قلعها وإعادته إلى ما كان عليه.
لكن استثنى من ذلك بعض الفقهاء إجارة الوقف خاصة، إن كان المستأجر قد وضع جدكه بإذن الواقف أو الناظر، ورضي المستأجر بتعديل أجرته حتى تصل إلى مقدار أجرة المثل، قالوا: لأن الوقف لا بد أن يؤجر، فإجارته لذي اليد أولى. فإن أبى يؤمر برفع جدكه وإخلاء المكان، قالوا: (إن كان للمستأجر بناء ونحوه مما يسمى الجدك أو الكردار فإذا لم يدفع أجرة المثل يؤمر برفعه وإن كان موضوعا بإذن الواقف أو أحد النظار) (١) .
стр. 4485
وهذا الذي قاله بعض أصحاب المذاهب وأخذت به بعض القوانين في شأن الأوقاف، كان سببا للاستيلاء على الأوقاف مع طول المدة، أو احتكار منافعها وحرمانها من أخذ الأموال الهائلة بدل خلوتها التي آلت إلى واضعي الأيدي عليها، وحصل الإضرار بها، وأقل ذلك ما تحمله الأوقاف من تكاليف المنازعات القضائية التي تذهب بالقليل الذي قد يتبقى من غلائها، وباء بإثمه من أفتى بذلك إن كان فعله للهوى. ولو أنهم التزموا بالقاعدة الشرعية في الإجارة الحرة من انقضاء حق المستأجر بانقضاء المدة التعاقدية لكان للأوقاف في العالم الإسلامي اليوم شأن آخر. والله المستعان. فما يأخذه المستأجرون من بدل الخلوات في الأوقاف بدعوى حق القرار المدعى في هذه الصورة الثالثة وفي رأيي من السحت الذي أكلت به حقوق الأوقاف، وأدت إلى بطلانها وانقضاء منافعها واستيلاء أهل الفساد عليها والله أعلم.
ففي رأينا أن إذن الواقف أو الناظر لا يعطي للمستأجر حق القرار ما لم ينص عليه وكان الوقف مضطرا إلى ذلك لأجل لإعماره.
أما إن لم يكن وضع الكدك بإذن صريح من الواقف أو الناظر على الوجه المتقدم (١) فقد قيل أيضا يثبت بذلك حق القرار للمستأجر. وذلك واضح البطلان.
ويمكن أن تحل مسألة الحاجة إلى استقرار المستأجر المدة التي يراها كافية لصناعته أو تجارته بطريق الإجارة الطويلة. والله أعلم.
стр. 4486
الخلاصة
١- للمالك أن يأخذ بدل الخلو إن أنشأ الخلو (أي بيع جزء من منفعة العقار) صريحا، وذلك فيما جرى العرف بإنشاء الخلو فيه، وقد جرى العرف بذلك في الحوانيت دون المساكن. وينبغي في إنشاء الخلوات مراعاة شروط خاصة يرجع إليها في البحث.
٢- إذا اشترى المستأجر الخلو من المالك صريحا ملكه، ويكون له حق القرار في العقار، ويدفع أجرة الجزء الآخر من المنفعة، ويجب تعديل تلك الأجرة بعد انتهاء مدة التعاقد الأصلية، لتلحق بأجرة المثل باستمرار. وللمستأجر بيع خلوة للمالك أو غيره، ويورث عنه.
٣- إذا أخذ مالك الحانوت من المستأجر مالا سوى الأجرة لتمكينه من الحانوت دون تصريح بإنشاء حق الخلو، فهذا النوع مشتبه والظاهر أن يكون خلوا يثبت به حق القرار وللمستأجر حينئذ بيع الخلو، وأخذ بدله، ويورث عنه، ما لم يمنع من ذلك عرف أو قانون.
٤- في غير الصورتين المتقدمتين يجوز للمستأجر أخذ بدل خلو من المالك أو غيره إن كان ذلك أثناء المدة التعاقدية الأصلية، وأما بعد انتهائها فليس له أخذه، والحق للمالك في تجديد الإجارة أو استرجاع عقاره. فإن وجد قانون يمنعه من ذلك فالظاهر أن القانون لا يكون مشروعا إلا في حالات الضرورة وليس للمستأجر استغلال ذلك الوضع للحصول على بدل الخلو.
٥- الجدك (أو الأعيان الثابتة التي يضعها المستأجر متصلة بالعقار) لا تعطيه حق القرار في الوقف أو غيره، وبالتالي لا يحق له أخذ بدل الخلو بسبب جدكه، وله أن يبيعها للمالك أو المستأجر اللاحق بثمن المثل لا أكثر، لئلا يكون حيلة على أكل مال المالك بالباطل. والله أعلم.
стр. 4487
حكم الشريعة في بدل الخلو (السرقفلية)
إعداد
فضيلة الأستاذ إبراهيم فاضل الدبو
الأستاذ المساعد بكلية الشريعة – جامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد: ليست كلمة – السرقفلية – عربية بل هي كلمة فارسية، ترمز إلى ما تعارف في أيامنا الأخيرة بأن يتنازل المستأجر عما تحت تصرفه من إيجار المحل الذي يشغله إلى الآخر، ويتقاضى إزاء هذه العملية مقدارا من المال يتفق عليه الطرفان، وربما سمي ذلك في اللغة الدارجة – الخلو – وهو مأخوذ من تخلية ما تحت اليد إلى الغير، وهي على نوعين:
الأول: أن يتم الاتفاق بين المستأجر القديم والجديد فيتنازل الأول عما تحت تصرفه إلى الثاني لقاء مبلغ من المال كما ذكرنا آنفا، والمالك في هذه الصورة في مجنب عن المعاملة والاستفادة منها.
ولا بدَّ لنا – والحالة هذه – من معرفة الوجه الشرعي في أخذ المال والتصرف به من قبل من كان المحل تحت تصرفه أولا، وكيفية إعطاء المال من قبل المستأجر الجديد.
كما أنه لا بد من تحديد موقف المالك من هذا التنازل من شخص قد استأجر ما هو ملك له وقبول المستأجر الجديد، وهل بإمكانه الوقوف في طريق هذه المعاملة أو لا؟
النوع الثاني: ومن أقسام هذه المعاملة أيضا، ما شاع أخيرا في أيامنا الحاضرة من أن المالك هو الذي يستلم بدل الخلو هذا من المستأجر بعد أن تنبه كثير من الملاك إلى أن موضوع بدل الخلو أصبح أمرا عرفيا شائعا في الأسواق، فبدلا من أن يتمتع بهذا المال غيره، فهو أحق به، فمثلا يأخذ المالك مائتي دينار كبدل خلو وخمسين دينارا كإيجار سنوي, والفرق بين هذا النوع والنوع الأول واضح، ذلك لأن المالك في النوع الأول بعيد عن المعاملة الجديدة بين المستأجر الجديد والقديم، أما في هذا النوع فهو قد قبض مبلغا من المال حين إيجاره للمحل من أول الأمر، فما هو الحكم في هذا المبلغ المأخوذ من المستأجر الأول؟
стр. 4488
أقول وبالله التوفيق: إن بيان رأي الشريعة في هذه المعاملة يتطلب منا قبل ذلك معرفة الحقوق وأنواعها عند الفقهاء المسلمين ﵏، لمعرفة ما إذا كان للمستأجر الحق في مثل هذا التصرف أم لا؛ لأنه من المعلوم كما سيظهر لنا ذلك من خلال البحث أن المستأجر في الحالة الأولى لا يملك سوى منفعة العين بدون الرقبة، فمن أجل بيان موقع حق ملكية المنفعة بين تلك الحقوق، ينبغي الرجوع إلى آراء الفقهاء رحمهم الله تعالى.
الحق في اللغة والاصطلاح:
الحق لغة: مصدر حق الشيء يحق إذا ثبت ووجب، وقد ذكر صاحب القاموس المحيط أن الحق يطلق في اللغة على المال والملك والموجود الثابت. ومعنى حق الأمر: وجب ووقع بلا شك (١) .
والحق في استعمالاته المختلفة لغة يفيد الوجوب والثبوت مما يدل على أن أصل معناه هو هذا.
أما في الفقه: فقد استعمله الفقهاء في عدة استعمالات، فهم يستعملونه بمعنى عام يشمل كل ما يثبت للإنسان من ميزات أو مكنات، سواء أكان الثابت ماليا أو غير مالي.
ويستعملونه في مقابلة الأعيان والمنافع المملوكة ويقصدون بذلك المصالح التي ثبتت بأمر من الشارع، وذلك كحق الشفعة وحق الطلاق والحضانة.
وقد يلاحظ الفقهاء عند استعمالهم للحق المعنى اللغوي فقط، من هذا قولهم: حق الدار، ويقصدون بذلك مرافقها، كحق التعلي والشرب والمرور وغيرها، لأنها ثابتة للدار ولازمة لها.
وقد يطلق الحق مجازا على غير الواجب، للحض عليه والترغيب في فعله، إلى غير ذلك من الإطلاقات والاستعمالات (٢) .
стр. 4489
وبخصوص تعريف الحق لدى فقهاء الشريعة، فإنهم لم يعنوا بإيراد تعريف له مع كثرة استعمالهم للحق وإسهابهم في الكلام عن آحاده، وقيل في ذلك كأنهم رأوه واضحا فاستغنوا عن تعريفه (١) .
ومن الأصوليين: من أراد أن يعرف الحق تعريفا جامعا، فعرفه محمد عبد الحليم اللكنوي بأنه: حكم يثبت (٢) إلا أن تعريفه جاء مجملا في بيان ما يتميز به الحق، وواضح أن مراده بالحكم أثر الخطاب لا ذات الخطاب (٣) .
وقد وضع الفقهاء المعاصرون عدة تعاريف للحق، منها تعريف الشيخ علي الخفيف، بأنه (مصلحة مستحقة شرعا) (٤) .
وتعريف الأستاذ مصطفى الزرقاء بأنه: (اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفا) (٥) وذكر أستاذنا أحمد فهمي أبو سنة أن الحق في عرف الفقهاء: (هو ما ثبت في الشرع للإنسان أو لله تعالى على الغير) (٦) .
والذي يتضح من هذه التعاريف أن أصحابها اتجهوا ثلاثة اتجاهات في مفهوم الحق:
الاتجاه الأول: ويرى أصحابه بأن الحق مصلحة، ويعنون بالمصلحة، المنفعة ذاتها والواقع كما يذكر الأستاذ العبادي، أن المصلحة هي هدف الحق وغايته، فهي شيء آخر غير الحق، وكأن أصحاب هذا الرأي قد نظروا إلى ما يبتغي بالحق من مصلحة فعرفوه بها (٧) .
الاتجاه الثاني: ويرى أصحابه بأن الحق اختصاص. ويذكر الأستاذ الزرقاء عند شرحه لتعريفه للحق قائلا: إن الاختصاص، هو علاقة تشمل الحق الذي موضوعه مالي كاستحقاق الدين في الذمة بأي سبب كان، والذي موضوعه ممارسة سلطة شخصية كممارسة الولي ولايته والوكيل وكالته.
стр. 4490
وهذه العلاقة لكي تكون حقا، يجب أن تختص بشخص معين أو بفئة، إذ لا معنى للحق إلا إذا تصورنا بأن هناك ميزة مقصورة على صاحبه دون غيره. وبذلك تخرج العلاقة التي لا اختصاص فيها، وإنما هي تعتبر من قبيل الإباحات العامة كالاصطياد والاحتطاب في الصحراء.
واشترط الأستاذ الزرقاء في تعريفه كذلك إقرار الشرع لهذا الاختصاص وما ينشأ عنه من سلطة أو تكليف؛ لأن نظرة الشرع هي أساس اعتبار الحقوق.
وبين بأنه ذكر (سلطة أو تكليفا) لأن الحق تارة يتضمن سلطة وتارة تكليفا. والسلطة نوعان: سلطة على شخص كحق الولاية على النفس، وسلطة على شيء معين كحق الملكية.
والتكليف دائما عهدة على إنسان، وهو إما عهدة شخصية كقيام الأجير بعمله، وإما عهدة مالية كوفاء الدين. ثم بيَّن أن الحق بهذا المعنى لا يشمل الأعيان المملوكة، لأنها أشياء مادية وليست اختصاصا فيه سلطة أو تكليف، وقد عرض رأيه بما حكاه عن الفقهاء من أنهم يذكرون الحقوق في مقابلة الأعيان، بينما يذكره الأحناف في مقابلة الأموال. ويقولون: بأن الحق ليس بمال.
وقد انتقد تعريف الحق بأنه مصلحة، وبيَّن أنه ليس إلا اختصاص الشخص بهذه المصلحة وعلاقته بها، فليست المصلحة في الحقيقة سوى متعلق للحق، أي محل له، فالحق صلة أو علاقة اختصاصية بين الشخص والمصلحة (١) .
الاتجاه الثالث: وقد عرَّف أصحاب هذا الرأي الحق انطلاقا من معناه اللغوي.
فقد ذكر أستاذنا أبو سنة في شرح تعريفه للحق، بأن المقصود (بما) أي شيء. وهو شامل لملك العين ولملك المنفعة وللدين، وللحقوق الفكرية كحق التأليف والصناعة والاختراع، ويشمل كذلك الامتناع عن الفعل الضار، وللحقوق الفطرية أيضا، كالحياة والحرية، لا فرق بين أن يكون الثابت على وجه الاختصاص وهو المعروف بالملك أو على وجه الاشتراك كما في الإباحة العامة (٢) .
стр. 4491
والمراد بالثبوت هنا (التمكن والتسلط) بحيث لا يملك أحد رده عما ثبت له ولا الحيلولة دون ممارسته ولو كان فعلا مباحا أو مندوبا.
والمراد بقوله: في الشرع، أن يكون الحق الثابت قد شرعه الله ولم تمنع الشريعة منه، لأنها هي مصدر الحقوق كلها (١) .
وقصد الشيخ بقوله: (للإنسان أو لله تعالى) تعميم الحق، ليشمل حق الإنسان كملكه لماله والتصرف فيه، وحق الله تعالى في أن يعبده الناس ويقيموا دينه.
وعنى بقوله: (على الغير) أن كل ما ثبت للإنسان أو لله تعالى هو واجب على الغير سواء كان هذا الغير معينا كحق الإنسان في ثمن ما باع وفي أجرة عمله، فإنه واجب على المشتري ورب العمل، أم كان واجبا على الناس جميعا كملك الإنسان لأرضه وولايته على طفله (٢) .
وقد انتقد الشيخ أبو سنة تعريف بعض الفقهاء، للحق بأنه اختصاص يقره الشرع، بمعنى أن يكون الشيء ثابتا لصاحب الحق وحده وممنوعا عن غيره، كالكتاب الذي هو ملك لصاحبه ولا يجوز للغير التصرف فيه، أما ما يشترك فيه الجميع من المباحات العامة كالسير في طريق عام أو الشرب من النهر مثلا، فإن البعض لا يسميه حقا بل يسميه إباحة.
ويمضي في قوله: (بأن هذا التحديد ليس بسديد، لأن الفقه كما يطلق الحق على ما فيه اختصاص، يطلقه كذلك على ما فيه الاشتراك كالأمثلة السابقة) (٣) .
ولا أرى مبررا لما ذكره أستاذنا أبو سنة، لأننا إذا عرفنا بأن الاختصاص يقوم على عدم جواز التعرض للمختص في حدود ما وقع عليه الاختصاص فإنه يتصور عندئذ تحققه في الإباحات العامة، لأن الشخص عندما يستعمل حقه في أي مباح من المباحات العامة، فلا يجوز لأحد التعرض له فيه ولا منعه عنه بالقدر الذي وضع المختص يده عليه، وهذا ما أكد عليه الأستاذ الزرقاء عند شرحه لتعريف الحق (٤) .
стр. 4492
أقسام الحق:
ينقسم الحق باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم باعتبار صاحب الحق إلى: حق الله تعالى، وحق الإنسان، وما اجتمع فيه الحقان. وقد تكفلت كتب الفقه وأصوله ببيان تلك الحقوق مما لا مجال للكلام عنها هنا، حيث إننا سنقتصر في الكلام عن الحقوق المالية فقط، لأنها هي المقصودة في موضوع بحثنا هذا.
وقد قسم ابن رجب الحنبلي حقوق العباد التي تتعلق بالأموال إلى خمسة أنواع وهي: (١)
١- حق الملك: ومثَّل له بحق السيد في مال عبده.
٢- حق التملك: وذلك كحق الأب في مال ولده وحق العاقد للعقد إذا وجب له، وحق الشفيع في الشفعة (٢) .
٣- حق الانتفاع: وقد بين أنه يدخل فيه صور منها:
(أ) وضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يضر به للنص الوارد فيه.
(ب) إجراء الماء في أرض غيره إذا اضطر إلى ذلك في رواية عن الإمام أحمد.
(جـ) لو باع أرضا فيها زرع يحصد مرة واحدة ولم يبد صلاحه أو شجرا عليه ثمر لم يبد صلاحه، كان ذلك مبقى في الشجر والأرض إلى وقت الحصاد والحذاذ بغير أجرة ولو أراد تفريغ الأرض من الزرع لينتفع بها إلى وقت الحذاذ أو يؤجرها، لم يكن له ذلك.
стр. 4493
٤- حق الاختصاص: (وهو عبارة عما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته فيه وهو غير قابل للشمول والمعاوضات) . وقد ذكر جملة من صور حق الاختصاص منها:
(أ) الكلب المباح اقتناؤه كالمعلم لمن يصطاد به، فإن كان لا يصطاد به أو كان جروا يحتاج إلى التعليم فوجهان:
(ب) مرافق الأملاك كالطرق والأفنية ومسيل المياه، ونحوها، فهل هي مملوكة أو ثبت فيها حق الاختصاص، رأيان في المسألة: أحدهما ثبوت حق الاختصاص فيها من غير ملك، وبه حزم القاضي وابن عقيل.
والرأي الآخر أنه يفيد الملك، وصرح به الأصحاب في الطرق.
(جـ) مرافق الأسواق المتسعة التي أعدت للبيع والشراء، كالدكاكين المباحة ونحوها فالسابق إليها أحق بها، وهل ينتهي حقه بانتهاء النهار أو يمتد إلى أن ينقل قماشه عنها؟ على وجهين.
(د) الجلوس في المساجد ونحوها لعبادة أو مباح، فيكون الجالس أحق بمجلسه إلى أن يقوم عنه باختياره قاطعا للجلوس، أما لو قام لحاجة عارضة ونيته العودة فهو أحق بمجلسه.
٥- حق التعلق لاستيفاء الحق، وقد مثل له بعدة صور منها:
(أ) تعلق حق المرتهن بالرهن، ومعناه أن جميع أجزاء الرهن محبوس بكل جزء من الدين حتى يستوفى جميعه.
(ب) تعلق حق الجناية بالجاني، ومعناه أن حقه انحصر في ماليته وله المطالبة بالاستيفاء منه، ويتعلق الحق بمجموع الرقبة لا بقدر الأرش على ظاهر كلام الأصحاب.
(جـ) تعلق حق الغرماء بالتركة هل يمنع انتقالها بالإرث؟
على روايتين، وهل هو كتعليق الجناية أو الرهن؟ اختلف كلام الأصحاب في ذلك، وصرح الأكثرون بأنه كمتعلق الرهن.
ويفسر بثلاثة أشياء:
أحدها: أن تعلق الدين بالتركة وبكل جزء من أجزائها، فلا ينفك منها شيء حتى يوفى الدين كله.
الثاني: أن الدين في الذمة ويتعلق بالتركة، وهل هو ذمة الميت أو الورثة؟ على وجهين.
الثالث: أنه يمنع صحة التصرف، وفي ذلك وجهان أيضا.
стр. 4494
(د) تعلق حق الموصى له بالمال، هل يتبع الانتقال إلى الورثة؟ جعل طائفة من الأصحاب حكمه حكم الدين، وجزم القاضي بعدم انتقاله إلى الورثة، مفرقا بين الدين والوصية بأن حق الموصى له في عين التركة ولا يملك الورثة إبدال حقه، بخلاف الدين، فإن حق صاحبه في التركة والذمة، وللورثة التوفية من غيره.
أقسام الحق عند فقهاء القانون:
قسم رجال القانون الحقوق المالية إلى ثلاثة أنواع هي:
الحقوق العينية والحقوق الشخصية والحقوق الذهنية أو المعنوية.
فعرفوا الحق العيني بأنه: سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين فصاحبه يستطيع أن يباشره دون وساطة أحد.
وعرفوا الحق الشخصي: بأنه مطلب يقره الشرع لشخص على آخر وهذا الحق يكون متعلقه تارة قياما بفعل ذي قيمة لمصلحة صاحب الحق وتارة امتناعا عن فعل مناف لمصلحته، وذلك كحق كل من المتبايعين على الآخر (١) .
وقسموا الحقوق العينية إلى حقوق أصلية وحقوق تبعية، وعرفوا الحقوق العينية الأصلية بأنها: الحقوق التي تقوم بذاتها مستقلة لا تتبع حقا آخر، وبموجب هذا الحق تصبح لصاحبه سلطة تخوله إحدى أو جميع المكنات الثلاث التالية:
стр. 4495
١- استعمال العين محل الحق.
٢- واستغلالها.
٣- والتصرف بها.
وهذه المكنات الثلاث إذا اجتمعت شرعا في حق عيني، كونت فيه أوسع سلطة يمكن أن يكسبها صاحب حق عيني، ولكنها لا تجتمع كلها إلا في حق عيني واحد، هو ملكية الشيء ولذلك توصف الملكية بأنها أوسع الحقوق العينية مدى، وتوجد إلى جانب حق الملكية حقوق متفرعة عنه لا تخول صاحبها إلا بعض هذه المكنات كحق الاستعمال وحق الانتفاع وحق السكنى وحقوق الارتفاق القانونية (١) .
وعرفوا الحقوق العينية التبعية بأنها: الحقوق التي لا توجد مستقلة، إنما تتبع حقا شخصيا لضمان الوفاء به كما في الرهن. وسلطة هذا الحق لا تخول صاحبه شيئا من هذه المكنات أو المزايا، لأن غايته توثيق حق شخصي لصاحبه كما قلنا، فسلطته تنحصر في ضمان استيفاء ذلك الحق الشخصي من المال المقرر عليه هذا الحق العيني التبعي بطريق الأولوية على غيره من الدائنين الآخرين (٢) .
أما الحق المعنوي فهو: (سلطة مقررة لشخص على شيء معنوي أي على شيء لا يدرك بالحواس. وذلك كالأفكار والمخترعات، فهو سلطة على شيء غير مادي، هو ثمرة فكر صاحب الحق أو نشاطه (٣) .
وقد نحا قريب من هذا أستاذنا أبو سنة عندما قسم الحق باعتبار علاقته البارزة إلى حق متعلق بالعين وحق ثابت في الذمة، فعرف الحق المتعلق بالعين) بأن يكون للإنسان حق في ذات شيء من الأشياء (وذلك كحق الملك في الدار، وحق سقي الزرع من جدول معين ومنه كل ما هو أمانة في يد حائزه كالوديعة والعارية والعين المستأجرة في يد المستأجر والموصى له بالمنفعة في المنافع الموصى بها.
стр. 4496
كما اعتبر الحقوق الفكرية من جملة الحقوق المعنوية، فهي أموال ذات مميزات خاصة اختص بها صاحبها دون غيره.
فالعلاقة البارزة ثابتة بين المالك وهذا المال المعنوي. أما الحق الثابت في الذمة، فهو إما أن يكون دينا ماليا أو غير مالي، وإما عمل كبناء دار وخياطة ثوب أو منفعة كما في إجارة الدار وإجارة الأجير الخاص، وقد يكون امتناعا عن عمل كتكليف الزوجة ألا تدخل أحدا من الأجانب بيت الزوج إلا بإذنه. (١)
وبعد أن عرض الشيخ أبو سنة أقسام الحقوق في الشريعة الإسلامية أراد منها بتقسيم الحقوق عند فقهاء القانون، ثم أضاف قائلا:) والشريعة لا تعارض في هذا الاصطلاح لأنه مجرد تنظيم ما دام يفصل في كل حق بحكم الله غير أن الأقسام التي ذكرها علماء الشريعة مبنية على اختلاف الخصائص والأحكام الشرعية لكل قسم وهي وافية بالأغراض القضائية والديانية (٢) .
وقال الشيخ الخفيف بعد عرضه لأنواع الحق لدى فقهاء القانون: (وإذا كان الفقه الإسلامي لم يشر إلى هذه الأنواع، ولم يعرض لهذه القسمة، فإنه مع القسمة. ذلك أنه قد عرف هذه الأنواع بأسماء أخرى، ولم يغفل بيان أحكامها غير مجموعة تحت عنوان واحد في مواضع متفرقة، حيث عرض لبيان أسبابها. وكان له في الحق قسمة أخرى نظر فيها إلى ما للحق من ارتباط بما يعني به، من حيث إنه شريعة وضعت لتنظيم الصلات بين العبد وربه وبين العبد وأمثاله من الناس، فقسم إلى حق لله وحق للعبد وحق مشترك بينهما وغير ذلك من القسمات الخاصة به الكاشفة عن جوانب أخرى من جوانب الحق لم يعن الفقه الوضعي بها لعدم حاجته إليها) (٣) .
حق الملكية:
بعد أن تبين لنا أن حق الملكية يعد أكمل وأوسع الحقوق العينية الأصلية، وذلك من حيث السلطات التي يمنحها الفقه الإسلامي والقانون الوضعي للمالك على الشيء الذي يملكه، نقف الآن على ما ذكره الفقهاء المسلمون بخصوص أنواع الملكية، وما يجوز للمالك من التصرف في كل نوع منها.
стр. 4497
وقبل البدء بتقسيم الملكية أود أن أشير باختصار إلى بعض تعاريف الفقهاء لها فإنهم يعبرون في كتبهم عن حق الملكية بالملك، ولأهمية هذا الحق وشموله عنوا بتبيينه ولهم في ذلك تعريفات تختلف إيجازا وإسهابا، كما تتفاوت في إبراز الخواص المميزة لهذا الحق والجهات الملحوظة فيه.
فقد عرفه الكمال بن الهمام بقوله: (قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف إلا لمانع) (١) . وذكر السيد الشريف الجرجاني أن الملك في اصطلاح الفقهاء هو: (اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقا لتصرفه وحاجزا عن تصرف غيره فيه) (٢) .
وعرفه القرافي بقوله: (حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك) (٣) .
وعرَّف ابن الشاط الملكية بقوله: (تمكن الإنسان شرعا بنفسه أو نيابة من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض أو تمكنه من الانتفاع خاصة) (٤) .
ويلاحظ في معظم التعريفات المتقدمة الحرص على إدراج الشرعية في تعريف الحق، أو التصريح بإثبات الشارع كما فعل الكمال، وكل ذلك إفصاح عن مصدر الحق كما يقول الأستاذ الزهاوي (٥) .
وذكر الشيخ الخفيف في تعريف الملكية (بأنها وصف شرعي يثبت لصاحبه نتيجة حيازته للمملوك حيازة ناشئة عن سبب من أسباب الملك) (٦) . والمقصود بالوصف الشرعي بأنه المكنة أو الإباحة التي أعطاها الشارع للحائز من أجل أن ينتفع بالمال أو يتصرف فيه أو يستحق عوضه.
стр. 4498
أنواع الملك:
يقسم الملك إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فبالنظر إلى خصائصه، قسم إلى ملك خاص، وهو ما يثبت لصاحبه على سبيل الاستئثار، وملك عام، وهو ما كان لمجموع أفراد الأمة أو لجماعة من الجماعات، وذلك كالأنهار والطرق وأفنية المدن (١) .
وبالنظر إلى صورته يقسم الملك إلى مفرز، وهو ما اختص به مالك واحد دون اختلاط بملك الآخرين.
وملك شائع، وهو ما كان محله يختص به أكثر من مالك من غير تعيين الأجزاء التي تعود لكل منهم، وإنما لكل منهم نسبة معنية في كل جزء (٢) ، وهذه القسمة خاصة بملكية الأعيان.
وأما بالنظر إلى محلها حسب ورودها على العين أو المنفعة فقد قسم ابن رجب الحنبلي الملك إلى أربعة أنواع وهي:
أولا: ملك عين ومنفعة، ويشمل عامة الأملاك الواردة على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية لها من بيع وهبة وإرث وغير ذلك.
ثانيا: ملك العين بدون منفعة، وقد مثل له بالوصية بالمنافع لجهة وبالرقبة لجهة أخرى، أو تركها للورثة.
ثالثا: ملك المنفعة بدون عين، وهو ثابت بالاتفاق، وهو على ضربين، أحدهما: ملك مؤبد كالوصية بالمنافع، وكالأرض الخراجية المقرة في يد من هي في يده بالخراج يملك منافعها على التأبيد.
والآخر: ملك غير مؤبد، ومنه الإجارة ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدة معلومة.
стр. 4499
رابعا: ملك الانتفاع المجرد، وله صور متعددة، منها:
(أ) ملك المستعير فإنه يملك الانتفاع لا المنفعة على رواية.
(ب) المنتفع بملك جاره من وضع خشب وممر في دار ونحوه، وإن كان بعقد صلح فهو إجارة.
(ج) إقطاع الإرفاق كمقاعد الأسواق ونحوها (١) .
وقد وردت هذه الأنواع في كتب القواعد لمذاهب أخرى مع إفراد النوع الرابع وتمييزه عن سائرها. فبعد أن ذكر السيوطي من الشافعية الأنواع الثلاثة الأولى قال: وقد يملك الانتفاع دون المنفعة، وعقب على قوله هذا، بأن ذلك إباحة لا تمليك (٢) .
وكذلك ذكر العلامة ابن نجيم الحنفي الأنواع الثلاثة، وأفاد أن المراد بالنوع الرابع عند غيرهم ما يقابل إباحة الانتفاع عندهم (٣) .
حكم الملك:
المقصود بحكم الملك هنا، هو الأثر الذي يترتب عليه، وقد سبق لنا عند كلامنا عن أقسام الحق عند فقهاء القانون أن قلنا: إن لصاحب الحق العيني الأصلي سلطة تخوله إحدى أو جميع المكنات الثلاث، التي هي: استعمال العين محل الحق، واستغلالها والتصرف بها.
وفي الواقع هذه هي عناصر حق الملكية كما سماها رجال القانون، فللمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء ما لم يرد قيد هذا التصرف.
وهذه القدرات والمكنات المذكورة، هي التي عناها فقهاء المسلمين بقولهم: حق الملك، ومرادهم به كما ذكرنا، الأثر الذي يترتب عليه.
والنصوص الفقهية التي توضح ما يثبت للمالك من سلطات أو قدرات أو مكنات على الشيء المملوك كثيرة، وهي مبثوثة في الأبواب الفقهية هنا وهناك.
من هذه النصوص: ما جاء في حاشية ابن عابدين: (الانتفاع بالمال يعتمد في كل شيء بما يصلح له) (٤) . وفي قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (يثبت التصرف بحصول الملك ويزول بزواله) (٥) .
ومن هنا يمكن القول بأن فقهاء الشريعة وإن لم يتعرضوا لتفصيل مكنات الحق على النحو الذي ذكره فقهاء القانون، إلا أنها مسلم بها عندهم كمظهر للملكية التامة (٦) .
стр. 4500
أسباب الملك:
قلما يفرد الفقهاء فصولا خاصة تجمع أسباب الملك، وإنما يتكلمون عنها ضمن أبواب الفقه، وغالبا ما يذكرها فقهاء الأحناف عند بيانهم لأسباب شركة الملك، فيذكرون منها الشراء والهبة والوصية والإرث والاستيلاء والخلط والاختلاط (١) .
إلا أن العلامة ابن نجيم عند بيانه القول في الملك أفرد المسألة الأولى لبحث أسباب التملك وعنون لها بذلك, وذكر من تلك الأسباب ما تقدم وأضاف أسبابا كثيرة أخرى على سبيل يشبه الاستيعاب (٢) .
وكذلك قليلا ما يتعرض فقهاؤنا ﵏ لرد أسباب الملك إلى أنواع تجمعها، وقد أشار الحافظ ابن رجب إلى ذلك إشارة عارضة بقوله: (إن الملك يقع تارة بعقد وتارة بغير عقد) (٣) .
أما العلامة ابن نجيم فقد فصل القول في ذلك حيث رد أسباب الملك جميعها إلى ثلاثة أنواع: ما هو مثبت للملك من أصله (أي ابتداء) وناقل للملك، وخلافه.
وحصر الأول بالاستيلاء على المباح، فشرطه خلو المحل عن الملك، ومثل للثاني بالبيع والهبة، وللثالث بملك الوارث (٤) .
стр. 4501
ومن الفقهاء من تعرض لقسمة الأسباب إلى قولية وفعلية، وإذا لوحظ أن المراد بالأسباب الفعلية ما يعود إلى فعل الإنسان وما لا يعود إلى فعله، وأنها أسباب لما يترتب عليها بجعل الشارع، أي أنها أسباب شرعية، وأن مراد الفقهاء بالأسباب القولية التصرفات الشرعية، اتضح لنا كما يقول الأستاذ الزهاوي التقاء الفقه الإسلامي مع القانون في رد أسباب الملك وأسباب الحقوق بصورة عامة إلى الوقائع الشرعية والتصرفات الشرعية التي تقابل الوقائع القانونية والتصرفات القانونية (١) .
وأما أسباب الملك الناقص ففي ملك الرقبة الوصية والميراث، والوصية تدخل في الأسباب الناقلة والميراث خلافة، وإن كانت الوصية أيضا تفيد خلافة عند فريق من الفقهاء وإلى هذين الأصلين ترجع أيضا أسباب ملك المنفعة وهي: الإجارة والإعارة عند المالكية وأكثر الحنفية. والوصية والوقف والوراثة سبب لملك المنفعة في حقوق الارتفاق التي تعد من قبيل ملك المنفعة عند فقهاء الشريعة وتورث اتفاقا، وكذلك في الإجارة عند من لا يقول بانفساخها بموت المستأجر، وفي الوصية بالمنافع عند من لا يقول بانقضائها بموت الموصي له قبل انتهاء المدة (٢) .
стр. 4502
مدى انتفاع المستأجر بالعين المستأجرة:
لقد تبين لنا من خلال البحث أن الإجارة سبب من أسباب الملك الناقص، وأن المستأجر مالك لمنفعة العين المؤجرة خلال مدة الإجارة، وأن هذا الحق قد ثبت للمستأجر بطريق المعاوضة المالية، وهو ما دفعه من مال لصاحب العين، ونريد هنا أن نتعرف ماهية الحقوق التي أجازها له الشارع مدة انتفاعه بالعين المستأجرة:
لقد اتفق الفقهاء على أن ما يملكه المستأجر بالعقد، هي المنفعة، لأن الإجارة كما عرفوها بقولهم: عبارة عن تمليك المنافع بعوض، فالعين ليست مملوكة بالإجارة كالمبيع (١) .
ويلزم المؤجر تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، فإن كانت دارا وجب على المالك تسليمها وعمارة ما يحتاج فيها إلى تعمير (٢) .
والمقصود بانتفاع المستأجر، استغلال منفعة العين في الحدود المتعارف عليها ويجب عليه العناية بالعين المنتفع بها وردها إلى المالك عند نهاية الانتفاع (٣) .
стр. 4503
هل يجوز للمستأجر تمليك المنفعة لغيره؟
لو كانت العين المؤجرة عقارا، كأن تكون دارا أو دكانا أو ما أشبه ذلك، فإذا أراد المستأجر تأجير العقار المذكور لشخص آخر من دون الرجوع إلى رأي صاحب العقار فهل يجوز له ذلك شرعا أم لا؟
الجواب على هذا: يجوز لمالك المنفعة أن يستوفيها بنفسه أو بغيره كمستأجر أو مستعير، فإن كانت العين دارا، فله أن يسكن فيها بنفسه ومع غيره، وله أن يسكن فيها غيره بالإجارة والإعارة، وله أن يضع فيها متاعا وغيره، غير أنه لا يجعل فيها حدادا ولا قصارا ولا طحانا ولا ما يضر البناء ويوهنه، لأن ذلك قد يعرض العين للتلف وذلك لا يجوز لأن مطلق العقد ينصرف إلى المعتاد، والحانوت الذي يكون في صف البزازين لا يؤجر لعمل الحداد والقصار والطحان فلا ينصرف مطلق العقد إليه، إذ المطلق محمول على العادة فلا يدخل غيره في العقد إلا بالتسمية أو الرضا، وإنما جاز للمستأجر أن يؤجر من غيره ويعير، لأنه ملك المنفعة، فكان له أن يؤجر من غيره بعوض أو بغير عوض (١) .
وبخصوص تأجير المستأجر للعقار بأكثر مما استأجره، للفقهاء في المسألة قولان:
أحدهما: ويقضي بجواز ذلك مطلقا سواء أضاف المستأجر إلى العين المؤجرة شيئا من ماله أم لا، دليل هذا الرأي هو:
أن المنافع لها حكم الأعيان، فتصير مملوكة للمستأجر بالعقد مسلمة إليه بتسليم الدار، فكان بمنزلة من اشترى شيئا وقبضه ثم باعه وربح فيه، فالربح يطيب له لأنه ربح على ملك حلال له. هذا ما ذهب إليه الشافعية (٢) . وهو الصحيح من مذهب الحنابلة أيضا (٣) .
والرأي الثاني: وقد ذهب فيه أصحابه إلى القول: أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر العين بأكثر مما استأجرها به، وإذا فعل ذلك، تصدق بالفضل إلا أن يكون أصلح منها بناء أو زاد فيها شيئا، فحينئذ يطيب له الفضل، دليل هذا القول: أن المنافع لم تدخل في ضمان المستأجر وإن قبض العين المؤجرة، بدليل أن العين المذكورة لو انهدمت لم يلزمه الأجر، فهذا ربح حصل لا على ضمانه، ((ونهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن)) ، هذه وجهة نظر الحنفية (٤) ورواية للحنابلة أيضا (٥) .
стр. 4504
وما ذهب إليه أصحاب الرأي الأول هو المختار لما ذكروه من تدليل.
حكم ما إذا أحدث المستأجر في العين عمارة أو شيئا آخر:
إذا كانت العين المؤجرة دارا أو دكانا مثلا، فأضاف إليها المستأجر بناء أو أجرى عليها تحسينا، فما هو حكم الشيء المضاف في هذه الحالة؟
الجواب على ذلك: أن المسألة تحتمل الوجوه التالية:
١- إذا كانت الإضافة مما لا يمكن قلعها من البناء الأول، وقد فعل المستأجر ذلك بموافقة مالك العقار، فله الرجوع على المالك بما بذله من مال، إلا أن ذلك لا يمنع من إخراجه من الدار عند انتهاء العقد، بعد أن يستوفي المستأجر ما أنفقه على العقار من مال، إلا في حالة واحدة وهي: ما إذا اتفق المتعاقدان على أن تكون نفقة الإضافة من الأجرة، فعندئذ تكون بمثابة نقد بمقدارها، لا يحق للمؤجر طلب تخلية العقار قبل مضي المدة المقابلة لذلك. ولو أراد المستأجر أن يسكن معه آخر مقابل مبلغ من المال في نظير الكلفة التي أنفقها على العقار لا يجوز له ذلك (لأن المكان وما فيه ملك لصاحبه – أعني الدار والعمارة) والذي يستحقه المستأجر هو ما أنفقه من مال على الدار في ذمة صاحبها فقط.
стр. 4505
٢- إذا كانت الإضافة مما تنقل أو تحول كأن تكون خشبا أو نحاسا أو ما أشبه ذلك وقد وضعت بإذن من المالك، فإن الشيء المضاف يبقى في هذه الحالة على ملك المستأجر، فإذا انقضت مدة الإجارة، فله أخذ ما أضافه من مواد أو مطالبة المالك بدفع قيمة الشيء المضاف، ولو أراد المستأجر أن يسكن معه غيره مقابل مبلغ يدفعه الساكن له، جاز له أخذ ذلك، لأنه في المعنى باعه ما يستحق، ويصح حكم المستأجر الثاني مع مالك العقار كحكم المستأجر الأول.
٣- إذا كانت الإضافة المذكورة قد قام بها المستأجر بلا إذن من المالك، فلا رجوع له عليه بشيء، ويخير صاحب العقار بين أن يلزم الساكن بأخذ عين شيئه أو دفع قيمته له مقلوعا (١) .
جواب السؤال مدار البحث:
بعد أن وقفنا على رأي فقهائنا ﵏ فيما يملكه المستأجر من حقوق في العين المؤجرة، تبين لنا ما يأتي:
أولا: يجوز للمستأجر بحكم تملكه لمنفعة العين المؤجرة أن يؤجرها للغير مدة إيجاره لتلك العين المعقود عليها مع المالك الأصلي، على أن تلاحظ الشروط التي ذكرها الفقهاء بخصوص عدم إلحاق الضرر بالعين المؤجرة من قبل المستأجر الجديد.
وللمالك طلب تخلية الدار من المستأجر الجديد بعد انتهاء مدة عقد الإجارة مع المستأجر الأول.
ثانيا: فيما عدا ذلك لا يجوز للمستأجر أن يتصرف بالعقار بأية حال من الأحول، فما يأخذه من مال لقاء تخليته العقار لشخص آخر، لا يجوز له شرعا، لأن حقه ينتهي بانتهاء عقد الإجارة مع المالك، وما يطلبه من مال في مقابل عين ولا منفعة.
وما يفعله البعض من ترك بضاعة أو شيء من الأثاث على أساس أن ما يؤخذ هو في مقابل هذه العين، أن ذلك يعتبر من قبيل التحايل على أكل أموال الناس بالباطل، إذ لا من مسوغ له شرعا التصرف بالعين المؤجرة بعد انتهاء العقد.
стр. 4506
ثالثا: أما موقف الشريعة من النوع الثاني من بدل الخلو، فالجواب عنه كما يلي:
أ - إن أخذ المالك للمبلغ الإضافي من المستأجر على أساس أنه بدل الخلو، لا يجوز له شرعا لأنه لا مبرر لأخذه، فإن قيل: لِمَ لا يعتبر المبلغ المذكور من قبيل الهبة؟
فالجواب على هذا: أن وجود مثل هذا الشرط أمر مخل بعقد الإجارة، لأنه شرط يتنافى مع مقتضى العقد.
ب - يجوز لمالك العقار من دار أو دكان أو ما أشبه ذلك، تأجير عقاره ببدل إيجار لمدة سنة بمبلغ من المال ولسنة أخرى ببدل إيجار أقل أو أكثر سواء كان لذات المستأجر الأول أو لغيره، لأنه تصرف في خالص حقه.
والله تعالى أعلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 4507
مصادر البحث
بعد القرآن الكريم.
١- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة تأليف زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم مؤسسة الحلبي ١٣٨٧هـ - ١٩٦٨م.
٢- القواعد في الفقه الإسلامي للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي – الطبعة الأولى – مكتبة الكليات الأزهرية.
٣- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية – تأليف جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – عيسى البابي الحلبي.
٤- روضة الطالبين وعمدة المفتين – للإمام النووي، المكتب الإسلامي – الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م. بيروت.
٥- الملكية في الشريعة الإسلامية – للدكتور عبد السلام داود العبادي/ القسم الأول مكتبة الأقصى/ عمان. الطبعة الأولى ١٣٩٤- ١٩٧٤م.
٦- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج لشيخ محمد الشربيني الخطيب مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٧٧- ١٩٥٨م.
٧- فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك لأبي عبد الله محمد أحمد عليش وبهامشه تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون المالكي/ الطبعة الأخيرة – مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٧٨هـ - ١٩٥٨م.
٨- محاضرات في النظرية العامة للحق- الطبعة الثالثة – القاهرة – تأليف الدكتور إسماعيل غانم – الناشر – مكتبة عبد الله وهبة. تاريخ الطبع ١٩٦٦م.
٩- الحق والذمة وتأثير الموت فيهما – للشيخ علي الخفيف – الناشر مكتبة عبد الله وهبة في ١٣٦٤هـ - ١٩٤٥م.
١٠- مصادر الحق في الفقه الإسلامي – للدكتور عبد الرزاق السنهوري – الطبعة الثالثة ١٩٦٨ معهد البحوث والدارسات العربية.
١١- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد – للأستاذ مصطفى الزرقاء/ مطبعة طربين في دمشق ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م.
١٢- النظريات العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد فهمي أبو سنة. مطبعة دار التأليف بالقاهرة ١٣٨٧- ١٩٦٧م.
١٣- التعسف في استعمال حق الملكية – تأليف الدكتور سعيد أمجد الزهاوي. الطبعة الأولى دار الاتحاد العربي بالقاهرة.
١٤- كشف الأسرار ونور الأنوار. حاشية الشيخ عبد الحليم اللكنوي المسماة قمر الأقمار على نور الأنوار شرح المنار/ دار الطباعة بالأستانة ١٣٠٦هـ.
стр. 4508
١٥- الفروق – للإمام القرافي وبهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية. دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت لبنان.
١٦- حاشية ابن عابدين على الدر المختار – رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار- للعلامة محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الشهير بابن عابدين. مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٢٧.
١٧- المبسوط لشمس الأئمة لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي وهو شرح لما تتضمنه كتب ظاهر الرواية – الطبعة الأولى – مطبعة السعادة مصر.
١٨- فتح القدير – حاشية على الهداية شرح البداية وفتح القدير للإمام الكمال بن الهمام – الطبعة الأولى – المطبعة الخيرية ١٣٢٦هـ.
١٩- مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان لمحمد قدري باشا وقد صاغه في مواد على غرار المجلة. الطبعة الثانية – مطبعة المعارف بغداد ١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م.
٢٠- قواعد الأحكام – العز بن عبد السلام – دار الكتب العلمية – بيروت لبنان.
٢١- الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية للشيخ علي الخفيف/ مطبعة الجبلاوي بالقاهرة ١٩٦٩م.
стр. 4509
بدل الخُلُوِّ
في الفقه الإسلامي
إعداد
فضيلة الشيخ محيي الدين قادي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الفتاح العليم، والصلاة والسلام على النور المبين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد فقد شرفتني الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة حين طلبت مني بحث قضية (بدل الخلو في الفقه الإسلامي) ولا يخفى أن هذه القضية استشكلها جهابذة الفقهاء، وكثر منهم استشكالها، وهي في الحقيقة مشكلة ويأتي في مقدمة ذلك نور الملة والدين العلامة على الأجهوري الفقيه المالكي [١٠٦٦هـ] (١) شيخ المالكية في الدنيا بوقته على حد وصف العياشي له في رحلته فإنه يذكر أن معاصريه من الفقهاء كثر منهم استشكال مسألة الخلو، ثم يقفي على ذلك بقوله: (وهي في الحقيقة مشكلة) (٢) وناهيك أن المحقق البناني التبس عليه الأمر فعد الجلسة خلو الحوانيت في الفتح الرباني (٣) وتردد التماق فيما قاله المحقق البناني في رسالته التي أراد أن يزيل فيها الالتباس الحاصل فيما عند الفقهاء والموسومة بـ (إزالة الدلة عن وجه الجلسة) (٤) ، ووجدنا هذا الالتباس في فتوى العلامة سيدي إبراهيم الرياحي حيث يقول: الجزاء والإنزال والخلو والجلسة ألفاظ متحدة الذات مختلفة الاعتبار في الاصطلاح فذاتها ومعناها المنفعة التي يملكها دافع الدراهم لمالك الأصل مع بقاء ملكه للرقبة (٥) وسيأتي لي في هذا البحث التفريق بين هذه الأنواع وأنها تخلتف اسما ومسمى.
وأمام استشكال من ذكرت ومن لم أذكر من الفقهاء الأثبات بقيت في حيرة من أمري لم تلبث أن تبددت وشرح الله صدري لإنفاذ هذا الأمر فدرست هذه القضية فيما تيسر لي من المصادر والمراجع، وبعد أن تبلورت المعلومات عن هذه القضية في ذهني صممته على النسق التالي:
أ - تمهيد.
ب - مباحث.
стр. 4510
أما التمهيد فيحتوي على نقاط:
١- نشأة قضية الخلوات:
لم تُعرف هذه القضية في طبقات فقهاء الإسلام المتقدمين، ولا في أوائل المتأخرين منهم ولكنها عرضت للفتوى في القرون الأخيرة، وسأحاول جهدي ضبط تاريخ نشأة قضية الخلوات لأن الخائضين فيها أكثرهم لم يُولِ هذا الأمر عناية، وبعضهم أشار إلى ذلك إشارة عابرة، ولكن أقوال من أشاروا قد التبست هي الأخرى فسماحة الأستاذ الإمام سيدي محمد الطاهر بن عاشور – رحمه الله تعالى – يرى أن الكراء المؤبد جرت به فتوى علماء الأندلس: ابن سراج وابن منظور في أواخر القرن التاسع في أرض الوقف، ثم تبعهما في ذلك أهل مصر في القرن العاشر بفتوى ناصر الدين اللقاني في أحكام الأوقاف (١) لكن يذكر المحقق البناني أن المتأخرين من شيوخ فاس كالشيخ القصار وابن عاشر وأبي زيد الفاسي وسيدي عبد القادر الفاسي وأضرابهم أفتوا في الجلسة وجرى بها العمل الفاسي لما رأوه من المصلحة فيها فهي عندهم كراء على التبقية وقد أشار لها خليل في التوضيح في باب الشفعة (٢) ، ومحل الاستشهاد بقول البناني هذا هو ما ذكره من إشارة خليل إلى الجلسة في توضيحه في باب الشفعة وخليل توفي على ما صححه السوداني سنة ست وسبعين وسبعمائة (٣) ونص خليل على ما أورده محمد المهدي الوزاني الشريف في نوازله المعروفة بالمعيار الجديد هو: (وينبغي أن يتفق في الأحكار التي عندنا بمصر أن تجب الشفعة في البناء القائم بها؛ لأن العادة عندنا أن رب الأرض لا يخرج صاحب البناء أصلا فكان ذلك بمنزلة مالك الأرض) قاله شيخنا رحمه الله تعالى (٤) فتكون قضية الخلوات قد تعرض لها الفقهاء منذ القرن الثامن، ويكون ابن سراج وابن منظور مسبوقين بتعرض خليل وشيخه للقضية في نمط من أنماطها وهو الحكر المؤبد، وكذلك لم تقع الإشارة إلى ما قاله خليل في فتوى ناصر الدين اللقاني ولا في فتوى سالم السنهوري المذكورتين في شرح العلامة سيدي عبد الباقي الزرقاني (٥) ولا من طرف البدر القرافي في رسالته (الدرة المنيفة في الفراغ عن الوظيفة) .
стр. 4511
ولكن الأغرب في صنيع هذا الأخير وهو المتوفى سنة ثمان وألف أنه يقول ما نصه: (فائدة انجر الكلام إليها لتعلقها بهذا المقام [بيان حكم الفراغ عن الوظيفة بمقابل] وهي كثيرة الورود وحديثة العهود، ولم يقع في كلام فقهائنا فيما أعلم التعرض إليها ولا التوجه لهم بها وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁ – تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
فالمسألة الواقعة هي أن حوانيت الأوقاف بمصر جرت عادة سكانها أنه إذا أراد أحدهم الخروج من الحانوت أخذ من آخر مالا على أن ينتفع بالسكنى في ذلك الحانوت ويسمون ذلك القدر المأخوذ من المال خلوا ويتداولون ذلك بينهم واحدا بعد واحد) (١) ثم استدرك في غير وضوح رؤية بما بلغه عمن يوثق من إفتاء ناصر الدين اللقاني باعتماد الخلو وأنه حق يورث ثم قفَّى على ذلك بقوله: (ولم أقف في فروع المذهب على ما يقتضيه) (٢) . ثم أورد نص فتوى اللقاني بعد السؤال المرتبة عليه، فظهر لي من كل ما سبق أن المجتمع الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري أخذ يتعرض لتغيرات اجتماعية أفرزت فيما أفرزت أنماطا من الأكرية المؤبدة اتفقت في أحكام الكراء، واختلفت في الدواعي والأسباب، وأن أول نمط منها هو الأحكار المؤبدة التي أشار إليها خليل في توضيحه في القرن الثامن الهجري، والأحكار المؤبدة هي المسماة عندنا في تونس بالإنزال، وعند المغاربة بالجزاء وهذا ما غفل عنه بسكال أحد أعضاء البرلمان الفرنسي في رسالته التي كتبها مدة جولاته بتونس وأرسلها إلى رئيس جمعية البحث عن أحوال المستعمرات في ٢١ مايو سنة ١٨٨٦م وجعل عنوانها: (طريق الاستعمار في المملكة التونسية) حيث ظن أن أول من قال بجواز الإنزال هو العلامة باش مفتي المالكية بتونس سيدي إبراهيم الرياحي – ﵀ – حيث يقول ما تعريبه: (لا يوجد نص صريح في جواز الإنزال ولا تكلمت عليه الفتاوى، وقد وجد في العصر الأخير أحد الفقهاء الثقات وهو الشيخ إبراهيم الرياحي قال: إن إخراج العقار من الحبسية جائز إذا وجدت منفعة معتبرة في تغيير كيفية الانتفاع) (٣) .
стр. 4512
وليس من مقتضيات المقام مناقشة بسكال في أن الإنزال ليس إخراجا للوقف عن الوقفية، وفي أن فتوى الشيخ إبراهيم الرياحي المشار إليها أشارت إلى وجود جدل فقهي في قضية الإنزال كما سيأتي في معظم نص الفتوى المنقول بحرفه في محله من هذا البحث، ولكن الذي يهمنا محاولة إثبات خطأ بسكال في نشأة الإنزال وبيان أن هذا النوع من أنواع الخلوات نشأ منذ القرن الثامن، وأن توضيح خليل أشار إليه، ثم ظهرت بعده فتاوى ابن سراج وابن منظور في أواخر القرن التاسع بالأندلس في جواز الكراء المؤبد في الأراضي الزراعية الوقفية فيكون الأندلسيون فيما يظهر تابعين لما جاء في التوضيح الذي هو من أشهر شروح جامع الأمهات لابن الحاجب الذي نسخ ما تقدمه من كتب المالكية، وكيف لا وهذا الشرح الخليلي قد احتوى الشروح السابقة وزاد عليها ونقل عن شرح ابن عبد السلام وهو أحسن الشروح (١) ثم جاء القرن العاشر وظهرت في مصر ملابسات جديدة وازدهر الاقتصاد ووصل الأمر أن بعض أسواق القاهرة وزن الناس ثمنا لخلو الحانوت فيها أربعمائة دينار ذهبا جديدا كما ورد بالسؤال الذي ترتبت عليه فتوى ناصر الدين اللقاني (٢) الآتية في محلها من هذا البحث – إن شاء الله – مع السؤال المرتبة عليه.
٥- العرف: دعاني إلى إثارة قضية العرف في هذا التمهيد لانبناء مسألة الخلوات عليها: فالعرف أساس لها، وسيكون بحثي لهذه المسألة بإيجاز وبتركيز على ما يخدم المبحث المخصص لحكم الخلوات، وأسارع فأقول: إن بحثي لمسألة العرف ينحصر في النقاط التالية:
стр. 4513
العرف لغة واصطلاحا:
العرف في اللغة: المعروف، وهو الخير والرفق والإحسان (١) .
وأما في الاصطلاح فعرفه الجرجاني بقوله: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول ... وكذا العادة وهي (ما استمر الناس عليه على حكم المعقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى) (٢) .
وجمع الإمام الأكبر محمد الخضر حسين بين العرف والعادة في تعريف واحد فقال: والعرف والعادة ما يغلب على الناس من قول وفعل وترك (٣) .
ومثال العرف القولي قول الفقهاء في وقف يقول واقفه (داري حبس على ولدي) بدخول البنات، إذا كان عرف بلد الواقف كذلك أو لم يكن هناك عرف، وأما إذا جرت عادة أهل ذلك البلد بإطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى فلا يدخل الإناث في الوقف رعيا لعرف الاستعمال، وإن كانت كلمة ولد تعم في العرف اللغوي الذكر والأنثى لأن العرف القولي مقدم على العرف الشرعي فلو حلف لا يأكل لحما لم يحنث بالسمك وإن سماه الله لحما، أو لا يجلس في ضوء سراج لا يحنث إذا جلس في ضوء الشمس وإن سماها الله سراجا.
ويعتد بالعرف القولي إذا عم بلدا أو قوما من أهل البلد وتحمل عليه ألفاظ المتكلمين بإطلاق في العقود والالتزامات والأيمان والنذور أما إذا خص متكلما دون قومه أو بلده حمل لفظه عند المالكية على عرفه الخاص في الأيمان والنذور والطلاق وألغى سائر العقود والالتزامات ووقع الرجوع إلى العرف العام.
ومثال العرف الفعلي: مسألة الحيازة عند المالكية فمن حاز عقارا عشر سنين ثم ادعاه آخر طولب المدعى بالبينة على سكته تلك المدة كغيبته عن البلد أو عدم علمه بحيازة المدعى عليه للعقار، ولا تنفعه البينة الشاهدة بأصل الملك؛ لأن العرف والعادة عدم سكوت الإنسان عن تصرف آخر في ملكه هذه المدة الطويلة.
وشروط الاعتداد به أن يعم بلدا أو قوما من أهل البلد.
стр. 4514
أما العرف الفعلي الخاص بفرد فقد ذكر شهاب الدين القرافي أن الإجماع منعقد على عدم تأثيره في اللفظ اللغوي تخصيصا وتقييدا وإبطالا. واعتراض ابن عرفة وغيره حكاية الإجماع، وقال الشيخ ابن ناجي في شرح المدونة: الإيمان تُحمل على المقصد العرفي وظاهر مسائل الفقهاء أنه لا فرق بين أن يكون العرف قوليا أو فعليا ولبعض أهل الأصول أنه لا يعتبر إلا العرف القولي (١) . قال الشيخ محمد جعيط – ﵀ – [ت ١٣٣٧هـ] ويدخل تحت لفظ البعض المصنف (٢) قال الإمام الأكبر محمد الخضر حسين: وأوردوا مسائل في المذهب تدل على التخصيص بالعوائد الفعلية وإن كانت خاصة ومثل بعضهم لذلك الرجل يوكل آخر على شراء ثوب فيشتري له مالا يناسب عادته فقد أفتوا بلزوم المشتري للموكل لا لمن وكَّله (٣) .
ومثال العرف الجاري بالترك تسامح الناس في أخذ الثمار الساقطة خارج حدود البساتين دون توقف على إذن ملاكها لجريان العرف بالتسامح في ذلك.
أقسام العرف:
قسم الفقهاء العرف باعتبار الشارع له وعدم اعتباره إلى أقسام ثلاثة:
١- ما قام البرهان الخاص على اعتبار الشارع له كمراعاة الكفاءة في الزواج.
٢- ما قام البرهان الشرعي الخاص على إلغائه كطواف أهل الجاهلية من العرب بالبيت عراة.
٣- ما لم يقم دليل شرعي خاص على اعتباره أو إلغائه وذلك مراد رحب للمجتهدين، ذهب إلى اعتباره قضاء وفتيا جمهور الفقهاء واعتبروه أصلا من أصول التشريع الإسلامي وأكثر ما نجد ذلك عند الأحناف والمالكية والحنابلة.
стр. 4515
هذا والعلاقة بين الشريعة وبين العرف تبدو كالتالي:
إقرار الكثير من أعراف الجاهلية في شبه الجزيرة بعد إضفاء الصبغة الإسلامية على تلك الأعراف كالقسامة والدية على العاقلة والقراض والرهن والإجارة والسلم.
ما ألغته لأنه شر وفساد كالخمر والأنصاب والأزلام والميسر ووأد البنات.
وقد وقف الموقف نفسه فقهاء الفاتحين في عهد الفتوحات الإسلامية.
الأحكام المأخوذة بطريق الأعراف تدور معها وجودا وعدما كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم ترد به، وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا؟ هذا ما قرر معناه شهاب الدين القرافي (١) ولذلك أوصى المفتين قائلا: (إذا جاء رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِهِ على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين) . (٢) .
لكن هنالك أعراف فاسدة في معاملات الناس فهل تقع مراعاتها أو لا تقع؟
يقول محمد الخضر حسين نقلا عن ابن الفرس (وإذا تنازعا في بيع أو إجارة وادعى أحدهما الصحة والآخر الفساد وكان الفساد الذي ادعاه جاريا بين الناس فالمشهور أن القول قول مدعي الصحة) .
стр. 4516
ومن أصحاب مالك من يقول: (القول لمدعي الفساد، وتفسخ المعاملة لأنهم يرون أي الفريق الأول في العرف الفاسد غلبة معنى على الناس يستلزم غلبة الظن بصدق من اقترن هذا المعنى بدعواه) (١) .
وبرغم مراعاة الشريعة للعرف في إطار ما سبق يجب أن يعلم أنه لا يجوز في مجالي القضاء والفتيا اعتماد أعراف تخالف أصلا من أصول الشريعة الإسلامية، قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب من علماء أفريقية في القرن الثامن الهجري: (وغلبة الفساد إنما هي من إهمال حملة الشريعة ولو أنهم نقضوا عقود الفساد لم يستمر الناس على الفساد) . وقال عماد الفتوى في عصره الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي – ﵀ – (والعرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب ويبيح الحرام فلا يقول به أحد من أهل الإسلام) (٢) فإذا اعتمد فقيه في قضاء أو فتوى عرفا مخالفا لأصول شريعة الإسلام فقد جاء أمرا إدًّا إلا أن تدعو لذلك ضرورة.
وقد خرج سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور – ﵀ – الفتوى بجواز الخلوات على أنها ضرورة عامة مؤقتة (٣) وسيأتي تفصيل ذلك في محله من هذا البحث.
١- الخلوات ذات البدل هي المدروسة في هذا البحث سواء أدفع البدل المالي إلى المالك أو ناظر الوقف أو مستحقه أو قام المستأجر بالعمارة مقابل امتلاكه للخلو، أو تخلى المستأجر لمستأجر آخر عن الخلو ببدل كما سيأتي بيان ذلك عندما أعرض لفتوى ناصر الدين اللقاني وأحمد السنهوري، أو لما جاء في رسالة البدر القرافي (الدرة المنيفة) من المالكية أو لفتوى العلامة ابن نجيم من الحنفية وغيرهم.
هذا ما يتعلق بالتمهيد.
стр. 4517
وأما المباحث:
١- تعريفه لغة واصطلاحا:
أما لغة فالخلو بالمعنى المبحوث هنا كلمة مولدة، ولعلها تكون مأخوذة من قول العرب أخليت المكان جعلته خاليا، ووجدته كذلك. ويجمع على: خلوات بفتحات، وما ذكرته لم أجده في الصحاح والأساس والقاموس واللسان والمصباح وغيرها من المعاجم المشهورة ولا في شفاء الغليل للخفاجي الذي يعني بالكلمات المولدة والدخيلة فحسب، كما لم أجد ضبطا دقيقا للمفرد، وإنما استخلصت هذا المعنى الذي ذكرت من كون صاحب الخلو عندما يدفع النقود لمستحق الرقبة من الملاك، أو مستحق المنفعة من الموقوف عليهم أو من يتولى شؤون الوقف من النظار يفعل ذلك مقابل أن تخلى الرقبة له ليتمكن من امتلاك منفعتها.
وأما في الاصطلاح فقد عرفه أبو الإرشاد على الأجهوري – ﵀ – بقوله: (اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي دفع الدراهم في مقابلتها) .
٢- المبحث الثاني: أصل ملك الخلو:
يرجع ملك الخلو إلى أصلين:
أ - ملك الهواء.
ب - إجارة الأرض.
стр. 4518
أما ملك الهواء فجائز قال الشهاب القرافي – ﵀ –: قد نص أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به ... لأن الناس شأنهم الاستشراف والنظر إلى المواضع البعيدة من الأنهار ومواضع الفرح والتنزه والاحتجاب عن غيرهم بعلو بنائهم وغير ذلك من المقاصد ...
وحكم الأهوية تابع لحكم الأبنية، فهواء الملك ملك وهواء الوقف وقف، وهواء المسجد مسجد (١) .
وإلى جواز بيع الأهوية أشار ابن عاصم في تحفة الحكام بقوله:
وجائز أن يشتري الهواء لأن يقام معه البناء (٢) .
قال شارحها العلامة التسولي: أي يجوز شراء عشرة أذرع مثلا من هواء فوق سقف بيت موجود لأجل أن يقيم المشتري في ذلك الهواء بناء موصوفا.. وكذا يجوز شراء هواء فوق هواء كشراء عشرة أذرع مثلا فوق عشرة أذرع يبنيها البائع إذا وصف البناء الأسفل والأعلى في هذه لرغبة صاحب الأعلى في وثاقة بناء الأسفل ورغبة صاحب الأسفل في خفة بناء الأعلى، ويملك صاحب الأعلى ما فوقه من الهواء في الصورتين، ولكن لا يبني فيه إلا برضا صاحب الأسفل وهذا يفيد أن من ملك أرضا يملك هواءها إلى ما لا نهاية له، ولهذا جاز بيعه، وكذا يملك باطنها على المعتمد (٣) .
стр. 4519
ويبدو أن مدار جواز بيع الهواء قائم على انتفاء الغرر والجهالة.
هذا وقد أشار الشهاب القرافي – رحمة الله عليه – إلى جريان الخلاف في هذه المسألة، ولكنه دعم القول بعدم ملكية صاحب الأرض لما في تخومها قائلا: (وسر الفرق بين القاعدتين أن الناس شأنهم توفر دواعيهم على العلو في الأبنية للاستشراف والنظر إلى المواضع البعيدة من الأنهار ومواضع الفرح والتنزه والاحتجاب عن غيرهم يعلو بنائهم وغير ذلك من المقاصد، ولا تتوفر دواعيهم في بطن الأرض على أكثر مما يستمسك به البناء من الأساسات، ولو كان البناء على جبل أو أرض صلبة استغنوا عنه، والشرع له قاعدة وهو أنه إنما يملك لأجل الحاجة وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك فلذلك لم يملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء فهذا هو الفرق والمساجد والكعبة لما كانت بيوتا كانت المقاصد فيها لمن يدخلها متعلقة بهوائها دون ما تحت بنائها كالمملوكات) (١) .
لكن ابن الشاط لم يسلم ما قاله القرافي قائلا: (ما قاله من أنه لا تتوفر الدواعي في بطن الأرض على أكثر مما يتمسك به البناء من الأساسات ليس بصحيح، كيف وقد توفرت عليه دواعي كثير من الناس كحفر الأرض للحبوب والمصانع والآبار العميقة، هذه غفلة منه شديدة والذي يقتضيه النظر الصحيح أن حكم ما تحت الأبنية كحكم الأهوية، ومما يدل على ذلك أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيره يتوصل إليها من ملك نفسه يمنع من ذلك بلا ريب ولا خلاف، فلو كان ما تحت الأبنية ليس له حكم الأبنية، بل هو باق على حكم قبوله للأحياء لما منع من ذلك، والله أعلم.) .
стр. 4520
وأما ما قاله: (والشرع له قاعدة وهو أنه إنما يملك لأجل الحاجة وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك فلذلك لم يملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء) فقد أجاب عنه بقوله: (إذا كانت القاعدة الشرعية أن لا يملك إلا ما فيه الحاجة وأي حاجة في البلوغ إلى عنان السماء. وإذا كانت القاعدة أنه يملك ما فيه الحاجة فما المانع من ملك ما تحت البناء لحفر بئر يعمقها حافرها ما شاء، فما ذكر من سر الفرق لم يظهر وبقى سرا كما كان، فالصحيح أنه لا فرق بين الأمرين ومن الدليل على ذلك ما هو معلوم لا شك فيه من أن من ملك موضعا له أن يبني فيه ويرفع فيه البناء ما شاء ما لم يضر بغيره وأن له أن يحفر فيه ما شاء ويعمق ما شاء ما لم يضر بغيره) (١) .
وبما قاله الشهاب القرافي وتعقبه محشيه ابن الشاط نستخلص أن صاحب الأرض يملك عمقها وهواءها بلا حدود ما لم يضر بالغير.
وأما إجارة الأرض فلا إشكال في كونها أصلا لملكية الخلوات، وإنما الإشكال قائم على أن الخلوات كراء على التبقية كما جرى بذلك عرف أهل القرون الأخيرة وانعقدت عليه ضمائرهم، والأصل في الكراء أن يكون لمدة محدودة بعوض معين ينتهي الكراء بانتهائها.