فالمسؤولية الفردية مسئولية مقررة. والمسؤولية الجماعية تعود إلى الفردية إذا لم تنهه ولم تعاقبه، فيكون كل فرد من الجماعة سائلا ومسؤولا عن نفسه، وعن غيره. وتصير الأمة كلها أمة قد استوجبت العقاب والعذاب الشامل.
وقيل: إن أمهات الأخلاق وأصولها ومصادر بقينها أربعة: وهي (الحكمة، الشجاعة، والعفة، والعدل) .
فالحكمة: حالة للنفس، فبها يدرك الإنسان الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.
والعدل: حالة للنفس وقوة فيها تَسُوس الغضب والشهوة فتحملها على الحكمة، وتضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها.
وأما الشجاعة: فهي كون قوة منقادة للعقل، في إقامتها وإحجامها..
,إما العفة: فهي قوة تؤدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع.
فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق كلها جميلة.. ومن عدم اعتدالها تصدر الأخلاق كلها سيئة وقبيحة.. اهـ. قال الإمام الغزالي في (إحياء علوم الدين) (جـ٣/ ٥٣) :
والقول الحق الذي لا نقول غيره هو: إن الدين مصدر الأخلاق ومقيدها، لا الإنسان العادي، ولا الجماعة التي يعيش فيها، ولا الحكام البشرية.
وأن كلا من الحكمة والشجاعة والعفة والعدل كلها من الأخلاق الكريمة المؤثرة في سلوك الإنسان.
وأن الأمم البدائية ما عرفت أصول المحرمات والممنوعات إلا على لسان نبي أو رسول من عند الله، ولو لم نعرفه، لأن القرآن الكريم يدلنا على ذلك. فالله لم يترك أمة إلا وقد أرسل إليها رسولا كريما.. قد عرف لنا رسالتهم جملة من غير تفصيل. قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (١) .
стр. 4622
الفصل الثاني
قيمة الأخلاق في الإسلام
المبحث في مكانة الأخلاق الفاضلة بالنسبة للحياة ونظمها:
إن مكانة الأخلاق في نظر الإسلام مكانة مرموقة لأنها عنصر أساسي في أي عمل من أعماله، فعلا وتركا. فلا يخلو عنها عمل إسلامي مهما كان نوعه ... فللإسلام شعب تكليفية كثيرة ومتنوعة، لا يستغني واحد منها من حسن الخلق منها: شعبة العقيدة –الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.. وهذه الشعبة هي الأساس الأول ليكون الإنسان مسلما عند الله. فلا بد لصحة هذه العقيدة من صدق وأمانة.. وفي الحديث: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) رواه الطبراني وأحمد. ومنها: شعبة العبادات والتقرب إلى الله تعالى. وهذه الشعبة هي الأثر الظاهر الوحيد للصدق في الشعبة الأولى. وغذاؤها الذي يقويها وينميها، كما لا يخفى..
ومنها: شعبة نظم الحياة والمعاملات وفق ميزان العدل والحكمة.
ومنها: شعبة علاقة الإنسان بالحياة والمعيشة.
ومنها: شعبة الكون الفسيح أمام الإنسان وخلافة الأرض.
فقد أباح الإسلام للإنسان في علاقته بالحياة والمعيشة أن يتمتع بكل نعمة من نعمها على شكل لا يخرجه عن القصد والاعتدال.. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١) . وأشعر (شعبة الكون أمام الإنسان) بعبارات واضحة من حيث تسخيره له ليعمل فيه ويكدح، ويؤدي الخلافة، فالله [هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا] فسخر له الشمس والقمر، والليل والنهار والأرض الجبال، والبحار والأنهار وكل ما في الكون.. ووجه إلى البحث والنظر فيه لاستخراج أسراره وكنوزه ... ولا شك أن قوام الانتفاع بهاتين الشعبتين، وقوام الصدق في الشعب السابقة: العقيدة، والعبادة، والمعاملات إنما هو يتوقف بشعبة أخرى هي شعبة الأخلاق. لما دلت الرسالات الإلهية في جميع مراحلها المختلفة من امتناع تحقيق أي شعبة منها على وجهها الصحيح إلا بالخلق الحسن:
١- أن السعادة التي جعلت هذه الشعب سبيلا إليها لا بد إلى وصول تلك السعادة من حسن الخلق.
٢- وأن الإيمان الذي يرجع إلى مجرد العلم بوحدانية الله.. لابد لبقائه من حسن الخلق.
٣- وأن العبادة التي ترجع إلى الصور والأشكال الظاهرة لا تستغني عن حسن الخلق.
стр. 4623
٤- وأن النظم الاجتماعية والقانونية والفقهية المحفوظة في صدور الناس لا بد لها من الخلق الحسن.
٥- وأن المتعة بالحياة التي ترجع إلى إصابة لذائذها وتحصيلها لا بد لها من الخلق الحسن.
٦- وأن نظرة الإنسان إلى الكون الفسيح التي ترجع إلى مظاهره العامة لا بد لها من خلق سليم.
وهذا كله معلول: بأن انقطاع هذه الشعب في جوهرها عن شعبة الأخلاق أو انقطاع شعبة الأخلاق عنها لَمَمًا يهدم في النفوس وفي الحياة أثر الحكمة الإلهية في الإنسان على التكليف بهذه الشعب.
ومن هنا نعلم أن الخلق المطلوب لصون هذه الشعب ليس مجرد معرفة (الصدق) مثلا بأنه فضيلة فقط، و (الكذب) بأنه رذيلة. و (الإخلاص) بأنه سمو، و (الخيانة) بأنها انحطاط. ولا هو مجرد الحديث فيما بين الناس من ذلك ... وإنما الخلق الفاضل هو انفعال النفس وتأثيرها بما ينبغي أن يفعل فيفعل، وبما لا ينبغي أن يحصل فيترك.
فالخلق بهذا المعني [هو صمام تلك الشعوب، والمعتصم الذي يعتصم به كل من أراد أن يكون مسلما] فالعقيدة بلا خلق كشجرة بلا ظل ولا ثمر.. والخلق بدون عقيدة كظل لشبح غير مستقر.
ومن هنا كانت عناية الإسلام بالخلق عناية تفوق كل عناية حتى وصلت عند رسول الله ﷺ أنها من متعلقات الرسالة حيث يقول ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) رواه الإمام مالك في الموطأ وأحمد والبيهقي. وقد كثرت توصياته بها حتى قال: ((أثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق)) أبو داود والترمذي وصححه. حتى وصف الخلق بأنه هو الدين، ففي الحديث: ((أن رجلا جاء إليه ذات يوم، وقف أمامه ﷺ فسأله: ما الدين يا رسول الله؟ فقال ﷺ : (حسن الخلق) ثم جاءه من قبل يمينه فسأله نفس السؤال الأول، فأجاب: بأنه حسن الخلق. ثم من الشمال ومن الخلف والسؤال واحد والجواب واحد)) . رواه: محمد بن نصر المروزي.
وقيل له ﷺ : إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق، تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: ((لا خير فيها أنها في النار)) رواه: ابن حبان والحاكم وصححه.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وقال ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)) رواه: أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم (الإحياء) .
стр. 4624
فالأخلاق الفاضلة هي ميزة الإنسان الكامل في أمته وهي من صفات سيدنا محمد –﵊ فقد قال الله تعالى: في حسن سلوكه وسجيته: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) . وكان ذلك برحمة من الله ورعاية منه وحده، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) .
وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) .
فحقا كان ﷺ كما وصفه الله صاحب الخلق العظيم. متخلقا بكل خلق كريم ومبتعدا عن كل وصف ذميم، فكان أمين الأمة، وأرحم الناس للناس وأنصحهم، وأفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، قبل النبوة وبعدها. بشهادة زوجته أم المؤمنين خديجة –﵂ حين قالت له: (كلا والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق) .
ولا شك أن الأخلاق الفاضلة هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم وتقدمها في ميادين الحياة.. فهي عنصر ضروري للفرد. لصالح نفسه، وللمجتمع في جملته.. فكما يضر الفرد ويفسد أعماله أن يكون كذابا مرائيا حسودا شريرا ماكرا إلخ.. فكذلك تفسد الجماعة شيوعها في آحادها..
فالإنسان لا يحفظ إنسانيته عن الانحطاط إلا بالأخلاق الفاضلة، والأمة لا تحفظ كيانها عن التحلل والاضمحلال إلا بها.
ولهذا اتجهت عناية بعض الفلاسفة والمشرعين العاملين على إنهاض الجماعات الأوربية –في أول الأمر- إلى الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، لأنها هي الدعامة الأولى في بناء كل مجتمع سليم.. قال الفيلسوف (شاتوبريان) : (الأخلاق أساس كل مجتمع) (٤) . ولكنهم ما طبقوا على ذلك بل عكسوا الأمر كله، فقتلوا كل فضيلة وأقبروها، وفسحوا كل رذيلة ونشروها، مع اعترافهم بأن الأخلاق الفاضلة فيها كمال الإنسان وسعادة المجتمع. كما أن الأخلاق السيئة فيها انهيار الإنسان وخراب الأمة. فماتت الفضيلة لدى تلك الأمم في مهدها لأنهم ما أخذوها من مصدرها الأصيل، فما عرفوها حق معرفتها. وما راعوها حق رعايتها. وما قدروها حق قدرها.. فغيروها وبدلوها كبدلهم (الإحسان) بالضريبة..
стр. 4625
وإن الأخلاق الفاضلة في نظر الإسلام إنما هي تفجير للطاقة في طريقها الصحيح. سواء كانت الطاقة علمية أو عقلية، أو روحية، أو نفسية، أو جسدية. فلا تعطيل لطاقة منها: فالعلم فريضة، ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) البخاري وابن ماجه. والتفكير فرض ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (١) . والصفاء الروحي فريضة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢) .والتخلق بالخلق الفطرية فريضة. قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣) وتدريب الجسم فريضة مقدسة قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٤)
والزواج أفضل من التفرغ للعبادة. ففي الحديث ((لا رهبانية في الإسلام)) . ((ومن استطاع منكم الباءة فليتزوج)) رواه الجماعة.
وإن كثير من أخلاق النفس تموت لعدم تنميتها.. فترتقي الأخلاق الفاضلة عند الإسلام، من الحنان إلى الكرم.. إلى الحلم.. إلى الرحمة.. إلى اللطف.. فهكذا كل خلق في النفس ينمي تنمية صحيحة. وإن الأمراض الخلقية النفسية –كالحسد والغل والكبر تجتث اجتثاثا عند الإسلام.
وإن الإنسان يحقق بخلقه الإسلامية حكمة وجوده، فيكون سيد الكون وعبدا لخالقه. فالأخلاق تجعل الإنسان إنسانا يؤدي كل ذي حق حقه، فيكون في وضعه السليم..
ومن أجل هذا صاغ الله تعالى جوانب الحياة الإنسانية صياغة أخلاقية. كالجانب النظري، والعقلي، والعقائدي، والعبادي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي.. فصيغ كلها بشكل متكامل ومتناسق..
فالأخلاق إذا هي الميزان الذي يوزن به صفة الإنسانية عند البشر فمن أخذ حظا وافرا منها كان الإنسان الكامل، ومن قل حظه منها كان إنسان قليل الفائدة كثير الضرر.
стр. 4626
ومن لم يأخذ منها شيئا كان كالحيوان المفترس.. لأن الإنسان إذا لم يتخلق بالأخلاق الفاضلة فلابد أن يكون شريرا أو بهيميا. فإن كان يغلب عليه الجانب البهيمي فيجري وراء الشهوات والملذات.. وإن كان يغلب عليه مزاجه الجانب الشيطاني دبر المكائد وفرق بين الأحبة.. وإن كان عصبيا جعل همه العلو في الأرض والفساد. وعلى كل حال فمكانة الأخلاق الفاضلة مكانة عظيمة، حيث لا يستغني عنها من أعمال الإنسان، مهما كانت نوعيته. سواء كان عملا فرديا كالعبادات، أو جماعيا كالمعاملات.. دنيويا كان أو أخرويا.. قوليا كان أو فعليا.. فلا إيمان لمن لا خلق له، ولا دين لمن لا أمانة له.. ولا عز ولا شرف ولا كرامة ولا وجود لأمة لا خُلق لأفرادها.
قال الشاعر الحكيم:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وإن الحكم في حسنها وسيئها من الله. وتبيينها من الرسل الكرام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقال ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) رواه الإمام مالك وأحمد والبيهقي وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة.
وفي الحديث أنه ﷺ قال: ((حسنوا أخلاقكم)) . رواه بكر بن لال في (مكارم الأخلاق) انظر الإحياء جـ٣ ص٤٨.
وقد علمنا بفعله وقوله ﷺ أن كلا من الصدق والأمانة، والوفاء والإخلاص وأدب الحديث، وسلامة الصدر من الأحقاد، وقوة العزيمة، والحلم والأناة والقصد والعفة والطهارة والحياء، والعدل والسخاوة، والإخاء ... علمنا كلها أنها حسنة وإنها من مكارم الأخلاق. فأرشدنا إلى التخلق بها.
وكذلك علمنا ﷺ أن كلا من الكذب والخيانة، والخلف والنفاق والبذاءة والحقد والميوعة والإسراف والشره والفحش والخلاعة، والظلم والبخل، والبغضاء.. وغيرها من الخصال الخبيثة. علمنا كلها أنها من سيئات الأخلاق فحذرنا منها بما سنذكره في الفصل الثالث من هذا البحث –إن شاء الله-.
стр. 4627
المبحث الثاني
في مقاصد الأخلاق الفاضلة
إن للأخلاق الفاضلة مقاصد هامة. منها: (حفظ اللسان، والدين، والعقل، والعرض، والمال، وأداء المسؤولية..)
١- فلا يحفظ الإنسان نفسه ولا نفوس إخوته من الناس إلا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وأصلح نفسه ونفوس الآخرين ممن في كنفه من أهل وأولاد وأصحاب، ونصح قومه: لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإذا لم يحب الإنسان لمن يعيش معه ما يحب لنفسه، ولم يكره له ما يكره لنفسه، فلا تسلم نفسه من غائلة.. وإذا لم يصلح نفسه وأهله لا بد أن يصبح فريسة لكل فساد.. وإذا لم ينصح مجتمعه ولم يأخذ يد العابث فلا بد أن يهلك مع الهالكين..
٢- ولا يحفظ الإنسان دينه من الضياع إلا إذا تحلت نفسه بمحافظة أعضائه وأعصابه على أداء ما أوجبه الله عليه باستقامة وإخلاص.. وإلا إذا تخلي عن جميع المخالفات من الأذى والخلف والخيانة والكذب والزنا والفحشاء والمنكر وسوء المعاملة فليحفظ الإنسان دينه –إسلامه- وإيمانه حرم الأذى. والخيانة والزنا لقوله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) . متفق عليه.
ولقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) رواه: البخاري ومسلم والنسائي.
стр. 4628
ولحفظ الدين والعقيدة أوجب الله على الإنسان العاقل محافظة أركانه العملية، بإخلاص ومراقبة.. وحرم النفاق والكفر والفسوق والعصيان.. فالإيمان لا يبقي بغير عمل متطلباته العملية من عبادات صحيحة وأعمال صالحة.. والعمل الصالح لا يستقيم بغير إخلاص واستقامة.
٣- ولا يحفظ الإنسان عقله إلا إذا احتفظ نفسه عن تعاطي الخمور والمخدرات والملاهي.. فالعلم المجرد عن العقيدة والخلق لا يقدر أن يحفظ عقول الناس كما هو الواقع اليوم. حيث تري وتسمع التقدم العلمي الهائل في ميادين الحياة ولكنك تجد العلم في جانب، والواقع في جانب آخر، فالعلم يقول: إن الخمر مضرة والواقع يقول: إنها مباحة.. والعلم يقول: إن الزنا مفسد وليس لصالح الجنس البشري
، والواقع يقول: إنه مباح.. وتري وتسمع الأكاذيب تنشر في المجلات والصحف والإذاعات بدون حساب فيساء إلى العقل في الحالتين: حين يفرض عليه أن يكتب أو يقرأ أو يسمع هذا فعليا وحين يفرض عليه أن يصدق هذا واقعيا.. فقد ظهرت نتيجة تضليل العقول وتغطية بصائرها بتراكم تلك الترهات على أفكارها قلة الذكاء، والإرهاق العصبي والعقلي، فالإحصائيات اليوم تثبت أن نسبة الذكاء في العالم قد تناقصت تناقصا هائلا، وأن الأمراض العقلية قد ارتفعت ارتفاعا مذهلا. يقول خبير أخصائي معاصر: (من الحقائق أن نصف عدد الأسرة في مستشفياتنا اليوم يشغلها أناس يثقلهم الإرهاق العصبي والعقلي) .
وقال غيره (١) : (إن شخصا من كل (٢٢) شخصا من سكان (نيويورك) يجب إدخاله إحدى مستشفيات الأمراض العقلية بين آن وآخر) .
стр. 4629
٤- ولا يحفظ الإنسان (عرضه) وشرفه إلا إذا حفظ أعراض غيره وتدرع هو وأهله بدروع العفة والصيانة من تربية صحيحة، ورعاية، ومراقبة، ومعاشرة سليمة، وستر وإكرام ...
ففي الحديث قوله ﷺ : ((عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم)) .
وقال ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن..)) رواه: البخاري ومسلم والنسائي.
ولصيانة العرض شرع الله النكاح بتراض بين الطرفين مع حسن اختيار رفيق الحياة من كليهما قبل إبرام العقد. فالمعاشرة بمعروف حين قسم الحقوق بينهما حتى تثمر المحبة والمودة والسكن بينهما..
فإن جاء خلل فيما بينهما فلا بد من التريث والتؤدة والتشاور، فإذا انفصم الحبل بينهما وخيف من أضرار تصيب العرض والشرف ففي شرعه الحكيم: الطلاق، ثم الطلاق، ثم الطلاق بإحسان.
ولصيانة العرض أوجب الله التستر والعفة والعفاف والرعاية، وحرم السفاح ومقدماته ومهيجاته فأوجب الحد والتعزير..
стр. 4630
٥- ولا يقدر أحد أن يحفظ ثروته المالية عن الخسارة والضياع إلا إذا حفظها في حرزها عن تلاعب أيدي السفهاء، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١) . وإلا إذا أدى الحقوق التي فيها إلى أهلها من فقير وغريم، وعامل ومجاهد، وإلا إذا حفظها عن التطفيف والسرف والتبذير، والقمار، والميسر..
وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (٣)
فوفاء الكيل والميزان عند التبادل واجب شرعي والتطفيف والبخس والغرر الفاحش والغصب والسرقة والتلاعب به حرام والصيانة والحفظ في الحرز من واجبات المالك؛ لأن المال شقيق الروح.
ولحفظه حرم الله السرقة والغصب.. فأوجب قطع يد السارق قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٤)
٦- ولا يقدر أحد أداء مسؤوليته –الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية، الفردية والجماعية، النفسية والعقلية والمالية، الشخصية والأسرية والشعبية، في منزله وفي مكتبه، وفي الشارع والنادي ... لا يقدر أحد من أداء تلك المسؤولية المتنوعة إلا إذا عرفها، وعرف قدرها، ومارسها بجد وإخلاص مع احترامه وتقديره ما للآخرين من حقوق.
ومن هذا تعلم: أن مقاصد الأخلاق الفاضلة مقاصد أساسية للكيان البشري وضرورياته وحاجياته، من (نفس وعقل، ودين، ومال، وعرض وشرف وكرامة في فرده، وأسرته، ومجتمعه، وأمته) .
لأن النفس البشرية لا تحيا إلا إذا كان لها: (حياة وعقل ودين ومال وشرف) : حياة تظهر وجودها وعقل تعقل به الخير والشر؛ ودين يحدد لها الأصلح والأسلم وغيره ويوضح لها الطريقين: طريق الخير وطريق الشر؛ ومال تحفظ به وجودها من غائلة الجوع والعطش، والحر والبرد، وتستعين به لبلوغ كل مقصد مطلوب، وتدافع به عنها كل ضرر.. وعرض يتشرف به ويؤهله من أن يستحق المسؤولية والخلافة ويستمد من الشعور به والاعتزاز به القوة والمنعة والشجاعة في الخوض في معترك الحياة.
لأن من لم يكن له عرض مصون وشرف يفتخر به فهو كالحيوان العجم لا يكون له حافز لحفظ شيء، فهو كالأنعام بل هو أضل سبيلا..
стр. 4631
الفصل الثالث
في الأخلاق وأنواعها
تمهيد: في الأخلاق والنفوس البشرية وقابليتها:
إذا أردنا أن نبحث أخلاق الإنسان من حيث أنواعها وأقسامها وتأثيرها في سلوك الفرد والجماعة، ومن حيث مكانتها وغايتها.. فلا بد أن نلاحظ أولا: إلى ما أودع الله في الإنسان من غرائز وميول، وما أسنده إليه من تكاليف.. ليتبين لنا مدى أهمية الأخلاق في السلوك.
فلكل مخلوق في الأرض طابعه وعاداته، فللحيوان الأعجم عاداته وطبائعه، وللإنسان العاقل عاداته وأخلاقه.. فعادات الحيوان قليلة ومحدودة لضآلة مبلغ علمه، وقدرته وإرادته، بخلاف الإنسان، فقد أوتي من العلم والإرادة والقدرة والبيان والكمال الجسدي ما لم يؤتَ غيره، ولذا كانت دائرة عادته وأخلاقه كثيرة جدا..
وإذا لاحظنا تلك الأخلاق نجد بعضها يشترك فيه كثير من الناس، وبعضها يختص به أناس، وبعض منها قريب القبول من الناس وبعضها بعيد القبول.. وبعض منها يقبله العقل السليم والذوق المستقيم. وبعض منها يرفضه ويأباه.. وبعضها يتفق مع سنن الكون، وبعضها يختلف معه تماما.. وبعضها حسن يجتمع الناس على حسنه، وبعضها سيء يتفقون على فحشه وقبحه، وبعضها يتنازعون فيه، وبعضها ثابت، وبعضها متغير.. فبعض من الناس مفكرون وبعضهم مقلدون وبعضهم شهوانيون، وبعضهم أنانيون. إلخ..
ومنهم من عنده استعداد لنوع من السلوك، ومن عنده استعداد لنوع آخر، ومنهم من توصل بتجربته إلى نوع معين من الأخلاق.. وقد قيل: إن أهل البلاد الحارة أكثر كسلا.. وإن أهل البلاد الباردة أكثر هدوءا.. وإن أخلاق النباتيين تختلف عن أخلاق أكلة اللحوم (الإسلام لسعيد حوى ص: ٩٧، ٩٨) .
وهذه الأخلاق منها الحسن والسيئ والطيب والكريم والخبيث واللئيم. فالكذب خلق سيء، وكذلك الغش والخيانة.. والصدق خلق كريم، وكذلك الإخلاص والعفة..
فمن الذي يصدر الحكم على كل خلق بأنه حسن أو قبيح؛ هل يستقل العقل البشري بالحكم؟ أو التجربة الطويلة..؟ أو الله الذي هو أحكم الحاكمين..؟
لا ريب أن العقل السليم لو فكر تفكيرا سليما أنه يصل إلى أحكام صحيحة في الحكم على بعض الأخلاق.. كالتسويف بإنجاز الواجبات.. ولكن العقل والتجربة لا يصلحان للحكم على جميع الأخلاق ألبتة.. لأن أحكامها ليست أحكاما قطعية للأسباب التالية:
стр. 4632
١-لأن العقل البشري ليس محيطا على كل عمل ونتائجه فيصدر أحكاما على كل شيء.
٢-وأن بعض الأخلاق يصعب عليه ترجيح أحد جانبي الخير والشر في الحكم عليها.
٣-وأن نتائج التجربة قد لا تظهر إلا بعد مدة طويلة في كثير من الأخلاق.
٤-وأن شهوات الإنسان وأهواءه يؤثران على الحكم أحيانا.
٥-وأن عقول البشر تتفاوت، وتجاربهم تتغاير، فلا يتفقون على تحسين سيء أو تقبيحه.
٦-ولأن كثيرا من الأخلاق تبدو كأنها سيئة.. فما فيه مصلحة لواحد قد تكون فيه مفسدة للآخرين، وبالعكس.
ومن ثم جعل الله سبحانه أمر إصدار الحكم بتحسين الحسن وتقبيح القبيح إليه وحده، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) . وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢) لأن الله وحده هو الذي يحيط كل شيء علما. وهو الحكيم الخبير المنزه عن الخطأ، وهو الغني عن خلقه، وهو خالق الإنسان وفعله، فليس لغيره حق الحكم على الإنسان وأخلاقه. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) .
فالله وحده هو الذي يحكم سلوك الإنسان بأنه حسن أو قبيح، وهو الذي يزكيه كما بين في كتابه العزيز، حيث حكم خلق نبيه بالعظمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) ، ولذا قال ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [الإمام مالك وأحمد والبيهقي] .
ومن التتبع في أشكال الأخلاق وآثارها المختلفة نعلم أن نقسمها قسمين:
فالأخلاق من حيث الخير والشر قسمان: فضائل ورذائل، أو محاسن ومفاسد. فالأخلاق الفاضلة هي الأصل في سلوك العاقل المتوازن النزعات والميول، المؤمن المتفكر، الواعي من أين أتي، وإلى أين ينتهي وماذا عليه من حقوق ...
وأما الرذائل: فهي حوادث تأتي من عدم التوازن، أو من عدم الإيمان، أو من عدم التفكير السليم.. والتقليد الأعمى.. أو من هواة النفس.
стр. 4633
المبحث الأول
في أهم الأخلاق الفاضلة
هناك أخلاق أساسية هي بمثابة الأصول، وأخرى تعتبر فروعا من الأصول فقد قيل:
أن أصول الأخلاق وأمهاتها أربعة: هي الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.. فمن لم يتصف بهذه الأربعة ولم يتخلق بها فهو في خسارة في كل عمل يمارسه.. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾ (١)
١-فالإيمان: يشتمل على جوانب العقيدة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.. إلخ فهذا الإيمان هو الحافز الأساسي لطلب كل سلاح نفسي ومالي، ولممارسة كل عمل صالح، كما هو الوازع الأساسي عن فعل كل عمل فاسد، في نفسه، أو مجتمعه في الحال. أو المآل.. فلذا قال ﷺ ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) رواه الطبري وأحمد.
٢-والعمل الصالح: يشتمل كل عمل مثمر في هذه الدنيا –كزرع المأكولات الأساسية والصناعات المفيدة –ومثمر في الدار الآخرة- كأداء الصلوات- ومثمر فيهما –كإصلاح ذات البين- مع مراعاة آداب كل. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢)
٣- والتواصي بالحق: يتضمن كلا من النصيحة، والأمر والنهي، والدعوة إلى كل خير، والمنع من كل شر.. فردي، وعائلي وشعبي.. دنيوي وأخروي..
٤- والتواصي بالصبر: يشمل الأمر على أداء المسؤولية الحقة وأدائها، والصبر على مشقة كل عمل صالح وعن كل ما تشتاق إليه نفسه من كل ما يعود عليها أو على المجتمع بالضرر ولو بعد حين.
وفي الحديث قوله ﷺ : ((الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم..)) [رواه مسلم] .
٥- ومن الأخلاق الكريمة الرئيسية: الإخلاص في كل عمل، قولي أو فعلي، فردي أو جماعي، فهو خلق كريم وشامل، يشجع الإنسان إلى إتقان العمل. ويقيه من الرياء والسمعة.. فيعيش في هذه الدنيا حياة طيبة ومطمئنة.. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)
стр. 4634
٦- والاستقامة بإصلاح النفس: خلق شامل في كل عمل يعمله الإنسان سواء كان العمل دنيويا أو أخرويا وصاحب هذا الخلق فائز، وآمن مطمئن في بحبوحة عيش.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (٢) . وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٣) .
٧- والصدق: خلق كريم يدخل في كل باب من أبواب العمل، فهو الصدق في كل قول يقوله الإنسان: منشئا أو مخبرا أو ناقلا. عن نفسه، أو عن غيره ... قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٥)
٨- والأمانة: تشمل حفظ جميع الأمانات من نفس، ومال، وعرض، ودين، وشهادة حق، وقوة وعقل وعلم وعضو.. وجميع المواهب.. وهي فضيلة خلقية يستحق الإنسان بها الثواب الجزيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٦) . ومن لا أمانة له لا إيمان له. فعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) ) [رواه الطبراني وأحمد] .
٩- والعفة: هي خلق كريم يشمل العفة عما في أيدي الناس مما لا حق له، وعن الزنا ومقدماته وعن القذف ودواعيه وعن الفسوق ومظانه وعن السرقة وسبلها، وهي منقبة عظيمة تدعو وتؤهل صاحبها للرفعة والسؤدد، والطمأنينة النفسية ويستحق المجتمع الذي سادت في أفراده الأمن والاحترام والشرف والمحافظة والرعاية كما تنعدم فيه –أو تقل- الجرائم والمشاكل الجنسية والعائلية.
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (٧) . وقال في الحديث: ((عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم)) .
стр. 4635
١٠- ومنها: الوفاء وهو خلق رفيع يشمل وفاء العهود والعقود، كما يشمل مراعاة الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه.. بين الأفراد، والأسر، والأمة وبين العمال وأرباب العمل، وبين الموظفين وأصحاب الوظائف..
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢) . وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٣) .
١١- ومنها الإحسان: فهو الإحسان في العمل –إتقانه- والإنفاق بالمال في المحتاجين وفي المشاريع الخيرية.. وهو باب واسع وعريق في خلق المسلم. وقد ذكر في القرآن كثيرا.. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٤) . وقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) .
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٦) . وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٧) .
١٢- ومنها: التعاون: وهو يشتمل على التعاون بأداء الأعمال الواجبة والخيرية والتعاون بسد المشاكل وإزالتها وجلب المصالح.. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٨) .
١٣- ومنها: النصيحة: فالنصيحة هي خلق كريم ورفيع. وفي الحديث الشريف: ((الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . [رواة مسلم] .
١٤- ومنها: الجد وهو ضد الهزل، واللهو واللعب وضد الكسل والتكاسل.. وهو الحافز الثاني بعد الإيمان لعمل كل ما يصلح ودفع كل ما يضر.. وفي الحديث قال ﷺ : ((اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) [رواه الحاكم والبيهقي] .
وفي حديث آخر: أن النبي ﷺ قال: ((بادروا بالأعمال سبعا. هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غني مطغيا، أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)) . [رواه الترمذي وابن حبان] .
стр. 4636
١٥- ومنها البر وهو خلق شامل يشمل الإيمان بجميع أركانه، والأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وصدقة وصلة، ووفاء عهد وصبر ومجاهدة، وصدق. وكل خلق كريم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) .
وفي الحديث: ((البر حسن الخلق)) [رواه مسلم والترمذي] .
١٦- ومنها العدل وهو خلق عميم فليس مقصورا بالحكم بين المتخاصمين في المحاكم كما هو المتبادر، بل هو أعم من هذا فيدخل فيه العدل بين الأولاد والأخوة، وبين الزوجات والخدم وبين أرباب العمل والعمال وبين القريب والبعيد، وبين الغني والفقير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) وفي الحديث قوله ﷺ : ((اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم..)) [رواه أصحاب السنن وأحمد وابن حبان] .
١٧- ومنها الأمن والسلامة منه. فالسلامة خلق أصيل فمنه اسم الإسلام ... وفي الحديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه)) . [متفق عليه] . وزاد الترمذي: ((والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) . وزاد البيهقي: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله)) .
١٨-ومنها: الحياء – وهو من صميم ديننا الإسلامي ففي الحديث: أن النبي ﷺ قال: ((أن لكل خلقا وخلق الإسلام الحياء)) [رواه الإمام مالك في الموطأ وابن ماجه في سننه] .
والحياء والإيمان قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر. ففي الحديث. ((الحياء والإيمان قرناء جميعا. فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)) [رواه الحاكم] وما ذلك إلا أنه شعبة من الإيمان كما في الحديث الذي رواه البخاري ((والحياء شعبة من الإيمان)) . وفي الحديث الآخر: ((الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار)) [رواه أحمد] وهو لا يأتي إلا بخير. كما رواه البخاري ومسلم. فهو خلق ضروري لحفظ إيمان المرء ومروءته..
стр. 4637
المبحث الثاني
في أهم الأخلاق الفاسدة الأساسية
أن من أهم مفاسد الأخلاق الفتاكة المنتشرة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ما يلي:
١-النفاق: هو ضد الإخلاص. وهو فعل قلبي يفسد جميع الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، لأن صاحب النفاق شخص انطفأ نور قلبه. فلا يري في الأخلاق الفاضلة فضلا ولا في الأعمال الصالحة صلاحا. فالمنافق هو شخص يظهر خلاف ما يبطنه، وهو فاشل في كل عمل، وهو فاسد النية ومفسد.. وفاقد الإيمان وعديم الثقة.
يظهر نفاقه في قوله وفعله، في حديثه ووعده ومخاصمته.. ففي الحديث الصحيح ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) متفق عليه.
فالنفاق إيمانه وعمله، فلا بركة في عمله في هذه الدنيا والدار الآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ . (١)
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)) . متفق عليه.
فالمنافق إنسان غير موثوق به عند غيره، وغير واثق بنفسه ولا بعمله، لأنه مذبذب بين أهل الحق وبين أهل الباطل، فهو دائما في خيانة وخديعة، وقوله كذب وافتراء ومخاصمته فجور وثرثرة، وهو مخلف الوعد، وغادر للمعاهدة، فلذا استحق أشد الوعيد من الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٢) وإن هذا الخلق الفاسد خلق قديم فتاك اليم، فليحذر المسلمون من التخلق به. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . (٣)
стр. 4638
٢- ومنها الكذب: فالكذب مفسدة خلقية خطيرة انتشرت في مجتمعنا الحاضر في جميع طبقاته في كافة الميادين. فانعدمت الثقة بين المتعاملين إلا ما قل وندر، فالكذب ضد الصدق.. وصاحب الكذب شخص ساقط في نظر الشريعة القيمة ومجرم يستحق التأنيب والتأديب. لأنه مسيء لنفسه ولدينه ولمجتمعه فالكذب يأتي من عدم العقيدة الراسخة ومن عدم الإيمان بعلام الغيوب وبالحساب والجزاء. ومن عدم الضمير الحي الذي يقدر نتائج الأقوال والأفعال في المحال والمآل. ومن عدم الاحترام لنفسه وأهله ومجتمعه والشريعة، والقانون والأخلاق كلية والكذب مفسدة أخلاقية تفسد في وقت قصير ما لا تفسده الأمراض الخطيرة في النفوس..
وفي الحديث ((المتبايعان إذا صدقا ونصحا بورك لها في بيعهما وإذا كتما وكذب نزعت بركة بيعهما)) . متفق عليه.
ولا يكون المؤمن كذابا، ففي الحديث: ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)) رواه الإمام أحمد. وقد سئل النبي ﷺ فقيل له: ((أيكون المؤمن جبانا قال: نعم. قيل أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم. قيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال ﷺ : لا.)) رواه الإمام.
فالكذب والإيمان لا يجتمعان في شخص لأن الكذب يهدي إلى الفجور والشقاق وعدم الإيمان.. كما في الحديث الصحيح.
فلابد للمؤمن أن يتقي عن الكذب حتى إذا مزح..
٣- منها الخيانة: وهي مفسدة خلقية خبيثة، تفسد الأمانة بين المتآمنين.. وهي تشمل كل فعل يخالف ما تعاهد الإنسان مع غيره، أو أخذ ما ائتمن عليه من مال أو منفعة أو عرض، أو تضييع شيء من ذلك، فهي مفسدة قديمة..
وقد فشت هذه المفسدة في مجتمعنا الحاضر، في كل درب من دروب الحياة بين رب البيت وأسرته، والراعي ورعيته، إلا النزر القليل فأفسدت كل شيء، وكل أمانة وكل علاقة، وكل سلوك وكل خلق.
وهي من علامات النفاق كما سبق.. وهي كثيرا ما تأتي من عدم الإيمان بالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ومن عدم الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين الشهود الذين يعلمون كل ما يفعله الإنسان أو يقوله. ومن عدم الإيمان بالكتاب وما تضمنه من وعد ووعيد لكل إنسان على فعله وقوله. ومن عدم الضمير الحي الذي يقدر نتائج الأعمال.. ومن عدم احترام نفسه ونفس من يخونه هو من فرد ومجتمع.
стр. 4639
ومن عدم التقدير والمقارنة بين ما يستفيد من خيانته من متعة قليلة وبين ما ينتج منها من عار وعقاب أليم.. وفي الحديث عن أنس ابن مالك وعبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: ((تقبلوا إلى بست أتقبل لكم بالجنة، قالوا: وما هن قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد لا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم)) . [رواه الحاكم بإسناد صحيح وبإسناد أخر فيه مقال]
قال تعالى ناهيا عن الخيانة وعاقبتها الوخيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وفي الحديث المرفوع الذي رواه عنه ﷺ كل من أبي أمامة وسعد ابن أبي وقاص، وابن عمر ﵁ أنه قال: ((كل خصلة يطبع أو ينطوي عليها المسلم إلا الخيانة والكذب)) . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وابن عدي في كامله. والدارقطني في العلل كما في (الأحياء٣/١٣٢)
٤- ومنها النميمة: وهي ضد النصيحة والصلح والإصلاح وهي نقل كلام بعض لبعض على سبيل الإفساد. أو خلق معايب لبعض ونقلها إلى بعض أخر فهي مفسدة سلوكية خطيرة تفسد المحبة والمودة بين الناس، وتقطع العلاقات وتغري بالعداوة والبغضاء. ونقصد منها ما يشمل كل من النميمة والغيبة والبهتان والافتراء بجميع أنواعها وهي مفسدة خلقية خبيثة وقديمة.
وقد فشت هذه الظاهرة بصورة مذهلة في مجتمعات عصرنا بصفة عامة، وفي مجتمعنا الإسلامي بصفة خاصة حتى عمت وطمت. فأفسدت جميع العلاقات التي بين المرء وزوجة والوالد وولده، والإخوة والأخوات وبين العامل وأرباب العمل.. وبين الحاكم والمحكوم والدولة والدولة.. والشعب والشعب الآخر، والأبيض والأسود..
والنميمة قد تأتي من حقد دفين وحسد كمين في نفسية النمام سواء كان ذلك الحقد كان نتيجة ذنب سابق أم لا. وقد تأتي من توقع غرض ما من عمله هذا وقد تأتي من إغراء طرف أخر.. وقد تأتي من جهل ولآمة أو عصبية أو أنانية.
عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلي. قال: المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبراء العيب)) . رواه الإمام أحمد وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((أن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره)) . متفق عليه.
стр. 4640
وفي حديث حذيفة ﵁ قوله ﷺ : ((لا يدخل الجنة نمام)) متفق عليه.
٥-ومنها: اتباع هوى النفس وشهواتها والجري وراء ملذاتها.
أن اتباع هوى النفس مفسدة خطيرة قد عمت وطمت، فأثرت في سلوك الأفراد.. والانقياد لهوى النفس يأتي من قبل الرغبات والشهوات فيؤثر السلوك والتفكير في شؤون الحياة. فيختار تابع الهوى المصلحة الخاصة الموهومة بتزيين من نفسه.. فيضر غيره بتشبيع رغباته وشهواته أن لم يضر نفسه في عاقبة أمره، فالهوى مفسده للنظام الطبيعي في حياة الإنسان. والانقياد للهوى مفسدة خطيرة لحياة الإنسان وعقله.. لأن الإنسان يعيش في حياته وسط تيارات شتى من النزاعات والشهوات التي تأتي من قبل نفسه.. وكثيرا ما يختار لنفسه ما يظن أن المصلحة فيه لها خاصة. ولو كان فيه ضرر بالغ لغيره أو لنفسه في عاقبة الأمر، فلا يهمه أن تكون أعماله سيئة ما دامت تشبع رغباته وأهواءه.
أن من أهم أهداف الإسلام مواجهة تلك الرغبات والأهواء، والحيلولة بينه وبين الانقياد لها، حفظا لتوازن الميول، وتحقيقا لإبقاء الحق في كفته. قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (١) .
فالهوى يشوش نظام ميول الإنسان المرتب المتناسق المتوازي فيختل التوازن واتباع الهوى يصرف الإنسان عن حقائق هذه الحياة وما خلق له إلى الأوهام التي تسد سبيل الحق. مثل أوهام الجنس والأنانية وحب التملك، والشره واللهو فلا يستجيب الحق فيهتدي به، بل يتمادى في ضلاله وطغيانه قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) .
وإن من أهم أسباب اتباع الهوى في هذه الحياة: ضعف أصيل في النفس. ونقص كبير في العقل المعرفة.
وكثرة المثيرات الجنسية والملاهي المعمية وحب المادة المطغية.. والتقليد الأعمى.
فالهوى يملك على العقل فيمنعه من الإدراك والتذكر والتفكر.. وتحوم نفسه حول نقطة واحدة.. فمنظر الهوى مخالف عن منطق العقل السليم فيضل الإنسان بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (٣) وقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (٤) .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥)
стр. 4641
وإن أكثر أسباب اتباع الهوى في هذه الحياة –قديما وحديثا- هو ضعف في النفوس، ونقص في المعرفة.. وإغراء من المترفين.
ولذا ترى الهوى قد ملك عقل الإنسان –لاسيما عقل إنسان هذا العصر - فلا يدرك ولا يتذكر ولا يفكر.. بل تحوم نفسه حول نقطة واحدة. فمنطق الهوى مخالف عن منطق العقل.. فالهوى يضل الإنسان بغير علم كما هو دأب أكثر الناس في كل وقت –إلا ما شاء الله- قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أن رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ . (١)
وقال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (٣)
ومنها: السفور والجري وراء المادة تحت متطلبات الغرائز الجنسية، والأنانية، وحب التملك بغير تحديد.. والسفور هو الخروج عن الحشمة والحياء وهو التملص عن مراعاة المسؤولية عن السلوك، وهو عدو أو ضد للعفة والصيانة والشرف والمروءة..وفي هذا السلوك مفسدة عظيمة لا حد لها. لأنها تجرد الإنسان عن الأخلاق الفاضلة سواء كانت إنسانية محضة أو إسلامية.. وقد فشت تلك الظاهرة في عالمنا الإسلامي.
وهي ظاهرة خبيثة وقديمة قد استأصلها الإسلام بتوجيهاته وتحذيراته وحدوده وتعزيراته في أول عهده، فكان من سولت نفسه أن يفعل نوعا ما من السفور، كان شخصا لا قيمة له في مجتمعه، فكان يلقي من الحد أو التعزير أو الغرامة ما يزجره.
روي أن الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يخشى من فتنة التبرج إذ كان يتعسس ذات ليلة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج. فقال: أما في عهد عمر فلا. واستدعي نصرا في الصباح فإذا هو من أجمل الناس وجها، فأمر بحلق شعره، ثم نفاه إلى بادية الشام. (انظر: فقه السنة) .
وروي عنه ﵁ أنه رأي رجلا يمشي خيلاء فضربه، ثم رآه وهو مازال كما كان فضربه ثم رآه كذلك فضربه، فتاب الرجل عن سلوكه وشكر الخليفة.
فلكي يكون الإنسان كاملا متوازن الميول مستقيم الحال طاهر النفس، فليتخلق بالخلق الفاضل التي سبقت الإشارة إليه.. وليتنزه عن الرذائل كلها..
стр. 4642
الخلاصة
في الإنسان الكامل الموازن المستقيم
أن الإنسان الكامل هو الذي له إيمان صادق كامل راسخ لا يزعزعه شيء، بل يدعو صاحبه إلى كل عمل صالح مثمر لنفسه ومجتمعه، وينفره عن ممارسة كل عمل باطل. ويدعوه إلى الحق. ومحبته والدفاع عنه، وصيانته.
هذا الإنسان المتصف بهذا الإيمان الصادق الكامل الراسخ.. لابد أن ينسجم معه فيعمل الصالحات دائما –قدر الاستطاعة- من كل ما افترضه الله الذي آمن به، وبكتابه، ورسله وملائكته ووعده ووعيده –عليه من العبادات والمعاملات الفردية والأسرية والجماعية، ويحرص على محافظتها ونشرها بين إخوته. ويدعو أهله ومجتمعه بقوله وفعله بحكمة مذكرا لهم ما في هذا العمل الصالح والإيمان الحق من فوائد فردية وجماعية. دنيوية وأخروية ويوصي نفسه وغيره محافظة هذا الحق ومداومته وإروائه ونشره، مشيرا له إلى ما يحيط به من عراقيل وعوائق نفسية وشيطانية وإنسية وجنية.. فيأمر بالصبر على ما في أداء ذلك الحق من مشقة نفسية وبدنية ومالية، كما يأمره بالصبر عن اللذات القليلة وشهوات النفس الأمارة بالسوء متذكرا فيما وعده الله لمن آمن بالحق وعمل به. وصبر عليه من ثواب عاجل وآجل.
هذا الإنسان المؤمن الصالح المحق الصابر الآمر الناهي هو الذي يعمل ذلك كله. بإخلاص قلبي، بلا رياء ونفاق. وبلا منفعة من غير ما ينتجه له عمله.
وهو الذي يستقيم على هذا الطريق دائما ليلا ونهارا في السراء والضراء. والشدة والرخاء، دون اعوجاج ولا ميل ولا ملل..
وهو يصدق في أقواله وأفعاله خبره وإنشائه فيطابق لسانه على الحق وفعله على قوله، فلا يخلطه بكذب ولا افتراء أو بهتان.
وهو الأمين الذي يأمن الناس بوائقه، ويأمنون من لسانه ويده، فلا يخون أحدا في ماله أو عرضه، بل يأتمنونه على ودائعهم وأماناتهم وعهودهم وعقودهم فيؤديها لهم في أوقاتها كاملة غير ناقصة، وفي مكانها المحدد.
стр. 4643
وهو العفيف الذي يعف عن أعراض الناس، يعف عن الزنا ومقدماته، ويعف عما في أيدي الناس، يعف عن السرقة والغصب ومقدمات كل منهما. ويعف عن النفس البريئة، فيعف عن قتل الأنفس ومسبباته من سب وقذف وبغي وقطع طريق.. كما يعف عن تعاطي كل مخدر مفتر ومسكر، ومن كل ما يغير عقله أو صحته الروحية أو الجسدية.
وهو الوفي الذي يوفي كل ذي عهد عهده، وكل ذي عقد عقده، فيكمل الكيل إذا كال لأحد، ويتم الوزن إذا وزن له، فلا بخس لديه ولا غش..
وهو المحسن الذي يحسن العمل الذي يعمله، فيتقنه، ويحسن لأهله وإخوته، وأمته، فينفق ماله على المنكوبين والمحتاجين ويبذله في المشاريع الخيرية ويساعد أهل الخير بما لديه من علم ومال.. فلا يسيء معاملة أحد من مجتمعه.
وهو مع ذلك صاحب تعاون وتجاوب في الأعمال الخيرية، فهو رجل اجتماعي فيتعاون مع المتعاونين في المشاريع الخيرية ذات النفع الجماعي، مثل بناء المدارس والمساجد والملاجئ والمستشفيات فلا يتخاذل وليس بخائن ولا متكبر ولا أناني.. وهو البر الرحيم، يطيع والديه في غير المعاصي ويحترمهما ويدعو لهما، يوقر الكبير من قومه ويرحم الصغير.
وهو الأخ الكريم العدل الرؤوف، يعدل بين المتخاصمين أن أصبح حاكما، وبين أفراد الرعية أن كان راعيا، فلا ينجذب مع القرابة أن كان مستشهدا في قضية بين قرابته وبعدائه. ولا يميل إلى الغني لغناه.. بل دائما قوله الحق وحكمه الفصل، لا يأتي من طرفه ظلم ولا جور، وهو اليقظ، المجد، المجاهد، الذي تراه دائما في يقظة وجد واجتهاد قد قسم أعماله ونظمها في الأوقات، تراه مرة في عبادة ربه المحضة، ومرة في عمل وظيفته، ومرة في أعمال تنفع مجتمعه، وطورا تراه بين أولاده وأزواجه يدربهم للأعمال الجدية.
ولا تراه أبدا في خوض، ولا في مجون، ولا في تيه ولهو، ولا في قمار وميسر، ولا تراه أبدا يستمع إلى أغاني الغانيات وأناشيد المطربين العازفين، ولا تراه أبدا وهو يلهو ويشاهد رقصات الراقصات والأفلام الخليعة والمجلات الخرافية والمسرحيات الماجنة.
стр. 4644
وربما تراه بقلة وهو يتجول مع أهله وأولاده في الحدائق لمشاهدة الطبيعة. أو تراه في سواحل البحار، يعلمهم السباحة وطبائع البحار، أو على قمم الجبال، ليطلعهم على طبائع هذا الكون.
وربما تراه طورا –في هذا العصر - وقد جلس مع أولاده أمام شاشة يرى ما عليها كأن جيشا مسلما يقاتل الأعداء ويدافع عن الإسلام والمسلمين والوطن ببسالة فيحببهم إليه. ولا تراه في هزل ولعب –إلا إذا كان طفلا- ولا في تكاسل وأسباب الغفلة وكيف تراه في ذلك اللهو واللعب.. إلا في حالة نسيان.. فيتوب منها ويستغفر فليس لذلك المؤمن وقت فاضل يقضيه في الملاهي..
فالمؤمن الكامل هو الذي يحفظ نفسه دائما عن الضلالة وهواها، ويحفظ دينه الحق عن أن يشوبه ضلال ويحفظ عرضه عن أن يمسه دنس أدنى مساس، فلا يسمح لأهله وأولاده ما يؤديهم إلى الانحراف أو التميع والانحلال ويحفظ عقله وماله عن كل ما يفسدهما في الحال والمآل.
وهو السخي الذي يبذل المال ويعطي، بلا تبذير ولا إسراف. في الطرق الخيرية والمباحة. فلا تراه يبخل بماله. كما لا تراه وهو يرابي به. وكما لا تراه مترفا مترفها.
فإذا: شخصية المسلم المؤمن المتصف بما سبق شخصية متميزة. متميزة في عقيدتها فلا تستقي هذه الشخصية المسلمة الصادقة عقيدتها من غير عقيدة الإسلام. ولا تأخذ مبادئها من غير مبادئ الإيمان. لأنها شخصية قد آمنت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . (٢) .
وتأثرت بمثل قوله ﷺ حينما أتاه عمر ﵁ بكتاب من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه. فغضب ((أتتهوكون –أي أتشككون ملتكم- فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لو أن موسي كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) رواه الإمام أحمد.وبمثل قوله ﷺ حينما جاءه أناس من المسلمين بكتف كتبوا فيها ما سمعوا من اليهود: ((كفي بقوم حماقة أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم)) أبو داود. فنزلت الآية: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . (٣) .
стр. 4645
وهي –أيضا- شخصية متميزة في عبادتها في صلاتها وصيامها، وحجها وذبحها..
قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . (١)
وقال ﷺ : ((صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود وصوموا يوما قبله أو يوما بعده)) . رواه أحمد.
وهي –أيضا- متميزة في أخلاقها، في حرصها على التكوين والتربية، على الصدق والأمانة على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، لغيرها قدوة صالحة. تتحلي بالفضائل التي تدعوا إليها أولا، لأنها تستقذر العتاب والوعيد الذي في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . (٢) ومثل قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . (٣) . واستنارت بموقف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ من التخلق والتطبيق بكل ما يقول. فقد روي أنه كان يجمع أهل بيته ليقول لهم: (إني سأدعو الناس إلى كذا وكذا، وأنهاهم عن كذا وكذا، وإني أقسم بالله العظيم لا أجد واحدا منكم أنه فعل ما نهيت الناس عنه، أو ترك ما أمرت الناس به إلا نكلت به نكالا شديدا..) ثم كان ﵁ يخرج ويدعو الناس إلى الخير، فلم يتأخر أحد عن السمع والطاعة لإعطائهم القدوة بفعله قبل إعطائهم إياها بقوله..
стр. 4646
تنبيه
اعلم يا أخي القارئ أن ما سبق لنا في هذا البحث من عرض حول مفاهيم الأخلاق، ومنشئها ومصدرها وقيمها وأنواعها.. إلخ إنما كان قصدنا منه الإشادة بمكانة الأخلاق الفاضلة في سلوك الإنسان والتنبيه والتذكير إلى شمولها بجميع شعب الإسلام.
وإن الأخلاق الفاسدة التي ذكرناها في الفصل الثالث منه من (نفاق وكذب وخيانة ونميمة) وغيرها.. إنما عرضتها عرضا سريعا بغير إشارة إلى كيفية لمعالجتها مع كونها من أخبث المفاسد الخلقية الأساسية في المجتمع المعاصر. وذلك للأسباب الآتية:
أنها مفاسد قديمة، ومنشؤها من النفس الخبيثة وقد حذرنا الله تعالى من مغبتها في كتابه الكريم مرارا، كما وضحها لنا الرسول ﷺ في أحاديثه الشريفة فليس في قبحها وحرمتها غموض ولا شائبة.
وأن حرمتها والتحذير منها لما اتفق عليه جميع عقلاء الناس قديما وحديثا، فليس لها مشجع.
وإنها ليست مقصودة في موضوع البحث المطلوب دراسته المقدم من شعبة التخطيط –حسب نظريتي-.
وإنما ذكرتها في هذا البحث كتوطئة لما بعدها من المفاسد الخلقية الآتية التي انتشرت في مجتمعنا الحاضر بصفة ذريعة، والتي اختلق لها معاذير ومبررات ومشجعات.
وهي: الملاهي المحرمة من أغان ماجنة ومسكرات وما صاحبهما من مثيرات الغريزة الجنسية: من تبرج جاهلي واختلاط بين الجنسين وإلى آخر ما سيأتي –إن شاء الله-.
стр. 4647
الفصل الرابع
الملاهي المحرمة
المبحث الأول
الأغاني والمعازف وأحكامها في الإسلام
أن من أهم الأسباب التي أفسدت الأخلاق وأتت بالانحراف والانحلال والميوعة لكثير من أبنائنا وبناتنا ورجالنا ونسائنا في هذا العصر كثرة الملاهي المحرمة شرعا. كما سنبين فيما بعد إن شاء الله.
وإن من أهم تلك الملاهي المشؤومة هذه الأغاني المائعة الماجنة مع ما يصاحبها من المعازف والموسيقي المطربة. التي تبثها الإذاعات والتلفزة المحلية والمستوردة بأساليب مختلفة منفردة، أو ضمن مسرحيات وقصص غرامية، وأفلام خليعة.. وقد اكتظت بتلك الظاهرة السيئة جميع الأندية ودور السينما في جميع أقطار عالمنا الإسلامي –إلا ما قل وندر- حتى دخلت تلك المفسدة الخطيرة الفنادق السياحية وكثيرا من البيوت العائلية المتحضرة عن طريق الفيديو.
وقد تسبب عن هذه الظاهرة الخبيثة انهيار خلقي رهيب، بسرعة مذهلة في جميع طبقات الأمة لا سيما الشباب والمراهقين الذين لم يتربوا تربية إيمانية صحيحة وخلقية صالحة فأفسدت عفتهم فلا ترى شابا عفيفا غيورا يصون شرفه وعرضه عن الضياع إلا من عصمه الله ولا شابة تحفظ شرفها وعفتها من أماكن الريبة إلا من عصمها الله. ولا ترى أكثر الآباء والأمهات في كثير من مجتمعاتنا إلا وقد أهمل تربية أولاده. في تلك الناحية، فماتت غيرته نحو صبيانه وعرضه شيئا فشيئا. بل أصبح كثير من شبابنا مضحكين وممثلين ومغنيين ومطربين وهكذا يظهرون في كل مكان في مشيتهم ولبستهم.. حتى ضاعت اللياقة والاتزان والتعقل والتمييز بين الحق والباطل. وبين الحسن وبين القبيح، وبين المفيد وغير المفيد فأصبحوا إمعة مع أن نبينا محمدا ﷺ نهى عن ذلك ((لا يكن أحدكم إمعة ... )) كما سيأتي..
كم ترى منهم من لم يحفظ القرآن الكريم غير فاتحة الكتاب وقد حفظ عشرات من الأغاني الخمرية. وكم تلاقي من امتلأت خزانته من عجلات الأغاني المائعة والألحان المطربة وليس لديه كتاب واحد من الكتب الإسلامية الصحيحة أو العلمية النافعة؟
وكم تشاهد من لم يتعرف اسم راو من رواة الحديث المشهورين مع أنه يذكر لك عشرات من المغنين والمطربين عن ظهر قلب.؟
وقد أفسدت تلك الأغاني: العقل، والدين، والشرف، والمال، والأمل، , بعدما أماتت الأخلاق الفاضلة وأقبرتها فأصبح الإنسان الذي اعتاد بممارسة تلك الأغاني الماجنة، والقصص الخرافية الجنسية، والأفلام الفاجرة باستماعها ومشاهدتها، أصبح إنسانا فاقد العقل والوازع الديني والخلقي.
стр. 4648
هذا هو الواقع المرير، وهو الوضع الذي نحاول تغييره بأسلوب حكيم غير مثير، فلا بد لنا من عرض هذا الموضوع، بشيء من التفصيل مع شيء من أدلة تحريمية من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء المعتبرين في هذا الميدان فنقول: تعريف الغناء: -الغناء بالمد- هو رفع الصوت مطلقا. قال ابن الأثير في (نهاية الأرب: ٣/٣٩٠) . وابن منظور في (اللسان) . وقيل: أنه يطلق على الترنم وعلى الحداء وعلى الإنشاد ويطلق على (التمطيط والتلحين بالأشعار على النغمات الموسيقية. وإذا أفرد –عن الإضافة- فالمراد به هذا الأخير) وفاعله يسمى مغنيا، لأنه يحرك به الساكن ويبعث به الكامن، ويعرض بالفواحش) . انظر: (الفتح جـ٢ ص: ٤٤٢ وجـ: ٣ ص: ٣٩٣) .
ومنشؤه كان من دولة الفرس قبل الإسلام فكانت الملوك تحصر لسماعه ومشاهدته ثم انتقل إلى العرب عن طريق اختلاطهم بالعجم عند الفتح الإسلامي في العصر الأموي فالعباسي، واقترنت معه آلات الطرب (المزامير، والطنابير، والعيدان....) ثم انتقل هذا النوع من الغناء إلى (الأندلس) في أوائل العهد العباسي، وقد انخرط وانحرف فيه بعض من الخلفاء العباسيين. كـ (الرشيد.. والواثق بالله، والمنتصر، ... ) .
كما قاله كل من ابن الأثير في (النهاية) والأصفهاني في (الأغاني) . وابن خلدون في (المقدمة) .
وقد افتتن به بعض فقهاء ذلك العصر. (كإبراهيم بن سعد الزهري) و (عبيد الله العنبري) وبعدهما (محمد بن حزم الظاهري) . انظر: ما رواه الخطيب في (تاريخ بغداد: ٦ /٨٣) و (التقريب ١ /٣٥ وذم الملاهي.) .
وقد امتد الغناء وازداد عشاقه حتى وصل في عصرنا هذا الغاية القصوى، فغمر الأندية والمحافل. وأصبح الشغل الشاغل عند كثير من الناس بصفة لا مثيل لها، كما سبقت الإشارة إليه.
موقف الإسلام منه بصفة عامة أن الغناء انفعال يشترك فيه جميع الأمم. فكل أمة لها غناء لأنه من خصائص البشر، فلكل حاسة من حواسه مستلذ. فالعين تستلذ المناظر الجميلة، والأذن تستلذ الأصوات العذبة.. انظر: مقدمة كتاب السماع لأبي الوفاء المراغي (ص١٢) .
لذا يري الإسلام أن الصوت الطيب من حيث هو طيب لا حرمة فيه، بل هو حلال فليست حرمة الأصوات الطيبة لكونها طيبة أو لكونها موزونة، وإنما حرمتها لأسباب أخرى. أهمها ثلاثة كما نقله الأستاذ (أحمد مصطفى) في (مفتاح السعادة: ٣/٣٨٥) .
стр. 4649
وهي:
١-أن الأغاني من شعار أهل الفسق وعادتهم فيمتنع التشبه بهم، (الإحياء: ٢/٢٦٩ ومفتاح السعادة ٣/٣٨٥) .
٢-وإنها تذكر مجالس الفجور، فتدعو إليه وكل ما يدعو إلى الفجور فهو حرام. (ذم الملاهي ٨٣) .
٣-وإنها تطرب الإنسان فتخرجه من حد الاعتدال والاتزان. انظر إغاثة اللهفان ص (٢٦٧) .
فكان تحريم الغناء من قبيل تحريم الجار إلى الحرام. كتحريم الخلوة مع الأجنبية لكونها مقدمة إلى الزنا. وكتحريم النظر إلى الفخذ لأن التساهل فيه يؤدي النظر إلى السوأتين فلهذه العلل وغيرها حرمت الأصوات المطربة بالأوتار والمزامير والموسيقي.
وخلاصة القول فيه أن: الغناء المعروف –قديما وحديثا- ينقسم من حيث الحل والتحريم إلى قسمين:
قسم لا خلاف في جوازه بين أهل العلم، ومن هذا القسم الأغاني المعروفة في صدر الإسلام بالأشعار الحماسية وما شاكلها في كل زمان من الأشعار المشجعة في الجهاد والبناء والعمل، إذا سلمت من كل فحش وفسق وفجور، ومن هذا القسم أيضا ما يقال في مناسبة العيد والعرس، وقدوم الغائب.. إذا خلا –أيضا- من الفحش والفجور.. وعلى هذا القسم يحمل كل ما ورد من الأحاديث والآثار التي وردت في إباحته، سواء كان مع الدف أو بغيره.
وقسم منه اتفق الجمهور على تحريمه وهو (الغناء المعروف بالتلحين والتمطيط والترنم على النغمات الموسيقية) . فقد اتفقوا على تحريم هذا النوع من الغناء لأمور عديدة. منها: اقترانه بالمعازف والمزامير الشيطانية، التي وردت الأدلة الصحيحة على تحريمها. كما سيأتي.
ومنها: ورود الأحاديث في ذم الغناء المعروف بهذه الصفة، وما نلمسه من بعض الآيات القرآنية. وما يؤيد ذلك من الآثار الثابتة عن الصحابة والتابعين كما سيأتي.
وخالف الجمهور في حكم هذا النوع ابن حزم الظاهري ومن تبعه على شذوذه.
فذهبوا إلى إباحة الأغاني وآلات الطرب.
فلننظر إلى ما استدل به الجمهور على قولهم من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، وإلى ما تشبث به ابن حزم لتأييد ما قاله.
стр. 4650
المبحث الثاني
أدلة تحريم الأغاني والمعازف
لقد استدل الجمهور على تحريم الغناء المذكور بكل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين:
فمن الكتاب:
١- استدلوا من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) وقالوا: إن أصح ما فسرت به الصحابة (لهو الحديث) هو (الغناء) فقد روي عن ابن عباس ﵁: أنه قال: هو (الغناء وأشباهه) . كما رواه البخاري في الأدب المفرد ص ٤٣٢ والبيهقي في السنن: ١٠/ ٢٢٣. وابن جرير في تفسيره (٢١/ ٦٠) . (وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٣٨) .
وروي عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: (هو والله الغناء) كما رواه: الحاكم (٢/ ٤١١) . والبيهقي (١٠/ ٢٢٣) وابن أبي شيبة بإسناد صحيح: انظر: (تلخيص الحبير ٤/ ٢٠٠) و (الإغاثة) جـ١ ص: ٢٤٠) .
وروي عن جابر ﵁ قوله: (إنه الغناء والاستماع له) كما أخرج الطبري في تفسيره: ٢١ / ٦١.
وروي عن مجاهد قوله: (إنه الغناء) . كما رواه البيهقي ١٠/ ٢٢٣ وابن جرير في التفسير: ٢١/ ٦٢.
стр. 4651
وكذلك روي عن عكرمة قوله: (إنه الغناء) . رواه البيهقي في السنن الكبرى: ١٠/ ٢٢٣.
وروي عن قتادة قوله: (إن لهو الحديث كل لهو ولعب) . أخرجه الطبري في التفسير: ٢١/ ٢١.
وروي عن الواحدي قوله: إن أكثر المفسرين ذهبوا على أن المراد بلهو الحديث (الغناء) .
فمن هذا نعلم أن الآية تدل على تحريم الغناء المعروف الآن بلا شك.
٢- وقوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (١) . فقد قالوا: أن لفظة (سامدون) معناها: المغنون واللاهون اللاعبون، والمستكبرون الأشرون البطرون، والغافلون المعرضون المشتغلون عن أمورهم بالهموم والأفراح. كما روي عن بعض الصحابة والتابعين والمفسرين..
فقد روي عن ابن عباس ﵁: (أن السمود هو الغناء باللغة الحميرية) .
(الإغاثة) ١/ ٢٥٨) وفسره –أيضا- (باللهو) أخرجه الطبري في (التفسير: ١٧/ ٨٢) .
وقال الضحاك (هو اللهو واللعب) كما أخرجه الطبري في (التفسير: ١٧/ ٨٢) . وقال مجاهد: (هو البرطمة) والبرطمة هي (الانتفاخ غضبا) كما في القاموس –أخرجه الطبري ٨٧٠.
стр. 4652
وقال المبرد: (السمود هو الاشتغال عن الشيء بهم وفرح يشاغل به) انظر (الإغاثة: ١/ ٢٥٨) .
وقال الأنباري: (السامد: اللاهي والساهي والمتكبر.) .
وقال ابن عباس ﵁: ( ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ : أنتم مستكبرون) (الإغاثة: ١/ ٢٥٨)
وقال الضحاك: ( ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ : أشرون بطرون) انظر (إغاثة اللهفان: ١/ ٢٥٨) .
وقال غيرهم: (أنتم سامدون: لاهون غافلون معرضون) (الإغاثة ١/ ٢٥٨) .
والمعلوم أن الغناء يجمع تلك المعاني كلها فلا تناقض بين المعاني كما لا يخفي.
انظر: (الأغاني والمعازف وآلات الملاهي. للمحقق كتاب الآجري: ص٣٨٠-٣٨١) .
٣- وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (١) . قال الله تعالي هذا القول في خطابة إبليس عدوه وعدو بني آدم بصفة عامة، فما هو صوت إبليس –عليه اللعنة- في هذه الآية؟
فقد قال مجاهد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: صوت الشيطان: هو (الغناء والمزامير واللهو) .
وقال الضحاك: (صوت الشيطان في الآية هو صوت المزمار) .
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: صوته –أي صوت إبليس- (الغناء والباطل) رواه عنه ابن أبي حاتم. وقال –أيضا-: (صوته هو المزامير) رواه ابن أبي حاتم.. ثم روى بإسناده عن الحسن البصري قال: (صوته هو الدف) انظر (الإغاثة: ١/ ٣٥٦) .
ومن هذا كله نعلم علما أكيدا: أن الغناء المعروف المنتشر مع ما يصاحبه من آلات الطرب واللهو هو من صوت إبليس وندائه إلى طريقته. فلا بد من تحريم ذلك إذن بهذه الآيات الثلاثة وغيرها من الآيات القرآنية.
стр. 4653
ومن الحديث:
مما استدل لتحريم الأغاني والمزامير والموسيقي أحاديث كثيرة ومروية في كتب الحديث المعتمدة. فلنأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١- عن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) أخرجه البخاري في صحيحه محتجا به وعلقه تعليقا مجزوما به. ورواه أبو داود في سننه مختصرا وابن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى. والطبراني في المعجم. والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن القيم في إغاثة اللهفان.. فالحديث ثابت وصحيح، قد اتفق على صحته جمهور المحدثين وما خالف في ذلك إلا ابن حزم الظاهري ومن اقتدي به.
والحديث من معجزاته الخبرية لأن مضمونه قد تحقق، فقد استحل كثير من الأمة (الحر) –وهو الفرج والمراد الزنا، و (الحرير) . (والمعازف) وهي: آلات الملاهي كالعود والدف، والعازف هو اللاعب بها، قال الذهبي في التذكرة: (المعازف اسم لكل ما يعزف به، كالطنبور والزمر والشبابة وغير ذلك من آلات الملاهي) .
ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها ولا خلاف بين أهل اللغة في ذلك. ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها. ولما قرن استحلالها باستحلال (الخمر والزنا) .
٢- وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في التاريخ، وأبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه –واللفظ له- والبيهقي في السنن، وابن حبان في صحيحه. والطبراني في الكبير، وقال البيهقي بعد أن أخرجه في السنن الكبرى ١٠/ ٢٢١: ولهذا شواهد من حديث علي وعمران بن حصين، وعبد الله بن بسر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك وعائشة، ﵂ عن النبي ﷺ . فدرجة الحديث: أنه حسن لغيره، وقد صححه ابن حبان.
ووجه الدلالة منه: أن فيه توعد مستحلي المعازف والمغنيات بالخسف والمسخ.
стр. 4654
٣- وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات)) [رواه الإمام أحمد والطبراني، وأبو نعيم وابن أبي الدنيا] .
٤- وعن على بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل عليها البلاء قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: إذا كان المغنم دولا. والأمانة مغنما. والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير واتخذ القينات، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليترقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا أو مسخا)) . رواه الترمذي وابن أبي الدنيا. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي مثله. وحسنه الترمذي.
من هذه الأحاديث وغيرها نعلم: أن الأغاني المطربة الحالية وما رافقها من المعازف والموسيقي محرمة كالخمر والزنا، لما في هذه الأحاديث المتعاضدة من وعيد شديد. بوقوع الخسف والمسخ في هذه الأمة، المقيد بأصحاب الأغاني والمعازف وشاربي الخمور.
وقد قيل عن بعض أهل العلم (إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، ثم انطبع بذلك انطباعا تاما صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك. من القردة والخنازير، وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه شيئا فشيئا، حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا.. ومن له فراسة تامة يرى على صورة الناس مسخا من صورة الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها في الباطن.. فقلَّ أن تري رجلا محتالا مكارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد. وقَلَّ أن تري رجلا شَرِهًا نَهِمًا، نفسه نفسا كَلْبِيَّةَ إلا على وجهه مسخة كلب ... ) انظر (إغاثة اللهفان) (جـ١ ص٢٦٧) .
٤- من أقوال الصحابة والتابعين التي قد استدل على تحريم الأغاني الخليعة وآلاتها المطربة ممارسة واستماعا ما يلي:
١- عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: (الغناء والعزف مزمار الشيطان) . كما نقل عن كتاب: مدارج السالكين. ولا شك في نكارة عمل نسب للشيطان كهذا.
стр. 4655
٢- وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (الغناء ينبت النفاق في القلب) رواه: أبو داود. والبيهقي وابن أبي الدنيا، وإسناده صحيح، وقد قال كل من ابن القيم في (الإغاثة: ١/ ٢٦٦) .
والأذرعي كما في (كف الرعاع) : إن هذا حجة لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((رضيت لأمتي ما رضي به ابن أم معبد)) . كما رواه: البخاري في الصحيح والحاكم.
٣- وعن عائشة ﵂ أنها قالت لمغن: (أف. شيطان أخرجوه أخرجوه..) رواه البخاري في الأدب المفرد. والبيهقي في السنن الكبرى بسند رجاله ثقات. فما هذا التأفف الشديد والطلب الملح بالإخراج من أم المؤمنين إلا أنها تكره الغناء وتحرمه ...
٤- وعن أنس ﵁ أنه قال: (أخبث الكسب كسب الزمارة) رواه ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) بسند حسن فلا شك أن هذا من الأدلة الدالة على تحريم الزمارة التي يتغنى بها الدعاة. وأن ما اكتسب منها خبيث وسحت وحرام.
٥- وعن ابن عمر ﵁ أنه قال –وقد رأى صغيرة تغني- (إن الشيطان لو ترك أحدا لترك هذه..) رواه البخاري في الأدب. وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي.
فلا شك أن في هذا الحديث دليلا على قبح الغناء وكراهته لأن الاشتغال به من عمل الشيطان وتسليطه.
٦- وعن فضالة بن عبيد بن قيس الأنصاري ﵁ (أنه كان بمجمع –أي حي من الأحياء- من المجامع. فبلغه أن قوما يلعبون بالكوبة –أي الطبل- وقيل: النرد، والشطرنج، والطبل الصغير – (فقام غضبانا ينهى عنها أشد النهي) . ثم قال: (ألا أن اللاعب بها ليأكل ثمرها كالآكل لحم الخنزير ومتوضئ بالدم) رواه البخاري في الأدب المفرد بسند رجاله ثقات. لا ريب أن هذا –أيضا- من أدلة التحريم إذ إنك تري أن الصحابي الجليل غضب من ذلك أشد الغضب. ونهى عنه أشد نهي، وشبه بكسبه بأخبث شيء.
٧- وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: (ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ رواه ابن ماجه في سننه وفي سنده: الصلت بن دينار. قيل: هو صبي متروك الحديث.
стр. 4656
٨- وعن سعيد بن المسيب أنه قال: (إني لأبغض الغناء وأحب الرجز) رواه عبد الرازق الصنعاني في (المصنف) بسند صحيح (وهو من أقوي الأدلة في الرد على من زعم أن سعيد بن المسيب كان يبيح الغناء) . فنقول: إنما كان يسمع الرجز فقط، وشتان ما بين الرجز والغناء فالرجز نوع من الشعر العادي. وزنه (مستفعلن) ست مرات سمي بذلك لتقارب أجزائه. أما الغناء: فهو –كما سبق- نغمات تلحن وتمطط بتكسير وتقطيع. والله أعلم.
٩- وعن قتادة أنه قيل له: فما صوته –أي ما صوت إبليس-؟ فقال: (المزمار، ومصائده النساء) . رواه ابن أبي الدنيا في (مكائد الشيطان) وابن القيم في (إغاثة اللهفان) والطبراني كما في مجمع الزوائد. وروي رفعه، ولكن الصحيح هو الموقوف إلا أنه مرسل ومعلوم أن لهذا الأثر شواهد كثيرة.
١٠- وعن الضحاك بن مزاحم الهلالي: أنه قال (الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب) . ذكره ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) ص: ٢٣٥.
١١-وعن يزيد بن الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العادل المعروف بالناقص أنه قال: (يا بني أمية إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنا) . رواه ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) وابن كثير في (البداية والنهاية) وابن القيم في (إغاثة اللهفان) .
١٢- وعن الفضيل عن عياض أنه قال: (الغناء رقية الزنا) رواه ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) وابن الجوزي في (تلبيس إبليس) .
١٣- وقال على بن الحسين (زين العابدين) : (ما قدست أمة فيها البربط) رواه: ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) . وابن الأثير في (النهاية) وابن القيم في (الإغاثة) بإسناد رجاله ثقات.
١٤- وعن قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال لمن سأله عن الغناء: (أنهاك عنه وأكرهه لك، قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا أخي إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء؟) رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في السنن. وابن الجوزي في التلبيس وله شاهد من حديث عباس الذي ذكره ابن القيم في (الإغاثة) .
стр. 4657
١٥- وعن عمر بن عبد العزيز –﵀ أنه قال: (الغناء بدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن) .
١٦- وعن محمد بن الفضل الأزدي أنه قال: (نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته (مليكة) فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور. ولا تسمعه هذه –يعني ابنته- فإن كففته وإلا خرجت عنك) ذكره ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) . كما نقله ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان عن مكائد الشيطان) (جـ١ ص٢٤٦) .
١٧- وعن أبي عبيدة معمر بن المثني، أنه قال (جاور الحطيئة قوما من بني كلب –فتشاور القوم في شأنه- فأتوه في فناء خبائه. فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه، فقال: جنبوا ندي مجلسكم، ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم، فإن الغناء رقية الزنا) . رواه ابن أبي الدنيا بسند مقبول لكن فيه انقطاع. وفي هذا الأثر والذي قبله دلاله واضحة على قبح الغناء وشناعته، وأن خطره معروف حتى عند الشعراء الذين اشتهروا بالهجاء والسب والسفه..
وقد قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : إذا كان هذا الشاعر المفتون الذي هابت العرب هجاءه خاف عاقبة الغناء، وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟ انظر (جـ١/ ٢٤٦) .
ومن هذه الأقوال نعلم علما أكيدا: أن كثيرا من الأغاني الحالية التي يتغنى بها كثير من أبنائنا وبناتنا، ونسمعها عن قصد أو من غير قصد –هي من عمل الشيطان، يفسد بها القلوب والعقول ويغضب الله، فالغناء إذًا هو نفسه حرام، وكسبه حرام.
стр. 4658
المبحث الثالث
من أقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم
الأغاني والموسيقي ما يلي
لقد اتفق جمهورهم على تحريم الغناء المقترن بآلات الطرب. والمشتمل على ذكر أوصاف النساء، والخمور، والكذب، والافتراء ونحوها.
١- وهذا التحريم هو مذهب أبي حنيفة وسائر أهل الكوفة في ذلك الزمن كالثوري والشعبي، والنخعي فقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) عن أبي الطيب أنه قال: (كان أبو حنيفة يكره الغناء، ويجعل سماعه من الذنوب، وكذلك سائر أهل الكوفة ... ) .
وذكر الألوسي في تفسيره (روح المعاني) تحريمه عن أبي حنيفة، وأنه حرام في جميع الأديان. وأن كلا من صاحب الهداية والذخيرة سمياه كبيرة.
وقال (صاحب الدر المختار شرح تنوير الأبصار) : لا تقبل شهادة من يغني للناس؛ لأنه يجمعهم على كبيرة، وكذلك لا تقبل شهادة من يستمع الغناء، أو يجلس بمجلس الغناء أو مجلسا آخر من مجالس الفجور.
وبهذا جزم الزيلعي في (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (جـ٤ ص١٢٠) . وكذلك جزم به صاحب الفتاوى الهندية في فتاويه.
فمذهب أبي حنيفة في ذلك أشد المذاهب. وقوله فيه أغلظ الأقوال قاله ابن القيم في (الإغاثة) . وقال فيه –أيضا- (وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى ضرب القضيب، كما صرحوا بأنه معصية توجب الفسق فترد به الشهادة كما قالوا: إن سماعه فسق والتلذذ به كفر) .
وقال أبو يوسف في دار يسمع منها المعازف والملاهي: (ادخل عليهم بغير إذن للنهي، لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض) انظر (إغاثة اللهفان) .
٢-وهو مذهب الإمام مالك وسائر أهل المدينة في ذلك الوقت سوى إبراهيم بن سعد الزهري وعبيد الله بن الحسن العنبري. فقد قال الإمام مالك حينما سئل عن الغناء (إنما يفعله عندنا الفساق) يعني بذلك إبراهيم ومن شاركه.
стр. 4659
وعن أبي الطيب الطبري: أن مالك بن أنس (نهى عن الغناء وعن استماعه) وقال: (إذا اشتري-إنسان- جارية فوجدها مغنيه كان له ردها بالعيب –يقصد بذلك العيب (كونها مغنية) . وقال: وهذا مذهب سائر أهل المدينة) .
وذكر ابن عبد البر في كتاب (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) : (إسقاط شهادة من يستمع الغناء أو يغشى المغنين) انظر (الكافي) (٢/ ٢٠٥) .
وذكر الحطاب في (شرح مختصر خليل) عن ابن عبد الحكم (أن سماع الغناء بغير آله إذا تكرر منه يكون قادحا في المروءة وأما الغناء بآلة: فإن كانت ذات أوتار كالعود، والطنبور، والمزمار فممنوع) انظر (٦/ ١٥٣) .
والحاصل: أن مذهب الإمام مالك وسائر أهل المدينة المعتبرين متفقون على كراهة الغناء ومنعه إلقاءً واستماعا.
وإن ما يدعيه ابن حزم الظاهري في ذلك المضمار فهو باطل. كما سنذكره إن شاء الله.
٣- والتحريم –أيضا- هو مذهب الشافعي كما هو معروف لدى العلماء فقد صرح في (كتاب الأم) : ٦/ ٢١٤، (بأن الرجل الذي يغني فيتخذ الغناء صناعة لا تجوز شفاعته؛ لأنه من اللهو الذي يشبه الباطل، وأن من يتخذ الغلام والجارية المغنين ويجمع عليهما أي يجتمع هو والناس على استماعهما والنظر إليهما –فهذا سفيه ترد به شهادته) قال: (وفي الجارية أكثر –سفها وأشد نكارة- لأن فيه سفاهة ودياثة..) .
(وإنما جعل هذا الرجل سفيها فاسقا، لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا إلى باطل كان سفيها وفاسقا) . قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) :
وعن أبي الطيب الطبري: (أن من أضاف إلى الشافعي إباحة الغناء والضرب بالقضيب فقد كذب عليه) حكاه عنه ابن الجوزي.
وحكي ابن الصلاح: (الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء فالخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل الشبابة منفردة والدف منفردا..) .
стр. 4660
وقال ابن القيم في (الإغاثة) : (إن أصحاب الشافعي العارفين بمذهبه صرحوا بتحريم الغناء، وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب وابن الصباغ) .
انظر: ملحق كتاب (تحريم النرد والشطرنج والملاهي) ص٣١٧.
وحكي عن أبي إسحاق في التنبيه: (أنه لا تصح الإجارة على منفعة محرمة كالغناء والزمر ولم يذكر فيه خلافا) .
قد تضمن كلام الشيخ أمورا: أحدهما: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابل محرم، وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم، وإنما رخص في ذلك من قل حياؤه وغلبه هواه قاله ابن الجوزي.
وذكر الهيتمي في الزواجر: (أن الشافعية استدلوا على تحريم المزامير بأنها شعار شربة الخمور) . انظر (الزواجر) ص٢/ ٢٧٨.
فخلاصة القول: أن الأغاني المطربة بالمعازف وآلات الطرب محرمة عند المذهب الشافعي. وأن كل ما حكي عن الشافعية من إباحة المزامير والأوتار فهو غير صحيح.
٤- أما مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة حكم الأغاني فهي لا تخالف كثيرا مما سبق.
فلننظر قليلا فيما نقل عن ذلك الإمام.
فقد قال ابنه عبد الله: سألت أبي عن الغناء فقال: (الغناء ينبت النفاق في القلب؛ فلا يعجبني) .
وروي عنه يعقوب الهاشمي (أن التغبير بدعة محدثة) وروى عنه أبو الحارث، أنه قال: (التغبير بدعة. فقيل له: إنه يرقق القلب فقال: هو بدعة) . وروي عن يعقوب بن غياث. أنه قال: (أكره التغبير وأنه نهى عن استماعه) .
وقد قيل: إن الغناء الذي كان موجودا في زمانه هو إنشاد القصائد الزهدية وكان الزهاد يلحنونها لذا اختلفت الروايات عنه.