الدكتور سامي حسن حمود:
سيدي الكريم النقطة الأولى أنه يبدو في الطباعة هنالك تقديم وتأخير في السطر الثاني في كلمة (بالتبرع بمبلغ) فتصحيحها أنه ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث بالتبرع بمبلغ وليس بالتبرع.
النقطة الثانية: ليس في هذه المادة التاسعة ما يناقض المادة الرابعة؛ لأن المادة الرابعة تمنع ضمان عام المضاربة وهذه تشير إلى التبرع من طرف ثالث غير العامل وغير رب المال. مسألة ضمان الطرف الثالث، المقرر في القواعد الفقهية أن عامل القراض أو عامل المضاربة يمتنع عليه الضمان أما إذا جاء شخص ثالث ليس طرفا في العقد لا من هنا ولا من هناك فإن التبرع بأصل المال جائز شرعا، فما دام هو فماذا يمنع التبرع بضمان احتمالي قد يقع وقد لا يقع؟ الغاية من ذلك هي أن المشروع قد يكون فيه تشكك أو العملية التي يرغب فيها ولي الأمر ليضمن للناس عليها في إقامة مشروعات صناعية زراعية أو إعمار أراضي وقفية، فيأتي ولي الأمر ليضمن للناس إذا حصل لهم خسارة نتيجة قيامه بدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع. كون هذا التبرع وعدا، والوعد هل هو ملزم أو غير ملزم ما؟ وجدناه في البحوث الفقهية أن الوعد الملزم عند المالكية قالوا: إنه في ميدان التبرعات وليس في ميدان المعاوضات وهنا هذا هو ميدانه وعندما يكون فيه الإلزام مبنيا على إدخال الموعود في كلفة فإن ذلك الوعد يصبح ملزما قضاء وديانة. وهنا عندما يدخل المساهم في هذا المشروع معنى ذلك أنه ألزم نفسه بكلفة وجنب جزءا من رأس ماله للاستثمار في هذا المشروع بناءا على الدارسة الجارية وبناء على تبرع ولي الأمر أو الجهة التي رأت أن تتبرع بالضمان. بضمان ما يعود عليه من خسارة من رأس المال فإن هذا المتبرع الذي يأتي.
стр. 4447
الرئيس:
باقي شيء يا شيخ لأن البحث بين أيدينا. الأستاذ عبد الرحيم.
الدكتور منذر قحف:
أود أن أسأل من هو المتبرع؟ فإذا كان القطاع الخاص أو قطاع أعمال فلا أظن أنه سيقوم بهذا التبرع دون أن يكون هناك مقابل. أما إذا كانت الدولة فهنا يكون السؤال: من أين سوف تقوم بتعويض المكتتبين؟ فإذا كانت من بيت المال فبالتالي السؤال: هل يجوز من بيت المال يصرف المستثمرين في الوقت أنه المفروض يخصص لأوعية أخرى كالمحتاجين؟ أو عن طريق فرض ضرائب وهذا المتعارف عليه في الدول الحديثة التي صارت معاصرة أنه أهم مصادر الدولة الضرائبي إلى جانب الرسوم. فهنا السؤال عن التكلفة. ومن يتحمل تكلفة الضمان؟
الشيخ وهبة مصطفى الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، أنا مع القائلين بجواز التبرع من شخص ثالث أو حتى من أحد الطرفين المتعاقدين. فالفقهاء إنما قرروا أن اشتراط الضمان على الابن باطل معناه اشتراط وأما إذا حدث تبرعا فهذا جائز هذا شيء.
والشيء الثاني: أن كل أوجه التبرع مسموح بها شرعا بنص القرآن الكريم وبحسب القواعد والعقود التي قررها الفقهاء. فمن القرآن الكريم يقول الله ﷻ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . فإذا تبرع فمعنى أنه محسن وهو ألزم نفسه. فنحن لا نلزمه إنما ألزم نفسه فهذا سائغ من الآية. ثم إن الفقهاء قرروا في الجعالة عندما يلزم الإنسان نفسه بمكافأة لمن يكتشف علاجا لمرض معين أو اختراع معين أو يتفوق في قضية علمية، معروف الجعالة أيضا التزام. أيضا ضمان مخاطر الطريق. نص ابن قدامة في كتابه المغني على أن من قال لإنسان: اذهب من هذا الطريق وإني أتحمل كل ما يقع أو يصيبك من أضرار نتيجة المسيرة فيه فأنا ضامن.
стр. 4448
فإذن ضمان مخاطر الطريق يقر مبدأ التبرع. أيضا مبدأ السبق، السبق من طرف ثالث للمتسابقين كما هو معروف في الخف والحافر ونصل إذا ألزم نفسه إلى أن يعطي مكافأة لأحد الطرفين المتسابقين أيضا هذا مبدأ جائز ومعمول به شرعا. فاستغرب أن يكون هناك اتجاه يمنع مثل هذه التبرعات والإسلام كله يقوم على الإحسان والبر والتعاون على البر والتقوى.
بقى قضية الدولة. والدولة في الحقيقة لو فرضنا أن الناس وقعوا في عَيْلَةٍ أو فقر أو مغرق فالدولة بحكم الأنظمة الإسلامية النبي ﷺ تكفل بإعانة من يقع في مغرم. فالدولة عندما تتكفل ويكون هذا لا من الزكاة وإنما يكون من المصارف العامة التي يكون من مواردها الخراج والضرائب وغير ذلك من الأمور. فالدولة بحكم ولايتها العامة على الأفراد تستطيع أن تتحمل غرم بعض الأحداث وبعض التصرفات وبعض المشكلات. وكل هذه المؤيدات والمسوغات تجيز النص على مثل هذه الأمور والحقيقة أصاب بعض الواضعين في الفقرة ٨، ٩ أنه ليس هناك ما يمنع شرعا من وجود هذا الشيء.
الرئيس:
شكرا. على كل في عدد كبير من الكلمات فأحب أن أرى أولا الاتجاه فإذا كان الاتجاه العام إلى إقرارها فلا داعي لمناقشتها الذين يرون أن الاتجاه العام إلى إقرارها يتفضلون برفع أياديهم. إقرار المادة التاسعة.
الشيخ محمد تقي العثماني:
اقتراح بسيط: إن قضية الوعد الملزم تثار في كثير من المسائل الاقتصادية الآن فأرى أن تكون هذه المسألة مسألة بحث مستقل للمجمع وتبحث في الدورات القادمة.
الرئيس:
هذه الفقرة؟
стр. 4449
الشيخ محمد تقي الدين:
لا. قضية الوعد الملزم كمبدأ. هل يجوز أن يكون الوعد ملزما أو لا يجوز؟
الرئيس:
يعني أن يكون من بين الموضوعات التي تبحث في الدورة القادمة. موضوع الوعد.
الشيخ محمد تقي الدين:
لأن هناك تناقضا بين الآراء وهناك مذهب المالكية في هذا غالب عند القيام بظروف كثيرة ونرى أن نبت في هذا الموضوع في أي حال من الأحوال هل يجوز أن يكون الوعد ملزما وفي أي حال يجوز؟
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
الواقع أن هذا الموضوع ليس من قبيل الوعد الملزم لماذا؟ كل ما في الأمر أننا قلنا: ليس هنالك ما يمنع شرعا من النص على أن جهة أخرى تتبرع ونبهنا على أنه لا يجب أن يكون هذا مرتبطا من قريب أو بعيد في موضوع العقد بحيث تترتب الالتزامات على هذا الوعد هذه قضية أخرى الوعد الملزم. يعني ما قلنا نحن يجب أن تتضمن نشرة الإصدار نصا على تبرع ملزم هذا جانب. الجانب الآخر في قضية الدولة القضية كما حدث هنا في مشروع شركة الكهرباء والدولة لها مصالح في أن تقوم مشاريع معينة فتريد أن تحث المواطنين على ذلك، نحن حتى أخذنا بالحد الأدنى لم نقل بضمان ربح. قلنا: يجبر خسران لها أن تقول من أجل تشجيع المواطنين على عمل لمصلحتهم العامة؛ لأن التنمية الاقتصادية وإقامة المشاريع الكبرى هي مشكلة المسلمين في هذه الأيام، هم يستوردون كل شيء ولا يصنعون شيئا. فكون جاءت الدول وتقول مثلا لإعمار أراضي الأوقاف وهو مصلحة عامة أيضا، أيها الناس من يساهم في هذا المشروع نحن واثقون أنه سيربح بعون الله لأن هناك دراسات الجدوى الاقتصادية، ولا يطرح مشروع للاكتتاب العام إلا بعد ذلك لكن لحفز المكتتبين على ذلك تقول لهم الدولة: إن هذا مضمون فيه تبرع مني ألا ينزل ما تنالوه من هذا المشروع رؤوس أموالكم، ما الضير في ذلك؟ وخاصة أننا خططنا وقلنا. وهذا بناء على إصرار الإخوة المتحفظين في قضية الوعد الملزم أضفنا عليه هذه العبارة والتي هي في نهاية الكلام وليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء به إلى آخر مما يؤكد أن هنالك فصلا، وأن القضية ليست قضية وعد ملزم أصلا، هي تبرع من جهة ثالثة، العلاقة بين الجهة الثالثة والمكتتبين ولا علاقة للعقد والتزاماته بذلك.
стр. 4450
الشيخ محمد المختار السلامي:
بعد أن تفضلت الرئاسة بعرض الموضوع على التصويت فلا يجوز لأحد أن يأخذ الكلمة كيفما كان وهذا شأن الجلسات.
الرئيس:
إذن إذا كانت المسألة بالتصويت فنحن نقول: إن المسألة بالتصويت والذين ليسوا أعضاء ليس لهم حق التصويت وهذا شيء. والشيء الثاني: أنا رأيت الأكثرية لم يرفعوا أيديهم. المهم المسألة هي رغبة في الوصول إلى الحق فلا يضيرنا أن نزيد عشر دقائق أو ربع ساعة الأمر بسيط يا شيخ المسألة مسألة ضمير وذمة وأنت من أحرص الإخوان والحمد لله في هذا الشيء أو أحرص مني والإخوان. الجميع ذمته تحمل فلا مانع من عشر دقائق أو ربع ساعة وتنتهي الأمور.
الدكتور علي أحمد السالوس:
رأيي بينه الدكتور وهبة الزحيلي فلا أريد أن أضيف شيئا.
الشيخ عمر سليمان الأشقر:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
في بعض الأحيان الجهة قد نتصور أنها منفكة، الآن الأوقاف تدخل في بطن الدول الإسلامية فكذا لو كانت الدولة هي التي تريد أن تنشئ هذه المشاريع ولكن تجعل الوزارة منفصلة عن الدولة فتقوم الوزارة بطرح المشروع ثم الدولة هي التي تضمن، ماذا لو كان الابن هو الذي يريد أن يقوم بالمشروع ثم يضمن الأب أو العم أو الخال، وهناك مصلحة مشتركة. ما أتصور أن إنسانا يدفع ملايين وملايين الملايين ليضمن مشروعا وليس فيه مصلحة. التبرعات حدودها معروفة وقدرها معروف. هنا أنا لا أقول: إن الذين وضعوا النص يتحايلون لكن كما أكرر بعض الناس الذين لا يريدون الاستقامة على الحق يجدون ثغرة في النص فيدخلون منه إلى ما يحقق أهواءهم ورغباتهم وشكرا.
стр. 4451
الشيخ محمد سيد طنطاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
في تصوري أن هذا الطرف الثالث لا يلجأ إلى هذا التبرع بالضمان إلا لمنفعة عامة أو خاصة، وهذا التبرع يترتب عليه تشجيع لأصحاب المال على تداول أموالهم ويترتب عليه أيضا تشجيع لمن لا يملكون المال على أن يعملوا وأرى فضلا عن كل ذلك أرى أن يكون هذا الوعد ملزما لصاحبه ما دام المضاربان قد سلكا الطريق الصحيح في عقدهما، يعني ما دام صاحب المال وصاحب العمل سلكا الطريق الصحيح وأنهما قد بذلا كل الجهود في نجاح المشروع ففي هذه الحالة يجب أن يكون العقد ويجب أن يكون هذا الوعد ملزما بالنسبة لهذا المتبرع وهو الطرف الثالث.
الدكتور رفيق يونس المصري:
بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أريد أن أقول كلمة أولا في موضوع الحيل، الحيل لا نستطيع في الواقع أن نستبعدها لا في الفقه ولا في القانون، وباختصار أقول: لولا أن الأمر مهم لما ألف علماؤنا الأفاضل كتابات مطولة في الحيل وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم. هذه نقطة.
النقطة الثانية: العامل المضارب يعني أنا أرى هذه خلافا لأستاذنا الزحيلي العامل المضارب إذا كان هو المقصود هنا بالفقرة التاسعة إذا كان هناك احتمالا بأن يكون هو المتبرع ولو كان هذا التبرع بوعد غير ملزم فإن فيه تهمة. فإذا كان العامل المضارب هو الدولة والدولة تتبرع ولو كان هذا التبرع كما قلت بوعد غير ملزم فهذا فيه إشكال عندي. والله أعلم.
стр. 4452
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أريد أن أقول: إنه لا اعتراض لي إطلاقا على شكلية الحكم فيما يتعلق بأمر التبرع، فالتبرع أمر لا إشكال فيه ولا يعود على عقد سائغ بأي ضرر، وربما قلت أكثر من هذا سواء إن كان هذا التبرع من طرف ثالث أو من أحد المتعاقدين في عقد المضاربة، لكن الشيء الذي أريد أن أقوله: أخشى أن تكون هذه الفقرة منطوية على حيلة لا من نوع ما يشير إليه الدكتور رفيق بل حيلة تنسف الحكم الشرعي والأمر الإلهي يعني أحب فقط وأنا لا أملك أن أقول أن نغير ونبدل، أحب أن أتسائل: هذا المتبرع ما مصلحته في أن يتبرع يعطي شيئا ثم لا يأخذ بالمقابل شيئا آخر؟ قد غدا نفاجأ أنه شركة تأمين تتبرع، لكن شركة التأمين عندما تتبرع تدفع باليمين وتأخذ بالشمال وهو إن ظهر بمظهر المتبرع إلا أنه في الحقيقة ليس تبرعا. أنا لا أتهم والنصوص الفقهية تقف عند حدود الظاهر كما قال الفقهاء، ولكن نحن أمام عمل نتحمل فيه مغبة ونتائج ما نوقع عليه، ينبغي أن تكون مخافة الله ماثلة أمام أعيننا. فأخشى أن تكون فكرة التبرع هذه جسرا إلى تحويرها في حكم شرعي سائغ بالشكل الذي شرعه الله بحيث يقع فيه شيء من التلاعب. كل ما أريد أن أقوله هو هذا. وشكرا.
الرئيس:
شكرا لكن يا شيخ ترى عدم هذه الفقرة كلها بأجمعها أو ترى من هنا التقييد أو..
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
أرى الاحتياط أن نتجاوز هذه الفقرة، نحن لا نخالف وأعتقد أن تطبيق الحكم يفرض نفسه إذا ظهر طرف ثالث وتبرع يا مرحبا ولا ضير، ولكن أن نضع هذا في صلب الورقة أخشى أن تكون متكأ يا سيدي وأن نتحمل الوزر.
стр. 4453
الرئيس:
والله أقول: الاحتياط في الأحكام وما سينشر على الناس ويعم عليهم ويؤسسوا عليه أعمالهم، لا شك أنه متعين فهل نستمر في المداولات، أو أنه كما تفضل الشيخ تقي بما أننا أجلنا فقرة في الصنف الثالث نؤجل هذه بناء على مسألة الوعد؟ ولا مانع من تأجيلها لأنها ليست ضرورية في إقامة سندات المقارضة. فطالما أنها ليست من عصب ولا من الأسس الضرورية لإقامة سندات المقارضة أو صكوك المقارضة فكونها تؤجل حتى ترتبط بقضية الوعد وتبحث هي من زواية هذا الطرف الثالث المتبرع وما أورد الشيخ عمر فيما إذا كانت الحكومة نفسها هي صاحبة المشروع وتبرعت نفسها. يعني تبين الآن عدة جوانب للموضوع فهل ترون التأجيل كما اقترح الشيخ تقي أو بعض الإخوان وتلم بعض هذه الجوانب أو أن يبت في هذه الفقرة أو أنها تحذف؟ الشيخ البازيع.
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
أرى بقاءها لكن أرى أن أنبه إلى أن يكون فعلا المتبرع شخصا ثالثا يعني ألا يكون شخصا صوريا فمثلا نبهنا الشيخ الأشقر، وقال: ربما الوزارة وثم تجيء تضمنها وزارة أخرى أو حكومة فهذا يعتبر شخصا واحدا ثم ربما شخص مضارب باسمه ويكون عنده شركة مستقلة لها شخصية اعتبارية لكنه يملكها ملكا تاما وربما يعتبر بأنه شخص ثالث. في الحقيقة هذه أمور يجب أن ينبه لها وأن توضح بصورة واضحة. إنما حذفها في الحقيقة تعطيل لمصالح قد تأتي بنفع كبير للناس. إنما يجب أن تعد هذه الأمور.
الرئيس:
بحكم يا شيخ أحمد ممارستك لمسائل البنوك وبيوت المال هل أتى في يوم من الأيام واحد متبرع بعشرات الملايين يكون طرفا ثالثا؟
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
لا لم يأت شخص إلا له مصلحة، ولكن الذي يأتي ويضمن هنا له مصلحة إما مصلحة عامة وهي الدولة فلها مصلحة عامة تريد أن تنشئ مشروعا أو تريد أن تبني طريقا أو تريد أن تستأجر أو تريد أن تعمل مصلحة عامة ومن مصلحة الدولة نفع الناس فتضمن هذه الدولة للمضارب البعيد عنها والمستقل عنها استقلالا تاما والمشتركين بالمال البعيدين عن الدولة بعدا تاما إنما تشجيعا لهما يأتي بضمان عدم الخسارة لرأس المال وهي بعيدة عن ذلك. وهذه حدثت في بعض البلدان. إنما شخص تاجر أو مؤسسة تجارية استثمارية تأتي للتبرع ما فيه.
стр. 4454
الشيخ محمد عطا السيد:
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
أنا أساسا سيدي الرئيس كنت أود أن أعلق على موضوع ترتيب لهذه الفقرة ولكن بعد أن سمعت كلام فضيلة الشيخ البوطي أحب أن أؤكد أن هذه المادة مهمة جدا وخاصة في الضمان الذي يأتي من جانب الحكومة خاصة في مثل هذه المشاريع التي قد تكون هامة جدا. وأرى أن الذي ينفي الشبهة التي أثارها فضيلة المتحدث هي أنه قد جاء في المادة على وعد طرف ثالث بمبلغ التبرع. ولذلك فكرة أن تكون شركة تأمين شركات التأمين لا تتبرع بالمبلغ تبرعا كما نعرف التبرع ولذلك أرى أن هذه المادة أوفق على محتوى هذه الفقرة، وأرى أنها يجب أن تبقى وأريد يا سيدي الرئيس لكي نتفادى هذا الذي دار بين عدد من الأعضاء من التعارض بين هذه الفقرة الرابعة، أنا لا أرى تعارضا ولكن أقترح ألا ترى يا سيدي الرئيس أننا إذا ضممنا هذه الفقرة إلى الفقرة الرابعة يمكن أن ينفي ذلك التعارض بل ويؤكد من جانبنا عدم التعارض بين الفقرتين. أو ما ضممنا بينها نأتي بالفقرة التاسعة مباشرة بعد الفقرة الرابعة. فأرى أن هذا يساعد كثيرا في نفي هذه الشبهة بالتعارض الذي قد يكون أشد في أذهان كثير ممن يكون خارج هذا المجمع.
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم إن هذا المتبرع قد أطمع المتعاقدين ولذلك تعلق لهم حق في هذا التبرع ولم يعد تبرعا فإن العنوان في أوله يقول سندات مقارضة فهو شريك ومن جهة يقول له: لا تخسر فإما أن يخسر وإما لا يخسر وإذا أطمعه بأنه لا يخسر فعليه أن يفي بوعده. وأقترح هنا أن تقف الجملة عند قوله في مشروع معين، وكفى، وإلا فإن هذا المتبرع دخل من باب وخرج من باب آخر.
стр. 4455
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
فقط أحب أن أقول للشيخ عمر سليمان الأشقر: إنه بالنسبة لموضوع وزارات الأوقاف، وزارات الأوقاف منفصلة في ذمتها المالية والإدارية عن الحكومة بنصوص قوانينها في جميع بلاد المسلمين وأنه لا يجوز من الناحية الشرعية إدخالها في موازنة الدولة في ذمتها. ولذلك ضمان الحكومة لتنمية أموال الأوقاف وللمشاريع المقامة عليها هي ضمان طرف ثالث. ما دام نحن ذكرنا أن هذا الوعد وعد طرف ثالث فنحن خرجنا من المحظور الشرعي. لكن لزيادة الإيضاح كما اقترح البازيع ممكن أن نؤكد هذا المعنى وأن نقول طرف ثالث منفصل في ذمته وأمواله عن طرفي العقد؛ لأنه لا بد أن يكون طرفا بعيدا عن عملية التعاقد حتى نضمن ألا تكون عملية اختلاط وتداخل في الضمان من الطرف الثالث على عامل المضاربة. وهذا في القانون الأردني ينص عليه بكل وضوح؛ يعني اشترط أن لا يقوم بهذه المشاريع إلا جهات لها استقلال مالي وإداري عن الدولة، لأنه نص في القانون على أن الدولة لا تتبرع بكفالة أصل قيمة السند – أصل المال – وما دام الأمر في هذا الإطار ممكن أن ينص على هذا التحوط لمزيد من التنبيه والتركيز عليه. وشكرا.
الرئيس:
تسمعون صياغة من الشيخ عبد الستار.
стр. 4456
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، تصبح المادة تسعة: ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث – يزاد هنا – منفصل في ذمته وأمواله عن طرفي العقد بالتبرع، يزاد – بدون مقابل – وإن كان كلمة التبرع مفيدة، لكن حتى لا يأخذ أي مقابل بمبلغ مخصص إلى آخره.
الرئيس:
ولو زيادة في التأكيد حتى تنفي شركات التأمين مثل ما تفضل الشيخ.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
نقرأها مرة ثانية: على وعد طرف ثالث منفصل في ذمته وأمواله عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص إلى آخره.
الرئيس:
يظهر إن شاء الله تعالى أن في هذا أتت إليه الضمانات التي قد تحمي. إذن موافقون على هذه. إذن عشرة.
الدكتور سامي حسن حمود:
نظرا لما لعقارات الأوقاف من طبيعة خاصة وأحكام متميزة ورغبة في الحفاظ على هذه الأوقاف.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
هل وافقنا على هذا يا سيدي الرئيس؟ قبل قليل كان المؤيدون عشرة أو عددا قليلا حصلت الموافقة على كل هذه الفقرة.
الرئيس:
سمعتم التعديل، سمعتم وكتبتموه.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
سمعته ولا أوافق عليه وأنا طلبت الكلمة من بدري.
стр. 4457
الرئيس:
تفضل.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
أنا في رأيي أن هذه المادة التاسعة ولو كانت مقبولة شرعا وهي غير مقبولة عندي فإنها لا حاجة إليها، المادة الثامنة فيها الكفاية، المادة الثامنة أنشأت صندوقا احتياطيا لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال وهذا سيدفعه أصحاب رأس المال وهذا مقبول وهو كاف في نظري لضمان رأس المال.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
يا سيدي كيف أنها مقبولة شرعا وغير مقبولة عندك.. إذا سمحت.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
هذا من الناحية العملية وهذا هو المعمول في كل حالات الضمان بالنسبة لمثل هذه الأشياء فما الداعي لإدخال هذه الجهة، وأقول لكم حقيقة إن هذا المعنى كان موجودا في المشروع الأول وكان كفالة صريحة للمضارب الذي هو وزارة الأوقاف، كانت وزارة الأوقاف ضامنة لرأس المال والحكومة ضامنة لوزارة الأوقاف.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
لا ليس هكذا.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
هذا هو المشروع الأول والنصوص عندي. فجاءت هذه المادة بعدها وما أدري ما الداعي إليها ثم نقرأ في هذه الفقرة هل الاقتراح أننا سنقف عند هذا الحد وإلا سنأخذ كل المادة على أن يكون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة – لا أفهم كيف ترون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة وهو يضمن لصاحب رأس المال ماله. يستحيل أن يحصل هذا.
стр. 4458
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
الكيفية مشروحة.
الرئيس:
بمعنى. بمعنى يا شيخ.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
هل ستحذف: على أن يكون التزاما مستقلا. الأسطر الأربع الأخيرة. تبقى. لا يمكن أن يفهم هذا. كيف يضمن الطرف الثالث رأس المال في مضاربة ويكون ضمانه هذا أو تبرعه هذا مستقلا عن عقد المضاربة؟
الرئيس:
أما من الناحية العملية فالذي يظهر لي - والله أعلم - تعذره إلا من جهة حكومية؛ لأنه أولا من واقع الحال لا يعرف أن أحدا أتى وتبرع بمئات الملايين مثل هذا الضمان. الأمر الثاني أن هذا لا يقصد به إلا الحكومات لكن هنا شيء واحد طالما أنه متبرع وقيد بأنه بغير مقابل وقيد بأنه أجنبي عن العقد لا صفة له فيه لا من قريب ولا من بعيد لو فرض أن إنسانا عنده من الأموال - الله به عليم - وضمن لشركة خيرية وهو لا صلة له بها لا من قريب ولا من بعيد هل فيه ما يصادم هذا شرعا بدليل ينفس هذا الضمان.
стр. 4459
الشيخ محمد المختار السلامي:
تسمح يا أستاذ كلمة واحدة بسيطة.. عندنا كل الشروط إذا كانت وقعت على الطوع فهي مقبولة والأحسن فقط أن تكتب بعقد مستقل. يقول ابن عاصم:
وحيث ما شرط على الطوع جعل فالأحسن الكتب بعقد مستقل
الرئيس:
يعني نكتب البيت هذا. تفضل يا شيخ سامي.
الدكتور سامي حسن حمود:
١٠- نظرا لما لعقارات الأوقاف من طبيعة خاصة وأحكام متميزة، ورغبة في الحفاظ على هذه الأوقاف ودفع التعدي عنها ومساعدة لجهة الوقف على تحقيق الأهداف المقصودة من نظام الوقف الإسلامي واستنباط الصيغ الإسلامية لتعميره واستثمار أصوله، وتحقيق عائد مُجْدٍ للصرف على جهاته فقد درست اللجنة بعناية فائقة التجربة التي قامت بها وزارة الأوقاف الأردنية والتي ظهرت في (قانون سندات المقارضة المؤقت رقم ١٠ لسنة ١٩٨١م) وهي بصدد استحداث أدوات استثمارية قائمة على قواعد الشريعة الإسلامية واستعرضت ما بنيت عليه تلك التجربة من اجتهادات واطلعت على ما يجري عليها من تعديلات وما أبدي عليها من ملاحظات في الأبحاث المقدمة إلى الندوة.
لذا عرض في الندوة بصدد ما يستفاد منه في إطار تعمير الوقف واستثماره الصيغ الآتية بالإضافة إلى الصيغة المقبولة لصكوك المقارضة وفق ما سبق بيانه:
стр. 4460
الرئيس:
في الواقع يا مشايخ الذي أمامنا هو أربعة مشاريع على الأصح وليست وجهات نظر فإذا رأيتم أن يطلب من الأمانة بإعطاء استكتاب بمن يعطي تصورا لهذه الوجهات الأربعة ودراسة شرعية حولها ويؤجل النظر فيها إلى الدورة الآتية. مناسب.
وبهذا ترفع الجلسة للاستراحة خمسة عشر دقيقة وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
كلمة مقارضة أنا لا أعرف هذه الكلمة في الاصطلاح الفقهي إما مضاربة أو قراض فلتكن سندات القراض.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
عفوا مصدر قياسي قارض يقارض مقارضة وقراضا.
الرئيس:
لا ولهذا كل من ذكرتها له يحصل عنده لبس ما هي المقارضة، ما هي صكوك المقارضة فلو جعلت صكوك المضاربة يكون فيه وضوح وجلاء.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي:
مضاربة. عقد المضاربة وأخشى أن تكون مقارضة مآلها إلى القرض، المشاركة في القرض.
стр. 4461
مناقشة مشروع القرار
الرئيس:
في الواقع يا مشايخ سندات المقارضة وسندات الاستثمار أمامكم الآن أربعة صفحات من صفحة تسعة حتى الثانية عشر وتعرفون - ولله الحمد - أن هذا القرار أعطي حظه بقدر ما نملك من النقاش والوقت ونوقش فقرة فقرة والأستاذ الشيخ عبد الستار كان يسجل ما يزاد وما يحذف فقراته وقد تستغرق الوقت الطويل، فهذا أمامكم هل تريدون أن نعطيكم خمس دقائق أو أنه لا يحتاج؟ إذن ما بعده.
стр. 4462
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.
قرار رقم (٥) د ٤/ ٠٨/ ٨٨
بشأن
سندات المقارضة وسندات الاستثمار
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ – ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، الموافق ٦ –١١ فبراير ١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع (سندات المقارضة وسندات الاستثمار) والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ ٦ – ٩ محرم ١٤٠٨هـ/ ٣٠ / ٨ - ٢/ ٩/ ١٩٨٧م تنفيذا لقرار رقم (١٠) المتخذ في الدورة الثالثة للمجمع وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه، للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها، قرر ما يلي:
стр. 4463
أولا: من حيث الصيغة المقبولة شرعا لصكوك المقارضة:
١- سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصا شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل منهم فيه.
ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية (صكوك المقارضة) .
٢- الصورة المقبولة شرعا لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:
العنصر الأول:
أن يمثل الصك ملكية حصة شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله، وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته.
وترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعا للمالك في ملكه من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأس مال المضاربة.
العنصر الثاني:
يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار) وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك، وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.
ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جمع البيانات المطلوبة شرعا في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية.
стр. 4464
العنصر الثالث:
أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونا فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:
أ - إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودا فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف.
ب - إذا أصبح مال القراض ديونا تطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
ج - إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون الأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقا للسعر المتراضي عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانا ومنافع. أما إذا كان الغالب نقودا أو ديونا فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.
وفي جميع الأحوال يتعين تسجيل التداول أصوليا في سجلات الجهة المصدرة.
العنصر الرابع:
أن من يتلقى حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها وإقامة المشروع بها هو المضارب، أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلا بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أن المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة الإصدار وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.
وأن يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانة لا يضمن إلا بسبب من أسباب الضمان الشرعية.
٣- مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول:
يجوز تداول المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية وذلك وفقا لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة العاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقا لظروف السوق والمركز المالي للمشروع. كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص، على النحو المشار إليه.
٤- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمنا بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.
стр. 4465
٥- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقا أو مضافا للمستقبل. وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعدا بالبيع. وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء ويرضي الطرفين.
٦- لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصا يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلا.
ويترتب على ذلك:
أ - عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها.
ب - أن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة. ويعرف مقدار الربح، إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة، وفقا لشروط العقد.
ج- أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلنا وتحت تصرف حملة الصكوك.
٧- يستحق الربح بالظهور، ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلا بالقسمة. وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيرادا أو غلة فإنه يجوز أن توزع غلته. وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض (التصفية) يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب.
٨- ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، إما من حصة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر رأس المال.
٩- ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.
стр. 4466
ثانيا:
استعرض مجلس المجمع أربع صيغ أخرى اشتملت عليها توصيات الندوة التي أقامها المجمع، وهي مقترحة للاستفادة منها في إطار تعمير الوقف واستثماره دون الإخلال بالشروط التي يحافظ فيها على تأييد الوقف وهي:
أ - إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه وبين أرباب المال بما يوظفونه لتعمير الوقف.
ب - تقديم أعيان الوقف (كأصل ثابت) إلى من يعمل فيها بتعميرها من ماله بنسبة من الريع.
ج- تعمير الوقف بعقد الاستصناع مع المصارف الإسلامية لقاء بدل من الريع.
د - إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليها وحده، أو مع أجرة يسيرة.
وقد اتفق رأي مجلس المجمع مع توصية الندوة بشأن هذه الصيغ من حيث حاجتها إلى مزيد من البحث والنظر وعهد إلى الأمانة العامة الاستكتاب فيها، مع البحث عن صيغ شرعية أخرى للاستثمار، وعقد ندوة لهذه الصيغ لعرض نتائجها على المجمع في دورته القادمة.
стр. 4467
بدل الخلو
إعداد
الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي
رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة الإمارات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن موضوع (بدل الخلو) أو (مقابل الخلو) من الموضوعات المهمة جدا في الحياة المعاصرة، والذي يتطلب إبداء الحكم الشرعي فيه، بسبب إباحته في أعراف الناس، ومنعه في القوانين الوضعية، فإنها لا تجيز أخذ بدل الخلو كالذي يدفعه المستأجر للمالك في بداية عقد الإيجار إضافة إلى الأجرة ويحكم القاضي عادة بوجوب رده لدافعه إذا ادعى على المالك أنه قبض منه بدل خلو.
لذا تكرر السؤال عن حكمه الشرعي، وتحرج أهل الورع من أخذه لاعتقادهم عدم إباحته وأنه محظور، فهو لا يعدو في تصورهم أن يكون مالا سحتا أو أكلا لأموال الناس بالباطل، علما بأنه قد يزيد بدل الخلو في أغلب الأحيان عن مجمع ما دفعه المستأجر من أجرة للمالك طول مدة الإجارة.
وتتعقد المشكلة إزاء أزمة المساكن الحالية، وغلاء أو ارتفاع بدلات الخلو أوما يسمى بالفروغ أو مقابل الخلو، وخصوصا في بعض الشوارع التي أصبحت ذات مقصد كبير للتجار، حيث أصبح المحل ذا موقع مهم جدا (استراتيجي) للتجارة أو لأغراض أخرى تطمح إليها المكاتب المؤجرة لأعمال أو مهن حرة متعددة الأنشطة في الحياة الحديثة.
وهذا يقتضينا ضرورة البت في هذا الموضوع، ببيان مدى حله أو حرمته، وشروط الحل وحالات الحرمة، وتعيين آخذ البدل.
تعريف بدل الخلو: هو مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار (أرض أو دار أو محل أو حانوت) عن حقه في الانتفاع به.
وحكمه الشرعي فيما يبدو لي – والله أعلم – ما يأتي:
стр. 4468
أولا: للمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقدارا مقطوعا من المال، بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية، إذا تراضيا على ذلك، وقام المؤجر بعدها بتسليم العقار إلى المستأجر، مؤثرا إياه على غيره من المستأجرين. ويعد المأخوذ جزءا معجلا من الأجرة المشروطة في العقد، وتكون الأجور التي تدفع في المستقبل سنويا أو شهريا جزءا آخر من الأجرة مؤجل الوفاء مضافا إلى ما تم تعجيله، مثل اتفاق الزوجين في العصر الحاضر على قسمة المهر إلى معجل ومؤجل، عملا بالعرف العام السائد في البلاد الإسلامية.
ثانيا: أن ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من المالك المؤجر لفسخ عقد الإيجار، ضمن مدة العقد، وتسليمه المأجور لصاحبه يعد كسبا حراما غير مباح شرعا في رأي الجمهور غير المالكية وأبي يوسف؛ لأن إقالة عقود المعاوضات المالية أو فسخها، كالبيع والإيجار، لا تجوز إلا بنفس العوض الذي تم التعاقد عليه في رأي الإمام أبي حنيفة الذي جعل الإقالة فسخا في حق العاقدين، بيعا جديدا في حق شخص ثالث غيرهما.
ومقتضى هذا الرأي أن الإقالة للبيع ومثله الإيجار، تصح بالثمن الأول، ويبطل ما شرطه المتعاقدان من الزيادة أو النقص أو الأجل، أو الجنس الآخر من الأعواض، سواء أكانت الإقالة قبل القبض أم بعده؛ لأن الإقالة فسخ في حق العاقدين، والفسخ رفع العقد والعقد وقع بالعوض الأول، فيكون فسخه بالعوض الأول، ويبطل الشرط الفاسد، فإذا تقايل العاقدان على أكثر من العوض الأول أو أقل على جنس آخر، يلزم العوض الأول لا غير.
وهذا هو الحكم أيضا على قول زفر الذي يجعل الإقالة في رأيه فسخا في حق الناس كافة وهو أيضا قول محمد الذي يجعل الإقالة فسخا إلا إذا تعذر ذلك للضرورة، فتجعل بيعا.
وكذلك قال الشافعية والحنابلة، الذين قرروا بطلان الإقالة في هذه الحالات بسبب الشرط الفاسد في البيع ونحوه، فلا تجوز عندهم الزيادة ولا النقصان.
أما الإمام مالك فيرى أن الإقالة بيع جديد، فيجوز فيها الزيادة أو النقصان وهو أيضا قول أبي يوسف الذي يجعل الإقالة بيعا جديدا في حق العاقدين وغيرهما، إلا أن يتعذر جعلها بيعا، فتجعل فسخا (١) .
стр. 4469
وبناء على هذا الرأي يصح للمالك المؤجر دفع زيادة عن الأجرة المقبوضة إلى المستأجر الذي دفعها، نظير فسخ الإجارة وتسليم المأجور.
وأما إذا وهب المؤجر باختياره ورضاه بعد انتهاء الإجارة من المال للمستأجر، يسميه الناس الآن (مقابل الخلو) لأجل إخراج المستأجر من المأجور، فهو أمر جائز باتفاق العلماء؛ لأن الهبة تبرع، وقد تم الدفع بالتراضي.
ثالثا: الحالة الغالبة المثيرة للنزاع: وهي ما يأخذه المستأجر من بدل الخلو من شخص آخر غير المالك المؤجر، مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار، ليحل محله ذلك الشخص في الانتفاع بالعقار.
هذه الحالة جائزة أيضا بشرط أن يكون التنازل ضمن مدة عقد الإجارة. فإذا كانت المدة سنة، أمضى المستأجر في العقار مدة ستة أشهر منها مثلا، جاز له التنازل لشخص آخر للانتفاع بالمأجور بقية المدة المتفق عليها بين المالك والمستأجر.
وإذا كانت مدة الإجارة سنويا (مسانهة أو معاومة) دون تحديد مدة قصوى، وهو ما يحدث الآن في عقود الإيجارات، فذلك جائز في رأي جمهور الفقهاء غير الشافعية، ولكنه لا يلزم إلا بالدخول في المدة الجديدة أو التلبس فيها، ويصير ذلك كعقد المعاطاة إذا جرى من المساومة ما يدل على التراضي بها.
وحينئذ يجوز للمستأجر التنازل عن المأجور في مدة أخرى نص عقد الإيجار على تجديدها ضمنا أو صراحة، وذلك مقابل مبلغ من المال يسمى اليوم (بدل الخلو) : لأن المستأجر مالك لمنفعة المأجور أثناء المدة، وله استيفاء المنفعة بنفسه أو بغيره باتفاق العلماء، وهذا يعني شرعا جواز ما يسمى اليوم (التأجير من الباطن) خلافا للقانون، لأن حق المستأجر في فقهنا حق عيني، وفي القانون حق شخصي.
стр. 4470
وقد أفتى الحنفية بجواز النزول عن الوظائف بمال كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها، استنادا إلى الضرورة وتعارف الناس، وبالقياس على ترك المرأة قسمها لصاحبتها (الضرة) لأن كلا منهما مجرد إسقاط للحق، وقياسا على أنه يجوز لمتولي الأوقاف عزل نفسه عند القاضي، ومن العزل: الفراغ عن وظيفة النظر أو غيره، وقد جرى العرف بالفراغ بعوض (١) .
واستدل بعض العلماء على جواز مسألة (النزول عن الوظائف بمال) بما صنعه سيدنا الحسن ﵁ – سبط رسول الله ﷺ – من تنازله عن الخلافة وقبوله الراتب. وربما نوقش هذا بأن ما كان يأخذه السيد الإمام ﵁، لم يكن عوضا عن التنازل عن أمر الخلافة فحسب، لأن الخلفاء قد تعودوا منح الوظائف والرواتب غيره كثيرا من الصحابة والتابعين، فلم يكن راتب سيدنا الحسن عوضا عن تنازله على الخلافة.
وصرح الشافعية أثناء كلامهم عن صيغة عقد البيع بقولهم: (لا يبعد اشتراط الصيغة في نقل اليد في الاختصاص – أي عند التنازل عن حيازة النجاسات لتسميد الأرض كأن يقول: رفعت يدي عن هذا الاختصاص، ولا يبعد جواز أخذ العوض عن نقل اليد، كما في النزول عن الوظائف) (٢) .
فالنزول عن الوظائف جائز بعوض وبغير عوض، كما قالوا.
إلا أن ذلك كله مقيد شرعا- حال تنازل المستأجر عن منفعة المأجور – بمدة الإيجار المتفق عليها. فإن تنازل المستأجر لغيره بعوض بعد انتهاء مدة الإيجار، فلا يجوز ذلك شرعا إلا برضى المالك وإبرام عقد إجارة جديد.
стр. 4471
وأما المالكية فهم أيضا كالشافعية، جاء في رسالة للمتأخرين من علماء المالكية بعنوان (جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات (١) . عند التونسيين) لمفتي المالكية إبراهيم الرياحي بتونس (المتوفى سنة ١٢٦٦هـ) والشيخ محمد بيرم التونسي، والشيخ ابن صالح باش مفتي المالكية بتونس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس، جاء في هذه الرسالة ما يدل على تجويز المعاوضة عن الخلوات عملا بالعرف والعادة، ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة وبغير عوض كالإعارة (٢) ، فقد نقل البناني عن البرزلي في النزول عن الوظيفة ما يقتضي جوازه، ونقل فتوى الفاسيين بجواز بيع الخلو، وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحمل به ملكيات الرقبة، لتعلقه بالمنفعة.
وأما الحنابلة: فلم يجيزوا أخذ العوض على الاختصاصات؛ لأن محل حق الاختصاص الانتفاع فقط، ولا يملك أحد من مزاحمة مستحقة، لكن الاختصاص يجري فيما هو محرم كعصير العنب المتخمر عنه المسلم، ويجري في بعض المباحات كتحجير الأرض الموات، أما المملوكات الجارية في الأعيان والمنافع، فيجوز التنازل عنها بعوض (٣) .
والخلاصة: أن بدل الخلو جائز شرعا إذا كان ضمن مدة الإيجار مع المالك المؤجر، وأما بعد انتهاء المدة فلا يجوز التنازل عن المنفعة، ولا أخذ البدل عنها إلا برضا مالك العقار، وإبرام عقد آخر مع المستأجر الجديد، وإلا كان أخذ البدل سحتا حراما، والمتنازل غاصبا، وآكلا أموال الناس بالباطل، وكذلك يكون المتنازل معتديا على حقوق الآخرين.
стр. 4472
بدل الخلو
إعداد
الدكتور محمد سليمان الأشقر
عضو بالموسوعة الفقهية – الكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
درجت العادة بين العوام في كثير من البلاد الإسلامية على إطلاق لفظ (الخُلُوِّ) هكذا مفردا على مبلغ نقدي سوى الأجرة، قد يأخذه مالك العقار من مستأجره، لتمكينه من استئجار العقار، وقد يأخذه المستأجر من المالك إذا رغب المالك لسبب ما في إخلاء العقار من المستأجر، وقد يأخذه المستأجر من مستأجر آخر حيل محله في شغل العقار. فهي حالات ثلاث (١) .
أما الذي جرى عليه الفقهاء والقانونيين فهو إطلاق لفظ (الخلو) على المنفعة نفسها التي يملكها دافع النقود إلى المالك أو إلى المستأجر قبله ليحصل على حق القرار في العقار وإطلاق لفظ (بدل الخلو) على المقابل النقدي لهذه المنفعة.
الحالة الأولى: أخذ المالك بدل الخلو من المستأجر:
الأصل أن بدل الإيجار كاف لتمكين المستأجر من العقار. ولكن تنشأ في بعض الأحوال الحاجة إلى بذل المستأجر بدل الخلو، والغالب أن يكون مبلغه أضعاف الأجرة الشهرية أو السنوية، ولا يمكن المالك المستأجر من وضع يده على العقار إلا بعد الحصول على البدل المذكور. وهذا العرف جارٍ الآن في كثير من البلاد في إجارة الحوانيت ونحوها من الأماكن الصالحة لممارسة التجارة أو الصناعة غير جار في إجارة العقارات المعدة للسكن الخاص، وفي بعض البلاد جرى العرف أيضا على بذل بدل الخلو عند استئجار المساكن، كما يحصل في مصر.
стр. 4473
وتنشأ الحاجة إلى بذل بدل الخلو في هذه الحالة الأولى لأسباب:
الأول: أن يكون المالك محتاجا إلى مال يبني به أرضه، أو مال يستعجل الحصول عليه. فيأخذ من الراغبين في استئجار الحوانيت مبالغ بدل الخلوات مقدما ليتمكن من البناء على أن يكون للمستأجر الذي بذل بدل الخلو حانوت معين منها، ويتفق الطرفان على أجرة شهرية أو سنوية، فوق بدل الخلو، تكون في الغالب أقل من أجر المثل بنسبة النصف أو أكثر أو أقل، وقد يتفق الطرفان على أن يكون للمستأجر حق القرار في الحانوت مدة معينة تكون غالبا مدة طويلة كخمسين أو ستين عاما، وقد يجري العرف باستحقاق المستأجر حق القرار أبدا ولو لم ينص في العقد على المدة.
وهذا النوع ذكره متأخرو المالكية، وأخذوا به، وكان أول من أفتى به منهم الشيخ ناصر الدين اللقاني وفتواه مشهورة، ونصها على ما نقله الشيخ عليش في فتاويه (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠) والزرقاني وغيرهما، (سئل العلامة الناصر اللقاني بما نصه: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين - في خلوات الحوانيت التي صارت عرفا بين الناس في هذه البلدة وغيرها، وبذلت الناس في ذلك مالا كثيرا حتى وصل الحانوت في بعض الأسواق أربعمائة دينار ذهبا، فهل إذا مات شخص له وارث شرعي يستحق خلو حانوته، عملا بما عليه الناس أم لا؟ وهل إذا مات من لا وارث له يستحق ذلك ببيت المال أم لا؟ وهل إذا مات شخص وعليه دين ولم يخلف ما يفي بدينه يوفي ذلك من خلو حانوته؟ أفتونا مأجورين. فأجاب بما نصه: الحمد لله رب العالمين. نعم إذا مات شخص وله وارث شرعي يستحق خلو حانوته عملا بما عليه الناس، وإذا مات من لا وارث له يستحق ذلك بيت المال. وإذا مات شخص وعليه دين ولم يخلف ما يفي بدينه فإنه يوفى من خلو حانوته. والله أعلم) .
стр. 4474
• وقال الشيخ عليش والشيخ الزرقاني: إن التعويل في هذه المسألة على هذه الفتيا. وقال الحموي في شرح الأشباه (١/ ١٣٧) في شرح قاعدة (العادة محكمة) : (ليس في المسألة نص عن مالك وأصحابه، والتعويل على فتوى اللقاني والقبول الذي حظيت به، وجرى عليه العمل) . وقال الغرقاوي كما في فتاوي عليش: (إنها فتوى مخرجة على النصوص، وقد أجمع على العمل بها، واشتهرت في المشارق والمغارب. وانحط عليها العمل) .
ونقل بعض متأخري الحنفية هذه الفتوى وأجازوا العمل بها، وإن كان الأصل عندهم أن المنفعة لا تباع منفردة لأنها حق مجرد، وقالوا كما في الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٤/ ١٤ – ١٦) : (أفتى الكثيرون باعتبار العرف الخاص، وبناء عليه يفتى بلزوم خلو الحوانيت، فيصير الخلو في الحانوت حقا له، فليس لرب الحانوت إخراجه منها ولا إجارته لغيره، قال: وقد وقع في حوانيت الجملون في الغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها التجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدرا أخذ منهم، وكتب ذلك بمكتوب الوقف) .
وقال ابن عابدين في حاشيته (٤/ ١٧) : (ممن أفت بلزوم الخلو بمقابلة دراهم يدفعها إلى المالك العلامة عبد الرحمن العمادي وقال: فلا ملك صاحب الحانوت إخراجه منها: ولا إجارتها لغيره، فيفتي بجواز ذلك) .
وانظر مثل ذلك الفتاوى المهدية (٥/ ٢٦، ٤٣، ٤٤، ٤٩، ٦١) .
وأجازه أيضا بعض الحنابلة كما في مطالب أولي النهى (٤/ ٣٧٠) ففيه أن الشيخ البهوتي يصرح بأنه أن الخلوات إذا اشتريت بالمال من المالك تكون مملوكة لمشتريها مشاعا، لأنه يكون قد اشترى نصف المنفعة مثلا. قالوا: (ولا تصح إجارة الخلو، ولكن يصح بيعه وهبته ووفاء الدين منه) .
التكييف الفقهي لهذا النوع من الخلو:
رأي المالكية ومن أجاز إنشاء الخلو من الحنفية والحنابلة أن إنشاء الخلو بمال يدفعه المستأجر للمالك هو في الحقيقة بيع جزء من المنفعة مجردا، وصوَّر ذلك العدوي من المالكية في شرحه على الخرشي (٧/ ٧٩) في شأن الوقف كما يلي: أن تكون الأجرة في الأصل ثلاثين دينارا في كل سنة، فإذا أخذ الناظر الخلو يجعل الأجرة خمسة عشر فقط في كل سنة، وتكون منفعة الحانوت شركة بين ذلك المكتري وبين جهة الوقف ما كان منها لذلك المكتري هو (الخلو) والشركة (أي نسبة حق كل من الطرفين) بحسب ما يتفق عليه صاحب الخلو وناظر الوقف على وجه المصلحة.
ثم قاله العدوي: إن الخلو المذكور هو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع، إذ مالك الانتفاع ينتفع بنفسه، ولا يؤجر ولا يهب ولا يُعِيرُ، ومالك المنفعة له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه، فالخلو من ملك المنفعة، فلذلك يورث اهـ. وصرح البهوتي الحنبلي كما في مطالب أولي النهى (٤/ ٣٧٠) بأن الخلو المشترى بالمال يكون من باب ملك المنفعة.
стр. 4475
ولما كان إنشاء الخلو من هذا النوع بيعا لجزء من المنفعة، فقد ضيق القائلون بجوازه، في إجرائه في الوقف، بحيث يقتصر فيه على أحوال الضرورة، في صور حدودها، بشروط معلومة، يمكن الرجوع إليها في فتاوى الشيخ عليش (٢/ ٢٥٠) والحموي على الأشباه (١/ ١٣٨) وهذا بخلاف الطلق، فإنه لما كان للمالك أن يتصرف في ملكه كما يشاء فله أن ينشئ الخلو على عقاره كما يشاء عند كل من أجاز بيع المنفعة مجردة، سواء كان ذلك لضرورة أو غيرها. قال الشيخ عليش (٢/ ٢٥٢) : (إن الخلو إذا صح في الوقف ففي الملك أولى لأن المالك يفعل في ملكه ما يشاء) ويفهم مثله من كلام صاحب مطالب أولى النهى من الحنابلة.
الحكم الشرعي لهذا النوع من الخلوات:
يرجع الحكم فيه إلى حكم بيع المنفعة المجردة، والراجح فيما نرى جوازه ولذلك نرى جواز إنشاء حق الخلو في الصورتين المذكورتين، بالشروط الآتية:
١- أن تعرف نسبة كل من الطرفين من المنفعة، كأن يكون للمالك النصف، وللمستأجر النصف. وينبغي النص على ذلك صراحة في العقد الذي يبرم بين الطرفين.
٢- أن تكون المدة التي يستحق فيها المستأجر منفعة الخلو محددة، طويلة كانت أم قصيرة، ولا تكون مؤيدة. ولا ينبغي أيضا إطلاق العقد عن تحديد المدة لئلا تتأبد. وتؤول منفعة العقار بعد انتهاء المدة إلى المالك. ولا ينبغي أن تزيد المدة المتفق عليها عن خمسين عاما أو ستين، لئلا ينسى الأصل.
٣- أن يجري تسجيل الخلو لدى إدارة التسجيل العقاري في صفحة العقار نفسها.
٤- ينتقل الخلو إلى الوارث، ويجوز بيعه والإيصاء به وجميع أنواع التصرفات الجائزة ويشترط في البيع ونحوه إذن المالك، لأن مشتري الخلو سيكون مستأجرا لباقي المنفعة، ولا يرغم المالك على أن يؤجر لمن لا يرضاه.
٥- المالك أولى بالشفعة في الخلو توحيدا للملك قدر المستطاع، ولتقليل النزاعات بين المالكين والمستأجرين (انظر ابن عابدين ٤/ ١٨ و٥/ ١٤٢ وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢/ ١٩٩) .
стр. 4476
٦- أجرة التي يدفعها المستأجر للمالك عن الجزء الذي يخص المالك من منفعة العقار وتسمى الحكر (انظر فتاوى الشيخ عليش) يجب أن تكون مساوية لأجر المثل، ولذلك يجب تعديلها بمضي السنين بمعرفة أهل الخبرة، وخاصة في ظل النظام النقدي الحاضر الذي تتدهور فيه قيمة النقود الورقية باستمرار.
السبب الثاني من أسباب نشوء الخلوات:
أن تكون هناك قوانين وضعية أو أنظمة معينة تحد من حق المالك في إيجار عقاره بأجر المثل، بل تلزمه بتسعيرة جبرية، أو تحد من حقه في إخلاء الساكن عند نهاية المدة التي جرى عليها التعاقد في عقد الإيجار ليتعاقد مع ساكن جديد، أو مع الساكن الأول نفسه بكامل حرية كل من الطرفين، أي على أساس المساومة الحرة، وهي الأصل في عقود المعاوضات.
فإذا وجدت مثل هذه الأنظمة أو القوانين، فربما تغير سعر أجرة المثل للعقار، ويكون غالبا بارتفاع السعر بسبب ارتفاع نسبة التضخم النقدي للعملات الورقية.
فبدأ أصحاب الأملاك يحسبون هذا الحساب عند ابتداء الإجارة، وطلبوا بدل الخلوات من المستأجرين ليحصلوا على قسم ذي أهمية، من النفقات التي تكبدوها عند إنشاء العقارات.
وفي حالة التسعيرات الجبرية لأجور العقار، إن كان التسعير بأقل من أجرة المثل، يحتال أصحاب العقارات بأخذ بدل الخلو لتغطية قسم من التكلفة، وقد يكون ذلك خفية عن أنظار السلطات، ويدعو إلى ذلك ضآلة السعر الجبري بالنسبة إلى التكلفة الفعلية في أغلب الأحوال.
رأينا في هذا النوع من الخلوات:
في رأيي أنه بالنسبة للتسعيرة الجبرية لا يجوز التسعير بأقل من أجرة المثل، تحقيقا للعدالة بين الطرفين، فإن زادت أجرة المثل ينبغي زيادة أجرة العقار تبعا لذلك. وفي جميع الأحوال لا ينبغي الحد من حرية المالك في إخلاء العقار من المستأجر عند نهاية المدة التعاقدية.
стр. 4477
وحيث اقتضت الظروف في بعض الأحوال مَدِّ الإجارة بقوة القانون لا ينبغي أن يكون الامتداد بأقل من أجرة المثل، ويجب تعديل الأجرة باستمرار لتلحق بمقدار أجرة المثل في وقتها، لأن في ترك ذلك ظلما للمالك من جهتين. الأولى: نقص الأجرة المستحقة، والثانية: أن قيمة العقار تتأثر بمقدار الأجرة فلو كانت أجرة المثل مائة دينار مثلا لعقار قيمته عشرة آلاف، فإنه إن ألزم المالك بأجرة مقدارها خمسون دينارا فقط، فإن المالك لو أراد البيع لا يستطيع بيع عقاره بأكثر من خمسة آلاف أو ستة، وفي ذلك ظلم له وأي ظلم.
فلو التزم بتعديل الأجرة دائما في الأحوال الإلزامية لتصل إلى أجرة المثل تنعدم الحاجة إلى هذا النوع من بدل الخلو أو تكاد.
ومع ذلك ففي ظل الأوضاع الحالية في بعض البلاد الإسلامية التي تحد من حرية المالك على الوجه المشروح فما حكم أخذ المالك بدل الخلو لتمكين المستأجر من السكنى؟ وما حكم بذل المستأجر لذلك البدل؟ وماذا يستتبع ذلك من التصرفات؟
أما المالك: فيظهر أنه لا حرج عليه شرعا في الأخذ؛ لأن العقار خالص ماله، وله أن يتصرف فيه كما يشاء، ومن ذلك أن لا يأذن لأحد بدخوله إلا بعوض، والعوض هنا يجوز أن لا يحتسب من الأجرة، بل يكون جعلا لا غير.
وقد قال البعض: إنه لا يحل إلا إذا احتسب من الأجرة، فتكون أجرة السنة الأولى مثلا خمسة آلاف دينار, وأجرة كل سنة من السنوات اللاحقة ألف دينار لا غير، وتكون الأربعة الآلاف الزائدة في أجرة السنة الأولى هي بدل الخلو (١) .
ونحن لا نرى ذلك لازما، بل لو اعتبر جعلا لمجرد التمكين من الاستئجار، لجاز أيضا.
وكذلك دافع بدل الخلو إلى المالك يحل له الدافع ولا حرج عليه.
وأما ما يستتبعه ذلك البذل والأخذ فأمران:
١- فمن الملحوظ أن المستأجر لا يبذل ذلك الجعل، وقد يكون كبيرا، إلا ليكون له (حق القرار) بنفسه طبقا للقانون المعمول به في البلاد، فيكون ذلك ملزما شرعا، كالعرف، بل هو الأقوى.
стр. 4478
٢- للمستأجر في هذه الصورة الفراغ عن خلوه إلى مستأجر لاحق. ولكن ذلك لا يلزم المالك إن كان بعد انقضاء المدة التعاقدية كما يأتي في الحالة الثالثة، فلا يتم هذا الفراغ إلا بإذن المالك، وللمالك أن لا يأذن إلا مقابل عوض معلوم، أو مقابل نسبة معينة من بدل الفراغ.
الحالة الثانية: أن يأخذ المستأجر بدل الخلو من المالك:
وتنشأ الحاجة إلى ذلك لأسباب:
السبب الأول: أن يكون الخلو قد استحقه المستأجر بطريقة شرعية مما ذكر في الصورة الأولى. وذلك مثل أن يكون قد أنشأه باتفاق مع هذا المالك أو مالك قبله، بمال دفعه له طبقا لعقد مبرم بينهما حائز على الاشتراطات الشرعية المعروفة، ومثل أن يكون المستأجر قد اشترى الخلو من مستأجر قبله نشأ خلوه بطريقة مشروعة.
فإن كان الأمر كذلك، فرغب المالك في استعادة الخلو، وإخراج المستأجر، ودفع مقابل ذلك لصاحب الخلو بدلا ماليا، فرضي صاحب الخلو، جاز للمالك الدفع وجاز لصاحب الخلو الأخذ، لأنه بيع صحيح، وسواء أكان ذلك بمثل الخلو الذي كان المستأجر الأول قد ملك به الخلو إن كان أقل أو أكثر، ما دام قد بقي من المدة المتفق عليها لدوام الخلو جزء له قيمة. ولا إشكال في ذلك.
السبب الثاني: أن يكون المستأجر لا يزال في مدة التعاقد الأصلية، (أي قبل الامتداد القانوني الذي تلزم به بعض القوانين) فللمستأجر أن يتمسك بالعقد ويرفض إخلاء المكان إلا ببدل يرضاه، يأخذه من المالك، لأن ذلك البدل هو في الحقيقة ثمن بيع باقي المدة المتفق عليها، ولا حرج عليهما في ذلك، كما لو اشترى رجل من آخر خمسة رؤوس من الغنم فاستهلك منها أربعة، وأراد البائع أن يستعيد الرأس الخامس بالشراء فلصاحبه أن لا يبيعه إلا بأضعاف ثمنه الذي كان قد اشترى به (١) .
стр. 4479
السبب الثالث: أن يكون المستأجر قد استفاد حق القرار في العقار بوضع قانوني صرف، لم تأت به الشريعة، بأن يكون استمرار بقائه في العقار رغما عن المالك وبغير رضاه، مع انتهاء المدة الأصلية للتعاقد، وهو ما يسمى (الامتداد القانوني) ولم يكن المالك قد أخذ منه بدل خلو عند إنشاء عقد الإيجار ويرغب المالك في استعادة العقار، ويتراضى هو والمستأجر على مبلغ مالي، قد يسميه بعض العامة (خلوا) .
وقد ينضم إلى هذا السبب: التسعير الإجباري من الجهة المسؤولة، ويكون السعر أقل من أجر المثل. فهذا النوع من الخلوات فيه احتمالان:
الأول: أن يقال: إنه غبر مشروع فيه أخذ البدل لأن القانون الذي يلزم بالامتداد بغير اختيار المالك، أو بالتسعير الإجباري، قانون غير مقبول شرعا في حالات السعة، وأما في حال الاضطرار فيجوز بأجر المثل ولا يجوز بأقل منه.
ووجه عدم مشروعية بدل الخلو في هذه الصورة بالنسبة لآخذه أنه لو كان للمالك، بعد انتهاء المدة التعاقدية، أن يخلي المكان من المستأجر، ويؤجره لغيره بكامل حريته وهو الوضع الذي كفله له الشرع، ما كان على المالك أن يدفع شيئا أصلا.
وقد ذكر الحنفية هذه المسألة، وصرحوا بحكمها فمنعوها مطلقا في الأملاك الخاصة، وأجازوها في الوقف بأجرة المثل. (١) وقد بين صاحب الفتاوى الحامدية (٢/ ٢٠٠) وابن عابدين (٤/ ١٦) أن الفرق هو أن (المالك أحق بملكه إذا انتهى عقد إيجاره، ثم هو قد يرغب في تجديد إيجاره للمستأجر الأول بمثل الأجر الأول، أو أقل أو أكثر، وقد لا يرغب في ذلك، وقد يريد أن يسكنه بنفسه، أو يبيعه، أو يعطله، بخلاف الموقوف المعد للإيجار فإنه ليس للناظر إلا أن يؤجره فإيجاره من ذي اليد بأجرة المثل أولى من إيجاره لأجنبي، لما فيه من النظر للوقف ولذي اليد، ولأنه يلزم من عدم إخراج صاحب الحانوت للمستأجر عند نهاية المدة حجر الحر المكلف عن ماله، وإتلاف ماله، وذلك لا يجوز) وهي مسألة إجماعية كما نقله صاحب الفتاوى الخيرية (١/ ١٧٣) وكما هو معلوم من أحكام الإجارة في الشريعة (انظر الموسوعة الفقهية – الإجارة ف ٩٠، ٩١) .
стр. 4480
ثم إن كان للمستأجر عند انتهاء الإجارة في الحانوت بناء أو غيره فللمالك أن يكلفه رفعه على خلاف وتفصيل يرجع إليه في أحكام الإجارة.
والاحتمال الثاني: أن يقال: إنه كان مبنيا على قانون صادر بأمر السلطان، وكان للسلطان أن يقيد بعض التصرفات في ضمن اجتهاده في تحصيل المصلحة، ولو أخطأ كان ما ينبني عليه جائزا، ويحل للآخذ ما أخذه.
والاحتمال الأول عندي أرجح، والعمل عليه أوثق، وأما الاحتمال الثاني فإنه مبني على اجتهاد فاسد الاعتبار، لأمور:
الأول: مخالفته للنصوص الشرعية الصحيحة، من مثل: قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وقول النبي ﷺ : ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)) ومخالفته للقواعد الشرعية المتفق عليها، من مثل ((أن المالك أحق بالتصرف في ملكه)) .
الثاني: أن المصلحة العامة، على المدى الطويل، ليست في الحقيقة في ظلم المالكين لمصلحة المستأجرين، فإن ذلك يحد من الحركة العمرانية، إذ يتقاعس أصحاب الاقتدار عن إنشاء العمران الجديد، فتقل المساكن، ويعود الأمر بالضرر على المالكين وعلى المحتاجين إلى الاستئجار أيضا، كما هو مشاهد قديما وحديثا.
والثالث: أن هذا الاجتهاد في الحقيقة ليس اجتهادا، وإنما هو تقليد صرف، فهو تقليد لبعض الدول الغربية إذ اتخذت إجراءات وقتية لمواجهة بعض الأزمات اللاحقة للحروب، بتقييد حرية المالكين في التصرف، ولم يكن ذلك كنظام عام، بل كانت قوانين استثنائية، ثم بدأت كثير من تلك الدول الغربية في التخلي عن ذلك والعودة إلى نظام الإجارة الحرة التي تكفل العدالة وانتظام العمران، وبعضهم عاد إلى إجراءات معينة لعزل أثر التضخم النقدي، بتعديل الأجرة سنويا، لتبقى القوة الشرائية للأجرة ثابتة، فلا يضار المالك في الأجرة ولا في قيمة عقاره، واستمر على التمسك بنظام تثبيت الأجور، على علاته ومساوئه، أكثر الدول العربية والإسلامية فيما لا يزيد عن أن يكون تقليدا أعمى لا يبصر وجوه المصالح، ولا مداخل الفساد.
стр. 4481
وبعض الفقهاء: (مثلا: الزميل السابق الدكتور محمد سلام مدكور ﵀ في مجلة المجتمع الكويتية العدد ٤٣٠ الصادر في ٢ ربيع الأول سنة ١٣٩٩هـ ص٣٠ وما بعدها) ذهب إلى أن للسلطان أن يقيد حرية المالكين، حماية للضعيف ومنعا للاستغلال والاحتكار والإضرار بالجماعة، وأن إعطاء القانون للمستأجرين حق القرار الدائم وتحديد الأجور هو من ذلك، ولكن مع ذلك لم ير من حق المستأجر أن يأخذ الخلو، وهو عنده نوع من الاستغلال.
ونحن نرفض القول بأن للسلطان هذا التقييد لحرية المالكين، لأن هذا تغيير للشرع. والذي للسلطان أن يفعله أن يَرعى المضطرين بمال الدولة لا بأموال الأفراد.
وعليه أن يهيئ لهم من ذلك المال ما لا بد لهم منه من السكن ويضع الخطط لتيسير ذلك لهم باستصلاح الأراضي وبناء المساكن وتيسير التمليك والتأجير.
ثم ليس في إعطاء الحرية للمالك في التصرف في ملكه تقوية للاحتكار ولا تأييد له، لأن الاحتكار الممنوع أن يشتري المحتكر ما في السوق من البضاعة التي لا بد للناس منها، ثم يحتجزه عنده ليغليه على الناس، فالذي بنى عمارة ليستغلها بالتأجير بأجر المثل، أو بالأجر الحر ليس محتكرا أصلا.
стр. 4482
وأيضا فليس كل المستأجرين في البلاد التي تلزم بالامتداد القانوني لإجارة الأماكن أو بالتسعيرة الجبرية، ليسوا جميعا مضطرين، بل المضطر قسم منهم قليل، وغالبهم قادر على أن يشتري سكنا أو يستأجر إجارة حرة، لكنه في ظل التسعيرة الجبرية يفضل أن ينعم بالسكن في عقار غيره رغما عنه، بالأجرة التافهة، على أن يقوم بالبناء أو الشراء لسكن خاص. فيفقد القطاع السكني جزءا كبيرا من القدرات المالية التي كان من الممكن أن تشترك في الإنشاءات لو كان الإيجار والاستئجار خاضعا لنظام التعاقد الحر.
وأيضا فإن المالكين مواطنون، يقومون بخدمة جليلة، بتهيئة العقار وتوفيره، وليسوا دائما جبابرة ولا طواغيت، وربما كانوا فقراء ومحتاجين، وكثير منهم كما قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] بحاجة إلى ما يقوتهم ويقوم بأودهم من ثمرة عقار خلفه لهم الموروث.
وكثيرا ما يكون بعض المستأجرين لديهم خيرا منهم حالا وأوفر مالا. ومن الظلم الحيلولة بينهم وبين عقارهم يستثمرونه على الوجه الموافق للشرع.
الحالة الثالثة:
أن يأخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر لاحق:
وتنشأ هذه الحالة لأسباب:
السبب الأول:
أن يكون المستأجر الأول قد ملك منفعة الخلو بطريقة شرعية، بأن يكون قد تعاقد عليه مع المالك تعاقدا صحيحا، أو اشتراه من المالك شراء صحيحا على ما تقدم في أول الحالة الثالثة، فله أن يبيعه لغيره بما شاء من المال، قل أو كثر، ما دام شيء من مدة الخلو باقيا. ويحل لآخذ البدل ما أخذ، لأنه ملك منفعة الخلو بالتعاقد الحر الشرعي، فله أن يبيعه لمن شاء، وتجوز له فيها سائر التصرفات الشرعية (انظر الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٦٧، ٤٣٣ والزرقاني على خليل ٧/ ٥٧، والخرشي ٧/ ٧٩، ومطالب أولى النهى ٤/ ٣٧٠) .
стр. 4483
السبب الثاني:
أن لا يكون للمستأجر في المكان خلو صحيح، ولكن لا يزال له في عقد الإجارة بينه وبين المالك جزء من مدة التعاقد الأصلية التي أجراها المالك بكامل حريته دون تسعيرة إجبارية، ولا ضمن امتداد قانوني.
فإن أخذ من المستأجر اللاحق مالا مقابل إخلائه المحل له ليحل مكانه، فهذا البدل المالي الذي قد يسمى لدى العامة (خلوا) هو مشروع للآخذ والمعطي على السواء، لأنه في حقيقته بيع للمدة الباقية من المنفعة المستحقة بعقد الإجارة.
وقد ذكر الشيخ عليش المالكي هذه المسألة والتي بعدها في فتاواه (٢/ ٢٥٠) فقال: (الذي يدور عليه الجواب في ذلك أن الساكن الذي أخذ الخلو إن كان يملك منفعة الحانوت مدة فأسكنها غيره، وأخذ على ذلك مالا، فإن كان الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو الوكيل بشروطها بأجرة المثل [أي الوقف، وأما في الملك فلا يشترط] فهو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي يملكها. وأما إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة صحيحة فلا عبرة بخلوه ويؤجره الناظر لمن يشاء بأجر المثل، ويرجع دافع الدارهم على من دفعها له) .
السبب الثالث:
أن يكون المستأجر الأول ليس له في المحل خلو صحيح، على ما تبين في المسألة السابقة، وقد انتهت مدته التعاقدية، ولكن كان هو تلقى المحل ببذل مال لمستأجر قبله حتى مكنه من استئجار المحل. فهذا إن أراد أن يتخلى لغيره عن المحل فقد يأخذ منه مالا متعللا بأنه قد كان دفع للمستأجر السابق شيئا كثيرا. فهذا المال قد يسميه بعض العامة (خلوا) وليس هو من الخلو المصطلح عليه في شيء. ولا يلزم المالك أن يؤجر المحل له سواء بأجر المثل أو أقل أو أكثر، لأن المالك بعد انتهاء عقد الإيجار، حر يصنع في ملكه ما يشاء. ثم إن لم يتمكن الآخذ من إقناع المالك بتوقيع عقد مع المستأجر الجديد، فله أن يرجع على الآخذ بما دفعه له، لأنه إنما دفعه له على تحقيق مصلحة، فلم تتحقق.
أما إذا اتصل بذلك وضع قانوني معين يمنع المستأجر من أخذ الخلو من المستأجر اللاحق كان هذا القانون واجب الرعاية، لأنه يؤكد حقا شرعيا، ولأنه يمنع المستأجر من الاستغلال غير المشروع، وذلك لأن القوانين التي تعطيه حق البقاء في المكان المستأجر بعد انتهاء المدة التعاقدية قصدت – بزعم واضعيها – إلى رفع الضرر عنه، لا إلى تحكمه في حق المالك، وأكله ثمرة جهده بغير حق.
стр. 4484
حق القرار للمستأجر بسبب ماله في المكان من الأمتعة والأثاث:
إذا ثبت للمستأجر القرار في المكان المستأجر استتبع ذلك من حيث طبيعة الأمور في التعامل غالبا إمكانية حصول المستأجر على بدل الخلو. أما إن لم يثبت له حق القرار فتكون فرصته في الحصول على البدل ضئيلة جدا، لأن المالك إذا استعاد المكان، وأمكنه أن يؤجره لآخر بتعاقد حر، فإنه من حيث طبيعة الأشياء سيطلب أجر المثل أو أعلى منه، وتكون ثمرة ملكه له، وبذا يستقيم أمر العمران.
حق القرار يثبت للمستأجر في صور منها:
الصورة الأولى: يثبت للمستأجر حق القرار طيلة المدة التعاقدية بمقتضى عقد الإجارة، بشرط أن تكون الإجارة صحيحة، والمدة معلومة ولو كانت طويلة، على أن لا تزيد على خمسين أو ستين عاما كما تقدم.
الصورة الثانية: أن يكون اشترى منفعة الخلو من المالك بتعاقد عليها صريح – كما تقدم في أول الحالة الأولى – فيثبت له حق القرار إذا جرى العرف بذلك (فتاوى عليش، والعدوي على الخرشي ٧/ ٧٩) ، وحكم بيع المستأجر للخلو هنا الجواز، لكن لا بد من تعديل الحكر الذي يحصل عليه المالك عن باقي منفعة المكان ليصل إلى أجر المثل.
الصورة الثالثة: أن يكون المستأجر قد وضع في المكان أمتعته وأثاثه، فإن كان أثاثا منفصلا عن المبنى، فإذا انتهت مدة الإجارة فللمالك إن لم يشأ تجديد الإجارة له أن يأمره برفع أثاثه وتسليم المكان.
أما إن كانت الأشياء التي وضعها في المكان متصلة بالمبنى، وتفقد قيمتها – أو جزءا كبيرا من قيمتها – برفعها، فهي التي تسمى الجدك (أو: الكدك) وهو ما يحتاج إليه كثيرا أصحاب المصانع والمتاجر، فقد قيل: إنه يثبت للمستأجر بذلك حق القرار، ولم يرد هذا القول عن أحد من الفقهاء القدامى فيما نعلم في الأملاك الخاصة، بل الذين اطلعنا على كلامهم صرحوا بنفيه فيها، فلا يثبت للمستأجر بوضعها حق القرار بل يلزم المستأجر برفعها عند نهاية المدة ولو تلفت برفعها، وعليه تسوية المكان بعد قلعها وإعادته إلى ما كان عليه.
لكن استثنى من ذلك بعض الفقهاء إجارة الوقف خاصة، إن كان المستأجر قد وضع جدكه بإذن الواقف أو الناظر، ورضي المستأجر بتعديل أجرته حتى تصل إلى مقدار أجرة المثل، قالوا: لأن الوقف لا بد أن يؤجر، فإجارته لذي اليد أولى. فإن أبى يؤمر برفع جدكه وإخلاء المكان، قالوا: (إن كان للمستأجر بناء ونحوه مما يسمى الجدك أو الكردار فإذا لم يدفع أجرة المثل يؤمر برفعه وإن كان موضوعا بإذن الواقف أو أحد النظار) (١) .
стр. 4485
وهذا الذي قاله بعض أصحاب المذاهب وأخذت به بعض القوانين في شأن الأوقاف، كان سببا للاستيلاء على الأوقاف مع طول المدة، أو احتكار منافعها وحرمانها من أخذ الأموال الهائلة بدل خلوتها التي آلت إلى واضعي الأيدي عليها، وحصل الإضرار بها، وأقل ذلك ما تحمله الأوقاف من تكاليف المنازعات القضائية التي تذهب بالقليل الذي قد يتبقى من غلائها، وباء بإثمه من أفتى بذلك إن كان فعله للهوى. ولو أنهم التزموا بالقاعدة الشرعية في الإجارة الحرة من انقضاء حق المستأجر بانقضاء المدة التعاقدية لكان للأوقاف في العالم الإسلامي اليوم شأن آخر. والله المستعان. فما يأخذه المستأجرون من بدل الخلوات في الأوقاف بدعوى حق القرار المدعى في هذه الصورة الثالثة وفي رأيي من السحت الذي أكلت به حقوق الأوقاف، وأدت إلى بطلانها وانقضاء منافعها واستيلاء أهل الفساد عليها والله أعلم.
ففي رأينا أن إذن الواقف أو الناظر لا يعطي للمستأجر حق القرار ما لم ينص عليه وكان الوقف مضطرا إلى ذلك لأجل لإعماره.
أما إن لم يكن وضع الكدك بإذن صريح من الواقف أو الناظر على الوجه المتقدم (١) فقد قيل أيضا يثبت بذلك حق القرار للمستأجر. وذلك واضح البطلان.
ويمكن أن تحل مسألة الحاجة إلى استقرار المستأجر المدة التي يراها كافية لصناعته أو تجارته بطريق الإجارة الطويلة. والله أعلم.